الرَّسُولُ﴾ في قراءة نافع بالرفع، وإنما ينصب المضارع بعد "حتى" بـ "أن" مضمرة وجوبا إذا كان مستقبلاً، كما قال ابن مالك في "الخلاصة":
وَبَعْدَ "حَتَّى" حَالاً أَوْ مُؤَوَّلاً … بِهِ ارْفَعَنَّ وَانْصِبِ الْمُسْتَقْبَلَا
وفي رواية الحاكم المذكورة: "يشمُّونه حتى يأتوا به … " (بَابَ السَّمَاءِ) أي إلى أن يأتوا به باب السماء، وفي رواية: "أبواب السماء"، أي بابا بعد باب، وهو غاية للمناولة (فَيَقُولُونَ) أي بعض ملائكة السماء لبعض على جهة التعجّب من غاية عظمة طيبه (مَا أَطْيَبَ هَذِهِ الرِّيحَ، الَّتِي جَاءَتْكُمْ مِنَ الأَرْضِ، فَيَأْتُونَ بِهِ) وفي نسخة: "ويأتون" بالواو، وفي رواية الحاكم المذكورة: "فكلما أتوا سماء قالوا ذلك حتى يأتوا به … " (أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ) منصوب بنزع الخافض، أي إلى مقرّ أرواحهم في علّيّين (فَلَهُمْ أشَدُّ فَرَحًا) الضمير للمؤمنين، أو لأرواحهم، قال الطيبيّ ﵀: اللام المفتوحة لام ابتداء مؤكدة، نحو قوله تعالى: ﴿لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ و"هم" مبتدأ، و"أشدّ" خبره، ولا يبعد أن تكون اللام جارّة، والتقدير: لهم فرحٌ هو أشدّ فرحًا على توصيف الفرح بكونه فرحًا على المجاز، فيكون الفرح فَرِحًا على سبيل المبالغة انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الوجه الثاني تكلّف، والأول هو الصحيح، ويؤيده رواية الحاكم بلفظ: "فلهم أفرح به … " (بِهِ) أي بقدومه (مِنْ أَحَدِكُمْ) أي من فرح أحدكم (بِغَائِبِهِ، يَقْدَمُ عَلَيْهِ) بفتح الدال، من باب تَعِبَ قدومًا، والجملة حال من "غائبه"، وفي رواية الحاكم: "إذا قدم عليه" (فَيَسْألُونَهُ) أي بعض أرواح المؤمنين (مَاذَا فَعَلَ فُلَانٌ؟) ببناء الفعل للفاعل، والمراد ما شأنه؟ وما حاله؟ (مَاذَا فَعَلَ فُلَانٌ؟) تأكيد للأول، أو المراد شخص آخر، وهو الأظهر (فَيَقُولُونَ) أي البعض الآخر من الأرواح (دَعُوهُ) أي اتركوه، زاد في رواية الحاكم: "حتى يستريح". قال الطيبيّ: أي يقول بعضهم لبعض دعوا القادم، فمنه حديث عهد بتعب الدنيا (فَإِنَّهُ) أي القادم (كَانَ فِي غَمِّ الدُّنْيَا) أي إلى الآن ما استراح من همها (فَإِذَا قَالَ) أي القادم في جواب السؤال الذي سألوه (أَمَا أَتَاكُمْ) وفي رواية: "فيقول: قد مات أما أتاكم؟ … " (قَالُوا: ذُهِبَ بِه) بالبناء للمفعول (إِلَى أُمِّهِ الْهَاوِيَةِ) أي إنه لم يلحق بنا، فقد ذُهِب به إلى النار، و"الهاوية" اسم من أسماء النار، كأنها النار العميقة، يهوى أهل النار فيها مهوى بعيدًا، وهي بدل، أو عطف بيان لـ"أمه"، وتسمية النار أمّا باعتبار أنها مأوى صاحبها كالأمّ مأوى الولد ومَفْزعه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾.
(وَإِنَّ الكَافِرَ إِذَا احْتُضِرَ) بالبناء للمفعول، وفي نسخة: "حُضر" (أَتَتْهُ مَلَاِئكَةُ الْعَذَابِ بِمِسْحٍ) بكسر الميم: كساء معروف، وقال النوويّ: هو ثوب من الشعر غليظ معروف
стр. 10362
(فَيَقُولُونَ: اخْرُجِي سَاخِطَةً) أي كارهة، غير راضية عن اللَّه حيّا وميتا (مَسْخُوطًا عَلَيْكِ) أي مغضوبا عليك (إِلَى عَذَاب اللَّهِ ) متعلّق بـ "اخرجي" (فَتَخْرُجُ كَأَنْتَنِ رِيحِ جِيفَةِ، حَتَّى يَأْتُونَ بِهِ) تقدم الكَلام على ثبوت نون الرفع قريبًا (بَابَ الْأَرْضِ) وفي رواية الحاكم: "إلى باب الأرض" (فَيَقُولُونَ) أي ملائكة الأرض (مَا أَنْتَنَ هَذِهِ الرِّيحَ، حَتَى يَأْتُونَ بهِ) وفي رواية الحاكم: "كلما أتوا على أرض قالوا ذلك، حتى يأتوا به … "، فيتعينَ أن تكون "حتى" غاية لقولهم ذلك (أَرْوَاحَ الْكُفَّارِ) أي ومحلها سجّين، كما قال اللَّه تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ [المطففين: ٧] قيل: هو كتاب جامع لأعمال الشياطين والكفرة، وقيل: هو مكان في أسفل الأرض السابعة، وهو محلّ إبليس وجنوده، أعاذنا اللَّه تعالى من عذاب جهنم بمنه وكرمه، إنه أرحم الراحمين، وأكرم المسؤولين.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد ساق الإمام أحمد وغيره هذا الحديث من حديث البراء بن عازب ﵄ بإسناد صحيح، مطولاً، أحببت إيراده هنا تتميمًا للفائدة، ونشرًا للعائدة، ونصّ "المسند" جـ٤ ص ٢٨٧ - ٢٨٨:
١٨٠٦٣ - حدثنا أبو معاوية، قال: حدثنا الأعمش، عن منهال بن عمرو، عن زاذان، عن البراء بن عازب، قال: خرجنا مع النبي ﷺ ، في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر، ولَمَّا يُلحَدْ، فجلس رسول اللَّه ﷺ ، وجلسنا حوله، وكان على رءوسنا الطير، وفي يده عود، ينكت في الأرض، فرفع رأسه، فقال: "استعيذوا باللَّه من عذاب القبر" مرتين أو ثلاثا، ثم قال: "إن العبد المؤمن، إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نَزَل إليه ملائكة من السماء، بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن، من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مَدَّ البصر، ثم يجيء ملك الموت ﵇، حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الطيبة، اخرجي إلى مغفرة من اللَّه ورضوان، قال: فتخرج تسيل، كما تسيل القطرة من في السقاء، فيأخذها، فإذا أخذها، لم يَدَعُوها في يده طرفة عين، حتى يأخذوها، فيجعلوها في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك، وُجِدَت على وجه الأرض، قال: فيَصعدُون بها، فلا يمرون، يعني بها على ملإ، من الملائكة، إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟ فيقولون: فلان ابن فلان بأحسن أسمائه، التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له، فيفتح لهم: فيُشَيِّعُهُ من كل سماء مقربوها، إلى السماء التي تليها، حتى ينتهى به إلى السماء السابعة، فيقول اللَّه : اكتبوا كتاب عبدي في عليين وأعيدوه إلى الأرض، فإني
стр. 10363
منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم، تارة أخرى، قال: فتعاد روحه في جسده، فيأتيه ملكان، فيجلسانه، فيقولان له: مَنْ ربُّك؟ فيقول: ربي اللَّه، فيقولان له: ما دينك؟، فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟، فيقول: هو رسول اللَّه ﷺ ، فيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتابَ اللَّه، فآمنت به، وصدقت، فينادي مناد في السماء، أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة، قال: فيأتيه من رَوْحها وطيبها، وُيفسَح له في قبره مَدَّ بصره، قال: ويأتيه رجل، حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يَسُرُّك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: مَنْ أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول: رب أقم الساعة، حتى أرجع إلى أهلي ومالي.
قال: وإن العبد الكافر، إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزل إليه
من السماء، ملائكة سود الوجوه، معهم المسوح، فيجلسون منه مَدَّ البصر، ثم يجيء ملك الموت، حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى سخط من اللَّه وغضب، قال: فتفرق في جسده، فينتزعها كما ينتزع السَّفُّود (١)، من الصوف
المبلول، فيأخذها، فإذا أخذها، لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها، كأنتن ريح جيفة، وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملئٍ من الملائكة، إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟ فيقولون: فلان ابن فلان بأقبح أسمائه، التي كان يسمى بها في الدنيا، حتى ينتهي به إلى السماء الدنيا، فيستفتح له، فلا يفتح له، ثم قرأ رسول اللَّه ﷺ ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ الآية [الأعراف: ٤٠]، فيقول اللَّه : اكتبوا كتابه في سجين، في الأرض السفلى، فتُطرَح روحه طرحا، ثم قرأ ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ الآية [الحجّ: ٣١]، فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان، فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري، فينادي مناد من السماء، أن كَذَب، فافرشوا له من النار، وافتحوا له بابا إلى النار، فيأتيه من حَرِّها وَسَمُومها، ويُضَيَّق عليه قبره، حتى تخَتَلف فيه أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، مُنتِن الريح،
стр. 10364
فيقول: أبشر بالذي يسوءك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالشر، فيقول: أنا عملك الخبيث، فيقول: رب لا تُقِم الساعةَ". انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا صحيح.
المسألة الثانية: هذا الحديث من أفراد المصنف، لم يخرجه من أصحاب الأصول غيره، أخرجه هنا-٩/ ١٨٣٣ و"الكبرى" ٩/ ١٩٥٩، وأخرجه ابن حبّان في صحيحه ٣٠١٤ والحاكم في "مستدركه" ١/ ٣٥٢ - ٣٥٣، وصححه، ووافقه الذهبيّ. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان ما يُلْقَى به المؤمن من الكرامة عند موته. ومنها: بيان كرامة المؤمن على اللَّه تعالى حيث يكرمه عند موته بهذه الكرامة العظيمة. ومنها: حضور ملائكة الرحمة عند المؤمن في حالة احتضاره، مبشرةً بهذه البشائر العظيمة، تشريفا له وتكريمًا، وهو معنى ما أشارت إليه الآية الكريمة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
ومنها: أن روح المؤمن تجتمع بأرواح المؤمنين، فيستبشرون بقدومه، ويسألونه عمن تركوه في الدنيا. ومنها: بيان ما يلقاه الكافر من الذلّ، والهوان عند خروج روحه، أعاذنا اللَّه تعالى من حال أهل النار، وأكرمنا بالفوز العظيم في دار القرار، إنه الرؤوف الرحيم العزيز الغفّار آمين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
стр. 10365
١٠ - فِيمَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ
١٨٣٤ - أَخْبَرَنَا هَنَّادٌ, عَنْ أَبِي زُبَيْدٍ (١) , وَهُوَ عَبْثَرُ بْنُ الْقَاسِمِ, عَنْ مُطَرِّفٍ, عَنْ عَامِرٍ, عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ, أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ, وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ, كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ». قَالَ شُرَيْحٌ: فَأَتَيْتُ عَائِشَةَ, فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ, سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ, يَذْكُرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثًا, إِنْ كَانَ كَذَلِكَ, فَقَدْ هَلَكْنَا, قَالَتْ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ, أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ, وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ, كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ». وَلَكِنْ لَيْسَ مِنَّا أَحَدٌ, إِلاَّ وَهُوَ يَكْرَهُ الْمَوْتَ, قَالَتْ: قَدْ قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , وَلَيْسَ بِالَّذِي تَذْهَبُ إِلَيْهِ, وَلَكِنْ إِذَا طَمَحَ الْبَصَرُ, وَحَشْرَجَ الصَّدْرُ, وَاقْشَعَرَّ الْجِلْدُ, فَعِنْدَ ذَلِكَ مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ, أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ, وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ.
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هناد) بن السريّ الكوفيّ، ثقة [١٠] ٢٣/ ٢٥.
٢ - (أبو زُبيد، عَبْثَر بن القاسم) الزبيدي الكوفيّ، ثقة [٨] ١٩٠/ ١١٦٤.
٣ - (مطرّف) بن طَريف الكوفيّ، ثقة فاضل، من صغار [٦] ٢/ ٣٢٧.
٤ - (عامر) بن شَراحيل الشعبيّ الكوفي الإمام الحجة [٣] ٦٦/ ٨٢.
٥ - (شُريح بن هانئ) أبو المقدام الكوفي المخضرم ثقة [٢] ٨/ ٨ واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف، وأنه مسلسل بالكوفيين، إلا الصحابي، وفيه رواية تابعي عن تابعي مخضرم. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ شُرَيحِ بْنِ هَانِئ) الحارثيّ الْمَذْحجيّ المخضرم الكوفيّ -رحمه اللَّه تعالى- (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَن أَحَب لِقَاءَ اللَّهِ") أي المصير إلى الدار الآخرة، بمعنى أن المؤمن عند الغرغرة يُبَشَّر برضوان اللَّه، فيكون موته أحبّ إليه
стр. 10366
من حياته. قيل: الحب هنا هو الذي يقتضيه الإيمان باللَّه، والثقة بوعده، دون ما يقتضيه حكم الجِبِلَّة.
وقال ابن الأثير الجزيّ ﵀ في "النهاية": المراد بلقاء اللَّه هنا المصير إلى الدار الآخرة، وطلب ما عند اللَّه، وليس الغرض به الموت، لأن كُلاًّ يكرهه، فمن ترك الدنيا، وأبغضها أحبّ لقاء اللَّه، ومن آثرها، وركن إليها كره لقاء اللَّه، لأنه إنما يصل إليه بالموت. قال: وقول عائشة: "والموت دون لقاء اللَّه" يبيّن أن الموت غير اللقاء، ولكنه مُعترِضٌ دون الغرض المطلوب، فيجب أن يصبر عليه، ويحتمِلَ مشاقّه حتى يصل إلى الفوز باللقاء (١).
قال الطيبيّ: يريد أن قول عائشة: "إنا لنكره الموت" (٢) يوهم أن المراد بلقاء اللَّه في الحديث الموت، وليس كذلك، لأن لقاء اللَّه غير الموت، بدليل قوله في الرواية الأخرى: "والموت دون لقاء اللَّه"، لكن لما كان الموت سببا إلى لقاء اللَّه عبّر عنه بلقاء اللَّه.
قال الحافظ: وقد سبق ابن الأثير إلى تأويل لقاء اللَّه بغير الموت الإمام أبو عبيد القاسم بن سلاّم، فقال: ليس وجهه عندي كراهة الموت، وشدّته، لأن هذا لا يكاد يخلو عنه أحد، ولكن المذموم من ذلك إيثار الدنيا، والركون إليها، وكراهية أن يصير إلى اللَّه، والدار الآخرة. قال: ومما يُبيّن ذلك أن اللَّه تعالى عاب قومًا بحبّ الحياة، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا﴾ الآية [يونس: ٧]. انتهى.
وقال الخطابيّ: معنى محبّة العبد للقاء اللَّه إيثاره الآخرة على الدنيا، فلا يحبّ استمرار الإقامة فيها، بل يستعدّ للارتحال عنها، والكراهةُ بضدّ ذلك انتهى.
وقال النوويّ: معنى الحديث أن المحبّة والكراهة التي تُعتبر شرعًا هي التي تقع عند النزع في الحالة التي لا تُقبل فيها التوبة، حين ينكشف الحال للمُحتَضَر، ويظهر له ما هو صائر إليه انتهى (٣).
(أحبّ اللَّه لقاءه) قال في "الفتح": قال العلماء محبة اللَّه لعبده إرادته الخير له، وهدايته إليه، وإنعامه عليه، وكراهته له على الضدّ من ذلك انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تفسير محبّة اللَّه تعالى بما ذُكر تفسير باللازم، وهو
стр. 10367
غير صحيح، بل الذي عليه السلفُ، وأهلُ الحديث إثبات صفة المحبّة للَّه تعالى على ما يليق بجلاله، ثم إذا أحبّ اللَّه عبده أراد له الخير، وهداه إليه، وأنعم عليه. وعلى هذا الكراهة، فليُتفطّن، واللَّه تعالى أعلم.
(وَمَنْ كرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ) أي حين يرى ما له من العذاب عند الغرغرة (كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ) فأبعده من رحمته، وأدناه من نقمته.
[تنبيه] قوله: "من أحب لقاء اللَّه أحبّ اللَّه لقاءه الخ". قال الكرماني ﵀: ليس الشرط سببا للجزاء، بل الأمر بالعكس، ولكنه على تأويل الخبر، أي مَن أحبّ لقاء اللَّه أخبره بأن اللَّه أحبّ لقاءه، وكذلك الكراهة. وقال غيره فيما نقله ابن عبد البرّ وغيره "مَن" هنا خبرية، وليست شرطية، فليس معناه أن سبب حبّ اللَّه لقاء العبد حبّ العبد لقاءه، ولا الكراهة، ولكنه صفة حال الطائفتين في أنفسهم عند ربّهم، والتقدير من أحبّ لقاء اللَّه فهو الذي أحب اللَّه لقاءه، وكذا الكراهة.
قال الحافظ ﵀: ولا حاجة إلى دعوى نفي الشرطية، فقد ثبت في "كتاب التوحيد" من "صحيح البخاريّ" في حديث أبي هريرة ﵁، رفعه: "قال اللَّه : إذا أحب عبدي لقائي أحببت لقاءه … " الحديث. فيتعيّن أن "من" في حديث الباب شرطيّة، وتأويلها ما سبق.
وقال في "الفتح" أيضًا: في قوله: "أحبّ اللَّه لقاءه" العدولُ عن الضمير إلى الظاهر، تفخيمًا وتعظيمًا، ودفعًا لتوهّم عود الضمير على الموصول، لئلا يتّحد في الصورة المبتدأ والخبر، ففيه إصلاح اللفظ لتصحيح المعنى، وأيضًا فعود الضمير على المضاف إليه قليل.
قال الحافظ: وقرأت بخطّ ابن الصائغ في "شرح المشارق" يحتمل أن يكون لقاء اللَّه مضافًا للمفعول، فأقامه مقام الفاعل، ولقاءه إما مضاف للمفعول، أو للفاعل الضمير، أو للموصول، لأن الجواب إذا كان شرطًا، فالأولى أن يكون فيه ضمير، نعم هو موجود هنا، ولكن تقديرًا انتهى.
(قَالَ: شُرَيْحٌ) بن هانىء -رحمه اللَّه تعالى- (فَأتَيْتُ عَائِشَةَ) ﵂ (فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (يَذْكُرُ) جملة في محلّ نصب على الحال من المفعول (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثًا، إِنْ كَانَ كَذَلِكَ) أي إن كان الحديث كما ذكره أبو هريرة ﵁، وإنما قال ذلك لاحتمال أن يكون أخطأ فيه أبو هريرة، أو أخطأ هو في فهمه،، فلعل عائشة سمعت من رسول اللَّه ﷺ ما يخالفه، أو لعلها تفهّمه المراد منه (فَقَدْ هَلَكْنَا) أي لكون الموت مبغوضًا إلى النفس بالطبع (قَالَتْ:) أي عائشة (وَمَا ذَاكَ؟) أي ما هو الحديث الذي ذكره أبو هريرة؟ (قَالَ) أي أبو هريرة (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ
стр. 10368
أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ، أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَن كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ، كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ"، وَلَكِنْ لَيْسَ مِنَّا
أَحَدٌ، إِلاَّ وَهُوَ يَكْرَهُ الْمَوْتَ) جملة الاستدراك من كلام شريح بَيَّنَ فيه وجهَ الإشكال من الحديث (قَالَتْ) أي عائشة (قَد قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَلَيْسَ بِالَّذِي تَذْهَبُ إِلَيْه) الباء زائدة، أي ليس المراد ما تفهمه أنت من الإطلاق، بل هو مقيد بحالة الاحتضار حين يُبَشَّر المؤمن بخير، وُينذَر الكافر بشرّ، وإلى هذا أشارت بقولها (وَلَكِنْ إِذَا طَمَحَ الْبَصَرُ) قال في "ق": طَمَحَ بصرُهُ إليه، كمنع: ارتفع،، ووقع في نسخة "الكبرى" "وطفح البصر" بالفاء بدل الميم، والظاهر أنه تصحيف، فإن الطَّفْح معناه الامتلاء، ولا يناسب هنا. وفي رواية مسلم: "إذا شَخَصَ البصرُ" بفتح الشين، والخاء، ومعناه ارتفاع الأجفان إلى فوقُ، وتحديدُ النظر (وَحَشْرَجَ الصَّدْرُ) كَدَحْرَج، قال في "ق": الحَشْرَجَة الغَرْغَرة عند الموت، وتردُّدُ النفَس (وَاقْشَعَرَّ الْجِلْدُ) أي أي قام شعره، وفي "ق": أخذته قُشَعْرِيرَةٌ، أي رِعْدَةْ. ووقع في نسخة "الكبرى" "وانشحر الجلد"، والظاهر أنه تصحيف أيضًا، فمن الشّحر بوزن المنع فَتحُ الفم، وهو غير مناسب أيضا. زاد في رواية مسلم: "وتشنّجَت الأصابعُ". قال النووي: تشنّج الأصابع تقبّضُها انتهى.
قال في "الفتح": وهذه الأمور هي حالة المحتضر، وكأن عائشة ﵂ أخذته من معنى الخبر الذي رواه عنها سعد بن هشام مرفوعًا. يعني الآتي بعد ثلاثة أحاديث (فَعِنْدَ ذَلِكَ مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ، أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ) وأخرج عبد ابن حميد من وجه آخر عن عائشة مرفوعًا: "إذا أراد اللَّه بعبد خيرًا قيّض له قبل موته بعام ملكًا يسدّده، ويوفّقه حتى يقال: مات بخير ما كان، فإذا حُضر ورأى ثوابه اشتاقت نفسه، فذلك حين أحبّ لقاء اللَّه، وأحبّ اللَّه لقاءه، وإذا أراد اللَّه بعبد شرّا قَيّض له قبل موته بعام شيطانًا، فأضلّه، وفتنه، حتى يقال: مات بشرّ ما كان عليه، فإذا حُضر، ورأى ما أُعِدّ له من العذاب جَزِعَت نفسه، فذلك حين كره لقاء اللَّه، وكره اللَّه لقاءه" (١).
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٠/ ١٨٣٤ و ١٨٣٥ و ١٨٣٨ - و"الكبرى" ١٠/ ١٩٦٠ - و ١٩٦١ و ١٩٦٤.
стр. 10369
وأخرجه (خ) ٧٥٠٤ (م) ١٥٧ و ٢٥٧ و ٢٦٨٤ و ٢٦٨٥ (ت) ١٠٦٧ (ق)، ٤٢٦٤ (الموطأ) ٥٦٧. (أحمد) ٢٧٣٤٩ و ٨٣٥١ و ٢٧٦٠٩ و ٩١٥٧ و ٢٧٢٣٠ و ٢٣٦٥٢ واللَّه تعالى أعلم.
المسالة الثالثة: في فوائده:
منها: فضل محبة لقاء اللَّه تعالى. ومنها: أن الجزاء من جنس العمل، فإنه قابل المحبّة بالمحبّة، والكراهة بالكراهة. ومنها: بيان معنى كراهة لقاء اللَّه، بأنه ليس المراد كراهة الموت، بل ما يكون وقت الاحتضار من حال العبد عند ما يُبشَّرُ المؤمن، ويُنذَرُ الكافرُ،، فإذا استبشر المؤمن، وانقبض الكافر كان ذلك علامة حب لقاء اللَّه، وكراهته. ومنها: البداءة بأهل الخير في الذكر لشرفهم، وإن كان أهل الشرّ أكثر.
ومنها: أن المحتضر إذا ظهرت عليه علامات السرور كان ذلك دليلاً على أنه بُشّر بالخير، وكذا بالعكس. ومنها: أن محبة لقاء اللَّه لا تدخل في النهي عن تمنّي الموت، لأنها ممكنة مع عدم تمني الموت، كان تكون المحبة حاصلة لا يفترق حاله فيها بحصول الموت ولا بتأخره، وأن النهي عن تمني الموت محمول على حالة الحياة المستمرة، وأما عند الاحتضار والمعاينة، فلا تدخل تحت النهي، بل هي مستحبّة.
[تنبيه]: في كراهة الموت في حالة الصحة تفصيلٌ، فمن كرهه إيثارًا للحياة على ما
بعد الموت من نعيم الآخرة كان مذمومًا، ومن كرهه خشية أن يُفضي إلى المؤاخذة كأن يكون مقصّرًا في العمل، لم يستعدّ له بالأهبة بأن يتخلّص من التبعات، ويقوم بأمر اللَّه كما يجب فهو معذور، لكن ينبغي لمن وجد ذلك أن يبادر إلى أخذ الأهبة حتى إذا حضره الموت لا يكرهه، بل يحبّه لما يرجو بعده من لقاء اللَّه تعالى. أفاده في "الفتح".
[تنبيه آخر]: أخرج مسلم ﵀، في "صحيحه" قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا علي بن مسهر، عن زكريا، عن الشعبيّ، عن شريح بن هانئ عن عائشة، قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "من أحبّ لقاء اللَّه أحب اللَّه لقاءه، ومن كره لقاء اللَّه كره اللَّه لقاءه، والموت قبل لقاء اللَّه". انتهى (١).
قال الحافظ ﵀: هذه الزيادة -يعني قولها: "والموت قبل لقاء اللَّه"- من كلام عائشة فيما يظهر لي (٢)، ذَكَرَتْها استنباطًا مما تقدّم. قال: وفيه أن اللَّه تعالى لا يَراه في الدنيا أحد من الأحياء، وإنما يقع ذلك للمؤمنين بعد الموت، وقد ورد بأصرح من هذا
стр. 10370
في "صحيح مسلم" من حديث أبي أُمامة مرفوعًا في حديث طويل، وفيه: "واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا". انتهى كلام الحافظ باختصار. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٨٣٥ - أَخْبَرَنَا (١) الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ, عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ ح وَأَنْبَأَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ, عَنْ أَبِي الزِّنَادِ, عَنِ الأَعْرَجِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «قَالَ: اللَّهُ تَعَالَى: إِذَا أَحَبَّ عَبْدِي لِقَائِي, أَحْبَبْتُ لِقَاءَهُ, وَإِذَا كَرِهَ لِقَائِي, كَرِهْتُ لِقَاءَهُ».
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (الحارث بن مسكين) المصري قاضيها، ثقة فقيه [١٠] ٩/ ٩.
٢ - (قتيبة) بن سعيد تقدم قريبًا.
٣ - (ابن القاسم) هو عبدالرحمن العُتَقيّ الفيقه الثبت المصريّ ثقة فقيه، من كبار [١٠] ١٩/ ٢٠.
٤ - (مالك) بن أنس الإمام الحجة الثبت الفقيه [٧] ٧/ ٧.
٥ - (المغيرة) بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن خالد بن حِزَام -بمهملة مكسورة، وزاي- ابن خُويلد بن أسد بن عبد العُزَّى بن قُصيّ القرشيّ الأسديّ الحِزاميّ المدنيّ، لقبه قُصيّ، وقيل: إنه من ولد حَكِيم بن حِزَام، صدوق (٢) له غائب [٧].
قال الجُوزجانيّ، عن أحمد. ما بحديثه بأس. وقال الدوريّ، عن ابن معين: ليس بشيء. وقال الآجرّيّ عن أبي داود: رجل صالح، كان ينزل عَسْقَلان. وقال في موضع آخر: سألت أبا داود، عن المغيرة بن عبد الرحمن الحزاميّ من ولد حكيم بن حزام، فقال: لا بأس به. وقال النسائيّ: ليس بالقويّ. وقال أبو زرعة: هو أحبّ إليّ من ابن أبي الزناد، وشُعيب، يعني في حديث أبي الزناد. وقال الخطيب: كان علّامة بالنسب، يسمى قُصيّا. وقال ابن عديّ: ينفرد بأحاديث، وأورد منها جملة، ثم قال: عامتها مستقيمة، وأورد له عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة مرفوعًا في القضاء باليمين والشاهد، وقد رواه ابن عجلان وغير واحد، عن أبي الزناد، عن ابن أبي صفيّة، عن شُريح قولَهُ. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له الجماعة، وله عند
стр. 10371
المصنف في هذا الكتاب حديثان فقط: هذا، و ٢٠٧٧ حديث كل بني آدم … ".
٦ - (أبو الزناد) عبد اللَّه بن ذكوان المدني ثقة [٥] ٧/ ٧.
٧ - (الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز المدني، ثقة ثبت [٣] ٧/ ٧.
والحديث صحيح، وتقدم شرحه، وتخريجه، في الذي قبله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٨٣٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ قَتَادَةَ, قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يُحَدِّثُ, عَنْ عُبَادَةَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ, أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ, وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ, كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ».
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن المثنى) أبو موسى العنزي البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٦٤/ ٨٠.
٢ - (محمد) بن جعفر المعروف بـ "غندر" البصريّ الثقة [٩] ٢١/ ٢٢.
٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام المشهور [٧] ٢٤/ ٢٦.
٤ - (قتادة) بن دعامة تقدم قريبًا.
٥ - (أنس) بن مالك ﵁ ٦/ ٦.
٦ - (عبادة) بن الصامت بن قيس الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو الوليد الصحابي البدريّ الأحديّ، أحد النقباء، مات ﵁ بالرملة سنة (٣٤) عن (٧٢) على الصحيح ٢٤/ ٩١٠.
ورجال الإسناد بصريّون سوى عبادة ﵁، فمدني نزل الشام، وفيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ. واللَّه تعالى أعلم.
والحديث متفق عليه، أخرجه المصنف هنا -١٠/ ١٨٣٦ و ١٨٣٧ وفي "الكبرى"- ١٠/ ١٩٦٢ و ١٩٦٣. وأخرجه (خ) ٦٥٠٧ (م) ٢٦٨٣ (ت) ١٠٦٦ و ٢٣٠٩ (أحمد) ٢٢١٨٨ و ٢٢٢٣٨ و ٢٧٥٦ واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٨٣٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو الأَشْعَثِ, قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ, قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي, يُحَدِّثُ عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ, عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ, أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ, وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ, كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ».
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أبو الأشعث) أحمد بن المقدام العجليّ البصريّ، صدوق [١١] ١٣٨/ ٣١٩.
٢ - (المعتمر) بن سليمان التيميّ البصري، ثقة، من كبار [٩] ١٠/ ١٠.
٣ - (سليمان) بن طَرْخان التيميّ البصريّ، ثقة عابد [٤] ٨٧/ ١٠٧ والباقون تقدموا
стр. 10372
في الذي قبله. والسند مسلسل بثقات البصريين، والحديث تقدم تمام البحث فيه، وهو متفق عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٨٣٨ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ح وَأَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ, عَنْ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ, قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ زُرَارَةَ, عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ, عَنْ عَائِشَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ, أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ, وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ, كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ».
زَادَ عَمْرٌو فِي حَدِيثِهِ فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, كَرَاهِيَةُ لِقَاءِ اللَّهِ, كَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ, كُلُّنَا نَكْرَهُ الْمَوْتَ؟ قَالَ: «ذَاكَ عِنْدَ مَوْتِهِ, إِذَا بُشِّرَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ, وَمَغْفِرَتِهِ, أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ, وَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ, وَإِذَا بُشِّرَ بِعَذَابِ اللَّهِ, كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ, وَكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ».
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (عمرو بن علي) الفلاَّس البصريّ الحافظ الثبت [١٠] ٤/ ٤.
٢ - (حميد بن مسعدة) السامي الباهليّ البصريّ، صدوق [١٠] ٥/ ٥.
٣ - (عبد الأعلى) بن عبد الأعلى السامي البصريّ، ثقة [٨] ٢٠/ ٣٨٦.
٤ - (خالد بن الحارث) الهجيميّ البصريّ الثقة الثبت [٨] ٤٢/ ٤٧.
٥ - (سعيد) بن أبى عروبة البصريّ ثقة ثبت [٦] ٣٤/ ٤٦٠.
٦ - (قتادة) تقدم قريبًا.
٧ - (زرارة) بن أوفى الحرشي الكوفي القاضي العابد الثقة [٣] ٢٧/ ٩١٧.
٨ - (سعد بن هشام) بن عامر الأنصاريّ المدنيّ، ثقة [٣] ٦٧/ ١٣١٥.
٩ - (عائشة) ﵂ ٥/ ٥.
وقوله: "زاد عمرو الخ" هو الفَلاّس، شيخُهُ، يعني أن عمرو بن علي زاد في حديثه قولَهُ. "فقيل: يا رسول اللَّه الخ". والقائل له ذلك عائشة ﵂، ففي رواية مسلم: قالت. فقلت يا نبي اللَّه أكراهية الموت؟ فكلنا نكره الموت، فقال: "ليس كذلك، ولكنّ المؤمنَ إذا بُشّر برحمة اللَّه ورضوانه وجنته أحبّ لقاء اللَّه، فأحبّ اللَّه لقاءه، وإن الكافر إذا بشّر بعذاب اللَّه وسخطه، كره لقاء اللَّه، وكره اللَّه لقاءه".
[تنبيه]: وقع في رواية البخاريّ في حديث عبادة بن الصامت ﵁: ما نصّه: قالت عائشة، أو بعض أزواجه: إنا لنكره الموت الخ.
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: كذا في هذه الرواية بالشكّ، وجزم سعد بن هشام في روايته عن عائشة بأنها هي التي قالت ذلك، ولم يتردد، وهذه الزيادة في هذا الحديث لا
стр. 10373
تظهر صريحًا، هل هي من كلام عبادة، والمعنى أنه سمع الحديث من النبي ﷺ ، وسمع مراجعة عائشة، أو من كلام أنس بأن يكون حضر ذلك، فقد وقع في رواية حميد التي أشرت إليها بلفظ: "فقلنا يا رسول اللَّه"، فيكون أسند القول إلى جماعة، وإن كان المباشر له واحدًا، وهي عائشة، وكذا وقع في رواية عبدالرحمن بن أبي ليلى التي أشرت إليها، وفيها: "فأكبّ القومُ يبكون، وقالوا: إنا نكره الموت، قال: ليس ذلك". ولابن أبي شيبة من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة نحو حديث الباب، وفيه "قيل: يا رسول اللَّه ما منّا من أحد إلا وهو يكره الموت، فقال: إذا كان ذلك كُشف له"، ويحتمل أيضًا أن يكون من كلام قتادة أرسله في رواية همام، ووصله في رواية سعيد بن أبي عروبة، عنه عن زُرارة، عن سعد بن هشام، عن عائشة، فيكون في رواية همّام إدراج، وهذا أرجح في نظري، فقد أخرجه مسلم عن هدّاب بن خالد، عن همام مقتصرًا على أصل الحديث، دون قوله: "فقالت عائشة الخ"، ثم أخرجه من رواية سعيد ابن أبي عروبة موصولاً تامّا، وكذا أخرجه هو وأحمد من رواية شعبة، والنسائيّ من رواية سليمان التيميّ، كلاهما عن قتادة، وكذا جاء عن أبي هريرة وغير واحد من الصحابة بدون المراجعة، وقد أخرجه الحسن بن سفيان، وأبو يعلى جميعًا عن هُدبة بن خالد تامّا، كما أخرجه البخاريّ عن حجاج، عن همام، وهُدْبةُ هو هدّاب شيخ مسلم،
فكأن مسلما حذف الزيادة عمدًا، لكونها مرسلة من هذا الوجه، واكتفى بإيرادها موصولة من طريق سعيد بن أبي عروبة، وقد رمز البخاريّ إلى ذلك حيث علق رواية شعبة بقوله: "اختصره الخ"، وكذا أشار إلى رواية سعيد تعليقًا، وهذا من العلل الخفيّة جدّا انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- (١).
وقوله: "كراهيةُ لقاء اللَّه كراهية الموت؟ " مبتدأ وخبر بتقدير أداة الاستفهام. وقوله: "كلنا نكره الموت" جملة مستأنفة بَيَّن بها سبب الاستفهام، أي إنما استفهمتُ عن معنى كراهية لقاء اللَّه خوفا من أن ندخل فيها هذه، حيث إننا نكره الموت.
وقوله: "ذاك عند موته" إشارة إلى المذكور من محبة لقاء اللَّه تعالى، وكراهيته، يعني أن كراهية لقاء اللَّه تعالى ليس مطلقا، بل هو في وقت معيّن، وذلك عند موته، ومعاينته ما أعدّ له، من عظيم الثواب، وأليم العقاب.
وقوله: "إذا بُشّر برحمة اللَّه الخ"، وفي رواية البخاريّ: "بُشر برضوان اللَّه وكرامته"، وفي رواية مسلم: "بشر برحمة اللَّه ورضوانه وجنته"، وفي حديث حميد،
стр. 10374
عن أنس: "ولكن المؤمن إذا حُضر جاءه البشير من اللَّه، وليس شيء أحبّ إليه من أن يكون قد لقي اللَّه، فأحبّ اللَّه لقاءه"، وفي رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى: "ولكنه إذا حضر فأما إن كان من المقرّبين، فرَوح وريحان وجنّة نعيم، فإذا بشر بذلك أحبّ لقاء اللَّه، واللَّه للقائه أحبّ" (١).
قال الخطابيّ ﵀: تضمّن حديث الباب من التفسير ما فيه غنية عن غيره، واللقاء يقع على أوجه: منها: المعاينة. ومنها. البعث، كقوله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٣١]، أي بالبعث. ومنها: الموت، كقوله تعالى. ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ الآية [العنكبوت: ٥]، وقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ الآية [الجمعة: ٨] انتهى.
وقال النووي -رحمه اللَّه تعالى-: هذا الحديث يفسّر آخرُهُ أوّلَهُ، ويبين المراد بباقي الأحاديث المطلقة: "من أحبّ لقاء اللَّه، ومن كره لقاء اللَّه".
ومعنى الحديث: أن الكراهة المعتبرة هي التي تكون عند النزع في حالةٍ لا تُقبل توبته، ولا غيرها، فحينئذ يُبشّر كلُّ إنسان بما هو صائر إليه، وما أُعدّ له، ويُكشف له عن ذلك، فأهل السعادة يُحبّون الموت , ولقاءَ اللَّه، لينتقلوا إلى ما أُعدّ لهم، ويحبّ اللَّهُ لقاءهم، أي فيُجزِل لهم العطاء والكرامة، وأهل الشقاوة يَكرهون لقاءه، لِمَا عَلِمُوا من سوء ما يَنتقلون إليه، ويَكره اللَّه لقاءهم، أي يبعدهم عن رحمته وكرامته، ولا يريد ذلك بهم، وهذا معنى كراهته سبحانه لقاءهم، وليس معنى الحديث أن سبب كراهة اللَّه تعالى لقاءَهم كراهتُهُم ذلك، ولا أن حبّه لقاءَ الآخرين حبُّهم ذلك، بل هو صفة لهم انتهى (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحديث أخرجه مسلم، وتقدّم الكلام عليه قريبًا. وباللَّه تعالى التوفيق. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وْإليه أنيب".
…
١١ - تَقْبِيلُ الْمَيّتِ
١٨٣٩ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو, قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ, عَنِ
стр. 10375
ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, "أَنَّ أَبَا بَكْرٍ, قَبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيِ النَّبِيِّ ﷺ , وَهُوَ مَيِّتٌ".
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أحمد بن عمرو) بن السَّرْح، أبو الطاهر المصريّ، ثقة [١٠] ٣٥/ ٣٩.
٢ - (ابن وهب) عبد اللَّه تقدم قريبًا.
٣ - (يونس) بن يزيد الأيلي، ثقة [٧] ٩/ ٩.
٤ - (ابن شهاب) الزهري الإمام المشهور تقدم قريبًا.
٥ - (عروة) بن الزبير بن العوّام المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٤٠/ ٤٤.
٦ - (عائشة) ﵂ تقدمت في الباب الماضي.
والحديث أخرجه البخاريّ، ويأتي شرحه، والكلام عليه قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى.
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٨٤٠ - أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى, عَنْ سُفْيَانَ, قَالَ: حَدَّثَنِي (١) مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, وَعَنْ عَائِشَةَ, "أَنَّ أَبَا بَكْرٍ, قَبَّلَ النَّبِيَّ ﷺ , وَهُوَ مَيِّتٌ".
رجال الإسناد: ثمانية:
١ - (يعقوب بن إبراهيم) الدَّوْرَقيّ البغداديّ، ثقة حافظ [١٠] ٢١/ ٢٢.
٢ - (محمد بن المثنى) تقدم قريبًا.
٣ - (يحيى) بن سعيد القطّان الإمام تقدم قريبًا.
٤ - (سفيان) بن سعيد الثوريّ الإمام الحافظ الحجة [٧] ٣٣/ ٣٧.
٥ - (موسى بن أبي عائشة) الهمدانيّ مولاهم، أبو الحسن الكوفيّ، ثقة عابد [٥] ٤٠/ ٨٣٤.
٦ - (عبيداللَه بن عبد اللَّه) بن عتبة بن مسعود المدني الفقيه الثبت [٣] ٤٥/ ٥٦.
٧ - (ابن عباس) عبد اللَّه البحر ﵁ ٢٧/ ٣١.
وشيخا المصنف ممن اتفق السنة بالرواية عنهما بدون واسطة، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وصحابياه من المكثرين السبعة، وقد تقدّم كلّ هذا غير مرّة.
والحديث أخرجه البخاري، ويأتي البحث فيه في الحديث الذي بعده واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. (٢)
стр. 10376
١٨٤١ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ, قَالَ: قَالَ (١) مَعْمَرٌ, وَيُونُسُ, قَالَ: الزُّهْرِيُّ: وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ, أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ, أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَقْبَلَ عَلَى فَرَسٍ, مِنْ مَسْكَنِهِ بِالسُّنُحِ, حَتَّى نَزَلَ, فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ, فَلَمْ يُكَلِّمِ النَّاسَ, حَتَّى دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ, وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ , مُسَجًّى بِبُرْدٍ حِبَرَةٍ, فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ, ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ, فَقَبَّلَهُ, فَبَكَى, ثُمَّ قَالَ: بِأَبِي أَنْتَ, وَاللَّهِ لَا يَجْمَعُ اللَّهُ عَلَيْكَ مَوْتَتَيْنِ أَبَدًا, أَمَّا الْمَوْتَةُ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْكَ فَقَدْ مُتَّهَا.
رجال الإسناد: سبعة:
١ - (سُويد بن نصر) المروزيّ، ثقة [١٠] ٤٥/ ٥٥.
٢ - (عبد اللَّه) بن المبارك الإمام الحافظ الحجة المشهور [٨] ٣٢/ ٣٦.
٣ - (معمر) بن راشد، أبو عروة الصنعاني، ثقة ثبت [٧] ١٠/ ١٠.
والباقون تقدموا قريبًا. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف، وفيه رواية تابعي، عن تابعيّ، وفيه أحد الفقهاء السبعة، وفيه عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحداديث. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن الزهري أنه (قال. وَأَخبَرَنِي أَبُو سلَمَةَ) عطف على محذوف، أي أخبرني أبو سلمة بكذا، وأخبرني أيضًا (أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ) حاصله أن الزهريّ روى عن أبي سلمة أحاديث متعاطفة، فحذف المعطوف عليه لعدم تعلقه بالموضوع، واللَّه تعالى أعلم.
(أَنَّ أَبَا بَكْرٍ) الصدّيق ﵁ (أَقبَلَ عَلَى فَرَسٍ،- مِن مَسْكَنِهِ بِالسُّنْحِ) بضم السين المهملة، وسكون النون، وقيل: بضمها، بعدها حاء مهملة: موضعٌ بعوالي المدينة، فيه منازل بني الحارث بن الخزرج، وكان أبو بكر متزوّجًا منهم (حَتَّى نَزَلَ) أي عن فرسه (فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَلَمْ يُكَلِّم النَّاسَ، حَتَّى دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ) ﵂ (ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، مُسَجَّى) بجيم مشدّدة، كمُغَطَّى وزنًا ومعنىً، والجملة في محل نصب على الحال (بِبُرْدٍ حِبَرَةٍ) بوزن عِنَبَة على الوصف، أو الإضافة، وهو بُرْد يمانيّ، والجمع حِبَرٌ وحِبَرَات.
قاله في "النهاية". وقال الفيّوميّ ﵀: "الحِبَرَة" وزانُ عِنَبَة: ثوب يَمَانيّ من قُطن، أو كتان، مخطَّطٌ، يقال: بُرْدٌ حِبَرَةٌ، على الوصف، وبُرْدُ حِبَرَةٍ على الإضافة، والجمع
стр. 10377
حِبَرٌ، وحبَرَات، مثلُ عِنَبٍ، وعِنَبَاتٍ انتهى (١) (فَكَشَف) أي أبو بكر ﵁ (عَنْ وَجْهِهِ) أي وجه النبي ﷺ (ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ) وفي نسخة: "فأكبّ"، وهو من الإكباب، يقال: أكبّ الرجلُ على الشيء: أقبل عليه يفعله، ولزمه. قاله في "اللسان" (فَقَبَّلَهُ، فَبَكَى) فيه جواز تقبيل الميت، والبكاء عليه (ثُمَّ قَالَ: بِأَبِي أَنْتَ) متعلّق بمحذوف، أي أَفْديك بأبي، وفي رواية البخاريّ: "بأبي أنت وأمي يا نبي اللَّه" (وَاللَّهِ لَا يَجْمَعُ اللَّهُ عَلَيْكَ مَوْتَتَيْنِ أَبَدًا) اختُلف في المراد به، فقيل: أشار به إلى الردّ على من زعم أنه سيَحْيَا، فيَقطَع أيدي رجال، لأنه لو صحّ ذلك للزم أن يموت موتة أخرى، فأخبر أنه أكرمُ على اللَّه من أن يجمع اللَّه عليه موتتين، كما جمعهما على غيره، كالذين خرجوا من ديارهم، وهم ألوف، وكالذي مرّ على قرية، وهذا أوضح الأقوال، وأسلمها. وقيل: أراد لا يموت موتة أخرى في القبر كغيره، إذ يحيا ليُسأل، ثم يموت. وهذا جواب الداوديّ. وقيل: لا يجمع اللَّه عليك موت نفسك، وموت شريعتك. وقيل: كَنَى بالموت الثاني عن الكرب، أي لا تَلقَى بعد كرب هذا الموت كربًا آخر. أفاده في "الفتح" (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي القول الأول هو الأرجح -كما أشار إليه الحافظ- لأن قوله: "أما الموتة الأولى الخ" يؤيده، ولأن هذا الكلام إنما قاله أبو بكر ﵁ للردّ على عمر ﵁ في قوله: إن اللَّه تعالى يبعثه، فيقطع أيدي رجال، وأرجلهم.
فقد أخرج البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه"-٣٦٦٧ - من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂: "أن رسول اللَّه ﷺ مات، وأبو بكر بالسُّنْح، فقام عمر يقول: واللَّه ما مات رسول اللَّه ﷺ ، قالت: وقال عمر: واللَّه ما كان يقع في نفسي إلا ذاك، وليبعثنّه اللَّه، فليقطعنّ أيدي رجال، وأرجلهم، فجاء أبو بكر، فكشف عن رسول اللَّه ﷺ ، فقبله، فقال: بأبي أنت وأمي طِبْت حيّا وميتًا، والذي نفسي بيده لا يُذيقك اللَّه الموتتين أبدًا، ثم خرج فقال: أيها الحالف على رِسْلِك، فلما تكلّم أبو بكر جلس عمر، فحمد اللَّه أبو بكر، وأثنى عليه، وقال: ألا من كان يعبد محمدًا ﷺ ، فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد اللَّه، فإن اللَّه حي لا يموت، وقال: ﴿إِنَكَ مَيتٌ وإِنَهُم مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] وقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤]، قال: فنَشَجَ الناسُ (٣) يبكون … الحديث.
стр. 10378
وفي رواية له من طريق الزهري، عن أبي سلمة، عن عبد اللَّه بن عباس: "أن أبا بكر ﵁ خرج، وعمر بن الخطاب يكلم الناس، فقال: اجلس يا عمر، فأبى عمر أن يجلس، فأقبل الناس إليه، وتركوا عمر، فقال أبو بكر: أما بعد، من كان منكم يعبد محمدًا ﷺ … " الحديث، وفيه: "قال. واللَّه لكأن الناس لم يكونوا يعلمون أن اللَّه أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر ﵁، فتلقاها الناس منه، كلهم، فما أسمَعُ بشرًا من الناس إلا يتلوها".
فأخبرني (١) سعيد ابن المسيب أن عمر قال: واللَّه ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها، فعُقِرتُ (٢)، حتى ما تُقلّني رجلايَ، وحتى أهويتُ إلى الأرض حين سمعته تلاها أن النبي ﷺ قد مات انتهى.
وعند أحمد من طريق يزيد بن بابَنُوس، عن عائشة ﵂: " … فجاء عمر والمغيرة ابن شعبة، فاستأذنا، فأذنت لهما، وجذبت الحجاب، فنظر عمر إليه، فقال: واغشيتاه، ثم قاما، فلما دنوا من الباب قال المغيرة: يا عمر مات، قال: كذبتَ، بل أنت رجل تحُوشك فتنة، إن رسول اللَّه ﷺ لا يموت حتى يُفني اللَّه المنافقين، ثم جاء أبو بكر، فرفعتُ الحجاب، فنظر إليه، فقال: إنا للَّه وإنا إليه راجعون، مات رسول اللَّه ﷺ ".
وروى ابن إسحاق، وعبد الرزاق، والطبرانيّ من طريق عكرمة: "أن العباس قال لعمر: هل عند أحد منكم عهد من رسول اللَّه ﷺ في ذلك؟ قال: لا، قال: فإن رسول اللَّه ﷺ قد مات، ولم يمت حتى حارب، وسالم، ونكح، وطلّق، وترككم على مَحَجّة واضحة".
قال الحافظ ﵀: وهذه من موافقات العباس للصدّيق في حديث ابن عمر عند ابن أبي شيبة: "أن أبا بكر مرّ بعمر، وهو يقول: ما مات رسول اللَّه ﷺ ، ولا يموت حتى يقتل اللَّه المنافقين، وكانوا أظهروا الاستبشار، ورفعوا رؤوسهم، فقال: أيها الرجل إن رسول اللَّه ﷺ قد مات, ألم تسمع اللَّه تعالى يقول: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]، وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ الآية [الأنبياء: ٣٤]، ثم أتى المنبر، فصعد، فحمد اللَّه، وأثنى عليه، فذكر خطبته".
وفي رواية يزيد بن بابنوس، عن عائشة ﵂: "إن أبا بكر حمد اللَّه، وأثنى عليه، ثم قال: إن اللَّه يقول: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ حتى فرغ من الآية، ثم تلا ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ الآية، وقال فيه: قال عمر: أَوَ إنها في كتاب اللَّه؟ ما
стр. 10379
شعرت أنها في كتاب اللَّه، وفي حديث ابن عمر نحوه، وزاد: ثم نزل، فاستبشر المسلمون، وأخذ المنافقين الكآبة، قال ابن عمر: وكأنما على وجوهنا أغطية، فكُشفت (١).
(أَما الْمَوْتَةُ التِي كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْكَ) وفي نسخة: "التي كُتبت عليك" (فَقَدْ مِتَّهَا) بضم الميم، من مات يموت، كتاب يقول، وبكسرها، من مات يَمَات، كخاف يَخَاف، أي مُتّ تلك الموتة، فالضمير وقع منصوبًا على المصدرية (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: هذا الحديث أخرجه البخاريّ.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ١١/ ١٨٣٩ و١٨٤٠ و ١٨٤١ وفي "الكبرى" ١١/ ١٩٦٥ و ١٩٦٦ و ١٩٦٨.
وأخرجه (خ) ١٢٤٢ و٣٦٧٠ و ٤٤٥٤ و ٤٤٥٧ و ٥٧١٢ (ق) ١٦٢٧ (أحمد) ٢٤٣٤٢. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف ﵀، وهو مشروعيّة تقبيل الميت. ومنها: جواز التفدية بالآباء والأمهات، وقد يقال: هي لفظة اعتادت العرب أن تقولها، ولا تقصد معناها الحقيقي، إذ حقيقة التفدية بعد الموت لا تتصوّر. ومنها: جواز البكاء على الميت، وسيأتي بعد أربعة أبواب مبسوطًا، إن شاء اللَّه تعالى. ومنها: قوّة جأش (٣) أبي بكر ﵁، وكثرة علمه، وقد وافقه على ذلك العباسُ، كما تقدّم، والمغيرة، كما رواه ابن سعد، وابن أم مكتوم، كما في المغازي لأبي الأسود، عن عروة، قال: إنه كان يتلو قوله تعالى: ﴿إِنَكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِتُونَ﴾، والناس لا يلتفتون إليه، وكان أكثر الصحابة على خلاف ذلك، فيؤخذ منه أن الأقلّ عددًا في الاجتهاد قد يُصيب، ويُخطىء الأكثر، فلا يتعين الترجيح بالأكثر، ولا سيّما إن ظهر أن بعضهم قلّد بعضًا. قاله في "الفتح" (٤).
стр. 10380
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١٢ - تَسْجِيَةُ الْمَيّتِ
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "التسجية" بالجيم: مصدر سَجَّى يُسَجِّي، كغَطَّى يُغَطّي وزنًا ومعنًى. ووقع في نسخة "الكبرى" "تسبيحة الميت" بالباء بعدها ياء، ثم حاء مهملة، وهو تصحيف فاحش، والصواب: "تسجية الميت" بالجيم والياء المثناة التحتانية، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
١٨٤٢ - أَخْبَرَنِي (١) مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ الْمُنْكَدِرِ, يَقُولُ: سَمِعْتُ جَابِرًا, يَقُولُ جِيءَ بِأَبِي يَوْمَ أُحُدٍ, وَقَدْ مُثِّلَ بِهِ, فَوُضِعَ بَيْنَ يَدَىْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , وَقَدْ سُجِّيَ بِثَوْبٍ, فَجَعَلْتُ أُرِيدُ أَنْ أَكْشِفَ عَنْهُ, فَنَهَانِي قَوْمِي, فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ , فَرُفِعَ, فَلَمَّا رُفِعَ, سَمِعَ صَوْتَ بَاكِيَةٍ, فَقَالَ: «مَنْ هَذِهِ؟» , فَقَالُوا: هَذِهِ بِنْتُ عَمْرٍو, أَوْ أُخْتُ عَمْرٍو, قَالَ: "فَلَا تَبْكِي", أَوْ "فَلِمَ تَبْكِي" مَا زَالَتِ الْمَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا, حَتَّى رُفِعَ».
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (محمد بن منصور) الْجَوّاز المكّيّ ثقة [١٠] ٢٠/ ٢١.
٢ - (سفيان) بن عيينة الإمام الشهير تقدم قريبًا.
٤ - (ابن المنكدر) محمد التيميّ المدنيّ، ثقة [٣] ١٠٣/ ١٣٨.
٤ - (جابر) بن عبد اللَّه بن عمرو بن حرام الصحابي ابن الصحابي ﵄ ٣١/ ٣٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من رباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (١٠٩) من رباعيات الكتاب. (ومنها): أن صحابيّه من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) من الأحاديث. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 10381
شرح الحديث
عن محمد بن المنكدر ﵀، أنه قال (سَمِعْتُ جَابِرًا) ﵁ (يَقُولُ: جِيءَ بِأَبِي يَوْمَ أُحُدٍ) أي يوم غزوة أحد، وهو بضمتين: جبل بقرب مدينة النبي ﷺ من جهة الشام، وغزوته كانت في أوائل شوّال سنة ثلاث من الهجرة، وهو مذكّر، فينصرف، وقيل: يجوز التأنيث على توهّم البُقْعَة، فيُمنع، وليس بالقويّ. قاله في "المصباح" (وَقَدْ مُثِّلَ بِه) بالبناء للمفعول مخفّفًا، أو مشددًا، وهو المناسب هنا، من الْمَثْل، أو التمثيل، يقال: مَثَلْتُ بالقتيل مَثْلًا، من بابي قتل، وضرب: إذا جَدَعْتَهُ، أي قطعت أنفه، أو أذنه، أو مذاكيره، أو شئًا من أجزائه، وظهرت آثار فعلك عليه تنكيلاً، والتشديد للمبالغة، والاسم المُثْلَة، بضم الميم، وسكون المثلّثة، وزان غُرْفة (فَوُضِع) ولفظ البخاريّ: "حتى وُضع" (بَينَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقَدْ سُجِّيَ بِثَوْبٍ) بالبناء للمفعول، من التسجية، أي غُطِّي بثوب، والجملة في محل نصب علىَ الحَال (فَجَعَلْتُ) ولفظ البخاريّ: "فذهبت" (أُرِيدُ أَن أَكْشِفَ عَنْهُ) أي حتى يَرَى ما فُعِل به (فَنَهَانِي قَوْمِي) هم بنو سَلِمَة -بكسر اللام- وفي رواية البخاريّ: "فذهبت أريد أن أكشف عنه، فنهاني قومي، ثم ذهبت أكشف عنه، فنهاني قومي"، مكرّرا. وفي رواية شعبة الآتية: "فجعلت أكشف عن وجهه، وأبكي، والناس ينهوني، ورسول اللَّه ﷺ لا ينهاني … "
(فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ ) أي أمر برفعه من ذلك الموضع إلى محلّ دفنه (فَرُفِعَ، فَلَمَّا رُفِعَ، سَمِعَ صَوْتَ بَاكِيَةٍ) أي امرأة باكية، ولفظ البخاريّ: "صوت صائحة" (فَقَالَ: "مَنْ هَذِهِ؟ "، فَقَالُوا: هَذِهِ بِنْتُ عَمْرٍو، أَوْ أُخْتُ عَمْرٍو) هكذا شك من سفيان، والصواب بنت عمرو، وهي فاطمة بنت عمرو، وسيأتي في الباب التالي من رواية شعبة، عن محمد بن المنكدر: "وجعلت عمتي تبكيه"، وفي رواية البخاريّ: "فذهبت عمتي فاطمة"، ووقع في "الإكليل" للحاكم تسميتها هند بنت عمرو، فلعل لها اسمين، أو أحدهما اسمها، والآخر لقبها، أو كانتا جميعًا حاضرتين. قاله في "الفتح" (١) (قَالَ) ﷺ ("فَلَا تَبْكِي") "لا" ناهية، فلذا جزم الفعل بعدها، وقول السنديّ: قوله: "فلا تبكي" نفي بمعني النهي. سهو منه، لأن الفعل مجزوم، ولو كان نفيا لرُفع بالنون، كما قال ابن مالك:
وَاجْعَلْ لِنَحْوِ يَفعَلَانِ النُّونَا … رَفْعَا وَتَدْعِينَ وَتَسْأَلُونَا
وَحذْفُهَا لِلْجَزْمِ وَالنَّصْبِ سِمَهْ … كَلَمْ تَكُونِي لِتَرُومِي مَظْلَمَهْ
стр. 10382
(أَوْ "فَلِمَ تَبْكِي؟) "أو" للشكّ من الراوي، والاستفهام للإنكار، فيكون بمعنى النهي.
وفي رواية البخاريّ: "قال: فلم تبكي؟ أو لا تبكي" قال في "الفتح": هكذا في هذه الرواية بكسر اللام، وفتح الميم، على أنه استفهام عن غائبة، وأما قوله: "أو لا تبكي"، فالظاهر أنه شكّ من الراوي، هل استفهَمَ، أو نَهى، لكن تقدم -يعني في رواية البخاري- من رواية شعبة "تبكين، أو لا تبكين"، وتقدم شرحه على التخيير، ومحصله أن هذا الجليل القدر الذي تظلّه الملائكة بأجنحتها لا ينبغي أن يُبكَى عليه، بل يُفرح له بما صار إليه انتهى (١).
وقال في موضع آخر: قوله: "تبكين، أو لا تبكين" للتخيير، ومعناه أنه مكرم بصنيع الملائكة، وتزاحمهم عليه لصعودهم بروحه، ويحتمل أن يكون شكّا من الراوي انتهى (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حمله على التخيير فيه نظر، إذ تعارضه رواية شعبة عند المصنف -كما سيأتي في الباب التالي- بلفظ: "لا تبكيه" بالنهي الجازم، فالأولى حمله على الشكّ، فيكون قوله: "تبكين" استفهامًا بتقدير أداته، أي أتبكين؟، والاستفهام الإنكاريّ بمنزلة النهي، فلا اختلاف بين رواية سفيان، وشعبة في المعنى. واللَّه تعالى أعلم.
(مَا زَالَتِ الْمَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا) هذه الجملة تعليل للنهي عن البكاء، أي لأن من كان مُعزّزًا مُكرّما بعناية الملَائكة به لا ينبغي أن يُبكَى عليه، بل يُفرح به ("حَتَّى رُفِعَ") وفي رواية شعبة: "حتى رفعتموه"، وهو غاية لتظليل الملائكة له، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث جابر ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٢/ ١٨٤٢ و ١٣/ ١٨٤٥ - وفي "الكبرى"-١٢/ ١٩٦٩ و ١٣/ ١٩٧٢ وأخرجه (خ) ١٢٤٢ و ١٢٩٣ و ٢٨١٦ (م) ٢٤٧١ (أحمد) ١٣٧٧٥ و ١٣٨٨٣. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو استحباب تسجية الميت، قال
стр. 10383
النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: وهو مجمع عليه، وحكمته صيانة الميت من الانكشاف، وستر عورته المتغيّرة عن الأعين، قال بعض أصحاب الشافعيّ: ويُلَفّ طرف الثوب المسجّى به تحت رأسه، وطرفه الآخر تحت رجليه، لئلا ينكشف منه، قال: وتكون التسجية بعد نزع ثيابه التي تُوفّي فيها، لئلا يتغيّر بدنه بسببها انتهى (١). ومنها: منقبة والد جابر ﵁، حيث أظلته الملائكة بأجنحتها. ومنها: عناية الملائكة بخدمة الصالحين، ومصاحبتهم، كما قال اللَّه تعالى حكاية عنهم: ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ الآية [فصلت: ٣١]. ومنها: فضل الشهادة في سبيل اللَّه تعالى. ومنها: النهي عن البكاء على من مات على خير عمله، وسيأتي تمام البحث عنه بعد باب، إن شاء اللَّه تعالى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١٣ - فِي الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيّتِ
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: غرض المصنف -رحمه اللَّه تعالى- بهذه الترجمة جواز البكاء على الميت، فالأحاديث التي أوردها هنا كلها تدلّ على الجواز، وأما الباب التالي، فهو للنهي عنه، كما صرح به هناك، وسيأتي التوفيق بين الأحاديث إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم.
قال الفيّوميّ -رحمه اللَّه تعالى-: بَكَى يَبْكِي بُكًى، وبُكَاءً، بالقصر والمدّ، وقيل: القصر مع خروج الدموع، والمدّ على إرادة الصوت، وقد جمع الشاعر بين اللغتين، فقال [من الوافر]:
بَكَتْ عَيْنِي وَحَقَّ لَهَا بُكَاهَا … وَمَا يُغْنِي الْبُكَاءُ وَلَا الْعَوِيلُ
ويتعدّى بالهمزة، فيقال: أبكيته، ويقال: بكَيتُهُ، وبكيتُ عليه، وبكيتُ له، وبَكَّيته بالتشديد، وبَكَت السحابةُ: أمطرت انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
١٨٤٣ - أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ, عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ, عَنْ عِكْرِمَةَ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ, قَالَ: لَمَّا حُضِرَتْ بِنْتٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَغِيرَةٌ, فَأَخَذَهَا
стр. 10384
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , فَضَمَّهَا (١) إِلَى صَدْرِهِ, ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا, فَقَضَتْ, وَهِيَ بَيْنَ يَدَىْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَبَكَتْ أُمُّ أَيْمَنَ, فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا أُمَّ أَيْمَنَ أَتَبْكِينَ, وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَكِ؟». فَقَالَتْ: مَا لِي لَا أَبْكِي, وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَبْكِي؟ , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنِّي لَسْتُ أَبْكِي, وَلَكِنَّهَا رَحْمَةٌ». ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْمُؤْمِنُ بِخَيْرٍ عَلَى كُلِّ حَالٍ, تُنْزَعُ نَفْسُهُ مِنْ بَيْنِ جَنْبَيْهِ, وَهُوَ يَحْمَدُ اللَّهَ ».
رجال الإسناد: خمسة:
١ - (هناد بن السريّ) أبو السريّ الكوفيّ، ثقة [١٠] ٢٣/ ٢٥.
٢ - (أبو الأحوص) سلاّم بن سُليم الحنفيّ الكوفيّ الحافظ الثبت [٧] ٧٩/ ٩٦.
٣ - (عطاء بن السائب) أبو محمدن أو أبو السائب الثقفي، الكوفيّ، صدوق اختلط [٥] ١٥٢/ ٢٤٣.
٤ - (عكرمة) مولى ابن عباس، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقة ثبت عالم بالتفسير [٣] ٢/ ٣٢٥.
٥ - (ابن عباس) ﵁ تقدم قريبًا. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وفيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - الحبر والبحر، أحد المكثرين السبعة، وأحد العبادلة الأربعة، وأحد المشهورين بالفتوى. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَن ابْنِ عَبَّاس) ﵁ (قَالَ: لَما حُضِرَتْ بِنْتٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَغِيرَةٌ) لم أعرف اسمها (فَأَخَذَهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ ، فَضَمَّهَا) وفي نسخة "وضمها" بالواو (إِلَى صَدْرِهِ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ) وفي نسخة "يديه" بالتثنية (عَلَيْهَا، فَقَضَتْ) أي ماتت. وفي نسخة "فقُبضت". ولأحمد من طريق أبي إسحاق، عن عطاء بن السائب: "جاء النبي ﷺ إلى بعض بناته، وهي في السَّوْق، فأخذها، ووضعها في حجره، حتى قُبضت، فدمعت عيناه … الحديث. وفي رواية إسرائيل , عن عطاء: "أتى رسول اللَّه ﷺ بعضَ بناته، وهي تَجُود بنفسها، فوقع عليها، فلم يرفع رأسه حتى قُبضت، قال: فرفع رأسه، وقال: الحمد للَّه، المؤمن بخير … الحديث (وَهِيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) جملة في
стр. 10385
محل نصب على الحال من الفاعل (فَبَكَتْ أُم أَيْمَنَ) حاضنة النبي ﷺ ، يقال: اسمها بَرَكَة، وهي والدة أسامة بن زيد، ماتت في خلافة عثمان ﵃ أجمعين (فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :"يَا أُمَّ أَيْمَنَ أتبْكِينَ) استفهام إنكاريّ، أنكر عليها بكاءها حيث كان برفع الصوت، كما يدلّ على ذلك رواية أحمد من طريق سفيان الثوريّ، عن عطاء بن السائب، ولفظه: "أخذ النبي ﷺ بنتا له، تَقضِي، فاحتضنها، فوضعها بين ثدييه، فماتت، وهي بين ثدييه، فصاحت أم أيمن … الحديث (ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَكِ؟ ") جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل أيضًا (فَقَالَتْ: مَا لِي لَا أَبْكِي) أي أيُّ شيء ثبت لي في عدم البكاء؟، وقد ثبت مقتضيه، وهو بكاء رسول اللَّه ﷺ ، كما بينته بقولها (وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَبْكِي؟) الجملة في محل نصب على الحال من الفاعل، والرابط الواو (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنِّي لَسْتُ أَبْكِي) أي بكاءً برفع صوت، فالمنفي بكاؤه برفع الصوت، وهو الذي أنكره عليها (وَلَكِنَّهَا رَحْمَةٌ) الضمير لبكائه ﷺ ، وإنما أنثه باعتبار الخبر. والمراد أن البكاء بلا صِيَاح رحمة، وبصياح منكر، فكأنه قال: بين بكائي وبكائك فرقٌ، فلا يؤخذ حكم أحدهما من الآخر.
وفيه دليل على جواز البكاء بلا صياح، فإن النبي ﷺ إنما أنكر على أم أيمن ﵂ بكاءها مع الصياح، كما تقدم في رواية أحمد.
وهذا محلّ استدلال المصنف -رحمه اللَّه تعالى- به على الترجمة (ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "المُؤمِنُ بِخَيْرِ عَلَى كُلِّ حَالٍ) يعني أن أحوال المؤمن كلها خير له، سواء كانت سرّاء، أم ضرّاء، إذ يُثاب على كلّ أحواله، ففي السرّاء يُثاب على شكره، وفي الضرّاء يثاب على صبره.
وهذا في معنى ما أخرجه مسلم -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" من حديث صهيب ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرا له" (١).
(تُنْزَعُ نَفْسُهُ) ببناء الفعل للمفعول، أي تخرُج روحه (مِنْ بَيْنِ جَنْبَيْهِ، وَهُوَ يَحْمَدُ اللَهَ ) أي فهو في هذه الحالة في ثواب عظيم، حيث رضي بقضاء ربّه، ولم يَجزَع، بل حمده على ما أصابه، فوَفَّاه أجرَه، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 10386
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته. حديث ابن عباس ﵄ هذا صحيح.
فإن قلت: كيف يصح، وفي سنده عطاء بن السائب، وهو مختلط شديد الاختلاط، وقال المصنّف ﵀ في "الكبرى": قال أبو عبد الرحمن: عطاء بن السائب كان قد اختلط، وأثبت الناس فيه سفيان الثوريّ، وشعبة بن الحجّاج انتهى (١) وأبو الأحوص لم يُعد ممن سمع منه قبل الاختلاط؟.
قلت: لم ينفرد به أبو الأحوص، بل رواه عنه سفيان الثوريّ كما في "مسند أحمد" ١/ ٢٧٣ وهو ممن سمع قبل الاختلاط، وأيضا تابعه أبو إسحاق، (٢) عند أحمد ١/ ٢٦٨ وإسرائيلُ عنده أيضًا ١/ ٢٩٧ وسعيد بن زيد، أخو حماد بن زيد، كما في "مسند عبد بن حُميد" رقم ٥٩٣.
والحاصل أن حديث عطاء صحيح بما ذكر, واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٣/ ١٨٤٣ وفي "الكبرى" ١٣/ ١٩٧٠ وأخرجه الترمذيّ "في الشمائل" رقم ٣٢٥ و (أحمد) ٢٤١٢ و ٢٤٧٥ و ٢٧٠٤ و (عبد بن حميد) ٥٩٣. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو جواز البكاء على الميت، لكن بلا صِياح، لإنكار النبي ﷺ ذلك على أم أيمن ﵂. ومنها: ما كان عليه النبي ﷺ ، من كمال الشفقة، والرحمة, كما وصفه اللَّه تعالى بذلك، حيث قال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]، ومنها: تواضع النبي ﷺ ، حيث إنه ضم البنت إلى صدره، ووضع يده عليها، فكان ممتثلا أمر ربه له بذلك، فقد أخرج مسلم في "صحيحه" عن عياض بن حمار الْمُجَاشِعِيّ ﵁ في حديثه الطويل في خطبة النبي ﷺ ، وفيه: "وإن اللَّه أوحى إليّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد … الحديث. ومنها: النهي عن البكاء على الميت مع الصِّيَاح، وسيأتي الكلام عليه في الباب التالي، إن شاء اللَّه تعالى. ومنها: عظمة اللَّه تعالى في قلب المؤمن، وشدة محبته له، حيث يَحمَده في السرّاء والضرّاء، فتُنزع روحه في بين جنبيه، وهو يحمده ، وهو المستحقّ لذلك ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ
стр. 10387
تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٧٠]. واللَّه أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٨٤٤ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا (١) عَبْدُ الرَّزَّاقِ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ, عَنْ ثَابِتٍ, عَنْ أَنَسٍ, "أَنَّ فَاطِمَةَ بَكَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , حِينَ مَاتَ, فَقَالَتْ: يَا أَبَتَاهُ مِنْ رَبِّهِ مَا أَدْنَاهُ, يَا أَبَتَاهُ إِلَى جِبْرِيلَ نَنْعَاهُ, يَا أَبَتَاهُ جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ مَأْوَاهُ".
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه المروزي الإمام الحجة [١٠] ٢/ ٢.
٢ - (عبد الرزاق) بن همام الصنعاني، ثقة حافظ، تغير في الآخر [٩] ٦١/ ٧٧.
٣ - (معمر) بن راشد الصنعاني، تقدم قريبًا.
٤ - (ثابت) بن أسلم البناني، أبو محمد البصريّ، ثقة عابد [٤] ٤٥/ ٥٣.
٥ - (أنس) بن مالك ﵁ ٦/ ٦. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. ومنها: أن فيه ثابتًا ﵀ تعالى ممن لازم أنسًا ﵁ أربعين سنة. ومنها: أنه فيه أنسًا ﵁ أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو أكثر الصحابة خدمة لرسول اللَّه ﷺ ، خَدَمَهُ عشر سنين، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة، مات سنة (٩٢) أو سنة (٩٣) وقد جاوز مائة سنة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَنَسٍ) ﵁ (أَنَّ فَاطِمَة) الزهراء بنت رسول اللَّه ﷺ ، و ﵂ (بَكَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) أي لأجل موته. وفي رواية البخاري من طريق حماد بن زيد، عن ثابت: لما ثَقُل النبي ﷺ جعل يتغشّاه، فقالت فاطمة ﵍: واكرب أباه، فقال: "ليس على أبيك كربٌ بعد اليوم"، فلما مات قالت: يا أبتاه أجاب ربًا دعاه … الحديث (حِينَ مَاتَ، فَقَالَتْ: يَا أَبَتَاهُ) أصله: يا أبي، والمثناة الفوقانية بدل من التحتانيّة، والألف للندبة، ولمدّ الصوت، والهاء للسكت (مِنْ رَبِّهِ) متعلّق بـ "أدناه" مقدّرًا، لأن معمول فعل التجب لا يتقدم عليه، وبالأحرى على "ما" التعجبيّة، كما أشار إليه في "الخلاصة" بقوله:
وَفِعلُ هَذَا الْبَابِ لَنْ يُقَدَّمَا … مَعمُولَهُ وَوَصْلَهُ بِهِ الْزَمَا
(مَا أَدْنَاهُ) "ما" تعجّبيّة، أي أيُّ شيء جعله قريبًا من ربه تعالى، تعجّبت استعظاما
стр. 10388
لرفعة منزلته عند اللَّه تعالى، حيث إنه اختاره للرفيق الأعلى، وقد وعده اللَّه تعالى أن يجعل له الآخرة خيرًا من الدنيا، حيث قال تعالى: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ [الضحى: ٤]، ولذا قال لها: "لا كرب على أبيك بعد اليوم" (يَا أَبَتَاهُ إِلَى جِبْرِيلَ نَنْعَاهْ) بنون الجماعة، وفي "الكبرى": "أنعاه" بهزة المتكلّم، وهو مضارع نعى الميَت يَنعَاه نَعْيًا بسكون العين، ونَعِيّا بكسرها، وتشديد الياء. إذا أخبر بموته. وقيل: الصواب "إلى جبريل نعاه" -أي بصيغة الماضي- جزم بذلك سبط ابن الجوزيّ في "المرآة"، قال الحافظ: والأولى موجّه، فلا معنى لتغليط الرواة بالظنّ انتهى (١) (يَا أَبَتَاهُ جَنَّةُ الْفِردَوْسِ مأْوَاهُ) وفي رواية البخاريّ: "مَنْ جنةُ الفردوس مأواه". قال في "الفتح": بفتح الميم في أوله على أنها موصولة، وحكى الطيبيّ عن نسخة من "المصابيح" بكسر الميم على أنها حرف جرّ، قال: والأول أولى.
زاد البخاريّ في روايته السابقة: "فلما دُفِن قالت فاطمة ﵍: يا أنس أطابت أنفسكم أن تَحْثُوا على رسول اللَّه ﷺ التراب".
قال في "الفتح": وهذا من رواية أنس، عن فاطمة، وأشارت ﵍ بذلك إلى عتابهم على إقدامهم على ذلك، لأنه يدلّ على خلاف ما عرفته منهم، من رقّة قلوبهم عليه لشدّة محبتهم له، وسكت أنس عن جوابها، رعاية لها، ولسانُ حاله يقول: لم تطب أنفسنا بذلك، إلا أنا قَهَرناها على فعله امتثالا لأمره.
وقد قال أبو سعيد فيما أخرجه البزّار بسند جيّد: "وما نَفَضنا أيدنا من دفنه حتى أنكرنا قلوبنا". ومثله في حديث ثابت، عن أنس عند الترمذيّ وغيره، يريد أنهم وجدوها تغيّرت عما عهدوه في حياته، من الأُلْفَة، والصفاء، والرِّقّة، لفقدان ما كان يُمدّهم به من التعليم، والتأديب. انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس ﵁ هذا أخرجه البخاريّ.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكره، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٣/ ١٨٤٤ - وفي "الكبرى" ١٣/ ١٩٧١ - وأخرجه (خ) ٤٤٦٢ (ق) ١٦٢٩ و ١٦٣٠ (أحمد) ١٢٠٢٦ و ١٢٦١٩ (الدارمي) ٨٧ واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو جواز البكاء على الميت، إذ لو كان
стр. 10389
ممنوعًا لحذّرها النبي ﷺ حين توجّعت بقولها: "واكرب أباه"، ولأنها ﵂ بكت عليه ﷺ بعد موته، ولم ينكر الصحابة ﵃ ذلك عليها. ومنها: جواز التوجّع للميت عند احتضاره بمثل قول فاطمة ﵂ "واكرب أباه"، وأنه ليس من النياحة المحرّمة، لأنه ﷺ أقرّها على ذلك. ومنها: أن قولها بعد أن قُبض: "وا أبتاه الخ" يؤخذ منه -كما قال الحافظ- أن تلك الألفاظ إذا كان الميت متّصفًا بها لا يُمنع ذكره لها بعد موته، بخلاف ما إذا كانت فيه ظاهرًا، وهو في الباطن بخلافه، أو لا يتحقّق اتصافه بها, فيدخل في المنع. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٨٤٥ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ يَزِيدَ, قَالَ: حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ, عَنْ جَابِرٍ, أَنَّ أَبَاهُ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ, قَالَ: فَجَعَلْتُ أَكْشِفُ عَنْ وَجْهِهِ, وَأَبْكِى, وَالنَّاسُ يَنْهَوْنِي, وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَنْهَانِي, وَجَعَلَتْ عَمَّتِى تَبْكِيهِ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَبْكِيهِ, مَا زَالَتِ الْمَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا, حَتَّى رَفَعْتُمُوهُ».
رجال الإسناد: خمسة:
١ - (عمرو بن يزيد) أبو بُرَيد الجَرْميّ البصريُّ، صدوق [١١] ٠٠/ ١٣٠.
٢ - (بهز بن أسد) العميّ، أبو الأسود البصريّ، ثقة ثبت [٩] ٢٤/ ٢٨.
٣ - (شعبة) بن الحجاج البصري الإمام الحافظ الحجة [٧] ٢٤/ ٢٦.
والباقيان تقدما في الباب الماضي.
وقوله: "ينهوني" بنون واحدة، وكذا عند البخاريّ، وفي رواية الكُشميهني "ينهونني" بنونين، إحداهما نون الرفع، والثانية نون الوقاية، وهو واضح، ووجه الأول أنه حذف منه إحدى النونين، والصحيح أن المحذوف نون الرفع، لأنه عُهد حذفها لغير ذلك، ولأنها نائبة عن الضمّة التي تحذف تخفيفا (١).
والحديث متفق عليه، وقد تقدّم تمام البحث فيه في الباب الماضي. وموضع الاستدلال للترجمة قوله: "ورسول اللَّه ﷺ لا ينهاني"، حيث أقرّه على البكاء على أبيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
стр. 10390
١٤ - النَّهْيُ عَنِ البُكَاءِ عَلَى الْمَيّتِ
١٨٤٦ - أَخْبَرَنَا عُتْبَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ, قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَابِرِ (١) بْنِ عَتِيكٍ, أَنَّ عَتِيكَ بْنَ الْحَارِثِ, وَهُوَ جَدُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, أَبُو أُمِّهِ أَخْبَرَهُ, أَنَّ جَابِرَ (٢) بْنَ عَتِيكٍ أَخْبَرَهُ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , جَاءَ يَعُودُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ ثَابِتٍ, فَوَجَدَهُ قَدْ غُلِبَ عَلَيْهِ, فَصَاحَ بِهِ, فَلَمْ يُجِبْهُ, فَاسْتَرْجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , وَقَالَ: «قَدْ غُلِبْنَا عَلَيْكَ أَبَا الرَّبِيعِ». فَصِحْنَ النِّسَاءُ, وَبَكَيْنَ, فَجَعَلَ ابْنُ عَتِيكٍ, يُسَكِّتُهُنَّ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «دَعْهُنَّ, فَإِذَا وَجَبَ, فَلَا تَبْكِيَنَّ بَاكِيَةٌ» , قَالُوا: وَمَا الْوُجُوبُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الْمَوْتُ». قَالَتِ ابْنَتُهُ: إِنْ كُنْتُ لأَرْجُو أَنْ تَكُونَ شَهِيدًا, قَدْ كُنْتَ قَضَيْتَ جِهَازَكَ, قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «فَإِنَّ اللَّهَ , قَدْ أَوْقَعَ أَجْرَهُ عَلَيْهِ, عَلَى قَدْرِ نِيَّتِهِ, وَمَا تَعُدُّونَ الشَّهَادَةَ؟». قَالُوا: الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ , قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الشَّهَادَةُ سَبْعٌ, سِوَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ : الْمَطْعُونُ شَهِيدٌ, وَالْمَبْطُونُ شَهِيدٌ, وَالْغَرِيقُ شَهِيدٌ, وَصَاحِبُ الْهَدْمِ شَهِيدٌ, وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ شَهِيدٌ, وَصَاحِبُ الْحَرَقِ شَهِيدٌ, وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ شَهِيدَةٌ».
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عُتْبَة بن عبد اللَّه بن عُتبة) أبو عبد اللَّه المروزيّ , صدوق [١٠] ٨١/ ٩٨.
٢ - (مالك) إمام دار الهجرة، تقدم قريبا.
٣ - (عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن جابر بن عتيك) وقيل: ابن جبر بن عَتيك، الأنصاريّ المدنيّ، وقيل: إنهما اثنان، والصحيح أنه رجل واحد، وقع الخلاف في اسم جدّه، ثقة [٤].
قال ابن معين: ثقة. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه؟ فقال: ثقة، قلت له: عبد اللَّه أحبّ إليك، أو موسى الجُهَنيّ؟ قال: عبد اللَّه أحبّ إليّ. وقال النسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب ستة أحاديث، وتقدّمت ترجمته في ٥٩/ ٧٣.
٤ - (عَتِيك (٣) بن الحارث) بن عَتِيك الأنصاريّ المدنيّ، مقبول، ذكره ابن حبّان في "الثقات" [٤] انفرد به أبو داود، والمصنف، وله في هذا الكتاب حديث الباب فقط.
стр. 10391
٥ - (جابر بن عَتيك) بن قيس بن الأسود الأنصاريّ، يقال: إنه شهد بدرًا، ولم يثبت، وشهد ما بعدها. رَوَى عن النبي ﷺ ، وعنه ابناه يوسف، وعبد الرحمن، وابن أخته عَتِيك بن الحارث بن عتيك. ذكر ابن عبد البرّ أنه شهد بدرًا، وكان معه راية بني معاوية عام الفتح.
وقال ابن إسحاق: جابر بن عتيك، وقيل: جبر بن عتيك شهد بدرًا، وكذا قال موسى بن عُقبة، وأبو معشر الطبريّ، وغيرهم. توفي سنة (٦١) وهو ابن (٩١) سنة.
رَوَى له أبو داود، والمصنف، وابن ماجه وله عند المصنف حديثان فقط: هذا، و ٢٥٥٨ حديث: "إن من الغيرة ما يحب اللَّه … ". واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف ﵀. ومنها: أن فيه رواية الراوي عن جده، وتابعي، عن تابعيّ. ومنها: أن صحابيه قليل الرواية، فليس له إلا ثلاثة أحاديث، حديث الباب عند المصنف، وأبي داود، وابن ماجه، وحديث: "إن من الغيرة ما يحب اللَّه … " الحديث عند المصنف، وأبي داود، وحديث: "سيأتيكم ركب مبغضون … " الحديث عند أبي داود فقط. راجع "تحفة الأشراف". جـ ٢ ص ٤٠٢ - ٤٠٣. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبدِ اللَّهِ) بالتكبير فيهما، وهذا مما توافق فيه الاسم واسم الأب (ابْن جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ) بفتح المهملة، وكسر الفوقانيّة، آخره كاف الأنصاريّ المدنيّ (أَنَّ عَتِيكَ بْنَ الْحَارِثِ، وَهُو) أي عتيك (جَدُّ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ) الراوي عنه (أَبُو أُمِّهِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَتِيك) ﵁ (أَخْبَرَهُ، أَنَّ النَّبِيَّ) ولفظ "الموطإ" "أن رسول اللَّه" ( ﷺ جَاءَ يَعُودُ عَبدَ اللَّهِ بنَ ثَابِتِ) بن قيس الأنصاريّ الأوسي، ويقال: إنه ظَفَريّ، مات في العهد النبويّ، وقال الواقديّ، وابن الكلبيّ: هو عبد اللَّه بن عبد اللَّه، له، ولأبيه صحبة، قال الكلبيّ: كفّنه ﷺ ، في قميصه، وعاش الأب إلى خلافة عمر ﵁، وكانا جميعًا شهدا أحدًا، وكذا قال الطبريّ، وابن السكنِ، وآخرون، وقال بعضهم: إنه أخو خُزيمة بن ثابت. كذا في "الإصابة" (فوَجَدَهُ قَدْ غُلِبَ عَلَيْهِ) بالبناء للمفعول، أي غَلَبه الوجع، وشدّته حتى منعه من إجابة النبي ﷺ (فَصَاحَ بِهِ) أي ناداه رافعا صوته حتى يسمعه (فَلَمْ يُجِبْهُ) لغلبة المرض عليه (فَاستَرجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أي قال: "إنا للَّه، وإنا إليه راجعون"، عملاً بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٦ - ١٥٧]، (وَقَالَ) ﷺ ("قَد غُلِبْنَا عَلَيكَ) قال الباجي: يحتمل أنه أراد التصريح بمعنى استرجاعه، وتأسّفه. وقال السنديّ ﵀: أي تقديره تعالى غالب علينا في موتك،
стр. 10392
وإلا فحياتك محبوبة لدينا لجميل سعيك فى الإسلام والخير انتهى (١) ("أَبَا الرَّبِيع") بحذف حرف النداء، أي يا أبا الربيع، وهو كنية عبد اللَّه بن ثابث ﵁ (فَصِحْنَ النِّسَاءُ) بكسر الصاد المهملة، أي صَرَخْنَ، يقال: صاح بالشيء يَصِيح به صَيْحَةً، وصِيَاحًا: صَرَخَ. قاله في "المصباح". وفي نسخة: "فصحن النسوة".
وفيه إلحاق نون النسوة مع إسناد الفعل للظاهر، وهو لغة "أكلوني البراغيث"، ولغة الأكثرين "فصاح النساء"، وإلى هذا أشار في "الخلاصة" حيث قال:
وَجَرِّدِ الْفِعْلَ إِذَا مَا أُسْنِدَا … لاثْنَيْنِ أَوْ جَمْعِ كَفَازَ الشُّهَدَا
وَقَدْ يُقَالُ سَعِدَا وَسَعِدُوا … وَالْفِعْلُ للظَّاهِرِ بَعْدُ مُسْنَدُ
(وَبَكَيْنَ، فَجَعَل) أي شَرَعَ (ابْنُ عَتِيكِ) وهو جابر المتقدّم (يُسَكِّتُهُنَّ) أي يأمرهنّ بالسكوت، لكونه سمع النهي عن البكاء، فحمله على عمومه (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : دَعْهُنَّ) أي اتركهنّ يبكين حتى يموت (فَإِذَا وَجَبَ) أي مات, فيه أن النهي عن البكاء يكون بعد الموت، لا في قربه، وفي نسخة: "فإذا وجبت"، فيكون الضمير للمصيبة: أي نزلت المصيبة (فَلَا تبْكِيَنَّ بَاكِيَةٌ) أي امرأة باكية، وخصّ المرأة لغلبة البكاء عليها، أو المراد نفس باكية، فيعمّ الرجال أيضًا، أي لا ترفع صوتها بالبكاء، أما دمع العين، وحزن القلب، فالسنّة ثابتة بإباحة ذلك في كلّ وقت، وعليه جماعة العلماء، كما قاله الحافظ أبو عمر ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى-.
وقال الباجيّ -رحمه اللَّه تعالى-: أشار به -واللَّه أعلم- إلى بكاء مخصوص، وهو ما جَرَت به العادة، من الصِّيَاح، والدعاء بالويل والثبور، وفي الحديث: "إن اللَّه لا يُعذّب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذّب بهذا، أو يرحم، وأشار إلى لسانه" انتهى (قَالُوا: وَمَا الْوُجُوبُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟) أي ما المراد بالوجوب في قولك: "وجب"؟ (قَالَ) ﷺ ("الْمَوْتُ") ولفظ "الموطإ": قال: "إذا مات"، قال الحافظ أبو عمر ﵀: فأظنّ ذلك -واللَّه أعلم- مأخوذا من وجب الحائط: إذا سقط، وانهدم انتهى (٢) (قَالَتِ ابْنَتُهُ: إِنْ كُنْتُ لَأَرْجُو) إن مخفّفة من الثقيلة، أي إني كنت، واللام هي الفارقة بين "إن" المخففة، والشرطية، كما قال في "الخلاصة":
وَخُفِّفَتْ "إِنَّ" فَقَلَّ الْعَمَلُ … وَتَلْزَمُ اللاَّمُ إِذَا مَا تُهْمَلُ
(أَنْ تَكُونَ شَهِيدًا، قد كُنْتَ قَضَيْتَ) أي أتممت. ولفظ "الموطإ": "فإنك كنت
стр. 10393
قضيت"، وهو في قوة التعليل، أي لأنك كنت قضيت، والخطاب لأبيها (جَهَازَكَ) بفتح الجيم وقد تُكسر: أي ما تحتاج إليه في سفرك للغزو. وقال الفيّومي ﵀: جَهَازُ السفر: أُهْبَته، وما يُحتاج إليه في قطع المسافة بالفتح، وبه قرأ السبعة في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾ الآية [يوسف: ٧٠]، والكسر لغة قليلة، وجَهَاز العَرُوس باللغتين أيضًا انتهى.
وقال السنديّ: والمراد تمّمت جهاز آخرتك، وهو العمل الصالح بالموت انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله السنديّ ﵀ فيه بعد، بل الأقرب أن المراد جهاز الغزو، أي إنك تأهبت للغزو في سبيل اللَّه تعالى، ولمن سبقك الموت. واللَّه تعالى أعلم.
(قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَإِن اللَّهَ ، قَد أَوْقَعَ أَجْرَهُ) أي أثبت، وأوجب بمقتضى وعده الذي لا يُخلفه، حيث وعد بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: ١٢٠]، وقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ الآية [التوبة: ٧٢]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [الرعد: ٣١]، (عَلَيْهِ) أي على عمله، فهو متعلّق بـ "أجره"، أو على ذاته، فهو متعلّق بـ "أوقع" (عَلَى قَدْرِ نِيَّتِهِ) أي مقدار العمل الذي نواه، فالنيّة بمعنى المنويّ، ويحتمل أن له من الأجر بقدر ما يجب لنيته، وهذا أظهر من جهة اللفظ، والأول أظهر من جهة المعنى، لأن القصد أن يُخبِر أن ما نواه لم يفته، ولو لم يكن له من الأجر إلا بقدر النيّة لَمَا كان لابنته في ذلك راحة. قاله الباجي (١).
(وَمَا تَعُدُّونَ الشَّهَادَةَ؟) "ما" استفهامية، أي كم تعدّون أسباب الشهادة؟ (قَالُوا: الْقَتْلُ
فِي سَبِيل اللَّهِ ، قَالَ) وفي "الموطإ" "فقال" (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) زاد ابن ماجه من حديث أبَي هريرة، ومن وجه آخر من حديث جابر بن عَتيك نفسِهِ: "إن شهداء أمتي إذن لقليل" (الشَّهَادَةُ سَبْعٌ) اختُلف في سبب تسمية الشهيد شهيدًا، فقال النضر بن شُميل: لأنه حيّ، فكأن أرواحهم شاهدة، أي حاضرة. وقال ابن الأنباريّ: لأن اللَّه وملائكته يشهدون له بالجنّة. وقيل: لأنه يَشهد عند خروج روحه ما أُعِدّ له من الكرامة. وقيل: لأنه يُشهَد له بالأمان من النار. وقيل: لأن عليه شاهدًا بكونه شهيدًا. وقيل: لأنه لا يشهده عند الموت إلا ملائكة الرحمة. وقيل: لأنه الذي يشهد يوم القيامة بإبلاغ الرسل. وقيل: لأن الملائكة تشهد له بحسن الخاتمة. وقيل: لأن الأنبياء تشهد له
стр. 10394
بحسن الاتباع. وقيل: لأن اللَّه يشهد له بحسن نيته وإخلاصه. وقيل: لأنه يُشاهد الملائكة عند احتضاره. وقيل: لأنه يشاهد الملكوت من دار الدنيا، ودار الآخرة.
وقيل. لأنه مشهود له بالأمان من النار. وقيل. لأن عليه علامة شاهدة بأنه قد نجا.
قال الحافظ: وبعض هذه يختصّ بمن قُتل في سبيل اللَّه، وبعضها يعمّ غيره، وبعضها قد يُنازع فيه. انتهى.
(سِوَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) وقد ثبت في "صحيح البخاريّ" وغيره من حديث أبي هريرة ﵁، مرفوعًا: "الشهداء خمسة … " فقيل: نسي بعض رواتها باقي السبع. قال الحافظ ﵀. وهو بعيد، لكن يقرّبه أن مسلما روى من حديث أبي هريرة شاهدًا لحديث جابر بن عتيك هذا، وزاد فيه، ونقص، فمن زيادته: "ومن مات في سبيل اللَّه فهو شهيد"، والذي يظهر أنه ﷺ أُعلِم بالأقلّ، ثم علم زيادة على ذلك، فذكرها في وقت آخر، ولم يقصد الحصر في شيء من ذلك.
وقد اجتمع لنا من الطرق الجيّدة أكثر من عشرين خصلة، وتبلغ بطرق فيها ضعف أزيد من ذلك انتهى كلام الحافظ بتصرّف.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد ألف الحافظ جلال الدين السيوطي ﵀ تعالى رسالةً سماها "أبواب السعادة في أسباب الشهادة" جَمَعَ فيها ما ورد من الأحاديث في أسباب الشهادة، وقد نظمتها في أرجوزة سميتها "إتحاف أهل السعادة بمعرفة أسباب الشهادة"، وهاك نصّها:
يَقُولُ رَاجِي رَبِّهِ سُبْحَانَهُ … مُحَمَّدٌ مُسْتَمْنِحًا غُفْرَانَهُ
حَمْدًا لِمَنْ قَدْ مَنَحَ الشَّهَادَهْ … لِمِنْ يَشَاءُ مِنْ ذَوِي السَّعَادَهْ
ثم الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ سَرمَدَا … عَلَى النَّبِيِّ الْمُصْطَفى مُحَمَّدَا
وَآلِهِ وَصَحبِهِ الْكِرَام … وَالتَّابِعِينَ سُبُلَ السَّلَامِ
وَبَعْدَهُ فهَذِهِ إِفَادَهْ … لِمَنْ أَرَادَ طُرُقَ الشَّهَادَهْ
نَظَمْتُهَا مِمَّا السُّيُوطِي جَمَعَهْ … لِيَسْهُلَ الْحِفْظُ لِمَنْ لَهُ سَعَهْ
سَمَّيْتُهَا إِتْحَافَ ذِي السَّعَادَهْ … بِذِكْرِ مَا يُوصِلُ لِلَّشَّهَادَهْ
وَأَسْاَلُ اللَّهَ الْقَبُولَ وَالرِّضَى … وَالْخَتْمَ بِالْحُسْنَى إِذَا الْعُمْرُ انْقَضَى
مِنْهَا الشَّهَادَةُ لِمَبْطُونِ تُرَى … وَالتَّاجِرِ الصَّدُوقِ نِعْمَ مَتْجَرًا
وَالْحَرْقُ وَالْحُمَّى وَذَا قَدْ ضُعِّفَا … وَمَنْ مِنَ المَرْكُوبِ صَرْعُهُ وَفَا
وقال الحافظ ﵀: والذي يظهر أن المذكورين ليسوا في المرتبة سواءً، ويدلّ عليه ما روى أحمد، وابن حبّان في "صحيحه" من حديث جابر، والدارميّ، وأحمد، والطحاويّ من حديث عبد اللَّه بن حُبْشيّ، وابن ماجه من حديث عمرو بن عَبَسَةَ: "أن النبي ﷺ سُئل أيّ الجهاد أفضل؟ قال: من عُقر جواده، وأُهريق دمه". ورَوَى الحسن ابن عليّ الحلوانيّ في "كتاب المعرفة" له بإسناد حسن، من حديث علي بن أبي طالب، قال: "كلّ موتة يموت بها المسلم، فهو شهيد، غير أن الشهادة تتفاضل" (١).
قال: ويتحصّل مما ذُكر في هذه الأحاديث أن الشهداء قسمان: شهيد الدنيا، وهو من يُقتل في حرب الكفار مقبلاً، غير مدبر، مخلصًا، وشهيد الآخرة، وهو من ذُكر، بمعنى أنهم يُعطَون من جنس أجر الشهداء، ولا تجري عليهم أحكامهم في الدنيا.
وفي حديث العرباض بن سارية ﵁ عند أحمد، والنسائيّ، قال: سمعت النبي ﷺ ، يقول: "يختصم الشهداء، والْمُتَوَفَّون على فرشهم، إلى اللَّه ، في الذين ماتوا من الطاعون، فيقول الشهداء: إخواننا قُتلوا، ويقول المتوفَّون على فرشهم: إخواننا ماتوا على فرشهم كما متنا، فيقضي اللَّه بينهم، أن انظروا إلى جراحات المُطَّعَنِين، فإن أشبهت جراحات الشهداء، فهم منهم، فينظرون إلى جراح المطَّعَنين، فإذا هم قد أشبهت، فيلحقون معهم". هذا لفظ أحمد، وله من حديث عُتبة بن عبد نحوه.
وإذا تقرر ذلك، فيكون إطلاق الشهداء على غير المقتول في سبيل اللَّه مجازًا، فيَحتجّ به من يُجيز استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، والمانع يُجيب بأنه من عموم المجاز، وقد يطلق الشهيد على من قُتل في حرب الكفّار، لكن لا يكون ذلك في حكم الآخرة، لعارض يمنعه، كالانهزام، وفساد النيّة. واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام الحافظ بتصرّف (٢).
(الْمَطْعُونُ شَهِيدٌ) أي الذي قتله الطاعون، وقد جاء مفسَّرًا فيما أخرجه الإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى- في "مسنده"، من طريق شعبة، عن زياد بن عِلاقة، قال: حدثني رجل
стр. 10398
من قومي، قال شعبة: قد كنت أحفظ اسمه، قال: كنا على باب عثمان ﵁، ننتظر الإذن عليه، فسمعتُ أبا موسى الأشعري، يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "فناء أمتي بالطعن، والطاعون"، قال: فقلنا: يا رسول اللَّه، هذا الطعن، قد عرفناه، فما الطاعون؟ قال: "طعن أعدائكم من الجن، وفي كلٍّ شهادة". قال زياد: فلم أرض بقوله، فسألت سيد الحي، وكان معهم، فقال: صدق، حدثناه أبو موسى (١).
وأخرج أيضًا من طريق أبي بكر النَّهْشَلي، قال: ثنا زياد بن علاقة، عن أسامة بن شريك، قال: خرجنا في بضع عشرة، من بني ثعلبة، فإذا نحن بأبي موسى، فإذا هو يحدث، عن رسول اللَّه ﷺ ، قال: "اللَّهم اجعل فناء أمتي في الطاعون … " فذكره.
وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن فناء أمتي بالطعن، والطاعون"، قال: أما الطعن، فقد عرفناه، فما الطاعون؟، قال: "غُدَّةٌ كغدّة البعير، تخرج في المرَاقّ، والآباط، من مات منه مات شهيدًا". أخرجه أحمد، والطبراني في "الأوسط" وأبو نعيم في "الطبّ".
(وَالْمَبْطُونُ شَهِيدٌ) اسم مفعول، من بُطِنَ بالبناء للمفعول: أي عليل البطن. وقال ابن الأثير ﵀: هو الذي يموت بمرض بطنه، كالاستسقاء، ونحوه وفى "كتاب الجنائز" لأبي بكر المروزيّ، عن شيخه شُريح أنه صاحب القولنج انتهى (٢) (وَالْغَرِيقُ شَهِيدٌ) بفتح الغين المعجمة، وكسر الراء: الذي يموت غريقًا في الماء (وَصَاحِبُ الْهَدَمِ شَهِيدٌ) "الهدم" بالتحريك: ما تهدّم من جوانب البئر، فسقط فيها. قاله في "ق"، وفي "المصباح": "الهدم" بفتحتين: ما تهدّم، فسقط انتهى.
والمراد هنا الذي يموت بسبب انهدام البيت ونحوه عليه (وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ شَهِيدٌ) هو مرض معروف، وهو وَرَم حارّ، يَعرِض في الغشاء المستبطن للأضلاع، ويقال: هو الشَّوصَة (٣) وفي "النهاية": "ذات الجنب": هي الدُّبَيلَة (٤)، والدُّمّلة الكبيرة التي تظهر في باطن الجَنْب، وتنفجر إلى داخل، وقلّما يَسلَم صاحبها، و"ذو الجَنْب":
стр. 10399
الذي يشتكي جَنْبه بسبب الدُّبَيلة، إلا أن "ذو" للمذكّر، و"ذات" للمؤنّث، وصارت "ذات الجنب" علما لها، وإن كانت في الأصل صفةً مضافةً انتهى (١) (وَصَاحِبُ الْحَرَقِ شَهِيدٌ) بالتحريك: النار، أو لَهَبُهَا. قاله في "ق". وفي "المصباح": والحرق بفتحتين: اسم من إحراق النار، ويقال: النار بعينها انتهى. والمعنى هنا صاحب الاحتراق بالنار (وَالمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعِ شَهِيدَةٌ") بضم الجيم، وتفتح، وتكسر، وسكون الميم: المرأة التي ماتت في النفاس، وولدها في بطنها، لم تلده، وقد تَمّ خلقه، وقيل: هي التي تموت من الولادة، سواء ألقت ولدها، أم لا، وقيل: هي التي تموت عذراء، والأول أشهر وأكثر، وقيل: التي ماتت في مزدلفة، قال الحافظ: وهو خطأ ظاهر انتهى. وفي "ق": وماتت بجمع مثلّثةٌ: عذراء، أو حاملاً، أو مُثْقَلَةً.
وفي "النهاية": "الجُمْع" بالضم بمعنى المجموع، والمعنى أنها ماتت مع شيء مجموع فيها، غيرِ منفصل عنها، من حمل، أو بكارة انتهى.
وقال الحافظ أبو عمر ﵀: وأما قوله: "المرأة تموت بجمع" ففيه قولان، لكل واحد منهما وجهان:
أحدهما: هي المرأة تموت من الولادة، وولدها في بطنها، قد تمّ خلقه، وماتت من النفاس، وهو في بطنها، لم تلده، قال أبو عُبيد: الْجُمْع التي في بطنها ولدها، وقيل: إذا ماتت من الولادة، فسواء ماتت، وولدها في بطنها، أو ولدته، ثم ماتت بإثر ذلك.
والقول الآخر: هي المرأة تموت عَذْرَاء، لم تنكح، ولم تفتضّ، وقيل: هي المرأة تموت، ولم تُطمَث، والمعنى واحد، لقوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٧٤]، أي لم يطأهنّ، والقول الأول أشهر وأكثر. واللَّه أعلم. انتهى باختصار (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث جابر بن عَتِيك ﵁ هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٤/ ١٨٤٦ و ٤٨/ ٣١٩٤ و ٣١٩٥. وأخرجه (د) ٣١١١ (ق) ٢٨٠٣ (مالك في الموطإ) ٥٥٢ (أحمد) ٢٣٢٣٩. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 10400
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو النهى عن البكاء على الميت، لكنه مقيد بموته. ومنها: إباحة البكاء على المريض بالصِّيَاح، وغير الصياح عند حضور وفاته. ومنها: مشروعية عيادة المريض. ومنها: الصياح بالعليل على وجه النداء له ليسمع، فيُسأَلَ عن حاله. ومنها: تكنية الرجل الكبير لمن دونه، قال أبو عمر ﵀: وهذا يُبطل ما يُحكى عن الخلفاء أنهم لا يكنون أحدًا، عصمنا اللَّه عما دقّ وجلّ من التكبّر برحمته. ومنها. أن المتجهّز للغزو إذا حيل بينه وبينه، يُكتب له أجر الغازي، ويقع أجره على قدر نيته، والآثار الصحاح تدلّ على أن من نوى خيرًا، وهَم به، ولم يصرف نيته عنه، وحيل بينه وبينه أنه يكتب له أجر ما نوى من ذلك، ألا ترى إلى قوله ﷺ : "ما من امرئ تكون له صلاة بليل، فغلبه عليها نوم، إلا كتب اللَّه له أجر صلاته، وكان نومه عليه صدقة"، حديث صحيح تقدم للمصنّف ٦١/ ١٧٨٤ وإلى قوله ﷺ : "لقد تركتم بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا، ولا أنفقتم من نفقة، ولا قطعتم من واد، إلا وهم معكم فيه"، قالوا: يا رسول اللَّه، وكيف يكونون معنا، وهم بالمدينة؟ قال: "حبسهم العذر". حديث صحيح، رواه أبو داوده ومنها: طرح العالم على المتعلّم المسألة، لبين له الصواب إن أخطأ. ومنها: فضل اللَّه تعالى العظيمُ على هذه الأمة، حيث جعل لهم أسباب الشهادة كثيرة، لينالوا بذلك الدرجات العلى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٨٤٧ - أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ, قَالَ: قَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ, وَحَدَّثَنِى يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ, عَنْ عَمْرَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: لَمَّا أَتَى نَعْيُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ, وَجَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ, وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ, جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , يُعْرَفُ فِيهِ الْحُزْنُ, وَأَنَا أَنْظُرُ مِنْ صِئْرِ الْبَابِ, فَجَاءَهُ رَجُلٌ, فَقَالَ: إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ, يَبْكِينَ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «انْطَلِقْ, فَانْهَهُنَّ» , فَانْطَلَقَ, ثُمَّ جَاءَ, فَقَالَ: قَدْ نَهَيْتُهُنَّ, فَأَبَيْنَ أَنْ يَنْتَهِينَ, فَقَالَ: «انْطَلِقْ, فَانْهَهُنَّ» , فَانْطَلَقَ, ثُمَّ جَاءَ, فَقَالَ: قَدْ نَهَيْتُهُنَّ, فَأَبَيْنَ أَنْ يَنْتَهِينَ, قَالَ: «فَانْطَلِقْ, فَاحْثُ فِي أَفْوَاهِهِنَّ التُّرَابَ» , فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: أَرْغَمَ اللَّهُ أَنْفَ الأَبْعَدِ, إِنَّكَ وَاللَّهِ, مَا تَرَكْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , وَمَا أَنْتَ بِفَاعِلٍ.
رجال الإسناد: ستة:
١ - (يونس بن عبد الأعلى) الصّدَفيّ المصريّ، ثقة، من صغار [١٠] ١/ ٤٤٩.
٢ - (ابن وهب) عبد اللَّه المصريّ، ثقة حافظ [٩] ٩/ ٩.
٣ - (معاوية بن صالح) بن حُدير الحضرميّ الحمصيّ قاضي الأندلس، صدوق له