المضاعفة مشروط بخصوص الوقت أفاده السنديّ (١).
(كُتِبَ لَهُ) جواب الشرط (كَأنَّمَا قَرَأَهُ مِنَ اللَّيْلِ") صفة لمصدر محذوف، أي أُثبت أجرُه في صحيفة عمله، إثباتا مثلَ إثباته حين قرأه من الليل.
قال القرطبي -رحمه اللَّه تعالى-: هذا تفضل من اللَّه تعالى، ودليل على أن صلاة الليل أفضل من صلاة النهار. والحزب هنا الجزء من القرآن، يصلي به. وهذه الفضيلة إنما تحصل لمن غلبه نوم، أو عذر منعه من القيام، مع أن نيته القيام. وقد ذكر مالك في "الموطإ" عنه ﷺ ، قال: "ما من امرىء تكون له صلاة بليل، فغلبه عليها نوم، إلا كتب اللَّه له أجر صلاته، وكان نومه صدقة عليه" (٢). وهذا أتم في التفضّل والمجازاة بالنيّة، وظاهره أن له أجره مكمّلاً مضاعفًا، وذلك لحسن نيته، وصدق تلهّفه، وتأسّفه، وهذا قول بعض شيوخنا، وقال بعضهم: يَحتمل أن يكون غير مضاعف، إذ الذي يصليها أكمل، وأفضل.
قلت (٣): والظاهر التمسّك بالظاهر (٤)، فإن الثواب فضل من الكريم الوهّاب، وقد تقدم من حديث عائشة ﵂ أنه ﷺ "كان إذا غلبه نوم، أو وجع، صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة" (٥)، وهذا كله إنما هو يبقى في تحصيل مثل ما غُلب عليه، لا أنه قضاء له، إذ ليس في ذمّته شيء، ولا يُقضى إلا ما تعلّق بالذمّة. وقد رأى مالك أن يصلي حزبه من فاته بعد طلوع الفجر، وهو عنده وقت ضرورة لمن غُلب على حزبه، وفاته، كما يقول في الوتر انتهى كلام القرطبي -رحمه اللَّه تعالى- (٦). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث عمر بن الخطاب - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
стр. 10292
أخرجه هنا-٦٥/ ١٧٩٠ - وفي "الكبرى" ٨٠/ ١٤٦٢ بالإسناد المذكور، وفي ٦٥/ ١٧٩١ و ١٧٩٢ و ١٧٩٣ و"الكبرى" ٨٠/ ١٤٦٣ و ١٤٦٤ و١٤٦٥ و ١٤٦٦ بالأسانيد الآتية. واللَّه أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (م) ٢/ ١٧١ (د) ١٣١٣ (ت) ٥٨١ (ق) ١٣٤٣ (أحمد) ١/ ٣٢ و ٥٣ (الدارمي) ١٤٨٥ واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: مشروعية اتخاذ ورد من العبادات في الليل. ومنها: مشروعية قضائه إذا فات لنوم، أو عذر من الأعذار. ومنها: أن وقت قضائه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، فمن فعله في هذا الوقت، كان كمن فعله فى الليل، والظاهر أن من فعله بعد ذلك لا يكون له ذلك. واللَّه تعالى أعلم. ومنها: أن فيه إشارة إلى ما ورد في معنى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: ٦٢]. قال القاضي: أي ذَوَيْ خِلْفَة، يخلف كلّ منهما الآخر، يقوم مقامه فيما ينبغي أن يُعمل فيه، مَن فاته ورده في أحدهما تداركه في الآخر انتهى، وهو منقول عن كثير من السلف، كابن عباس، وقتادة، والحسن، وسلمان، كما ذكره السيوطي في "الدرّ المنثور".
قيل: تخصيصه بما قبل الزوال مع شمول الآية النهار بالكمال إشارة إلى المبادرة بقضاء الفوائت قبل إتيان الموت، أو لأن ما قارب الشيء يُعطى حكمه (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٧٩١ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ, أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ, يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ", أَوْ قَالَ: "جُزْئِهِ مِنَ اللَّيْلِ, فَقَرَأَهُ فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ الصُّبْحِ إِلَى صَلَاةِ الظُّهْرِ, فَكَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنَ اللَّيْلِ».
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وقع في نسخ "المجتبى" في هذا الإسناد خطأ، وهو أنه سقط "عروة" بين الزهريّ، وعبد الرحمن القاريّ، وكذلك جعله مرفوعًا خطأ أيضًا؛ لأن الصواب كونه موقوفًا على عمر ﵁، وقد وقع في "الكبرى" على الصواب، ولفظه: أخبرنا محمد بن رافع النيسابوريّ، قال. نا عبد الرزّاق، أنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عبد الرحمن بن عبد القاريّ أن عمر بن الخطاب قال: "من نام عن جزئه، أو قال: حزبه … " الحديث فالحديث موقوف في هذه الرواية.
стр. 10293
[تنبيه]: حديث عمر ﵁ هذا وقع فيه الاختلاف في رفعه ووقفه، وقد بيَّن المصنف -رحمه اللَّه تعالى- ذلك بما ساقه من هذه الروايات، فأما الرفع ففي رواية يونس، عن ابن شهاب، عن السائب بن يزيد، وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، وهي الرواية الماضية. وأما الوقف ففي رواية معمر، عن الزهري عن عروة، عن عبد الرحمن ابن عبدِ، وهي هذه الرواية، وكذلك رواية حميد بن عبد الرحمن التي بعد هذه الرواية. ثم إن رواية الرفع أرجح؛ لاتفاق السائب بن يزيد، وعبيد اللَّه عليها، ولهذا أخرجها مسلم في "صحيحه" كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
١٧٩٢ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ, عَنِ الأَعْرَجِ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ, أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ, قَالَ: مَنْ فَاتَهُ حِزْبُهُ مِنَ اللَّيْلِ, فَقَرَأَهُ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ, إِلَى صَلَاةِ الظُّهْرِ, فَإِنَّهُ لَمْ يَفُتْهُ", أَوْ "كَأَنَّهُ أَدْرَكَهُ".
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: غرض المصنف -رحمه اللَّه تعالى- بهذا بيان مخالفة
الأعرج للسائب بن يزيد، وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه في وقف الحديث، وتقدّم أن الراجح رفعه، لكونه زيادة ثقة، وأيضًا الموقوف لا ينافي المرفوع، إذ يمكن حمله على أن عمر ﵁ كان يرويه عن النبي ﷺ أحيانًا، وكان يفتي به أحيانا، وأيضًا الموقوف في مثل هذا له حكم الرفع، إذ لا يقال من قبل الرأي. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "حين تزول الشمس": استشكله السنديّ، فقال: لا يخلو عن إشكال، إذ الصلاة في هذا الوقت مكروهة، ولولا الكراهة لم يظهر فائدة في تعيّنه، والأقرب أن هذا من تصرّفات الرواة، نعم لو حمل الحزب على القرآن، بلا صلاة، لاندفع الوجه الأول من الإيراد، واللَّه تعالى أعلم انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما أورده من الاستشكال، لا وجه له، إذ الكراهة إنما هي عند الاستواء، لا عند الزوال، ونصّ الحديث "حين تزول الشمس"، فمن أين له أن ذلك وقت كراهة الصلاة؟، فما ادعاه من أنه من تصرفات الرواة غير صحيح. فتبصّر.
وقوله: "أو كأنه أدركه" "أو" للشكّ من بعض الرواة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله: (رَوَاهُ حُمَيْدُ بْنُ عَبدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفِ، مَوقُوفًا) أي موقوفًا على عمر ﵁ أيضًا.
١٧٩٣ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ, عَنْ شُعْبَةَ, عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ, عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ عُمَرَ قَالَ: "مَنْ فَاتَهُ وِرْدُهُ مِنَ اللَّيْلِ, فَلْيَقْرَأْهُ فِي صَلَاةٍ قَبْلَ الظُّهْرِ, فَإِنَّهَا تَعْدِلُ صَلَاةَ اللَّيْلِ".
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق آخر موقوف أيضًا، لكن اختلف في انقطاعه،
стр. 10294
لأن حميدا لم يلق عمر ﵁، على ما قاله بعضهم، انظر "ت" ص ٨٤ و"تت"ج ١ص ٤٩٧ الطبعة الجديدة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٦٦ - بَابُ ثَوَابِ مَن صَلَّى فِي الْيَومِ وَاللَّيْلَةِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةَ، سِوَى الْمَكْتوبَةِ، وَذِكْرِ اخْتِلَافِ النَّاقِلِينَ فِيهِ لِخَبَرِ أُمِّ حَبِيبَةَ فِي ذلِكَ، وَالاخْتِلَافِ عَلَى عَطَاءِ
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "والاختلاف على عطاء" بالجر عطفًا على "اختلاف الناقلين". ووجه الاختلاف على عطاء أنه رواهُ مغيرة بن زياد عنه، عن عائشة ﵂، فجعله من مسندها. وخالفه معقل بن عبيد اللَّه الجزري، فرواه عنه قال: أُخْبِرْتُ أن أم حبيبة قالت، فجعله من مسندها، وتابعه في ذلك ابن جريج، ورواه محمد ابن سعيد الطائفي، عنه عن يعلى بن أمية، عن عنبسة بن أبي سفيان، عنها.
ثم إن رواية مغيرة ضعيفة؛ لمخالفته الثقات، وكذلك رواية معقل وابن جريج؛ للانقطاع، كما سيأتي بيانه. وأما رواية محمد بن سعيد فصحيحة لاتصالها واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
١٧٩٤ - أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ جَعْفَرٍ النَّيْسَابُورِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ بْنُ زِيَادٍ, عَنْ عَطَاءٍ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ ثَابَرَ عَلَى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً, فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ, دَخَلَ الْجَنَّةَ, أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ, وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا, وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ, وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ, وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ».
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (الحسين (١) بن منصور النيسابوري) أبو علي السلميّ، ثقة فقيه [١٠] ٢٥/ ١٦٦٤.
٢ - (إسحاق بن سليمان) أبو يحيى الكوفيّ، ثم الرازيّ، ثقة فاضل [٩] ١١/ ١٦٢٣.
стр. 10295
٣ - (مُغيرة بن زياد) البجليّ، أبو هشام، ويقال: أبو هاشم الموصليّ، صدوق، له
أوهام [٦].
قال البخاريّ: قال وكيع: ثقة، وقال غيره: في حديثه اضطراب. وقال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: مضطرب الحديث، منكر الحديث، أحاديثه مناكير. وقال صالح بن أحمد، عن أبيه: ثقة. وعن يحيى بن معين: ليس به بأس، له حديث واحد منكر. وقال الدوريّ، وابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقة ليس به بأس. ووثقه العجليّ، وابن عمار، ويعقوب بن سفيان. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي، وأبا زرعة عنه؟، فقالا: شيخ، قلت: يحتجّ به؟ قالا: لا. وقال أبي: هو صالح، صدوق، ليس بذاك القويّ، بابةُ (١) مجالد، يُحَوَّل اسمه من كتاب "الضعفاء" للبخاريّ. وقال أبو زرعة في موضع آخر: في حديثه اضطراب. وقال أبو داود: صالح. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وقال في موضع آخر: ليس بالقويّ. وقال ابن عديّ: عامة ما يرويه مستقيم، إلا أنه يقع في حديثه كما يقع في حديث من ليس به بأس، من الغلط، وهو لا بأس به. وقال يحيى بن عبد الملك الموصليّ: دُعي إلى القضاء، فلم يُجبْ. وقال ابن عمار: كان تاجرًا، وما كان أكثر روايته عن عطاء. وقال أبو أحمد: ليس بالمتين عندهم. وقال الدارقطنيّ: ليس بالقويّ يُعتبر به. وقال الحاكم أبو عبد اللَّه: المغيرة بن زياد، يقال له: أبو هشام المكفوف صاحب مناكير، لم يختلفوا في تركه، يقال: إنه حدّث عن عُبَادة بن نسيّ بحديث موضوع، ويقال: إنه حدّث عن عطاء، وأبي الزبير بجملة من المناكير.
قال الحافظ المزّيّ ﵀: في هذا القول نظر، فإنا لا نعلم أحدًا قال: إنه متروك، ولعله اشتبه على الحاكم بأصرم بن حوشب، فإنه يكنى أبا هشام أيضًا من المتروكين انتهى.
وقال الحافظ: قلت: قد قال فيه ابن حبان: كان ينفرد عن الثقات بما لا يشبه حديث الأثبات، فوجب مجانبة ما انفرد به، وترك الاحتجاج بما يخالف. ولكن نقل الإجماع على تركه مردود انتهى. روى له الأربعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا وأعاده بعده، و (٥٢١٧) حديث: "أمر بخاتم من فضة، فأمر أن ينقش فيه … " الحديث.
٤ - (عطاء) بن أبي رباح أسلم القرشيّ مولاهم المكيّ، ثقة فقيه فاضل، كثير الإرسال [٣] ١١٢/ ١٥٤.
٥ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂ ٥/ ٥.
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) ﵂، أنها (قَالَتْ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ ثَابَرَ") أي واظب، قال الفيّوميّ ﵀: يقال: ثَبَرت زيدًا بالشيء، ثَبْرًا، من باب قَتَل: حبستُهُ عليه، ومنه
стр. 10296
اشتُقْت المثابرة، وهي المواظبة على الشيء، والملازمة له. انتهى (عَلَى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً) أي تطوعًا غير فريضة، كما يأتي في حديث أم حبيبة ﵂ (فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، دَخَلَ الْجَنَّةَ) أى مع الأولين، وإلا فالدخول مطلقًا حاصل بمجرّد الإيمان (أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ) منصوب بفعل مقدّر، أي أعني أربعا.
ثم إن قوله. "أربعًا" المتبادر منه أنها بسلام واحد، ويحتمل كونها بسلامين، والأقرب أن إطلاقها يشمل القسمين. قاله السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-.
وفيه دلالة على أن السنة الراتبة المؤكدة قبل الظهر أربع ركعات، وإليه ذهبت الحنفيّة، وقال الشافعيّ، وأحمد: الراتبة قبل الظهر ركعتان، واستدلّ لهما بحديث ابن عمر ﵁، "صليت مع رسول اللَّه ﷺ ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته"، قال: وحدثتني حفصة أن رسول اللَّه ﷺ كان يصلي ركعتين خفيفتين حين يطلع الفجر". متفق عليه.
(وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا) فيه أن السنة بعد الظهر ركعتان، ويدلّ عليه حديث ابن عمر المذكور، وغير ذلك من الأحاديث، ولا يعارض ذلك ما يأتي من حديث أم حبيبة ﵂[٦٧/ ١٨١٧] "من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر، وأربع بعدها، حرمه اللَّه على النار"، لأنه يحمل على التوسعة في ذلك، ويقال. ركعتان من الأربع مؤكدتان، وركعتان مستحبّتان، وذلك لأنه لم يصحّ عنه ﷺ في فعل الأربع بعد الظهر شيء غير هذا الحديث الواحد القوليّ، وقد تكلم فيه بعضهم، بما ستعرفه، إن شاء اللَّه تعالى، وقيل: الأربع أفضل وآكد (١).
(وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِب، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ) أي قبل صلاة الصبح، وليس المراد قبل طَلوع الفجر. واللَّه تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عائشة ﵂ قد تكلم فيه المصنّف، فقال في "السنن الكبرى" بعد هذا الحديث: قال أبو عبد الرحمن: هذا خطأ، ولعله أراد عنبسة بن أبي سفيان، فصحّفه، ويوجد في بعض نسخ "المجتبى" -كما أشار إليه في هامش "الهنديّة" بعد الرواية الثانية: ما نصحه: قال أبو عبد الرحمن هذا خطأ، ولعله أراد عنبسة بن أبي سفيان، فصحف. أي صحّف عنبسة بعائشة. انتهى.
وقال الترمذي بعد أن أخرج الحديث: حديث عائشة غريب من هذا الوجه، ومغيرة ابن زياد قد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه انتهى.
стр. 10297
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما أشار إليه المصنف والترمذيّ -رحمهما اللَّه تعالى- من أن الصواب أن هذا الحديث من حديث أم حبيبة ﵂، لا من حديث عائشة، هو الحقّ، والظاهر أن الخطأ من مغيرة بن زياد، فقد تقدّم أن كثيرًا من الحفّاظ وصفوه بأنه مضطرب الحديث، وهو كما قال في "ت": صدوق له أوهام، فقد ظهر وَهَمُهُ هنا بمخالفته لأصحاب عطاء، كما سيأتي، إن شاء اللَّه تعالى. وقد صححه بعض المتأخرين من حديث عائشة ﵂ أيضا. لكن الظاهر ما قاله الأولون.
والحاصل أن الحديث صحيح من حديث أم حبيبة ﵁، كما أخرجه مسلم من حديثها، وإنما يضعّف من حديث عائشة ﵂. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا ٦٦/ ١٧٩٤ وفي "الكبرى" ٨١/ ١٤٦٧ بالإسناد المذكور، وفي ٦٦/ ١٧٩٥ بالإسناد الآتي. واللَّه تعالى أعلم
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (ت) ٤١٤ (ق) ١١٤٠. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: أنه اختلف في وجه الجمع بين حديثي عائشة هذا وبين حديث ابن عمر ﵁ المتقدّم: "صليت مع رسول اللَّه ﷺ ركعتين قبل الظهر … " الحديث:
فقيل: يحتمل أن ابن عمر قد نسي ركعتين من الأربع، وردّ بأن هذا احتمال بعيد. وقيل: هو محمول على أنه كان إذا صلى في بيته صلى أربعا، وإذا صلى في المسجد اقتصر على ركعتين، قال العلامة القيّم ﵀ في "زاد المعاد": وهذا أظهر.
وقيل: يُحمل على حالتين، فكان تارة يصلي ثنتين، وتارة يصلي أربعًا، فحكى كلّ من ابن عمر، وعائشة ﵂ ما شاهده. وقيل: يحتمل أن يكون يصلي إذا كان في بيته ركعتين، ثم يخرج إلى المسجد، فيصلي ركعتين، فرأى ابن عمر ما في المسجد، دون ما في البيت، واطلعت عائشة على الأمرين. وقيل: كان يصلي في بيته أربعًا، فرأته عائشة، وكان يصلي ركعتين إذا أتى المسجد تحيته، فظنّ ابن عمر أنها سنة الظهر، ولم يعلم الأربع التي صلاها في البيت، وهذا أيضا بعيد مثل الأول. وقيل: يمكن أن يكون مطّلعًا على الأربع، لكنه ظنها صلاة فيء الزوال، لا سنة الظهر، قال ابن القيم في "زاد المعاد": وقد يقال: إن هذه الأربع لم تكن سنة الظهر، بل هي صلاة مستقلّة، كان يصليها بعد الزوال، كما في حديث عبد اللَّه بن السائب، قال: كان رسول اللَّه ﷺ يصلي أربعًا بعد أن تزول الشمس قبل الظهر، وقال: "إنها ساعة تفتح فيها أبواب السماء، فأحبّ أن يصعد لي فيها عمل". رواه الترمذيّ، وحسّنه. وفي "السنن" أيضًا
стр. 10298
عن عائشة ﵂: "أن رسول اللَّه ﷺ ، كان إذا لم يصل أربعًا قبل الظهر، صلاّهنّ بعدها"، وإسناده حسن. وقال ابن ماجه: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا فاتته الأربع قبل الظهر، صلاهنّ بعد الركعتين بعد الظهر". وهو حسن بما قبله. وفي الترمذيّ عن عليّ ابن أبي طالب ﵁، قال: "كان رسول اللَّه ﷺ يصلي أربعًا قبل الظهر، وبعدها ركعتين". وذكر ابن ماجه أيضًا عن عائشة: "كان رسول اللَّه ﷺ يصلي أربعًا قبل الظهر، يطيل فيهنّ القيام، وُيحسن فيهنّ الركوع والسجود".
فهذه -واللَّه أعلم- هي الأربع التي أرادت عائشة أنه كان لا يدعهنّ، وأما سنة الظهر، فالركعتان اللتان قال عبد اللَّه بن عمر، يوضّح ذلك أن سائر الصلوات سنتها ركعتان ركعتان، والفجر مع كونها ركعتين، والناس في وقتها أفرغ ما يكونون، ومع هذا سنتها ركعتان، وعلى هذا فتكون هذه الأربع التي قبل الظهر وِرْدًا مستقلاً، سببه انتصاف النهار، وزاول الشمس انتهى المقصود من كلام الإمام ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى- ببعض تصرّف (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يترجّح عندي أن يحمل على أنه إذا صلى في البيت صلّى أربعًا، وإذا صلى في المسجد صلى ركعتين، كما استظهره ابن القيم -رحمه اللَّه تعالى-، ويؤيّده ما في "صحيح مسلم" من حديث عبد اللَّه بن شقيق، عن عائشة ﵂، قالت: كان يصلي في بيتي أربعًا قبل الظهر، ثم يخرج، فيصلي بالناس، ثم يدخل، فيصلي ركعتين … الحديث.
قال القاري ﵀: كل هذه السنن مؤكّدة، وآخرها آكدها حتى قيل بوجوبها، قال ابن حجر الهيتَميّ ﵀: وهو صريح في ردّ قول الحسن البصريّ، وبعض الحنفية بوجوب ركعتي الفجر، وفي ردّ قول الحسن البصريّ أيضًا بوجوب الركعتين بعد المغرب انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة: أنه اختُلف أيضًا في ترتيب سنن الرواتب في الأفضلية، فقيل: أفضلها سنة الفجر، ثم المغرب، ثم سنة الظهر والعشاء، سواء في الفضيلة، وهذا عند الحنابلة، وقالت الشافعيّة: أفضلها بعد الوتر ركعتا الفجر، ثم سائر الرواتب، ثم التروايح، ثم اختلفوا بعد ذلك، هل القبلية أفضل، أو البعدية؟، ولهم فيه قولان: أحدهما أن البعدية أفضل، لأن القبلية كالمقدّمة، وتلك تابعة، والتابع يشرُف بشرف متبوعه. والثاني أنهما سواء، واختلفت أقوال الحنفية في ترتيب الرواتب، فقال في "البحر" عن "القنية": اختلف في أكد السنن بعد سنة الفجر، فقيل: كلها سواء،
стр. 10299
والأصح أن الأربع قبل الظهر آكد، وقال في "الدر المختار": آكدها سنة الفجر اتفاقًا، ثم الأربع قبل الظهر في الأصحّ، ثم الكلّ سواء، وهكذا صححه في "العناية"، و"النهاية"، واستحسنه في "فتح القدير". وعند المالكيّة أن سنة الفجر رغيبة، والباقي تطوعات ونوافل.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يترجّح عندي -كما قاله بعض المحققين- أن آكد السنن الوتر، ثم ركعتا الفجر، ثم التي قبل الظهر، ثم الكلّ سواء. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٧٩٥ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى, إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ الرَّازِيُّ, عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ زِيَادٍ, عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ, عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «مَنْ ثَابَرَ عَلَى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً, بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ, أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ, وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ, وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ, وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ, وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ».
"أحمد بن يحيى": الأوديّ أبو جعفر الكوفيّ، ثقة [١١] ٣٨/ ١٢٧٤.
و"محمد بن بشر": هو العبديّ الكوفيّ ثقة حافظ [٩] ٥/ ٨٨٢. والحديث لا يصح من مسند عائشة، بل من مسند أم حبيبة ﵂، كما تقدم تمام البحث فيه في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٧٩٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْدَانَ بْنِ عِيسَى, قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ, عَنْ عَطَاءٍ, قَالَ: أُخْبِرْتُ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ, قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَقُولُ: «مَنْ رَكَعَ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً, فِي يَوْمِهِ وَلَيْلَتِهِ, سِوَى الْمَكْتُوبَةِ, بَنَى اللَّهُ لَهُ بِهَا بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ».
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (محمد بن معدان بن عيسى) بن معدان، أبو عبد اللَّه الحرّانيّ، ثقة [١٢] ١٦/ ٦٤٩.
٢ - (الحسن بن أعين) هو الحسن بن محمد بن أعين الحرّانيّ، نسب لجدّه، صدوق [٩] ١٦/ ٦٤٩.
٣ - (معقل) بن عُبيد اللَّه الجَزَريّ، أبو عبد اللَّه العَبْسيّ مولاهم، صدوق يخطىء [٨] ٣٧/ ٩٤٠.
٤ - (عطاء) بن أبي رباح المذكور في السند الماضي.
٥ - (أم حبيبة) رملة بنت أبي سفيان ﵂ ١٣/ ٧٠٤.
وشرح الحديث يعلم مما قبله، وهو بهذا الإسناد فيه انقطاع بين عطاء وأم حبيبة
стр. 10300
- ﵂، ولكنه صحيح بالإسناد الآتي قريبًا ١٨٠١، وقد أخرجه المصنف ﵀ تعالى في هذا الباب من رقم ١٧٩٦ إلى رقم ١٨٠٩ وبين العلل التي فيه بما فيه كفاية واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٧٩٧ - أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ, قَالَ: قَالَ: ابْنُ جُرَيْجٍ, قُلْتُ لِعَطَاءٍ: بَلَغَنِي أَنَّكَ تَرْكَعُ, قَبْلَ الْجُمُعَةِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً, مَا بَلَغَكَ فِي ذَلِكَ؟ قَالَ: أَخْبَرَتْ, أُمُّ حَبِيبَةَ, عَنْبَسَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ رَكَعَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً, فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ, سِوَى الْمَكْتُوبَةِ, بَنَى اللَّهُ, لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ».
"إبراهيم بن الحسن". هو أبو إسحاق المصِّيصيّ الثقة، و"حجاج بن محمد": هو المصيصيّ الأعور. و "ابن جُريج": هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي الإمام المشهور.
والإسناد فيه انقطاع أيضًا، لكنه صحيح بما يأتي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
١٧٩٨ - أَخْبَرَنِي أَيُّوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا مُعَمَّرُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ حِبَّانَ, عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ, عَنْ عَطَاءٍ, عَنْ عَنْبَسَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ, عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ, قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَقُولُ: «مَنْ صَلَّى فِي يَوْمٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً, بَنَى اللَّهُ , لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ».
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أيوب بن محمد) الوزّان، أبو محمد الرّقّيّ ثقة [١٠] ٢٨/ ٣٢.
٢ - (مُعَمر بن سليمان) -بتشديد الميم بوزن محمد- النخعيّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقة فاضل، أخطأ الأزديّ في تليينه [٩].
قال الميمونيّ: كناه أحمد، وذكر من فضله، وهيبته. وثقه ابن معين، وأبو داود، وابن حبّان، وقال النسائيّ: ليس به بأس. وقال أبو عبيد القاسم بن سلّام: جلست إلى مُعَمَّر بن سليمان بالرّقّة، وكان خير من رأيت، وكانت له حاجة إلى بعض الملوك، فقيل له: لو أتيته، فكلمته، فقال: قد أردت إتيانه، ثم ذكرت العلم والقرآن، فأكرمتهما عن ذلك. وقال الأزديّ: له مناكير، ولم يُلتفت إلى الأزديّ في ذلك. مات في شعبان سنة (١٩١) روى له المصنف، وابن ماجه. وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا و (٣٨٤٢) حديث: "لا نذر في معصيته … " الحديث.
٣ - (زيد بن حبّان) -بكسر المهملة، وبالموحّدة- الرقّيّ، كوفيّ الأصل، مولى ربيعة، صدوق كثير الخطأ، وتغيّر بآخره [٧].
стр. 10301
قال مَعَمَّر بن سليمان الرّقّيّ: سمعت منه قبل أن يفسد ويتغيّر. وقال عبد اللَّه بن أحمد يقول، عن أبيه: كان زيد حِبَّان يشرب -يعني المسكر- وقال مرّة: تركنا حديثه.
وقال حنبل، عن أحمد: تُرك حديثه، وليس يُروى عنه، وزعموا كان يشرب حتى يسكر. وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: لا شيء. وقال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ثقة. وقال الدارقطنيّ: ضعيف الحديث، لا يثبت حديثه عن مسعر. وقال ابن عديّ: لا أرى برواياته بأسًا، يحمل بعضها بعضها. وقال العقيليّ: حدث عن مسعر بحديث لا يُتابع عليه. وذكره ابن حبّان في "الثقات" وقال: مات سنة (٢٥٨). روى له المصنف، وابن ماجه. وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٤ - (عنبسة بن أبي سفيان) صخر بن حرب بن أميّة القرشيّ الأمويّ، أخو أم حبيبة، ومعاوية، أبو الوليد، وقيل: غير ذلك، قال أبو نعيم الأصبهاني: أدرك النبي ﷺ ، ولا تصحّ له صحبة، ولا رؤية، ذكره بعض المتأخرين، واتفق متقدّمو أئمتنا على أنه من التابعين. وذكره أبو زرعة الدمشقيّ في الطبقة الأولى من التابعين. وذكره ابن حبّان في ثقات التابعين. وذكر الليث وغيره أنه حجّ بالناس سنة (٤٦)، وكذا ذكر خليفة، وزاد: إن معاوية ولاّه مكة، فكان إذا شخص إلى الطائف استخلف طارق بن المرقّع. روى له الجماعة، سوى البخاريّ. وله في هذا الكتاب حديث الباب، وكرره (١٣) مرة. والباقون تقدّموا قريبًا، وكذا الكلام على الحديث، واللَّه تعالى وليّ التوفيق.
وقوله (قَالَ: أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ: عَطَاءٌ لَمْ يَسْمَعهُ مِنْ عَنبَسَةَ) أي لم يسمع عطاء بن أبي رباح هذا الحديث من عنبسة بن خالد، بل أخذه عن يعلى بن أميّة، كما بينه بقوله:
١٧٩٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الطَّائِفِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ, عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ, قَالَ: قَدِمْتُ الطَّائِفَ, فَدَخَلْتُ عَلَى عَنْبَسَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ, وَهُوَ بِالْمَوْتِ, فَرَأَيْتُ مِنْهُ جَزَعًا, فَقُلْتُ: إِنَّكَ عَلَى خَيْرٍ. فَقَالَ أَخْبَرَتْنِي أُخْتِي أُمُّ حَبِيبَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «مَنْ صَلَّى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ, رَكْعَةً بِالنَّهَارِ, أَوْ بِاللَّيْلِ, بَنَى اللَّهُ , لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ».
"محمد بن رافع": هو أبو عبد اللَّه النيسابوري الحافظ. و"زيد بن الحباب": هو أبو الحسين العُكْليّ الكوفي.
و"محمد بن سعيد الطائفيّ" أبو سعيد المؤذّن، صدوق [٦].
قال ابن أبي وراة في كتاب "التفرّد" إثر حديث له: محمد بن سعيد ثقة، وثقه البيهقيّ انتهى. انفرد به أبو داود، والمصنف. وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
و"يعلى بن أمية": هو يعلى بن مُنية، وهي أمه، صحابيّ مشهور ﵁ ٧/ ٤٠٦.
стр. 10302
وقوله: "وهو بالموت" أي في حالة الموت.
وقوله: "فرأيت منه جزعًا" بفتحتين مصدر جَزعَ، من باب تَعِبَ، فهو جَزِعٌ، وجَزُوعٌ مبالغةٌ: إذا ضعفت مُنَّتُهُ (١) عن حَمْل ما نزل له، ولم يجد صبرًا. قاله في "المصباح".
وإنما جزع عنبسة خوفًا من هول الموت، يدلّ عليه ما أخرجه الخطيب بسند فيه ضعف إلى القاسم، عن أبي أمامة، قال: مرِضَ عنبسة، فدخل عليه أناس يعودون، وهو يبكي، فقالوا: أما كانت لك سابقة، وسلف لك خير؟ قال: وما لي لا أبكي من هول المطلع؟ ومالي من عمل أثق به. ذكره الحافظ في ترجمته انظر "تت" جـ٢ ص ٣٣٣.
والحديث صحيِح من هذا الوجه، كما تقدم الكلام عليه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله (خَالَفَهُمْ أبو يُونُسَ الْقُشَيْرِيُّ) أي خالف أبو يونس القشيريّ الرواة عن عطاء، وهم مغيرة بن زياد، ومعقل، وابن جريج، ومحمد بن سعيد الطائفيّ، في شيئين: الإسناد، والمتن، فأما الإسناد. فرواه عن عطاء، عن شهر بن حَوْشب، عنْ أم حبيبة ﵂ موقوفًا، وأما المتن، فقيده بأن تلك الاثنتي عشرة تصلى قبل الظهر، كما بينه بقوله:
١٨٠٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ نُعَيْمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَبَّانُ, وَمُحَمَّدُ بْنُ مَكِّيٍّ, قَالَا: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ, عَنْ أَبِي يُونُسَ الْقُشَيْرِيِّ, عَنِ ابْنِ أَبِي رَبَاحٍ, عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ, حَدَّثَهُ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ, قَالَتْ: "مَنْ صَلَّى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً, فِي يَوْمٍ, فَصَلَّى قَبْلَ الظُّهْرِ, بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ".
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (محمد بن حاتم بن نُعيم) المروزيّ، ثقة [١٢] ١/ ٣٩٧.
٢ - (حِبان) -بكسر الحاء- بن موسى بن سوّار السلميّ، أبو محمد المروزيّ، ثقة [١٠] ١/ ٣٩٧.
٣ - (محمد بن مكيّ) بن عيسى المروزيّ، مقبول [١٠].
ذكره ابن حبّان في "الثقات"، وانفرد به أبو داود، والمصنف، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا وأعاده برقم (١٨٠٦)، و (٣٤٢٢) حديث: "يأمرك أن تعتزل امرأتك … " الحديث.
٤ - (عبد اللَّه) بن المبارك الإمام الحافظ الحجة المشهور [٨] ٣٢/ ٣٦.
٥ - (أبو يونس القشيريّ) وقيل: الباهليّ مولاهم، حاتم بن أبي صَغيرة، وهو ابن مسلم، البصريّ، ثقة [٦]. وأبو صغيرة أبو أمه، وقيل: زوج أمه.
стр. 10303
وثقه أحمد، وابن معين، وأبو حاتم، والنسائي، والعجليّ، والبزار، وابن سعد، وابن حبّان، وزاد أبو حاتم: صالح الحديث. روى له الجماعة.
٦ - (شهر بن حَوْشب) الأشعريّ الشاميّ، مولى أسماء بنت يزيد بن السكن، صدوق كثير الإرسال والأوهام [٣].
قال حرب بن إسماعيل، عن أحمد: ما أحسن حديثه، ووثقه، وأظنه قال: هو كندي، وروى عن أسماء أحاديث حسانًا. وقال أبو طالب، عن أحمد: عبد الحميد بن بَهْرَام أحاديثه مقاربة، هي أحاديث شهر، كان يحفظها، كأنه يقرأ سورة من القرآن. وقال حنبل عن أحمد: ليس به بأس. وقال عثمان الدارميّ: بلغني أن أحمد كان يُثنى على شهر. وقال الترمذيّ: قال أحمد: لا بأس بحديث عبد الحميد بن بهرام، عن شهر.
وقال الترمذيّ، عن البخاريّ: شهر حسن الحديث، وقوّى أمره. وقال ابن أبي خيثمة، ومعاوية بن صالح، عن ابن معين: ثقة. وقال عبّاس الدُّوريّ، عن ابن معين: شاميّ تابعيّ ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة على أن بعضهم قد طعن فيه. وقال يعقوب بن سفيان: وشهر -وإن قال ابن عون: نَزَكوه- فهو ثقة. وقال ابن عمّار: روى عنه الناس، وما أعلم أحدًا قال فيه غير شعبة، قيل: يكون حجة؟ قال: لا. وقال أبو زرعة: لا بأس به، ولم يَلقَ عمرو بن عَبَسَة. وقال أبو حاتم: شهر أحبّ إليّ من أبي هارون، وبشر بن حرب، ولا أحتجّ به. وقال صالح بن محمد: شهر شاميّ، قدم العراق، روى عنه الناس، ولم يوقف منه على كذِب، وكان يَتَنَسّك، إلا أنه روى أحاديث ينفرد بها لم يشاركه فيها أحد، وروى عنه عبد الحميد بن بهرام أحاديث طوالاً عجائب، ويروي عن النبي ﷺ أحاديث في القرآت، لا يأتي بها غيره. وقال أيوب ابن أبي حسين النَّدَبيّ: ما رأيت أحدًا أقرأ لكتاب اللَّه منه.
وقال أبو جعفر الطبريّ: كان فقيهًا قارئًا عالمًا. وقال أبو بكر البزّار: لا نعلم أحدًا ترك الرواية عنه غير شعبة، ولم يَسمع من معاذ بن جبل. وقال الساجيّ: فيه ضعف، وليس بالحافظ، وكان شعبة يَشهد عليه أنه رافق رجلا من أهل الشام، فخانه. وقال ابن حبّان: كان ممن يروي عن الثقات المعضلات، وعن الأثبات المقلوبات. وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالقويّ عندهم. وقال ابن عديّ: وعامة ما يرويه شهر وغيره من الحديث فيه من الإنكار ما فيه، وشهر ليس بالقويّ في الحديث، وهو ممن لا يحتجّ بحديثه، ولا يُتديّن به. وقال الدارقطنيّ: يُخرَّج حديثه. وقال البيهقيّ: ضعيف. وقال ابن حزم: ساقط.
وقال يحيى القطان، عن عَباد بن منصور: حججنا مع شهر، فسرق عَيْبَتي. وقال ابن عدي: ضعيف جدًا. وقال النضر، عن ابن عون: إن شهرًا نَزَكوه، قال النضر: نزكوه: أي طعنوا فيه. وقال شبابة، عن شعبة: ولقد لقيت شهرًا، فلم أعتدّ به. وقال عمرو بن
стр. 10304
عليّ: ما كان يحيى يُحدث عنه، وكان عبد الرحمن يحدث عنه. وقال يحيى بن أبي بُكير الكرمانيّ، عن أبيه: كان شهر بن حَوشب على بيت المال، فأخذ خريطة، فيها دراهم، فقال القائل:
لَقَدْ بَاعَ شَهْرْ دِينَهُ بِخَرِيطَةٍ … فمَنْ يأْمَنُ الْقُرَاءَ بَعْدَكَ يَا شَهْرُ
وقال موسى بن هارون: ضعيف. وقال النسائي. ليس بالقويّ. وقال إبراهيم بن يعقوب الْجُوزَجانيّ: أحاديثه لا تشبه حديث الناس. وقال يْعقوب بن شيبة قيل لابن المدينيّ: ترضى حديث شهر؟ فقال: أنا أحدث عنه، وكان عبد الرحمن يحدّث عنه، وأنا لا أدع حديث الرجل إلا أن يجتمع يحيى وعبد الرحمن على تركه.
وقال أبو الحسن ابن القطان الفاسيّ: لم أسمع لمضعّفه حجة، وما ذكروا من تزيّه بزيّ الجند، وسماعه الغناء بالآلات، وقذفه بأخذ الخريطة، فإما لا يصحّ، أو هو خارجٌ على مخرج لا يضرّه، وشرّ ما قيل فيه: إنه يروي منكرات عن ثقات، وهذا إذا كثر منه سقطت الثقة به.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن شهرًا حسن الحديث، فإن معظم المتقدمين على توثيقه، والحق أن ما قاله ابن القطان هو الوسط، فإن كثيرًا مما رموه به لا يصح كما ذكره الحافظ الذهبي في ترجمته من "ميزان الاعتدال" وبعضه له محامل حسنة.
والحاصل أنه لم يصح سبب يوجب ضعفه وإنما له أوهام كغيره من الثقات، فما ظهر فيه وهمه يردّ، وإلا فهو مقبول الرواية. واللَّه تعالى أعلم.
وقال عبد الحميد بن بَهْرام: أتى على شهر ثمانون سنة. وقال البخاريّ، وغير واحد: مات سنة (١٠٠) وقال يحى بن بُكير: سنة (١١١) وقال الواقديّ: سنة (١١٢).
روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والباقون.
و"ابن أبي رباح": هو عطاء المتقدّم. وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، و (٣٦٤١) حديث: "ولا وصية لوارث"، وأعاده بعده.
وقوله. "فصلى قبل الظهر" فيه أن هذه الاثنتي عشرة ركعة تصلى قبل صلاة الظهر، لكن الحديث ضعيف، مخالف للرواية الصحيحة من أنها تصلّى في اليوم والليلة واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
١٨٠١ - أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو الأَسْوَدِ, قَالَ: حَدَّثَنِي بَكْرُ بْنُ مُضَرَ, عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ, عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيِّ, عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ, عَنْ عَنْبَسَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ, عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «اثْنَتَا عَشْرَةَ رَكْعَةً, مَنْ صَلاَّهُنَّ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ, أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ, وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ, وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْعَصْرِ, وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ, وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ».
стр. 10305
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (الربيع بن سليمان) بن داود الجيزي، أبو محمد المصريّ، ثقة [١١] ١٢٢/ ١٧٣.
٢ - (أبو الأسود) النضر بن عبد الجبار المراديّ مولاهم المصريّ، مشهور بكنيته، ثقة، من كبار [١٠].
قال إبراهيم بن الجنيد، عن ابن معين: كان راوية عن ابن لهيعة، وكان شيخ صدق. وقال أبو حاتم: صدوق عابد شبيه بالقعنبيّ. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وقال هارون ابن سعيد الأيليّ: حدثني من أثق به، قال: حضرت يحيى بن معين جاء إلى أبي الأسود، فدفع إليه كتاب نافع بن يزيد، فقال: منه ما قرأت، ومنه ما حدّثني به، ومنه ما أخذته إجازة، ولست أميّز بين ذين، فقال: آخذه منك على الصدق، فانتسخ منه الكتاب. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن يونس: توفي لخمس بقين من ذي الحجة سنة (٢١٩) وكان مولده في سنة (٤٥) وكان كاتبا للهيعة بن عيسى قاضي مصر. روى له أبو داود، والمصنف، وابن ماجه. وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (١٨٠١) و (٢٣١٨) و (٥٠٩١) و (٥١٧٤).
٣ - (بكر بن مضر) المصري، ثقة ثبت [٨] ١٢٢/ ١٧٣.
٤ - (ابن عجلان) محمد المدني، صدوق، اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة [٥] ٣٦/ ٤٠.
٥ - (أبو إسحاق الهمدانيّ) هو: عمرو بن عبد اللَّه السبيعيّ الكوفيّ، ثقة عابد، اختلط بآخره [٣] ٣٨/ ٤٢.
٦ - (عمرو بن أوس) بن أبي أوس الثقفيّ الطائفيّ، ثقة [٢] ١٧/ ٦٥٣.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث بهذا الإسناد صحيح، ولا يضره عنعنة أبي إسحاق، فقد تابعه عليه النعمان بن سالم، عن عمرو بن أوس، فقد أخرجه مسلم من طريقه، قال: حدثني عنبسة بن أبي سفيان في مرضه الذي مات فيه بحديث يُتسارّ إليه، قال: سمعت أم حبيبة، تقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "من صلى اثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة، بني له بهنّ بيت في الجنة"، قالت أم حبيبة، فما تركتهنّ منذ سمعتهنّ من رسول اللَّه ﷺ ، وقال عنبسة: فما تركتهنّ منذ سمعهن من أم حبيبة، وقال عمرو بن أوس: ما تركتهنّ منذ سمعتهنّ من عنبسة، وقال النعمان بن سالم: ما تركتهنّ من عمرو بن أوس. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
١٨٠٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو الأَزْهَرِ, أَحْمَدُ بْنُ الأَزْهَرِ النَّيْسَابُورِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ, عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ, عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ, عَنِ الْمُسَيَّبِ,
стр. 10306
عَنْ عَنْبَسَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ, عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ, قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ صَلَّى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً, بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا, فِي الْجَنَّةِ أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ, وَاثْنَتَيْنِ بَعْدَهَا, وَاثْنَتَيْنِ قَبْلَ الْعَصْرِ, وَاثْنَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ, وَاثْنَتَيْنِ قَبْلَ الصُّبْحِ».
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أبو الأزهر، أحمد بن الأزهر) بن منيع بن سَليط بن إبراهيم العبديّ النيسابوريّ، صدوق كان يحفظ، ثم كبر، فصار كتابه أثبت من حفظه [١١].
قال ابن الشرقيّ: سمعت أبا الأزهر يقول. كتب عني يحيى بن يحيى. وقال الحاكم أبو أحمد: من حدّث من أصل كتابه فهو أصحّ، وكان قد كبر، فربما يُلقّن. وقال ابن خراش: سمعت محمد بن يحيى يُثني عليه. وقال أبو عمرو المستملي، عن محمد بن يحيى: أبو الأزهر من أهل الصدق والأمانة، نرى أن يُكتب عنه. وقال مكيّ بن عبدان: سألت مسلم ابن الحجاج عن أبي الأزهر، فقال: اكتب عنه. قال الحاكم: هذا رسم مسلم في الثقات. وقال إبراهيم بن أبي طالب: كان من أحسن مشايخنا حديثًا. وقال أحمد بن سيّار: حسن الحديث. وقال صالح جَزَرَة: صدوق. وقال النسائيّ، والدارقطنيّ: لا بأس به. وقال الدارقطنيّ: قد أخرج في الصحيح عمن هو دونه، وشرّ منه. ولما ذكر ابن الشرقيّ بنَادِرَة الحديث عَدّه فيهم. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال ابن شاهين: ثقة نبيل. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: يخطىء. وكان ابن خزيمة إذا حدّث عنه، قال: حدثنا أبو الأزهر من أصل كتابه. قال أحمد بن سيّار: مات أبو الأزهر في أول سنة (٢٦١) وقال حسين القبّانيّ: سنة (٢٦٣). انفرد به المصنف، وابن ماجه. وله في هذا الكتاب ستة أحاديث برقم (١٨٠٢)، و (٢٣٣٤) و (٢٩٣١) و (٣٦٥٥) و (٤٠٥٧) و (٤٩٤٥).
٢ - (يونس بن محمد) البغداديّ، أبو محمد المؤدّب، ثقة ثبت، من صغار [٩] ١٥/ ١٦٣٢.
٣ - (فُليح) بن سليمان بن أبي المغيرة، واسمه رافع، ويقال: نافع بن حُنين الخُزَاعيّ، أو الأسلميّ، أبو يحيى المدنيّ، مولى آل زيد بن الخطاب، ويقال: فُليح لقب غلب عليه، واسمه عبد الملك، صدوق كثير الخطإ [٧].
قال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ضعيف، ما أقربه من أبي أويس. وقال الدوريّ، عن ابن معين: ليس بالقويّ، ولا يُحتجّ بحديثه، وهو دون الدراورديّ. وقال أبو حاتم: ليس بقويّ. وقال الآجريّ: قلت لأبي داود: أبلغك أن يحيى بن سعيد كان يَقشعرّ من أحاديث فُليح؟ قال: بلغني عن يحيى بن معين: قال: كان أبو كامل مظفّر بن مُدرك يتكلّم في فليح، قال أبو كامل: كانوا يرون أنه يتناول الزهريّ. قال أبو داود: وهذا خطأ، عسى يتناول رجال مالك. وقال الآجريّ: قلت لأبي داود: قال ابن معين: عاصم بن عُبيد اللَّه، وابن عَقِيل، وفُليح لا يُحتجّ بحديثهم. قال: صدق.
стр. 10307
وقال ابن عديّ: لفليح أحاديث صالحة يروي عن الشيوخ، من أهل المدينة أحاديث مستقيمة وغرائب، وقد اعتمده البخاري في "صحيحه"، وروى عنه الكثير، وهو عندي لا بأس به.
وقال النسائيّ: ضعيف، وقال مرّة ليس بالقويّ. وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالمتين عندهم. وقال الدارقطني: يختلفون فيه، وليس به بأس. وقال ابن أبي شيبة: قال علي ابن المدينيّ: كان فُليح، وأخوه عبد الحميد ضعيفين. وقال البَرْقيّ، عن ابن معين: ضعيف، وهم يكتبون حديثه، ويشتهونه. وقال الساجيّ: هو من أهل الصدق ويَهِم. وذكره ابن حبّان في الثقات. وقال الحاكم أبو عبد اللَّه: اتفاق الشيخين عليه يقوّي أمره. وقال الرمليّ، عن أبي داود: ليس بشيء. قال البخاريّ: قال سعيد بن منصور: مات سنة (١٦٨). روى له الجماعة. وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٤ - (سُهيل بن أبي صالح) ذكوان السمّان، أبو يزيد المدنيّ، صدوق تغيّر بآخره [٦] ٣٢/ ٨٢٠.
٥ - (المسيَّب بن رافع) الأسديّ الكاهليّ، أبو العلاء الكوفيّ الأعمى، ثقة [٤] ٥/ ١١٨٤.
والباقون تقدموا في الذي قبله، وكذا الكلام على الحديث.
وقوله (قَالَ: أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ: فُلَيحُ بْنُ سُلَيمَانَ لَيْسَ بِالقَوِيِّ) الظاهر أن المصنف -رحمه اللَّه تعالى- أشار به إلى أن رفع فُليح الحديث من طريق المسيب غير صحيح، وإنما المحفوظ من طريقه كونه موقوفًا، ولذا عقّبه برواية زهير بن معاوية الموقوفة، فقال:
١٨٠٣ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا زُهَيْرٌ, عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ, عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ, عَنْ عَنْبَسَةَ, أَخِي أُمِّ حَبِيبَةَ, عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ, قَالَتْ: "مَنْ صَلَّى فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ, ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً, سِوَى الْمَكْتُوبَةِ, بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ, أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ, وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا, وَثِنْتَيْنِ قَبْلَ الْعَصْرِ, وَثِنْتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ, وَثِنْتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ".
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أحمد بن سليمان) أبو الحسين الرُّهاويّ، ثقة حافظ [١١] ٣٨/ ٤٢.
٢ - (أبو نعيم) الفضل بن دُكين الكوفيّ، ثقة ثبت [٩] ١١/ ٥١٦.
٣ - (زُهير) بن معاوية بن حُدَيج، أبو خيثمة الجعفي الكوفيّ، ثقة ثبت، إلا أن سماعه عن أبي إسحاق بآخره [٧] ٣٨/ ٤٢. والباقون تقدّموا قريبًا، وكذا الكلام على الحديث. واللَّه تعالى أعلم.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 10308
٦٧ - الاخْتِلَافُ عَلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه الاختلاف المذكور أن يزيد بن هارون رواه عن إسماعيل، عن المسيب بن رافع عن عنبسة، عن أم حبيبة ﵂، عن النبي ﷺ وخالفه يعلى بن عبيد، فرواه عنه، عن المسيب، عن عنبسة، عنها موقوفًا، وتابعه عبد اللَّه بن المبارك. وروايتهما أرجح من روايته، كما هو ظاهر صنيع المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
١٨٠٤ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ, عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ, عَنْ عَنْبَسَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ, عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «مَنْ صَلَّى فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ, ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً, بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ».
"محمد بن إسماعيل بن إبراهيم": هو المعرف أبوه بابن عُليّة. و"إسماعيل": هو ابن أبي خالد. واللَّه تعالى أعلم.
١٨٠٥ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ, عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ, عَنْ عَنْبَسَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ, عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ, قَالَتْ: "مَنْ صَلَّى فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً, سِوَى الْمَكْتُوبَةِ, بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ".
غرض المصنف بهذا بيان مخالفة يعلى بن عُبيد ليزيد بن هارون في رفع هذا الحديث. و"يعلى": هو ابن عُبيد الطنافسيّ الكوفيّ، ثقة، إلا في الثوريّ، ففيه لين، من كبار [٩] ١٠٥/ ١٤٠ واللَّه تعالى أعلم.
١٨٠٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَكِّيٍّ, وَحِبَّانُ, قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ, عَنْ إِسْمَاعِيلَ, عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ, عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ, قَالَتْ: "مَنْ صَلَّى فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ, ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً, سِوَى الْمَكْتُوبَةِ, بَنَى اللَّهُ , لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ".
"محمد بن حاتم": هو ابن نُعيم المروزيّ، ثقة [١٢] ١٦٦/ ١٨٠٠ و"محمد بن مكيّ": هو المروزيّ، مقبول تقدم ٦٦/ ١٨٠٠ و"حِبّان": بالكسر هو ابن موسى المروزي. و"عبد اللَّه": هو ابن المبارك.
وقوله: (لَمْ يَرْفَعْهُ حُصَيْنٌ، وَأَدْخَلَ بَيْنَ عَنْبَسَةَ، وَبَينَ الْمُسَيَّبِ ذَكْوَانَ) يعني أن حصين بن عبد الرحمن خالف إسماعيل بن أبي خالد في رفع الحديث، وإدخال ذكوان السمان واسطةً بين المسيّب بن رافع وبين عنبسة بن أبي سفيان، كما بينه بقوله:
стр. 10309
١٨٠٧ - أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, عَنْ حُصَيْنٍ, عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ, عَنْ أَبِي صَالِحٍ, ذَكْوَانَ, قَالَ: حَدَّثَنِي عَنْبَسَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ, أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ, حَدَّثَتْهُ: "أَنَّهُ مَنْ صَلَّى فِي يَوْمٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً, بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ".
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (زكريا بن يحيى) أبو عبد الرحمن السِّجْزيّ، نزيل دمشق، ثقة حافظ [١٢] ١٨٩/ ١١٦١.
٢ - (وهب) بن بقية بن عثمان بن سابور بن عُبيد بن آدم بن زياد، أبو محمد الواسطيّ المعروف بـ "وهبان"، ثقة [١٠].
قال ابن معين: وهبان ثقة، إلا أنه سمع، وهو صغير. وقال الخطيب: كان ثقة. وقال مسلمة: واسطيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". مات سنة (٢٣٩) وفيها أرخه غير واحد، زاد بَحْشل: وُلد سنة (١٥٥). روى له مسلم، وأبو داود، والمصنف. وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (١٨٠٧) و (٢٤٠٢) حديث "أما يكفيك من كل شهر ثلاثة أيام … " الحديث.
٣ - (خالد) بن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن يزيد الطحّان، أبو الهيثم، ويقال: أبو محمد الواسطي المزنيّ مولاهم، ثقة ثبت [٨].
قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: كان خالد الطحّان ثقة صالحا في دينه، وهو أحبّ إلينا من هُشيم. وقال ابن سعد، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: ثقة صحيح الحديث. وقال الترمذيّ: ثقة حافظ. وقال أبو داود: قال إسحاق الأزرق: ما رأيت أفضل من خالد الطحّان، قيل: قد رأيت سفيان؟ قال: كان سفيان رجل نفسه، وكان خالد رجل عامّة. وسئل محمد بن عمّار، عن جرير، وخالد، أيهما أثبت؟ فقال: خالد. وضعفه ابن عبد البرّ في "التمهيد"، وهو مردود عليه. قال عبد الحميد بن بيان، ويعقوب بن سفيان، وعليّ بن عبد اللَّه بن مبشّر: مات سنة (١٧٩) زاد عليّ: ولد سنة (١١٠) وقال خليفة، ومحمد بن سعد: مات سنة (١٨٢) وذكره ابن حبّان في "الثقات" وحكى القولين في وفاته. روى له الجماعة. وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، برقم (١٨٠٧) و (٢٣١٠) و (٢٤٠٢) و (٢٤٩٠) و (٥١٥٤٢).
٤ - (حُصين) بن عبد الرحمن، أبو الهذيل الكوفيّ، ثقة تغير في الآخر [٥] ٤٧/ ٨٤٦.
٥ - (أبو صالح ذكوان) السمّان الزيّات المدني، ثقة ثبت [٣] ٣٦/ ٤٠.
والباقون تقدّموا قريبًا.
وغرض المصنّف من هذه الرواية بيان مخالفة حصين بن عبد الرحمن لإسماعيل بن
стр. 10310
أبي خالد في شيئين: أحدهما إدخال أبي صالح بين المسيب بن رافع، وبين عنبسة بن أبي سفيان، والثاني في وقف الحديث. والحديث صحيح مرفوعًا، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، واليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
١٨٠٨ - أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, عَنْ عَاصِمٍ, عَنْ أَبِي صَالِحٍ, عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ, قَالَتْ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ صَلَّى فِي يَوْمٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً, سِوَى الْفَرِيضَةِ, بَنَى اللَّهُ لَهُ", أَوْ "بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ".
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: غرض المصنف -رحمه اللَّه تعالى- بهذا بيان أن عاصما خالف المسيب بن رافع، فرواه عن أبي صالح، عن أم حبيبة ﵂، ولم يذكر عنبسة، ورفع الحديث، ففيه انقطاع، لكن سبق أنه صحيح بغير هذا الإسناد.
و"يحيى بن حبيب": هو ابن عربيّ البصريّ، ثقة [١٠] ٦٠/ ٧٥. و"حماد": هو ابن زيد البصريّ. و"عاصم": هو أبن أبي النَّجُود, وهو ابن بَهدَلَة، أبو بكر المقرىء، صدوق، له أوهام، حجة في القراءة [٦] ٢٠/ ١٢٢١ واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
١٨٠٩ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُثَنَّى, عَنْ سُوَيْدِ بْنِ عَمْرٍو, قَالَ: حَدَّثَنِي حَمَّادٌ, عَنْ عَاصِمٍ, عَنْ أَبِي صَالِحٍ, عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «مَنْ صَلَّى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً, فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ, بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ».
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (على بن المثنى) الطُّهَويّ -بفتح الهاء- الكوفيّ، مقبول [١١].
ذكره ابن حبّان في "الثقات"، وأشار ابن عديّ إلى ضعفه. مات سنة (٢٥٦) انفرد به المصنف بهذا الحديث فقط.
[تنبيه]: وقع في نسخ "المجتبى" "عليّ بن المثنى"، قال الحافظ أبو الحجّاج المزّيّ ﵀ في "تحفته": ج١١ ص ٣٠٧ هكذا في رواية أبي بكر بن السنّيّ: "عن "علي بن المثنى"، وفي رواية أبي الحسن ابن حيويه: "عن محمد بن المثنى"، وفي بعض النسخ: "عن ابن المثنى" انتهى.
٢ - (سُويد بن عمرو) الكلبيّ، أبو الوليد الكوفيّ العابد، من كبار [١٠].
وثقه ابن معين، والنسائيّ، وقال العجليّ: كوفيّ ثقة ثبت في الحديث، وكان رجلاً صالحًا متعبّدًا. وقال ابن حبّان: كان يقلب الأسانيد، ويضع على الأسانيد الصحاح المتون الواهية. ونقل ابن خلفون، عن العجليّ أنه قال: مات سويد سنة ثلاث، أو أربع ومائتين، قال: ولم يكن بالكوفة أروى عن زهير بن معاوية منه. روى له مسلم،
стр. 10311
والترمذي، والمصنف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، برقم (١٨٠٩) و (٢٦٢٢) و (٢٦٦٠) و (٢٨٦٢) و (٢٩٢٩).
والباقون ذُكروا في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
١٨١٠ - أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ, قَالَ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ, عَنْ عَاصِمٍ, عَنْ أَبِي صَالِحٍ, عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ, قَالَتْ: "مَنْ صَلَّى فِي يَوْمٍ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً, بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ".
"زكريا بن يحيى": هو السِّجْزيّ المذكور قبل حديثين. و "إسحاق": هو ابن راهويه. و"النضر": هو ابن شُميل النحويّ.
وغرض المصنف ﵀ بهذا بيان الاختلاف على عاصم، فحماد بن زيد رواه عنه مرفوعا، وحماد بن سلمة رواه عنه موقوفًا، والأرجح فيه الرفع، كما تقدم، وأيضًا الموقوف في هذا في حكم المرفوع، لأنه لا يقال بالاجتهاد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
١٨١١ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ, عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «مَنْ صَلَّى فِي يَوْمٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً, سِوَى الْفَرِيضَةِ, بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ».
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن عبد اللَّه بن المبارك) المُخَرِّميّ، أبو جعفر البغداديّ، ثقة حافظ [١١] ٤٣/ ٥٠.
٢ - (يحيى بن إسحاق) البجليّ، أبو زكريا، ويقال: أبو بكر السَّيْلَحينيّ (١)، نزيل بغداد، صدوق، من كبار [١٠].
قال حنبل بن إسحاق، عن أحمد: شيخ صالح ثقة صدوق. وقال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: صدوق. وقال ابن سعد: كان ثقة حافظًا لحديثه، ومات سنة (٢١٠) وفيها أرّخه غير واحد. روى له الجماعة، سوى البخاريّ. وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٣ - (محمد بن سليمان) بن عبد اللَّه بن الأصبهانيّ، أبو عليّ الكوفيّ، صدوق
стр. 10312
يخطئ [٨].
قال أبو حاتم: لا بأس به، يكتب حديثه، ولا يحتجّ به. وضعفه النسائيّ. وقال ابن عدي. مضطرب الحديث، قليل الحديث، ومقدار ما له قد أخطأ في غير شيء منه.
وذكره ابن حبّان في "الثقات". مات سنة (١٨١) روى له الترمذي، والمصنف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، و (٢٩٢٣) حديث: "أقلّوا الكلام في الطواف … " الحديث.
و"سهيل بن أبي صالح" تقدم قبل باب. و"أبوه" في السند الماضي. و"أبو هريرة" ﵁ تقدم في ١/ ١.
وقوله (قَالَ أَبو عَبد الرحْمَنِ: هَذَا خَطَأٌ) يعني كونه من حديث أبي هريرة ﵁ خطأ، والصواب أنه من حديث أم حبيبة ﵂.
وقوله (وَمُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ضَعِيفٌ، هُوَ ابْنُ الْأَصْبَهَانِيّ) بيان لسبب كونه خطأً، وهو أن محمد بن سليمان هو الذي أخطأ فيه، فجعله من مسند أبي هريرة ﵁.
وعبارته في "الكبرى": قال أبو عبد الرحمن: هذا الحديث عندي خطأ، ومحمد بن سليمان ضعيف، وقد خالفه فُليح بن سليمان، فرواه عن سهيل، عن أبي إسحاق، ثم ساق إسحاق فليح بنحو ما تقدم برقم [٦٦/ ١٨٠٢] ثم قال. قال أبو عبد الرحمن: هذا أولى بالصواب عندنا، وفليح بن سليمان ليس بالقويّ في الحديث، واللَّه أعلم. انتهى (١).
وحاصل ما أشار إليه المصنف -رحمه اللَّه تعالى- أن كون الحديث من مسند أبي هريرة ﵁، كما رواه محمد بن سليمان خطأ، والصواب كونه من مسند أم حبيبة ﵂، كما رواه فليح بن سليمان، ومع ذلك، فهو ضعيف من طريقه أيضا، لأنه ضعيف، خالف في رفعه زهير بن معاوية، وهو ثقة ثبت، رواه موقوفًا، كما تقدم.
وإنما رجّح المصنف -رحمه اللَّه تعالى- رواية فُليح على رواية محمد بن سليمان مع كون كل منهما ضعيفا، لكون الحديث محفوظا من مسندها من روايات الحفاظ، كما تقدم، فتأيدت روايته بها، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وقوله (وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ) أي حديث أم حبيبة ﵂ (مِنْ أَوْجُهٍ) أي طرُق (سِوَى هَذَا الوَجْهِ) أي غير الطريق المتقدم، ولو قال: سوى هذه الأوجه بالجمع لكان
стр. 10313
أولى، واللَّه تعالى أعلم.
(بِغَيْرِ اللَّفْظِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ) يعني أن حديث أم حبيبة ﵂ هذا قد روي من طرق غير الطرق المتقدمة، وبلفظ غير اللفظ المتقدم، كما بيّن ذلك بقوله:
١٨١٢ - أَخْبَرَنِي يَزِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ, قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ الْعَطَّارُ, قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَمَاعَةَ, عَنْ مُوسَى بْنِ أَعْيَنَ, عَنْ أَبِي عَمْرٍو الأَوْزَاعِيِّ, عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ, قَالَ: لَمَّا نُزِلَ بِعَنْبَسَةَ, جَعَلَ يَتَضَوَّرُ, فَقِيلَ لَهُ, فَقَالَ: أَمَا إِنِّي سَمِعْتُ أُمَّ حَبِيبَةَ, زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ , تُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ رَكَعَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ, قَبْلَ الظُّهْرِ, وَأَرْبَعًا بَعْدَهَا, حَرَّمَ اللَّهُ, , لَحْمَهُ عَلَى النَّارِ». فَمَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ.
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (يزيد بن محمد بن عبدالصمد) بن عبد اللَّه القرشيّ مولاهم، أبو القاسم الدمشقيّ، صدوق [١١] ٣٠/ ٥٥٥.
٢ - (هشام العطّار) هو ابن إسماعيل بن يحيى، أبو عبد الملك الدمشقيّ، ثقة فقيه عابد [١٠] ٣٠/ ٥٥٥.
٣ - (إسماعيل بن عبد اللَّه بن سماعة) وقد ينسب إلى جدّه، العدويّ, مولى آل عمر الرمليّ، ثقة [٨] ١٣٤/ ٢٠١.
٤ - (موسى بن أعين) مولى قريش، أبو سعيد الجزريّ، ثقة عابد [٨] ١١/ ٤١٥.
٥ - (أبو عمرو الأوزاعيّ) عبد الرحمن بن عمرو الإمام الدمشقيّ المشهور [٧] ٤٥/ ٥٦.
٦ - (حسان بن عطية) المحاربيّ مولاهم، أبو بكر الدمشقيّ، ثقة فقيه عابد [٤] ٦٤/ ١٣١٠.
والباقيان تقدما قريبا. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من ثمانيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وأنه مسلسل. بالشاميين، وفيه رواية تابعي عن تابعيّ، ورواية الراوي عن أخته. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن حَسَّانَ بن عَطِيةَ) المحاربيّ، أنه (قَالَ: لَمَّا نُزِلَ بعَنبَسَةَ) ببناء الفعل للمفعول: أي نزل به الموت (جَعَلَ) أي شرع (يَتَضَوَّرُ) بالضاد المعَجمة: أي يتَلَوّى، وَيصيح،
стр. 10314
ويتقلب ظهرا لبطن من شدة الوجع. وقل: يتضوّر: أي يُظهر الضَّوْر: بمعنى الضرّ، يقال: ضاره يضوره، ويَضِيره: إذا ضرّه. قال السندي -رحمه اللَّه تعالى-: وآخر الحديث يفيد أنه كان يفعل ذلك، فرَحًا بالموت، اعتمادًا على صدق الموعد انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -. بل الظاهر أن سبب تضوّره هو اشتداد الأمر عليه، كما تقدم في قول يعلى بن أميّة: "فرأيت منه جَزَعًا"، وكما يأتي في قصّة محمد بن أبي سفيان الآتية ١٨١٦. واللَّه تعالى أعلم.
(فَقِيلَ لَهُ) أي قيل لعنبسة في ذلك، يعني أن الناس الحاضرين كلموه بما يخفف عنه ذلك، فقد تقدم في رواية يعلى بن أمية، أنه قال له: "إنك على خير".
(فَقَالَ. أَمَا إِنِّي سَمِعْتُ أُم حَبِيبَةَ، زوج النبِي ﷺ ، تحُدِّثُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ رَكَعَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ) ظاهر قوله: "من ركع" أن التحريم على النار يحصل لمن صلى، ولو مرة واحدة، لكن الرواية الآتية ١٨١٦ - بلفظ: "من حافظ على أربع ركعات" تدلّ على أنه لا يحصل هذا الفصل إلا لمن داوم عليها (قبْلَ الظُّهْرِ) فيه أن السنة قبل الظهر أربع ركعات، وهذا على سبيل الأفضلية، فلا يعارض ما ثبت في حديث ابن عمر ﵁ أنه ﷺ صلى قبل الظهر ركعتين، كما تقدم البحث في ذلك (وَأَرْبَعًا بَعْدَهَا) قيل:
ركعتان منها مؤكدتان، وركعتان مستحبتان (حَرَّمَ اللَّهُ، ، لَحْمَهُ عَلَى النَّارِ") وفي رواية مكحول: "حرّمه اللَّه على النار"، وفي رواية الشُّعَيثيّ: "لم تمسه النار".
قال العلامة الشوكانيّ ﵀: وقد اختلف في معنى ذلك، هل المراد أنه لا يدخل النار أصلاً، أو أنه، وإن قدّر عليه دخولها لا تأكله، أو أنه يحرم على أن تستوعب أجزاءه، وإن مسّت بعضه، كما في بعض طرق الحديث عند النسائيّ بلفظ: "فمسّ وجهه النار أبدًا"، وهو موافق لقوله في الحديث الصحيح: "وحرم على النار أن تأكل مواضع السجود"، فيكون قد أطلق الكلّ، وأريد البعض مجازًا، والحمل على الحقيقة أولى، وإن اللَّه تعالى يحرم جميعه على النار، وفضل اللَّه أوسع، ورحمته أعمّ انتهى (١).
وقال السنديّ: ظاهره أنه لا يدخل النار أصلا، وقيل: على وجه التأبيد، وحمله على ذلك بعيد، ويكفي في ذلك الإيمان، وعلى هذا فلعلّ من داوم على هذا الفعل يوفقه اللَّه تعالى للخيرات، ويغفر له الذنوب كلها انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حمل الحديث على ظاهره كما قال الشوكاني، وأشار إليه السندي -رحمهما اللَّه تعالى- هو الحق؛ لأنه لا مانع من ذلك؛ لأن من وقفه اللَّه لذلك يوفقه لسائر الخيرات، واللَّه تعالى أعلم.
(فَمَا تَرَكْتُهُنَّ) القائل هو عنبسة بن أبي سفيان، وقد تقدم "من صلى اثنتي عشرة
стр. 10315
ركعة … " عند مسلم من طريق النعمان بن سالم، عن عمرو بن أوس، عن عنبسة: أن أم حبيبة ﵂ قالت: فما تركتهنّ منذ سمعتهنّ من رسول اللَّه ﷺ ، وقال عنبسة: فما تركتهنّ منذ سمعتهنّ من أم حبيبة، وقال عمرو بن أوس: ما تركتهنّ منذ سمعتهنّ من عنبسة، وقال النعمان بن سالم: ما تركتهنّ منذ سمعتهنّ من عمرو بن أوس انتهى.
فالظاهر أنه كان يداوم على ما في الحديثين. واللَّه تعالى أعلم. (مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ) أي من الوقت الذي سمعت هذا الحديث من أم حبيبة ﵂، وإنما ذكر عنبسة هذا؛ ليحمل نفسه على حسن الظن في مثل تلك الحالة بتذكيرها بعملها الصالح حتى تموت، وهي تحسن الظن بربها، كما ورد الأمر بذلك، فقد أخرج مسلم في "صحيحه" عن جابر ﵁ مرفوعًا: "لا يموتنّ أحد منكم، إلا وهو يحسن الظن باللَّه تعالى". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أم حبيبة ﵂ هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا-٦٧/ ١٨١٢ و ١٨١٣ و ١٨١٤ و١٨١٥ و ١٨١٦ و ١٨١٧ وفي "الكبرى" ١٤٨٠ و ١٤٨١ و ١٤٨٢ واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (د) ١٢٦٩ و (ت) ٤٢٧ و (ق) ١١٦٠ (أحمد) ٦/ ٣٢٥ و ٤٢٦ (ابن خزيمة) ١١٩١ و ١١٩٢ واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٨١٣ - أَخْبَرَنَا هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ هِلَالٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي, قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ, عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَيُّوبُ, رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ, عَنِ الْقَاسِمِ الدِّمَشْقِيِّ, عَنْ عَنْبَسَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ, قَالَ: أَخْبَرَتْنِي أُخْتِي, أُمُّ حَبِيبَةَ, زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّ حَبِيبَهَا, أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ , أَخْبَرَهَا, قَالَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ, يُصَلِّي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ, بَعْدَ الظُّهْرِ, فَتَمَسُّ وَجْهَهُ النَّارُ أَبَدًا, إِنْ شَاءَ اللَّهُ ».
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (هلال بن العلاء بن هلال) الباهليّ مولاهم، أبو عمرو الرّقّيّ، صدوق [١١] ١٠/ ١١٩٩. من أفراد المصنّف.
стр. 10316
٢ - (العلاء بن هلال) بن عمرو الباهليّ، أبو محمد الرّقّيّ، فيه لين [٩] ١٩٠/ ١١٦٧.
٣ - (عُبيد اللَّه) بن عمرو الرقيّ، أبو وهب الأسديّ، ثقة فقيه، ربما وهم [٣] ١٩٠/ ١١٦٧.
٤ - (زيد بن أبي أُنيسة) زيد الجزريّ، كوفي الأصل، ثقة، له أفراد [٦] ١٩١/ ٣٠٦.
٥ - (أيوب رجل من أهل الشام) مقبول [٧].
روى عن القاسم بن عبد الرحمن. وعنه زيد بن أبي أنيسة. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، قال الحافظ: وقرأت بخط الذهبيّ: لا يُعرف انتهى. أخرج له المصنف حديث الباب فقط.
٦ - (القاسم) بن عبد الرحمن الدمشقيّ، أبو عبد الرحمن، صاحب أبي أمامة، صدوق يرسل، كثيرًا [٣].
قال إبراهيم بن الجنيد، عن ابن معين: القاسم ثقة، والثقات يروون عنه هذه الأحاديث، ولا يرفعونها، ثم قال يجيء من المشايخ الضعفاء ما يدلّ حديثهم على ضعفهم. وقال ابن معين في موضع آخر. إذا روى عنه الثقات أرسلوا ما رفع هؤلاء. وقال العجليّ: ثقة يُكتب حديثه، وليس بالقويّ. وقال يعقوب بن سفيان، والترمذيّ: ثقة. وقال الجوزجانيّ: كان خيارًا فاضلاً، أدرك أربعين رجلاً من المهاجرين والأنصار. وقال أبو حاتم. حديث الثقات عنه مستقيم، لا بأس به، وإنما يُنكر عنه الضعفاء. وقال الغلاّبيّ: منكر الحديث. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة، وقال في موضع آخر: قد اختلف الناس فيه. وقال الأثرم: سمعت أحمد حَمَل على القاسم، وقال: يروي عنه علي بن يزيد أعاجيب، وتكلم فيها، وقال: ما أرى هذا إلا من قبل القاسم، قال أحمد: وإنما ذهبت رواية جعفر بن الزبير لأنه إنما كانت روايته عن القاسم، قال أحمد. وما حدّث بشر بن نُمير عن القاسم، قال شعبة: ألحقوه به. وقال جعفر بن محمد بن أبان الحرّانيّ: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما أرى البلاء إلا من القاسم.
وقال ابن حبّان يروي عن الصحابة المعضلات. قال ابن سعد، وغيره: مات سنة (١١٢) ويقال: سنة (١١٨) روى له البخاري في "الأدب المفرد"، والأربعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (١٨١٣) و (٢٢٥٤) و (٥٤٣٦) و (٥٤٣٧).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحديث في إسناده العلاء بن هلال، وفيه لين، وأيوب رجل من أهل الشام، وهو غير معروف، والقاسم الدمشقيّ، متكلّم فيه، ولكنه صحيح بما قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 10317
١٨١٤ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ نَاصِحٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ, عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى, عَنْ مَكْحُولٍ, عَنْ عَنْبَسَةَ, بْنِ أَبِي سُفْيَانَ, عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , كَانَ يَقُولُ: «مَنْ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ, قَبْلَ الظُّهْرِ, وَأَرْبَعًا بَعْدَهَا, حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ».
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أحمد بن ناصح) أبو عبد اللَّه المصيصيّ، صدوق [١٠] ١٣٩/ ١١٠٢.
٢ - (مروان بن محمد) الأسديّ الدمشقيّ، ثقة [٩] ١٢٨/ ١٠٩١.
٣ - (سعيد بن عبد العزيز) التنوخيّ الدمشقيّ، ثقة ثبت [٧] ٥/ ٤٦٠.
٤ - (سليمان بن موسى) الأمويّ مولاهم الدمشقيّ الأشدق، صدوق فقيه، في حديثه بعض لين، وخولط قبل موته بقليل [٥] ٧/ ٥٠٤.
٥ - (مكحول) أبو عبد اللَّه الشاميّ، ثقة فقيه كثير الإرسال [٥] ٤/ ٦٤٠. والحديث في سنده انقطاع، كما سينبه عليه المصنف، لكنه صحيح بما سبق قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
١٨١٥ - أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ, عَنْ مَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ, عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى, عَنْ مَكْحُولٍ, عَنْ عَنْبَسَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ, عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ: قَالَ: مَرْوَانُ وَكَانَ سَعِيدٌ, إِذَا قُرِئَ عَلَيْهِ, عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَقَرَّ بِذَلِكَ, وَلَمْ يُنْكِرْهُ, وَإِذَا حَدَّثَنَا بِهِ, هُوَ لَمْ يَرْفَعْهُ, قَالَتْ: مَنْ رَكَعَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ, قَبْلَ الظُّهْرِ, وَأَرْبَعًا بَعْدَهَا, حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: مَكْحُولٌ, لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَنْبَسَةَ شَيْئًا.
قَالَ: أَبُو عَبْد الرحْمَنِ: مَكحُولْ، لَمْ يَسمَعْ مِن عَنْبَسَةَ شَيئَا.
"محمود بن خالد": هو السلميّ، أبو عليّ الدمشقيّ، ثقة، من صغار [١٠] ٤٥/ ٥٩٥.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: غرض المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بهذا -واللَّه أعلم- بيان الاختلاف على مرون، فأحمد بن ناصح روى عنه الحديث مرفوعًا، ومحمود بن خالد رواه مفصلاً مبينًا بأن مروان كان يقول: إن سعيد بن العزيز كان يروي الحديث موقوفًا، لكن إذا قرىء عليه الحديث مرفوعًا كان يقرّ ذلك، ولا ينكره، ولعل ذلك لكونه سمعه غير مرّة، فكان أكثر أحواله أنه سمعه موقوفًا، فرأى ذلك أرجح، فكان يوقفه، لكن لا ينكر كونه مرفوعًا لكونه أيضًا سمعه كذلك، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "مكحول لم يسمع من عنبسة شيئًا" يعني أن السند فيه انقطاع.
وهذا الذي قاله المصنّف قاله أيضًا أبو مسهر، فقد نقل الدروي، عن ابن معين: قال أبو مسهر: لم يسمع مكحول من عنبسة بن أبي سُفيان، ولا أدري أدركه أم لا؟
стр. 10318
انتهى (١). لكن قد عرفت أن الحديث صحيح بما سبق، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
١٨١٦ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِسْحَاقَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ, قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ مُوسَى, يُحَدِّثُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ, قَالَ: لَمَّا نَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ, أَخَذَهُ أَمْرٌ شَدِيدٌ, فَقَالَ حَدَّثَتْنِي أُخْتِي, أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ, قَالَتْ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ, قَبْلَ الظُّهْرِ, وَأَرْبَعٍ بَعْدَهَا, حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى النَّارِ».
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عبد اللَّه بن إسحاق) الجوهريّ البصريّ، مستملي أبي عاصم، يُلقّب بِدْعَة، ثقة حافظ [١١] ٦٠/ ١٧٧٢.
٢ - (أبو عاصم) الضحّاك بن مخلد النبيل البصريّ، ثقة ثبت [٩] ١٩/ ٤٢٤.
٣ - (محمد بن أبى سُفيان) صخر بن حرب بن أميّة الأمويّ، أخو معاوية، مقبول [٣].
روى عن أخته أم حبيبة هذا الحديث فقط، وعمه سليمان بن موسى، قاله أبو عاصم، عن سعيد، عنه. وقال مروان بن محمد، عن سعيد، عن سليمان، عن مكحول، عن عنبسة، عن أخته، وهو الصواب، وهكذا قال غير واحد عن مكحول قاله في "تت". والباقون تقدموا قريبًا.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عرض المصنف -رحمه اللَّه تعالى- بهذه الرواية بيان الاختلاف على سعيد بن عبد العزيز، فقد رواه عنه مروان بن محمد فى الرواية السابقة عن سليمان بن موسى، عن مكحول، عن عنبسة، عن أم حبيبة ﵂، وخالفه أبو عاصم، فرواه عنه عن سليمان، عن محمد بن أبي سفيان، عن أخته، ورواية مروان هي المحفوظة كما قاله المحققون. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
١٨١٧ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو قُتَيْبَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشُّعَيْثِيُّ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَنْبَسَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ, عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : قَالَ: «مَنْ صَلَّى أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ, وَأَرْبَعًا بَعْدَهَا, لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ».
стр. 10319
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عمرو بن عليّ) الفلاّس أبو حفص البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٤/ ٤.
٢ - (أبو قُتيبة) سلم بن قتيبة الشَّعِيريّ الخرَاسانيّ، نزيل البصرة، صدوق [٩] ٥٥/ ٩٧١.
٣ - (محمد بن عبد اللَّه) بن المهاجر الشُّعَيثيّ (١) النّصْريّ، ويقال: الْعُقَيليّ الدمشقيّ، صدوق [٧] تقدم في ٣/ ٤٥٧.
٤ - (أبوه) عبد اللَّه بن المهاجر الشُّعَيثيّ النَّصْريّ الدمشقيّ، مقبول [٦].
روى عن عنبسة بن أبي سفيان، وعنه ابنه محمد، ذكره ابن حبّان في "الثقات". قال الحافظ: يعتبر بحديثه من غير رواية ابنه عنه انتهى. روى له الترمذيّ، والمصنف، وابن ماجه. وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
والباقون تقدّموا قريبًا. وباللَّه تعالى التوفيق.
(قَالَ: أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ: هَذَا خَطَأ، وَالصَّوَابُ حَدِيثُ مَرْوَانَ، مِن حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ (٢)) يعني أن هذا الحديث من هذا الطريق غير صحيح، والصحيح ما تقدّم [١٨١٤] من رواية مروان بن محمد الطَّاطَرِيّ، عن سعيد بن عبد العزيز، عن مكحول، عن عنبسة، عن أم حبيبة ﵂، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب" (٣).
…
٢٠ - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: "الجنائز": -بفتح الجيم- لا غير: جمع جنازة بالفتح، والكسر، لغتان، قال ابن قتيبة، وجماعة: الكسر أفصح.
وقال الفيّوميّ -رحمه اللَّه تعالى-: جَنَزْتُ الشيءَ، أَجْنُزُهُ، من باب ضَرَب: سَتَرْتُه،
стр. 10320
ومنه اشتقاق الجنازة، وهي بالفتح، والكسر، والكسر أفصح، وقال الأصمعيّ، وابن الأعرابيّ: بالكسر الميت نفسه، وبالفتح السرير، وروى أبو عمر الزاهد، عن ثعلب عكسَ هذا، فقال: بالكسر السرير، وبالفتح الميت نفسه انتهى (١).
وقال ابن محظور ﵀: جَنزَ الشيءَ يَجْنُزهُ جَنْزًا: ستره، وقال ابن سِيدَهْ: الجَنَازة بالفتح. الميت، والجنازة بالكسر السرير الذي يُحمل عليه الميت. قال الفارسيّ: لا يُسمى جنازة حتى يكون عليه ميت، وإلا فهو سرير، أو نعش، وأنشد الشَّمَّاخ [من الطويل]:
إِذَا أَنْبَضَ الرَّامُون فِيهَا تَرَنَّمَتْ … تَرَنُّمَ ثَكْلَى أَوْجَعَتْهَا الْجَنَائِزُ
وقال الليث: الجنازة الإنسان الميت، والشيء الذي قد ثَقُلَ على قوم، فاغتمّوا به انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
…
١ - بَابُ تَمَنِّي الْمَوْتِ
١٨١٨ - أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, حَدَّثَنَا مَعْنٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمُ الْمَوْتَ, إِمَّا مُحْسِنًا, فَلَعَلَّهُ أَنْ يَزْدَادَ خَيْرًا, وَإِمَّا مُسِيئًا, فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَ».
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هارون عبد اللَّه) أبو موسى الحمال البغداديّ، ثقة [١٠] ٥٠/ ٦٢.
٢ - (معن) بن عيسى، أبو يحيى المدنيّ، ثقة ثبت، قال أبو حاتم: أثبت أصحاب مالك، من كبار [١٠] ٥٠/ ٦٢.
٣ - (إبراهيم بن سعد) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثم البغداديّ، ثقة [٨] ٤٩/ ٩٥٨.
٤ - (الزهري) محمد بن مسلم القرشيّ المدني الإمام الحجة الثبت [٤] ١/ ١.
٥ - (عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عُتبة) بن مسعود الهذليّ المدني الفقيه، ثقة ثبت [٣] ٤٥/ ٥٦.
стр. 10321
٦ - (أبو هريرة) ﵁ ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه سداسيات المصنف، وأن رجاله كلهم رجال الصحيح، وأنه مسلسل بثقات المدنيين، غير شيخه، فبغداديّ، وفيه رواية تابعي، عن تابعيّ. وفيه أبو هريرة ﵁ رَأْسُ المكثرين من الرواية. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَن أَبِي هُرَيرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "لَا يَتَمَنَّيَنَّ) "لا" ناهية، والفعل مؤكّد بنون التوكيد الثقيلة. وسيأتي في الحديث الثاني من حديث أنس ﵁ ١٨٢١ - بلفظ: "لا يتمنّى" بإثبات الألف. وهو لفظ البخاريّ في حديث أبي هريرة ﵁ المذكور هنا.
قال في "الفتح": كذا للأكثر بلفظ النفي، والمراد به النهي، أو هو للنهي، وأشبعت الفتحة، ووقع في رواية الكشميهنيّ: "لا يتمنينّ" بزيادة نون التأكيد انتهى (١).
وقال الطيبيّ: الياء (٢) في قوله: "لا يتمنى" مثبتتة في رسم الخطّ في كتب الحديث، فلعله نهي ورد على صيغة الخبر، أو المراد منه لا يتمنّ، فأجري مُجرى الصحيح.
وقيل. هو لفظ النهي، وأشبعت الفتحة. قيل: والنفي بمعنى النهي أبلغ وآكد، لإفادته أن من شأن المؤمن انتفاء ذلك عنه، وعدم وقوعه عنه بالكليّة، أو لأنه قدر أن المنهيّ حين ورد النهي عليه انتهى عن المنهيّ عنه، وهو يخبر عن انتهائه، ولو ترك على النهي المحض ما كان أبلغ انتهى (٣).
[تنبيه]: زاد البخاري في أول هذا الحديث من طريق الزهريّ، عن أبي عبيد مولى عبد الرحمن عوف: "أن أبا هريرة قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لن يُدخل أحدًا عمله الجنّة، قالوا: ولا أنت يا رسول اللَّه؟ قال: لا، ولا أنا، إلا أن يتغمّدني اللَّه بفضل، ورحمة، فسدّدوا، وقاربوا، ولا يتمنّينّ أحدكم الموت … " الحديث.
(أَحَدٌ مِنْكُمُ) وفي نسخة: "أحدكم"، والخطاب للصحابة، والمراد هم ومن بعدهم من المسلمين عمومًا (الْمَوْتَ) قال التوربشتيّ: النهي عن تمنّي الموت، وإن أطلق في هذا الحديث فالمراد منه المقيّد، كما في الحديث الآتي، فعلى هذا يكره تمنّي الموت
стр. 10322
من ضرّ أصابه في نفسه، أو ماله، لأنه في معنى التبرّم عن قضاء اللَّه في أمر يضرّه في دنياه، وينفعه في آخرته، ولا يكره للخوف في دينه من فساد (إِمَّا مُحْسِنًا) بكسر الهمزة، ونصب "محسنًا"، و "مسيئًا" على تقدير عامل، نحو "يكون"، ووقع في رواية أحمد عن عبد الرزاق بالرفع فيهما، وهي واضحة. أفاده في "الفتح".
وقال ابن مالك ﵀: أصله إما يكون محسنًا، وإما يكون مسيئًا، فحذف "يكون" مع اسمها مرتين، وأُبقي الخبر، وأكثر ما يكون ذلك بعد "إِنْ" و"لو"، وإلى هذه القاعدة أشار في "الخلاصة" بقوله:
وَيحْذِفُونَها وُيبقُونَ الْخَبَرْ … وَبعد "إِنْ" و"لَوْ" كَثِيرًا ذَا اشْتَهَرْ
قال ابن مالك: وفي قوله: "فلعله يزداد" وفي "فلعله يستعتب" شاهدان على مجيء "لعل" للرجاء المجرّد من التعليل، وأكثر مجيئها في الرجاء إذا كان معه تعليل، نحو ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ انتهى (١).
وقيل: أصله: "إن ما" فأدغمت النون بعد قلبها في الميم، و"ما" زائدة عوضا عن الفعل المحذوف، أي إن كان محسنا الخ.
وقال السنديّ ﵀: "إما" بكسر الهمزة، بتقدير "يكون"، أي لا يخلو المتمنّي إما أن يكون محسنًا، فليس له أن يتمنى، فلعله يزداد خيرًا بالحياة، وإما مسيئًا، فكذلك ليس له أن يتمنى، فإنه لعله أن يستعتب، أي يرجع عن الإساءة، ويطلب رضا اللَّه تعالى بالتوبة.
وجملة "إما محسنًا الخ" بمنزلة التعليل للنهي، ويمكن أن يكون "أما" بفتح الهمزة، والتقدير أَمّا إن كان محسنًا، فليس له التمنّي، لأنه لعله يزداد بالحياة خيرًا، فهو مثل قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ الآية [الواقعة: ٨٨] انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: فتح الهمزة يحتاج إلى ثبوته روايةً. واللَّه تعالى أعلم.
(فلعله أن يزداد خيرًا) أي من فعل الخير (وإما مسيئًا، فلعله يستعتب) أي يرجع عن موجب العَتْب عليه، وقيل: أي يطلب العُتْبى، وهو الرضا، أي يطلب رضا اللَّه تعالى بالتوبة، وردّ المظالم، وتدارك الفائت.
وقال في "الفتح": قوله: "يستعتب" أي يسترضي اللَّه بالإقلاع، والاستغفار، والاستعتابُ طلب الإعتاب، والهمزة للإزالة، أي يطلب إزالة العِتَاب، عاتبه: لامه، وأعتبه: أزال عتابه، قال الكرماني: وهو مما جاء على غير القياس، إذ الاستفعال إنما يُبنى من الثلاثيّ، لا من المزيد فيه انتهى.
стр. 10323
وظاهر الحديث انحصار حال المكلّف في هاتين الحالتين، وبقي قسم ثالث، وهو أن يكون مخلّطًا، فيستمر على ذلك، أو يزيد إحسانا، أو يزيد إساءة، أو يكون محسنًا، فينقلب مسيئًا، أو يكون مسيئًا، فيزداد إساءة.
والجواب أنّ ذلك خرج مخرج الغالب، لأن غالب حال المؤمنين ذلك، ولا سيما والمخاطب بذلك شفاهًا الصحابة.
قال الحافظ ﵀: وقد خطر لي في معنى الحديث أن فيه إشارة إلى تغبيط المحسن بإحسانه، وتحذير المسيء من إساءته، فكأنه يقول: من كان محسنًا فليترك تمني الموت، وليستمرّ على إحسانه، والازدياد منه، ومن كان مسيئًا فليترك تمني الموت، وليُقلِع عن الإساءة، لئلا يموت على إساءته، فيكون على خطر، وأما من عدا ذلك ممن تضمنه التقسيم فيؤخذ حكمه من هاتين الحالتين، إذ لا انفكاك عن أحدهما واللَّه أعلم انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- (١).
وقال في "كتاب المرضى": ما حاصله: وفي قوله: "إما محسنا الخ" إشارة إلى أن المعنى في النهي عن تمني الموت، والدعاء به هو انقطاع العمل بالموت، فإن الحياة يتسبب منها العمل، والعمل يُحَصِّل زيادة الثواب، ولو لم يكن إلا استمرار التوحيد، فهو أفضل الأعمال.
ولا يرد على هذا أنه يجوز أن يقع الارتداد -والعياذ باللَّه تعالى- عن الإيمان لأن ذلك نادر، والإيمان بعد أن تُخالط بشاشته القلوب لا يَسخطه أحد، وعلى تقدير وقوع ذلك -وقد وقع لكن نادرًا- فمن سبق له في علم اللَّه خاتمة السوء فلا بدّ من وقوعها، طال عمره أو قصر، فتعجيله بطلب الموت لا خير له فيه. ويؤيده حديث أبي أمامة ﵁: أن النبي ﷺ قال لسعد: "يا سعد إن كنت خُلقت للجنة، فما طال من عمرك، أو حسن من عملك، فهو خير لك". أخرجه أحمد بسند ليّن (٢).
ووقع في رواية همّام، عن أبي هريرة عند أحمد ومسلم: "وأنه لا يزيد المؤمنَ عمره إلا خيرًا".
واستُشْكِلَ بأنه قد يعمل السيئات، فيزيده عمره شرّا. وأجيب بأجوبة:
стр. 10324
أحدها: حمل المؤمن على الكامل، وفيه بُعد. والثاني: أن المؤمن بصدد أن يعمل ما يكفّر ذنوبه، إما من اجتناب الكبائر، وإما من فعل حسنات أُخر، قد تقاوم بتضعيفها سيئاته، وما دام الإيمان باقيًا فالحسنات بصدد التضعيف، والسيّئات بصدد التكفير.
والثالث: يُقيّد ما أُطلق في هذه الرواية بما وقع في رواية الباب من الترجّي، حيث جاء بقوله: "لعله" والترجّي مشعر بالوقوع غالبًا، لا جزمًا، فخرج الخبر مخرج تحسين الظنّ باللَّه، وأن المحسن يرجو من اللَّه الزيادة بأن يوفّقه للزيادة من عمله الصالح، وأن المسيء لا ينبغي له القنوط من رحمة اللَّه، ولا قطع رجائه، أشار إلى ذلك الحافظ العراقي ﵀ في "شرح الترمذيّ".
ويدلّ على أن قصر العمر قد يكون خيرًا للمؤمن حديثُ أنس ﵁ الذي بعد هذا: "وتوفّني إذا كانت الوفاة خيرًا لي". وهو لا ينافي حديث أبي هريرة ﵁ المتقدم: "وأنه لا يزيد المؤمنَ عمرُه إلا خيرا" إذا حُمل حديث أبي هريرة على الأغلب، ومقابله على النادر انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له:
أخرجه هنا- ١/ ١٨١٨ - وفي "الكبرى" ١/ ١٩٤٤ - بالإسناد المذكور. و ١/ ١٨١٩ - و"الكبرى" ١/ ١٩٤٥ - بالإسناد الآتي. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) رقم ٥٦٧١ و ٥٦٧٣ و٧٢٣٥. (م) ٢٦٨٠ و ٢٦٨٢ (د) ٣١٠٨ (ت) ٩٧١ (ق) ٤٢٦٥ (أحمد) ٧٥٢٤ و ٨٠٢٥ و ٢٧٤٠٦ (الدارميّ) ٢٧٥٨ واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: النهي عن تمنّي الموت. ومنها: بيان أن الموت سبب انقطاع عمل الإنسان، وهو في معنى الحديث الآخر: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله، إلا من ثلاث … " الحديث. ومنها: بيان فائدة طول عمر الإنسان، لأنه إن كان محسنًا ازداد خيرًا، وإن كان مسيئًا تاب إلى اللَّه، وأناب. ومنها: الحثّ
стр. 10325
على الازدياد من الخير، والزجر عن التمادي في الشرّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجعِ والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٨١٩ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ, قَالَ: حَدَّثَنَي الزُّبَيْدِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ, عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ, أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ, يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ, إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَعِيشَ, يَزْدَادُ خَيْرًا, وَهُوَ خَيْرٌ لَهُ, وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَ».
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عمرو بن عثمان) أبو حفص الحمصيّ، صدوق [١٠] ٢١/ ٥٣٥.
٢ - (بقية) بن الوليد الدمشقيّ، صدوق كثير التدليس عن الضعفاء [٨] ٤٥/ ٥٥.
٣ - (الزُّبيديّ) محمد بن الوليد الحمصيّ القاضي، ثقة ثبت، من كبار أصحاب الزهري [٧] ٤٥/ ٥٦.
٤ - (أبو عُبيد مولى عبد الرحمن بن عوف) ويقال له: مولى ابن أزهر (١) سعد بن عُبيد الزهريّ المدنيّ، ثقة [٢].
قال الزهريّ: كان من القرّاء، وأهل الفقه، وقال الطبريّ: مجمع على ثقته. وقال مسلم في "الكنى": كان ثقة. وقال الدوريّ، عن ابن معين: ثقة. ونقل ابن خلفون توثيقه عن الذُّهْليّ، وابن الْبَرْقيّ. وقال ابن البَرْقيّ في "رجال الموطإ": أدرك النبي ﷺ ، ولم يثبت له عنه رواية. وقال ابن حبّان في "الثقات": كان من فقهاء أهل المدينة. انتهى. روى له الجماعة، وله عند المصنف في هذا الكتاب أربعة أحاديث.
والباقيان تقَدَّما في السند الماضي والحديث متفق عليه، وقد مضى شرحه، وبيان المسائل المتعلقة به في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: زاد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في "الكبرى" عقب هذا الحديث: ما نصّه:
قال أبو عبد الرحمن: وهذا أولى بالصواب من الذي قبله انتهى (٢).
يعني أن رواية الزّبيديّ، عن الزهري، عن أبي عبيد، عن أبي هريرة هذه هي المحفوظة، وأما رواية إبراهيم بن سعد، عن الزهريّ، عن عبيد اللَّه، عن أبي هريرة التي قبل هذا، فليست بمحفوظة، لمخالفة إبراهيم لجماعة الحفاظ من أصحاب الزهريّ.
فقد رواه معمر، وشُعيب بن أبي حمزة، ومحمد بن أبي حفصة، ويونس بن يزيد -كما
стр. 10326
قاله في "الفتح"- كلهم عن الزهريّ، عن أبي عبيد، عن أبي هريرة ﵁.
قال الحافظ ﵀: هكذا اتفق هؤلاء عن الزهريّ في روايته، عن أبي عبيد، وخالفهم إبراهيم بن سعد، عن الزهريّ، فقال: عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عُتبة، عن أبي هريرة، أخرجه النسائيّ، وقال: رواية الزبيديّ أولى بالصواب، وإبراهيم بن سعد ثقة. يعني ولكنه أخطأ في هذا انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: إنما رجح المصنف -رحمه اللَّه تعالى- رواية الزبيديَّ، وإن كان في سندها بقية، وهو مدلّس، تدليس التسوية؛ لكونه صرح بالتحديث في شيخه، وشيخ شيخه، ولا يقال: إنه عنعن في شيخ الزهري؛ لأن الحديث مشهور برواية الزهري، عن أبي عبيد، كما يتضح بعدُ من رواية معمر، ومن ذكر معه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجعِ والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٨٢٠ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ وَهُوَ ابْنُ زُرَيْعٍ, عَنْ حُمَيْدٍ, عَنْ أَنَسٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ فِي الدُّنْيَا, وَلَكِنْ لِيَقُلِ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي, وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي».
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي البغلاني، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (يزيد بن زُريع) أبو معاوية البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٥/ ٥.
٣ - (حُميد) بن أبي حُميد الطويل البصريّ ثقة [٥] ٨٧/ ١٠٨.
٤ - (أنس) بن مالك ﵁ ٦/ ٦.
وهذا الإسناد من رباعيات المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (١٠٦) من رباعيات الكتاب، وهو مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فبلخيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَن أَنس) بن مالك ﵁ (أَنّ رَسُولَ اللَّهِ) وفي نسخة: "أن النبيّ" ( ﷺ قَالَ: لَا يَتَمَنّيَنّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ) أي لأنه يدلّ على الجزع في البلاء، وعدم الرضا بالقضاء (لِضُرَ) بضم الضاد المعجمة، وفتحها، أي من أجل ضرر ماليّ، أو بدنيّ (نَزَلَ بِهِ فِي الدّنْيَا) "في" سببية، أي بسبب أمر من الدنيا.
وفيه دلالة على أنه لو كان لضرّ أُخْرَويّ بأن خشي فتنة في دينه لم يدخل في النهي، وقد فعل ذلك جماعة من الصحابة ﵃:
стр. 10327
ففي "الموطإ" عن عمر ﵁ أنه قال: "اللهم كبرت سني، وضعفت قوّتي، وانتشرت رعيّتي، فاقبضني إليك غير مضيّع، ولا مفرط". وأخرجه عبد الرزاق من وجه آخر، عن عمر ﵁. وأخرجه أحمد وغيره من طريق عبس، ويقال: عابس الغفاريّ أنه قال: يا طاعون خذني، فقال له عليم الكنديّ (١): لم تقول هذا؟ ألم يقل رسول اللَّه ﷺ : لا يتمنّينّ أحدكم الموت؟، فقال: إني سمعته يقول: بادروا بالموت ستّا، إمرة السفهاء، وكثرة الشُّرَط، وبيع الحكم … الحديث.
وأخرج أحمد أيضًا من حديث عوف بن مالك نحوه، وأنه قيل له: ألم يقل رسول
اللَّه ﷺ : "ما عُمّر المسلم كان خيرا له … " الحديث، وفيه الجواب نحوه. وأصرح منه في ذلك حديث معاذ ﵁ الذي أخرجه أبو داود، وصححه الحاكم في القول في دبر كلّ صلاة، وفيه: "وإذا أردت بقوم فتنة، فتوفّني إليك غير مفتون". قاله في "الفتح" (٢).
(وَلَكِنْ لِيَقُلِ) وفي رواية للبخاريّ: "فإن كان لا بُدّ فاعلا، فليقل … "، وفي لفظ له: "فإن كان ولا بدّ متمنيًا للموت، فليقل … " الحديث. أي فلا يتمنّ صريحًا، بل يعدل عنه إلى التعليق بوجود الخير فيه.
قال في "الفتح": وهذا يدلّ على أن النهي عن تمنّي الموت مقيّد بما إذا لم يكن على هذه الصيغة، لأن في التمنّي المطلق نوع اعتراض، ومراغمة للقدر المحتوم، وفي هذه الصورة المأمور بها نوع تفويض، وتسليم للقضاء.
قال: وفي قوله: "فإن كان، لا بدّ الخ" ما يَصرِفُ الأمرَ عن حقيقته من الوجوب، أو الاستحباب، ويدلّ على أنه لمطلق الإذن، لأن الأمر بعد الحظر لا يبقى على حقيقته، وقريب من هذا السياق ما أخرجه أصحاب "السنن" من حديث المقدام بن معد يكرب: "حسبُ ابن آدم لُقيمات يُقمن صُلبه، فإن كان ولا بدّ، فثلث للطعام … " الحديث، أي إذا كان لا بدّ من الزيادة على اللُّقيمات، فليقتصر على الثلث، فهو إذنٌ بالاقتصار على الثلث، لا أمر يقتضي الوجوب، ولا الاستحباب انتهى (٣).
(اللهُمّ أَحْيِنِي) أي أبقني على الحياة (مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ)، "ما" مصدرية ظرفية، أي مدّة كون الحياة (خيرًا لي) أي من الموت، وهو أن تكون الطاعة غالبة على المعصية، والأزمنة خالية عن الفتن والمحن (وَتَوَفّني) أي أمتني (إذَا كَانَتِ الْوفَاةُ خَيْرًا لي) أي من
стр. 10328
الحياة، بأن يكون الأمر بعكس ما تقدم.
قال الحافظ العراقي ﵀ في "شرح الترمذيّ": لما كانت الحياة حاصلة، وهو متصف بها حسن الإتيان بـ "ما" أي ما دامت الحياة متصفة بهذا الوصف، ولما كانت الوفاة معدومة في حال التمنّي لم يحسن أن يقول: "ما كانت"، بل أتى بـ "إذا" الشرطيّة، فقال: "إذا كانت"، أي إذا آل الحال إلى أن تكون الوفاة كذا الوصف انتهى (١).
والظاهر أن هذا التفصيل، يشمل ما إذا كان الضرّ دينيّا أو دنيويًا.
وقد أخرج البخاريّ في "صحيحه" عن النضر بن أنس، عن أبيه، قال: لولا أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا تمنّوا الموت لتمنيته"، فلعله رأى أن التفصيل المذكور ليس من التمني المنهيّ عنه. أفاده في "الفتح". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان"
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا- ١/ ١٨٢٠ - و"الكبرى" ١/ ١٩٤٦ - بالإسناد المذكور. و١/ ١٨٢١ - و"الكبرى" ١/ ١٩٤٧ بالسند الآتي. وفي "عمل اليوم والليلة" ١٠٥٥ و ١٠٥٧ و ١٠٥٩ و١٠٦٠ و ١٠٦١ واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) ٧/ ١٥٦ (م) ٨/ ٦٤ (د) ٣١٠٨ (ت) ٩٧١ (ق) ٤٢٦٥ (أحمد) ٣/ ١٦٣ و ٣/ ٢٤٧ و ٣/ ١٠١ و ٣/ ١٠٤ (عبد بن حميد) ١٢٤٦ و ١٣٩٨. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٨٢١ - حَدّثَنَا (٢) عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ, عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ, ح وَأَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ, عَنْ أَنَسٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَلَا لَا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ, فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا الْمَوْتَ, فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي, وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي».
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (علي بن حُجر) السعدي المروزيّ، ثقة حافظ، من صغار [٩] ١٣/ ١٣.
стр. 10329
٢ - (أسماعيل ابن علية) البصريّ الحافظ الحجة الثبت [٨] ١٨/ ١٩.
٣ - (عمران موسى) القزاز الليثي، أبو عمرو البصريّ، صدوق [١٠] ٦/ ٦.
٤ - (عبد الوارث) بن سعيد بن ذكوان البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٦/ ٦.
٥ - (عبد العزيز) بن صُهيب البنانيّ البصريّ، ثقة [٤] ١٧/ ١٦٤٣.
٦ - (أنس) بن مالك ﵁ ٦/ ٦.
والسند من رباعيات المصنف، وهو (١٠٧) من رباعيات الكتاب. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "ألا" أداة استفتاح وتنبيه. وقوله: "لا يتمنّى" بصيغة الخبر، والمراد به
النهي، وتقدم الكلام عليه في الحديث الأول. وقوله: "فإن كان لا بدّ متمنّيًا" الخ. اسم
"كان ضمير يعود إلى "أحدكم"، و"متمنّيًا" خبرها، وجملة "لا بُدّ" معترضة، وهي في
محلّ نصب على الحال، قال الفيّومي ﵀:"لا بُدّ من كذا" أي لا مَحِيد عنه، ولا يُعرف استعماله إلا مقرونًا بالنفي انتهى.
وحاصل المعنى أنه لا يجوز لأحد أن يتمنّى الموت، فإن كان لا محيد عن التمنّي، فلا يتمنّ صريحًا، بل يعدل عنه إلى التفويض إلى اللَّه تعالى الذي هو أعلم بمصالح عباده، وهو بهم رؤوف رحيم، فيسأله معلقًا بوجود الخير فيه.
والحديث متفق عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٢ - الدُّعَاءُ بِالْمَوْتِ
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الدعاء بالموت أخصّ من تمنّي الموت، وكلّ دعاء تمنّ، من غير عكس. أفاده في "الفتح" (١). واللَّه تعالى عنه بالصواب.
١٨٢٢ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَفْصِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي, قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ, عَنِ الْحَجَّاجِ, وَهُوَ الْبَصْرِيُّ, عَنْ يُونُسَ, عَنْ ثَابِتٍ, عَنْ أَنَسٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَدْعُوا بِالْمَوْتِ, وَلَا تَتَمَنَّوْهُ, فَمَنْ كَانَ دَاعِيًا, لَا بُدَّ,
стр. 10330
فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي, مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي, وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي».
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أحمد بن حفص بن عبد اللَّه) السلميّ، أبو عليّ النيسابوريّ، صدوق [١١] ٧/ ٤٠٩.
٢ - (أبوه) حفص بن عبد اللَّه بن راشد السلميّ، أبو عمر قاضي نيسابور، صدوق [٩] ٧/ ٤٠٩.
٣ - (إبراهيم بن طهمان) أبو سعيد الخراسانيّ، ثم المكي, ثقة يُغْرب [٧] ٧/ ٤٠٩.
٤ - (الحَجّاج) بن الحجّاج الباهليّ البصريّ الأحول، ثقة [٦] ٥٣/ ٦١٤٥
٥ - (يونس) بن عُبيد بن دينار العبديّ البصريّ، ثقة ثبت فاضل وَرِعٌ [٥] ٨٨/ ١٠٩.
٦ - (ثابت) بن أسلم البُنَانيّ البصريّ، ثقة عابد [٤] ٤٥/ ٥٣.
وشرح الحديث يعلم مما سبق
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيح، أخرجه المصنف ﵀ هنا ٢/ ١٨٢٢ - وفي "الكبرى" ٢/ ١٩٤٨ - بالإسناد المذكور، وأخرجه (١) ٨/ ٦٤ و (أحمد) ٣/ ١٦٣ و ١٩٥ و ٢٤٧ و (عبد بن حميد) ١٢٤٦ و ١٣٧٢، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٨٢٣ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ, قَالَ: حَدَّثَنِي قَيْسٌ, قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى خَبَّابٍ, وَقَدِ اكْتَوَى فِي بَطْنِهِ سَبْعًا, وَقَالَ: لَوْلَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , نَهَانَا أَنْ نَدْعُوَ بِالْمَوْتِ, دَعَوْتُ بِهِ.
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (محمد بن بشار) أبو بكر البصريّ المعروف ببندار، ثقة حافظ [١٠] ٢٤/ ٢٧.
٢ - (يحيى بن سعيد) القطّان البصريّ الإمام الحجة الثبت [٩] ٤/ ٤.
٣ - (إسماعيل) بن أبي خالد البجليّ الأحمسيّ الكوفي، ثقة ثبت [٤] ١٣/ ٤٧١.
٤ - (قيس) بن أبي حازم البجليّ أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقة مخضرم [٢] ٤٦/ ٩٥٤.
٥ - (خَباب) بموحدتين الأولى مثقلة، ابن الأرتّ بهمزة وراء مفتوحتين، وتشديد التاء المثناة من فوقُ، أبو عبد اللَّه، التميميّ الصحابي المشهور ﵁، سُبي في الجاهلية، وبِيع بمكة، ثم حالف بني زُهرة، وأسلم قبل أن يدخل رسول اللَّه ﷺ دار الأرقم، قيل: أسلم سادس ستة، وهو أول من أظهر إسلامه، فعُذّب عذابًا شديدًا لذلك، ذُكر أن عمر بن الخطّاب ﵁ سأله عما لقي في ذات اللَّه، فكشف عن ظهره، فقال عمر: ما رأيت كاليوم، قال خباب: لقد أُوقدت لي نار، وسُحِبتُ عليها، فما