مسائل تتعلق بحديث الباب
المسألة الأولى: في درجته: حديث الباب صحيح.
المسألة الثانية: فيمن أخرجه:
حديث الباب بزيادة "توضئوا باسم الله" مما انفرد به المصنف، وإلا فقد تقدم أنه مما أخرجه كلهم إلا أبا داود، وابن ماجه.
المسألة الثالثة: في فوائده:
تقدمت فوائد هذا الحديث في الباب الذي قبله، وزاد هنا التسمية على الوضوء، قال السيوطي ﵀: قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: أفعال العباد على ثلاثة أقسام: ما سنت فيه التسمية، وما
لم تسن، وما تكره فيه.
الأول: كالوضوء، والغسل، والتيمم، وذبح المناسك، وقراءة القرآن، ومنه أيضا مباحات كالأكل، والشرب والجماع.
الثاني: كالصلاة والأذان، والحج، والعمرة، والأذكار، والدعوات.
والثالث: المحرمات لأن الغرض من البسملة التبرك في الفعل المشتمل عليه، والحرام لا يراد كثرته، وبركته وكذلك المكروه، قال: والفرق بين ما سنت فيه البسملة من القربات، وبين ما لم تسن فيه عسير
فإن قيل: إنما لم تسن البسملة في ذلك القسم لأنه بركة في نفسه، فلا يحتاج إلى التبريك، قلنا هذا مشكل بما سنت فيه البسملة كقراءة القرآن فإنه بركة في نفسه، ولو بسمل على ذلك جاز، وإنما الكلام في كونه سنة، ولو كانت سنة لنقل عن رسول ﷺ ، والسلف الصالح كما نقل غيره من السنن والنوافل اهـ زهر جـ ١/ ص ٦١.
стр. 982
المسألة الرابعة: في الكلام على أحاديث البسملة:
وقد لخص الكلام عليها الحافظ في التخليص، فقال: حديث "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه" رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي في العلل، وابن ماجه، والدارقطني، وابن السكن، والحاكم، والبيهقي من طريق محمَّد بن موسى المخزومي، عن يعقوب بن سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة بلفظ "لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه".
ورواه الحاكم من هذا الوجه، فقال يعقوب بن أبي سلمة، وادعى أنه الماجشون، وصححه لذلك، والصواب أنه الليثي، قال البخاري: لا يعرف سماع من أبيه، ولا لأبيه من أبي هريرة، وأبوه ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: ربما أخطأ، وهذه عبارة عن ضعفه، فإنه قليل الحديث جدا، ولم يرو عنه سوى ولده، فإن كان يخطئ مع قلة ما روى فكيف يوصف بكونه ثقة.
قال ابن الصلاح: انقلب إسناده على الحاكم، فلا يحتج لثبوته بتخريجه له، وتبعه النووي، وقال ابن دقيق العيد: لو سلم للحاكم أنه يعقوب بن أبي سلمة الماجشون، واسم أبي سلمة سلمة بن دينار،
فيحتاج إلى معرفة حال أبي سلمة، وليس له ذكر في شيء من كتب الرجال، فلا يكون أيضا صحيحًا.
وله طريق أخرى عند الدارقطني، والبيهقي من طريق محمود بن محمَّد الظفري، عن أيوب بن النجار، عن يحيى، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة بلفظ "ما توضأ من لم يذكر اسم الله عليه، وما صلى من لم يتوضأ" ومحمود ليس بالقوي، وأيوب قد سمعه يحيى بن معين يقول: لم أسمع من يحيى بن أبي كثير إلا حديثا واحدا
стр. 983
"التقى آدم وموسى".
وقد ورد الأمر بذلك من حديث أبي هريرة، ففي الأوسط للطبراني، من طريق علي بن ثابت، عن محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "يا أبا هريرة إذا توضأت فقل: بسم الله، والحمد لله، فإن حفَظَتَك لا تزال تكتب لك الحسنات، حتى تحدث من ذلك الوضوء" قال: تفرد به عمرو بن أبي سلمة عن إبراهيم ابن محمَّد (١) عنه، وفيه أيضا من طريق الأعرج عن أبي هريرة رفعه "إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها، ويسمي قبل أن يدخلها" تفرد بهذه الزيادة عبد الله بن محمَّد بن يحيى بن عروة، وهو متروك، عن هشام بن عروة، عن أبي الزناد عنه.
وفي الباب عن أبي سعيد، وسعيد بن زيد، وعائشة وسهل بن سعد، وأبي سبرة، وأم سبرة، وعلي، وأنس.
أما حديث أبي سعيد، فرواه أحمد، والدارمي، والترمذي في العلل، وابن ماجه، وابن عدي، وابن السكن، والبزار، والدارقطني، والحاكم والبيهقي، من طريق كثير بن زيد عن ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد، بلفظ حديث الباب، وزعم ابن عدي أن زيد بن الحباب تفرد به عن كثير، وليس كذلك فقد رواه الدارقطني من حديث أبي عامر العقدي وابن ماجه من حديث أبي أحمد الزبيري.
وأما حال كثير بن زيد، فقد قال ابن معين: ليس بالقوي، وقال أبو زرعة: صدوق، فيه لين، وقال أبو حاتم: صالح الحديث ليس بالقوي يكتب حديثه.
وربيح: قال أبو حاتم: شيخ، وقال الترمذي عن البخاري: منكر الحديث، وقال أحمد: ليس بالمعروف، وقال المروزي: لم يصححه
стр. 984
أحمد، وقال: ليس فيه شيء يثبت، وقال البزار: روى عنه فليح بن سليمان، وكثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، كل ما روي في هذا الباب فليس بقوي، ثم ذكر أنه روي عن كثير بن زيد، عن الوليد بن أبي رباح عن أبي هريرة، وقال العقيلي: الأسانيد في هذا الباب فيها لين، وقد قال أحمد بن حنبل: إنه أحسن شيء في هذا الباب، وقال السعدي: سئل أحمد عن التسمية فقال: لا أعلم فيه حديثا صحيحا، أقوى شيء فيه حديث كثير بن زيد عن ربيح، وقال إسحاق بن راهويه: هو أصح ما في الباب.
وأما حديث سعيد بن زيد: فرواه الترمذي، والبزار، وأحمد، وابن ماجه، والدارقطني، والعقيلي، والحاكم من طريق عبد الرحمن ابن حرملة، عن أبي ثفَال المُرِّيّ، عن رَباح بن عبد الرحمن بن أبي سفيان بن حويطب عن جدته، عن أبيها، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول، فذكر لفظ الترمذي، قال: وقال محمَّد: أحسن شيء في هذا الباب حديث رباح، ولابن ماجه بزيادة "لا صلاة لمن لا وضوء له" وصرح العقيلي والحاكم بسماع بعضهم من بعض، وزاد "ولا يؤمن بالله من لا يؤمن بي، ولا يؤمن بي من لا يحب الأنصار" وزاد الحاكم في روايته: حدثتني جدتي أسماء بنت سعيد بن زيد بن عمرو أنها سمعت رسول الله ﷺ ، فأسقط منه ذكر أبيها، وقال الدارقطني في العلل: اختلف فيه فقال وهيب، وبشر بن المفضل، وغير واحد: هكذا، وقال حفص بن ميسرة، وأبو معشر، وإسحاق بن حازم عن ابن حرملة، عن أبي ثفال، عن رباح، عن جدته أنها سمعت، ولم يذكروا أباها، ورواه الدراوردي، عن أبي ثفال، عن رباح، عن ابن ثوبان مرسلا، ورواه صدقة مولى آل الزبير، عن أبي ثفال، عن أبي بكر بن حويطب مرسلا، وأبو بكر بن حويطب هو رباح المذكور. قاله الترمذي.
стр. 985
قال الدارقطني: والصحيح قول وهيب وبشر بن المفضل ومن تابعهما.
وفي المختارة للضياء من مسند الهيثم بن كليب، من طريق وهيب، عن عبد الرحمن بن حرملة سمع أبا غالب، سمعت رباح بن عبد الرحمن حدثتني جدتي أنها سمعت أباها كذا قال، قال الضياء: المعروف أبو ثفال، بدل أبي غالب، وهو كما قال، وصحح أبو حاتم، وأبو زرعة في العلل روايتهما أيضا بالنسبة إلى من خالفهما، لكن قالا: إن الحديث ليس بصحيح، أبو ثفال ورباح مجهولان، وزاد ابن القطان: إن جدة رباح أيضا لا يعرف اسمها، ولا حالها كذا قال، فأما هي فقد عرف اسمها من رواية الحاكم، ورواه البيهقي أيضا مصرحا باسمها، وأما حالها، فقد ذكرت في الصحابة وإن لم يثبت لها صحبة فمثلها لا يسأل عن حالها.
وأما أبو ثفال: فروى عنه جماعة، وقال البخاري في حديثه نظر، وهذه عادته فيمن يضعفه، وذكره ابن حبان في الثقات، إلا أنه قال: لست بالمعتمد على ما تفرد به فكأنه لم يوثقه.
وأما رباح: فمجهول، قال ابن القطان، فالحديث ضعيف جدا، وقال البزار: أبو ثفال مشهور، ورباح وجدته لا نعلمهما رويا إلا هذا الحديث، ولا حدث عن رباح إلا أبو ثفال، فالخبر من جهة النقل لا
يثبت.
وأما حديث عائشة: فرواه البزار، وأبو بكر بن أبي شيبة في مسنديهما، وابن عدي، وفي إسناده حارثة بن محمَّد، وهو ضعيف، وضعف به، قال ابن عدي: بلغني عن أحمد أنه نظر في جامع إسحاق ابن راهويه فإذا هو أول حديث قد أخرجه هذا الحديث فأنكره جدًّا،
стр. 986
وقال: أول حديث يكون في الجامع عن حارثة؟
وروى الحربي عن أحمد أنه قال: هذا يزعم أنه اختار أصح شيء في الباب، وهذا أضعف حديث فيه.
وأما حديث سهل بن سعد، فرواه ابن ماجه والطبراني، وهو من طريق عبد المهيمن بن عباس بن سهل، عن أبيه، عن جده، وهو ضعيف، لكن تابعه أخوه أبي بن عباس، وهو مختلف فيه.
وأما حديث أبي سبرة، وأم سبرة فروى الدولابي في الكنى والبغوي في الصحابة، والطبراني في الأوسط من حديث عيسى بن سبرة بن أبي سبرة عن أبيه عن جده.
وأخرجه أبو موسى في المعرفة، فقال: عن أم سبرة وهو ضعيف.
وأما حديث علي: فرواه ابن عدي في ترجمة عيسى بن عبد الله بن محمَّد بن عمر بن علي،، عن أبيه عن جده عن علي، وقال: إسناده ليس بمستقيم.
وأما حديث أنس فرواه عبد الملك بن حبيب الأندلسي عن أسد بن موسى، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بلفظ "لا إيمان لمن لم يؤمن بي، ولا صلاة إلا بوضوء، ولا وضوء لمن لم يسم الله" وعبد الملك شديد الضعف.
نظر العلماء فى أحاديث البسملة:
والظاهر أن مجموع الأحاديث يحدث منها قوة تدل على أنه له أصلا.
وقال أبو بكر بن أبي شيبة: ثبت لنا أن النبي ﷺ -قاله، وقال البزار: لكنه مؤول ومعناه أنه لا فضل لوضوء من لم يذكر اسم الله، لا على أنه
стр. 987
لا يجوز وضوء من لم يسم.
واحتج البيهقي على عدم وجوب التسمية بحديث رفاعة بن رافع "لا يتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمر الله، فيغسل وجهه".
واستدل النسائي، وابن خزيمة، والبيهقي، في استحباب التسمية بحديث معمر عن ثابت، وقتادة، عن أنس، قال "طلب بعض أصحاب النبي ﷺ وضوءا، فلم يجدوا، فقال: "هل مع أحد منكم ماء، فوضع يده في الإناء، فقال: توضئوا باسم الله" وأصله في الصحيحين بدون هذه اللفظة، ولا دلالة فيها صريحة لمقصودهم.
وقد أخرج أحمد مثله من حديث نبيح العنزي عن جابر. اهـ تلخيص الحبير جـ ١/ ص ٣٩١. نسخة شرح المهذب.
واحتج الرافعي على عدم وجوب التسمية بما روي أنه ﷺ قال: "من توضأ وذكر اسم الله عليه كان طهورا لجميع بدنه، ومن توضأ ولم يذكر اسم الله عليه كان طهورا لأعضاء وضوئه" قال الحافظ: وسبقه أبو عبيد في كتاب الطهور.
رواه الدارقطني، والبيهقي من حديث ابن عمر، وفيه أبو بكر الداهري وهو متروك، ورواه الدارقطني من حديث أبي هريرة بلفظ "لم يطهر إلا موضع الوضوء منه" وفيه مرداس بن محمَّد، ومحمد بن أبان، ورواه الدارقطني، والبيهقي من حديث ابن مسعود، بزيادة "فإذا فرغ من طهوره فليشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، فإذا قال ذلك: فتحت أبواب السماء" وفي رواية البيهقي "أبواب الرحمة" وفي إسناده يحيى بن هاشم السمسار، وهو متروك، ورواه عبد الملك بن حبيب، عن إسماعيل بن عياش، عن أبان، وهو مرسل ضعيف جدا.
وقال أبو عبيد في كتاب الطهور: سمعت من خلف بن خليفة حديثا
стр. 988
يحدثه بإسناده إلى أبي بكر الصديق، فلا أجدني أحفظه، وهذا مع إعضاله موقوف اهـ تلخيص جـ ١/ ص ٣٩٣.
وقال النووي ﵀: يمكن أن يحتج في المسألة بحديث: كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد أو بذكر الله" اهـ المجموع جـ ١/ ص ٣٤٤.
وقد قال ﵀ في أول الكتاب بعد أن ذكر ألفاظه بقوله عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله، أقطع" وفي رواية "بحمد الله" وفي رواية "بالحمد فهو أقطع" وفي رواية "كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله، فهو أجذم"، وفي رواية "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم أقطع".
روينا كل هذه الألفاظ في كعب الأربعين للحافظ عبد القادر الرهاوي، رويناه فيه من رواية كعب بن مالك الصحابي ﵁، والمشهور رواية أبي هريرة، وحديثه هذا حديث حسن، رواه أبو داود،
وابن ماجه، في سننيهما، والنسائي في عمل اليوم والليلة، وأبو عوانة في أول صحيحه المخرج على صحيح مسلم، وروي موصولا ومرسلا، ورواية الموصول إسنادها جيد اهـ المجموع جـ ١/ ص ٧٣.
قال الجامع عفا الله عنه:
هذا الحديث الذي حسنه النووي، وقبله ابن الصلاح قد اختلف في وصله وإرساله، فرجح النسائي، والدارقطني، فيه الإرسال، قاله في النيل.
وقد استوفى الكلام عليه العلامة الألباني في أول إروائه، وقال في آخره: وجملة القول أن الحديث ضعيف لاضطراب الرواة فيه على الزهري، وكل من رواه موصولا ضعيف، أو السند إليه ضعيف،
والصحيح عنه مرسلا كما تقدم عن الدارقطني وغيره اهـ إرواء الغليل جـ ١/ ص ٣٢.
وبالجملة فالحديث ضعيف جدًّا، فلا يصلح للاحتجاج به. وقد أشبعت الكلام في هذا في شرح البسملة أول الكتاب، فارجع إليه تستفد. والله تعالى أعلم.
стр. 989
المسألة الخامسة:
في مذاهب العلماء في التسمية عند الوضوء: اختلف العلماء في التسمية في الوضوء.
قال الإمام النووي ﵀: إن التسمية سنة وليست بواجبة، فلو تركها عمدا صح وضوءه، هذا مذهبنا، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وجمهور العلماء، وهو أظهر الروايتين عن أحمد، وعنه رواية أنها
واجبة.
وحكى الترمذي، وأصحابنا عن إسحاق بن راهويه أنها واجبة إن تركها عمدا بطلت طهارته، وإن تركها سهوا أو معتقدا أنها غير واجبة لم تبطل طهارته، وقال أهل الظاهر: هي واجبة بكل حال، وعن أبي حنيفة رواية أنها ليست بمستحبة،، وعن مالك رواية أنه بدعة، ورواية أنها مباحة لا فضيلة في فعلها، ولا تركها. اهـ المجموع جـ ١/ ص ٣٤٦.
وقال العلامة الشوكاني: وقد ذهب إلى الوجوب والفرضية العترة والظاهرية، وإسحاق وإحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل.
واختلفوا هل هي فرض مطلقا، أو على الذاكر؟ فالعترة على الذاكر.
والظاهرية مطلقا، وذهبت الشافعية والحنفية، ومالك وربيعة، وهو أحد قولي الهادي، إلى أنها سنة ثم ذكر أدلة الفريقين، وهو الذي ذكرناه في المسألة الرابعة، ثم قال: ولا يخفى على الفطن ضعف هذه المستندات وعدم صراحتها، وانتفاء دلالتها على المطلوب، وما (١) في الباب إن صلح للاحتجاج أفاد مطلوب القائل بالفرضية: لأن الظاهر أن النفي للصحة لكونها أقرب إلى الذات، وأكثر لزوما للحقيقة، فيستلزم
стр. 990
عدمها عدم الذات، وما ليس بصحيح لا يجزي، ولا يقبل ولا يعتد به، وإيقاع الطاعة الواجبة على وجه يترتب قبولها وإجزاؤها عليه واجب اهـ كلام الشوكاني، نيل جـ ١/ ص ٢٠٥ - ٢٠٦.
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يترجح عندي مذهب من قال باستحبابها، وأما أحاديث التسمية وإن قلنا بانتهاضها للاستدلال بها بمجموع طرقها فمحمولة على الاستحباب لا على الوجوب لحديث رفاعة بن رافع الذي تقدم استدلال البيهقي به على عدم الوجوب.
وقد أخرجه هو في سننه بسنده عن رفاعة بن رافع أنه كان جالسا عند رسول الله ﷺ ، فذكر الحديث في صلاة الرجل، فقال رسول الله ﷺ : "إنها لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمر الله به بغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ويمسح رأسه، ورجليه إلى الكعبين" وذكر الحديث.
قال البيهقي: احتج أصحابنا في نفي وجوب التسمية بهذا الحديث اهـ فهذا الحديث ليس فيه ذكر التسمية فلو كان واجبا لبينه ﵊.
والحاصل أن أحاديث التسميه على فرض صحتها مصروفة عن الوجوب إلى الاستحباب بهذا الحديث (١). والله أعلم.
المسألة السادسة:
الظاهر في لفظها قول "باسم الله" كما دل عليه حديث الباب، قال ابن قدامة في المغني: إذا ثبت هذا فإن التسمية هي قول "باسم الله" لا يقوم غيرها مقامها، كالتسمية المشروعة على الذبيحة، وعند أكل الطعام، وشرب الشراب، وموضعها بعد النية قبل أفعال الطهارة كلها
стр. 991
لتشمل النية جميع واجباتها، ويكون مسميا على جميعها كما يسمى على الذبيحة وقت ذبحها. اهـ بتصرف جـ ١/ ص ١٠٤.
المسألة السابعة:
قد يشكل على أحاديث التسمية في الوضوء ما أخرجه المصنف وابن ماجه عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن حضين بن المنذر، عن المهاجر بن قنفذ، قال: أتيت النبي ﷺ وهو يتوضأ، فسلمت عليه، فلم يرد علي، فلما فرغ قال: "إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كنت على غير وضوء" وروى نحوه أبو داود، وفي رواية "إلا أني كرهت أن أذكر الله إلا على طهارة" رواه ابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، وقال: إنه صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، فإنه يدل على أن التسمية عند الوضوء ليست مطلوبة، لأن النبي ﷺ كره ذكر الله إلا على طهارة، فيدل على أنه ﷺ توضأ قبل أن يذكر، والتسمية من الذكر.
ويجاب عنه من وجهين:
الأول: أنه معلول.
والثاني: أنه معارض.
أما كونه معلولا فقد قال ابن دقيق العيد في الإمام: سعيد بن أبي عروبة كان قد اختلط في آخره، فيراعى فيه من سمع منه قبل الاختلاط، قال: وقد رواه النسائي من حديث شعبة عن قتادة، وليس فيه "إنه ليمنعني" الخ ورواه حماد بن سلمة عن حميد، وغيره عن الحسن، عن مهاجر منقطعا فصار فيه ثلاث علل.
وأما كونه معارضا: فبما رواه مسلم عن ابن عباس قال: بت عند النبي ﷺ ذات ليلة، فقام النبي ﷺ من آخر الليل، فخرج، فنظر إلى السماء
стр. 992
ثم تلا هذه الآية في آل عمران ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ حتى بلغ ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ الحديث، وروى البخاري نحوه، ففيه دلالة على جواز ذكر الله تعالى، وقراءة
القرآن مع الحدث.
ومعارض أيضًا بحديث عائشة ﵂ أنه ﷺ "كان يذكر الله على كل أحيانه"، أخرجه مسلم، وأبو داود والترمذي، وابن ماجه. أفاده في المنهل جـ ١/ ص ٣٢٣.
قال الجامع عفا الله عنه: حديث المهاجر بن قنفذ صحيح، لأن عبد الأعلى سمع من سعيد بن أبي عروبة قبل اختلاطه، كما ثبت ذلك في ترجمته من تهذيب التهذيب جـ ٦ ص ٩٦. وأما الإعلال بالرواية المنقطعة، فلا يضر، لأن من وصل عنده زيادة علم. وأما المعارضة بحديث ابن عباس ﵁، فغير صحيح، لإمكان الجمع بحمل الكراهة على التنزيه، وخلاف الأولى، والحاصل أن الحديث صحيح سالم من المعارضات. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 993
٦٣ - صَبِّ الْخَادِمِ الْمَاءَ عَلَى الرَّجُلِ لِلْوُضُوءِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية صب الخادم على الشخص المتوضئ ماءَ الوضوء ليتوضأ به، وإنما قيده بالصب ليحترز عن الاستعانة بغسل الأعضاء فإنه لم يرد، وسيأتي تمام البحث عنه في المسائل آخر الباب إن شاء الله تعالى.
والصب: السكب: يقال: صَبَّ الماءُ يَصبُّ من باب ضرب صَبًا انسكب، ويتعدى بالحركة -أي بتغيير حركة العين في المضارع من الكسر إلى الضم- فيقال: صَبَبْتُهُ صبًا من باب قتل، أي سكبته، أفاده في المصباح.
والمناسب هنا هو المعنى الثاني: أي سكبُ الخادم الماءَ على المتوضئ ليتوضأ به.
والخادم: واحد الخَدَم بفتحتين: يقع على الذكر والأنثى لإجرائه مجرى الأسماء غير المأخوذة من الأفعال، كحائض وعائق.
وقال ابن سيده: خدمه يخدُمه أي بالضم، ويخدمه أي بالكسر، والكسر عن اللحياني، خَدْمة أي بفتح الخاء عنه، وخدمة أي بكسرها: مَهَنَهُ، وقيل: الفتح المصدر، والكسر الاسم، والذكَر خادم، والجمع خُدّام، والخَدَم: أي بفتحتين: اسم للجمع كالعَزَب والرَّوَح، والأنثى خادم وخادمة، عربيتان فصيحتان، وخَدَم نفسه يَخدُمها، ويَخدمها، كذلك اهـ لسان بإيضاح.
وفي المصباح: خَدَمه يخدُمه: أي بالضم، والكسر، خَدمة: أي بالفتح، والكسر فهو خادم، غلامًا كان أو جارية، والخادمة بالهاء في
стр. 994
المؤنث قليل، والجمع خدم أي بفتحتين، وخدام، وقولهم فلانة خادمة غدًا، ليس بوصف حقيقي، والمعنى ستصير كذلك، كما يقال حائضة غدًا.
وأخدمتها بالألف: أعطيتها خادما، وخدّمتها بالتثقيل للمبالغة والتكثير، واستخدمته: سألته أن يخدمني أو جعلته يخدمني كذلك اهـ.
وقوله: على الرجل: ليس قيدا فالمرأة مثله.
وقوله: الوضوء: بضم الواو لا غير، لأن المراد الفعل.
٧٩ - أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ مَالِكٍ، وَيُونُسَ، وَعَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُمْ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يَقُولُ: سَكَبْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ حِينَ تَوَضَّأَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: لَمْ يَذْكُرْ مَالِكٌ عُرْوَةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ.
رجال الإسناد: عشرة
١ - (سليمان بن داود) بن حماد بن سعد المَهْري، أبو الربيع بن أخي رشدين المصري.
стр. 995
روى عن أبيه وجده لأمه الحجاج بن رشدين أبي سعد، وعبد الملك الماجشون، وعبد الله بن وهب، وعبد الله بن نافع وغيرهم.
وعنه أبو داود، والنسائي، وعمرو بن بجير، وأبو بكر بن أبي داود، وزكريا الساجي، ومحمد بن زَبَّان الحضرمي، وإبراهيم بن يوسف الهسنجاني، وغيرهم، قال الآجري: ذكر لأبي داود أبو الربيع ابن أخي رشدين، فقال: قَلَّ من رأيت في فضله، وقال النسائي: ثقة، وقال ابن أبي حاتم: سمع منه أبي في الرحلة الثانية، وقال ابن يونس: كان زاهدا، وكان فقيها على مذهب مالك، حدثني محمَّد بن أحمد بن رشدين، عن أبيه، أن مولده سنة ١٧٨، وأن أبا الربيع أخبره بذلك، وتوفي يوم الأحد أول يوم من ذي القعدة سنة ٢٥٣ قال الحافظ: وذكره ابن حبان في الثقات اهـ تهذيب التهذيب، وفي "ت" ثقة من الحادية عشرة روى عنه أبو داود، والمصنف.
٢ - (الحارث بن مسكين) أبو عمرو المصري قاضيها ثقة فقيه [١٠] تقدم في ٩/ ٩.
٣ - (ابن وهب) هو عبد الله أبو محمَّد المصري الفقيه ثقة حجة [٩] تقدم في ٩/ ٩.
٤ - (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة العلم المشهور ثقة فقيه حجة [٧] تقدم في ٧/ ٧.
٥ - (يونس) بن يزيد بن أبي النجاد الأيلي أبو يزيد ثقة إلا أن في روايته عن الزهري وَهَمًا قليلا، وفي غير الزهري خطأ [٧] وتقدم في ٩/ ٩.
٦ - (عمرو بن الحارث) بن يعقوب الأنصاري، مولى قيس بن سعد بن عبادة، أبو أمية المصري، الفقيه المقرئ أحد الأئمة، عن أبيه،
стр. 996
والزهري، وعمرو بن شعيب، وخلق، وعنه بكير بن الأشج شيخه، ومالك، والليث، وابن وهب، وخلق.
وثقه ابن معين، وقال ابن وهب: لو بقي لنا عمرو ما احتجنا إلى مالك. قال يحيى بن بكير: مات سنة ١٤٨، أخرج له الجماعة، وفي "ت" ثقة فقيه، حافظ من السابعة.
٧ - (ابن شهاب) محمَّد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب، أبو بكر المدني، العلم المشهور حجة ثقة [٤] تقدم في ١/ ١.
٨ - (عباد بن زياد) بن أبيه المعروف أبوه بزياد بن أبي سفيان، أخو عبيد الله بن زياد، يكنى أبا حرب.
روى عن عروة، وحمزة ابني المغيرة بن شعبة، وعنه الزهري، ومكحول، قال مصعب الزبيري: في حديث مالك عن الزهري، عن عباد بن زياد من ولد المغيرة، وعن المغيرة بن شعبة في المسح على الخفين، وغير ذلك ليس له عندهم غيره، أخطأ فيه مالك خطأ قبيحا، والصواب: عن عباد بن زياد، عن رجل من ولد المغيرة، وقال ابن المديني: روى الزهري عن عباد بن زياد، وهو رجل مجهول، لم يرو عنه غير الزهري، وذكره ابن حبان في الثقات وقال خليفة: ولاه معاوية سجستان سنة ٥٣، وقال أبو حسان الزيادي، وابن أبي عاصم: مات سنة ١٠٠ هـ.
قال الحافظ: قلت: الذي حكاه مصعب من رواية مالك هو المشهور، ولكن الذي ذكر الدارقطني أن روح بن عبادة رواه عن مالك على الصواب، وذكر أحمد بن خالد الأندلسي: أن يحيى بن يحيى الليثي، قال فيه عن مالك، عن ابن شهاب، عن عباد، عن أبيه المغيرة ووهم فيه يحيى، والصواب إسقاط لفظة "عن أبيه"، وهو كما قال،
стр. 997
والأصل إنما هو الزهري، عن عباد بن زياد، عن ابن المغيرة، عن أبيه المغيرة، وذكر البخاري: أن بعضهم رواه عن مالك كذلك.
وكلام ابن المديني يشعر بأن زيادا والد عباد، ليس هو زيادًا الأمير، لأن عباد بن زياد الأمير مشهور، ليس بمجهول، وقد وقع في رواية يونس بن يزيد، وعمرو بن الحارث، عن الزهري، عن عباد بن زياد من ولد المغيرة أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي، والله أعلم اهـ تهذيب التهذيب، أخرج له مسلم، وأبو داود، والمصنف.
وفي التقريب: عباد بن زياد أخو عبيد الله يكنى أبا حرب، وثقه ابن حبان، وكان والي سجستان سنة ٥٣، ومات سنة ١٠٠ هـ.
٩ - (عروة بن المغيرة) بن شعبة الثقفي، أبو يعفور الكوفي، روى عن أبيه، وعائشة ﵂، وعنه الشعبي، وعباد بن زياد، ونافع بن جبير بن مطعم، وبكر بن عبد الله المزني، والحسن البصري، وغيرهم، قال البخاري: قال الشعبي: كان خير أهل بيته، وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة، وقال خليفة بن خياط: ولاه الحجاج الكوفة سنة ٥٧، وذكره في تسمية عمال الوليد على الصلاة بالكوفة سنة ٩٠، قال الحافظ: وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان من أفاضل أهل بيته، أخرج له الجماعة اهـ تهذيب التهذيب، وفي "ت" ثقة من الثالثة مات بعد التسعين.
١٠ - (المغيرة) بن شعبة بن مسعود الثقفي الصحابي المشهور تقدم ﵁ في ١٦/ ١٧.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سباعياته،، أن رواته ثقات، وأنهم ما بين مصريين، وهما سليمان، والحارث بن مسكين، وابن وهب،، وعمرو بن
стр. 998
الحارث، ومدنيين، وهما مالك، وابن شهاب، وسجستاني، وهو عباد، وكوفيين، وهما عروة وأبوه.
ومنها: ما في قوله: والحارث بن مسكين قراءة الخ، وقد تقدم غير مرة.
ومنها: ما في قوله واللفظ له، وتقدم أيضا.
ومنها: أن فيه رواية الابن عن أبيه.
ومنها: أن فيه الإخبار، والعنعنة، والسماع.
شرح الحديث
(عن عروة بن المغيرة أنه سمع أباه) المغيرة بن شعبة ﵁ (يقول) جملة حالية من المفعول (سكبت) يتعدى، ويلزم، ويقال: سكبت الماء سكبا: صببته، وسكَبَ الماءُ سكبا وسكوبا: انصب، أفاده في المصباح، والمراد هنا المتعدي: أي صببت الماء فالمفعول مقدر، وفي اللسان: السكب: صب الماء، سكب الماءَ والدمعَ ونحوَهما يسكبه سكبا وتَسْكابا، فسَكَبَ، وانسكب: صبه فانصب، وسكب الماءُ بنفسه سُكُوبا وتَسْكَابًا وانسكب بمعنى، وأهل المدينة يقولون: اسكب على يدي اهـ (على رسول الله ﷺ حين توضأ) الجار والظرف متعلقا بسكب (في غزوة تبوك) الغزوة بالفتح المرة من الغزو، وهو كما في اللسان: السير إلى قتال العدو وانتهابه.
وفي المصباح: غزوت العدو غزوا، فالفاعل غاز، والجمع غُزَاة، وغُزّى، مثل قضاة، ورُكَّع، وجمع الغُزَاة غَزيّ على فَعيل، مثل الحَجيج والغَزْوة المرة، والجمع غَزَوَات مثل شَهْوة وشَهَوات، اهـ.
وتبوك: أرض بين الشام والمدينة اهـ، وفي التاج: ما نصه: وفي
стр. 999
العباب بين وادي القرى والشام، وإليها نسبت غزوة من غزواته ﷺ .
واختلف في وزنها ووجهة تسميتها، قال الأزهري: فإن كانت التاء في تبوك أصلية فلا أدري اشتقاق تبوك، وإن كانت للتأنيث في المضارع فهي من باكت تبوك، ثم قال: وقد يكون تبوك على تفعول.
وقرأت في الروض للسهيلي: ما نصه: غزوة تبوك سميت بعين تبوك، وهي العين التي أمر رسول الله ﷺ الناس أن لا يمسوا من مائها شيئا، فسبق إليها رجلان، وهي تَبضُّ بشيء من ماء فجعلا يدخلان فيها سهمين ليكثر ماؤها، فسبهما رسول الله ﷺ ، وقال لهما فيما ذكر القتيبي: "ما زلتما تبوكانها منذ اليوم" قال: فبذلك سميت العين تبوك، ووقع في السيرة فقال: "من سبق إلى هذا"؟ فقيل: فلان وفلان، وقال الواقدي فيما ذكر لي سبقه إليها أربعة من المنافقين، مُعَتِّب بن قشير، والحارث بن يزيد الطائي، ووديعة بن ثابت، وزيد بن نصيب اهـ قال في مادة باك جـ ٧/ ص ١١٣.
وفي المصباح: باكت الناقة تبوك بَوْكا، سمنت فهي بائك بغير هاء، وبهذا سميت غزوة تبوك، لأن النبي ﷺ غزاها في شهر رجب سنة تسع، فصالح أهلها على الجزية من غير قتال، فكانت خالية عن البؤس، فأشبهت الناقة التي ليس بها هزال، ثم سميت البقعة تبوك بذلك، وهو موضع من بادية الشام، قريب من مدين الذين بعث الله إليهم شعيبا اهـ
(فمسح) النبي ﷺ (على الخفين) وهذا الحديث مختصر هنا، وقد ذكره بعد بابين بأطول من هذا، وسيأتي تمام الكلام عليه هناك إن شاء الله تعالى.
(قال أبو عبد الرحمن) أحمد بن شعيب النسائي صاحب الكتاب مشيرا إلى خلاف وقع في إسناد هذا الحديث (لم يذكر مالك) بن أنس
стр. 1000
الإمام في روايته (عروة بن المغيرة) بل قال: عن عباد بن زياد من ولد المغيرة، عن المغيرة بن شعبة.
وغرض المصنف بهذا الطعن في رواية مالك، حيث إنه خالف غيره من أصحاب الزهري، ولذا خطؤوه في ذلك كما قدمناه في ترجمة عباد ابن زياد، وتقدم أيضا أن الخطأ من يحيى بن يحيى الليثي لا من مالك، إلا أن المشهور الأول فتنبه.
والحاصل أن يونس بن يزيد، وعمرو بن الحارث، اتفقا على الزهري أنه رواه عن عباد بن زياد، عن عروة بن المغيرة، وخالفهما مالك فقال عن الزهري، عن عباد، عن المغيرة، وَوُهِّمَ في ذلك.
وقد ذكر الحافظ أبو عمر بن عبد البر في التمهيد في وَهَم مالك من حديث المغيرة هذا كلاما نفيسا ورأيت نقله هنا مُلَخِّصا، لاستيعابه جميع ما يتعلق به على أتم وجه وألخصه، قال ﵀:
وأما الحديث الأول (يعني حديث المغيرة في المسح على الخف) فرواه مالك ولم يُقمْهُ وأفسد إسناده، ثم قال: مالك عن ابن شهاب، عن عباد بن زياد من ولد المغيرة بن شعبة، عن أبيه المغيرة بن شعبة، فذكر الحديث، قال: هكذا قال مالك في هذا الحديث عن عباد بن زياد، وهو من ولد المغيرة بن شعبة لم يختلف رواة الموطأ عنه في ذلك، وهو وَهَم وغَلَط منه، ولم يتابعه أحد من رواة ابن شهاب ولا غيرهم عليه، وليس هو من ولد المغيرة بن شعبة عند جميعهم، وزاد يحيى بن يحيى في ذلك أيضا شيئا لم يقله أحد من رواة الموطأ، وذلك أنه قال فيه: عن أبيه المغيرة بن شعبة، ولم يقل أحد فيما علمت في إسناد هذا الحديث عن أبيه المغيرة، غير يحيى بن يحيى وسائر رواة الموطأ عن مالك يقولون: عن ابن شهاب، عن عباد بن زياد، وهو من ولد المغيرة بن شعبة، عن
стр. 1001
المغيرة لا يقولون: عن أبيه المغيرة كما قال يحيى، ولم يتابعه واحد منهم على ذلك، كتبت هذا وأنا أظن أن يحيى بن يحيى وهم في قوله عن أبيه حتى وجدته لعبد الرحمن بن مهدي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عباد بن زياد، من ولد المغيرة بن شعبة عن أبيه كما قال يحيى، ذكره أحمد بن حنبل وغيره عن ابن مهدي، وقد ذكرناه، وذكر الدارقطني أن سعد بن عبد الحميد بن جعفر قال فيه: عن أبيه، كما قال يحيى، قال: وهو وهم، قال: رواه روح بن عبادة عن مالك، عن الزهري، عن عباد بن زياد عن رجل من ولد المغيرة عن المغيرة قال: فإن كان روح حفظ فقد أتى بالصواب، لأن الزهري يرويه عن عباد، عن المغيرة، وإسناد هذا الحديث من رواية مالك في الموطأ، وغيره إسناد ليس بالقائم.
لأنه إنما يرويه ابن شهاب عن عباد بن زياد، عن عروة، وحمزة ابني المغيرة بن شعبة، عن أبيهما المغيرة بن شعبة، وربما حدث به ابن شهاب، عن عباد بن زياد، عن عروة بن المغيرة، عن أبيه، ولا يذكر
حمزة بن المغيرة، وربما جمع حمزة وعروة ابني المغيرة في هذا الحديث عن أبيهما المغيرة، ورواية مالك لهذا الحديث عن ابن شهاب، عن عباد ابن زياد، عن المغيرة مقطوعة، وعباد بن زياد لم ير المغيرة، ولم يسمع
منه شيئًا.
أخبرنا عبد الله بن محمَّد بن عبد المؤمن، قال: حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثنا مصعب بن عبد الله الزبيري قال: حدثنا مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن عباد بن زياد، من ولد المغيرة بن شعبة، عن أبيه فذكر الحديث، سواء كما في الموطأ، قال مصعب: وأخطأ فيه مالك خطأ قبيحًا، ثم ذكر بسنده إلى عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثنا
стр. 1002
أبي، قال: قرأت على عبد الرحمن يعني ابن مهدي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عباد بن زياد، من ولد المغيرة بن شعبة عن أبيه المغيرة، الحديث.
قال: وقد ذكر عبد الرزاق هذا الخبر عن معمر في كتابه عن الزهري أن المغيرة بن شعبة قال: كنت مع رسول الله ع ﷺ في سفر، وذكر الحديث هكذا مقطوعًا، وأظن هذا إنما أوتي من قبل الزهري، والله أعلم، لأن أحمد بن عبد الله بن محمَّد بن علي، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا أحمد بن خالد، قال: حدثنا قاسم بن محمَّد، قال: حدثنا أبو عاصم خشيش بن أصرم، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن الزهري، عن عباد بن زياد، عن عروة بن المغيرة بن شعبة، عن المغيرة ابن شعبة، قال: كنت .. الحديث، وحدثني سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان، قالا: حدثنا قاسم بن أصْبَغ، قال: حدثنا إسماعيل بن إسحاق، قال: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، قال: حدثني أخي عن سليمان بن بلال، عن يونس عن ابن شهاب، قال: حدثني عباد بن زياد، عن عروة وحمزة ابني المغيرة بن شعبة أنهما سمعا المغيرة بن شعبة يخبر "أن رسول الله ﷺ توضأ على الخفين ثم صلى فيهما".
وروى ابن وهب في موطائه هذا الحديث عن مالك عن يونس بن يزيد، وعمرو بن الحارث، وابن سمعان أن ابن شهاب أخبرهم عن عباد ابن زياد من ولد المغيرة بن شعبة عن عروة بن المغيرة بن شعبة أنه سمع أباه يقول: "سكبت" .. الحديث، ولم يذكر مالك عروة بن المغيرة، ولم يذكر ابن سمعان عبادا هكذا، قال ابن وهب عن هؤلاء كلهم جمَعَهُم في إسناد واحد، ولفظ واحد كما ترى إلا ما خص من ذكر مالك في عروة، وذكر ابن سمعان في عباد بن زياد من ولد المغيرة إلا من رواية ابن وهب
стр. 1003
هذه، وإنما يعرف هذا لمالك، وأظن أن ابن وهب حمل لفظ بعضهم على بعض، وكان يتساهل في مثل هذا كثيرا، وقد كان ابن شهاب ربما أرسل الحديث عن عروة بن المغيرة، ولا يذكر عباد بن زياد في ذلك، فمن هنالك لم يذكر ابن سمعان عن عباد بن زياد.
وقد حدّثنا سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان: قالا: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، قال: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، قال: حدثنا سليمان بن بلال، عن يونس، عن عروة وحمزة ابني المغيرة أنهما سمعا المغيرة عن النبي ﷺ ، فذكر الحديث، قال إسماعيل: لم يذكر ابن أبي أويس في حديثه عن سليمان بن بلال، عن عباد بن زياد، وذكره في حديثه عن أخيه، عن سليمان بن بلال، وأما صالح بن كيسان، فرواه عن ابن شهاب فأتقن.
ثم ذكر بسنده عن صالح، عن ابن شهاب قال: حدثني عباد بن زياد، قال: حدثنا سعد بن أبي سفيان، عن عروة بن المغيرة، عن أبيه المغيرة بن شعبة قال: تخلفت مع رسول الله ﷺ .. الحديث، وذكره بسنده أيضا عن ابن جريج عن ابن شهاب بمثل حديث صالح عنه، ثم قال: وعند ابن شهاب في حديث المغيرة هذا إسناد آخر عن إسماعيل بن محمَّد بن سعد بن أبي وقاص، وكان لا يحدث به عن إسماعيل هذا لصغر سنه إلا عبادا، وقد رواه ابن جريج وابن عيينة عن الزهري عن إسماعيل بن محمَّد بن سعد، عن حمزة بن المغيرة عن أبيه عن النبي ﷺ ، وعند ابن جريج الحديثان جميعا.
ثم ذكر أبو عمر الطرق كلها بأسانيدها، ثم قال: فهذا حديث ابن شهاب خاصة وتمهيده في المسح على الخفين.
وأما طرق حديث المغيرة على الاستيعاب فلا سبيل لنا إليها، وقد قال
стр. 1004
أبو بكر البزار: روي هذا الحديث عن المغيرة من نحو ستين طريقا. اهـ
تمهييد للحافظ أبي عمر ﵀ جـ ١١/ ص ١١٩ - ١٢٧.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
الأولى: في درجته: هذا الحديث متفق عليه.
الثانية: فيمن أخرجه: أخرجوه كلهم إلا الترمذي وسنذكر التفاصيل في الباب الثالث إن شاء الله تعالى.
المسألة الثالثة: فيما يستفاد من هذا الحديث:
يستفاد منه ما ترجم له المصنف وهو صب الخادم على المتوضئ الماء، فيجوز الاستعانة على الوضوء بغيره وسيأتي تحقيق المسألة مع ذكر مذاهب العلماء في المسألة التالية إن شاء الله تعالى.
ومشروعية المسح على الخفين في الوضوء، وخدمة أهل الفضل، وجواز استخدام الحر برضاه.
المسألة الرابعة: في حكم الاستعانة بالغير في الوضوء:
قال الشوكاني ﵀ بعد ذكر حديث المغيرة ﵁ ما نصه: الحديث يدل على جواز الاستعانة بالغير في الوضوء، وقد قال بكراهتها العترة والفقهاء.
قال في البحر: والصب جائز اجماعا، إذ صبوا عليه ﷺ ، وهو يتوضأ، وقال الغزالي وغيره من أصحاب الشافعي: إنه إنما استعان به لأجل ضيق الكُمَّين، وأنكره ابن الصلاح وقال: الحديث يدل على الاستعانة مطلقا، لأنه غسل وجهه أيضا، وهو يصب عليه، وذكر بعض
الفقهاء: أن الاستعانة كانت بالسفر، فأراد أن لايتأخر عن الرفقة، قال الحافظ في التلخيص: وفيه نظر.
стр. 1005
واستدل من قال بكراهة الاستعانة بقوله ﷺ لعمر، وقد بادر ليصب الماء على يديه: "أنا لا أستعين في وضوئي بأحد" قال النووي في شرح المهذب: هذا حديث باطل لا أصل له.
وقد أخرجه البزار في كتاب الطهارة، وأبو يعلى في مسنده من طريق النضر بن منصور، عن أبي الجنوب عقبة بن علقمة، والنضر ضعيف مجهول، لا يحتج به، قال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: النضر بن منصور، عن أبي الجنوب، وعنه ابن أبي معشر تعرفه؟ قال: هؤلاء حمالةُ حَطَب.
واستدلوا أيضا بحديث ابن عباس قال: "وكان رسول الله ﷺ لا يَكلُ طَهُوره إلى أحد" أخرجه ابن ماجه والدارقطني، وفيه مطهر بن الهيثم وهو ضعيف.
وقد ثبت أنه ﷺ استعان بأسامة بن زيد في صب الماء على يديه في الصحيحين، وأنه استعان بالرُّبَيّع بنت مُعَوِّذ في صب الماء على يديه، أخرجه الدارمي، وابن ماجه، وأبو مسلم الكجي من حديثها، وعزاه ابن الصلاح إلى أبي داود، والترمذي، قال الحافظ: وليس في رواية
أبي داود إلا أنها أحضرت الماء حسب، وأما الترمذي فلم يتعرض فيه للماء بالكلية، نعم في المستدرك: أنها صبت على رسول الله ﷺ الماء فتوضأ، وقال لها: "اسكبي فسكبت" وروى ابن ماجه عن أم عياش أنها قالت: كنت أوضئ رسول الله ﷺ وأنا قائمة وهو قاعد. قال الحافظ: وإسناده ضعيف.
واستعان في الصب بصفوان بن عَسَّال.
وغاية ما في هذه الأحاديث الاستعانة بالغير على صب الماء، وقد عرفت أنه مُجمَع على جوازه، وأنه لا كراهة فيه إنما النزاع في الاستعانة بالغير على غسل أعضاء الوضوء، والأحاديث التي فيها ذكر عدم
стр. 1006
الاستعانة لا شك في ضعفها، ولكنه لم يثبت عن النبي ﷺ أنه وكل غسل أعضائه إلى أحد، وكذلك لم يأت من أقواله ما يدل على جواز ذلك، بل فيها أمر المُعَلَّمين بأن يغسلوا، وكل واحد منا مأمور بالوضوء، فمن قال: إنه يجزئ عن المكلف نيابة غيره في هذا الواجب فعليه الدليل.
فالظاهر ما ذهبت إليه الظاهرية من عدم الإجزاء، وليس المطلوب مجرد الأثر، كما قال بعضهم، بل ملاحظة التأثير في الأمور التكليفية أمر لابد منه، لأن تعلق الطلب لشيء بذات قاض بلزوم إيجادها له، وقيامه بها لغة وشرعا إلا لدليل يدل على عدم اللزوم، فما وجد من ذلك مخالفا لهذه الكلية فلذلك، اهـ نيل جـ ١/ ص ٢٦٤ - ٢٦٥.
قال الجامع عفا الله عنه:
هذا الذي قاله الشوكاني ﵀ تحقيق نفيس جدًا والله أعلم.
وقال الحافظ في الفتح بعد ذكر حديث أسامة بن زيد، وحديث المغيرة ما نصه: والحديثان دالان على عدم كراهة الاستعانة بالصب، وكذا إحضار الماء من باب الأولى، وأما المباشرة فلا دلالة فيها عليها،
نعم يستحب أن لا يستعين أصلا.
وأما ما رواه أبو جعفر الطبري عن ابن عمر أنه كان يقول: ما أبالي من أعانني على طهوري أو على ركوعي وسجودي. فمحمول على الإعانة بالمباشرة، لا الصب، بدليل ما رواه الطبري أيضا، وغيره عن مجاهد أنه كان يسكب على ابن عمر، وهو يغسل رجليه.
وقد روى الحاكم في المستدرك من حديث الرُّبَيّع بنت مُعَوِّذ أنها قالت: "أتيت النبي ﷺ بوَضُوء، فقال: اسكبي، فسكبت عليه" وهذا أصرح في عدم الكراهة من الحديثين المذكورين، لكونه في الحضر، ولكونه بصيغة الطلب، لكنه ليس على شرط المصنف، يعني البخاري
اهـ فتح جـ ١/ ص ٣٤٣. والله تعالى أعلم.
إن إريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 1007
٦٤ - الْوُضُوءُ مَرَّةً مَرَّةً
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية الوضوء مرة مرة، أي لكل عضو من أعضائه.
والوضوء: بضم الواو لا غير، لأن المراد الفعل.
ومرة: قال في اللسان: قال ابن سيده: المرة الفَعْلَة الواحدة والجمع: مَرّ بالفتح، ومرار بالكسر، ومرر بكسر ففتح، ومُرُر بضمتين، اهـ بإيضاح.
وفي المصباح: وفعلت ذلك مَرَّة، أي تارة، والجمع مَرَّات ومرار. اهـ
٨٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: "أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِوُضُوءِ رَسُولِ اللهِ؟ ﷺ فَتَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً".
رجال الإسناد: ستة
١ - (محمد بن المثنى) بن عبيد بن قيس بن دينار العَنَزي بفتحتين، أبو موسى البصري الحافظ المعروف بالزمن.
روى عن معتمر، وابن عيينة، وغندر، وخلق. وعنه الجماعة
стр. 1008
وخلق، قال محمَّد بن يحيى الذُّهلي: حجة، ووثقه ابن معين، وابن حبان، والدارقطني، والخطيب، وقال النسائي: لا بأس به كان يغير في كتابه، وقال أبو حاتم: صالح الحديث صدوق وقدمه الدارقطني على بندار، ولد سنة ١٦٧ هـ ومات ٢٥٢، أخرج له الجماعة، وفي "ت" ثقة ثبت من [١٠] وكان هو وبندار فَرَسَيْ رهَان، وماتا في سنة واحدة.
٢ - (يحيى) بن سعيد بن فرُّوخ القطان أبو سعيد البصري ثقة حجة [٩] تقدم في ٤/ ٤.
٣ - (سفيان) بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي ثقة حجة [٧] تقدم في ٣٣/ ٣٧.
٤ - (زيد بن أسلم) العدوي مولاهم المدني، أحد الأعلام، عن أبيه، وابن عمر، وجابر، وعائشة في أبي داود، وأبي هريرة في الترمذي، وقال ابن معين: لم يسمع منه، ولا من جابر، وعنه بنوه، وداود بن قيس، ومعمر، ورَوح بن القاسم، قال مالك: كان زيد يحدث من تلقاء نفسه، فإذا قام فلا يجترئ عليه أحد، وثقه أحمد، ويعقوب بن شيبة. مات في سنة ١٣٦ في ذي الحجة، وروى له الجماعة، وفي "ت" ثقة عالم وكان يرسل من الثالثة.
٥ - (عطاء بن يسار) الهلالي أبو محمَّد المدني أحد الأعلام، عن مولاته ميمونة، وابن مسعود، وأبَيّ بن كعب، وأبي ذر، وخلق، وعنه أبو سلمة، وحبيب بن أبي ثابت، وأبو جعفر الباقر، وعمرو بن دينار، وخلق، قال النسائي: ثقة، قال الهيثم بن عدي: توفي سنة ٩٧، وقال عمرو بن علي: سنة ١٠٣، أخرج له الجماعة وفي "ت" ثقة فاضل صاحب مواعظ وعبادة، من صغار الثالثة مات سنة ٩٤، وقيل بعد ذلك.
стр. 1009
٦ - (ابن عباس) هو عبد الله، حبر الأمة وبحرها ﵁ تقدم في ٢٧/ ٣١.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسياته، وأن رواته كلهم أجلاء ثقات، اتفق الستة كلهم بتخريج أحاديثهم، وأنهم ما بين بصريين وهما مَن قَبْل سفيان، وكوفي، وهو سفيان، ومدنيين وهم البقية، فابنُ عباس وإن كان بصريا، فهو مدني أيضا، وفيه رواية تابعي، عن تابعي وهو زيد، عن عطاء، وهو من رواية الأقران، وأن صحابيه هو أحد المكثرين السبعة، روى ١٦٩٦ حديثا، وقد تقدم غير مرة.
وهو أحد العبادلة الأربعة المجموعين في قول صاحب الألفية:
وَالبَحْرُ وَابْنَا عُمَر وَعَمْرِو … وَابْنُ الزُّبَيْر في اشْتهَار يَجْري
دُونَ ابْن مَسْعُود لَهُمْ عَبَادِ لَهْ … وَغَلَّطُوا مَنْ غَيْرَ هَذَا مَالَ لَهْ
وأن شيخ المصنف هو أحد مشايخ الستة، وتقدم غير مرة.
وفيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة، والقول.
شرح الحديث
(عن ابن عباس) ﵄، أنه (قال: ألا) بفتح الهمزة وتخفيف اللام، تأتي لمعان خمسة، كما بينه ابن هشام في مغني اللبيب: الأول: التنبيه، والثاني: التوبيخ، والإنكار، والثالث: التمني، والرابع: الاستفهام عن النفي، والخامس: العرض، والتحضيض، وهو المناسب هنا، ومعناهما: طلب الشيء لكن العرض طلب بلين، والتحضيض طلب بحَثّ.
قال ابن هشام: وتختص ألا هذه بالفعلية نحو ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [سورة النور: آية ٢٢]، ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ [التوبة: آية ١٣] اهـ مغني جـ ١/ ص ٦٦، يحث ابن عباس رضي الله
стр. 1010
تعالى عنهما الحاضرين قائلا: (أخبركم بوضوء رسول الله ﷺ ) أي بكيفيته (فتوضأ) ابن عباس (مرة مرة) أي لكل عضو.
قال البدر العيني: نصب على الظرف: أي توضأ في زمان واحد، ولو كان ثمة غسلتان، أو غسلات لكل عضو من أعضاء الوضوء لكان التوضؤ في زمانين، أو أزمنة، إذ لابد لكل غسلة من زمان غير زمان الغسلة الأخرى.
أو منصوب على المصدر: أي توضأ مرة من التوضؤ أي غسل الأعضاء غسلة واحدة، وكذا حكم المسح.
فإن قلت: فعلى هذا التقدير يلزم أن يكون معناه توضأ رسول الله ﷺ في جميع عمره مرة واحدة، وهو ظاهر البطلان،
قلت: لا يلزم بل تكرار لفظ مرة يقتضي التفصيل، والتكرير، أو نقول: إن المراد أنه غسل في كل وضوء في كل عضو مرة مرة، لأن تكرار الوضوء من رسول الله ﷺ معلوم بالضرورة من الدين، هكذا قال الكرماني.
قال البدر العيني: في الجواب الثاني نظر، لأنه يلزم منه أن جميع وضوء النبي ﷺ في عمره مرة مرة، وليس كذلك على ما لا يخفى.
واستدل ابن التين بهذا الحديث على عدم إيجاب تخليل اللحية، لأنه إذا غسل وجهه مرة لا يبقى معه من الماء ما يخلل به، قال: وفيه رد على من قال: فرضُ مغسول ثلاثٌ اهـ عمدة جـ ٢/ ص ٢٩٦. وبالله تعالى التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بحديث الباب
الأولى: في درجته: حديث الباب أخرجه البخاري.
الثانية: فيمن أخرجه: أخرجه البخاري والأربعة، قال البدر
стр. 1011
العيني: هذا مما تفرد به البخاري عن مسلم، وأخرجه الأربعة، فأبو داود عن مسدد، عن يحيى، عن سفيان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس، قال: "ألا أخبركم" الحديث، والترمذي عن محمَّد بن بشار، عن يحيى به، وعن قتيبة، وهناد، وأبى كريب ثلاثتهم عن وكيع، عن سفيان به.
والنسائي عن محمَّد بن المثنى، عن يحيى به، وابن ماجه عن أبي بكر ابن خلاد الباهلي، عن يحيى بإسناده "توضأ بغَرْفَة واحدة" وأيضًا الكل أخرجوه في كتاب الطهارة، وقال الترمذي عقب إخراجه: وفي الباب عن عُمر، وجابر، وبُريدة، وأبي رافع، وابن الفَاكه.
وحديث ابن عباس أحسن شيء في الباب، قال البدر: لا جرم اقتصر عليه البخاري، قال الترمذي: وروى رشدين بن سعد وغيره هذا الحديث عن الضحاك بن شُرَحبيل، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن
عمر مرفوعا به، وليس بشيء.
والصحيح ما روى ابن عجلان، وهشام بن سعد، وسفيان الثوري، وعبد العزيز بن محمَّد، عن زيد، عن عطاء، عن ابن عباس، ورواه عن سفيان جماعات غير شيخ البخاري منهم وكيع، ونبه الدارقطني أيضا على أن ابن لهيعة، ورشدين بن سعد روياه عن الضحاك أيضا كما سلف، وأن عبد الله بن سنان خالفه فرواه عن زيد، عن عبد الله بن عمر، قال: وكلاهما وَهَم، والصواب زيد، عن عطاء، عن ابن عباس.
وفي مسند البزار: ما أتى هذا إلا من الضحاك، وقد أغفل في مسنده قصد الصواب اهـ عمدة جـ ٢/ ص ٢٩٥.
المسألة الثالثة:
قال النووي ﵀: أجمع العلماء على أن الواجب الوضوء مرة
стр. 1012
واحدة، وممن نقل الإجماع فيه ابن جرير في كتابه اختلاف العلماء وآخرون، وحكى الشيخ أبو حامد وغيره أن بعض الناس أوجب الثلاث، وحكاه صاحب الإبانة عن ابن أبي ليلى، وهو مذهب باطل لا يصح عن أحد من العلماء، ولو صح لكان مردودا بإجماع من قبله، وبالأحاديث الصحيحة اهـ المجموع جـ ١/ ص ٤٣٧. وبالله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 1013
٦٥ - بَابُ الْوُضُوءِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية الوضوء ثلاثا ثلاثا، وكان الأولى للمصنف أن يذكر الوضوء مرتين مرتين كما فعله البخاري، وغيره.
٨١ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْمُطَّلِبُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَنْطَبٍ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، يُسْنِدُ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ .
رجال الإسناد: خمسة
١ - (سويد بن نصر) بن سويد المروزي أبو الفضل لقبه الشاه راوية ابن المبارك ثقة [١٠] تقدم في ٤٥/ ٥٥.
٢ - (عبد الله بن المبارك) بن واضح الحنظلي مولاهم المروزي ثقة حجة [٨] تقدم في ٣٢/ ٣٦.
٣ - (الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو، أبو عَمْرو، إمام أهل الشام ثقة حجة [٧] تقدم في ٤٥/ ٥٦.
٤ - (المطلب بن عبد الله بن حنطب) المخزومي المدني، عن أبي هريرة، وعائشة، وأنس، وعنه ابناه عبد العزيز، والحكم، والأوزاعي،
стр. 1014
وثقه أبو زرعة، والدارقطني، وقال ابن سعد: كان كثير الحديث، ولا يحتج بحديثه، وقال أبو حاتم: لم يدرك عائشة، ولم يسمع من جابر، وقال ابنه عبد الرحمن بن أبي حاتم: يشبه أن يكون سمع منه. روى له الأربعة.
وفي التقريب: صدوق كثير التدليس والإرسال من الرابعة.
٥ - (عبد الله بن عمر) أبو محبد الرحمن العدوي الصحابي الجليل ﵁، تقدم في ١٢/ ١٢.
لطائف الإسناد
منها: أنه من خماسياته، وأن رواته كلهم ثقات، والكلام في المطلب ليس في توثيقه، وإنما هو في كثرة إرساله، وأنهم ما بين مروزين، وهما شيخه، وشيخ شيخه، وشامي، وهو الأوزاعي، ومدنيين، وهما المطلب، وعبد الله.
ومنها: أن فيه الإخبار والإنباء، والتحديث.
ومنها: أن صحابيه هو أحد المكثرين السبعة روى ٢٦٣٠ حديثا، وهو أحد العبادلة الأربعة، وتقدم غير مرة.
شرح الحديث
(أن عبد الله بن عمر) ﵄ (توضأ ثلاثا ثلاثا) أي لكل عضو، وانتصابه على أنه صفة لمصدر محذوف، أي توضؤا ثلاثا (يسند ذلك) أي يرفع ابن عمر هذا الوضوء الثلاث، والجملة حالٌ من فاعل توضأ (إلى النبي ﷺ ) متعلق بيسند، يعني أن ابن عمر ﵄
نقله عنه ﷺ . والله أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 1015
مسائل تتعلق بحديث الباب
المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن عمر ﵂: هذا صحيح بشواهده.
المسألة الثانية: فيمن أخرجه: أخرجه المصنف، وابن ماجه.
فأما المصنف فأخرجه هنا ٦٥/ ٨١، وفي الكبرى ٦٣/ ٨٨ عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن الأوزاعي، عن المطلب، عن ابن عمر ﵄.
وأما ابن ماجه: فأخرجه في الطهارة عن دُحَيم، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي به، وتابعهما بشر بن بكر، عن الأوزاعي، ورواه الوليد بن مزيد، عن الأوزاعي، عن المطلب، عن ابن عباس، قاله المزي.
المسألة الثالثة: أنه يستفاد من الحديث ما ترجم له المصنف، وهو مشروعية الوضوء ثلاثا ثلاثا، وهو مجمع عليه، لا خلاف بين أهل العلم في ذلك.
المسألة الرابعة: أنه أخذ بعضهم من هذا الإطلاق تثليث المسح أيضا، ولكن هذا الإطلاق بالنسبة للمغسولات فقط، لدلائل أخر، فلا يتم الإستدلال به، وسيأتي تحقيق المسألة في باب مسح الرأس إن شاء الله تعالى.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 1016
٦٦ - صِفَةِ الْوُضُوءِ - غَسْلُ الْكَفَّيْنِ
ولما بين المصنف في البابين المتقدمين كمية الوضوء، شرع يبين كفيته بقوله "صفة الوضوء".
والصفة: من الوصف كالعدة من الوَعْد، يقال: وصفته وصفا من باب وعد: نَعَتُّهُ بما فيه، ويقال: هو مأخوذ من قولهم: وصف الثوبُ الجسمَ: إذا أظهر حاله وَبَيَّنَ هيئته.
ويقال: الصفة إنما هي بالحال المنتقلة، والنعت بما كان في خَلْق، أو خُلُق، أفاده في المصباح.
ثم بدأ من صفة الوضوء بغسل الكفين: لأنه مبدأ المغسولات، قال في المصباح: الكَفُّ من الإنسان وغيره: أنثى، قال ابن الأنباري: وزعم من لا يوثق به أن الكف مذكر، ولا يعرف تذكيرها من يوثق بعلمه، وأما قولهم: كف مُخَضَّب فعلى معنى ساعد مخضب، وجمعها كُفُوف وأكُفّ مثل فلس، وفلوس، وأفلس، قال الأزهري: الكف الراحة مع الأصابع، سميت بذلك لأنها تكف الأذى عن البدن اهـ.
٨٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبَصْرِيُّ، عَنْ بِشْرِ بْنِ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنِ الْمُغِيرَةِ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ رَجُلٍ، حَتَّى رَدَّهُ إِلَى الْمُغِيرَةِ، قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: وَلَا أَحْفَظُ حَدِيثَ ذَا مِنْ حَدِيثِ ذَا، أَنَّ الْمُغِيرَةَ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي
السَّليمي بتحتانية بعد اللام المكسورة، أبو جعفر المؤذن، يروي عن المعتمر، ويزيد بن زريع، وطائفة، وعنه أبو داود، والترمذي، والنسائي وخلق، وثقه أبو داود، قال ابن أبي عاصم: مات سنة ٢٤٧، من [١٠] (البصري) نسبة إلى البصرة البلدة المعروفة.
قال في المصباح: البَصْرة وزان تمرة، الحجارة الرِّخْوة، وقد تحذف الهاء مع فتح الباء وكسرها، وبها سميت البلدة المعروفة، وأنكر الزجاج فتح الباء مع الحذف، ويقال في النسبة بصري بالوجهين، وهي مُحدَثة إسلامية، بنيت في خلافة عمر ﵁، سنة ثماني عشرة من الهجرة بعد وقف السواد، ولهذا دخلت في حده، دون حكمه. اهـ.
٢ - (بشر بن المفضل) بن لاحق الرَّقَاشي -بفتح الراء والقاف المخففة نسبة إلى رَقَاش بنت قيس بن ثعلبة- مولاهم أبو إسماعيل البصري العابد، أحد الحفاظ الأعلام، عن يحيى بن سعيد، وحميد، وسهيل، وداود بن أبي هند، وخلق، وعنه أحمد، وإسحاق، ومسدد، وعمرو بن علي، قال أحمد: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة، وقال ابن المديني: كان يصلي كل يوم أربعمائة ركعة، ويصوم يوما ويفطر يوما، قال ابن سعد: كان عثمانيا، توفي سنة ١٨٧، أخرج له الجماعة ثقة ثبت عابد من الثامنة.
٣ - (ابن عون) هو عبد الله بن عون بن أرطبان -بفتح الهمزة وسكون الراء وفتح الطاء- المزني مولاهم أبو عون الخَرَّاز بفتح المعجمة والمهملة البصري أحد الأعلام.
عن عطاء، ومجاهد، وسالم، والحسن، والشعبي، وخلق، وعنه شعبة، والثوري، وابن علية، ويحيى القطان، وخلائق، قال ابن مهدي: ما أحد أعلم بالسنة بالعراق من ابن عون وقال روح بن
стр. 1019
عبادة: ما رأيت أعبد منه، قال يحيى القطان: مات سنة ١٥١، أخرج له الجماعة ثقة فاضل من السادسة.
٤ - (عامر الشعبي) بن شَرَاحيل الحميري، أبو عمرو الكوفي الإمام العلم، ولد لست سنين خلت من خلافة عمر، روى عنه، وعن علي، وابن مسعود، ولم يسمع منهم، وعن أبي هريرة، وعن عائشة، وجرير، وابن عباس، وخلق. قال: أدركت خمسمائة من الصحابة.
وعنه ابن سيرين، والأعمش، وشعبة، وجابر الجعفي، وخلق، قال أبو مجْلَز: ما رأيت فيهم أفقه من الشعبي، وقال العجلي: مرسل الشعبي صحيح، وقال ابن عيينة: كانت الناس تقول: ابن عباس في زمانه، والشعبي في زمانه، قال الشعبي: ما كتبت سوداء في بيضاء، قال يحيى بن بكير: توفي سنة ١٠٣، أخرج له الجماعة ثقة مشهور فقيه فاضل من الثالثة.
والشعبي: نسبة إلى شعب بفتح الشين المعجمة وسكون العين المهملة بطن من همدان قاله في اللباب.
٥ - (عروة بن المغيرة) أبو يعفور الثقفي الكوفي ثقة [٣] تقدم في ٦٣/ ٧٩.
٦ - (عن المغيرة) بن شعبة الصحابي الجليل ﵁ تقدم في ١٦/ ١٧.
٧ - (محمَّد بن سيرين) البصري الإمام العلم المشهور ثقة ثبت [٣] تقدم في ٤٦/ ٥٧.
لطائف الإسناد
منها: أنه من سداسياته، وأن رواته كلهم ثقات، وهم ما بين
стр. 1020
بصريين، وهم الثلاثة الأولون، وابن سيرين، وكوفيين، وهم الباقون.
وفيه رواية تابعي، عن تابعي.
تنبيه: قوله: وعن محمَّد بن سيرين عطف على عامر الشعبي، يعني أن ابن عون يروي عن شيخين: الشعبي وابن سيرين، ويروي ابن سيرين عن رجل، ولم يسمه، وقوله: حتى رده يعني حتى رد ابن سيرين الحديث الذي أخذه عن رجل إلى المغيرة بن شعبة.
وقوله: قال ابن عون: ولا أحفظ حديث ذا، من حديث ذا، أي لا أمَيِّز حديث أحدهما من حديث الآخر، بل حفظته مجموعا.
فإن قلت: طريق ابن سيرين فيها عن رجل وهو مبهم، فيكون الحديث ضعيفا، قلت: الحديث صحيح، متصل من طريق الشعبي، وغيره، فلا يضره الإبهام الواقع في سند ابن سيرين.
ورواية محمَّد بن سيرين أخرجها البغوي في شرح السنة مختصرة، وسَمَّى الرجل عمرو بن وهب الثقفي، ونصُّهُ من طريق الشافعي: أنا يحيى بن حسان، عن حماد بن زيد، وابن علية عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عمرو بن وهب الثقفي، عن المغيرة بن شعبة، أن النبي ﷺ "توضأ فمسح بناصيته، وعلى عمامته وخفيه" هذا حديث صحيح أخرجه مسلم من وجه آخر عن المغيرة بن شعبة، وأخرجه محمَّد (يعني البخاري) من رواية عمرو بن أمية، عن النبي ﷺ اهـ شرح السنة جـ ١/ ص ٤٥١.
لكن ذكر ابن أبي حاتم في العلل ما نصه:
سألت أبي، وأبا زرعة عن حديث رواه ابن المبارك عن عوف، وهشام عن محمَّد بن سيرين، قال: أخبرنا عمرو بن وهب، أن المغيرة