← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 10396–10435 · переход к 10401.

стр. 10396

كذَاكَ مَنْ صَلَّى عَلَى النَّبِي مِائَهْ … وَفِيهِ مَجْهُولٌ فَكُنْ خَيْرَ الْفِئَهْ كَذَاكَ مَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ … أَوْ دَمِهِ أَوْ دِينهِ أَوْ مَالِهِ أَو دُونَ مَظْلِمَتِهِ أَو لَدَغَتْ … أَفْعَى وَلَكِنِ الْحَدِيثُ مَا ثَبَتْ وَمَن تَلَا الْحَشْرَ لَدَى الْمَنَامِ … وَمَاتَ وَالْمَلْدوغُ مِن هَوَامِ وَمَن عَلَى فِرَاشِهِ قَد مَاتَ فِي … حَالَةِ غَزْوِهِ يَنعَمَ الْمُقْتَفي وَمَنْ يَمُتْ بِمَرَض وَعُلِّلَا … حَدِيثُهُ أَوْ فِيهِ تَصْحيفٌ جَلَا مِن قَولِهِ مُرَابِطًا وَإِنْ يَمَتْ … فِي طَلَبِ الْعِلمِ وَلَكِنْ مَا ثَبَتْ وَمَوتُ جُمْعَةٍ إِذَا صَحَّ كَذَا … مَوْقُوصُ مَرْكُوبٍ إِذَا مَاتَ بِذَا مَوْتُ الْمُسَافِرِ وَمَائِدٌ لَدَى … بَحْرٍ مَعَ الْقَيءِ فَخُذْ نِلْتَ الْهُدَى وَالْمُتَمَسكُ بِسُنَّةِ الْهُدَى … عِندَ فَسَادِ النَّاسِ نِعْمَ الْمُقْتَدَى وَحَامِلٌ لِلْوَضْعِ وَالْفِصَالِ … فَكَا الْمُرَابِطِ لِحُسْنِ الْحَالِ وَمَنْ يَمُتْ مُرَابِطًا مُؤَذِّنُ … مُحْتَسِبٌ لَكِنَّ ذَا مُوَهَّنُ وَالنُّفَسَاءُ ذَا لَهَا قَدْ وَرَدَا … وَنَسْأَلُ الإِلَهَ حَظَّ الشُّهَدَا وَيَجْعَلَ الْفِردَوْسَ أَعْلَى الجَنَّهْ … مَنْزِلَنَا فَضْلًا لَهُ وَمِنَّهْ وَالْحَمْدُ لِلهِ تَعَالَى وَحْدَهُ … يُولِي الشَّهَادَةَ بِيُسْرٍ عَبْدَهُ ثُمَّ الصَّلَاةُ والسَّلَامُ أَبَدَا … عَلَى رَسُولِ اللَّهِ خَيْرِ الشُّهَدَا وَآلِهِ وَصَحْبِهِ الأَكَارِمِ … أَهْلِ التُّقَى والْفَضْلِ وَالْمَرَاحِمِ مَا اشْتَاقَ مُؤمِنٌ إِلَى الْجِهَادِ … وَفَازَ بِالْفِردَوْسِ بِاسْتِشْهَادِ أَبْيَاتُهَا خَمْسُونَ يَارَبِّ انْفَعَا … بِهَا جَمِيعَ الْمُقْبِلِينَ الرُّفَعَا وَاختِمْ لَنَا بِالْخَيْرِ وَالْعِبَادَهْ … وَاكْتُبْ لَنَا الْحُسْنَى مَعَ الزِّيَادَهْ [تنبيه]: قال ابن التين ﵀: هذه كلّها مِيتَاتٌ (١)، فيها شدّةٌ، تفضّل اللَّهُ على أمة محمد ﷺ بأن جعلها تمحيصًا لذنوبهم، وزيادة في أجورهم، يبلّغهم بها مراتب الشهداء.

стр. 10397

وقال الحافظ ﵀: والذي يظهر أن المذكورين ليسوا في المرتبة سواءً، ويدلّ عليه ما روى أحمد، وابن حبّان في "صحيحه" من حديث جابر، والدارميّ، وأحمد، والطحاويّ من حديث عبد اللَّه بن حُبْشيّ، وابن ماجه من حديث عمرو بن عَبَسَةَ: "أن النبي ﷺ سُئل أيّ الجهاد أفضل؟ قال: من عُقر جواده، وأُهريق دمه". ورَوَى الحسن ابن عليّ الحلوانيّ في "كتاب المعرفة" له بإسناد حسن، من حديث علي بن أبي طالب، قال: "كلّ موتة يموت بها المسلم، فهو شهيد، غير أن الشهادة تتفاضل" (١). قال: ويتحصّل مما ذُكر في هذه الأحاديث أن الشهداء قسمان: شهيد الدنيا، وهو من يُقتل في حرب الكفار مقبلاً، غير مدبر، مخلصًا، وشهيد الآخرة، وهو من ذُكر، بمعنى أنهم يُعطَون من جنس أجر الشهداء، ولا تجري عليهم أحكامهم في الدنيا. وفي حديث العرباض بن سارية ﵁ عند أحمد، والنسائيّ، قال: سمعت النبي ﷺ ، يقول: "يختصم الشهداء، والْمُتَوَفَّون على فرشهم، إلى اللَّه ، في الذين ماتوا من الطاعون، فيقول الشهداء: إخواننا قُتلوا، ويقول المتوفَّون على فرشهم: إخواننا ماتوا على فرشهم كما متنا، فيقضي اللَّه بينهم، أن انظروا إلى جراحات المُطَّعَنِين، فإن أشبهت جراحات الشهداء، فهم منهم، فينظرون إلى جراح المطَّعَنين، فإذا هم قد أشبهت، فيلحقون معهم". هذا لفظ أحمد، وله من حديث عُتبة بن عبد نحوه. وإذا تقرر ذلك، فيكون إطلاق الشهداء على غير المقتول في سبيل اللَّه مجازًا، فيَحتجّ به من يُجيز استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، والمانع يُجيب بأنه من عموم المجاز، وقد يطلق الشهيد على من قُتل في حرب الكفّار، لكن لا يكون ذلك في حكم الآخرة، لعارض يمنعه، كالانهزام، وفساد النيّة. واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام الحافظ بتصرّف (٢). (الْمَطْعُونُ شَهِيدٌ) أي الذي قتله الطاعون، وقد جاء مفسَّرًا فيما أخرجه الإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى- في "مسنده"، من طريق شعبة، عن زياد بن عِلاقة، قال: حدثني رجل

стр. 10398

من قومي، قال شعبة: قد كنت أحفظ اسمه، قال: كنا على باب عثمان ﵁، ننتظر الإذن عليه، فسمعتُ أبا موسى الأشعري، يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "فناء أمتي بالطعن، والطاعون"، قال: فقلنا: يا رسول اللَّه، هذا الطعن، قد عرفناه، فما الطاعون؟ قال: "طعن أعدائكم من الجن، وفي كلٍّ شهادة". قال زياد: فلم أرض بقوله، فسألت سيد الحي، وكان معهم، فقال: صدق، حدثناه أبو موسى (١). وأخرج أيضًا من طريق أبي بكر النَّهْشَلي، قال: ثنا زياد بن علاقة، عن أسامة بن شريك، قال: خرجنا في بضع عشرة، من بني ثعلبة، فإذا نحن بأبي موسى، فإذا هو يحدث، عن رسول اللَّه ﷺ ، قال: "اللَّهم اجعل فناء أمتي في الطاعون … " فذكره. وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن فناء أمتي بالطعن، والطاعون"، قال: أما الطعن، فقد عرفناه، فما الطاعون؟، قال: "غُدَّةٌ كغدّة البعير، تخرج في المرَاقّ، والآباط، من مات منه مات شهيدًا". أخرجه أحمد، والطبراني في "الأوسط" وأبو نعيم في "الطبّ". (وَالْمَبْطُونُ شَهِيدٌ) اسم مفعول، من بُطِنَ بالبناء للمفعول: أي عليل البطن. وقال ابن الأثير ﵀: هو الذي يموت بمرض بطنه، كالاستسقاء، ونحوه وفى "كتاب الجنائز" لأبي بكر المروزيّ، عن شيخه شُريح أنه صاحب القولنج انتهى (٢) (وَالْغَرِيقُ شَهِيدٌ) بفتح الغين المعجمة، وكسر الراء: الذي يموت غريقًا في الماء (وَصَاحِبُ الْهَدَمِ شَهِيدٌ) "الهدم" بالتحريك: ما تهدّم من جوانب البئر، فسقط فيها. قاله في "ق"، وفي "المصباح": "الهدم" بفتحتين: ما تهدّم، فسقط انتهى. والمراد هنا الذي يموت بسبب انهدام البيت ونحوه عليه (وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ شَهِيدٌ) هو مرض معروف، وهو وَرَم حارّ، يَعرِض في الغشاء المستبطن للأضلاع، ويقال: هو الشَّوصَة (٣) وفي "النهاية": "ذات الجنب": هي الدُّبَيلَة (٤)، والدُّمّلة الكبيرة التي تظهر في باطن الجَنْب، وتنفجر إلى داخل، وقلّما يَسلَم صاحبها، و"ذو الجَنْب":

стр. 10399

الذي يشتكي جَنْبه بسبب الدُّبَيلة، إلا أن "ذو" للمذكّر، و"ذات" للمؤنّث، وصارت "ذات الجنب" علما لها، وإن كانت في الأصل صفةً مضافةً انتهى (١) (وَصَاحِبُ الْحَرَقِ شَهِيدٌ) بالتحريك: النار، أو لَهَبُهَا. قاله في "ق". وفي "المصباح": والحرق بفتحتين: اسم من إحراق النار، ويقال: النار بعينها انتهى. والمعنى هنا صاحب الاحتراق بالنار (وَالمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعِ شَهِيدَةٌ") بضم الجيم، وتفتح، وتكسر، وسكون الميم: المرأة التي ماتت في النفاس، وولدها في بطنها، لم تلده، وقد تَمّ خلقه، وقيل: هي التي تموت من الولادة، سواء ألقت ولدها، أم لا، وقيل: هي التي تموت عذراء، والأول أشهر وأكثر، وقيل: التي ماتت في مزدلفة، قال الحافظ: وهو خطأ ظاهر انتهى. وفي "ق": وماتت بجمع مثلّثةٌ: عذراء، أو حاملاً، أو مُثْقَلَةً. وفي "النهاية": "الجُمْع" بالضم بمعنى المجموع، والمعنى أنها ماتت مع شيء مجموع فيها، غيرِ منفصل عنها، من حمل، أو بكارة انتهى. وقال الحافظ أبو عمر ﵀: وأما قوله: "المرأة تموت بجمع" ففيه قولان، لكل واحد منهما وجهان: أحدهما: هي المرأة تموت من الولادة، وولدها في بطنها، قد تمّ خلقه، وماتت من النفاس، وهو في بطنها، لم تلده، قال أبو عُبيد: الْجُمْع التي في بطنها ولدها، وقيل: إذا ماتت من الولادة، فسواء ماتت، وولدها في بطنها، أو ولدته، ثم ماتت بإثر ذلك. والقول الآخر: هي المرأة تموت عَذْرَاء، لم تنكح، ولم تفتضّ، وقيل: هي المرأة تموت، ولم تُطمَث، والمعنى واحد، لقوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٧٤]، أي لم يطأهنّ، والقول الأول أشهر وأكثر. واللَّه أعلم. انتهى باختصار (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث جابر بن عَتِيك ﵁ هذا صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١٤/ ١٨٤٦ و ٤٨/ ٣١٩٤ و ٣١٩٥. وأخرجه (د) ٣١١١ (ق) ٢٨٠٣ (مالك في الموطإ) ٥٥٢ (أحمد) ٢٣٢٣٩. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 10400

المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو النهى عن البكاء على الميت، لكنه مقيد بموته. ومنها: إباحة البكاء على المريض بالصِّيَاح، وغير الصياح عند حضور وفاته. ومنها: مشروعية عيادة المريض. ومنها: الصياح بالعليل على وجه النداء له ليسمع، فيُسأَلَ عن حاله. ومنها: تكنية الرجل الكبير لمن دونه، قال أبو عمر ﵀: وهذا يُبطل ما يُحكى عن الخلفاء أنهم لا يكنون أحدًا، عصمنا اللَّه عما دقّ وجلّ من التكبّر برحمته. ومنها. أن المتجهّز للغزو إذا حيل بينه وبينه، يُكتب له أجر الغازي، ويقع أجره على قدر نيته، والآثار الصحاح تدلّ على أن من نوى خيرًا، وهَم به، ولم يصرف نيته عنه، وحيل بينه وبينه أنه يكتب له أجر ما نوى من ذلك، ألا ترى إلى قوله ﷺ : "ما من امرئ تكون له صلاة بليل، فغلبه عليها نوم، إلا كتب اللَّه له أجر صلاته، وكان نومه عليه صدقة"، حديث صحيح تقدم للمصنّف ٦١/ ١٧٨٤ وإلى قوله ﷺ : "لقد تركتم بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا، ولا أنفقتم من نفقة، ولا قطعتم من واد، إلا وهم معكم فيه"، قالوا: يا رسول اللَّه، وكيف يكونون معنا، وهم بالمدينة؟ قال: "حبسهم العذر". حديث صحيح، رواه أبو داوده ومنها: طرح العالم على المتعلّم المسألة، لبين له الصواب إن أخطأ. ومنها: فضل اللَّه تعالى العظيمُ على هذه الأمة، حيث جعل لهم أسباب الشهادة كثيرة، لينالوا بذلك الدرجات العلى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٨٤٧ - أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ, قَالَ: قَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ, وَحَدَّثَنِى يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ, عَنْ عَمْرَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: لَمَّا أَتَى نَعْيُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ, وَجَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ, وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ, جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , يُعْرَفُ فِيهِ الْحُزْنُ, وَأَنَا أَنْظُرُ مِنْ صِئْرِ الْبَابِ, فَجَاءَهُ رَجُلٌ, فَقَالَ: إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ, يَبْكِينَ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «انْطَلِقْ, فَانْهَهُنَّ» , فَانْطَلَقَ, ثُمَّ جَاءَ, فَقَالَ: قَدْ نَهَيْتُهُنَّ, فَأَبَيْنَ أَنْ يَنْتَهِينَ, فَقَالَ: «انْطَلِقْ, فَانْهَهُنَّ» , فَانْطَلَقَ, ثُمَّ جَاءَ, فَقَالَ: قَدْ نَهَيْتُهُنَّ, فَأَبَيْنَ أَنْ يَنْتَهِينَ, قَالَ: «فَانْطَلِقْ, فَاحْثُ فِي أَفْوَاهِهِنَّ التُّرَابَ» , فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: أَرْغَمَ اللَّهُ أَنْفَ الأَبْعَدِ, إِنَّكَ وَاللَّهِ, مَا تَرَكْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , وَمَا أَنْتَ بِفَاعِلٍ. رجال الإسناد: ستة: ١ - (يونس بن عبد الأعلى) الصّدَفيّ المصريّ، ثقة، من صغار [١٠] ١/ ٤٤٩. ٢ - (ابن وهب) عبد اللَّه المصريّ، ثقة حافظ [٩] ٩/ ٩. ٣ - (معاوية بن صالح) بن حُدير الحضرميّ الحمصيّ قاضي الأندلس، صدوق له

стр. 10401

أوهام [٧] ٥٠/ ٦٢. ٤ - (يحيى بن سعيد) الأنصاريّ المدني القاضي، ثقة ثبت [٥] ٢٢/ ٢٣. ٥ - (عمرة) بن عبد الرحمن الأنصارية المدنية، ثقة [٣] ١٣٤/ ٢٠٣. ٦ - (عائشة) ﵂ ٥/ ٥ واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه سداسيات المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعية. (ومنها): فيه عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) من الأحاديث. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَن عَائِشَةَ) ﵂، أنها (قَالَتْ: لَمَّا أَتَى نَعْيُ) بفتح، فسكون، أو كغَنِيّ: أي خبر موتهم، يقال: نعاه له ينعاه، نَعْيًا، ونَعِيًا، ونُعيَانًا بالضمّ: أخبره بموته. قاله في "ق" (زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَجَعفَرِ بنِ أَبِي طَالبٍ، وَعَبدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ) وكان قتلهم في غزوة مؤتة، سنة ثمان من الهجرة (جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) زاد أبو داود من طريق سليمان بن كثير، عن يحيى: "في المسجد" (يُعْرَفُ فِيهِ) وفي نسخة: "في وجهه" (الْحُزْنُ) أي يظهر في وجهه الحزن، وهو بضم، فسكون، أو بفتحتين، والجملة حال. قال الطيبيّ ﵀: كأنه كَظَمَ الحزن كظمًا، فظهر منه ما لا بدّ للجِبِلَّة البشريّة منه انتهى (وَأَنَا أَنْظُرُ مِنْ صِيرِ البَابِ) وقع في نسخ "المجتبى" "صئر" بالهمزة بدل الياء، وهو تصحيف، والصواب، "الصِّير" بكسر الصاد المهملة، بعدها ياء ساكنة، وآخره راء، وهو الذي "في الكبرى"، ومعناه: شَقُّ الباب الذي يُنظَر منه. ولفظ الشيخين: "من صائر الباب"، قال في "الفتح": بالمهملة، والتحتانيّ، وقع تفسيره في نفس الحديث -أي من طريق عبد الوهّاب الثقفي- عن يحيى: "شَقّ الباب"، وهو بفتح الشين المعجمة، أي الموضع الذي يُنظر منه، ولم يَرِدْ بكسر المعجمة، أي الناحية، إذ ليست مرادةً هنا، قاله ابن التين. وهذا التفسير الظاهر أنه من قول عائشة، ويحتمل أن يكون ممن بعدها، قال المازريّ: كذا وقع في "الصحيحين" هنا "صائر" والصواب "صِير"، أي بكسر أوله، وسكون التحتانيّة، وهو الشَّقّ، قال أبو عبيدة في "غريب الحديث" في الكلام على حديث: "مَن نَظَر من صِيرٍ الباب، ففقئت عينه، فهي هدر": الصِّير الشَّقّ، ولم نسمعه

стр. 10402

إلا في هذا الحديث. وقال ابن الجوزيّ: صائر، وصِير بمعنى واحد انتهى (١). (فَجَاءَهُ) وفي نسخة: "فجاء" (رَجُلٌ) قال الحافظ: لم أقف على اسمه، وكأنه أُبِهمَ عمدًا، لما وقع في حقّه من غضّ عائشة منه (فَقَالَ: إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ) أي امرأته، وهي أسماء بنت عُمَيس الخَثْعَميّةُ، ومن حضر عندها، من أقاربها، وأقارب جعفر، ومن في معناهنّ، ولم يذكر أهل العلم بالأخبار لجعفر امرأة غير أسماء. قاله في "الفتح" (٢) (يَبْكِينَ) ولفظ أبي عوانة من طريق سليمان بن بلال، عن يحيى: "قد كثُر بكاؤهنّ" وعند ابن حبّان من طريق عبد اللَّه بن عمرو، عن يحيى بلفظ: "قد أكثرن بكاءهنّ". ولفظ الشيخين، "فقال: إن نساء جعفر -وذكر بكاءهنّ-"، قال الطيبيّ: هو حال عن المستتر في قوله:، "فقال"، وحذف خبر "إنّ" من القول المحكيّ لدلالة الحال عليه، والمعنى قال الرجل: إن نساء جعفر فعلن كذا مما لا ينبغي من البكاء المشتمل على النَّوْح انتهى (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "انْطَلِقْ، فَانَّههُنَّ"، فَانْطَلَقَ) أي فنهاهنّ، فلم يُطعنه (ثُمَّ جَاءَ) الثانية (فَقَالَ: قَدْ نَهْيتُهُنَّ، فَأَبَيْنَ أَنْ يَنْتَهِينَ) قال القرطبيّ ﵀ تعالى: كون نساء جعفر لم يُطعن الناهي لهنّ عن البكاء، إما لأنه لم يُصرّح لهنّ بأن النبي ﷺ نهاهنّ، فظنت منه أنه كالمحتسب في ذلك، وكالمرشد للمصلحة، أو لأنهنّ غُلبنَ في أنفسهنّ على سماع النهي لحرارة المصيبة. واللَّه تعالى أعلم انتهى (٣). (فَقَالَ: "انْطَلِقْ، فَانّهُهُنّ"، فَانْطَلَقَ) أي فنهاهنّ أيضا، فلم يطعنه (ثُمَّ جَاءَ) الثالثة (فَقَالَ: قَدْ نَهَيْتُهُنَّ، فَابَيْنَ أَنْ يَنْتَهِينَ) ولفظ الشيخين: "فأتاه الثالثة، قال: واللَّه غلبننا يا رسول اللَّه" (قَالَ: "فَانْطَلِقْ، فَاحْثُ) بضمّ المثلّثة، وبكسرها، يقال: حثا يَحْثُو، ويَحْثِي. قال في "المصباح": حثا الرجلُ الترابَ يَحثوه حَثْوًا، ويَحْثيه حَثْيًا، من باب رَمَى لغةٌ: إذا هاله -أي صبّه- بيده، وبعضهم يقول: قبضه بيده، ثمّ رماه، ومنه: "فاحثوا التراب في وجهه"، ولا يكون إلا بالقبض والرمي انتهى (فِي أَفْوَاهِهِنَّ التُّرَابَ) وفي رواية: "من التراب". قيل: يؤخذ من هذا أن التأديب يكون بمثل هذا، وهذا إرشاد عظيم قلّ من يتفطّن له (٤). وقال في "الفتح": قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: هذا يدلّ على أنهنّ رفعن أصواتهنّ بالبكاء، فلما لم ينتهين أمره أن يسدّ أفواههنّ بذلك، وخصّ الأفواه بذلك لأنها محلّ

стр. 10403

النَّوْح، بخلاف الأعين مثلاً انتهى. ويحتمل أن يكون كناية عن المبالغة في الزجر، أو المعنى أعلمهنّ أنهنّ خائبات من الأجر المترتّب على الصبر، لما أظهرن من الجزع، كما يقال للخائب: لم يَحصُل في يده إلا التراب، لكن يُبعِد هذا الاحتمال قولُ عائشة الآتي. وقيل: لم يُرِد بالأمر حقيقته، قال عياض: هو بمعنى التعجيز، أي إنهنّ لا يسكتن إلا بسدّ أفواههنّ، ولا يسدّها إلا أن تملأ بالتراب، فإن أمكنك فافعل. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذه الاحتمالات كلها ضعيفة، والصواب أن الحديث على ظاهره من حثو الترب في أفواههنّ على حقيقته، إذ لا دليل على صرف الظاهر إلى غيره، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. قال: ثم الظاهر أنه كان بكاؤهنّ زيادة على القدر المباح، فيكون النهي للتحريم بدليل أنه كرّره، وبالغ فيه، وأمر بعقوبتهنّ إن لم يسكتن. ويحتمل أن يكون مجرّدًا، والنهي للتنزيه، ولو كان للتحريم لأرسل غير الرجل المذكور لِمَنعِهنّ، لأنه لا يُقرّ على باطل، ويبعد تمادي الصحابيات بعد تكرار النهي على فعل الأمر المحرّم، وفائدة نهيهنّ عن الأمر المباح خشية أن يسترسلن فيه، فيفضي بهنّ إلى الأمر المحرّم، لضعف صبرهنّ، فَيُستفاد منه جواز النهي عن المباح عند خشية إفضائه إلى ما يحرّم. كذا في "الفتح". (فَقَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂ (فَقُلْتُ: أَرْغَمَ اللَّهُ أَنْفَ الْأَبْعَدِ) بالراء، والغين المعجمة: أي ألصق اللَّه أنفه بالرغام -بفتح الراء- وهو التراب، إهانة، وإذلالاً. ووصفته بـ "الأبعد" لبعده عن الصواب، حيث أحرج النبي ﷺ بكثرة المراجعة. ولفظ الشيخين "أرغم اللَّه أنفك" بالخطاب. قال الحافظ: دعت عليه من جنس ما أُمر أن يفعله بالنسوة، لفهمها من قرائن الحال أنه أحرج النبي ﷺ بكثرة تردّده إليه في ذلك. وقال الطيبيّ: أي أذلّك اللَّه، فإنك آذيت رسول اللَّه ﷺ ، وما كففتهنّ عن البكاء، وهذا معنى قولها ﵂ (إِنَّكَ وَاللَّهِ، مَا تَرَكْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) أي من العَنَاء والتَّعَب، ومراد عائشة أن الرجل لا يقدر على ذلك، فإذا كان لا يقدر، فقد أتعب نفسه، ومن يُخاطبه في شيء لا يقدر على إزالته، ولعلّ الرجل لم يفهم من الأمر الحتم. وقال النووي: معناه أنك قاصر لا تقوم بما أمرت به من الإنكار لنقصك، وتقصيرك، ولا تخبر النبي ﷺ بقصورك عن ذلك حتى يرسل غيرك، ويستريح من العناء (وَمَا أَنْتَ بِفَاعِلٍ) الباء زائدة بعد "ما" النافية، كما قال في "الخلاصة":

стр. 10404

وَبَعدَ "مَا"و"لَيْسَ" جَر الْبَا الْخَبَرْ … وَبَعْدَ "لَا" وَنَفْيِ "كَانَ" قدْ يُجَرُّ ومفعول "فاعلِ" محذوف، أي ما أمرك به رسول اللَّه ﷺ ، والمراد على وجه الكمال في الزجر، وإلا فقد قام بالأمر حيث نهاهنّ عن الضجر. قاله القاري. وقال الكرمانيّ: أي لم تبلغ النهي، ونفته، وإن كان قد نهاهنّ لأنه لم يترتب على نهيه الامتثال، فكأنه لم يفعله، ويحتمل أن تكون أرادت لم تفعل، أي الحثو بالتراب انتهى. ولفظ الشيخين: "لم تفعل ما أمرك به رسول اللَّه ﷺ ولم تترك رسول اللَّه ﷺ من العناء"، بفتح المهملة، والنون، والمدّ: أي المشقّة والتعب. وفي رواية لمسلم: "من العِيّ" بكسر المهملة، وتشديد التحتانية، ووقع في رواية العُذريّ "الغَيّ" بفتح المعجمة بلفظ ضدّ الرشد (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى. في درجته. حديث عائشة ﵂ هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١٤/ ١٨٤٧ - وفي "الكبرى" ١٤/ ١٩٧٤ - وأخرجه (خ) ١٢٩٩ و ١٣٠٥ و ٤٢٦٣ (م) ٩٣٥ (د) ٣١٢٢ (أحمد) ٢٣٧٩٢ و ٢٥٨٣١ واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو النهي عن البكاء على الميت، وسيأتي الجمع بينه وبين أحاديث إباحة البكاء على الميت بعد باب، إن شاء اللَّه تعالى. ومنها: جواز الجلوس للعزاء بسكينة ووقار، وقد ترجم الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" على هذا الحديث بقوله: "باب من جلس عند المصيبة، يُعرَف فيه الحزن". قال الزين ابن المُنَيِّر -رحمه اللَّه تعالى-: ما ملخّصه: موقع هذه الترجمة من الفقه أن الاعتدال في الأحوال هو المسلك الأقوم، فمن أصيب بمصيبة عظيمة، لا يُفْرِطُ في الحزن حتى يقع في المحذور، من اللَّّطْم، والشَّقّ، والنَّوْح، وغيرها، ولا يُفَرِّطُ في التجلّد، حتى يفضي إلى القسوة، والاستخفاف بقدر المصاب، فيَقتدِي به ﷺ في تلك الحالة، بأن يَجلِس المصاب جلسة خفيفةً بوقار، وسكينة، تظهر عليه مخايل الحزن، ويُؤذن بأن المصيبة عظيمة.

стр. 10405

ثم ترجم البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- بعد هذا "باب من لم يُظهِر حزنه عند المصيبة"، وأورد فيه قصة أبي طلحة مع زوجته أم سليم ﵂. (١) فقال في "الفتح" عند الكلام على الترجمة الأولى: ما نصّه: ولم يفصح المصنّف بحكم هذه المسألة، ولا التي بعدها، لأن كلّا منهما قابل للترجيح، أما الأول، فلكونه من فعل النبي ﷺ ، والثاني من تقريره، وما يباشره بالفعل أرجح غالبًا. وأما الثاني، فلأنه فعل أبلغ في الصبر، وأزجر للنفس، فيرجَّح، وُيحمَل فعلُهُ ﷺ المذكور على بيان الجواز، ويكون فعله في حقّه في تلك الحالة أَوْلَى. انتهى. (٢) ومنها: جواز نظر النساء المحتجبات إلى الرجال الأجانب. ومنها: أن المنهيّ عن المنكر إن لم ينتَهِ عُوقب، وأُدّب بذلك، وإلا فالملاطفة فيه أولى إن نفعت. ومنها: جواز اليمين لتأكيد الخبر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٨٤٨ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, عَنْ عُمَرَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ». رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عبيد اللَّه بن سعيد) أبو قُدامة السرخسيّ، ثقة ثبت [١٠] ١٥/ ١٥. ٢ - (يحيى) بن سعيد القطان الإمام الحجة تقدم قريبًا. ٣ - (عبيد اللَّه) بن عمر العمريّ المدني، ثقة ثبت فقيه [٥] ١٥/ ١٥. ٤ - (نافع) مولى ابن عمر المدني، ثقة ثبت فقيه [٣] ١٢/ ١٢. ٥ - (ابن عمر) عبد اللَّه ﵂ ١٢/ ١٢. ٦ - (عمر) بن الخطّاب ﵁ ٦٠/ ٧٥. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 10406

لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف، و (منها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين من عبيد اللَّه، والباقيان بصريان. (ومنها): أن فيه رواية صحابي، عن صحابيّ، وتابعي، عن تابعيّ، والابن عن أبيه. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عُمَرَ) بن الخطاب ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ) أي: بسبب بكائهم على موته، واختُلف في معنى هذا الحديث على أقوال، والراجح أنه يعذّب إذا كان ذلك من عادته وسنته، كما هو مذهب الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى-، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك قريبًا إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: فى درجته. حديث عمر بن الخطاب ﵁ هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، ومن أخرجه معه: أخرجه هنا-١٤/ ١٨٤٨ و١٨٥٠ و ١٨٥٣ و ١٨٥٥ و ١٨٥٦ و ١٨٥٧ و ١٨٥٨ وأخرجه (خ) ١٢٨٨ و ١٢٨٩ و١٢٩٠ و ١٢٩٢ و ٣٩٧٩ (م) ٩٢٧ و ٩٢٨ و ٩٢٩ و٩٣٠ و٩٣١ و ٩٣٢ (ت) ١٠٠٢ و ١٠٠٤ و ١٠٠٦ (ق) ١٥٩٣ (أحمد) ١٩١ و ٢٤٩ و ٢٦٦ و ٢٩٠ و٢٩٦ واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في اختلاف أهل العلم في معنى قوله ﷺ "الميت يعذّب ببكاء أهله عليه": (اعلم): أنهم اختلفوا في ذلك على أقوال. الأول: حَمْلُهُ على ظاهره، وهو بيِّنٌ من قصة عمر مع صُهيب ﵁ كما سيأتي في الباب التالي [١٨٥٨]، ويحتمل أن يكون عمر كان يرى أن المؤاخذة تقع على الميت إذا كان قادرًا على النهي، ولم يقع منه، فلذلك بادر إلى نهي صُهيب ﵄، وكذلك نهى حفصة ﵂، كما في "صحيح مسلم" من طريق نافع، عن ابن عمر، عنه. وممن أخذ بظاهره أيضًا عبد اللَّه بن عمر، فروى عبد الرزّاق أنه شهد رافع بن خَدِيج، فقال لأهله: "إن رافعًا شيخ كبير, لا طاقة له بالعذاب، وإن الميت يُعذّب ببكاء أهله عليه". الثاني: قول من ردّ هذا الحديث، وعارضه بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ الآية [فاطر: ١٨]، وممن رُوي عنه الإنكار مطلقًا أبو هريرة، كما رواه أبو يعلى من طريق

стр. 10407

بكر بن عبد اللَّه المزنيّ، قال: قال أبو هريرة ﵁: "واللَّه لئن انطلق رجل مجاهد في سبيل اللَّه، فاستُشهد، فعَمَدَت امرأته، سَفَهًا وجهلاً، فبكت عليه، ليُعذّبنّ هذا الشهيد بذنب هذه السفيهة"؟، وإلى هذا جَنَح جماعة من الشافعية، منهم أبو حامد وغيره. الثالث: تأويل من أَوَّل قوله: "ببكاء أهله عليه" على أن الباء للحال، أي أن مبدأ عذاب الميت يقع عند بكاء أهله عليه، وذلك أن شدّة بكائهم غالبا إنما تقع عند دفنه، وفي تلك الحالة يُسأل، ويبتدأ به عذاب القبر، فكان معنى الحديث إن الميت يُعذّب حالة بكاء أهله عليه، ولا يلزم من ذلك أن يكون بكاؤهم سببًا لتعذيبه، حكاه الخطابي. قال الحافظ: ولا يخفى ما فيه من التكلّف، ولعلّ قائله إنما أخذه من قول عائشة ﵂: إنما قال رسول اللَّه ﷺ : "إنه ليعذّب بمعصيته، أو بذنبه، وإن أهله ليبكون عليه الآن". أخرجه مسلم، من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عنها، وعلى هذا يكون خاصّا ببعض الموتى. الرابع: تأويل من أوله على أن الراوي سمع بعض الحديث، ولم يسمع بعضه، وأن اللام في الميت لِمَعهود معين، كما جزم به أبو بكر الباقلاّنيّ وغيره، وحجتهم ما سيأتي في الباب التالي [١٨٥٦]، من رواية عمرة، عن عائشة ﵂ أنه ذُكِرَ لها أن عبد اللَّه بن عمر يقول: إن الميت ليعذّب ببكاء الحي عليه، فقالت: يغفر اللَّه لأبي عبد الرحمن … الحديث. الخامس: تأويل من أوّله على أن ذلك مختصّ بالكافر، وأن المؤمن لا يُعذّب بذنب غيره أصلاً، وهو بيّنٌ من رواية ابن عباس، عن عائشة ﵃، كما سيأتي في الباب التالي [١٨٥٧]، أيضًا إن شاء اللَّه تعالى. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وهذه التأويلات عن عائشة ﵂ متخالفة، وفيه إشعار بأنها لم ترُدّ الحديث بحديث آخر، بل بما استشعرته من معارضة القرآن. قال الداوديّ: رواية ابن عباس، عن عائشة ﵂ أثبتت ما نفته عمرة، وعروة عنها، إلا أنها خصّته بالكافر لأنها أثبتت أن الميت يزداد عذابًا ببكاء أهله، فأيّ فرق بين أن يزداد بفعل غيره، أو يعذّب ابتداء؟. وقال القرطبيّ: إنكار عائشة ذلك، وحكمها على الراوي بالتخطئة، أو النسيان، أو على أنه سمع بعضًا، ولم يسمع بعضًا بعيد، لأن الرواة لهذا المعنى من الصحابة كثيرون، وهم جازمون، فلا وجه للنفي مع إمكان حمله على محمل صحيح. وقد جمع كثير من أهل العلم بين حديثي عمر وعائشة بضروب من الجمع: أولها: طريقة البخاريّ، حيث ترجم بقوله: "باب قول النبي ﷺ : "يعذّب الميت

стр. 10408

ببعض بكاء أهله عليه "إذا كان النوح من سنته، لقول اللَّه تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ الآية [التحريم: ٦] وقال النبي ﷺ : "كلكم راع، ومسؤول عن رعيته"، فإذا لم يكن من سنته، فهو كما قالت عائشة ﵂: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ الخ. ثانيها: وهو أخصّ من الذي قبله ما إذا أوصى أهله بذلك، وبه قال المزني، وإبراهيم الحربيّ، وآخرون، من الشافعيه وغيرهم، حتى قال أبو الليث السمرقنديّ: إنه قول عامة أهل العلم، وكذا نقله النووي عن الجمهور قالوا: وكان معروفا للقدماء حتى قال طَرَفَة بن العبد [من الطويل]: إِذَا مِتُّ فَانْعِينِي بِمَا أَنَا أَهْلُهُ … وَشُقِّي عَلَي الْجَيْبَ يَا ابْنَةَ مَعْبَدِ واعتُرض بأن التعذيب بسب الوصيّة يُستَحَقّ بمجرّد صدور الوصيّة، والحديث دالّ على أنه إنما يقع عند وقوع الامتثال. والجواب أنه ليس في السياق حصر، فلا يلزم من وقوعه عند الامتثال أن لا يقع إذا لم يمتثلوا مثلاً. ثالثها: يقع ذلك أيضًا لمن أهمل نهي أهله عن ذلك. وهو قول داود، وطائفة، ولا يخفى أن محله ما إذا لم يتحقّق أنه ليست لهم بذلك عادة، ولا ظنّ أنهم يفعلون ذلك. قال ابن المرابط: إذا علم المرء بما جاء في النهي عن النَّوْح, وعرف أن أهله من شأنهم يفعلون ذلك، ولم يُعلِمهم بتحريمه، ولا زجرهم عن تعاطيه، فإذا عُذّب على ذلك عُذِّب بفعل نفسه، لا بفعل غيره بمجرده. رابعها: معنى قوله: "يعذّب ببكاء أهله"، أي بنظير ما يَبكيه أهله به، وذلك أن الأفعال التي يُعَدِّدُون بها عليه غالبًا تكون من الأمور المنهيّة, فهم يمدحونه بها، وهو يعذّب بصنيعه ذلك، وهو عين ما يَمدحونه به، وهذا اختيار ابن حزم، وطائفة، واستدل له بما أخرجه الشيخان عن عبد اللَّه بن عمر ﵁، قال: اشتكى سعد بن عبادة شكوى له، فأتاه النبي ﷺ يعوده، مع عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبى وقاص، وعبد اللَّه ابن مسعود، ﵃، فلما دخل عليه، فوجده في غاشية أهله، فقال: "قد قضى"؟ قالوا: لا يا رسول اللَّه، فبكى النبي ﷺ ، فلما رأى القومُ بكاء النبي ﷺ بَكَوا، فقال: "ألا تسمعون إن اللَّه لا يعذب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا، وأشار إلى لسانه، أو يرحم … " الحديث. قال ابن حزم: فصحّ أن البكاء الذي يعذب به الإنسان ما كان منه باللسان، إذ يَندُبونه برياسته التي جار فيها، وشجاعته التي صرفها في غير طاعة اللَّه، وجُوده الذي لم يضعه في الحقّ، فأهله يبكون عليه بهذه المفاخر، وهو يعذّب بذلك.

стр. 10409

وقال الإسماعيلي: كثُر كلام العلماء في هذه المسألة، وقال كلُّ مجتهدًا على حسب ما قُدِّر له، ومن أحسن ما حضرني وجهٌ لم أرهم ذكروه، وهو أنهم كانوا في الجاهلية يُغِيرون، وَيسْبون، ويَقتُلُون، وكان أحدهم إذا مات بكته باكيته بتلك الأفعال المحرّمة، فمعنى الخبر أن الميت يُعذّب بذلك الذي يبكي عليه أهله به، لأن الميت يُندب بأحسن أفعاله، وكانت محاسن أفعالهم ما ذُكر، وهي زيادة ذنب من ذنوبه يستحقّ العذاب عليها. خامسها: معنى التعذيب توبيخ الملائكة له بما يندبه أهله به، كما رَوَى أحمد من حديث أبي موسى مرفوعًا: "الميت يعذّب ببكاء الحيّ، إذا قالت النائحة: واعضداه، واناصراه، واكاسياه، جُبِذَ الميتُ، وقيل له: أنت عضدها، أنت ناصرها، أنت كاسيها؟ "، ورواه ابن ماجه: "يُتَعْتَعُ (١) به، ويقال: أنت كذلك؟ "، وروه الترمذيّ بلفظ: "ما من ميت يموت، فتقوم نادبته، فتقول: واجبلاه، واسنداه، أو شبه ذلك من القول، إلا وُكل به ملكان يلهزانه (٢)، أهكذا كنت؟ "، وشاهده ما رواه البخاريّ في "المغازي" من حديث النعمان بن بشير، قال: "أُغمِي على عبد اللَّه بن رواحة، فجعلت أخته تبكي، وتقول: واجلاه، واكذا، واكذا، فقال: حين أفاق: ما قلتِ شيئا إلا قيل لي: أنت كذلك؟ ". سادسها: معنى التعذيب تَألُم الميت بما يقع من أهله من النياحة وغيرها، وهذا اختيار أبي جعفر الطبري من المتقدمين، ورجحه ابن المرابط، وعياض، ومن تبعه، ونصره ابن تيمية، وجماعة من المتأخرين، واستشهدوا له بحديث قيلة -بفتح القاف، وسكون التحتانية- بنت مخرمة -بفتح الميم، وسكون المعجمة- الثقفية ﵂، قال: قلت: يا رسول اللَّه قد ولدته، فقاتل معك يوم الربَذَة، ثم أصابته الحمّى، فمات، ونزل عليّ البكاء، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أيغلب أحدكم أن يصاحب صويحبه في الدنيا معروفا، وإذا مات استرجع، فوالذي نفس محمد بيده، إن أحدكم ليبكي، فيستعبر إليه صويحبه، فيا عباد اللَّه لا تعذّبوا موتاكم". وهذا طرف من حديث طويل حسن الإسناد، أخرجه ابن أبي خيثمة، وابن أبي شيبة، والطبراني، وغيرهم، وأخرج أبو داود، والترمذيّ أطرافًا منه. قال الطبريّ: ويؤيده ما قاله أبو هريرة: إن أعمال العباد تُعرَض على أقربائهم من موتاهم، ثم ساقه بإسناد صحيح إليه، وشاهده حديث النعمان بن بشير، مرفوعًا، أخرجه البخاريّ فى

стр. 10410

"تاريخه"، وصححه الحاكم، قال ابن المرابط: حديث قَيلة نصّ في المسألة، فلا يُعدَل عنه. واعترضه ابن رُشد بأنه ليس نصّا، وإنما هو محتمل، فإن قوله: "فيستعبر إليه صويحبه" ليس نصّا في أن المراد به الميت، بل يحتمل أن يراد به صاحبه الحيّ، وأن الميت يعذب حينئذ ببكاء الجماعة عليه. قال الحافظ بعد ذكر هذه التوجيهات: ويحتمل أن يُجمَع بين التوجيهات، فينزّل على اختلاف الأشخاص بأن يقال مثلاً: من كانت طريقته النوح، فمشى أهله على طريقته، أو بالغ بذلك عذّب بصنعه، ومن كان ظالمًا، فنُدب بأفعاله الجائرة عذّب بما نُدِب به، ومن كان يَعرِف من أهله النياحة، فأهمل نهيهم عنها، فإن كان راضيًا بذلك التحق بالأول، وإن كان غير راض عذّب بالتوبيخ، كيف أهمل النهي؟، ومن سَلِمَ من ذلك كله، واحتاط، فنهى أهله عن المعصية، ثم خالفوه، وفعلوا ذلك كان تعذيبه تألمه بما يراه منهم من مخالفة أمره، وإقدامهم على معصية ربهم. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: في هذا الجمع تكلّف لا يخفى، بل الأولى الترجيح بين هذه التوجيهات، كما سيأتي قريبًا. وحكى الكرمانيّ تفصيلاً آخر، وحسنه، وهو التفرقة بين حال البرزخ، وحال يوم القيامة، فيحمل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَة وِزرَ أخرَى﴾ [فاطر: ١٨]، على يوم القيامة، ويحمل هذا الحديث، وما أشبهه على البرزخ، ويؤيّده أن مثل ذلك يقع في الدنيا، والإشارة إليه بقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥]، فإنها دالّة على جواز وقوع التعذيب على الإنسان بما ليس له فيه تسبب، فكذلك يمكن أن يكون حال البرزخ بخلاف حال يوم القيامة (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وهذا الذي قاله الكرماني يعارضه ما في بعض الأحاديث من التنصيص بأن ذلك التعذيب إنما يكون في القيامة، فقد أخرج الشيخان من حديث المغيرة بن شعبة ﵁، مرفوعًا: "من نِيح عليه، فإنه يعذّب بما نيح عليه يوم القيامة". إذا علمت هذه الأقوال بما لها، وما عليها، فأرجحها عندي ما ذهب الإمام البخاري -رحمه اللَّه تعالى-، من أن ذلك إذا كان من سنته، كما أسلفنا قوله في ذلك. والحاصل أن هذا التعذيب في حقّ من له تسبب في بكاء أهله عليه، بأن يكون البكاء

стр. 10411

من سنته وطريقته، أو أوصى به في حياته، أو عَرَف أن أهله سيفعلون ذلك، وأهمل النهي والزجر عنه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٨٤٩ - أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ, قَالَ: حَدَّثَنَا (١) شُعْبَةُ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صُبَيْحٍ, قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ, يَقُولُ: ذُكِرَ عِنْدَ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ, "الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ" فَقَالَ عِمْرَانُ: قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمود بن غيلان) أبو أحمد المروزيّ، نزيل بغداد، ثقة [١٠] ٣٣/ ٣٧. ٢ - (أبو داود) سليمان بن داود بن الجارود الطالسيّ البصريّ الحافظ الثقة [١١] ١٣/ ٣٤٣. ٣ - (شعبة) الإمام الشهير، تقدم قريبًا. ٤ - (عبد اللَّه بن صُبَيح) -بضم المهملة، وفتح الموحدة- البصريّ، وهو صدوق، [٧]. روى عن ابن سيرين، وروى عنه شعبة، ومهدي بن ميمون، وأبو هلال الراسبيّ، قال أبو حاتم: شيخ. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، انفرد به المصنّف بهذا الحديث فقط. ٥ - (محمد بن سيرين) الأنصاريّ مولاهم البصريّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٤٦/ ٥٧. ٦ - (عمران بن حُصين) بن عُبيد بن خَلَف الخزاعيّ، أو نُجيد الصحابي المشهور ابن الصحابي ﵄ ٢٠١/ ٣٢١. والحديث صحيح، انفرد به المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- من بين أصحاب الأصول، أخرجه هنا [١٤/ ١٨٤٩ و١٥/ ١٨٥٤] وفي "الكبرى" ١٤/ ١٩٧٥ و ١٥/ ١٩٨١ وأخرجه (أحمد) ١٩٤١٧. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٨٥٠ - أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ سَيْفٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي, عَنْ صَالِحٍ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, قَالَ: قَالَ: سَالِمٌ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ, يَقُولُ: قَالَ عُمَرُ, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يُعَذَّبُ الْمَيِّتُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ». رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (سليمان بن سيف) الحرّاني، ثقة حافظ [١١] ١٠٣/ ١٣٦.

стр. 10412

٢ - (يعقوب بن إبراهيم) الزهري، أبو يوسف المدني، نزيل بغداد، ثقة فاضل، من صغار [٩] ١٩٦/ ٣١٤. ٣ - (إبراهيم بن سعد) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، المدني، ثم البغداديّ، ثقة حجة [٨] ١٩٦/ ٣١٤. ٤ - (صالح) بن كيسان، الغفاريّ، أبو محمد المدني، ثقة ثبت [٤] ١٩٦/ ٣١٤. ٥ - (ابن شهاب) الزهريّ تقدم قريبًا. ٦ - (سالم) بن عبد اللَّه بن عمر المدني، ثقة ثبت فقيه [٣] ٢٣/ ٤٩٠. والباقيان تقدما قريبًا. والحديث متفق عليه، وقد تقدم تمام البحث فيه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٥ - النِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيّتِ قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "النياحة" بالكسر: اسم، من النَّوْح، يقال: ناحت المرأة على الميت نَوْحًا، من باب قال، والاسم النُّوَاح وزانُ غُرَاب، وربّما قيل: النِّيَاح بالكسر، فهي نائحة. قاله في "المصباح". وقال النوويّ ﵀: والنياحة رفعُ الصوت بالنَّدْب (١). والنَّدْب تعديد محاسن الميت مع البكاء، كقوله: واجبلاه، واسنداه، واكريماه، ونحوها انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ١٨٥١ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ مُطَرِّفٍ, عَنْ حَكِيمِ بْنِ قَيْسٍ, أَنَّ قَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ, قَالَ: لَا تَنُوحُوا عَلَيَّ, فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , لَمْ يُنَحْ عَلَيْهِ. مُخْتَصَرٌ. رجال هذا الحديث: سبعة: ١ - (محمد بن عبد الأعلى) الصنعاني البصريّ، ثقة [١٠] ٥/ ٥. ٢ - (خالد) بن الحارث الهجيميّ البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٤٢/ ٤٧.

стр. 10413

٣ - (شعبة) بن الحجاج تقدم قريبًا. ٤ - (قتادة) بن دعامة السدوسي البصريّ، ثقة ثبت [٤] ٣٠/ ٣٤. ٥ - (مطرف) بن عبد اللَّه بن الشخّير الحَرَشيّ، أبو عبد اللَّه البصريّ الثقة العابد الفاضل [٢] ٥٤/ ٦٧. ٦ - (حكيم بن قيس) بن عاصم الْمِنقَريّ التميميّ البصريّ، قيل: وُلد في عهد النبي ﷺ ، روى عن أبيه، وعنه مطرّف بن عبد اللَّه بن الشخير، وذكره ابن حبّان في ثقات التابعين. وقال ابن القطّان: مجهول الحال. روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنف، وله عنده في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٧ - (قيس بن عاصم) المنقريّ، صحابيّ مشهور بالحلم، نزل البصرة، ﵁، تقدم في ١٢٦/ ١٨٨. وقوله: "لا تنوحوا"، أي لا تبكوا عليّ بالصِّياح، وقوله: "لم يُنَح عليه" بالبناء للمفعول. وقوله: "مختصر" بالرفع خبر لمبتدأ محذوف، أي هذا الحديث مختصر، من حديث طويل، وفي نسخة "مختصرًا" بالنصب على الحالية، وقد ساق الطبراني -رحمه اللَّه تعالى- الحديث مختصرًا ومطوّلا في "المعجم الكبير"، فقال: ٨٦٩ - حدثنا أحمد بن إسماعيل العدويّ البصريّ، ثنا عمرو بن مرزوق، أنا شعبة، عن قتادة، قال: سمعت مطرفًا يحدث عن حكيم بن قيس بن عاصم، أن أباه أوصى عند موته، فقال: بَنِيّ اتقوا اللَّه، وسوّدوا أكبركم، فإن القوم إذا سوّدوا أكبرهم خلفوا أباهم، وإذا سوّدوا أصغرهم أزرى بهم في أكفائكم (١)، وعليكم باصطناع المال، فإنه مَنْبَهَة للكرم، ويُستَغنَى به عن اللئيم، وإياكم ومسألة الناس، فإنها من آخر كسب المرء، وإذا متّ فلا تنوحوا، فإن رسول اللَّه ﷺ لم يُنَحْ عليه، وإذا متّ، فادفنوني بأرض لا يشعر بدفني بكر بن وائل، فإني كنت أغاولهم (٢) في الجاهلية. ٨٧٠ - (٣) حدثنا عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي ح وحدثنا محمد بين عبدوس بن كامل السرّاج، ومحمد بن محمد الجذوعيّ القاضي، قالا: حدثنا علي بن الجعد، قالا: حدثنا محمد بن يزيد الواسطيّ، ثنا زياد الخصاص (٤)، عن الحسن،

стр. 10414

حدثني قيس بن عاصم المنقريّ، قال: قدمت على رسول اللَّه ﷺ ، فلما رآني سمعته يقول: "هذا سيد أهل الوَبَر" (١)، قال: فلما نزلنا أتيته، فجعلت أحدّثه، قال: قلت: يا رسول اللَّه، المال الذي لا يكون علي فيه تبعة من ضيف ضافني، وعيال كثروا، قال: "نعم المال الأربعون، والأكثر الستون، وويل لأصحاب المئين، إلا من أعطى في رِسْلها، ونجدتها، وأفقر ظهرها (٢)، ونحر سمينها، فأطعم القانع والمعترّ"، قال: قلت: يا نبي اللَّه ما أكرم هذه الأخلاق، وأحسنها! يا رسول اللَّه لا يُحَلُّ بالوادي الذي أكون فيه لكثرة إبلي، قال: "فكيف تصنع؟ "، قلت: تغدوا الإبل، ويغدوا الناس، فمن شاء أخذ برأس بعير، فذهب به، فقال: "ما تصنع بإفقار الظهر؟ "، قلت: إني لا أفقر الصغير، ولا الناب المدبرة، قال: "فمالُك أحبّ إليك، أم مال مواليك؟ "، قال: قلت: مالي أحبّ إلي من مال موالي، قال: "فإن لك من مالك ما أكلت، فأفنيت، أو لبست، فأبليت، أو أعطيت، فأمضيت، وإلا فلمَوَالِيكَ" (٣)، فقلت: واللَّه لئن بقيت لأفنينّ عددها، قال الحسن: ففعل واللَّه، فلما حضرت قيسا الوفاة قال: يا بَنيّ خذوا عني، لا أجد أنصحَ لكم مني، إذا أنا متّ، فسوّدوا كباركم، ولا تسوّدوا صغاركم، فيستسفهكم الناس، وتهونوا عليهم (٤)، وعليكم باستصلاح المال، فإنه مَنبَهَة الكريم، وُيستَغنَى به عن اللئيم، وإياكم والمسألة، فإنها آخر كسب المرء، إن أحدا لم يسأل إلا ترك كسبه (٥)، وإذا متّ فلا تنوحوا عليّ، فأني سمعت رسول اللَّه ﷺ ينهى عن النياحة، وكفّنوني في ثيابي التي كنت أصلي فيها وأصوم، وإذا دفنتموني، فلا تدفنوني في موضع يطلع عليّ أحد، فإنه قد كان بيني وبين بكر بن وائل خماشات (٦) في الجاهلية، فأخاف أن ينبشوني، فيصنعون في ذلك ما يذهب فيه دينكم ودنياكم، قال الحسن ﵀: نصح لهم في الحياة، ونصح لهم في الممات. ٨٧١ - (٧) حدثنا محمد بن زكريا الغلابيّ، ثنا العلاء بن الفضل بن عبد الملك بن أبي سويّة المنقريّ، حدثني أبي الفضلُ بن عبد الملك، عن أبيه عبد الملك بن أبي سويّة

стр. 10415

المنقريّ، قال: سمعت ابن عاصم، وهو يوصي، فجمع بنيه، وهم اثنان وثلاثون ذكرا، فقال: يا بَنِيّ إذا أنا متّ، فسوّدوا أكبركم، تخلُفُوا أباكم، ولا تسوّدوا أصغركم، فيُزري بكم ذاك عند أكفائكم (١)، ولا تقيموا عليّ نائحة، فإني سمعت رسول اللَّه ﷺ ينهى عن النياحة، وعليكم باصلاح المال، فإنه منبهة للكريم، ويُستغنَى به عن اللئيم، ولا تعطوا رقاب الإبل، إلا في حقها، ولا تمنعوها من حقها، وإياكم، وكلّ عرق سوء، فهما يسرّكم يوما، فما يسوءكم أكثر، واحذروا أبناء أعدائكم، فإنهم لكم أعداء على منهاج آبائهم، وإذا أنا مت، فادفنوني في موضع لا يَطّلع علي هذا الحيّ من بكر ابن وائل، فإنها كانت بيني وبينهم خماشات في الجاهلية، فأخاف أن ينبشوني، فيفسدوا عليهم دنياهم، ويفسدوا عليكم آخرتكم، ثم دعا بكنانته، فأمر ابنه الأكبر، وكان يسمى عليّا، فقال: أَخرِج سهما من كنانتي، فأخرجه، فقال: اكسره، فكسره، ثم قال: أخرج سهمين، فأخرجهما، فقال: اكسرهما، فكسرهما، ثم قال: أخرج ثلاثة أسهم، فأخرجها، فقال: اكسرها، فكسرها، ثم قال: أخرج ثلاثين سهما، فأخرجها، فقال: اعصِبْها بوَتَر، فعصبها، ثم قال: اكسرها، فلم يستطع كسرها، فقال: يا بَنِيّ هكذا أنتم بالاجتماع، وكذلك أنتم بالفرقة، ثم أنشا يقول [من الخفيف]: إِنمَا المَجدُ مَا بَنَى وَالِدُ الصِّدْ … قِ وَأَحُيَى فِعَالَهُ الْمَوْلُودُ وَكَفَى الْمَجْدُ وَالشَّجَاعَةُ وَالحِلِـ … مُ إِذَا زَانَهَا عَفَافٌ وَجُودُ وَثَلَاُثونَ يَا بَنِيَّ إِذَا مَا … عَقَدَتهُمْ لِلنَّائِبَاتِ الْعُهُودُ كَثَلَاِثينَ مِن قِدَاحٍ إِذَا مَا … شَدَّهَا لِلمُرَادِ عَقْدٌ شَدِيدُ لَمْ تُكَسَّرْ وَإِن تَبَدَّدَتْ الأَسْهُمُ … هُمُ أَودَى بِجَمْعِهَا التَّبْدِيدُ وَذَوُو السِّنِّ وَالمُرُوءَةِ أَوْلَى … أَنْ يَكُونَ مِنْكُمْ لَهُمُ تَسْوِيدُ وَعَلَيْهِمْ حِفْظُ الأَصَاغِرِ حَتَّى … يَبْلُغَ الحِنْثَ الأَصْغَرُ المَجْهُودُ انتهى "المعجم الكبير" (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٨٥٢ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ, قَالَ: نَا (٣) عَبْدُ الرَّزَّاقِ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ, عَنْ ثَابِتٍ, عَنْ أَنَسٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَذَ عَلَى النِّسَاءِ, حِينَ بَايَعَهُنَّ, أَنْ لَا يَنُحْنَ, فَقُلْنَ: يَا رَسُولَ

стр. 10416

اللَّهِ, إِنَّ نِسَاءً, أَسْعَدْنَنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ, أَفَنُسْعِدُهُنَّ؟ , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا إِسْعَادَ فِي الإِسْلَامِ». هذا الإسناد بعينه تقدم قبل باب ١٣/ ١٨٤٤. و"إسحاق": هو ابن راهويه. وقوله: "أخذ على النساء" أي أخذ منهنّ العهد. وقوله: "أن لا يَنُحْنَ" في تأويل المصدر مجرور بحرف جرّ مقدّر، أي بعدم النوح. وقوله: "أسعدننا" أي عاونَّنَا على النياحة، قال في "النهاية": إسعاد النساء في الْمُناحاة، أن تقوم المرأة، فتقوم معها أخرى من جاراتها، فتساعدها على النياحة، وقيل: كان نساء الجاهلية يُسعِد بعضهنّ بعضًا على ذلك سنةً، فنهين عن ذلك. وقال الخطابيّ: أما الإسعاد، فخاصّ في هذا المعنى، وأما المساعدة، فعامة في كلّ معونة، يقال: إنها من وضع الرجل يده على ساعد صاحبه إذا تماشيا في حاجة. انتهى (١). وقال السنديّ: وإسعاد النساء في الْمُنَاحَاة، هو أن تقوم امرأة، فتقوم معها -يعني امرأة أخرى- للموافقة والمعاونة على مرادها، وكان ذلك فيهن عادة، فإذا فعلت إحداهما بالأخرى ذلك، فلا بدّ لها أن تفعل بها مثل ذلك، مُجازاةً على فعلها (٢). والحديث صحيح، انفرد به المصنّف، أخرجه هنا-١٥/ ١٨٥٢ - وفي "الكبرى" ١٥/ ١٩٧٩ وأخرجه (أحمد) ١٢٦٢٠ واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٨٥٣ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, عَنْ عُمَرَ, قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَقُولُ: «الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِالنِّيَاحَةِ عَلَيْهِ». رجال هذا الإسناد: سبعة، وكلهم تقدّموا قريبًا. و"عمرو بن عليّ": هو الفلّاس. و"يحيى": هو القطّان. والحديث متفق عليه، وقد تقدم تمام البحث فيه في الباب الماضي برقم [١٨٤٨]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجعِ والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٨٥٤ - أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ, قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: أَخْبَرَنَا (٣)

стр. 10417

هُشَيْمٌ, قَالَ: أَخْبَرَنَا (١) مَنْصُورٌ, هُوَ ابْنُ زَاذَانَ, عَنِ الْحَسَنِ, عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ, قَالَ: "الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ بِنِيَاحَةِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ". فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَرَأَيْتَ رَجُلاً مَاتَ بِخُرَاسَانَ, وَنَاحَ أَهْلُهُ عَلَيْهِ هَاهُنَا, أَكَانَ يُعَذَّبُ بِنِيَاحَةِ أَهْلِهِ؟ , قَالَ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , وَكَذَبْتَ أَنْتَ. رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (ابراهيم بن يعقوب) الجُوزجاني الدمشقي، ثقة حافظ [١١] ١٢٢/ ١٧٤. ٢ - (سعيد بن سليمان) الضبّيّ، أبو عثمان الواسطيّ، نزيل بغداد البزّاز، لقبه سعدويه، ثقة حافظ، من كبار [١٠]. قال أبو حاتم: ثقة مأمون، ولعله أوثق من عفان. وقال صالح بن محمد عنه: ما دلّستُ قط، ليتني أحدّث بما سمعت، قال: وسمعته يقول: حججت ستين حجة. وقال الدوريّ: سئل ابن معين عنه، وعن عمرو بن عون؟ فقال: كان سعدويه أكيسهما. ووثقه العجليّ، وابن حبان، وابن سعد، وقال: كان كثير الحديث، توفي ببغداد لأربع خلون من ذي الحجة، سنة (٢٢٥). قيل: مات وله مائة سنة. روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب ستة أحاديث. ٣ - (منصور بن زاذان) الثقفيّ، أبو المغيرة الواسطي، ثقة ثبت عابد [٦] ٥/ ٤٧٥. ٤ - (الحسن) بن أبي الحسن يسار البصريّ الإمام الحجة الثبت الشهير [٣] ٣٢/ ٣٦. ٥ - (عمران بن حُصين) ﵁، تقدم في الباب الماضي. والإسناد فيه انقطاع، لأن الحسن البصريّ لم يسمع من عمران بن حصين ﵁، كما بُيّن في ترجمته من "تهذيب التهذيب" وغيره. وقوله: "رجلاً مات" بالنصب على أنه مفعول "رأيت"، وفي بعض النسخ: "رجلٌ" بالرفع، والأول أولى. وقوله: "ههنا" الظاهر أنه أشار إلى البصرة، لأن عمران ﵁ كان ممن نزل البصرة، ومات بها واللَّه تعالى أعلم. وقوله: "كان يعذّب بنياحة أهله" أراد به إنكار ذلك، وأنه بعيد من الوقوع، فلذلك ردّ عليه عمران بقوله: "كذبتَ أنت"، وإلا فصورته استفهام، وهو إنشاء، فلا يصلح للتكذيب. قاله السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-. والحديث المرفوع منه صحيح، كما سبق برقم ١٨٤٩، والموقوف ضعيف؛

стр. 10418

للانقطاع المذكور، وقد تقدم تخريجه في الباب الماضي واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٨٥٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ, عَنْ عَبْدَةَ, عَنْ هِشَامٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» , فَذُكِرَ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ, فَقَالَتْ: وَهِلَ, إِنَّمَا مَرَّ النَّبِيُّ (١) ﷺ عَلَى قَبْرٍ, فَقَالَ: «إِنَّ صَاحِبَ الْقَبْرِ (٢) لَيُعَذَّبُ, وَإِنَّ أَهْلَهُ يَبْكُونَ عَلَيْهِ». ثُمَّ قَرَأَتْ: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (محمد بن آدم) بن سليمان الجهنيّ المصّيصيّ، صدوق [١٠] ٩٣/ ١١٥. ٢ - (عبدة) بن سليمان الكلابي الكوفيّ الحافظ الثبت، من صغار [٨] ٧/ ٣٣٩. ٣ - (هشام) بن عروة المدنيّ الفقيه، ثقة ربما دلّس [٥] ٤٩/ ٦١. ٤ - (عروة) بن الزبير الدني الفقيه الثقة الثبت [٣] ٤٠/ ٤٤. ٥ - (ابن عمر) ﵁ المذكور قبل حديث. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف ﵀، وفيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ، عن تابعيّ، وفيه ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - أحد المكثرين السبعة، وأحد العبادلة الأربعة. وأحد المشهورين بالفتوى. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ ببُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيهِ") تقدم الكلام عليه في الباب الماضي (فَذُكِرَ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ) ﵂ (فَقَالَتْ: وَهِلَ) بفتح الواو، وكسر الهاء: كغلط وزنا ومعنى. يقال: وَهِلَ عن الشيء، وفيه، وَهَلًا، من باب تعب: غلط فيه، ووَهَلْتُ إليه وَهْلاً، من باب وَعَدَ: ذهب وَهْمُك إليه، وأنت تريد غيره، مثل وَهَمتُ. قاله في "المصباح"، والأول هو المناسب هنا (إِنَّمَا مَرَّ النَّبِيُّ) وفي نسخة: "رسول اللَّه" ( ﷺ عَلَى قَبْرٍ) وفي نسخة: "بقبر" (فَقَالَ: "إِن صَاحِبَ الْقَبْرِ لَيُعَذَّبُ) أي بذنوبه، لا ببكاء أهله عليه، ولفظ مسلم من طريق أبي أسامة، عن هشام: إنما قال رسول اللَّه ﷺ : "إنه يعذّب بخطيئته، أو بذنبه، وإن أهله ليبكون عليه الآن" (وَإِنَّ أَهْلَهُ يَبْكُونَ عَلَيْهِ) جملة في محلّ نصب على الحال من نائب الفاعل (ثُمَّ قَرَأَتْ:

стр. 10419

(﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٤٦]) أي فكيف يعذّب الميت ببكاء غيره بعد أن مات، وانقطع عمله أصلاً، فاستبعدت ﵂ الحديث، لكونها رأته مخالفًا للآية المذكورة، لكن الصواب أن الحديث صحيح، فقد جاء من وجوه كثيرة، فالوجه حمله على ما إذا تسبب لذلك بوجه، أو رضي به حالة الحياة، فبذلك يندفع التدافع بينه وبين الآية المذكورة. واللَّه تعالى أعلم. وقال القرطبي -رحمه اللَّه تعالى-: أنكرت عائشة ﵂ هذا الحديث، وصرحت بتخطئة الناقل، أو نسيانه، وحَمَلَها على ذلك أنها لم تسمعه كذلك، وأنه معارَضٌ بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ وهذا فيه نظر، أما إنكارها، ونسبة الخطأ لراويه فبعيد، وغير بيِّنٍ، ولا واضح، وبيانه من وجهين: أحدهما: أن الرواة لهذا المعنى كثيرون: عمر، وابن عمر، والمغيرة بن شعبة، وقَيْلَة بنت مَخْرَمَة، وهم جازمون بالرواية، فلا وجه لتخطئتهم، وإذا أُقدِم على ردّ خبر جماعة مثلِ هؤلاء، مع إمكان حمله على محمل صحيح، فلأن يُردّ خبر راو واحد أولى، فردّ خبرها أولى، على أن الصحيح أن لا يُرد واحد من تلك الأخبار، ويُنظر في معانيها، كما نُبيِّنه. ثانيهما: أنه لا معارضة بين ما روت هي، ولا ما رووا هم، إذ كلّ واحد منهم أخبر عما سمع وشاهَدَ، وهما واقعتان مختلفتان، وأما استدلالها على ردّ ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ فلا حجة فيه، ولا معارضة بين هذه الآية والحديث، على ما نُبدِيه من معنى الحديث، إن شاء اللَّه تعالى. وقد اختلف العلماء فيه، فقيل: محمله على ما إذا كان النَّوْح من وصيّته وسنته، كما كانت الجاهلية تفعل، حتى قال طرفة: إِذَا مِتُّ فَأنعِينِي البيت. وقد جمع عبد المطلب بناته عند موته، وأمرهنّ أن ينعينه، ويَندُبنه، ففعلن، وأنشدت كلّ واحدة منهنّ شعرًا تمدحه فيه، فلما فرغن قال آخر ما كلّمهنّ: أحسنتنّ، هكذا فانعيننى، وإلى هذا نحا البخاريّ، وقيل: معناه أن تلك الأفعال التي يُبكَى بها الميت مما كانوا يفعلونه في الجاهلية، من قتل النفس، وأخذ المال، وإخراب البلاد، وغير ذلك، فأهله يمدحونه بها، ويُعدّدونها عليه، وهو يُعذب لسببها، وعلى هذا تُحمل رواية من رواه: "ببعض بكاء أهله"، إذ ليس كلّ ما يُعدّدونه من خصاله مذمومًا، فقد يكون من خصاله كَرَمٌ، وإعتاق رقاب، وكشف كرب، إلى آخر كلام القرطبيّ وقد تقدّم خلاصته (١).

стр. 10420

والحديث متفقٌ عليه، وقد تقدم تخريجه في ١٤/ ١٨٤٨ - واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٨٥٦ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَمْرَةَ, أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ, أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ, وَذُكِرَ لَهَا, أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ, يَقُولُ: إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ عَلَيْهِ, قَالَتْ: عَائِشَةُ يَغْفِرُ اللَّهُ لأَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ, أَمَا إِنَّهُ لَمْ يَكْذِبْ, وَلَكِنْ نَسِيَ, أَوْ أَخْطَأَ, إِنَّمَا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , عَلَى يَهُودِيَّةٍ, يُبْكَى عَلَيْهَا, فَقَالَ: «إِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا, وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ». رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (قتيبة) بن سعيد، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١. ٢ - (مالك) بن أنس الإمام الحجة الثبت المدني [٧] ٧/ ٧. ٣ - (عبد اللَّه بن أبي بكر) الأنصاريّ المدني القاضي، ثقة [٥] ١١٨/ ١٦٣. ٤ - (أبو بكر) بن محمد بن عمرو بن حزم، الأنصاريّ النجّاريّ المدني القاضي، اسمه وكنيته واحد، وقيل. يكنى أبا محمد، ثقة عابد [٥] ١١٨/ ١٦٣. ٥ - (عمرة) بن بنت عبد الرحمن المذكورة في الباب الماضي. ٦ - (عائشة) ﵂ ٥/ ٥. وقولها: "يغفر اللَّه لأبي عبد الرحمن": هو كنية عبد اللَّه بن عمر، قدمته تمهيدًا، أو دفعا لمن يُوحَش من نسبته إلى النسيان والخطأ، كما قال اللَّه تعالى. ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣]، فمن استغرب من غيره شيئًا ينبغي أن يوطّىء، ويمهّد له بالدعاء، إقامةً لعذره فيما وقع منه، وأنه لم يتعمده، ومن ثمّ زادت على ذلك بيانًا وأعتذارًا بقولها (أما) بفتح الهمزة، والتخفيف، أداة تنبيه، واستفتاح، يُلقَى بها إلى المخاطب تنبيها له، وإزالةً لغفلته (إنه لم يكذب) أي لم يرد الكذب، ولم يتعمّده (ولكنه نسي) أي مَورِدَهُ الخاصّ (أو أخطأ) أي في إرادته العامّ. وقوله. "يُبكَى عليها" بالبناء للمفعول، وقوله: "ليبكون" بالبناء للفاعل. والحديث متفق عليه، وقد تقدم تمام البحث فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٨٥٧ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ, عَنْ سُفْيَانَ, قَالَ: قَصَّهُ لَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ, قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ, يَقُولُ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَتْ عَائِشَةُ: إِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ يَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا, بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ».

стр. 10421

رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عبد الجبّار بن العلاء بن عبد الجبار) العطّار البصريّ، أبو بكر، نزيل مكة، لا بأس به، من صغار [١٠] ١٣٢/ ١٩٩. ٢ - (سفيان) بن عيينة، أبو محمد المكي الإمام الحجة الثبت [٨] ١/ ١. ٣ - (عمرو بن دينار) الأثرم المكيّ، ثقة ثبت [٣] ١٢٢/ ١٥٤. ٤ - (ابن أبي مليكة) عبد اللَّه بن عبيد اللَّه بن أبي مليكة التيمي المكيّ الثقة الفقيه [٣١٠١/ ١٣٢]. والباقيان تقدما قريبًا. وقوله: "إن اللَّه يزيد الكافر" قال السنديّ ﵀: فحملت الميت على الكافر، وأنكرت الإطلاق، وقد جاء فيه الزيادة، كقوله تعالى: ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ [النحل: ٨٨]، وقوله: ﴿فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ [النبأ: ٣٠]، لكن قد يقال: زيادة العذاب بعمل الغير أيضًا مشكلة، معارضة بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ فينبغي أن تحُمل الباء في قوله: "ببعض بكاء أهله" على المصاحبة، لا السبيية، وتخصيص الكافر حينئذ لأنه محلّ للزيادة، واللَّه تعالى أعلم انتهى (١). وقوله: "ببعض بكاء أهله" إنما قيده بالبعض لأن منه ما لا يكون سببا للتعذيب، كعتق الرقاب، وصلة الأرحام، ونحوهما، كما تقدم في كلام القرطبيّ -﵀ تعالى-. والحديث متفق عليه، وقد سبق تمام البحث فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجعِ والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٨٥٨ - أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ مَنْصُورٍ الْبَلْخِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْوَرْدِ, سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ, يَقُولُ: لَمَّا هَلَكَتْ أُمُّ أَبَانَ, حَضَرْتُ مَعَ النَّاسِ, فَجَلَسْتُ بَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ, فَبَكَيْنَ النِّسَاءُ, فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَلَا تَنْهَى هَؤُلَاءِ عَنِ الْبُكَاءِ, فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ, بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ». فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَدْ كَانَ عُمَرُ, يَقُولُ بَعْضَ ذَلِكَ, خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ, حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ, رَأَى رَكْبًا, تَحْتَ شَجَرَةٍ, فَقَالَ: انْظُرْ مَنِ الرَّكْبُ, فَذَهَبْتُ, فَإِذَا صُهَيْبٌ وَأَهْلُهُ, فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ, فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ, هَذَا صُهَيْبٌ وَأَهْلُهُ, فَقَالَ عَلَيَّ بِصُهَيْبٍ, فَلَمَّا دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ, أُصِيبَ عُمَرُ, فَجَلَسَ صُهَيْبٌ يَبْكِي عِنْدَهُ, يَقُولُ: وَاأُخَيَّاهُ, وَاأُخَيَّاهُ,

стр. 10422

فَقَالَ عُمَرُ: يَا صُهَيْبُ, لَا تَبْكِ, فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَقُولُ: «إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ, بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» , قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ, فَقَالَتْ: أَمَا وَاللَّهِ مَا تُحَدِّثُونَ هَذَا الْحَدِيثَ, عَنْ كَاذِبَيْنِ, مُكَذَّبَيْنِ, وَلَكِنَّ السَّمْعَ يُخْطِئُ, وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْقُرْآنِ, لَمَا يَشْفِيكُمْ, ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم: ٣٨] , وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَيَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا, بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ». رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (هو سليمان بن منصور البَلْخيّ) البزّاز الدُّهْنيّ، لقبه زَرْغَنْده (١) لا بأس به [١٠] تقدم في ٦٠/ ٧٥ - من أفراد المصنف. ٢ - (عبد الجبار بن الوَرْد) بن أبي الورد، المخزومي مولاهم، أبو هشام المكيّ، صدوق يهم [٧]. قال أحمد: ثقة لا بأس به. ووثقه ابن معين، وأبو حاتم، وأبو داود، ويعقوب بن سفيان، والعجليّ. وقال ابن المديني: لم يكن به بأس. وقال البخاريّ: يُخالف في بعض حديثه. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: يخطىء ويَهِم. وقال ابن عديّ: هو عندي لا بأس به، يكتب حديثه. وعن الدارقطنيّ: ليّن. أخرج له أبو داود، والمصنف، وله عنده في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. واللَّه تعالى أعلم. والباقون تقدموا قريبًا، واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من رباعيات المصنف، وهو (١١٠) من رباعيات الكتاب، وهو أعلى ما عنده من الأسانيد، كما سبق غير مرّة، وفيه ابن عمر، وابن عباس ﵄، من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، ومن المشهورين بالفتوى. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث عن عبد الجبار بن الورد أنه قال: (سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد اللَّه بن عبيد اللَّه المذكور في السند الماضي (يَقُولُ: لَمَّا هَلَكَتْ أُمُّ أَبَانَ) هي بنت عثمان ين عفان ﵁، ماتت بمكة (حَضَرْتُ مَعَ النَّاسِ) أي للصلاة عليها، ودفنها (فَجَلَسْتُ بَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسِ) ولفظ البخاريّ من طريق ابن جريج، عن ابن أبي مليكة: "قال: توفيت ابنة لعثمان ﵁ بمكة، وجئنا لنشهدها، وحَضَرَها ابنُ عمر وابن عباس ﵄، وإني لجالس بينهما، أو قال: جلست إلى أحدهما، ثم جاء الآخر، فجلس إلى

стр. 10423

جنبي … "، ولمسلم من طريق أيوب عن ابن أبي مليكة، قال: كنت جالسا إلى جنب ابن عمر، ونحن ننتظر جنازة أم أبان بنت عثمان، وعنده عمرو بن عثمان، فجاء ابن عباس، يقوده قائده، فأُراه أخبره بمكان ابن عمر، فجاء حتى جلس إلى جنبي، فكنت بينهما، فإذا صوت من الدار … ". قال النووي -رحمه اللَّه تعالى-: فيه دليل لجواز الجلوس، والاجتماع لانتظار الجنازة، واستحبابه. وأما جلوسه بين ابن عمر، وابن عباس ﵄، وهما أفضل بالصحبة، والعلم، والفضل، والصلاح، والنسب، والسنّ، وغير ذلك، مع أن الأدب أن المفضول لا يجلس بين الفاضلين إلا لعذر، فمحمول على عذر، إما لأن ذلك الموضع أرفق بابن عباس، وإما لغير ذلك انتهى (١) (فَبكَيْنَ النِّسَاءُ) تقدم أن مثل هذا يتخرّج على لغة "أكلوني البراغيث" (فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) ﵄ (أَلَا تَنْهَى هَؤُلَاءِ) هكذا رواية المصنف هنا، وفي "الكبرى" لم يذكر المخاطب، وقد ثبت في روية الشيخين، ولفظ البخاريّ: "فقال عبد اللَّه بن عمر لعَمْرو بن عثمان: ألا تنهى عن البكاء؟ .... ". وعمرو بن عثمان هو أكبر أولاد عثمان ﵁ الذين أعقبوا، وإن معاوية زوّجه لما ولي الخلافة ابنته رملة. قاله الزبير بن بكّار. ويكنى أبا عثمان، مدنيّ ثقة، من كبار التابعين (عَنِ الْبُكَاءِ) أي بالصياح والنياح، وهو متعلق بـ "تنهى" (فَإِنِّي) الفاء للتعليل، أي لأني (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) فيه أن ابن عمر ﵄ سمعه بنفسه، وهذا لا يعارض ما تقدم من أنه سمعه من أبيه، لاحتمال أن يسمعه من أبيه أوّلاً، ثم يسمعه من النبي ﷺ ، فكان يحدّث بهما. واللَّه تعالى أعلم. (يَقُولُ: إِن الْمَيِّتَ لَيُعَذبُ، بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ) هكذا نسخ "المجتبى" "ببعض بكاء أهله عليه"، والذي في "الكبرى": "ببكاء أهله عليه"، وهو الذي في رواية الشيخين، والظاهر أنه الصواب بدليل قول ابن عباس ﵄: "قد كان عمر يقول بعض ذلك"، فلو كان كلام ابن عمر "ببعض بكاء أهله"، لما استقام قول ابن عباس ﵄ هذا. ومما يؤيد ذلك أيضًا زيادة في رواية مسلم، وهي: "قال: فأرسلها عبد اللَّه مرسلة، وأما عمر فقال: ببعض". قال النووي: معناه أن ابن عمر أطلق في روايته تعذيب الميت ببكاء الحيّ، ولم يقيده بيهوديّ، كما قيّدته عائشة، ولا بوصيّة، كما قيده آخرون، ولا قال: "ببعض بكاء أهله"، كما رواه أبوه عمر انتهى. والحاصل أن الظاهر أن رواية ابن عمر ﵄ هنا غير مقيدة "ببعض". واللَّه تعالى أعلم.

стр. 10424

(فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَدْ كَانَ عُمَرُ، يَقُولُ بَعْضَ ذَلِكَ) أي العموم، وهو أن يكون بصوت، أو ندبة، أو يروي بعض ذلك الكلام، لأن في روايته "ببعض بكاء أهله"، كما سيأتي قريبًا (خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ) وفي رواية البخاريّ: "ثم حدّث، فقال: صَدَرتُ مع عمر من مكة حتى إذا كنا بالبيداء … " (حَتَّى إِذَا كُنَّا بالْبَيْدَاءِ) بفتح الموحّدة، وسكون التحتانية: مفازة بين مكة والمدينة، قاله العينيّ، وقالَ القاري: موضع قريب من ذي الحليفة (رَأَى رَكْبًا) بفتح، فسكون: أي جماعة راكبين (تَحْتَ شَجَرَةٍ) ولفظ الشيخين: "فإذا هو بركب تحت ظلّ سمرة" و "السمرة" بفتح المهملة، وضم الميم: شجرة عظيمة، من شجر العضاه (فَقَالَ) أي عمر ﵁ (انْظرْ مَنِ الرَّكْبُ؟) أي تحقق لي هؤلاء الجماعة، من هم؟ (فَذَهَبْتُ، فَإِذَا) هي الْفُجَائِيَّةُ (صُهَيْبٌ) بصيغة التصغير ابن سنان بن قاسط، كان من السابقين الأولين المعذّبين في اللَّه تعالى، وقد تقدّمت ترجمته ٨٩/ ١٣٤٦ (وَأَهْلُهُ، فَرَجَعْتُ إِلَيهِ) أي إلى عمر (فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَذَا) الركب (صُهَيبٌ وَأَهْلُهُ، فَقَالَ) عمر (عَلَيَّ بصُهَيْبٍ) وللبخاري: "ادعه لي"، و"عليّ" اسم فعل، بمعنى أحضره عندي. زاد في رواية البخاري: "فرجعت إلى صهيب، فقلت: ارتحل، فالحَقْ أمير المؤمنين" (فَلَمَّا دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ، أُصِيبَ عُمَرُ) ﵁، أي أصيب بالطعن، طعنه أبو لؤلؤة عبد للمغيرة بن شعبة ﵁، وسبب ذلك ما رواه ابن سعد في "الطبقات" بإسناد صحيح إلى الزهري، قال: "كان عمر ﵁ لا يَأذَن لسبي قد احتلم في دخول المدينة، حتى كتب المغيرة بن شعبة، وهو على الكوفة، يذكر له غلاما عنده صانعًا، ويستأذنه أن يُدخله المدينة، ويقول: إن عنده أعمالًا تنفع الناس، إنه حدّاد، نقّاش، نجّار، فأذن له، فضرب عليه المغيرة كلَّ شهر مائة، فشكى إلى عمر شدّة الخراج، فقال له: ما خراجك بكثير في جنب ما تعمل، فانصرف ساخطًا، فلبث عمر ليالي، فمرّ به العبد، فقال: ألم أُحَدَّث بأنك تقول: لو أشاء لصنعت رحًى، تَطحَن بالريح؟، فالتفت إليه عابسًا، فقال: لأصنعنّ لك رحى يتحدّث الناس بها، فأقبل عمر على من معه، فقال: توعّدني العبد، فلبث ليالي، ثم اشتمل على خنجر ذي رأسين نصابه وسطه، فكمن في زاوية من زوايا المسجد في الغلس حتى خرج عمر يوقظ الناس: "الصلاة الصلاة"، وكان عمر يفعل ذلك، فلما دنا منه عمر وثب إليه، فطعنه ثلاث طعنات، إحداهنّ تحت السرّة، قد خرقت الصفاق (١)، وهي التي قتلته". وفي حديث أبي رافع: "كان أبو لؤلؤة عبدا للمغيرة بن شعبة، وكان يستغلّه أربعة دراهم -أي كلّ يوم- فلقي عمر، فقال: إن المغيرة أثقل عليّ، فقال: اتق اللَّه، وأحسن

стр. 10425

إليه، ومن نيّة عمر أن يَلقَى المغيرةَ، فيكلّمه، فيخفّف عنه، فقال العبد: وَسِعَ الناسَ عدلُهُ غيري، وأضمر على قتله، فصنع له خنجرًا، له رأسان، وسَمَه، فتحرّى صلاة الغداة حتى قام عمر، فقال: أقيموا صفوفكم، فلما كبر طعنه في كتفه، وفي خاصرته، فسقط". وعند مسلم من طريق معدان بن أبي طلحة: "أن عمر خطب، فقال: رأيت ديكًا نقرني ثلاث نقرات، ولا أراه إلا حضور أجلي"، وزاد في رواية: "فما مرّ إلا تلك الجمعة، حتى طُعن". وقد ساق البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- قصة قتله ﵁ في "صحيحه" مطولة فقال: ٣٧٠٠ - حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عوانة، عن حصين، عن عمرو بن ميمون، قال: رأيت عمر بن الخطاب ﵁، قبل أن يُصاب بأيام بالمدينة، وقف على حذيفة بن اليمان، وعثمان بن حنيف، قال: كيف فعلتما، أتخافان أن تكونا، قد حملتما الأرض (١) ما لا تطيق، قالا: حَمَّلْناها أمرا، هي له مطيقة، ما فيها كبير فضل، قال: انظرا، أن تكونا حملتما الأرض، ما لا تطيق، قال: قالا: لا، فقال عمر: لئن سلمني اللَّه، لأدعن أرامل أهل العراق، لا يحتجن، إلى رجل بعدي أبدا، قال: فما أتت عليه إلا رابعة، حتى أصيب، قال: إني لقائم، ما بيني وبينه، إلا عبد اللَّه بن عباس، غداة أصيب، وكان إذا مر بين الصفين، قال: استووا، حتى إذا لم ير، فيهن خللا، تقدم، فكبر، وربما قرأ سورة يوسف، أو النحل، أو نحو ذلك، في الركعة الأولى، حتى يجتمع الناس، فما هو، إلا أن كبر، فسمعته يقول: قتلني، أو أكلني الكلب، حين طعنه، فطار العِلْج (٢) بسكين، ذات طرفين، لا يمر على أحد، يمينا ولا شمالا، إلا طعنه، حتى طعن ثلاثة عشر رجلا مات منهم سبعة، فلما رأى ذلك رجل من المسلمين، طرح عليه بُرْنُسا، فلما ظن العلج أنه مأخوذ، نحر نفسه، وتناول عمرُ يد عبد الرحمن بن عوف، فقدمه، فمن يلي عمر، فقد رأى الذي أرى، وأما نواحي المسجد، فإنهم لا يدرون، غير أنهم قد فقدوا صوت عمر، وهم يقولون: سبحان اللَّه، سبحان اللَّه، فصلى بهم عبدالرحمن، صلاة خفيفة، فلما انصرفوا، قال: يا ابن عباس، انظر من قتلني، فجال ساعة، ثم جاء، فقال: غلام المغيرة، قال: الصَّنَعُ؟ قال: نعم، قال: قاتله اللَّه، لقد أمرت به معروفا، الحمد للَّه الذي لم يجعل ميتتي بيد رجل، يَدَّعي الإسلام، قد كنتَ أنت وأبوك، تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة، وكان العباس، أكثرهم رقيقا، فقال: إن شئت فعلتُ، أي إن شئت قتلنا، قال: كذبتَ، بعد ما تكلموا بلسانكم، وصلَّوا قبلتكم، وحجوا حجكم، فاحتُمل إلى بيته، فانطلقنا معه،

стр. 10426

وكأن الناس، لم تصبهم مصيبة قبل يومئذ، فقائل يقول: لا بأس، وقائل يقول: أخاف عليه، فأتي بنبيذ، فشربه، فخرج من جوفه، ثم أتي بلبن، فشربه، فخرج من جرحه، فعلموا أنه ميت، فدخلنا عليه، وجاء الناس، فجعلوا يُثنون عليه، وجاء رجل شاب، فقال: أبشر يا أمير المؤمنين، ببشرى اللَّه لك، من صحبة رسول اللَّه ﷺ ، وقدم في الإسلام، ما قد علمتَ، ثم وليت فعدلت، ثم شهادة، قال: وددت أن ذلك كفاف، لا علي، ولا لي، فلما أدبر، إذا إزاره يمس الأرض، قال: رُدُّوا عليّ الغلام، قال: يا ابن أخي، ارفع ثوبك، فإنه أبقى لثوبك، وأتقى لربك، يا عبد اللَّه بن عمر، انظر ما علي من الدين، فحسبوه، فوجدوه ستة وثمانين ألفا، أو نحوه، قال: إن وفى له مال آل عمر، فأدَّه من أموالهم، وإلا فسل فى بني عدي بن كعب، فإن لم تف أموالهم، فسل في قريش، ولا تَعْدُهم إلى غيرهم، فأدِّ عني هذا المال، انطلق إلى عائشة أم المؤمنين، فقل: يَقرَأ عليك عمر السلام، ولا تقل أمير المؤمنين، فإني لست اليوم للمؤمنين أميرا، وقل: يستأذن عمر بن الخطاب، أن يدفن مع صاحبيه، فسلَّمَ، واستأذَنَ، ثم دخل عليها، فوجدها قاعدة تبكي، فقال: يقرأ عليك عمر بن الخطاب السلام، ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه، فقالت: كنت أريده لنفسي، ولأوثرن به اليوم على نفسي، فلما أقبل، قيل: هذا عبد اللَّه بن عمر، قد جاء، قال: ارفعوني، فأسنده رجل إليه، فقال: ما لديك؟ قال: الذي تحب، يا أمير المؤمنين أذنت، قال: الحمد للَّه، ما كان من شيء، أهمّ إليّ من ذلك، فإذا أنا قضيت، فاحملوني، ثم سلم، فقل: يستأذن عمر بن الخطاب، فإن أذنت لي، فأدخلوني، وإن ردتني ردوني إلى مقابر المسلمين، وجاءت أم المؤمنين حفصة، والنساء تسير معها، فلما رأيناها قمنا، فولجت عليه، فبكت عنده ساعة، واستأذن الرجال، فولجتُ داخلا لهم، فسمعنا بكاءها من الداخل، فقالوا: أوص يا أمير المؤمنين، استخلف، قال: ما أجد أحدا أحق بهذا الأمر، من هؤلاء النفر، أو الرهط الذين توفي رسول اللَّه ﷺ ، وهو عنهم راض، فسمى عليا، وعثمان، والزبير، وطلحة، وسعدا، وعبد الرحمن، وقال: يشهدكم عبد اللَّه بن عمر، وليس له من الأمر شيء، كهيئة التعزية له، فإن أصابت الإمرة سعدا، فهو ذاك، وإلا فليستعن به أيكم ما أُمّر، فإني لم أعزله عن عجز، ولا خيانة، وقال: أوصي الخليفة من بعدي، بالمهاجرين الأولين، أن يعرف لهم حقهم، ويحفظ لهم حرمتهم، وأوصيه بالأنصار خيرا، ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ الآية [الحشر: ٩]، أن يُقبَل من محسنهم، وأن يُعفَى عن مسيئهم، وأوصيه بأهل الأمصار خيرا، فإنهم رِدْءُ الإسلام، وجُبَاة المال، وغيظ العدو، وأن لا يؤخذ منهم، إلا فضلهم، عن رضاهم، وأوصيه بالأعراب خيرا،

стр. 10427

فإنهم أصل العرب، ومادة الإسلام، أن يؤخذ من حواشي أموالهم، ويرد على فقرائهم، وأوصيه بذمة اللَّه، وذمة رسوله ﷺ ، أن يوفى لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، ولا يكلفوا إلا طاقتهم، فلما قُبض خرجنا به، فانطلقنا نمشي، فسلم عبد اللَّه بن عمر، قال: يستأذن عمر بن الخطاب، قالت: أدخلوه، فأدخل، فوضع هنالك، مع صاحبيه، فلما فُرغ من دفنه، اجتمع هؤلاء الرهط، فقال عبد الرحمن: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم، فقال الزبير: قد جعلت أمري إلى علي، فقال طلحة: قد جعلت أمري إلى عثمان، وقال سعد: قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن بن عوف، فقال عبد الرحمن: أيكما تبرأ من هذا الأمر، فنجعله إليه، واللَّه عليه والإسلام، لينظرن أفضلهم في نفسه، فأسكت الشيخان، فقال عبدالرحمن: أفتجعلونه إليّ؟ واللَّه علي أن لا آلُوَ عن أفضلكم، قالا: نعم، فأخذ بيد أحدهما، فقال: لك قرابة من رسول اللَّه ﷺ ، والقدم في الإسلام، ما قد علمت، فاللَّهُ عليك لئن أمّرتك، لتعدلن، ولئن أمّرت عثمان، لتسمعن، ولتطيعن، ثم خلا بالآخر، فقال له: مثل ذلك، فلما أخذ الميثاق، قال: ارفع يدك يا عثمان، فبايعه، فبايع له علي، وولج أهل الدار، فبايعوه انتهى (١). (فَجَلَسَ صُهَيْبٌ يَبْكِي عِنْدَهُ) جملة في محل نصب على الحال (يَقُولُ) بدل اشتمال من "يبكي"، أو حال، فيكون من الأحوال المترادفة، أو المتداخلة (وَا أُخَياهُ، وَا أُخَياهُ) لفظة "وا" للندبة، والألف في آخره زيدت للندبة، لتويل الصوت، والهاء للسكت، و"أُخَيَّا" بصيغة التصغير. ولفظ البخاريّ: "وا أخاه، وا صاحباه" (فَقَالَ عُمَرُ: يَا صُهَيْبُ، لَا تَبْكِ) قال السنديّ ﵀: خاف أن يفضي بكاؤه إلى البكاء بعد الموت، وإلا فالحديث في البكاء بعد الموت انتهى. وفي رواية البخاريّ: يا صهيب، أتبكي علي، وقد قال رسول اللَّه ﷺ : "إن الميت … " (فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: "إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ، بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ") قيّده ببعض البكاء، فَيُحمَل على ما فيه نوح، وندبة، جمعًا بين الأحاديث، وقيل: المراد بالبعض ما يكون من وصيته، وقد تقدم تمام البحث في هذا، فلا تغفُل (قَالَ) أي ابن عباس ﵄ (فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ) ولفظ البخاريّ: "فقال ابن عباس: فلما مات عمر ذكرتُ ذلك لعائشة، فقالت: يرحم اللَّه عمر، لا، واللَّه ما حدّث رسول اللَّه ﷺ إن اللَّه يعذّب المؤمن ببكاء أحد". قال النووي ﵀ في "شرحه": في هذا جواز الحلف بغلبة الظنّ بقرائن، وإن لم يقطع الإنسان، وهذا مذهبنا، ومِنْ هذا قالوا: له الحلف بدين رآه بخط أبيه الميت على

стр. 10428

فلان، إذا ظنه. فإن قيل: فلعلّ عائشة لم تحلف على ظنّ، بل على علم، وتكون سمعته من النبي ﷺ في آخر أجزاء حياته. قلنا: هذا بعيد من وجهين: أحدهما: أن عمر، وابن عمر سمعاه ﷺ يقول: "يعذّب ببكاء أهله". والثاني: لو كان كذلك لاحتجّت به عائشة، وقالت: سمعته في آخر حياته ﷺ ، ولم تحتجّ به، إنما احتجّت بالآية. واللَّه أعلم انتهى (١). (فَقَالَتْ: أَمَا وَاللَّهِ، مَا تُحَدِّثُونَ هَذَا الحَدِيثَ، عَنْ كَاذِبَيْنِ، مُكَذَّبَينِ) اسم مفعول من كذّبه مضعّفًا: إذا نسبه إلى الكذب، تعني أنهما لا يكذبان قصدًا، ولا يَنسُبُهما أحد إلى الكذب (وَلَكِنَّ السَّمْعَ يُخْطِئُ) تعني أن هذا مما أخطأ فيه سمعهما (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْقُرْآنِ، لَمَا يَشْفِيكُمْ) أي يزيل إشكالكم في هذه المسألة، وهو قوله تعالى ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم: ٣٨]، "أن" مخففة من الثقيلة، أدغمت في "لا" النافية، واسمها ضمير مقدر، وخبرها الجملة المنفية، وإلى هذا أشار ابن مالك في "الخلاصة"، حيث قال: وَإنْ تُخَفَّفْ "أَن" فَاسْمُهَا اسْتَكَنْ … وَالْخَبَرَ اجْعَلْ جُمْلَة مِنْ بَعْدِ "أَنْ" والمعنى أنه لا تحمل نفس وازرة وزر نفس أخرى (وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) يحتمل أن تشدد نون "لكن"، و"رسولُ اللَّه" اسمها، وأن تخفف، وما بعدها مبتدأ وخبر (قَالَ: "إِنَّ اللَهَ لَيَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا، ببُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ" زاد في رواية الشّيخين: "وقالت: حسبكم القرآن: ﴿وَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، قال ابن عباس ﵄ عند ذلك: واللَهُ ﴿هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾، قال ابن أبي مليكة: واللَّه ما قال ابن عمر ﵄ شيئًا انتهى. قال في "الفتح": قوله: قال ابن عباس الخ: أي عند انتهاء حديثه عن عائشة: واللَهُ ﴿هُوَ أَضحَكَ وَأَبكى﴾ أي إن العَبْرة لا يملكها ابن آدم، ولا تسبب له فيها، فكيف يعاقب عليها، فضلا عن الميت. وقال الداوديّ: معناه أن اللَّه تعالى أَذِنَ في الجميل من البكاء، فلا يُعذِّب على ما أذن فيه. وقال الطيبي: غرضه تقرير قول عائشة، أي أن بكاء الإنسان، وضحكه من اللَّه يظهر فيه، فلا أثر له في ذلك انتهى. وقوله: "ما قال ابن عمر شيئا" قال الطيبي وغيره: ظهرت لابن عمر الحجة، فسكت مُذعِنا. وقال الزين ابن المنير: سكوته لا يدلّ على الإذعان، فلعله كره المجادلة في ذلك المقام. وقال القرطبيّ: ليس سكوته لشكّ طرأ له بعد ما صرّح برفع الحديث، ولكن احتمل عنده أن يكون الحديث قابلا للتأويل، ولم يتعيّن له محمل يحمله عليه إذ

стр. 10429

ذاك، أو كان المجلس لا يقبل المماراة، ولم تتعين الحاجة إلى ذلك حينئذ. ويحتمل أن يكون ابن عمر فهم من استشهاد ابن عباس بالآية قبول روايته، لأنها يمكن أن يُتمسَّك بها في أن للَّه أن يعذّب بلا ذنب، فيكون بكاء الحي علامة لذلك، أشار إلى ذلك الكرماني. انتهى (١). والحديث أخرجه البخاريّ، وقد مرّ تخريجه برقم ١٨٤٨ واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٦ - بَابُ الرُّخْصَةِ فِي الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيّتِ ١٨٥٩ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ, هُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ, أَنَّ سَلَمَةَ بْنَ الأَزْرَقِ, قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ, قَالَ: مَاتَ مَيِّتٌ, مِنْ آلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَاجْتَمَعَ النِّسَاءُ, يَبْكِينَ عَلَيْهِ, فَقَامَ عُمَرُ يَنْهَاهُنَّ, وَيَطْرُدُهُنَّ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «دَعْهُنَّ يَا عُمَرُ, فَإِنَّ الْعَيْنَ دَامِعَةٌ, وَالْقَلْبَ مُصَابٌ, وَالْعَهْدَ قَرِيبٌ». رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (علي بن حجر) المروزي، ثقة حافظ، من صغار [٩] ١٣/ ١٣. ٢ - (إسماعيل بن جعفر) بن أبي كثير المدني، نزيل بغداد، ثقة ثبت [٨] ١٦/ ١٧. ٣ - (محمد بن عمرو بن حَلْحَلة) -بمهملتين بينهما لام ساكنة- الديليّ المدني، ثقة [٦]. وثقه ابن معين، وأبو حاتم، والنسائيّ، وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: كان ذا هيئة، ملازما للمسجد، وكذا قال ابن سعد. روى له الجماعة، سوى الترمذي، وابن ماجه، وله عند المصنف في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط.

стр. 10430

٤ - (محمد بن عمرو بن عطاء) القرشيّ العامريّ المدنيّ، ثقة [٣] تقدم ٩٦/ ١٠٣٩. ٥ - (سلمة بن الأزرق) الحجازيّ مقبول [٣]. لم يرو عنه غير محمد بن عمرو، قال ابن القطان: لا يعرف حاله، ولا أعرف أحدًا من المصنفين في كتب الرجال ذكره. وقال الذهبي في "المغني" ١/ ٢٧٤: لا يُعرَف انتهى. انفرد به المصنّف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديث الباب فقط، وسيأتي ترجيح أنه ثقة، إن شاء اللَّه تعالى. ٦ - (أبو هريرة) ﵁ ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ) القرشي العامري (١) (أَنَّ سَلَمَةَ بنَ الْأَزْرَقِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁، وفي الحديث قصّة ساقها الإمام أحمد في "مسنده"، فقال: ٥٨٥٥ - حدثنا سليمان بن داود، أخبرنا إسماعيل، أخبرنى محمد بن عمرو بن حلحلة، عن محمد بن عمرو بن عطاء بن علقمة، أنه كان جالسا، مع ابن عمر بالسوق، ومعه سلمة بن الأزرق، إلى جنبه، فَمُرَّ بجنازة، يتبعها بكاء، فقال عبد اللَّه بن عمر. لو ترك أهل هذا الميت البكاء، لكان خيرا لميتهم، فقال سلمة بن الأزرق. تقول ذلك يا أبا عبد الرحمن؟، قال: نعم أقوله، قال: إني سمعت أبا هريرة، ومات ميت من أهل مروان، فاجتمع النساء، يبكين عليه، فقال مروان: قم يا عبد الملك، فانَههُنَّ أن يبكين، فقال أبو هريرة. دعهن، فإنه مات ميت من آل النبي ﷺ ، فاجتمع النساء، يبكين عليه، فقام عمر بن الخطاب ينهاهن، ويطردهن، فقال رسول اللَّه ﷺ : دعهن يا ابن الخطاب، فإن العين دامعة، والفؤاد مصاب، وإن العهد حديث، فقال ابن عمر: أنت سمعت هذا من أبي هريرة؟، قال: نعم، قال، يأثره عن النبى ﷺ ؟، قال: نعم، قال: فاللَه ورسوله أعلم انتهى (٢). (قَالَ: مَاتَ مَيِّتٌ، مِنْ ألِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) لم أعرف اسمه (فَاجْتَمَعَ النِّسَاء، يَبْكِينَ عَلَيْهِ) جملة في محل نصب على الحال (فَقَامَ عُمَرُ) ابن الخطاب ﵁ (يَنهَاهُنَّ) أي عن البكاء (وَيَطْرُدُهُنَّ) من باب قتل، أي يبعدهنّ من محلّ الميت (فَقَالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : "دَعْهُنَّ يَا عُمَرُ، فَإِنَّ الْعَيْنَ دَامِعَةٌ) الفاء للتعليل، أي لأن العين دامعة، أي سائل دمعها، يقال: دمعت العينُ دَمْعَا، من باب نَفَعَ، ودَمِعَت دَمَعَا، من تَعِب، لغة فيه. قاله في "المصباح".

стр. 10431

قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: فيه أن بكاءهنّ كان بدمع العين، لا بالصياح، فلذلك رخّص في ذلك، وبه يحصل التوفيق بين أحاديث الباب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب انتهى (١) (وَالْقَلْبَ مُصَابٌ) أي أصابه الحزن، وفي نسخة، وهو الذي في "الكبرى" "والفؤاد مصاب"، والمعنى واحد (وَالْعَهْدَ قَرِيبٌ) أي وقت مفارقته الميت قريب، بحيث لا يغيب عن ذهنهم، حتى يتسلَّوا عنه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا صحيح. فإن قلت: كيف يصحّ، وفي سنده سلمة بن الأزرق، وهو مجهول، كما تقدّم في ترجمته؟ قلت: بل هو ثقة، بدليل أن ابن عمر ﵄ اعتمد على روايته عن أبي هريرة ﵁ هذا الحديث، حتى قال بعد أن استوثق من سماعه من أبي هريرة، وأنه رفعه إلى النبي ﷺ : ما نصه: فاللَّه ورسوله أعلم، فلو لم يكن ثقة معتمدًا عليه، لما قال ذلك ابن عمر ﵄. قال العلامة أحمد محمد شاكر -رحمه اللَّه تعالى- فيما كتبه على "مسند الإمام أحمد" -رحمه اللَّه تعالى- عند تخريجه لهذا الحديث: ما ملخّصه: ونحن نرجّح جدّا أنه ثقة، لأن محمد بن عمرو بن عطاء شهد مجلسه من ابن عمر، وروايته لابن عمر حديث أبي هريرة، وسؤال ابن عمر إياه، مستوثقًا من سماعه من أبي هريرة ما حدّثه عنه، ومن رفع أبي هريرة للحديث، عن النبي ﷺ ، ثم جواب ابن عمر بعد أن استوثق منه بقوله: "فاللَّه أعلم"، تسليمًا منه بصحة الرواية، وهو صريحٌ في ثقة ابن عمر بهذا الرجل، وعدله، وصدقه، فلو كان مجروحًا عنده، أو متهمًا في صدقه، وفي معرفته بما يروي لَمَا قَبِلَ منه روايته، ولردّها عليه، إن شاء اللَّه، وهذا واضح بيّن انتهى كلام ابن شاكر -رحمه اللَّه تعالى- باختصار (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قال العلامة أحمد شاكر -رحمه اللَّه تعالى- كلام نفيس جدًّا. وحاصله أن سلمة بن الأزرق تابعي ثقة معروف عند ابن عمر، فلا شكّ في كون هذا

стр. 10432

الحديث صحيحًا، على أن للحديث شواهد كثيرة، سنوردها في المسألة الثالثة، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١٦/ ١٨٥٩ - وفي "الكبرى" ١٦/ ١٩٨٦ وأخرجه (ق) ١٥٨٧ و (أحمد) ٥٨٥٥ و ٧٦٣٤ و ٨١٩٦ و ٩٠٣٨ و٩٤٣٨ واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في ذكر شواهد حديث الباب من الأحاديث التي وردت بإباحة البكاء على الميت: فمنها: حديث جابر ﵁ في قصّة استشهاد أبيه في غزوة أحد، وقد تقدم للمصنف برقم ١٢/ ١٨٤٢، وهو متفق عليه. ومنها: حديث أبي هريرة ﵁، قال. "زار النبي ﷺ قبر أمه، فبكى، وأبكى من حوله .... " الحديث. أخرجه مسلم رقم ٢٢٥٦. ومنها: حديث أنس: ﵁ أن النبي ﷺ ذرفت عيناه لَمّا جعل ابنه إبراهيم في حجره، وهو يجود بنفسه، فقيل في ذلك؟ فقال. "إنها رحمة"، ثم قال: "العين تدمع، والقلب يَحزَن، ولا نقول إلا ما يُرضي ربنا". متفق عليه. وهو عند الترمذيّ، وحسّنه من حديث جابر ﵁ بلفظ: إن النبي ﷺ أخذ بيد عبد الرحمن بن عوف، فانطلق به إلى ابنه إبراهيم، فوجده يجود بنفسه، فأخذه النبي ﷺ ، فوضعه في حجره، فبكى، فقال له عبدالرحمن: أتبكي، أوَ لم تكن نهيت عن البكاء؟ فقال: "لا، ولكن نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند مصيبة، خَمْش وجوه (١)، وشَقّ جيوب، ورنّة شيطان". ومنها: حديث عائشة ﵂، قالت: رأيت رسول اللَّه ﷺ يقبّل عثمان بن مظعون، وهو ميت، حتى رأيت الدموع تسيل". أخرجه أبو داود بإسناد صحيح، والترمذي رقم ٩٨٩، وقال: حديث حسن صحيح. ومنها: ما أخرجه أحمد، عن ابن عباس ﵁، قال: لما مات عثمان بن مظعون، قالت امرأة: هنيئا لك الجنة عثمانَ بنَ مظعون، فنظر رسول اللَّه ﷺ إليها، نظر غضبان، فقال: "وما يدريك"، قالت: يا رسول اللَّه فارسك، وصاحبك، فقال رسول اللَّه ﷺ : "واللَّه إني رسول اللَّه، وما أدري ما يفعل بي"، فأشفق الناس على عثمان، فلما ماتت زينب ابنة رسول اللَّه ﷺ ، قال رسول اللَّه ﷺ : "الحقي بسلفنا الصالح الخير، عثمان بن مظعون، فبكت النساء، فجعل عمر، يضربهن بسوطه، فأخذ رسول اللَّه ﷺ بيده، وقال: "مهلا يا عمر"، ثم

стр. 10433

قال: "ابكين، وإياكن، ونعيق الشيطان"، ثم قال: "إنه مهما كان من العين والقلب، فمن اللَّه ، ومن الرحمة، وما كان من اليد واللسان، فمن الشيطان" انتهى. قال الحافظ أبو بكر الهيثمي في "مجمع الزوائد" ج ٣/ ١٧: وفيه علي بن زيد، وفيه كلام، وهو موثّق انتهى. ومنها: ما أخرجه أحمد في "مسنده" عن عائشة: أن سعد بن معاذ لما مات حضره رسول اللَّه ﷺ ، وأبو بكر، وعمر، قالت: فوالذي نفسي بيده، لأعرف بكاء أبي بكر من بكاء عمر، وأنا في حجرتي انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذه الأحاديث شواهد لحديث أبي هريرة ﵁ المذكور في الباب. والحاصل أن حديث الباب صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: في أقوال أهل العلم في حكيم البكاء على الميت: قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- في "شرح المهذب": قال الشافعيّ، والأصحاب: البكاء على الميت جائز قبل الموت وبعده، ولكن قبله أولى، لحديث جابر بن عَتِيك ﵁: أن رسول اللَّه ﷺ جاء يعود عبد اللَّه بن ثابت … الحديث، وقد تقدّم للنسائي ١٤/ ١٨٤٦. ولفظ الشافعيّ في "الأمّ": وأُرخص في البكاء قبل الموت، فإذا مات أمسكن. وقال صاحب "الشامل" وطائفة: يكره البكاء بعد الموت، لظاهر الحديث في النهي، ولم يقل الجمهور: يكره، وإنما قالوا: الأولى تركه، قالوا: وهو مراد الحديث، ولفظ الشافعيّ محتمل، هذا كلّه في البكاء بلا ندب، ولا نياحة (١)، أما الندب والنياحة، ولَطْم الخدود، وشقّ الجيب، وخَمْش الوجه، ونَشْرُ الشَّعْر، والدعاء بالويل والثبور، فكلها محرّمة باتفاق الأصحاب، وصرّح الجمهور بالتحريم، ووقع في كلام بعضهم لفظ الكراهة، وكذا وقع لفظ الكراهة في نصّ الشافعي في "الأم"، وحَمَلَها الأصحاب على كراهة التحريم، وقد نقل جماعةٌ الإجماعَ في ذلك. قال إمام الحرمين ﵀: ورَفعُ الصوت بإفراط في معنى شقّ الجيب، قال غيره: هذا إذا كان مختارًا، فإن كان مغلوبًا لم يُؤاخَذ به، لأنه غير مكلّف، وأما قول الشافعيّ ﵀ في "الأمّ": وأكره المآتم، وهي الجماعة، وإن لم يكن لهم بكاء، فمراده الجلوس للتعزية. انتهى كلام النووي -رحمه اللَّه تعالى- (٢).

стр. 10434

وقال الحافظ أبو عمر -رحمه اللَّه تعالى- في "التمهيد": وفي نهي جابر بن عتيك للنساء عن البكاء دليل على أنه قد كان سمع النهي عن ذلك، فتأوّله على العموم، فقال له رسول اللَّه ﷺ : دعهن -يعني يبكين حتى يموت، ثم لا تبكينّ باكية- يريد واللَّه أعلم لا تبكينّ نياحًا، ولا صِيَاحًا بعد وجوب موته، وعلى هذا جمهور الفقهاء أنه لا بأس بالبكاء على الميت، ما لم يُخلَط ذلك بنُدْبة، وبنياحة، وشقّ جيب، ونشر شَعْرٍ، وخَمْش وجه. قال ابن عباس ﵄ في مثل هذا من بكاء العين، دون نياحة: اللَّهُ أضحك، وأبكى. وقال في "الاستذكار": ما حاصله: الصِّيَاح، والنَّيَاحة لا يجوز شيء منه بعد الموت، وأما دمع العين، وحزن القلب، فالسنّة ثابتة بإباحته، وعليه جماعة العلماء. بكى رسول اللَّه ﷺ على إبراهيم ابنه، وقال: "إنها رحمة". أخرجه مسلم. وبكى على زينب ابنته، فقيل له: تبكي؟ فقال: "إنما هي رحمة، جعلها اللَّه في قلوب عباده". أخرجه أبو داود. وعن أنس ﵁: أن النبي ﷺ نعى جعفرًا، وزيدًا، وابن رواحة، نعاهم قبل أن يجيء خبرهم، وعيناه تَذْرِفَان". أخرجه البخاري. وعن أبي هريرة ﵁: "زار رسول اللَّه ﷺ قبر أمه، فبكى، وأبكى مَن حوله". أخرجه مسلم. ورى أبو إسحاق السبيعيّ، عن عامر بن سعد البجليّ، عن أبي مسعود الأنصاريّ، وثابت ابن زيد، وقَرَظَة بن كعب، قالوا: رُخّص لنا في البكاء على الميت من غير نَوْح. وثبت عن النبي ﷺ أنه نهى عن النَّوْح من حديث عمر، وعليّ، والمغيرة، وأم عطية، وأم سلمة، وأبي مالك الأشعريّ، وأبي هريرة، وغيرهم ﵁. وأجمع العلماء على أن النياحة لا تجوز للرجال والنساء، ورخّص الجمهور في بكاء العين في كلّ وقت. وقد أخرج أحمد، وابن ماجه، واللفظ لأحمد بإسناد صحيح، عن عبد اللَّه بن عمر، أن رسول اللَّه ﷺ ، لما رجع من أحد، سمع نساء الأنصار، يبكين على أزواجهن، فقال: "لكن حمزة لا بواكي له"، فبلغ ذلك نساء الأنصار، فجئن يبكين على حمزة، قال: فانتبه رسول اللَّه ﷺ من الليل، فسمعهن، وهن يبكين، فقال: ويحهن، لم يزلن يبكين بعدُ، منذ الليلة، مُرُوهن، فليرجعن، ولا يبكين على هالك بعد اليوم". وعن أبي هريرة ﵁ قال: مُرّ على النبي ﷺ بجنازة يُبكَى عليها، وأنا معه، وعمر ابن الخطاب … - الحديث المذكور في الباب-. انتهى كلام الحافظ أبي عمر -رحمه اللَّه تعالى- (١).

стр. 10435

قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: تبيّن بما ذُكر من الأحاديث، وأقوال أهل العلم، أن البكاء على الميت مباح مطلقا، قبل الموت، وبعده، إذا خلا عن النياحة، وشَقِّ الجيب، وخَمْش الوجه، ونحو ذلك، مما ورد النهي عنه، وستأتي الأحاديث في ذلك في الأبواب التالية، إن شاء اللَّه تعالى. ومنه يؤخذ الجمع بين الأحاديث الواردة في النهي عن البكاء، وإباحته. وحاصله أن أحاديث النهي عن البكاء مطلقًا، ومقيّدًا بما بعد الموت تحمل على البكاء الذي يفضي إلى ما لا يجوز، من النوح، والصُّرَاخ، وغير ذلك، وأحاديث الإباحة تحمل على مجرّد البكاء الذي هو دمع العين، وما لا يمكن دفعه من الصوت، وقد أشار إلى هذا الجمع قوله ﷺ في الحديث المتقدّم: "ولكن نهيت عن صوتين … ". وقوله في حديث ابن عباس المتقدّم: "إنه مهما كان من العين والقلب، فمن اللَّه ، ومن الرحمة … ". وقوله في حديث ابن عمر السابق: "إن اللَّه لا يعذب بدمع العين، ولا بحزن القلب … ". فيكون معنى قوله ﷺ : "لا يبكين على هالك بعد اليوم"، وقوله: "فإذا وجب فلا تبكين باكية" النهي عن البكاء الذي يصحبه شيء مما حرّمه الشارع، هذا هو الجمع الصحيح. وقيل: إنه يُجمَع بأن الإذن بالبكاء قبل الموت، والنهي عنه بعده. ويرده ما تقدم من حديث أبي هريرة ﵁ المذكور في الباب، من قصّة زجر عمر للباكيات. وحديث عائشة ﵂ في قصّة موت سعد بن معاذ، وبكاء أبي بكر وعمر ﵁ المتقدّم، وحديث أبي هريرة ﵁ في قصة بكاء النبي ﷺ عند زيارة قبر أمه، وحديث جابر ﵁ في قصة استشهاد أبيه، وبكاء عمته عليه، وحديث ابن عباس ﵄ في قصة بكاء النساء على زينب ابنة رسول اللَّه ﷺ ، وكلها وقعت بعد الموت، فليُتنبّه. وقيل: يجمع بحمل النهي عن البكاء بعد الموت على الكراهة، وقد تقدّم نقله عن الإمام الشافعي ﵀، لكن حمله أصحابه على كراهة التحريم. والحاصل أن الجمع الأول هو الراجح، كما قاله العلامة الشوكاني ﵀ تعالى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". …
следующие страницы →