قاله في "الفتح"- كلهم عن الزهريّ، عن أبي عبيد، عن أبي هريرة ﵁.
قال الحافظ ﵀: هكذا اتفق هؤلاء عن الزهريّ في روايته، عن أبي عبيد، وخالفهم إبراهيم بن سعد، عن الزهريّ، فقال: عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عُتبة، عن أبي هريرة، أخرجه النسائيّ، وقال: رواية الزبيديّ أولى بالصواب، وإبراهيم بن سعد ثقة. يعني ولكنه أخطأ في هذا انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: إنما رجح المصنف -رحمه اللَّه تعالى- رواية الزبيديَّ، وإن كان في سندها بقية، وهو مدلّس، تدليس التسوية؛ لكونه صرح بالتحديث في شيخه، وشيخ شيخه، ولا يقال: إنه عنعن في شيخ الزهري؛ لأن الحديث مشهور برواية الزهري، عن أبي عبيد، كما يتضح بعدُ من رواية معمر، ومن ذكر معه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجعِ والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٨٢٠ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ وَهُوَ ابْنُ زُرَيْعٍ, عَنْ حُمَيْدٍ, عَنْ أَنَسٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ فِي الدُّنْيَا, وَلَكِنْ لِيَقُلِ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي, وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي».
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي البغلاني، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (يزيد بن زُريع) أبو معاوية البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٥/ ٥.
٣ - (حُميد) بن أبي حُميد الطويل البصريّ ثقة [٥] ٨٧/ ١٠٨.
٤ - (أنس) بن مالك ﵁ ٦/ ٦.
وهذا الإسناد من رباعيات المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (١٠٦) من رباعيات الكتاب، وهو مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فبلخيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَن أَنس) بن مالك ﵁ (أَنّ رَسُولَ اللَّهِ) وفي نسخة: "أن النبيّ" ( ﷺ قَالَ: لَا يَتَمَنّيَنّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ) أي لأنه يدلّ على الجزع في البلاء، وعدم الرضا بالقضاء (لِضُرَ) بضم الضاد المعجمة، وفتحها، أي من أجل ضرر ماليّ، أو بدنيّ (نَزَلَ بِهِ فِي الدّنْيَا) "في" سببية، أي بسبب أمر من الدنيا.
وفيه دلالة على أنه لو كان لضرّ أُخْرَويّ بأن خشي فتنة في دينه لم يدخل في النهي، وقد فعل ذلك جماعة من الصحابة ﵃:
стр. 10327
ففي "الموطإ" عن عمر ﵁ أنه قال: "اللهم كبرت سني، وضعفت قوّتي، وانتشرت رعيّتي، فاقبضني إليك غير مضيّع، ولا مفرط". وأخرجه عبد الرزاق من وجه آخر، عن عمر ﵁. وأخرجه أحمد وغيره من طريق عبس، ويقال: عابس الغفاريّ أنه قال: يا طاعون خذني، فقال له عليم الكنديّ (١): لم تقول هذا؟ ألم يقل رسول اللَّه ﷺ : لا يتمنّينّ أحدكم الموت؟، فقال: إني سمعته يقول: بادروا بالموت ستّا، إمرة السفهاء، وكثرة الشُّرَط، وبيع الحكم … الحديث.
وأخرج أحمد أيضًا من حديث عوف بن مالك نحوه، وأنه قيل له: ألم يقل رسول
اللَّه ﷺ : "ما عُمّر المسلم كان خيرا له … " الحديث، وفيه الجواب نحوه. وأصرح منه في ذلك حديث معاذ ﵁ الذي أخرجه أبو داود، وصححه الحاكم في القول في دبر كلّ صلاة، وفيه: "وإذا أردت بقوم فتنة، فتوفّني إليك غير مفتون". قاله في "الفتح" (٢).
(وَلَكِنْ لِيَقُلِ) وفي رواية للبخاريّ: "فإن كان لا بُدّ فاعلا، فليقل … "، وفي لفظ له: "فإن كان ولا بدّ متمنيًا للموت، فليقل … " الحديث. أي فلا يتمنّ صريحًا، بل يعدل عنه إلى التعليق بوجود الخير فيه.
قال في "الفتح": وهذا يدلّ على أن النهي عن تمنّي الموت مقيّد بما إذا لم يكن على هذه الصيغة، لأن في التمنّي المطلق نوع اعتراض، ومراغمة للقدر المحتوم، وفي هذه الصورة المأمور بها نوع تفويض، وتسليم للقضاء.
قال: وفي قوله: "فإن كان، لا بدّ الخ" ما يَصرِفُ الأمرَ عن حقيقته من الوجوب، أو الاستحباب، ويدلّ على أنه لمطلق الإذن، لأن الأمر بعد الحظر لا يبقى على حقيقته، وقريب من هذا السياق ما أخرجه أصحاب "السنن" من حديث المقدام بن معد يكرب: "حسبُ ابن آدم لُقيمات يُقمن صُلبه، فإن كان ولا بدّ، فثلث للطعام … " الحديث، أي إذا كان لا بدّ من الزيادة على اللُّقيمات، فليقتصر على الثلث، فهو إذنٌ بالاقتصار على الثلث، لا أمر يقتضي الوجوب، ولا الاستحباب انتهى (٣).
(اللهُمّ أَحْيِنِي) أي أبقني على الحياة (مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ)، "ما" مصدرية ظرفية، أي مدّة كون الحياة (خيرًا لي) أي من الموت، وهو أن تكون الطاعة غالبة على المعصية، والأزمنة خالية عن الفتن والمحن (وَتَوَفّني) أي أمتني (إذَا كَانَتِ الْوفَاةُ خَيْرًا لي) أي من
стр. 10328
الحياة، بأن يكون الأمر بعكس ما تقدم.
قال الحافظ العراقي ﵀ في "شرح الترمذيّ": لما كانت الحياة حاصلة، وهو متصف بها حسن الإتيان بـ "ما" أي ما دامت الحياة متصفة بهذا الوصف، ولما كانت الوفاة معدومة في حال التمنّي لم يحسن أن يقول: "ما كانت"، بل أتى بـ "إذا" الشرطيّة، فقال: "إذا كانت"، أي إذا آل الحال إلى أن تكون الوفاة كذا الوصف انتهى (١).
والظاهر أن هذا التفصيل، يشمل ما إذا كان الضرّ دينيّا أو دنيويًا.
وقد أخرج البخاريّ في "صحيحه" عن النضر بن أنس، عن أبيه، قال: لولا أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا تمنّوا الموت لتمنيته"، فلعله رأى أن التفصيل المذكور ليس من التمني المنهيّ عنه. أفاده في "الفتح". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان"
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا- ١/ ١٨٢٠ - و"الكبرى" ١/ ١٩٤٦ - بالإسناد المذكور. و١/ ١٨٢١ - و"الكبرى" ١/ ١٩٤٧ بالسند الآتي. وفي "عمل اليوم والليلة" ١٠٥٥ و ١٠٥٧ و ١٠٥٩ و١٠٦٠ و ١٠٦١ واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) ٧/ ١٥٦ (م) ٨/ ٦٤ (د) ٣١٠٨ (ت) ٩٧١ (ق) ٤٢٦٥ (أحمد) ٣/ ١٦٣ و ٣/ ٢٤٧ و ٣/ ١٠١ و ٣/ ١٠٤ (عبد بن حميد) ١٢٤٦ و ١٣٩٨. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٨٢١ - حَدّثَنَا (٢) عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ, عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ, ح وَأَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ, عَنْ أَنَسٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَلَا لَا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ, فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا الْمَوْتَ, فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي, وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي».
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (علي بن حُجر) السعدي المروزيّ، ثقة حافظ، من صغار [٩] ١٣/ ١٣.
стр. 10329
٢ - (أسماعيل ابن علية) البصريّ الحافظ الحجة الثبت [٨] ١٨/ ١٩.
٣ - (عمران موسى) القزاز الليثي، أبو عمرو البصريّ، صدوق [١٠] ٦/ ٦.
٤ - (عبد الوارث) بن سعيد بن ذكوان البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٦/ ٦.
٥ - (عبد العزيز) بن صُهيب البنانيّ البصريّ، ثقة [٤] ١٧/ ١٦٤٣.
٦ - (أنس) بن مالك ﵁ ٦/ ٦.
والسند من رباعيات المصنف، وهو (١٠٧) من رباعيات الكتاب. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "ألا" أداة استفتاح وتنبيه. وقوله: "لا يتمنّى" بصيغة الخبر، والمراد به
النهي، وتقدم الكلام عليه في الحديث الأول. وقوله: "فإن كان لا بدّ متمنّيًا" الخ. اسم
"كان ضمير يعود إلى "أحدكم"، و"متمنّيًا" خبرها، وجملة "لا بُدّ" معترضة، وهي في
محلّ نصب على الحال، قال الفيّومي ﵀:"لا بُدّ من كذا" أي لا مَحِيد عنه، ولا يُعرف استعماله إلا مقرونًا بالنفي انتهى.
وحاصل المعنى أنه لا يجوز لأحد أن يتمنّى الموت، فإن كان لا محيد عن التمنّي، فلا يتمنّ صريحًا، بل يعدل عنه إلى التفويض إلى اللَّه تعالى الذي هو أعلم بمصالح عباده، وهو بهم رؤوف رحيم، فيسأله معلقًا بوجود الخير فيه.
والحديث متفق عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٢ - الدُّعَاءُ بِالْمَوْتِ
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الدعاء بالموت أخصّ من تمنّي الموت، وكلّ دعاء تمنّ، من غير عكس. أفاده في "الفتح" (١). واللَّه تعالى عنه بالصواب.
١٨٢٢ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَفْصِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي, قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ, عَنِ الْحَجَّاجِ, وَهُوَ الْبَصْرِيُّ, عَنْ يُونُسَ, عَنْ ثَابِتٍ, عَنْ أَنَسٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَدْعُوا بِالْمَوْتِ, وَلَا تَتَمَنَّوْهُ, فَمَنْ كَانَ دَاعِيًا, لَا بُدَّ,
стр. 10330
فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي, مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي, وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي».
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أحمد بن حفص بن عبد اللَّه) السلميّ، أبو عليّ النيسابوريّ، صدوق [١١] ٧/ ٤٠٩.
٢ - (أبوه) حفص بن عبد اللَّه بن راشد السلميّ، أبو عمر قاضي نيسابور، صدوق [٩] ٧/ ٤٠٩.
٣ - (إبراهيم بن طهمان) أبو سعيد الخراسانيّ، ثم المكي, ثقة يُغْرب [٧] ٧/ ٤٠٩.
٤ - (الحَجّاج) بن الحجّاج الباهليّ البصريّ الأحول، ثقة [٦] ٥٣/ ٦١٤٥
٥ - (يونس) بن عُبيد بن دينار العبديّ البصريّ، ثقة ثبت فاضل وَرِعٌ [٥] ٨٨/ ١٠٩.
٦ - (ثابت) بن أسلم البُنَانيّ البصريّ، ثقة عابد [٤] ٤٥/ ٥٣.
وشرح الحديث يعلم مما سبق
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيح، أخرجه المصنف ﵀ هنا ٢/ ١٨٢٢ - وفي "الكبرى" ٢/ ١٩٤٨ - بالإسناد المذكور، وأخرجه (١) ٨/ ٦٤ و (أحمد) ٣/ ١٦٣ و ١٩٥ و ٢٤٧ و (عبد بن حميد) ١٢٤٦ و ١٣٧٢، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٨٢٣ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ, قَالَ: حَدَّثَنِي قَيْسٌ, قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى خَبَّابٍ, وَقَدِ اكْتَوَى فِي بَطْنِهِ سَبْعًا, وَقَالَ: لَوْلَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , نَهَانَا أَنْ نَدْعُوَ بِالْمَوْتِ, دَعَوْتُ بِهِ.
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (محمد بن بشار) أبو بكر البصريّ المعروف ببندار، ثقة حافظ [١٠] ٢٤/ ٢٧.
٢ - (يحيى بن سعيد) القطّان البصريّ الإمام الحجة الثبت [٩] ٤/ ٤.
٣ - (إسماعيل) بن أبي خالد البجليّ الأحمسيّ الكوفي، ثقة ثبت [٤] ١٣/ ٤٧١.
٤ - (قيس) بن أبي حازم البجليّ أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقة مخضرم [٢] ٤٦/ ٩٥٤.
٥ - (خَباب) بموحدتين الأولى مثقلة، ابن الأرتّ بهمزة وراء مفتوحتين، وتشديد التاء المثناة من فوقُ، أبو عبد اللَّه، التميميّ الصحابي المشهور ﵁، سُبي في الجاهلية، وبِيع بمكة، ثم حالف بني زُهرة، وأسلم قبل أن يدخل رسول اللَّه ﷺ دار الأرقم، قيل: أسلم سادس ستة، وهو أول من أظهر إسلامه، فعُذّب عذابًا شديدًا لذلك، ذُكر أن عمر بن الخطّاب ﵁ سأله عما لقي في ذات اللَّه، فكشف عن ظهره، فقال عمر: ما رأيت كاليوم، قال خباب: لقد أُوقدت لي نار، وسُحِبتُ عليها، فما
стр. 10331
أطفأها إلا ودك ظهري، وشهد بدرًا، والمشاهد كلها، وكان قَيْنًا في الجاهلية، يعمل
السيوف، ثم نزل الكوفة، ومات بها سنة (٣٧) هـ مُنصَرَفَ عليّ ﵁ من صِفِّين، وصَلَّى عليه عليّ ﵁، وقيل: لما رجع عليّ من صفّين مرّ على قبر خبّاب، فقال: رحم اللَّه خبّابًا، أسلم راغبًا، وهاجر طائعًا، وعاش مُجاهدًا، وابتُلي في جسمه أحوالاً، ولن يُضيّع اللَّه أجره. تقدّمت ترجمته ٢/ ٤٩٧. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف الإسناد:
(منها): أن رجاله كلهم من رجال الجماعة، وفيه رواية تابعي، عن تابعيّ، وشيخ المصنف أحد مشايخ الأئمة الستة دون واسطة، و"قيس" هو التابعي الذي انفرد من بين التابعين بالرواية عن العشرة المبشّرين بالجنّة ﵃. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن قيس بن أبي حازم -رحمه اللَّه تعالى- أنه (قال: دَخَلْتُ عَلَى خَباب) ابن الأرت
- رضي اللَّه تعالى عنه - (وَقَدِ اكْتَوَى فِي بَطْنِهِ سَبعَا) جملة في محل نصب على الحال، أي والحال أنه قد تداوى بالكيّ من مرض أصابه في بطنه سبع كَيّات.
ولفظ أحمد من طريق أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب قال: دخلت على خباب، وقد اكتوى سبعا فقال لولا أني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا يتمنى أحدكم الموت" لتمنيته، ولقد رأيتني مع رسول اللَّه ﷺ ما أملك درهما وإن في جانب بيتي الآن لأربعين ألف درهم، قال: ثم أتُي بكفنه، فلما رآه بكى، قال: لكن حمزة لم يوجد له كفن إلا بردة مَلْحَاء (١)، إذا جعلت على رأسه قَلَصَت عن قدميه، وإذا جُعلت على قدميه قلصت عن رأسه، حتى مُدَّت على رأسه وجُعل على قدميه الإذخر. انتهى.
و"الكيّ": هو إحراق الجلد بحديدة ونحوها، قال الطيبيّ ﵀: الكيّ علاج معروف في كثير من الأمراض، وقد ورد النهي عن الكيّ، فقيل: النهي لأجل أنهم كانوا يرون الشفاء منه، وأما إذا اعتقد أنه سبب، وأن الشافي هو اللَّه، فلا بأس به، ويجوز أن يكون النهي من قِبَل التوكّل، وهو درجة أخرى غير الجواز انتهى. ويؤيده حديث: "لا يسترقون، ولا يكتوون، وعلى ربّهم يتوكلون" متفق عليه.
وفي رواية الترمذيّ: "فقال: ما أعلم أحدًا من أصحاب النبي ﷺ لقي من البلاء ما لقيتُ". أي من الوجع الذي أصابه. وحكى الحافظ العراقيّ ﵀ في "شرح
стр. 10332
الترمذيّ": احتمال أن يكون أراد بالبلاء ما فُتح عليه من المال بعد أن كان لا يجد درهما، كما وقع صريحًا في رواية عنه، قال: "لقد كنتُ وما أجد درهما على عهد رسول اللَّه ﷺ ، وفي ناحية بيتي أربعون ألفًا". يعني الآن. وتعقّبه بأن غيره من الصحابة كان أكثر مالاً منه، كعبد الرحمن بن عوف. واحتمال أن يكون أراد ما لقي من التعذيب في أول الإسلام من المشركين، وكأنه رأى أن اتساع الدنيا عليه يكون ثواب ذلك التعذيب، وكان يُحبّ أن لو بقي له أجره مُوَفّرًا في الآخرة. قال: ويحتمل أن يكون أراد ما فَعَلَ من الكيّ مع ورود النهي عنه، كما قال عمران بن حُصين ﵁: "نُهينا عن الكي، فاكتوينا، فما أفلحنا" (١). قال: وهذا بعيد، وكذلك الذي قبله انتهى (٢).
(وَقَالَ) أي خباب ﵁، وفي نسخة: "فقال" (لَوْلَا أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، نَهَانَا أَنْ نَدْعُوَ بِالمَوْتِ، دَعَوْتُ بِهِ) أي ليستريح من شدّة المرض الذي من شأن الجِبِلّة البشريّة أن تنفِرَ منه، ولا تصبر عليه.
وفيه أن الدعاء بالموت ممنوع، وهذا لا يعارض ما تقدّم من حديث أنس ﵁، لأن المراد هنا الدعاء بالجزم، وهناك بالتعليق، كما تقدّم إيضاحه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث خباب بن الأرت ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له:
أخرجه هنا ٢/ ١٨٢٣ و"الكبرى" ٢/ ١٩٤٩ - بالسند المذكور. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) ٧/ ١٥٦ و ٨/ ٩٤ و ٨/ ١٣ أو ١١٤ و ٩/ ١٠٤ (م) ٨/ ٦٤ (ت) ٢٤٨٣ و ٩٧٠ (الحميديّ) ١٥٤ (أحمد) ٥/ ١٠٩ و ١١٠ و ١١١ و ١١٢ و ٦/ ٣٩٥. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
стр. 10333
٣ - كَثْرَةُ ذِكْرِ الْمَوْتِ
١٨٢٤ - أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ, قَالَ: أَخْبَرَنَا (١) الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو. ح وَأَخْبَرَنِي (٢) مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ, قَالَ: أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ».
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (الحسين بن حُريث) الخزاعي، أبو عمار المروزيّ ثقة [١٠] ٤٤/ ٥٢.
٢ - (الفضل بن موسى) السِّينانيّ، أبو عبد اللَّه المروزيّ ثقة ثبت، وربما أغرب من كبار [٩] ٨٣/ ١٠٠.
٣ - (محمد بن عبد اللَّه بن المبارك) الْمُخَرِّميّ، أبو جعفر البغداديّ الحافظ [١١] ٤٣/ ٥٠.
٤ - (يزيد) بن هارون الواسطيُّ، ثقة متقن عابد [٩] ١٥٣/ ٢٤٤.
٥ - (محمد بن إبراهيم) بن عثمان بن خُواسّتي العبسيّ مولاهم، الكوفيّ، والد بني أبي شيبة: أبي بكر، وعثمان، والقاسم، ثقة [٩].
قال الدوريّ، عن ابن معين: كان قاضيًا ببعض بلاد فارس. وقال الحسين بن حِبّان: قال أبو زكريّا -يعني ابن معين-: رأيته ببغداد، وكان رجلاً جميلاً، ثقة، كيّسًا، أكيس من يزيد بن هارون، وكان على قضاء فارس قديمًا، ولم أكتب عنه شيئًا. وقال في موضع آخر: وكان ثقة مأمونا. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال القاسم بن محمد: مات أبي سنة (١٨٢) وهو ابن (٧٧) سنة. انفرد به النسائيّ، وله عنده في هذا الكتاب حديث الباب فقط.
٦ - (محمد بن عمرو) بن علقمة المدنيّ، صدوق له أوهام [٦] ١٦/ ١٧.
٧ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقة فقيه [٣] ١/ ١.
٨ - (أبو هريرة) ﵁ ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف، وفيه أبو سلمة أحد الفقهاء السبعة، وأبو هريرة
стр. 10334
- ﵁ رَأْسُ المكثرين من الرواية، روى (٥٣٧٤) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَادِمِ اللّذّاتِ") زاد في "الكبرى": قال محمد (١) في حديثه: "الموت". وزاد ابن حبّان في "صحيحه": "فما ذكره عبد قطّ، وهو في ضِيق إلا وسّعه عليه، ولا ذكره، وهو في سعة إلا ضيّقه عليه" انتهى (٢).
و"الهاذم": بالذال المعجمة بمعنى القاطع، أو بالمهملة، من هدم البناء، والمراد به الموت، وهو هاذم اللذات، إما لأن ذكره يزهّد فيها، أو لأنه إذا جاء ما يُبقي من لذائذ الدنيا شيئا.
قال ميرك: وصحح الطيبيّ كونه بالدال المهملة، حيث قال: شبّه اللذات الفانية، والشهوات العاجلة، ثم زوالها ببناء مرتفع ينهدم بصدمات هائلة، ثم أمر المُنهَمِك فيها بذكر الهادم، لئلاّ يستمرّ على الركون إليها، ويشتغل عما يجب عليه من التزوّد إلى دار القرار انتهى كلامه.
لكن قال الإسنويّ في "المهمّات": الهاذم بالذال المعجمة: هو القاطع، كما قاله الجوهريّ، وهو المراد هنا، وقد صرح السهَيْلي في "الروض الأنف" بأن الرواية بالذال المعجمة، ذَكَرَ ذلك في غزوة أُحُد، في الكلام على قتل وَحْشيّ لحمزة ﵄.
وقال الجزريّ: هادم يُروى بالدال المهملة: أي دافعها، أو مخرّبها، وبالمعجمة: أي قاطعها، واختاره بعض مشايخنا، وهو الذي لم يصحّح الخطّابيّ غيره، وجعل الأول من غلط الرواة. كذا في "المرقاة".
وقال الحافظ في "التلخيص": ذكر السهيليّ في "الروض الأنف" أن الرواية فيه بالذال المعجمة، ومعناه القاطع، وأما بالمهملة، فمعناه المزيل للشيء، وليس ذلك مرادا هنا، وفي هذا النفي نظر لا يخفى انتهى كلام الحافظ.
قال الأمير الصنعانيّ ﵀: يريد أن المعنى على الدال المهملة صحيح، فإن الموت يُزيل اللذّات كما يقطعها، ولكن العمدة الرواية انتهى (٣).
والحديث دليل على أنه ينبغي للإنسان أن لا يغفل عن ذكر أعظم المواعظ، وهو
стр. 10335
الموت، لأنه أزجر عن المعصية، وأدعى إلى الطاعة. واللَّه تعالى أعلم.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ:: مُحَمَّدُ بنُ إِبْرَاهِيمَ وَالِدُ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ) وعبارة "الكبرى": قال لنا أبو عبد الرحمن: محمد بن إبراهيم هو والد أبي بكر بن أبي شيبة، وعثمان بن أبي شيبة، والقاسم بن أبي شيبة، وهم ثلاث إخوة، وأبو بكر ثقة، وعثمان لا بأس به، والقاسم ليس بثقة انتهى (١).
وقال الإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى- في "مسنده" عقب هذا الحديث: محمد بن إبراهيم، هو أبو بني شيبة. ثم قال: حدثنا يزيد، عن محمد بن عمرو بتسعة وتسعين حديثًا، ثم أتمّها بهذا الحديث، عن محمد بن إبراهيم، عن محمد عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ تمام المائة انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا-٣/ ١٨٢٤ - و"الكبرى" ٣/ ١٩٥٠ بالإسناد المذكور. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (ت) ٢٣٠٧ (ق) ٤٢٥٨ (أحمد) ٢/ ٢٩٢ واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٨٢٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, عَنْ يَحْيَى, عَنِ الأَعْمَشِ, قَالَ: حَدَّثَنِي شَقِيقٌ, عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ, قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَقُولُ: «إِذَا حَضَرْتُمُ الْمَيِّتَ, فَقُولُوا خَيْرًا, فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ, يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ». فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ, قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, كَيْفَ أَقُولُ: قَالَ: «قُولِي: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا, وَلَهُ, وَأَعْقِبْنِي مِنْهُ, عُقْبَي حَسَنَةً» , فَأَعْقَبَنِي اللَّهُ مِنْهُ, مُحَمَّدًا ﷺ .
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (محمد بن المثنى) أبو موسى العنزيّ البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٦٤/ ٨٠.
٢ - (يحيى) بن سعيد القطّان تقدم قريبًا.
٣ - (الأعمش) سليمان بن مِهْران الكوفيّ الإمام الحجة الثبت [٥] ١٧/ ١٨.
٤ - (شقيق) بن سلمة المعروف بـ "أبي وائل" ثقة ثبت مخضرم [٢] ٢/ ٢.
стр. 10336
٥ - (أم سلمة) أم المؤمنين هند بنت أبي أمية المخزومية ﵂ ١٢٣/ ١٨٣ واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف، وفيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه شيخ المصنف أحد مشايخ الأئمة الستة بلا واسطة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) ﵂، أنها (قَالَت: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: "إِذا حَضَرْتُمُ الميت) وكذا هو في رواية أبي داود، والبيهقيّ، وفي بعض النسخ: "إذا حضرتم المريض"، ولفظ مسلم: "إذا حضرتم المريض، أو الميت"، (فَقُولُوا. خَيْرًا) قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: أي ادعوا له بالخير، لا بالشرّ، أو ادعوا بالخير مطلقًا، لا بالويل، ونحوه، والأمر فيه للندب، ويحتمل أن المراد: فلا تقولوا شرّا، فالمقصود النهي عن الشرّ بطريق الكناية، لا الأمر بالخير انتهى.
وقال المظهر: أي ادعوا للمريض بالشفاء، وقولوا: اللَّهم اشفه، وللميت بالرحمة والمغفرة، وقولوا: اللَّهم اغفر له، وارحمه انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: في قول السنديّ: والأمر فيه للندب نظر، بل الظاهر أنه للوجوب؛ إن لا صارف له، وكذا الاحتمال الذي ذكره أخيرًا فيه بعدٌ، والظاهر أن الدعاء أعمّ من أن يكون لنفسه، وللميت، ففي رواية لمسلم من طريق قبيصة بن ذؤيب، عن أم سلمة، قالت: دخل رسول اللَّه ﷺ ، على أبي سلمة، وقد شَقَّ بصرُهُ، فأغمضه، ثم قال: "إن الروح إذا قبض، تبعه البصر"، فضَجَّ ناس من أهله، فقال: "لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون"، ثم قال: "اللَّهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله، يا رب العالمين، وافسح له في قبره، ونور له فيه". انتهى. واللَّه تعالى أعلم.
(فَإِنَّ الْمَلَاِئكَةَ) الفاء للتعليل، أي لأن الملائكة الخ، والمراد بالملائكة، ملك الموت، وأعوانه، أو عموم الملائكة الذين يحضرون الميت، وهذا أولى، لما سيأتي -٩/ ١٨٣٣ - من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "إذا حُضر المؤمنُ أتته ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء .... وإذا احتضر الكافر أتته ملائكة العذاب بِمِسْحِ … " الحديث (يُؤَمِّنُون) بالتشديد، من التأمين، أي يقولون آمين (عَلَى مَا تَقُولُونَ) أي من الدعاء بخير، أو شرّ، ودعاء الملائكة مستجاب، فلا يجوز للشخص أن يدعو بما فيه مضرّة له، أو لغيره.
стр. 10337
قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: قوله:"إذا حضرتم الميت، فقولوا خيرًا" أمر تأديب، وتعليم بما يقال عند الميت، وإخبارٌ بتأمين الملائكة على دعاءِ مَن هناك، ومن هذا استحبّ علماؤنا أن يحضر الميت الصالحون، وأهل الخير حالة موته ليذكّروه، ويدعوا له، ولمن يخلفه، ويقولوا خيرًا، فيجتمع دعاؤهم، وتأمين الملائكة، فينتفع الميت، ومن يُصاب به، ومن يَخلُفه انتهى (١).
قالت أم سلمة ﵂ (فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ) أي زوجها قبل النبي ﷺ ، واسمه عبد اللَّه ابن عبد الأسد بن هلال بن عبد اللَّه بن عُمَر بن مخزوم المخزوميّ، أخو النبي ﷺ من الرضاعة، وابن عمته بَرّة بنت عبد المطلب، كان ﵁ من السابقين إلى الإسلام، شهد بدرًا، ومات في حياة النبي ﷺ ، في جمادى الآخرة، سنة أربع، بعد أُحُد، فتزوّج النبيّ ﷺ بعده زوجته أمَّ سلمة ﵂.
(قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ أَقُولُ: قَالَ: "قُولِي: اللَّهُمَّ اغفِرْ لَنَا وَلَهُ) ولفظ مسلم: "فلما مات أبو سلمة أتيت النبي ﷺ ، فقلت: يا رسول اللَّه إن أبا سلمة قد مات، قال: "قولي: اللَّهم اغفر لي وله … " (وَأَعْقِبْنِي) من الإعقاب، أي عَوِّضني، وأعطِنِي بدله، قال الشاعر [البسيط]:
ومَنْ أَطَاعَ فَأعْقِبْهُ بِطَاعَتِهِ … كَمَا أَطَاعَكَ وَادْلُلْهُ عَلَى الرَّشَدِ (٢)
(مِنْه) أي بدله، فـ "من" بمعنى "بدل"، كما قال في "الخلاصة":
لِلانْتهَا "حَتَّى" وَلَامٌ وَ "إِلَى" … وَ"مِنَ" وَبَاءٌ يُفهِمَأنِ بَدَلَا
(عُقبَى حسَنَةً) بضم العين المهملة، وسكون القاف، بوزن بُشْرى: أي بدلًا صالحًا (فَأَعْقَبَنِي اللَّهُ ) مرتَّبٌ على محذوف، أي فقلت ذلك، فأعقبني اللَّه (مِنْهُ، مُحَمَّدًا ﷺ ) تعني أن اللَّه تعالى عوّضها خيرًا من أبي سلمة ﵁، وذلك هو النبي ﷺ ، حيث تزوّجها بعد موته.
أخرج مسلم -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه": من طريق عُمر بن كثير بن أفلح، عن ابن سَفِينة، عن أم سلمة، أنها قالت: سمعت رسول اللَّه ﷺ ، يقول: "ما من مسلم، تصيبه مصيبة، فيقول ما أمره اللَّه: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، اللهم اجُرني في مصيبتي، وأَخلِف لي خيرا منها، إلا أخلف اللَّه له خيرا منها"، قالت: فلما مات أبو سلمة، قلت: أيُّ المسلمين خير من أبي سلمة؟ أولُ بيت هاجر إلى رسول اللَّه ﷺ ، ثم إني
стр. 10338
قلتها، فأخلف اللَّه لي رسولَ اللَّه ﷺ ، قالت: أرسل إلي رسول اللَّه ﷺ ، حاطبَ بن أبي بَلْتَعَةَ، يخطبني له، فقلت: إن لي بنتا، وأنا غَيُور، فقال: "أما ابنتها، فندعو اللَّه أن يغنيها عنها، وأدعو اللَّه أن يذهب بالغيرة" انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: مناسبة هذا الحديث للباب غير واضحة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أم سلمة ﵂ هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا-٣/ ١٨٢٥ - و"الكبرى" ٣/ ١٩٥١ - وفي "عمل اليوم والليلة" ١٠٦٩ - بالإسناد المذكور. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (م) ٣/ ٣٨ (د) ٣١١٥ (ت) ٩٧٧ (ق) ١٤٤٧ (أحمد) ٦/ ٢٩١ و ٣٠٦ و ٣٢٢ (عبد ابن حميد) ١٥٣٧ واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: الأمر لمن حضر المريض أن لا يدعو إلا بخير, لأن الملائكة يؤمّنون على دعائه، فإذا دعا بغير خير كان وَبَالاً عليه. ومنها: حضور الملائكة عند المريض، وتأمينهم على دعاء الداعين في ذلك المكان. ومنها: بيان استجابة دعاء الملائكة. ومنها: أن من مات له زوج، أو زوجة، أو نحوهما ينبغي له أن يسترجع، ويدعو بقوله: اللَّهم اغفر لي وله، وأعقبني منه عُقْبَى حسنة، فمن اللَّه تعالى سيعوّضه خيرًا منه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٤ - بَابُ تَلْقِينِ الْمَيّتِ
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "التلقين" كالتفهيم، وزنًا ومعنًى، يقال: لقّنتُهُ الشيءَ، فلتلقّنه، أي فهَمتُهُ، ففَهِمَمه منّي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
стр. 10339
١٨٢٦ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ, قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عُمَارَةَ, قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ (١) ح وَأَخْبَرَنَا (٢) قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ, عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ, عَنْ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ, عَنْ أَبِي سَعِيدٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ».
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عمرو بن عليّ) الفلاّس الصيرفيّ البصريّ الحافظ الثبت [١٠] ٤/ ٤.
٢ - (قتيبة) بن سعيد تقم قريبا.
٣ - (بشر بن المفضّل) بن لاحق، أبو إسماعيلى البصريّ، ثقة ثبت عابد [٨] ٦٦/ ٨٢.
٤ - (عمارة بن غَزيّة) - بفتح الغين المعجمة، وكسر الزاي- الأنصاريّ المازنيّ المدني، لا بأس به [٦] ١٦٨/ ١١٣٧.
٥ - (يحيى بن عُمارة) بن أبي حسن الأنصاريّ المازنيّ المدنيّ، ثقة [٣] ٨٠/ ٩٧.
٦ - (عبد العزيز) بن محمد الدّراورديّ المدنيّ، صدوق كان يحدث من كتب غيره، فيخطئ [٨] ٨٤/ ١٠١.
٧ - (أبو سعيد) سَعْد بن مالك بن سِنَان الخدريّ الصحابي المشهور ﵁ ١٦٩/ ١٦٢. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله كلهم رجال الصحيح، وفيه أبو سعيد الخدريّ ﵁ أحد المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الخدريّ ﵁، أنه (قَالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَقِّنُوا) من التلقين، وهو التذكير، أي ذكّروا (مَوْتَاكُمْ) أي الذين هم في سياق الموت، سمّاهم موتى، لأن الموت قد حضرهم. قال الطيبيّ ﵀: أي من قَرُب منكم من الموت، سماه باعتبار ما يؤول إليه مجازًا، وعليه يُحمل قوله ﷺ : "اقرءو على موتاكم ﴿يس﴾ انتهى (٣).
стр. 10340
ويدلّ عليه أن ابن حبّان روى هذا الحديث عن أبي هريرة ﵁ باللفظ المذكور، وزاد: "فإنه من كان آخر كلامه لا إله إلا اللَّه، دخل الجنّة يومًا من الدهر، وإن أصابه ما أصاب قبل ذلك" (١).
قيل: معنى "التلقين" أن يُذكَرَ له "لا إله إلا اللَّه"، ويُتلفّظ به بحضرته، حتى يسمع، فيتفطّن، فيقوله، ولا يؤمر به، إلا أن يكون كافرًا، فيقال له: قل: لا إله إلا اللَّه، كما قال النبي ﷺ ذلك لعمه أبي طالب، وللغلام اليهوديّ الذي كان يخدمه ﷺ .
والمقصود من التلقين أن يكون آخر كلامه لا إله إلا اللَّه، ولذا قالوا: إذا قال مرة لا تُعاد عليه، إلا أن يتكلّم بكلام آخر. ذكر الترمذي ﵀ في "الجامع" أنه رُوي عن ابن المبارك أنه لما حضره الوفاة جعل رجل يلقنه لا إله إلا اللَّه، ويكثر عليه، فقال له عبد اللَّه: إذا قلتُ ذلك مرّة، فأنا على ذلك ما لم أتكلّم بكلام انتهى.
وقال النوويّ ﵀: وأجمع العلماء على هذا التلقين، وكرهوا الإكثار عليه، والموالاة، لئلا يَضجَرَ بضيق حاله، وشدّة كربه، فيكره ذلك بقلبه، ويتكلّم بما لا يليق انتهى.
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "لقنوا موتاكم الخ" أي قولوا لهم ذلك، وذكّروهم به عند الموت، وسماهم ﷺ موتى لأن الموت قد حضرهم، وتلقين الموتى هذه الكلمةَ سنّة مأثورة، عَمِلَ بها المسلمون، وذلك ليكون آخر كلامه "لا إلى إلا اللَّه"، فيُختم له بالسعادة، وليدخل في عموم قوله ﷺ : "من كان آخر كلامه لا إله إلا اللَّه دخل الجنّة" (٢)، وليُنبّه المحتضر على ما يدفع به الشيطان، فإنه يتعرّض للمحتضر ليُفسد عليه عقيدته، فإذا تلقّنها المحتضر، وقالها مرّة واحدة، فلا تُعاد عليه، لئلا يَضجَرَ، وقد كره أهل العلم الإكثار عليه من التلقين، والإلحاح عليه إذا هو تلقّنها، أو فُهِم عنه ذلك، وفي أمره ﷺ بتلقين الموتى ما يدلّ على تعيّن الحضور عند المحتضر، لتذكيره، وإغماضه، والقيام عليه، وذلك من حقوق المسلم على المسلمين، ولا خلاف في ذلك انتهى كلام القرطبي (٣).
وقال القاري ﵀: الجمهور على أنه يُندب هذا التلقين، وظاهر الحديث يقتضي وجوبه، وذهب إليه جمع، بل نقل بعض المالكية الاتفاق عليه انتهى (٤).
стр. 10341
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر قول من قال بالوجوب؛ لصريح الأمر في قوله ﷺ : "لقّنوا"، والذين قالوا بالندبية لم يذكروا له صارفًا عن الوجوب. واللَّه تعالى أعلم.
(لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ") فقط على الأصحّ، وقيل: مع "محمد رسول اللَّه"، فالمراد كلمتا الشهادة. قال الزين ابن المنيّر: قول: "لا إله إلا اللَّه" لَقَبٌ جرى على النطق بالشهادتين شرعًا انتهى. وقال الدَّمِيريّ: نقل في "الروضة" عن الجمهور الاقتصار على "لا إله إلا اللَّه"، ونقل جماعة من الأصحاب -يعني الشافعيّة- أنه يضيف إليها "محمد رسول اللَّه"، لأن المراد ذكر التوحيد، والمراد موته مسلمًا، ولا يسمّى مسلما إلا بهما، والأول أصحّ، أما إذا كان المحتضر كافرًا، فينبغي الجزم بتلقين الشهادتين، لأنه لا يصير مسلما إلا بهما كذا في "السراج الوهّاج"، ونقله في "المرعاة" (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الاقتصار على "لا إله إلا اللَّه" هو الراجح عندي، عملاً بظاهر النصّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه المصنف هنا -٤/ ١٨٢٦ - و "الكبرى" ٤/ ١٩٥٢ - وأخرجه (م) رقم ٩١٦ وأخرجه أيضًا من حديث أبي هريرة ﵁ ٩١٧ (د) ٣١١٧ (ت) ٩٧٦ (ق) ١٤٤٥ (أحمد) ٣/ ٣ (عبد بن حميد) ٩٧٣. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٨٢٧ - أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ, قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْصُورُ ابْنُ صَفِيَّةَ, عَنْ أُمِّهِ, صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَقِّنُوا هَلْكَاكُمْ, قَوْلَ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ».
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إبراهيم بن يعقوب) الجُوزَجانيّ نزيل دمشق الحافظ الحجة [١١] ١٢٢/ ١٧٤.
٢ - (أحمد بن إسحاق) بن زيد بن عبد اللَّه بن أبي إسحاق الحضرميّ، أبو إسحاق البصريّ، ثقة [٩].
стр. 10342
وثقه يعقوب بن شيبة، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والنسائيّ، ومحمد بن سعد. وقال النسائيّ أيضًا: ليس به بأس. وقال المرّوذيّ، عن أحمد: لم يكن به بأس. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: كان يحفظ حديثه. وقال ابن سعد: مات بالبصرة سنة (٢١١) روى له الجماعة، سوى البخاريّ، وابن ماجه، وله عند المصنف في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث: هذا، و ١٩٣٥ حديث. "لا تذكروا هلكاكم إلا بخير"، و٢٨٤٠ حديث: "تزوج ميمونة، وهو محرم".
٣ - (وهيب) بن خالد الباهليّ مولاهم البصريّ، ثقة ثبت تغير قليلا في الآخر [٧] ٢١/ ٤٢٧.
٤ - (منصوو ابن صفيّة) هو ابن عبد الرحمن الحَجَبيّ المكّيّ، نُسب إلى أمه، ثقة [٥] ١٥٩/ ٢٥١.
٥ - (صفية بنت شيبة) بن عثمان بن أبي طلحة العبدريّة، اختلف في صحبتها ١٥٩/ ٢٥١.
٦ - (عائشة) ﵂ ٥/ ٥.
وقوله: "هلكاكم" كموتاكم وزنًا ومعنى، ووقع في النسخة "الهندية"، و"الكبرى" بلفظ "موتاكم"، واللَّه تعالى أعلم.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث عائشة ﵂ هذا صحيح، وهو من أفراد المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا-٤/ ١٨٢٧ - و"الكبرى" ٤/ ١٩٥٣ واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٥ - بَابُ عَلَامَةِ مَوْتِ الْمُؤْمِنِ
١٨٢٨ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, عَنِ الْمُثَنَّى بْنِ سَعِيدٍ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ, عَنْ أَبِيهِ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَوْتُ الْمُؤْمِنِ, بِعَرَقِ الْجَبِينِ».
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (المثنّى بن سعيد) الضُّبَعيّ -بضم المعجمة، وفتح الموحدة- أبو سعيد البصريّ القَسّام الذّرّاع القصير، ثقة [٦].
стр. 10343
وثقه أحمد، وابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وأبو داود، والعجلي. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، قال: وكان يخطىء. روى له الجماعة، وله عند المصنف في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط.
٢ - (قتادة) بن دعامة السدوسي البصري، ثقة ثبت مدلس [٤] ٣٠/ ٣٤.
٣ - (عبد اللَّه بن بريدة) بن الحُصيب الأسلميّ المروزيّ، ثقة [٣] ٢٥/ ٣٩٣.
٤ - (أبوه) بُريدة بن الحصيب الأسلميّ، أبو سهل الصحابي المشهور، أسلم ﵁ قبل بدر ﵁، ثم نزل مرو مات سنة (٦٣) ١٠١/ ١٣٣ وشيخ المصنف، ويحيى القطان تقدما قريبا. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف، وأن رجاله كلهم رجال الصحيح، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعي، ورواية الابن، عن أبيه. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (مَوتُ الْمُؤْمِنِ، بِعَرَقِ الْجَبِينِ) "العَرَق"-بفتحتين-: ما جَرَى من أصول الشَّعَر، من ماء الجِلْد، اسم جنس، لا يجمع. قاله في "اللسان". و"الجَبِين"-بفتح، فكسر- ناحية الجَبْهَة، من مُحاذاة النَّزَعَة (١) إلى الصُّدْغ، وهما جبينان عن يمين الجبهة، وشمالها، قاله الأزهريّ، وابن فارس، وغيرهما، فتكون الجبهة بين جَبِينين، وجمعه جُبُن -بضمتين، مثل بَرِيد وبُرُد، وأَجْبِنة، مثلُ أسلحة. قاله في "المصباح".
قال الحاَفظ العراقي -رحمه اللَّه تعالى- في "شرح الترمذيّ": اختُلف في معنى هذا الحديث، فقيل: إن عَرَقَ الجبين يكون لما يعالج من شدّة الموت، وعليه يدلّ حديث ابن مسعود ﵁، قال أبو عبد اللَّه القرطبيّ: وفي حديث ابن مسعود: "موت المؤمن بعرق الجبين، يبقى عليه البقيّة من الذنوب، فيجازَى بها عند الموت، أو يُشدّد ليتمحّص عنه ذنوبه". هكذا ذكره في "التذكرة"، ولم ينسبه إلى من خرّجه من أهل الحديث.
وقيل: إن عرق الجبين يكون من الحياء، وذلك أن المؤمن إذا جاءته البشرى، مع ما كان قد اقترف من الذنوب، حصل له بذلك خَجَل، واستحياءٌ من اللَّه تعالى، فيَعْرَق بذلك جبينه. قال القرطبيّ في "التذكرة": قال بعض العلماء: إنما يَعرَق جبينه حياءً من ربّه، لما اقترف من مخالفته، لأن ما سفل منه قد مات، وإنما بقيت قوى الحياة،
стр. 10344
وحركاتها فيما علاه، والحياء في العينين، فذاك وقت الحياء، والكافر في عَمًى من هذا كله، والْمُوَحِّد المعذّب في شغل عن هذا بالعذاب الذي قد حلّ به، وإنما العرق الذي يظهر لمن حلّت به الرحمة، فإنه ليس من وليّ، ولا صِدِّيق، ولا بَرّ، إلا وهو مُستَحٍ من ربه مع البشرى، والتُّحَف، والكرامات.
قال العراقيّ: ويحتمل أن عَرَق الجبين علامة جُعلت لموت المؤمن، وإن لم يُعَقل معناه انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن الاحتمال الأخير الذي ذكره العراقيّ ﵀ هو الظاهر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث.
المسألة الأولى: في درجته: حديث بريدة بن الحصيب ﵁ هذا صحيح.
فإن قلت: قتادة مدلّس، ولم يصرّح بالسماع من ابن بريدة، وقال الإمام الترمذيّ ﵀: قال بعض أهل الحديث: لا نعرف لقتادة سماعا من عبد اللَّه بن بريدة، وأيضا تكلّم بعضهم في سماع عبد اللَّه بن بريدة من أبيه، فكيف يصحّ؟
أجيب: بأن قتادة لم ينفرد به، بل رواه معه كهمس بن الحسن، كما في الإسناد التالي، وأما سماع عبد اللَّه من أبيه، فالجمهور على صحته، وقد أخرج الشيخان له من روايته عن أبيه، وكفى بذلك صحّةً. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥/ ١٨٢٨ - و ١٨٢٩ و"الكبرى" ٥/ ١٩٥٤ و١٩٥٥ وأخرجه (ت) ٩٨٢ (ق) ١٤٥٢ (أحمد) ٥/ ٣٥٠ و ٣٥٧ و ٣٦٠. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٨٢٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ, قَالَ: حَدَّثَنَا كَهْمَسٌ, عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَقُولُ: «الْمُؤْمِنُ يَمُوتُ, بِعَرَقِ الْجَبِينِ».
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (محمد بن معمر) بن رِبعيّ القيسيّ، أبو عبد اللَّه البصريّ المعروف بالبحرانيّ، صدوق، من كبار [١١] ٢/ ١٣٧٠.
стр. 10345
قال أبو داود: ليس به بأس، صدوق. وقال النسائيّ: ثقة، وقال مرّة: لا بأس به. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال البزار: كان من خيار عباد اللَّه. وقال الخطيب: ثقة. وقال مسلمة: لا بأس به. وقال أبو عروبة: كبير، من أهل الصناعة. وذكره ابن حيان في "الثقات"، وقال: مات بعد (٢٥٠).
وهو أحد مشايخ الأئمة الستة الذين رووا عنهم بغير واسطة، وهم تسعة، وقد تقدّموا غير مرّة. وله عند المصنف عشرون حديثًا.
٢ - (وسف بن يعقوب) بن أبي القاسم السَّدُوسيّ مولاهم، أبو يعقوب السِّلْعِيّ (١) البصريّ الضُّبَعيّ، كان ينزل في بني ضُبَيعة، صدوق [٩].
قال الأثرم عن أحمد: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق صالح الحديث. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، مات سنة (٢٠١) روى له البخاريّ، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه.
٣ - (كهمس) بن الحسن التميميّ، أبو الحسن البصريّ، ثقة [٥] ٣٩/ ٦٨.
و"ابن بريدة": هو عبد اللَّه المذكور في السند الماضي، كما بينه المصنف في "الكبرى"، ولفظه: "عن ابن بُريدة"، وهو عبد اللَّه انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٦ - شِدّةُ الْمَوْتِ
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أراد المصنف -رحمه اللَّه تعالى- بهذه الترجمة بيان فضل شدة الموت؛ لأن النبي ﷺ مع كمال رتبته اشتدّ عليه، فلولا رفعة فضله، وعظيم ثوابه لما ابتلى اللَّه تعالى به حبيبه الأكرم، وخليله الأعظم، ﷺ ,واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
١٨٣٠ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ, قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ, قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ الْهَادِ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَائِشَةَ,
стр. 10346
قَالَتْ: "مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , وَإِنَّهُ لَبَيْنَ حَاقِنَتِي, وَذَاقِنَتِي, فَلَا أَكْرَهُ شِدَّةَ الْمَوْتِ لأَحَدٍ أَبَدًا, بَعْدَ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ".
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عمرو بن منصور) النسائيّ، الثقة الثبت [١١] ١٠٨/ ١٤٧.
٢ - (عبد اللَّه بن يوسف) التنّيسيّ ثقة متقن، من كبار [١٠] ١٧/ ١٥٤٠.
٣ - (الليث) بن سعد الإمام المصريّ الحافظ الحجة الثبت [٧] ٣١/ ٣٥.
٤ - (ابن الهاد) يزيد بن عبد اللَّه بن أسامة بن الهاد الليثيّ المدنيّ، ثقة مكثر [٥] ٧٣/ ٩٠.
٥ - (عبد الرحمن بن القاسم) بن محمد بن أبي بكر التيميّ الثبت الفاضل الحجة المدنيّ [٦] ١٢٠/ ١٦٦.
٦ - (أبوه) هو: القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي المدنيّ الثبت الفاضل أحد الفقهاء السبعة [٣] ١٢٠/ ١٦٦.
٧ - (عائشة) ﵂ ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وفيه رواية كبير عن صغير، فإن ابن الهاد من الطبقة الخامسة، وعبد الرحمن من السادسة، وفيه أحد الفقهاء السبعة، وهو القاسم بن محمد بن أبي بكر، وفيه رواية الابن عن أبيه، عن عمته، وفيه عائشة - رضي اللَّه تعالى - عنها من المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) ﵂، أنها (قَالَتْ: "مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَإِنَّهُ) الواو للحال، أي والحال أنه ﷺ (لَبَيْنَ حَاقِنَتي، وَذَاقِنَتِي) وفي رواية للبخاريّ من هذا الوجه: "مات ورأسه بين حاقنتي وذاقنتي"، وفي رواية له منِ طريق ذَكْوَان، عنها: "توفّي في بيتي، وفي يومي، وبين سَحْري، ونَحْري، وإن اللَّه جمع بين ريقي وريقه (١) عند موته في آخر يوم من الدنيا". و"الحاقنة" -بالمهملة والقاف-: ما سفل من الذَّقَن، و"الذاقنة": ما علا منه، أو "الحاقنة": نُقْرَة التَّرْقُوة، وهما حاقنتان، ويقال: إن الحاقنة: المطمئنّ من الترقوة والحلق. وقيل: ما دون الترقوة من الصدر. وقيل: هى تحت السرّة. وقال ثابت: الذاقنة طرف الحلقوم.
стр. 10347
و"السَّحْر"- بفتح المهملة، وسكون الحاء المهملة-: هو الصدر، وهو في الأصل الرِّئة.
و"النَّحْر"- بفتح النون، وسكون المهملة، والمراد به موضع النحر. وأغرب الداوديّ، فقال: هو ما بين الثديين.
والحاصل أن ما بين الحاقنة والذاقنة هو ما بين السحر والنحر. والمراد أنه ﷺ مات ورأسه بين حَنَكها وصدرها ﵂. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وهذا لا يغاير حديثها أنه كان على فخذها، لأنه محمول على أنها رفعته من فخذها إلى صدرها.
قال: وهذا الحديث يعارضه ما أخرجه الحاكم، وابنُ سعد من طُرُق: "أن النبي ﷺ مات، ورأسه في حجر عليّ"، وكلّ طريق منها لا يخلو من شيعيّ، فلا يُلتفت إليهم. قال: وقد رأيت بيان حال الأحاديث التي أشرت إليها دفعًا لتوهم التعصّب. قال ابن سعد: "ذِكْرُ من قال: توفّي في حجر عليّ"، وساق من حديث جابر ﵁: سأل كعبُ الأحبار عليًا ما كان آخر ما تكلّم به ﷺ ؟ فقال: أسندته إلى صدري، فوضع رأسه على منكبي، فقال: "الصلاة الصلاة"، فقال كعب: كذلك آخر عهد الأنبياء. وفي سنده الواقديّ، وحرام (١) بن عثمان، وهما متروكان. وعن الواقديّ، عن عبد اللَّه بن محمد بن عمر بن عليّ، عن أبيه، عن جدّه، قال: قال رسول اللَّه ﷺ في مرضه: "ادعوا لي أخي"، فدُعي له عليّ، فقال: "ادن منّي"، قال: فلم يزل مستندًا إليّ، وإنه ليكلّمني حتى نزل به، وثقل في حجري، فصِحتُ يا عباس أدركني إني هالك، فجاء العباس، فكان جهدهما جميعًا أن أضجعاه". فيه انقطاع مع الواقديّ، وعبد اللَّه فيه لين.
وبه، عن أبيه، عن علي بن الحسين: "قُبض، ورأسه في حجر علي". فيه انقطاع. وعن الواقديّ، عن أبي الحويرث، عن أبيه، عن الشعبيّ: "مات ورأسه في حجر عليّ". فيه الواقديّ، والانقطاع، وأبو الحويرث اسمه عبد الرحمن بن معاوية بن الحارث المدنيّ، قال مالك: ليس بثقة، وأبوه لا يعرف حاله.
وعن الواقديّ، عن سليمان بن داود بن الحصين، عن أبيه، عن أبي غَطَفَان: سألت ابن عباس؟ قال: توفي رسول اللَّه ﷺ ، وهو إلى صدر عليّ، قال: فقلت: فإن عروة حدثني عن عائشة، قالت: توفي النبي ﷺ بين سحري ونحري، فقال ابن عباس: لقد توفّي، وإنه لمستند إلى صدر عليّ، وهو الذي غسله، وأخي الفضل، وأَبَى أبي أن
стр. 10348
يحضر. فيه الواقديّ، وسليمان لا يُعرف حاله، وأبو غطفان -بفتح المعجمة، ثم المهملة- اسمه سعد، وهو مشهور بكنيته، وثقه النسائيّ.
وأخرج الحاكم في "الإكليل" من طريق حبّة العَدَنيّ، عن عليّ: أسندته إلى صدري، فسألت نفسه. وحبة ضعيف. ومن حديث أم سلمة، قالت: علي آخرهم عهدًا برسول اللَّه ﷺ . والحديث عن عائشة أثبت من هذا، ولعلها أرادت آخر الرجال به عهدًا. ويمكن الجمع بأن يكون عليّ آخرهم عهدا به، وأنه لم يفارقه حتى مال، فلما مال ظنّ أنه مات، ثم أفاق بعد أن توجه، فأسندته عائشة بعده إلى صدرها، فقبض.
ووقع عند أحمد من طريق يزيد بن بابنوس -بموحدتين بينهما ألف غير مهموز، وبعد الثانية المفتوحة نون مضمومة، ثم واو ساكنة، ثم سين مهملة- في أثناء حديث عائشة ﵂: "فبينما رأسه ذات يوم على منكبي، إذ مال رأسه نحوَ رأسي، فظننت أنه يريد من رأسي حاجة، فخرجَت من فيه نقطة باردة، فوقعت على ثُغْرَة (١) نحري، فاقشعرّ لها جلدي، وظننت أنه غُشي عليه، فسجّيته ثوبًا" انتهى (٢).
(فَلَا أَكْرَهُ شِدَةَ المَوْتِ لِأَحَدٍ أَبَدًا) أي لأنه سبب لتكفير الذنوب، ومضاعفة الأجر، وليس عقابا، حيث إن رسول اللَّه ﷺ اشتدّ عليه، وهو محض مضاعفة الأجر له، فقد أخرج أبو يعلى من حديث أبي سعيد: "إنا معاشر الأنبياء يضاعف لنا البلاء كما يضاعف لنا الأجر".
وفي "صحيح البخاريّ" من حديث ابن مسعود ﵁ قال أتيت النبيّ ﷺ ، وهو يُوعَك وَعْكًا (٣) شديدًا، وقلت: إنك تُوعك وَعْكًا شديدًا، قلت: إنِّ ذاك بأن لك أجرين؟ قال: "أجلْ" … الحديث. وأخرج الدارميّ، والنسائي في "الكبرى"، وابن ماجه، وصححه الترمذيّ، وابن حبّان، والحاكم، كلهم من طريق عاصم بن بَهْدَلَة، عن مصعب بن سعد بن أبي وقّاص، عن أبيه، قال: قلت: يا رسول اللَّه، أيّ الناس أشدّ بلاء؟ قال: "الأنبياء، ثم الأمثل، فالأمثلُ، يُبتلى الرجلُ على حسب دينه … " الحديث، وفيه: "حتى يمشي على الأرض، وما عليه خطيئة".
(بَعْدَ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) أي بعد ما شاهدت من شدة الموت على رسول اللَّه ﷺ ، وقد بُيِّنَت الشدةُ المذكورة في رواية البخاريّ، ولفظه: من طريق عُمر بن سعيد، عن ابن أبي مليكة أن أبا عمرو ذكوان، مولى عائشة أخبره، أن عائشة، كانت تقول: إن
стр. 10349
من نعم اللَّه عليّ، أن رسول اللَّه ﷺ تُوُفي في بيتي، وفي يومي، وبين سحري ونحري، وأن اللَّه جمع بين ريقي وريقه عند موته، دخل عليّ عبد الرحمن، وبيده السواك، وأنا مسندة رسول اللَّه ﷺ ، فرأيته ينظر إليه، وعرفت أنه يحب السواك، فقلت: آخذه لك؟ فأشار برأسه أن نعم، فتناولته، فاشتد عليه، وقلت: أُلَيِّنُه لك؟ فأشار برأسه أن نعم، فلينته، فأمرّه، وبين يديه ركوة أو عُلْبة -يشك عمر- فيها ماء، فجعل يُدخل يديه في الماء، فيمسح بهما وجهه، يقول: "لا إله إلا اللَّه، إن للموت سكرات"، ثم نصب يده، فجعل يقول: "في الرفيق الأعلى" حتى قبض، ومالت يده". انتهى (١).
وعند أحمد، والترمذي، وغيرهما من طريق القاسم، عن عائشة؟، قالت: رأيته وعنده قَدَحٌ فيه ماء، وهو يموت، فيدخل يده في القدح، ثم يمسح وجهه بالماء، ثم يقول: "اللَّهم أعني على سكرات الموت". انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة ﵂ هذا أخرجه البخاري.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٦/ ١٨٣٠ - و"الكبرى" ٦/ ١٩٥٦ وأخرجه (خ) ٤٤٤٦ و (أحمد) ٢٣٨٣٣ و ٢٣٩٦١. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان فضل شدّة الموت. ومنها: عِظَمُ منزلة النبي ﷺ عند ربه حيث ضاعف له الأجر بشدة المرض. ومنها: أن شدة البلاء تكون بقدر رفعة منزلة العبد عند اللَّه تعالى، فأشد الناس بلاءً الأنبياءُ، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم. ومنها: فضل عائشة ﵂، حيث خصّها اللَّه تعالى بأن مات النبي ﷺ في بيتها، وفي يومها، وبين سَحْرِها ونَحْرها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
стр. 10350
٧ - الْمَوْتُ يَوْمَ الاثْنَيْنِ
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -. أراد المصنف -رحمه اللَّه تعالى- بهذه الترجمة بيان فضل الموت في يوم الاثنين، لكون اللَّه تعالى اختاره لحبيبه وخليله ﷺ ، ولا يختار له إلا الأفضل. قال الزين ابن المنيّر -رحمه اللَّه تعالى- عند قول البخاري ﵀: "باب موت يوم الاثنين". ما نصه: تعيين وقت الموت ليس لأحد فيه اختيار، لكن في التسبب في حصوله مَدخَل، كالرغبة إلى اللَّه لقصد التبرّك، فمن لم يحصل له الإجابة أثيب على اعتقاده، وكأن الخبر الذي ورد في فضل الموت يوم الجمعة لم يصحّ عند البخاريّ، فاقتصر على ما وافق شرطه، وأشار إلى ترجيحه على غيره.
قال الحافظ ﵀: والحديث الذي أشار إليه أخرجه الترمذيّ من حديث عبد اللَّه ابن عمرو ﵁، مرفوعًا. "ما من مسلم يموت يوم الجمعة، أو ليلة الجمعة، إلا وقاه اللَّه فتنة القبر". وفي إسناده ضعف، وأخرج أبو يعلى من حديث أنس ﵁ نحوه، وإسناده أضعف انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
١٨٣١ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ أَنَسٍ, قَالَ: آخِرُ نَظْرَةٍ نَظَرْتُهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , كَشَفَ السِّتَارَةَ, وَالنَّاسُ صُفُوفٌ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ ﵁, فَأَرَادَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَرْتَدَّ, فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ, أَنِ امْكُثُوا, وَأَلْقَى السِّجْفَ, وَتُوُفِّيَ مِنْ آخِرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ, وَذَلِكَ يَوْمُ الاِثْنَيْنِ.
رجال هذا الإسناد: أربعة:
و"سفيان". هو ابن عيينة الإمام الحافظ الحجة الثبت [٨] ١/ ١. والباقون تقدموا قريبا. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من رباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (١٠٨) من رباعيات الكتاب، وهو أعلى الأسانيد له، كما تقدم غير مرة. (ومنها): أن أنسًا ﵁ أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة ﵁ بالبصرة، مات سنة (٩٢) أو (٩٣). واللَّه تعالى أعلم.
стр. 10351
شرح الحديث
(عَنْ أَنَسٍ) ﵁، أنه (قَالَ: آخِرُ نَظرَةٍ نَظَرْتُهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، كَشْفُ السِّتَارَةِ) أي كانت عند كشف الستارة، وبسببه حتى كأنها نفس كشف الستارة. قاله السندي: فقوله: "آخر نظرة" مبتدأ، وقوله: "كشف الستارة" خبره على التأويل المذكور. وإضافة "كشف" إلى "الستارة" من إضافة المصدر إلى مفعوله. ويحتمل أن يكون "كَشَفَ" بصيغة الماضي، ويُؤَيِّدُهُ قوله: "وألقى السَّجْف". وعلى هذا يكون خبر المبتدإ محذوفًا: أي عند كشف الستارة، وجملة "كشف الستارة" مستأنفة بَيَّنَ بها ما وقع في تلك الحالة. و"الستارة" بالكسر: ما يُستر به، كالسُّتْرة، والْمِسْتَر، والإسْتَارة، جمعه سَتَائر، قال: وبلا هاء: السِّتْرُ، جمعه سُتُر. انتهى قاله في "ق".
(وَالنَّاسُ صُفُوفٌ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ ﵁) جملة في محل نصب على الحال (فأَرَادَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَرْتَدَّ) أي يرجع عن مقامه إلى مقام المأمومين لظنه أنه ﷺ يخرج إليهم، فيصلي بهم.
ففي رواية البخاري من طريق شعيب، عن الزهريّ، قال: أخبرني أنس بن مالك الأنصاري وكان تَبعَ النبي ﷺ ، وخَدَمَه، وصحبه أن أبا بكر كان يصلي لهم، في وجع النبي ﷺ الذي توفي فيه، حتى إذا كان يوم الاثنين، وهم صفوف في الصلاة، فكشف النبي ﷺ ، سِتر الحجرة ينظر إلينا، وهو قائم، كأن وجهه ورقة مصحف، ثم تبسم يضحك، فهممنا أن نفتتن، من الفرح برؤية النبي ﷺ ، فنكص أبو بكر على عقبيه،
لِيَصِلَ الصف، وظن أن النبي ﷺ خارج إلى الصلاة، فأشار إلينا النبي ﷺ ، أن أتموا صلاتكم، وأرخى الستر، فتوفي من يومه.
(فَأَشَارَ) أي النبي ﷺ (إِلَيْهِمْ أَنِ امْكُثُوا) أي اثبُتُوا على ما أنتم عليه، قال الفيّوميّ -رحمه اللَّه تعالى-: مَكَثَ مَكْثًا، من باب قَتَل: أقام، وتلبّثَ، فهو ماكثٌ، ومَكُثَ مُكْثًا، فهو مَكِيث، مثل قَرُبَ قُرْبًا، فهو قريب لغةٌ، وقرأ السبعةُ ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ باللغتين، ويتعدّى بالهمزة، فيقال: أمكثه، وتمكّث في أمره: إذا لم يَعجَل فيه انتهى.
(وَأَلْقَى السَّجْفَ) قال المجد اللغويّ -رحمه اللَّه تعالى-: "السَّجف" -أي بالفتح- ويكسر، وككتاب: السِّتْر، جمعه سُجُوف، وأَسْجَاف، أو السَّجْف: السِّتْرَان المقرونان، بينهما فُرْجة، أو كلُّ باب سُتِرَ بسِتْرين مقرونين، فكلّ شقّ سَجْفٌ، وسِجَاف. انتهى.
(وَتُوُفِّيَ مِنْ آخِرِ ذَلِكَ الْيَومِ) "من" بمعنى "في"، أي في آخر اليوم الذي وقع فيه ما ذُكر، من كشف الستارة، وغيره. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: قوله: "وتوفي من آخر ذلك اليوم" يخدش في جزم ابن إسحاق بأنه مات حين اشتدّ الضحى، ويُجمع بينهما بأن إطلاق الآخر بمعنى ابتداء الدخول في أول النصف الثاني من النهار، وذلك عند الزوال، واشتداد الضحى يقع قبل الزوال، ويستمرّ حتى يتحقّق زوال الشمس. وقد
стр. 10352
جزم موسى بن عقبة، عن ابن شهاب بأنه ﷺ مات حين زاغت الشمس، وكذا لأبي الأسود، عن عروة، فهذا يؤيد الجمع الذي أشرت إليه انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لا يخفى كون الجمع المذكور تكلفًا، وتعسفًا، بل الترجيح أولى، فما في "الصحيح" هو المعتمد.
والحاصل أن موته ﷺ في أخر يوم الاثنين هو الصواب. واللَّه تعالى أعلم.
(وَذَلِكَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ) يحتمل رفع "يوم" على أنه خبر لاسم الإشارة، واسم الإشارة راجع إلى اليوم، أي ذلك اليوم يومُ الاثنين، ويحتمل نصبه على الظرفية، والإشارة إلى ما ذُكر من الكشف وغيره، أي ما ذُكر مما وقع للنبي ﷺ واقع في يوم الاثنين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٧/ ١٨٣١ و"الكبرى" ٧/ ١٩٥٧ وأخرجه، (خ) ٦٨٠ و ٦٨١ و ٧٥٤ و ١٢٠٦ و ٤٤٤٨ (م) ٤١٩ (ت) في "الشمائل" ٣٨٥، (ق) ١٦٢٤، (الحميدي) ١١٨٨، (أحمد) ١١٦٦٢ و ١٢٢٥٥ و ١٢٦١٦، (ابن خزيمة) ١٦٥٠. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان فضل الموت يوم الاثنين، حيث اختاره اللَّه تعالى لنبيه ﷺ . ومنها: جواز استعمال الستارة على الأبواب، ونحوها للحاجة. ومنها: فضل أبي بكر ﵁، حيث اختاره النبي ﷺ للإمامة في مرض موته، ولذا احتجّ الصحابة ﵃ بذلك على استحقاقه الإمامةَ الكبرى، فبايعوه على الخلافة. ومنها: أن الأصحّ أن اليوم الذي مات فيه النبي ﷺ هو يوم الاثنين، وفيه أقوال، ستأتي في المسألة التالية إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: في ذكر ما يتعلّق بمرض النبي ﷺ ، ووفاته، وأقوالِ أهل العلم في ذلك: ذكر الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- في "الفتح" في أواخر "كتاب المغازي"، فقال: ما حاصله: وأما ابتداء مرضه ﷺ ، فكان في بيت ميمونة ﵂، ووقع في "السيرة لأبي معشر" أنه في بيت زينب بنت جحش، وفي "السيرة لسليمان التيميّ" في بيت رَيحانة، قال الحافظ ﵀: والأول هو المعتمد. وذكر الخطابي أنه ابتدأه يوم الاثنين، وقيل: يوم السبت، وقال الحاكم أبو أحمد: يوم الأربعاء.
стр. 10353
واختُلف في مدة مرضه، فالأكثرون على أنها ثلاثة عشر يومًا، وقيل: بزيادة يوم، وقيل: بنقصه، والقولان في "الروضة"، وصدر بالثاني، وقيل: عشرة أيام، وبه جزم سليمان التيميّ في مغازيه، وأخرجه البيهقيّ بإسناد صحيح.
وكانت وفاته يوم الاثنين بلا خلاف، من ربيع الأول، وكاد يكون إجماعًا، لكن في حديث ابن مسعود ﵁ عند البزّار في حادي عشر رمضان، ثم عند ابن إسحاق: والجمهور أنها في الثاني عشر منه، وعند موسى بن عقبة، والليث، والخوارزميّ، وابن زبر: مات لهلال ربيع الأول، وعند أبي مِخْنَف، والكلبيّ في ثانيه، ورجّحه السهيليّ، وعلى القولين يتنزّل ما نقله الرافعيّ أنه عاش بعد حجته ثمانين يومًا، وقيل: أحدًا وثمانين، وأما على ما جزم به في "الروضة"، فيكون عاش بعد حجته تسعين يومًا، أو أحدا وتسعين.
وقد استشكل ذلك السهيليّ، ومن تبعه -أعني كونه مات يوم الاثنين ثاني عشر شهر ربيع الأول- وذلك أنهم اتفقوا على أن ذا الحجة كان أوله يوم الخميس، فمهما فُرضت الشهور الثلاثة توامّ، أو نواقص، أو بعضها لم يصحّ، وهو ظاهر لمن تأمّله.
وأجاب البارزي، ثم ابن كثير باحتمال وقوع الأشهر الثلاثة كوامل، وكان أهل مكة والمدينة اختلفوا في رؤية هلال ذي الحجة، فرآه أهل مكة ليلة الخميس، ولم يره أهل المدينة إلا ليلة الجمعة، فحصلت الوقفة برؤية أهل مكة، ثم رجعوا إلى المدينة، فأرخوا برؤية أهلها، فكان أولُ ذي الحجة الجمعة، وآخره السبت، وأول المحرّم الأحد، وآخره الاثنين، وأول صفر الثلاثاء، وآخره الأربعاء، وأول ربيع الأول الخميس، فيكون ثاني عشره الاثنين.
قال الحافظ: وهذا الجواب بعيد من حيث إنه يلزم توالي أربعة أشهر كوامل، وقد جزم سليمان التيميّ أحد الثقات بأن ابتداء مرض النبي ﷺ كان يوم السبت الثاني والعشرين من صفر، ومات يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول، فعلى هذا كان صفر ناقصًا، ولا يمكن أن يكون أول صفر السبت إلا إن كان ذو الحجة والمحرّم ناقصين، فيلزم منه نقص ثلاثة أشهر متوالية. وأما على قول من قال: مات أول يوم من ربيع الأول، فيكون اثنان ناقصين، وواحد كاملاً، ولهذا رجحه السهيليّ.
وفي "المغازي لأبي معشر" عن محمد بن قيس، قال: اشتكى رسول اللَّه ﷺ يوم الأربعاء لإحدى عشرة مضت من صفر، وهذا موافق لقول سليمان التيميّ المقتضي لأن أول صفر كان السبت.
وأما ما رواه ابن سعد من طريق عمر بن عليّ بن أبي طالب، قال: اشتكى رسول اللَّه ﷺ يوم الأربعاء لليلة بقيت من صفر، فاشتكى ثلاث عشرة ليلة، ومات يوم الاثنين لاثنتي عشرة مضت من ربيع الأول، فيرد على هذا الإشكال المتقدّم، وكيف يصحّ أن
стр. 10354
يكون أول صفر الأحد، فيكون تاسع عشرينه الأربعاء؟ والغرض أن ذا الحجة أوله الخميس، فلو فُرض هو والمحرم كاملين لكان أول صفر الاثنين، فكيف يتأخر إلى يوم الأربعاء؟، فالمعتمد ما قال أبو مِخْنف (١)، وكأن سبب غلط غيره أنهم قالوا: مات في ثاني شهر ربيع الأول، فتغيرت، فصارت ثاني عشر، واستمرّ الوهم بذلك يتبع بعضهم بعضًا من غير تأمل. واللَّه أعلم.
وقد أجاب القاضي بدر الدين ابن جماعة بجواب آخر، فقال: يحمل قول الجمهور لاثنتي عشرة ليلة خلت، أي بأيامها، فيكون موته في اليوم الثالث عشر، ويفرض الشهور كوامل، فيصحّ قول الجمهور. ويعكر عليه ما يعكر على الذي قبله مع زيادة مخالفة اصطلاح أهل اللسان في قولهم: لاثنتي عشرة، فإنهم لا يفهمون منها إلا مضيّ الليالي، ويكون ما أرّخ بذلك واقعًا في اليوم الثاني عشر انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- (٢).
وقد عقد الحافظ أبو الفضل العراقيّ -رحمه اللَّه تعالى- في آخر "ألفية السيرة" بابًا أفرده لذكر مرض النبي ﷺ ووفاته، فقال:
"باب ذكر مرضه، ووفاته ﷺ "
مَرِضَ فِي العَشْرِ الأَخِيرِ مِن صَفَرْ … أَقَامَ فِي شَكْوَاهُ ذَاكَ اثْنَي عَشَرْ
أَوْ عَشْرًا اوْ أَقَامَ أَربَع عَشْرَهْ … أَوْ فَثَلَاثَ عَشْرَةٍ قَدْ ذَكَرَهْ
كَذَا ابْنُ عَبدِ الْبَرِّ فِي رَبِيعِ … فِي يَوْمِ الاثْنَينِ لَدَى الْجَمِيعِ
وَفَاتُهُ إِما بِثَانِي الشهرِ … أَو مُستَهَلٍّ أَوْ بِثَانِي عَشْرِ
وَهوَ الذَي أَوْ رَدَهُ الْجُمْهُورُ … لَكِنْ عَلَيْهِ نَظَرٌ كَبِيرُ
لأَن وَقْفَةَ الْوَدَاعِ الْجُمُعَهْ … فلَا يَصِحُّ كَوْنُهَا فِيهِ مَعَهْ
وَقِيلَ بَل فِي ثَامِن بِالْجَزْمِ … وَهْوَ الذِي صَححَهُ ابْنُ حَزْمِ
وَكَانَ ذَاكَ عِنْدَ مَا اشتَدَّ الضُّحَى … أَو حِينَ زَاغَ الشَّمْسُ خُلْفٌ صُرِّحَا
غَسَلَهُ عَلِيٍّ وَالعَبَّاسُ … وَقُثَمٌ وَالْفَضْلُ ثُمَّ نَاسُ
أُسَامَةٌ شُقْرَانُ يَصْبُبَانِ … الْمَا وَأَوسٌ حَاضِرُ الْمَكَانِ
وَقِيلَ كانَ يَنْقُلُ الْمَاءَ لَهُ … وَإِنَّ عَمَّهْ لَمْ يُشَاهِدْ غَسْلُهُ
صَلَّى عَلَيْهِ رَبُّنَا وَسَلَّمَا … وَصَاحِبَيْهِ نُعِّمَا وَأَنْعَمَا
هُمَا الضَّجِيعَانِ مِنَ الأَقْمَارِ … قَدْ جَاوَرَا فِي اللَّحْدِ خَيْرَ جَارِ
ثُمَّ عَلَى عُثمَانَ مَعْ عَليِّ … وَسَائِرِ الأَصْحَابِ وَالْوَلِيِّ
واللَّه أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٨ - المَوْت بِغَيْرِ مَوْلِدِهِ
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أراد المصنف -رحمه اللَّه تعالى- بهذه الترجمة بيان فضل الموت غريبًا عن وطنه، ومكان ولادته، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
١٨٣٢ - (أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي حُيَيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ (١) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو, قَالَ: مَاتَ رَجُلٌ بِالْمَدِينَةِ, مِمَّنْ وُلِدَ بِهَا, فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , ثُمَّ قَالَ: «يَا لَيْتَهُ مَاتَ بِغَيْرِ مَوْلِدِهِ». قَالُوا: وَلِمَ ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا مَاتَ بِغَيْرِ مَوْلِدِهِ, قِيسَ لَهُ مِنْ مَوْلِدِهِ, إِلَى مُنْقَطَعِ أَثَرِهِ فِي الْجَنَّةِ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يونس بن عبد الأعلى) أبو موسى الصَّدَفيّ المصريّ، ثقة، من صغار [١٠] ١/ ٤٤٩.
٢ - (ابن وهب) هو عبد اللَّه المصري الحافظ الثبت [٩] ٩/ ٩.
٣ - (حُيَيّ) -بضم أوله، ويائين من تحتُ الأولى مفتوحة- ابن عبد اللَّه بن شُريح المعافري الحُبُليّ، أبو عبد اللَّه المصريّ، صدوق يَهِم [٦].
قال أحمد: أحاديثه مناكير. وقال البخاري: فيه نظر. وقال النسائيّ: ليس بالقويّ.
وقال ابن معين: ليس به بأس. وقال ابن عديّ: أرجو أنه لا بأس به إذا روى عنه ثقة.
стр. 10357
وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن يونس: توفي سنة (١٤٣) روى له الأربعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديثان فقط: هذا، وفي "كتاب الاستعاذة" برقم ٥٤٧٧ و ٥٤٨٩ و٥٤٩٠ حديث: "اللَّهم إني أعوذ بك من غلبة الدين … " الحديث.
٤ - (أبو عبد الرحمن الحُبُليّ) عبد اللَّه بن يزيد المعافريّ المصريّ، ثقة ٦٠/ ١٣٠٣.
٥ - (عبد اللَّه بن عمرو) بن العاص ﵄ ٨٩/ ١١١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف. (ومنها): أنه مسلسل بثقات المصريين. ومنها: أن صحابيه أحد العبادلة الأربعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) ﵁، أنه (قَالَ: مَاتَ رَجُلٌ بِالمَدِينَةِ، مِمَّنْ وُلدَ بَها) ووقع في "الكبرى" "سنة وُلد بها" وهو تصحيف (فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: "يَا لَيْتَهُ مَاتَ بِغَيْرِ مَوْلِدِهِ) قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: لعله ﷺ لم يرد بذلك يا ليته مات بغير المدينة، بل أراد يا ليته كان غريبًا مهاجرًا بالمدينة، ومات بها، فإن الموت في غير مولده فيمن مات بالمدينة كما يتصوّر بأن يولد في المدينة، ويموت في غيرها كذلك يتصوّر بأن يولد في غير المدينة، ويموت بها، فليكن التمنّي راجعًا إلى هذا الشقّ، حتى لا يُخالف الحديث حديثَ فضل الموت بالمدينة المنوّرة انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لكن ظاهر الحديث ينافي التأويل المذكور، لأنه ﷺ تمنّى لرجل وُلد بالمدينة، ومات بها أن يموت غريبًا منها، فتأويله بأن يراد أن يولد بغير المدينة، ويموت بها بعيد، بل الأولى أن يقال: حديث فضل الموت بالمدينة أقوى منه، فيقدّم عليه، كما سيأتي الكلام عليه في المسألة الأولى قريبًا إن شاء اللَّه تعالى.
(قَالُوا: وَلِمَ ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟) أي لأيّ شيء تمنيت له الموت في غير مولده؟
(قَالَ: "إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا مَاتَ بغَيْرِ مَوْلِدِه، قِيسَ لَهُ) أي قُدِّر له (مِنْ مَوْلِدِهِ) أي محلّ ولادته (إلَى مُنْقَطَعِ أَثَرِهِ) "المُنقطعَ" بضم الميم، وفتح القاف، بصيغة اسم المفعول: وقت الانقطاع، ومحله، و"الأثر" بفتحتين: الأجل، سمي به لأنه يتبع العمر، قال زُهير [من البسيط]:
وَالْمَرْءُ مَا عَاشَ مَمْدُودٌ لَهُ أَمَلُ … لَا يَنْتَهِي الْعُمْرُ حَتَّى يَنْتَهِي الأَثَرُ
стр. 10358
قاله في "اللسان" أي إلى موضع محلّ قطع أجله، ذكره الطيبيّ. قال السنديّ: ويحتمل أن المراد إلى منتهى سفره، ومشيه (فِي الْجَنَّةِ) متعلق بـ "قيس"، وظاهره أنه يعطى له في الجنة هذا المقدار، لأجل موته غريبًا. وقيل: المراد أنه يُفسح له في قبره بهذا المقدار، لكن احتمال النصّ لهذا المعنى بعيد، فالاحتمال الأول هو الصواب.
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبد اللَّه بن عمرو ﵁ هذا ضعّفه المصنف، ونصه في "الكبرى": قال لنا أبو عبدالرحمن: حُيي بن عبد اللَّه ليس ممن يُعتمد عليه، وهذا الحديث عندنا غير محفوظ، واللَّه أعلم، لأن الصحيح عن النبيّ ﷺ : "من استطاع منكم أن يموت بالمدينة، فإني أشفع لمن مات بها" انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحديث الذي ذكره أخرجه أحمد، والترمذيّ، وابن ماجه بإسناد صحيح عن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من استطاع أن يموت بالمدينة، فليمت بها، فإني أشفع لمن يموت بها". قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه من حديث أيوب السختياني. انتهى. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٨/ ١٨٣٢ - و"الكبرى" ٨/ ١٩٥٨ وأخرجه (ق) ١٦١٤ (أحمد) ٦٦١٨. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
стр. 10359
٩ - بَابُ مَا يلْقَى بِهِ الْمُؤْمِنُ مِنَ الْكَرَامَةِ عِنْدَ خُرُوجِ نَفْسِهِ
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "باب" مضاف إلى "ما"، وهو اسم موصول، و"يُلقَى" بالبناء للمفعول، أي يُستَقبَلُ به، و"المؤمن" نائب الفاعل، و"من الكرامة" بيان لـ "ما". واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
١٨٣٣ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي, عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ قَسَامَةَ بْنِ زُهَيْرٍ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: "إِذَا حُضِرَ الْمُؤْمِنُ, أَتَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ بِحَرِيرَةٍ بَيْضَاءَ, فَيَقُولُونَ: اخْرُجِي رَاضِيَةً, مَرْضِيًّا عَنْكِ, إِلَى رَوْحِ اللَّهِ, وَرَيْحَانٍ, وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ, فَتَخْرُجُ كَأَطْيَبِ رِيحِ الْمِسْكِ, حَتَّى أَنَّهُ لَيُنَاوِلُهُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا, حَتَّى يَأْتُونَ بِهِ بَابَ السَّمَاءِ, فَيَقُولُونَ: مَا أَطْيَبَ هَذِهِ الرِّيحَ, الَّتِي جَاءَتْكُمْ مِنَ الأَرْضِ, فَيَأْتُونَ بِهِ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ, فَلَهُمْ أَشَدُّ فَرَحًا بِهِ, مِنْ أَحَدِكُمْ بِغَائِبِهِ, يَقْدَمُ عَلَيْهِ, فَيَسْأَلُونَهُ مَاذَا فَعَلَ فُلَانٌ؟ مَاذَا فَعَلَ فُلَانٌ؟ فَيَقُولُونَ: دَعُوهُ, فَإِنَّهُ كَانَ فِي غَمِّ الدُّنْيَا, فَإِذَا قَالَ: أَمَا أَتَاكُمْ, قَالُوا: ذُهِبَ بِهِ إِلَى أُمِّهِ الْهَاوِيَةِ. وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا احْتُضِرَ, أَتَتْهُ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ بِمِسْحٍ, فَيَقُولُونَ: اخْرُجِي سَاخِطَةً, مَسْخُوطًا عَلَيْكِ, إِلَى عَذَابِ اللَّهِ , فَتَخْرُجُ كَأَنْتَنِ رِيحِ جِيفَةٍ, حَتَّى يَأْتُونَ بِهِ بَابَ الأَرْضِ, فَيَقُولُونَ: مَا أَنْتَنَ هَذِهِ الرِّيحَ, حَتَّى يَأْتُونَ بِهِ أَرْوَاحَ الْكُفَّارِ".
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عبيد اللَّه بن سعيد) أبو قُدامة السرخسيّ، ثقة مأمون سنّي [١٠] ١٥/ ١٥.
٢ - (معاذ بن هشام) الدستوائيّ البصريّ، صدوق ربما وهم [٩] ٣٠/ ٣٤.
٣ - (أبوه) هشام بن أبي عبد اللَّه سَنبر الدستوائيّ البصريّ، ثقة ثبت، رمي بالقدر، من كبار [٧] ٣٠/ ٣٤.
٤ - (قتادة) بن دعامة السدوسي البصريّ الثقة الثبت [٤] ٣٠/ ٣٤.
٥ - (قُسامة بن زُهير) المازنيّ التميميّ البصري، ثقة [٣].
قال العجليّ: بصريّ تابعيّ ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء اللَّه، وتوفي في ولاية الحجاج على العراق. وذكره ابن حبّان في "الثقات" في التابعين. وذكر أبو موسى المدينيّ في "الذيل" أن ابن شاهين أورده في الصحابة، وساق له حديثًا، لكن في إسناده يزيد الرَّقَاشيّ، ولا تقوم به حجة. وذكره الهيثم بن عديّ، وخليفة بن خيّاط في
стр. 10360
تابعي أهل البصرة، وقالا: توفي بعد الثمانين.
وله عند أبي داود، والترمذي حديث أبي موسى في خلق آدم، وعند المصنّف حديث الباب فقط.
٦ - (أبو هريرة) ﵁ ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها). مسلسل بثقات البصريين، غير شيخه، فسرخسيّ، وأبي هريرة فمدنيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعيّ، والابن عن أبيه. ومنها: أن فيه أبا هريرة ﵁ رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا، وهو نقيب أهل الصُّفة ﵃ واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: إِذَا حُضِرَ الْمُؤْمِنْ) بالبناء للمفعول، أي حضره الموت، وفي رواية الحاكم: "إذا احتُضر"، وفي رواية ابن حبّان: "إذا قُبض" (أَتَتْهُ مَلَاِئكَةُ الرَّحْمَةِ بِحَرِيرَة بَيْضَاءَ) أي لتَلُفّ فيها روحه، وترفَعَهَا إلى السماء، ففي رواية أبي حاتم: "أن المؤمن إذا حضره الموت حضرته ملائكة الرحمة، فإذا قُبض جُعلت روحه في حريرة بيضاء، فيُنطَلَقُ بها إلى باب السماء … " (فَيَقُولُونَ) أي ملك الموت وأعوانه (اخْرُجِي) أي من جسدك الطيّب، والخطاب للنفس، فيستقيم هذا الخطاب مع عموم المؤمن للذكر والأنثى، وفيه دلالة على أن الروح جسم لطيف، يوصف بالدخول والخروج، والصعود، والنزول (رَاضِيَةً) أي عن اللَّه سابقًا، وبثواب اللَّه لا حقًا (مَرْضِيًّا عَنْكِ) بكسر الكاف على خطاب النفس، أي حال كون اللَّه تعالى راضيا عنكِ أوّلا وآخرًا (إِلَى رَوْح اللَّهِ) بفتح الواء، أي رحمته، أو راحة منه (وَرَيْحَانٍ) أي رزق، أو طيب، والتنوين للتعَظيم والتكثير (وَرَبِّ) أي وإلى لقاء ربّ (غَيْرِ غَضْبَانَ، فَتَخْرُج، كَأَطْيَبِ رِيحِ الْمِسْكِ) في محل نصب على الحال، أي حال كونه مثل أطيب ريح المسك، وقيل: صفة مصدر محذوف، أي خروجًا كخروج أطيب ريح المسك، يعني تخرج خروجًا مثل خروج أطيب ريح المسك (حَتَّى إنَّهُ) أي روح المؤمن، ولعل تذكيره باعتبار أنه شخص، أو شيء. واللَّه تعالى أعلم. وفي رواية الحاكم جـ١ ص٣٥٣ من طريق معمر، عن قتادة: "حتى إنهم"، والضمير للملائكة (لَيُنَاوِلُهُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا) أي يتداولونه، ويصعدون به من يد إلى يد تكريما وتعظيمًا، لا ضجرًا وتعبًا، وفي نسخة: "ليتناوله"، وعليه فيكون "بعضًا" منصوبا بنزع الخافض: أي من بعض (حَتَى يَأْتُونَ بِهِ) بإثبات نون الرفع بعد "حتى" على تأويله بحكاية الحال على حدّ: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ
стр. 10361
الرَّسُولُ﴾ في قراءة نافع بالرفع، وإنما ينصب المضارع بعد "حتى" بـ "أن" مضمرة وجوبا إذا كان مستقبلاً، كما قال ابن مالك في "الخلاصة":
وَبَعْدَ "حَتَّى" حَالاً أَوْ مُؤَوَّلاً … بِهِ ارْفَعَنَّ وَانْصِبِ الْمُسْتَقْبَلَا
وفي رواية الحاكم المذكورة: "يشمُّونه حتى يأتوا به … " (بَابَ السَّمَاءِ) أي إلى أن يأتوا به باب السماء، وفي رواية: "أبواب السماء"، أي بابا بعد باب، وهو غاية للمناولة (فَيَقُولُونَ) أي بعض ملائكة السماء لبعض على جهة التعجّب من غاية عظمة طيبه (مَا أَطْيَبَ هَذِهِ الرِّيحَ، الَّتِي جَاءَتْكُمْ مِنَ الأَرْضِ، فَيَأْتُونَ بِهِ) وفي نسخة: "ويأتون" بالواو، وفي رواية الحاكم المذكورة: "فكلما أتوا سماء قالوا ذلك حتى يأتوا به … " (أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ) منصوب بنزع الخافض، أي إلى مقرّ أرواحهم في علّيّين (فَلَهُمْ أشَدُّ فَرَحًا) الضمير للمؤمنين، أو لأرواحهم، قال الطيبيّ ﵀: اللام المفتوحة لام ابتداء مؤكدة، نحو قوله تعالى: ﴿لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ و"هم" مبتدأ، و"أشدّ" خبره، ولا يبعد أن تكون اللام جارّة، والتقدير: لهم فرحٌ هو أشدّ فرحًا على توصيف الفرح بكونه فرحًا على المجاز، فيكون الفرح فَرِحًا على سبيل المبالغة انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الوجه الثاني تكلّف، والأول هو الصحيح، ويؤيده رواية الحاكم بلفظ: "فلهم أفرح به … " (بِهِ) أي بقدومه (مِنْ أَحَدِكُمْ) أي من فرح أحدكم (بِغَائِبِهِ، يَقْدَمُ عَلَيْهِ) بفتح الدال، من باب تَعِبَ قدومًا، والجملة حال من "غائبه"، وفي رواية الحاكم: "إذا قدم عليه" (فَيَسْألُونَهُ) أي بعض أرواح المؤمنين (مَاذَا فَعَلَ فُلَانٌ؟) ببناء الفعل للفاعل، والمراد ما شأنه؟ وما حاله؟ (مَاذَا فَعَلَ فُلَانٌ؟) تأكيد للأول، أو المراد شخص آخر، وهو الأظهر (فَيَقُولُونَ) أي البعض الآخر من الأرواح (دَعُوهُ) أي اتركوه، زاد في رواية الحاكم: "حتى يستريح". قال الطيبيّ: أي يقول بعضهم لبعض دعوا القادم، فمنه حديث عهد بتعب الدنيا (فَإِنَّهُ) أي القادم (كَانَ فِي غَمِّ الدُّنْيَا) أي إلى الآن ما استراح من همها (فَإِذَا قَالَ) أي القادم في جواب السؤال الذي سألوه (أَمَا أَتَاكُمْ) وفي رواية: "فيقول: قد مات أما أتاكم؟ … " (قَالُوا: ذُهِبَ بِه) بالبناء للمفعول (إِلَى أُمِّهِ الْهَاوِيَةِ) أي إنه لم يلحق بنا، فقد ذُهِب به إلى النار، و"الهاوية" اسم من أسماء النار، كأنها النار العميقة، يهوى أهل النار فيها مهوى بعيدًا، وهي بدل، أو عطف بيان لـ"أمه"، وتسمية النار أمّا باعتبار أنها مأوى صاحبها كالأمّ مأوى الولد ومَفْزعه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾.
(وَإِنَّ الكَافِرَ إِذَا احْتُضِرَ) بالبناء للمفعول، وفي نسخة: "حُضر" (أَتَتْهُ مَلَاِئكَةُ الْعَذَابِ بِمِسْحٍ) بكسر الميم: كساء معروف، وقال النوويّ: هو ثوب من الشعر غليظ معروف
стр. 10362
(فَيَقُولُونَ: اخْرُجِي سَاخِطَةً) أي كارهة، غير راضية عن اللَّه حيّا وميتا (مَسْخُوطًا عَلَيْكِ) أي مغضوبا عليك (إِلَى عَذَاب اللَّهِ ) متعلّق بـ "اخرجي" (فَتَخْرُجُ كَأَنْتَنِ رِيحِ جِيفَةِ، حَتَّى يَأْتُونَ بِهِ) تقدم الكَلام على ثبوت نون الرفع قريبًا (بَابَ الْأَرْضِ) وفي رواية الحاكم: "إلى باب الأرض" (فَيَقُولُونَ) أي ملائكة الأرض (مَا أَنْتَنَ هَذِهِ الرِّيحَ، حَتَى يَأْتُونَ بهِ) وفي رواية الحاكم: "كلما أتوا على أرض قالوا ذلك، حتى يأتوا به … "، فيتعينَ أن تكون "حتى" غاية لقولهم ذلك (أَرْوَاحَ الْكُفَّارِ) أي ومحلها سجّين، كما قال اللَّه تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ [المطففين: ٧] قيل: هو كتاب جامع لأعمال الشياطين والكفرة، وقيل: هو مكان في أسفل الأرض السابعة، وهو محلّ إبليس وجنوده، أعاذنا اللَّه تعالى من عذاب جهنم بمنه وكرمه، إنه أرحم الراحمين، وأكرم المسؤولين.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد ساق الإمام أحمد وغيره هذا الحديث من حديث البراء بن عازب ﵄ بإسناد صحيح، مطولاً، أحببت إيراده هنا تتميمًا للفائدة، ونشرًا للعائدة، ونصّ "المسند" جـ٤ ص ٢٨٧ - ٢٨٨:
١٨٠٦٣ - حدثنا أبو معاوية، قال: حدثنا الأعمش، عن منهال بن عمرو، عن زاذان، عن البراء بن عازب، قال: خرجنا مع النبي ﷺ ، في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر، ولَمَّا يُلحَدْ، فجلس رسول اللَّه ﷺ ، وجلسنا حوله، وكان على رءوسنا الطير، وفي يده عود، ينكت في الأرض، فرفع رأسه، فقال: "استعيذوا باللَّه من عذاب القبر" مرتين أو ثلاثا، ثم قال: "إن العبد المؤمن، إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نَزَل إليه ملائكة من السماء، بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن، من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مَدَّ البصر، ثم يجيء ملك الموت ﵇، حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الطيبة، اخرجي إلى مغفرة من اللَّه ورضوان، قال: فتخرج تسيل، كما تسيل القطرة من في السقاء، فيأخذها، فإذا أخذها، لم يَدَعُوها في يده طرفة عين، حتى يأخذوها، فيجعلوها في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك، وُجِدَت على وجه الأرض، قال: فيَصعدُون بها، فلا يمرون، يعني بها على ملإ، من الملائكة، إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟ فيقولون: فلان ابن فلان بأحسن أسمائه، التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له، فيفتح لهم: فيُشَيِّعُهُ من كل سماء مقربوها، إلى السماء التي تليها، حتى ينتهى به إلى السماء السابعة، فيقول اللَّه : اكتبوا كتاب عبدي في عليين وأعيدوه إلى الأرض، فإني
стр. 10363
منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم، تارة أخرى، قال: فتعاد روحه في جسده، فيأتيه ملكان، فيجلسانه، فيقولان له: مَنْ ربُّك؟ فيقول: ربي اللَّه، فيقولان له: ما دينك؟، فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟، فيقول: هو رسول اللَّه ﷺ ، فيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتابَ اللَّه، فآمنت به، وصدقت، فينادي مناد في السماء، أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة، قال: فيأتيه من رَوْحها وطيبها، وُيفسَح له في قبره مَدَّ بصره، قال: ويأتيه رجل، حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يَسُرُّك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: مَنْ أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول: رب أقم الساعة، حتى أرجع إلى أهلي ومالي.
قال: وإن العبد الكافر، إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزل إليه
من السماء، ملائكة سود الوجوه، معهم المسوح، فيجلسون منه مَدَّ البصر، ثم يجيء ملك الموت، حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى سخط من اللَّه وغضب، قال: فتفرق في جسده، فينتزعها كما ينتزع السَّفُّود (١)، من الصوف
المبلول، فيأخذها، فإذا أخذها، لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها، كأنتن ريح جيفة، وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملئٍ من الملائكة، إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟ فيقولون: فلان ابن فلان بأقبح أسمائه، التي كان يسمى بها في الدنيا، حتى ينتهي به إلى السماء الدنيا، فيستفتح له، فلا يفتح له، ثم قرأ رسول اللَّه ﷺ ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ الآية [الأعراف: ٤٠]، فيقول اللَّه : اكتبوا كتابه في سجين، في الأرض السفلى، فتُطرَح روحه طرحا، ثم قرأ ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ الآية [الحجّ: ٣١]، فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان، فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري، فينادي مناد من السماء، أن كَذَب، فافرشوا له من النار، وافتحوا له بابا إلى النار، فيأتيه من حَرِّها وَسَمُومها، ويُضَيَّق عليه قبره، حتى تخَتَلف فيه أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، مُنتِن الريح،
стр. 10364
فيقول: أبشر بالذي يسوءك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالشر، فيقول: أنا عملك الخبيث، فيقول: رب لا تُقِم الساعةَ". انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا صحيح.
المسألة الثانية: هذا الحديث من أفراد المصنف، لم يخرجه من أصحاب الأصول غيره، أخرجه هنا-٩/ ١٨٣٣ و"الكبرى" ٩/ ١٩٥٩، وأخرجه ابن حبّان في صحيحه ٣٠١٤ والحاكم في "مستدركه" ١/ ٣٥٢ - ٣٥٣، وصححه، ووافقه الذهبيّ. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان ما يُلْقَى به المؤمن من الكرامة عند موته. ومنها: بيان كرامة المؤمن على اللَّه تعالى حيث يكرمه عند موته بهذه الكرامة العظيمة. ومنها: حضور ملائكة الرحمة عند المؤمن في حالة احتضاره، مبشرةً بهذه البشائر العظيمة، تشريفا له وتكريمًا، وهو معنى ما أشارت إليه الآية الكريمة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
ومنها: أن روح المؤمن تجتمع بأرواح المؤمنين، فيستبشرون بقدومه، ويسألونه عمن تركوه في الدنيا. ومنها: بيان ما يلقاه الكافر من الذلّ، والهوان عند خروج روحه، أعاذنا اللَّه تعالى من حال أهل النار، وأكرمنا بالفوز العظيم في دار القرار، إنه الرؤوف الرحيم العزيز الغفّار آمين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
стр. 10365
١٠ - فِيمَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ
١٨٣٤ - أَخْبَرَنَا هَنَّادٌ, عَنْ أَبِي زُبَيْدٍ (١) , وَهُوَ عَبْثَرُ بْنُ الْقَاسِمِ, عَنْ مُطَرِّفٍ, عَنْ عَامِرٍ, عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ, أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ, وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ, كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ». قَالَ شُرَيْحٌ: فَأَتَيْتُ عَائِشَةَ, فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ, سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ, يَذْكُرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثًا, إِنْ كَانَ كَذَلِكَ, فَقَدْ هَلَكْنَا, قَالَتْ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ, أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ, وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ, كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ». وَلَكِنْ لَيْسَ مِنَّا أَحَدٌ, إِلاَّ وَهُوَ يَكْرَهُ الْمَوْتَ, قَالَتْ: قَدْ قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , وَلَيْسَ بِالَّذِي تَذْهَبُ إِلَيْهِ, وَلَكِنْ إِذَا طَمَحَ الْبَصَرُ, وَحَشْرَجَ الصَّدْرُ, وَاقْشَعَرَّ الْجِلْدُ, فَعِنْدَ ذَلِكَ مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ, أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ, وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ.
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هناد) بن السريّ الكوفيّ، ثقة [١٠] ٢٣/ ٢٥.
٢ - (أبو زُبيد، عَبْثَر بن القاسم) الزبيدي الكوفيّ، ثقة [٨] ١٩٠/ ١١٦٤.
٣ - (مطرّف) بن طَريف الكوفيّ، ثقة فاضل، من صغار [٦] ٢/ ٣٢٧.
٤ - (عامر) بن شَراحيل الشعبيّ الكوفي الإمام الحجة [٣] ٦٦/ ٨٢.
٥ - (شُريح بن هانئ) أبو المقدام الكوفي المخضرم ثقة [٢] ٨/ ٨ واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف، وأنه مسلسل بالكوفيين، إلا الصحابي، وفيه رواية تابعي عن تابعي مخضرم. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ شُرَيحِ بْنِ هَانِئ) الحارثيّ الْمَذْحجيّ المخضرم الكوفيّ -رحمه اللَّه تعالى- (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَن أَحَب لِقَاءَ اللَّهِ") أي المصير إلى الدار الآخرة، بمعنى أن المؤمن عند الغرغرة يُبَشَّر برضوان اللَّه، فيكون موته أحبّ إليه