← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 10431–10470 · переход к 10436.

стр. 10431

قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: فيه أن بكاءهنّ كان بدمع العين، لا بالصياح، فلذلك رخّص في ذلك، وبه يحصل التوفيق بين أحاديث الباب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب انتهى (١) (وَالْقَلْبَ مُصَابٌ) أي أصابه الحزن، وفي نسخة، وهو الذي في "الكبرى" "والفؤاد مصاب"، والمعنى واحد (وَالْعَهْدَ قَرِيبٌ) أي وقت مفارقته الميت قريب، بحيث لا يغيب عن ذهنهم، حتى يتسلَّوا عنه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا صحيح. فإن قلت: كيف يصحّ، وفي سنده سلمة بن الأزرق، وهو مجهول، كما تقدّم في ترجمته؟ قلت: بل هو ثقة، بدليل أن ابن عمر ﵄ اعتمد على روايته عن أبي هريرة ﵁ هذا الحديث، حتى قال بعد أن استوثق من سماعه من أبي هريرة، وأنه رفعه إلى النبي ﷺ : ما نصه: فاللَّه ورسوله أعلم، فلو لم يكن ثقة معتمدًا عليه، لما قال ذلك ابن عمر ﵄. قال العلامة أحمد محمد شاكر -رحمه اللَّه تعالى- فيما كتبه على "مسند الإمام أحمد" -رحمه اللَّه تعالى- عند تخريجه لهذا الحديث: ما ملخّصه: ونحن نرجّح جدّا أنه ثقة، لأن محمد بن عمرو بن عطاء شهد مجلسه من ابن عمر، وروايته لابن عمر حديث أبي هريرة، وسؤال ابن عمر إياه، مستوثقًا من سماعه من أبي هريرة ما حدّثه عنه، ومن رفع أبي هريرة للحديث، عن النبي ﷺ ، ثم جواب ابن عمر بعد أن استوثق منه بقوله: "فاللَّه أعلم"، تسليمًا منه بصحة الرواية، وهو صريحٌ في ثقة ابن عمر بهذا الرجل، وعدله، وصدقه، فلو كان مجروحًا عنده، أو متهمًا في صدقه، وفي معرفته بما يروي لَمَا قَبِلَ منه روايته، ولردّها عليه، إن شاء اللَّه، وهذا واضح بيّن انتهى كلام ابن شاكر -رحمه اللَّه تعالى- باختصار (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قال العلامة أحمد شاكر -رحمه اللَّه تعالى- كلام نفيس جدًّا. وحاصله أن سلمة بن الأزرق تابعي ثقة معروف عند ابن عمر، فلا شكّ في كون هذا

стр. 10432

الحديث صحيحًا، على أن للحديث شواهد كثيرة، سنوردها في المسألة الثالثة، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١٦/ ١٨٥٩ - وفي "الكبرى" ١٦/ ١٩٨٦ وأخرجه (ق) ١٥٨٧ و (أحمد) ٥٨٥٥ و ٧٦٣٤ و ٨١٩٦ و ٩٠٣٨ و٩٤٣٨ واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في ذكر شواهد حديث الباب من الأحاديث التي وردت بإباحة البكاء على الميت: فمنها: حديث جابر ﵁ في قصّة استشهاد أبيه في غزوة أحد، وقد تقدم للمصنف برقم ١٢/ ١٨٤٢، وهو متفق عليه. ومنها: حديث أبي هريرة ﵁، قال. "زار النبي ﷺ قبر أمه، فبكى، وأبكى من حوله .... " الحديث. أخرجه مسلم رقم ٢٢٥٦. ومنها: حديث أنس: ﵁ أن النبي ﷺ ذرفت عيناه لَمّا جعل ابنه إبراهيم في حجره، وهو يجود بنفسه، فقيل في ذلك؟ فقال. "إنها رحمة"، ثم قال: "العين تدمع، والقلب يَحزَن، ولا نقول إلا ما يُرضي ربنا". متفق عليه. وهو عند الترمذيّ، وحسّنه من حديث جابر ﵁ بلفظ: إن النبي ﷺ أخذ بيد عبد الرحمن بن عوف، فانطلق به إلى ابنه إبراهيم، فوجده يجود بنفسه، فأخذه النبي ﷺ ، فوضعه في حجره، فبكى، فقال له عبدالرحمن: أتبكي، أوَ لم تكن نهيت عن البكاء؟ فقال: "لا، ولكن نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند مصيبة، خَمْش وجوه (١)، وشَقّ جيوب، ورنّة شيطان". ومنها: حديث عائشة ﵂، قالت: رأيت رسول اللَّه ﷺ يقبّل عثمان بن مظعون، وهو ميت، حتى رأيت الدموع تسيل". أخرجه أبو داود بإسناد صحيح، والترمذي رقم ٩٨٩، وقال: حديث حسن صحيح. ومنها: ما أخرجه أحمد، عن ابن عباس ﵁، قال: لما مات عثمان بن مظعون، قالت امرأة: هنيئا لك الجنة عثمانَ بنَ مظعون، فنظر رسول اللَّه ﷺ إليها، نظر غضبان، فقال: "وما يدريك"، قالت: يا رسول اللَّه فارسك، وصاحبك، فقال رسول اللَّه ﷺ : "واللَّه إني رسول اللَّه، وما أدري ما يفعل بي"، فأشفق الناس على عثمان، فلما ماتت زينب ابنة رسول اللَّه ﷺ ، قال رسول اللَّه ﷺ : "الحقي بسلفنا الصالح الخير، عثمان بن مظعون، فبكت النساء، فجعل عمر، يضربهن بسوطه، فأخذ رسول اللَّه ﷺ بيده، وقال: "مهلا يا عمر"، ثم

стр. 10433

قال: "ابكين، وإياكن، ونعيق الشيطان"، ثم قال: "إنه مهما كان من العين والقلب، فمن اللَّه ، ومن الرحمة، وما كان من اليد واللسان، فمن الشيطان" انتهى. قال الحافظ أبو بكر الهيثمي في "مجمع الزوائد" ج ٣/ ١٧: وفيه علي بن زيد، وفيه كلام، وهو موثّق انتهى. ومنها: ما أخرجه أحمد في "مسنده" عن عائشة: أن سعد بن معاذ لما مات حضره رسول اللَّه ﷺ ، وأبو بكر، وعمر، قالت: فوالذي نفسي بيده، لأعرف بكاء أبي بكر من بكاء عمر، وأنا في حجرتي انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذه الأحاديث شواهد لحديث أبي هريرة ﵁ المذكور في الباب. والحاصل أن حديث الباب صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: في أقوال أهل العلم في حكيم البكاء على الميت: قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- في "شرح المهذب": قال الشافعيّ، والأصحاب: البكاء على الميت جائز قبل الموت وبعده، ولكن قبله أولى، لحديث جابر بن عَتِيك ﵁: أن رسول اللَّه ﷺ جاء يعود عبد اللَّه بن ثابت … الحديث، وقد تقدّم للنسائي ١٤/ ١٨٤٦. ولفظ الشافعيّ في "الأمّ": وأُرخص في البكاء قبل الموت، فإذا مات أمسكن. وقال صاحب "الشامل" وطائفة: يكره البكاء بعد الموت، لظاهر الحديث في النهي، ولم يقل الجمهور: يكره، وإنما قالوا: الأولى تركه، قالوا: وهو مراد الحديث، ولفظ الشافعيّ محتمل، هذا كلّه في البكاء بلا ندب، ولا نياحة (١)، أما الندب والنياحة، ولَطْم الخدود، وشقّ الجيب، وخَمْش الوجه، ونَشْرُ الشَّعْر، والدعاء بالويل والثبور، فكلها محرّمة باتفاق الأصحاب، وصرّح الجمهور بالتحريم، ووقع في كلام بعضهم لفظ الكراهة، وكذا وقع لفظ الكراهة في نصّ الشافعي في "الأم"، وحَمَلَها الأصحاب على كراهة التحريم، وقد نقل جماعةٌ الإجماعَ في ذلك. قال إمام الحرمين ﵀: ورَفعُ الصوت بإفراط في معنى شقّ الجيب، قال غيره: هذا إذا كان مختارًا، فإن كان مغلوبًا لم يُؤاخَذ به، لأنه غير مكلّف، وأما قول الشافعيّ ﵀ في "الأمّ": وأكره المآتم، وهي الجماعة، وإن لم يكن لهم بكاء، فمراده الجلوس للتعزية. انتهى كلام النووي -رحمه اللَّه تعالى- (٢).

стр. 10434

وقال الحافظ أبو عمر -رحمه اللَّه تعالى- في "التمهيد": وفي نهي جابر بن عتيك للنساء عن البكاء دليل على أنه قد كان سمع النهي عن ذلك، فتأوّله على العموم، فقال له رسول اللَّه ﷺ : دعهن -يعني يبكين حتى يموت، ثم لا تبكينّ باكية- يريد واللَّه أعلم لا تبكينّ نياحًا، ولا صِيَاحًا بعد وجوب موته، وعلى هذا جمهور الفقهاء أنه لا بأس بالبكاء على الميت، ما لم يُخلَط ذلك بنُدْبة، وبنياحة، وشقّ جيب، ونشر شَعْرٍ، وخَمْش وجه. قال ابن عباس ﵄ في مثل هذا من بكاء العين، دون نياحة: اللَّهُ أضحك، وأبكى. وقال في "الاستذكار": ما حاصله: الصِّيَاح، والنَّيَاحة لا يجوز شيء منه بعد الموت، وأما دمع العين، وحزن القلب، فالسنّة ثابتة بإباحته، وعليه جماعة العلماء. بكى رسول اللَّه ﷺ على إبراهيم ابنه، وقال: "إنها رحمة". أخرجه مسلم. وبكى على زينب ابنته، فقيل له: تبكي؟ فقال: "إنما هي رحمة، جعلها اللَّه في قلوب عباده". أخرجه أبو داود. وعن أنس ﵁: أن النبي ﷺ نعى جعفرًا، وزيدًا، وابن رواحة، نعاهم قبل أن يجيء خبرهم، وعيناه تَذْرِفَان". أخرجه البخاري. وعن أبي هريرة ﵁: "زار رسول اللَّه ﷺ قبر أمه، فبكى، وأبكى مَن حوله". أخرجه مسلم. ورى أبو إسحاق السبيعيّ، عن عامر بن سعد البجليّ، عن أبي مسعود الأنصاريّ، وثابت ابن زيد، وقَرَظَة بن كعب، قالوا: رُخّص لنا في البكاء على الميت من غير نَوْح. وثبت عن النبي ﷺ أنه نهى عن النَّوْح من حديث عمر، وعليّ، والمغيرة، وأم عطية، وأم سلمة، وأبي مالك الأشعريّ، وأبي هريرة، وغيرهم ﵁. وأجمع العلماء على أن النياحة لا تجوز للرجال والنساء، ورخّص الجمهور في بكاء العين في كلّ وقت. وقد أخرج أحمد، وابن ماجه، واللفظ لأحمد بإسناد صحيح، عن عبد اللَّه بن عمر، أن رسول اللَّه ﷺ ، لما رجع من أحد، سمع نساء الأنصار، يبكين على أزواجهن، فقال: "لكن حمزة لا بواكي له"، فبلغ ذلك نساء الأنصار، فجئن يبكين على حمزة، قال: فانتبه رسول اللَّه ﷺ من الليل، فسمعهن، وهن يبكين، فقال: ويحهن، لم يزلن يبكين بعدُ، منذ الليلة، مُرُوهن، فليرجعن، ولا يبكين على هالك بعد اليوم". وعن أبي هريرة ﵁ قال: مُرّ على النبي ﷺ بجنازة يُبكَى عليها، وأنا معه، وعمر ابن الخطاب … - الحديث المذكور في الباب-. انتهى كلام الحافظ أبي عمر -رحمه اللَّه تعالى- (١).

стр. 10435

قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: تبيّن بما ذُكر من الأحاديث، وأقوال أهل العلم، أن البكاء على الميت مباح مطلقا، قبل الموت، وبعده، إذا خلا عن النياحة، وشَقِّ الجيب، وخَمْش الوجه، ونحو ذلك، مما ورد النهي عنه، وستأتي الأحاديث في ذلك في الأبواب التالية، إن شاء اللَّه تعالى. ومنه يؤخذ الجمع بين الأحاديث الواردة في النهي عن البكاء، وإباحته. وحاصله أن أحاديث النهي عن البكاء مطلقًا، ومقيّدًا بما بعد الموت تحمل على البكاء الذي يفضي إلى ما لا يجوز، من النوح، والصُّرَاخ، وغير ذلك، وأحاديث الإباحة تحمل على مجرّد البكاء الذي هو دمع العين، وما لا يمكن دفعه من الصوت، وقد أشار إلى هذا الجمع قوله ﷺ في الحديث المتقدّم: "ولكن نهيت عن صوتين … ". وقوله في حديث ابن عباس المتقدّم: "إنه مهما كان من العين والقلب، فمن اللَّه ، ومن الرحمة … ". وقوله في حديث ابن عمر السابق: "إن اللَّه لا يعذب بدمع العين، ولا بحزن القلب … ". فيكون معنى قوله ﷺ : "لا يبكين على هالك بعد اليوم"، وقوله: "فإذا وجب فلا تبكين باكية" النهي عن البكاء الذي يصحبه شيء مما حرّمه الشارع، هذا هو الجمع الصحيح. وقيل: إنه يُجمَع بأن الإذن بالبكاء قبل الموت، والنهي عنه بعده. ويرده ما تقدم من حديث أبي هريرة ﵁ المذكور في الباب، من قصّة زجر عمر للباكيات. وحديث عائشة ﵂ في قصّة موت سعد بن معاذ، وبكاء أبي بكر وعمر ﵁ المتقدّم، وحديث أبي هريرة ﵁ في قصة بكاء النبي ﷺ عند زيارة قبر أمه، وحديث جابر ﵁ في قصة استشهاد أبيه، وبكاء عمته عليه، وحديث ابن عباس ﵄ في قصة بكاء النساء على زينب ابنة رسول اللَّه ﷺ ، وكلها وقعت بعد الموت، فليُتنبّه. وقيل: يجمع بحمل النهي عن البكاء بعد الموت على الكراهة، وقد تقدّم نقله عن الإمام الشافعي ﵀، لكن حمله أصحابه على كراهة التحريم. والحاصل أن الجمع الأول هو الراجح، كما قاله العلامة الشوكاني ﵀ تعالى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". …

стр. 10436

١٧ - دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أفرد هذا القدر بترجمة ليشعر بأن النفي الذي حاصله التبرّي يقع بكلّ واحدة من الخصال المذكورات في الحديث، لا بمجموعها، ويؤيّد ذلك رواية مسلم بلفظ: "أو شقّ الجيوب، أو دعا الخ". أفاده في "الفتح" (١). والدَّعْوى- بالفتح مقصورًا - مصدر دَعَا، كالدُّعاء. يقال: دعوت زيدًا أدعوه دعاءً ودَعْوَى: ناديته، وطلبت إقباله، ودعوت اللَّهَ: ابتهلت إليه بالسؤال، ورغبت فيما عنده من الخير. والمناسب هنا المعنى الأول. وجمع الدَّعْوَى الدعَاوي بكسر الواو، وفتحها، قال بعضهم. الفتح أولى، لأن العرب آثرت التخفيف، ففتحت، وحافظت على ألف التأنيث التي بُني عليها المفرد، وبه يُشعر كلام أبي العباس أحمد بن ولاّد، ولفظه: وما كان على فُعْلَى بالضمّ، أو الفتح، أو الكسر، فجمعه الغالب الأكثر فَعَالَى بالفتح، وقد يكسرون اللام في كثير منه. وقال بعضهم. الكسر أولى، وهو المفهوم من كلام سيبويه، لأنه ثبت أن ما بعد ألف الجمع لا يكون إلا مكسورًا، وما فُتح منه فمسموع، لا يُقاس عليه، لأنه خارج عن القياس. أفاده في "المصباح". والمراد من الجاهلية زمن الفترة التي قبل الإسلام، والمراد بدعوى الجاهلية أن يدعو عند البكاء بالويل، والثبور، أو أن يقول: واكهفاه، واجبلاه، ونحو ذلك، مما كان يقوله الجاهلية. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ١٨٦٠ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى, عَنِ الأَعْمَشِ ح أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ, عَنْ مَسْرُوقٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ, وَشَقَّ الْجُيُوبَ, وَدَعَا بِدُعَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ». وَاللَّفْظُ لِعَلِيٍّ, وَقَالَ الْحَسَنُ: «بِدَعْوَى». رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (علي بن خَشْرم) المروزيّ، ثقة، من صغار [١٠] ٨/ ٨. ٢ - (الحسن بن إسماعيل) المُجَالديّ المصّيصيّ، ثقة [١٠] ٢٦/ ٤٣٢. ٣ - (عيسى) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي الكوفي، ثقة مأمون [٨] ٨/ ٨.

стр. 10437

٤ - (ابن إدريس) عبد اللَّه الأودي الكوفي الثقة الفقيه العابد [٨] ٨٥/ ١٠٢. ٥ - (الأعمش) سليمان بن مهران الإمام الحجة الشهير [٥] ١٧/ ١٨. ٦ - (عبد اللَّه بن مُرّة) الهمدانيّ الخارفيّ -بمعجمة، وراء، وفاء- الكوفيّ، ثقة [٣]. وثقه ابن معين، وأبو زرعة، والنسائيّ، والعجليّ، وابن حبّان. وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث صالحة، مات في خلافة عمر بن عبد العزيز. وقال عمرو بن عليّ: سنة (١٠٠) وأرخه ابن قانع سنة (٩٩) روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب تسعة أحاديث. ٧ - (مسروق) بن الأجدع الهمدانيّ الكوفي المخضرم، ثقة ثبت [٢] ٩٠/ ١١٢. ٨ - (عبد اللَّه) بن مسعود ﵁ ٣٥/ ٣٩. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه سداسيات المصنف ﵀، وأنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخيه، فعلي مروزيّ، والحسن مصيصي. وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، عن عبد اللَّه بن مرّة، عن مسروق. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَبدِ اللَّهِ) ابن مسعود ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَيْسَ مِنَّا) أي من أهل سنتنا، وطريقتنا، وليس المراد به إخراجه عن الدين، ولكن فائدة إيراده بهذا اللفظ المبالغة في الرَّدْع عن الوقوع في مثل ذلك، كما يقول الرجل لولده عند معاتبته: لستُ منك، ولستَ منّي، أي ما أنت على طريقتي. وقال الزين ابن المنيّر ﵀: ما ملخّصه. التأويل الأول يستلزم أن يكون الخبر إنما ورد عن أمر وجوديّ، وهذا يُصان كلام الشارع عن الحمل عليه، والأولى أن يقال: المراد أن الواقع في ذلك يكون قد تعرّض لأن يهُجَر، ويُعرض عنه، فلا يَختلط بجماعة السنة، تأديبًا له على استصحابه حاله الجاهليّة التي قبّحها الإسلام، فهذا أولى من الحمل على ما لا يُستفاد منه قدر زائد على الفعل الموجود. وحُكي عن سُفيان (١) أنه كان يكره الخوض في تأويله، ويقول: ينبغي أن يمسك عن ذلك ليكون أوقع في النفوس، وأبلغ في الزجر. وقيل: المعنى ليس على ديننا الكامل، أي أنه خرج من فرع من فروع الدين، وإن

стр. 10438

كان معه أصله، حكاه ابن العربيّ. قال الحافظ ﵀: ويظهر لي أن هذا النفي يفسّره التبرّي الآتي في حديث أبي موسى ﵁، حيث قال: "بريء منه النبي ﷺ "، وأصل البراءة الانفصال من الشيء، وكأنه توعّده بأن لا يُدخله في شفاعته مثلاً. وقال المهلّب: قوله: "أنا بريء"، أي من فاعل ما ذُكر وقت ذلك الفعل، ولم يُرد نفيه عن الإسلام. وهذا يدلّ على تحريم ما ذُكر من شقّ الجيب، وغيره، وكأن السبب في ذلك ما تضمّنه ذلك من عدم الرضا بالقضاء، فإن وقع التصريح بالاستحلال مع العلم بالتحريم، أو التسخّط مثلاً بما وقع، فلا مانع من حمل النفي على الإخراج من الدين. قاله في "الفتح" (١). (مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ) ولفظ البخاريّ: "من لَطَمَ الخدود". و"الخدود" جمع خدّ، قال المجد اللغوي ﵀: الخدان -بالفتح- والخُدَّان- بالضمّ-: ما جاوز مؤَخَّر العينين إلى منتهى الشِّدْق، أو اللذان يكتنفان الأنف عن يمين وشمال، أو من لدُن المَحْجِر (٢) إلى اللَّحْيِ، مذكّر انتهى. وخص الخدْ بذلك لكونه الغالب في ذلك، وإلا فضرب بقية الوجه داخل في ذلك (وَشَقَّ الْجُيُوبَ) جمع جَيب -بالجيم، والموحّدة- وهو ما يفتح من الثوب ليُدْخَل فيه الرأس، والمراد بشقّه إكمال فتحه إلى آخره، وهو من علامات التسخّط (وَدَعَا بِدُعَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ) في "الكبرى": "بدعاء أهل الجاهلية"، ولمسلم: "بدعوى أهل الجاهلية"، أي من النياحة، ونحوها، وكذا الندبة، كقولهم: واجبلاه، وكذا الدعاء بالويل والثبور، فقد أخرج ابن ماجه، وصححه ابن حبّان، من حديث أبي أمامة ﵁: "إن رسول اللَّه ﷺ لعَنَ الخامشة وجهها، والشّاقّة جيبها، والداعية بالويل والثبور". ثم إن عمومه يشمل الذكر والأنثى، وتخصيص الإناث في بعض الأحاديث خرج مخرج العادة، فإن هذه الأفعال إنما هي عادتهنّ، لا عادة الذكور، والواو فيهما بمعنى "أو"، فالحكم في كلّ واحد منها، لا في المجموع، لأن كلاّ منها دالّ على عدم الرضا، والتسليم للقضاء. وقوله (وَاللَّفْظُ لِعَليٍّ) بيّن به اختلاف شيخيه في لفظ الحديث، فاللفظ المذكور هنا لشيخه عليّ بن خشرم، وأما شيخه الحسن بن إسماعيل، فيختلف لفظه عن لفظه قليلاً،

стр. 10439

كما بيّنه بقوله (وَقَالَ الْحَسَنُ: "بدَعْوَى") والدعاء بالضم، والدعوى بالفتح والقصر مصدران لدعا، يقال: دعوت فَلانًا: إذا ناديته، وطلبت إقباله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁ هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١٧/ ١٨٦٠ - و ١٩/ ١٨٦٢ و ٢١/ ١٨٦٤. وفي "الكبرى" ١٧/ ١٩٨٧ و ١٩/ ١٩٨٩ و ٢١/ ١٩٩١. وأخرجه (خ) ١٢٩٧ و ١٢٩٤ و ١٢٩٨ (م) ١٠٣ (ت) ٩٩٩ (ق) ١٥٨٤ (أحمد) ٣٦٥٠ و ٣١٠٠ و ٤٢٠٣ و ٤٣٤٨ و ٤٤١٦. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فى فوائده: منها: تحريم هذه الأشياء المذكورة في هذا الحديث، لأنها مشعرة بعدم الرضا بالقضاء. ومنها: أن هذه الأشياء من صنيع الجاهلية، وأن المسلم يجب عليه الابتعاد من صنيعهم. ومنها: وجوب الرضا بقضاء اللَّه تعالى، والتسليم لأمره، لأنه تعالى أعلم بمصالح عباده منهم، وإنما يبتليهم بالمصائب إما ليكفّر بها عنهم سيئاتهم، وإما ليرفع بها درجاتهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقال: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: ١٩]، فواجب العبد إذا أصيب بمصيبة، أن يسترجع، ويعلم أنه يعوّض من عند اللَّه تعالى خيرًا مما أصيب به، كما قال اللَّه تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾. وقد أخرج مسلم في "صحيحه" من حديث أم سلمة ﵂، أنها قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "ما من مسلم تصيبه مصيبة، فيقول: ما أمره اللَّه: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلِفْ لي خيرًا منها، إلا أخلف اللَّه له خيرًا منها"، وفي لفظ: "إلا أجره اللَّه في مصيبته، وأخلف له خيرًا منها". وأخرج البخاريّ ﵀ في "صحيحه" من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "يقول اللَّه تعالى: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء، إذا قبضت صفيّه من أهل الدنيا، ثم احتسبه إلا الجنة". وأخرج مسلم في "صحيحه"، من حديث صهيب ﵁، عن النبي ﷺ : "قال:"عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سرّاء شكر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرّاء صبر، فكان خيرًا له". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 10440

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٨ - السَّلْقُ قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "السَّلْقُ" بفتح، فسكون، مصدر سَلَقَ، من باب ضرب، ويقال: بالصاد بدل السين. قال ابن منظور -رحمه اللَّه تعالى-: السَّلْقُ: شدة الصوْت، وسَلَقَ لغةٌ في صَلَقَ: أي صاح، قال الأصمعيّ: الصوت الشديد وغيره بالسين، وقال أبو عُبيد. سَلَقَ. يعني رفع صوته عند موت إنسان، أو عند المصيبة، وقيل: هو أن تصُكَّ المرأة وجهها، وتَمْرُسَهُ، والأول أصحّ، ويقال: بالصاد. وقال ابن المبارك: من سَلَقَ: أي خَمَشَ وجهَه عند المصيبة، ومن السَّلْقِ رفعِ الصوتِ قولُهُم: خَطِيب مِسْلَقٌ انتهى كلام ابن منظور باختصار (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ١٨٦١ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ عَوْفٍ, عَنْ خَالِدٍ الأَحْدَبِ, عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ, قَالَ: أُغْمِىَ عَلَى أَبِي مُوسَى, فَبَكَوْا عَلَيْهِ, فَقَالَ: أَبْرَأُ إِلَيْكُمْ, كَمَا بَرِئَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , "لَيْسَ مِنَّا مَنْ حَلَقَ, وَلَا خَرَقَ, وَلَا سَلَقَ". رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عمرو بن عليّ) الفلاس البصري الحافظ الثبت [١٠] ٤/ ٤. ٢ - (سليمان بن حرب) الأزديّ الواشحيّ البصري، ثم المكيّ، ثقة ثبت [٩] ١٨١/ ٢٨٨. ٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت [٧] ٢٤/ ٢٦. ٤ - (عوف) بن أبي جميلة الأعرابي البصري، ثقة رمي بالقدر والتشيع [٦] ٤٦/ ٥٧. [تنبيه]: وقع في بعض نسخ "المجتبى": "عمرو" بدل عوف، وهو تصحيف فاحش، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. ٥ - (خالد الأحدب) هو: ابن عبد اللَّه بن مُحرز ابن أخي صفوان بن مُحرز المازنيّ البصريّ، صدوق [٧]. وثقه العجليّ، وابن حبّان. روى له مسلم، والمصنف، وله في هذا الكتاب هذا

стр. 10441

الحديث فقط. [تنبيه]: قوله: "الأحدب"، ويقال له أيضًا: "الأثبج"، بمثلثة، بعدها موحدة، وجيم، وهو كما في "ق": العريض الثَّبَج، أو الناتئه، والثَّبَج محرّكةً: ما بين الكاهل إلى الظهر انتهى. ٦ - (صفوان بن مُحرِز) بن زياد، المازنيّ، وقيل: الباهليّ، وقال الأصمعيّ: كان نازلاً في بني مازن، وليس منهم، ثقة عابد [٤]. قال أبو حاتم: جليل. وقال ابن سعد: كان ثقة، وله فضل وَرَع. وقال العجليّ: تابعي بصريّ ثقة. قال الواقديّ: توفي في ولاية بشر بن مروان. وقال ابن حبّان: مات سنة (٧٤) في ولاية عبد الملك، وكان من العبّاد، اتخذ لنفسه سَرَبًا يبكي فيه. وروى محمد بن نصر في "قيام الليل" من طريق يزيد الرقاشي أن صفوان بن مُحرِز كان إذا قام إلى التهجّد قام معه سُكّان داره من الجنّ، فصلَّوا بصلاته. انتهى. لكن يزيد الرقاشي، وهو ابن أبان، مع زهده ضعيف. روى له الجماعة سوى أبي داود، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٧ - (أبو موسى الأشعريّ) عبد اللَّه بن قيس الصحابي المشهور ﵁ ٣/ ٣. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): شيخه هو أحد مشايخ الأئمة السنة الذين رووا عنهما بلا واسطة، وأن فيه رواية الراوي، عن عمه. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ صَفْوَانَ بنِ مُحرِزِ) المازني، أنه (قَالَ: أُغْمِيَ عَلَى أَبِي مُوسَى) الأشعريّ، وفي رواية "وجع أبو موسى وَجَعًا، فغُشي عليه" (فَبَكَوْا عَلَيْهِ) وفي رواية مسلم من طريق أبي بردة ابن أبي موسى، قال: وجع أبو موسى وجعًا، فغشي عليه، ورأسه في حجر امرأة من أهله، فصاحت امرأة من أهله … "، وفي رواية له من طريق عبد الرحمن بن يزيد، وأبي بردة بن أبي موسى، قالا: أغمي على أبي موسى، وأقبلت امرأته أم عبد اللَّه تصيح برَنَّة … ". قال الحافظ بعد ذكر هذه الاختلافات: فحصلنا على أنها أم عبد اللَّه بنت أبي دومة، وأفاد عمر بن شبّة في "تاريخ البصرة" أن اسمها صفية بنت دمون، وأنها والدة أبي بُردة ابن أبي موسى، وأن ذلك وقع حيث كان أبو موسى أميرًا على البصرة، من قِبَلِ عمر بن

стр. 10442

الخطاب ﵁ انتهى. وهي صحابية هاجرت مع أبي موسى، ذكرها الحافظ، وابن عبد البرّ في الكنى من الصحابيات (١). (فَقَالَ: أَبْرَأُ إِلَيْكُمْ) وفي رواية مسلم المذكورة: "فلم يستطع أن يردّ عليها شيئًا، فلما أفاق قال: أنا بريء مما برىء منه رسول اللَّه ﷺ ، فإن رسول اللَّه ﷺ برىء من الصالقة، والحالقة، والشاقّة"، وفي رواية له: "ثم أفاق، قال: ألم تعلمي -وكان يحدّثها- أن رسول اللَّه ﷺ قال: "أنا بريء ممن حلق، وسلق، وخرق". قال القرطبي ﵀: أصل البراءة الانفصال عن الشيء، والبينونة منه، ومنه البراءة من العيوب والدين، ويحتمل أن يريد به أنه متبرّىء من تصويب فعلهم هذا، أو من العهدة اللازمة له في التبليغ انتهى (٢). وقال النوويّ نقلاً عن القاضي عياض -رحمهما اللَّه تعالى-: قوله: "أنا بريء ممن حلق"، أي بريء من فعلهنّ، أو ما يستوجبن من العقوبة، أو من عهدة ما لزمني من بيانه، وأصل البراءة الانفصال انتهى. قال النووي: ويجوز أن يراد به ظاهره، وهو البراءة من فاعل هذه الأمور، ولا يقدّر فيه حذف انتهى (٣). (كَمَا بَرِئَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، "لَيْسَ مِنَّا) مقول لقول مقدّر، أي قائلاً ليس منّا، فالكلام للنبي ﷺ ، لا لأبي موسى ﵁ (مَنْ حلَقَ) أي الذي حلق شعره عند المصيبة (وَلَا خَرَقَ) أي شقّ ثوبه عند المصيبة (وَلَا سَلَقَ) أي الذي رفع صوته عند المصيبة، ويقال: بالسين والصاد، كما تقدّم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي موسى ﵁ هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١٨/ ١٨٦١ و ١٨٦٣ و ١٨٦٥ و ١٨٦٦ و١٨٦٧ وأخرجه (خ) ١٢٩٦ تعليقا (م) ١٠٤ (د) ٣١٣٠ (ق) ١٥٨٦ (أحمد) ١٩٠٤١ و ١٩٠٩٣ و ١٩١١٩ و ١٩١٢٩ و ١٩١٩١ و ١٩٢٣٠ واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 10443

١٩ - ضَرْبُ الْخُدُودِ ١٨٦٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, قَالَ: حَدَّثَنِي زُبَيْدٌ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ, عَنْ مَسْرُوقٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ, وَشَقَّ الْجُيُوبَ, وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ». رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (محمد بن بشار) بُندار، أبو بكر البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٢٤/ ٢٧. ٢ - (يحيى) بن سعيد القطّان الإمام الحجة الثبت [٩] ٤/ ٤. ٣ - (سفيان) بن سعيد الثوريّ الكوفيّ الإمام الثبت الحجة [٧] ٣٣/ ٣٧. ٤ - (زبيد) بن الحارث اليامي الكوفيّ، ثقة ثبت عابد [٦] ٣٧/ ١٤٢٠. ٥ - (إبراهيم) بن يزيد النخعي الكوفيّ الثقة الفقيه [٥] ٢٩/ ٣٣. ٦ - (مسروق) بن الأجدع الهداني الكوفيّ المذكور قبل باب. ٧ - (عبد اللَّه) بن مسعود ﵁ ٣٥/ ٣٩. واللَّه تعالى أعلم. ومن لطائف هذا الإسناد أن رجاله كلهم رجال الصحيح، وأنهم كوفيون، إلا شيخه، وشيخ شيخه، فهما بصريان، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. والحديث متفق عليه، وقد تقدم البحث فيه قبل باب، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٢٠ - الْحَلْقُ ١٨٦٣ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا (١) جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُمَيْسٍ, عَنْ أَبِي صَخْرَةَ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ, وَأَبِي بُرْدَةَ, قَالَا: لَمَّا ثَقُلَ أَبُو مُوسَى, أَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ تَصِيحُ, قَالَا: فَأَفَاقَ, فَقَالَ: أَلَمْ أُخْبِرْكِ (٢)

стр. 10444

أَنِّي بَرِىءٌ مِمَّنْ (١) بَرِئَ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , قَالَا: وَكَانَ يُحَدِّثُهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «أَنَا بَرِىءٌ مِمَّنْ حَلَقَ, وَخَرَقَ, وَسَلَقَ». رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أحمد بن عثمان بن حَكيم) الأوديّ الكوفي، ثقة [١١] ١٦٠/ ٢٥٢. ٢ - (جعفر بن عون) بن جعفر بن عمرو بن حُريث المخزوميّ، أبو عون الكوفيّ، صدوق [٩] ٤٠/ ٦٨٤. [تنبيه]: وقع في بعض نسخ "المجتبى" جعفر بن عوف" بالفاء بدل النون، وهو تصحيف فاحش، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. ٣ - (أبو العميس) - بصيغة التصغير- عتبة بن عبد اللَّه بن عُتبة بن عبد اللَّه بن مسعود الهُذَليّ المسعوديّ الكوفيّ ثقة [٧] ٤٠/ ٦٨٤. [تنبيه]: أبو العُمَيس هذا مشهور بكنيته، ذكره الحاكم في أفراد الكنى، يعني أنه لا يشاركه في كنيته أحد. واللَّه تعالى أعلم. ٤ - (أبو صخرة) ويقال: "أبو صخر" بلاهاء. جامع بن شدّاد المحاربي، الكوفيّ، ثقة [٥] ١٠٨/ ١٤٥. ٥ - (عبد الرحمن بن يزيد) بن قيس النخعيّ، أبو بكر الكوفيّ، ثقة من كبار [٣] ٣٧/ ٤١. ٦ - (أبو بردة) بن أبي موسى الأشعري: اختلف في اسمه، فقيل: الحارث، وقيل: عامر، ثقة [٣] ٣/ ٣. ٧ - (أبو موسى) الأشعريّ ﵁ المذكور قبل باب. والإسناد كلهم كوفيون، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيين. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدم البحث فيه قبل باب، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". …

стр. 10445

٢١ - شَقُّ الْجُيُوبِ ١٨٦٤ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ زُبَيْدٍ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ, عَنْ مَسْرُوقٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ, وَشَقَّ الْجُيُوبَ, وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ». رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (إسحاق بن منصور) الكوسج، أبو يعقوب المروزيّ ثقة ثبت [١١] ٧٢/ ٨٨. ٢ - (عبد الرحمن) بن مهديّ البصريّ الإمام المشهور [٩] ٤٢/ ٤٩. والباقون تقدّموا قبل باب، وسفيان هو الثوريّ. والحديث متفقٌ عليه، وقد سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٨٦٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ (١) , عَنْ مَنْصُورٍ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ, عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَوْسٍ, عَنْ أَبِي مُوسَى, أَنَّهُ أُغْمِيَ عَلَيْهِ, فَبَكَتْ أُمُّ وَلَدٍ لَهُ, فَلَمَّا أَفَاقَ, قَالَ: لَهَا أَمَا بَلَغَكِ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ , فَسَأَلْنَاهَا؟ , فَقَالَتْ: قَالَ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ سَلَقَ, وَحَلَقَ, وَخَرَقَ». رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (محمد بن المثنى) البصريّ الحافظ الثبت [١٠] ٦٤/ ٨٠. ٢ - (محمد) بن جعفر المعروف بغندر البصريّ، ثقة [٩] ٢١/ ٢٢. ٣ - (شعبة) الإمام المذكور قبل بابين. [تنبيه]: وقع في بعض النسخ: "سعيد" بدل "شعبة"، وهو غلط، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. ٤ - (منصور) بن المعتمر الكوفي الثقة الثبت [٥] ٢/ ٢. ٥ - (إبراهيم) بن يزيد النخعيّ المذكور قبل باب. ٦ - (يزيد بن أوس) الكوفيّ مقبول [٤]. روى عن أبي موسى، وامرأته، وثابت بن قيس النخعي، وعلقمة. وعنه إبراهيم النخعيّ. قال علي بن المديني: نظرت، فإذا قلّ رجل من الأئمة إلا قد حدّث عن رجل، لم يرو عنه غيره. فقال له رجل: فإبراهيم النخعيّ عمن روى عن المجهولين؟

стр. 10446

قال: روى عن يزيد بن أوس، عن علقمة، فمن يزيد بن أوس؟ لا نعلم أحدًا روى عنه غير إبراهيم. انتهى. وذكره ابن حبان في "الثقات". انفرد به أبو داود، والمصنف، وله عندهما هذا الحديث، وله عند المصنّف حديث آخر تقدّم في "الصلاة" برقم (٥٠١). ٧ - (أم ولد أبي موسى) الأشعريّ هي أم عبد اللَّه الآتية في السند التالي، وهي بنت أبي دومة، لها صحبة، وحديث. ٨ - (أبو موسى) الأشعريّ ﵁ ٣/ ٣. وقوله: "فبكت أم ولدله"، أراد به زوجته أم عبد اللَّه بنت أبي دومة الآتية في الحديث التالي. واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: قال الحافظ المزّيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "تحفة الأشراف" ١٣/ ٩٠ في مسند أم عبد اللَّه امرأة أبي موسى الأشعريّ: ما نصّه: حديث: "دخلت على أبي موسى، وهو ثقيل، فذهبت امرأته لتبكي .... " الحديث وفيه: "فلقيت المرأة، فقالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "ليس منّا من حلق … " (د) في "الجنائز عن عثمان، عن جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن يزيد بن أوس، قال دخلت … فذكره. (س) فيه عن ابن المثنى، عن غندر، عن شعبة، عن مصور نحوه. وعن هنّاد، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن سهم بن منجاب، عن القرثع، قال. لما ثقُل أبو موسى صاحت امرأته … فذكر معناه. رواه زيد بن أبي أُنيسة، عن عمرو بن مرة، عن إبراهيم النخعيّ، عن ثابت بن قيس، عن أم عبد اللَّه، عن أبي موسى، عن النبيّ ﷺ ، ورواه هُشيم، عن عياض بن غنم الأشعريّ، عن امرأة أبي موسى، ولم يسمّها، عن أبي موسى، عن النبيّ ﷺ . انتهى. وكتب الحافظ في "النكت الظراف": ما نصّه: رواية جرير ظاهرها أن الحديث من مسند أم عبد اللَّه، ورواية شعبة ظاهرها أن الحديث من مسند أبي موسى، وأن أم عبد اللَّه إنما سمعته منه، كذلك أخرجه النسائيّ، ولفظه: عن يزيد بن أوس، عن أبي موسى أنه أغمي عليه، فبكت أم ولد له، فلما أفاق قال: أما بلغك ما قال رسول اللَّه ﷺ ؟ فسألناها، فقالت: قال: "ليس منا من سلق، وحلق، وخرق"، ثم أخرجه النسائيّ من طريق إسرائيل، عن منصور، عن إبراهيم، عن يزيد بن أوس، عن أم عبد اللَّه امرأة أبي موسى، عن أبي موسى، قال: قال رسول اللَّه ﷺ … فذكره. وقد أخرجه النسائيّ أيضًا من رواية القُرثُع، قال: لما ثقُل أبو موسى صاحت امرأته، فقال: أما علمت ما قال

стр. 10447

رسول اللَّه ﷺ ؟ قالت: بلى، ثم سكتت، فقيل لها بعد ذلك: أيّ شيء قال رسول اللَّه ﷺ ؟ قالت: إن رسول اللَّه ﷺ قال … فذكرت الحديث. وهذا ظاهره كظاهر رواية جرير وشعبة، ومع ذلك ذكره المزّيّ في مسند أبي موسى. وذكره المزيّ من رواية ثابت ابن قيس، ومن رواية عياض الأشعريّ، كلاهما عن امرأة أبي موسى، عن أبي موسى، وروية ثابت في "فوائد أبي العباس بن نجيح"، ورواية عياض في "معجم الطبرانيّ"، وكلها يدلّ على أن أم عبد اللَّه إنما حمدته عن أبي موسى، فتُحمل الروايات المطلقة على ذلك، والحديث إنما هو من مسند أبي موسى. انتهى "النكت الظراف" ١٣/ ٩٠ - ٩١. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: وهذا ظاهره كظاهر رواية جرير، وشعبة. فيه نظر؛ لأنه سبق له أن رواية شعبة ظاهرها أن الحديث من مسند أبي موسى، وأن أم عبد اللَّه إنما سمعته منه. فتنبّه. وقوله ذكره المزيّ في مسند أبي موسى من رواية قرثع الخ. فيه نظر أيضًا؛ لأنه لم يذكره في مسند أبي موسى، وإنما ذكره في مسند امرأة أبي موسى، نَبَّهَ على هذا بعضهم. والحاصل أن الأرجح كون الحديث من مسند أبي موسى الأشعريّ ﵁، وأن امرأته روته عنه، لا عن النبيّ ﷺ . واللَّه تعالى أعلم. والحديث صحيح بما سبق. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٨٦٦ - أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ, عَنْ مَنْصُورٍ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ, عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَوْسٍ, عَنْ أُمِّ عَبْدِ اللَّهِ (١) , امْرَأَةِ أَبِي مُوسَى, عَنْ أَبِي مُوسَى, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَيْسَ مِنَّا مَنْ حَلَقَ, وَسَلَقَ, وَخَرَقَ». رجال هذا الإسناد: ثمانية أيضًا: ١ - (عبدة بن عبد اللَّه) الصفّار الخزاعيّ البصريّ كوفي الأصل، ثقة [١١] ١٨/ ٨٠٠. ٢ - (يحيى بن آدم) أبو زكريا الكوفي الثقة الحافظ الفاضل من كبار [٩] ١/ ٤٥١. ٣ - (إسرائيل) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي الكوفيّ، ثقة [٦] ٧٥/ ١٠٠٦. ٤ - (أم عبد اللَّه امرأة أبي موسى) الأشعريّ، بنت أبي دومة، لها صحبة، وحديث. والباقون تقدموا في الذي قبله. والحديث أيضًا صحيح بما سبق. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

стр. 10448

١٨٦٧ - أَخْبَرَنَا هَنَّادٌ, عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ, عَنْ سَهْمِ بْنِ مِنْجَابٍ, عَنِ الْقَرْثَعِ, قَالَ: لَمَّا ثَقُلَ أَبُو مُوسَى, صَاحَتِ امْرَأَتُهُ, فَقَالَ: أَمَا عَلِمْتِ, مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَتْ: بَلَى. ثُمَّ سَكَتَتْ, فَقِيلَ لَهَا, بَعْدَ ذَلِكَ: أَيُّ شَيْءٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , لَعَنَ مَنْ حَلَقَ, أَوْ سَلَقَ, أَوْ خَرَقَ. رجال هذا الإسناد: ثمانية أيضًا: ١ - (هناد) بن السريّ الكوفيّ، ثقة [١٠] ٢٣/ ٢٥. ٢ - (أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير البصريّ، ثقة، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهم في حديث غيره، من كبار [٩] ٢٦/ ٣٠. ٣ - (الأعمش) سليمان بن مهران الكوفي الإمام الحافظ الثبت [٥] ١٧/ ١٨. ٤ - (إبراهيم) النخعي المذكور في الذي قبله. ٥ - (سهم بن مِنْجَاب) بن راشد الضّبيّ الكوفيّ، ثقة [٦]. قال النسائيّ: ثقة. وقال العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". أخرج له مسلم، وأبو داود، والترمذيّ في "الشمائل"، والمصنّف، وابن ماجه، له عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٦ - (قرثع) (١) بن أحمد الضبّيّ الكوفيّ، صدوق مخضرم [٢] ٢٣/ ١٤٠٣. ٧ - (أبو موسى) ﵁ المذكور قبله. وقوله: "لما ثقل: بفتح، فضمّ: أى اشتدّ مرضه. والحديث صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٢٢ - الأَمْرُ بِالاحْتِسَابِ وَالصَّبْرِ عِنْدَ نُزُولِ الْمُصِيبَةِ (٢) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الاحتساب": مصدر "احتسب"، يقال: احتسب الأجر على اللَّه: ادّخره عنده، لا يرجو ثواب الدنيا، والاسم الحِسْبَة. قاله في

стр. 10449

"المصباح". وقال ابن الأثير -رحمه اللَّه تعالى-: الاحتساب من الحَسَب، كالاعتداد من العَد، وإنما قيل لمن ينوي بعمله وجه اللَّه: احتسبه، لأن له حينئذ أن يعتدّ عملَه، فجُعِلَ في حال مباشرة الفعل كأنه معتدّ به، والحِسْبةُ اسم من الاحتساب، كالعدة من الاعتداد، والاحتسابُ في الأعمال الصالحة، وعند المكروهات: هو البِدَار إلى طلب الأجر، وتحصِيلِهِ بالتسليم والصبر، أو باستعمال أنواع البرّ والقيام بها على الوجه المرسوم فيها، طلبًا للثواب المرجوّة منها انتهى (١). و"الصبر": مصدر صَبَرَ، يقال: صَبَرتُ صَبْرًا، من باب ضَرَب: حَبَسْتُ النفس عن الْجَزَع. ذكره في "المصباح". وقال في "الفتح": وأحسن ما وصف به الصبر أنه حبس النفس عن المكروه، وعقد اللسان عن الشكوى، والمكابدة في تحمله، وانتظار الفرج، وقد أثنى اللَّه تعالى على الصابرين في عدّة آيات. وأخرج الطبراني بسند صحيح عن ابن مسعود ﵁ موقوفًا: "اليقين الإيمان كلّه، والصبر نصف الإيمان"، وأخرجه أبو نعيم في "الحلية"، والبيهقي في "الزهد" مرفوعًا، ولا يصحّ رفعه. وقال الراغب: الصبر الإمساك في ضيق، صبرتُ الشيءَ حبستُهُ، فالصبر حبس النفس على ما يقتضيه العقل، أو الشرع، وتختلف معانيه بتعلقاته، فإن كان عن مصيبة، سمي صبرًا فقط، وإن كان في لقاء عدوّ سمي شجاعةً، وإن كان عن كلام سمي كتمانًا، وإن كان عن تعاطي ما نهُي عنه سمي عفّةً انتهى (٢). و"المصيبة": الشدّة النازلة، وجمعها المشهور مَصَائب، قالوا: والأصل مَصَاوب، وقال الأصمعيّ: قد جمُعت على لفظها بالألف والتاء، فقيل: مصيبات، قال: وأرى أن جمعها على مَصَائب من كلام أهل الأمصار. ذكره في "المصباح". واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ١٨٦٨ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ, عَنْ عَاصِمِ بْنِ سُلَيْمَانَ, عَنْ أَبِي عُثْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ, قَالَ: أَرْسَلَتْ بِنْتُ النَّبِيِّ ﷺ إِلَيْهِ, أَنَّ ابْنًا لِي قُبِضَ, فَأْتِنَا, فَأَرْسَلَ, يَقْرَأُ السَّلَامَ, وَيَقُولُ: «إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ, وَلَهُ مَا أَعْطَى, وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَ اللَّهِ بِأَجَلٍ مُسَمًّى, فَلْتَصْبِرْ, وَلْتَحْتَسِبْ». فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ, تُقْسِمُ عَلَيْهِ, لَيَأْتِيَنَّهَا, فَقَامَ, وَمَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ, وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ, وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ, وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ, وَرِجَالٌ, فَرُفِعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الصَّبِيُّ, وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ, فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ, فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, مَا هَذَا؟ قَالَ: «هَذَا رَحْمَةٌ, يَجْعَلُهَا اللَّهُ, فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ, وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ».

стр. 10450

رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (سُويد بن نصر) المروزيّ، ثقة [١٠] ٤٥/ ٥٥. ٢ - (عبد اللَّه) بن المبارك الإمام الجليل المشهور [٨] ٣٢/ ٣٦. ٣ - (عاصم بن سليمان) الأحول البصريّ ثقة [٤] ١٤٨/ ٢٣٩. ٤ - (أبو عثمان) عبدالرحمن بن ملّ النهديّ المخضرم الثقة الثبت العابد الكوفيّ [٢] ١١/ ٦٤١. [تنبيه]: كتب في "الكبرى" عقب هذا الحديث: ما نصّه: قال لنا أبو عبد الرحمن: أبو عثمان هو النهديّ، واسمه عبد الرحمن بن ملّ انتهى (١). ٥ - (أسامة بن زيد) الصحابي ابن الصحابي ﵄ ٩٦/ ١٢٠. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف، ورجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، وهو ثقة، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم، وأن صحابيه حبُّ رسول ﷺ وابن حِبِّه ﵄. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) النهديّ وفي رواية للبخاري في أواخر "الطبّ" من طريق شعبة، عن عاصم، قال: سمعت أبا عثمان (قَالَ: حَدَّثَنى أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ) الصحابيّ ابن الصحابيّ، حبّ رسول اللَّه ﷺ ، وابن حبّه ﵁، تقدمت ترجمته في ٩٦/ ١٢٠ (قَالَ: أَرْسَلَتْ بِنْتُ النَّبِيِّ ﷺ ) هي زينب، كما وقع في رواية أبي معاوية، عن عاصم المذكور في "مصنّف بن أبي شيبة، وكذا ذكره ابن بشكوال (٢) (إِلَيْهِ، أَنَّ ابْنًا لِي) قيل: هو علي بن أبي العاص بن الربيع، وهو من زينب، كذا كتب الدمياطيّ بخطه في "الحاشية". قال الحافظ: وفيه نظر (٣)، لأنه لم يقع مسمّى في شيء من طرق هذا الحديث، وأيضًا فقد ذكر الزبير بن بكّار وغيره، من أهل العلم بالأخبار أن عليّا المذكور عاش حتى ناهز الحُلُم، وأن النبي ﷺ أردفه على راحلته يوم فتح مكة، ومثل هذا لا يقال: في حقه صبي عرفا، وإن جاز من حيث اللغة. قال: ووجدت في "الأنساب" للبلاذريّ أن عبد اللَّه بن عثمان بن عفّان من رقية بنت

стр. 10451

النبي ﷺ لَمّا مات وضعه النبي ﷺ في حجره، وقال: "إنما يرحم اللَّه من عباده الرحماء". وفي "مسند البزّار" من حديث أبي هريرة، قال: ثقل ابن لفاطمة، فبعثت إلى النبي ﷺ ، فذكر نحو حديث الباب، وفيه مراجعة سعد بن عبادة في البكاء، فعلى هذا، فالابن المذكور محسن بن عليّ بن أبي طالب، وقد اتفق أهل العلم بالأخبار أنه مات صغيرًا، في حياة النبي ﷺ ، فهذا أولى أن يفسّر به الابن إن ثبت أن القصّة كانت لصبيّ، ولم يثبت أن المرسلة زينب، لكن الصواب في حديث الباب أن المرسلة زينب، وأن الولد صبيّة، كما ثبت في "مسند أحمد"، عن أبي معاوية، بالسند المذكور، ولفظه: "أُتِي النبيُّ ﷺ بأمامة بنت زينب"، زاد سعدان بن نصر في الثاني من حديثه، عن أبي معاوية بهذا الإسناد: "وهي لأبي العاص بن الربيع، ونفسها تقعقع، كأنها في شنّ"، فذكر حديث الباب، وفيه مراجعة سعد بن عبادة، وهكذا أخرجه أبو سعيد بن الأعرابيّ في "معجمه"، عن سعدان، ووقع في رواية بعضهم "أُمينة" بالتصغير، وهى أمامة المذكورة، فقد اتفق أهل العلم بالنسب أن زينب لم تلد لأبي العاص إلا عليّا، وأمامة فقط. وقد استُشكِل ذلك، من حيث إن أهل العلم بالأخبار اتفقوا على أن أمامة بنت أبي العاص من زينب بنت النبي ﷺ ، عاشت بعد النبي ﷺ ، حتى تزوجها علي بن أبي طالب بعد وفاة فاطمة، ثم عاشت عند عليّ حتى قُتل عنها. ويجاب بأن المراد في حديث الباب: "أن ابنا لي قُبض"، أي قارب أن يُقبض، ويدلّ على ذلك أن في رواية حماد: "أرسلت تدعوه إلى ابنها في الموت"، وفي رواية شعبة: "أن ابنتي قد حُضِرَت"، وهو عند أبي داود من طريقه: "أن ابني"، أو "ابنتي"، وقد قدّمنا أن الصواب قول من قال: "ابنتي"، لا "ابني". ويؤيدّه ما رواه الطبرانيّ في ترجمة عبد الرحمن بن عوف، في "المعجم الكبير" من طريق الوليد ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن جدّه، قال: "استُعِزَّ بأمامة بنت أبي العاص، فبَعَثَت زينب بنت رسول اللَّه ﷺ إليه، تقول له … "، فذكر نحو حديث أسامة، وفيه مراجعة سعد في البكاء، وغير ذلك. وقوله في هذه الرواية: "استُعِزّ" -بضم المثناة، وكسر المهملة، وتشديد الزاي-: أي اشتدّ بها المرض، وأشرفت على الموت. قال: والذي يظهر لي أن اللَّه تعالى أكرم نبيّه ﷺ لَمَا سَلَّمَ لأمر ربه، وصبّر ابنته، ولم يملك مع ذلك عينيه من الرحمة، والشفقة، بأن عافى اللَّه ابنة ابنته في ذلك الوقت،

стр. 10452

فخَلَصَت من تلك الشدّة، وعاشت تلك المدّة، وهذا ينبغي أن يُذكَر في دلائل النبوّة، واللَّه المستعان انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يظهر في أن الجمع بين هذه الروايات بتعدد الواقعة أولى، من تخطئة الرواية الصحيحة، فالصواب في حديث الباب أن المحتضر "ابن"، لا "ابنة"، كما هو نصّ حديث الباب. ثم رأيت القسطلاّنيّ نقل عن البرماويّ بأنه جمع بين ذلك باحتمال تعدد الواقعة في بنت، أو بنتين، أرسلت زينب في عليّ، أو أمامة، أو رقيّةُ في عبد اللَّه بن عثمان، أو فاطمة في ابنها محسن بن عليّ انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم. (قُبِضَ) بالبناء للمفعول، أي قرب من أن يُقبض، أي هو في حالة القبض، ومعالجة الروح، فأطلق القبض مجازًا، باعتبار أنه في حالة كحالة النزع (فَأْتِنَا، فَأَرْسَلَ، يَقْرَأ) بفتح الياء (السَّلَامَ) بالنصب مفعول، ومتعلِّقُهُ محذوف: أي عليها، لأنه يتعدى إلى المفعول الثاني بـ "على". يقال: قرأت على زيد السلامَ، أقرؤه عليه، قراءةً، وإذا أمرت منه قلتَ: اقْرَأْ ﵇، قال الأصمعيّ: وتعديته بنفسه خطأ، فلا يقال: اقْرَأْه السلامَ، لأنه بمعنى اتلُ عليه، وحكَى ابن القطّاع أنه يتعدّى بنفسه، رباعيًا، فيقال: فلان يُقرِئك السلامَ. قاله في "المصباح". ورواية البخاريّ "يُقرىء" بضم الياء، وجملة "يقرأ" حال من فاعل "أرسل" (وَيَقُولُ) تسليةً لها (إِنَّ لِلهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى) أي فلا حيلة إلا الصبر، وقدّم ذكر الأخذ على الإعطاء، وإن كان متأخرًا في الواقع، لأن المقامَ يقتضيه، والمعنى أن الذي أراد أن يأخذه هو الذي كان أعطاه، فإن أخذه أخذ ما هو له، فلا ينبغي الجزع، لأن مُستَودَعَ الأمانة لا ينبغي له أن يجزع إذا استعيدت منه. ويحتمل أن يكون المراد بالإعطاء إعطاء الحياة لمن بقي بعد الميت، أو ثوابهم على المصيبة، أو ما هو أعمّ من ذلك. أفاده في "الفتح". وقال النووي ﵀: قوله: "إن للَّه ما أخذ": معناه الحثّ على الصبر، والتسليم لقضاء اللَّه تعالى، وتقديره أن هذا الذي أُخذ منكم كان له، لا لكم، فلم يأخذ إلا ما هو له، فينبغي أن لا تَجزَعوا، كما لا يجزع من استُرِدّت منه وديعةٌ أو عاريةٌ. وقوله: "وله ما أعطى": معناه: أن ما وهبه لكم ليس خارجًا عن ملكه، بل هو يفعل فيه ما يشاء. انتهى (٣).

стр. 10453

ولفظ "ما" في الموضعين مصدريّة، أي إن للَّه الأخذ والإعطاء، ويحتمل أن تكون موصولة، والعائد محذوف للدلالة على العموم، فعلى الأول التقدير إن للَّه الأخذَ والإعطاءَ، أي أخذ الأولاد، وإعطاءهم، أو ما هو أعمّ من الأولاد، وعلى الثاني إن للَّه الذي أخذه من الأولاد، وله الذي أعطى منهم، أو ما هو أعمّ من ذلك. (وَكُلُّ شَيْء) أي من الأخذ والإعطاء، أو من الأنفس، أو ما هو أعمّ من ذلك (عِنْدَ اللَّهِ) تعالى (بِأَجَلِ مُسَمَّى) أي مقدّر بأجل معلوم، و"الأجل" يطلق على الحدّ الأخير، وعلى مجموع العمر. وفي نسخة "وكلٌ عنده بأجل مسمّى". وقال النووي ﵀: معنى قوله: "وكل شيء عنده بأجل مسمى": اصبروا، ولا تجزعوا، فمن كل من مات قد انقضى أجله المسمى، فمحال تقدّمه أو تأخّره عنه، فإذا علمتم هذا كله فاصبروا، واحتسبوا ما نزل بكم. وهذا الحديث من قواعد الإسلام المشتملة على جُمَل من أصول الدين، وفروعه، والآداب. واللَّه أعلم انتهى بتصرّف (١). (فَلْتَصْبِرْ، وَلْتَحْتَسِبْ) أي تنوي بصبرها طلب الثواب من ربها، ليُحْسَبَ لها ذلك من عملها الصالح (فأرْسَلَتْ إِلَيهِ) أي أرسلت ابنة النبيّ ﷺ إليه مرةً أخرى (تُقْسِمُ عَلَيْهِ) بضمّ التاء، من الإقسام، والجملة في محلّ نصب على الحال، ووقع في حديث عبد الرحمن ابن عوف عند الطبرانيّ أنها راجعته مرتين، وأنه إنما قام في ثالث مرة، وكأنها ألَحَّت عليه في ذلك دفعًا لما يظنه بعض أهل الجهل أنها ناقصة المكانة عنده، أو ألهمها اللَّه تعالى أن حضور نبيه ﷺ عندها يدفع عنها ما هي فيه من الألم ببركة دعائه، وحضوره، فحقّق اللَّه ظنها (٢). والظاهر أنه امتنع أوّلًا مبالغة في إظهار التسليم لربه، أو ليبيّن الجواز في أن من دُعي لمثل ذلك لم تجب عليه الإجابة، بخلاف الوليمة مثلًا (لَيأْتِيَنَّهَا) بفتح اللام، ونون التأكيد المشددة، والجملة جواب القسم (فَقَامَ) ﷺ (وَمعه) الواو للحال أي: والحال أن مع النبي ﷺ (سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَمُعَاذُ بنُ جَبَلِ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَرِجَال آخرون) ذُكر منهم في غير هذه الرواية عبادةُ بن الصامت، وأَسامة بن زيد، راوي الحديث، وعبد الرحمن بن عوف (فَرُفِعَ) بالبناء للمفعول، قال في "الفتح": كذا هنا بالراء، وفي رواية حماد "فدُفع" بالدال، وبين في رواية شعبة أنه وُضع في حجره ﷺ ، قال: وفي هذا السياق حذف، والتقدير: فمشوا، إلى أن وصلوا إلى بيتها، فاستأذنوا،

стр. 10454

فأُذن لهم، فدخلوا، فرُفِع، ووقع بعض هذا المحذوف في رواية عبد الواحد، ولفظه: "فلما دخلنا، ناولوا رسول اللَّه ﷺ الصبيّ … (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الصَّبِيُّ) أي وضع في حجره ﷺ (وَنَفْسُهُ) أي روحه (تَتَقَعْقَعُ) وفي نسخة "تقعقع" بحذف إحدى التاءين، أي تضطرب، وتتحرّك، ولا تثبت على حالة واحدة، كذا في "النهاية". والجملة في محلّ نصب على الحال من "الصبيّ". وزاد في رواية للبخاري بعد قوله: "ونفسه تتقعقع": ما لفظه: "قال: حسبت كأنها شَنّ"، ولفظه في رواية: "ونفسه تقعقع، كأنها في شنّ". قال في "الفتح": والقعقعة صوت الشيء اليابس إذا حُرّك، والشّنّ بفتح المعجمة، وتشديد النون: القِرْبة الخَلَقَة اليابسة، وعلى الرواية الثانية شبّه البدن بالجلد اليابس الخَلَق، وحركةَ الروح فيه بما يُطرح في الجلد من حصاة ونحوها، وأما الرواية الأولى، فكأنه شبّه النفس بنفس الجلد، وهو أبلغ في الإشارة إلى شدة الضعف، وذلك أظهر في التشبيه انتهى (١). (فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ) أي سألت بالدموع عينا رسول اللَّه ﷺ (فَقَالَ سَعْدٌ) أي ابن عبادة المتقدّم، ووقع في رواية ابن ماجه من طريق عبد الواحد: "فقال عبادة بن الصامت"، والصواب ما في "الصحيح". قاله في "الفتح" (يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا هَذَا؟) أي أيّ شيء هذا البكاء الذي نشاهده منك؟. وفي رواية للبخاريّ: "فقال سعد بن عبادة: أتبكي؟ "، وزاد أبو نعيم في "المستخرج": وتنهى عن البكاء" (قَالَ) ﷺ (هَذَا رَحْمَةٌ) أي هذا الدمع الذي تراه أثر رحمه من اللَّه تعالى، وللبخاري: "هذه رحمة"، أي الدمعة. (يَجْعَلُهَا اللَّهُ، فِي قُلُوب عِبَادِهِ) أي أن الذي يَفيض من الدمع من حزن القلب بغير تعقد من صاحبه، ولا استدعاء منه، لا مؤاخذة عليه، وإنما المنهي عنه الجزع، وعدم الصبر. وقال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: "قوله: "هذه رحمة": أي هذه رقّة يجدها الإنسان في قلبه، تبعثه على البكاء من خشية اللَّه، وعلى أفعال البرّ والخير، وعلى الشفقة على المبتلَى والمُصاب، ومن كان كذلك جازاه اللَّه برحمته، وهو المعنيّ بقوله ﷺ : "إنما يرحم اللَّه من عباده الرحماء"، وضدّ ذلك القسوة في القلوب الباعثةُ على الإعراض عن اللَّه تعالى، وعن أفعال الخير، ومن كان كذلك قيل فيه: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآية [الزمر: ٢٢] انتهى (٢). وقال النووي ﵀: قوله: "ففاضت عيناه، فقال له سعد: ما هذا؟ الخ": معناه:

стр. 10455

أن سعدًا ﵁ ظنّ أن جميع أنواع البكاء حرام، وأن دمع العين حرامٌ، وظنّ أن النبيّ ﷺ نسي، فذكّره، فأعلمه النبي ﷺ أن مجرّد البكاء، ودمع العين، ليس بحرام، ولا مكروه، بل هو رحمة، وفضيلة، وإنما المحرّم النوح، والندب، والبكاء المقرون بهما، أو بأحدهما انتهى (١) (وَإِنَّمَا يَرحَمُ اللَّهُ مِن عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ) وفي رواية للبخاريّ في "كتاب الطبّ": "ولا يرحم اللَّه من عباده إلا الرحماء". و"مِنْ" في قوله: "من عباده" بيانية، وهي حال من المفعول، وهو "الرحماء"، وقُدِّم عليه ليكون أوقع. و"الرحماء": جمع رحيم، وهو من صيغ المبالغة، ومقتضاه أن رحمة اللَّه تختصّ بمن اتصف بالرحمة، وتحقّق بها، بخلاف من فيه أدنى رحمة، لكن ثبت في حديث عبد اللَّه ابن عمرو، عند أبي داود وغيره: "الراحمون يرحمهم الرحمن"، و"الراحمون" جمع راحم، فيدخل كلّ مَن فيه أدنى رحمة. وقد ذكر الحربيّ مناسبة الإتيان بلفظ "الرحماء" في حديث الباب بما حاصله: أن لفظ الجلالة دالّ على العظمة، وقد عُرف بالاستقراء أنه حيث ورد يكون الكلام مسوقًا للتعظيم، فلما ذُكر هنا ناسب ذكر من كثرت رحمته، وعظمته، ليكون الكلام جاريًا على نسق التعظيم، بخلاف الحديث الآخر، فإن لفظ الرحمن دالّ على العفو، فناسب أن يُذكر معه كلّ ذي رحمة، وإن قلّت، واللَّه تعالى أعلم، ذكره في "الفتح" (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أسامة بن زيد ﵁ هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ٢٢/ ١٨٦٨ - وفي "الكبرى" ٢٢/ ١٩٩٥ - وأخرجه (خ) ١٢٨٤ و ٥٦٥٥ و ٦٦٠٢ و ٦٦٥٥ و ٧٣٧٧ و ٧٤٤٨ (م) ٩٢٣ (د) ٣١٢٥ (ف) ١٥٨٨ (أحمد) ٢١٢٨٢ و ٢١٢٩٢. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو الحثّ على الاحتساب، والصبر عند نزول المصيبة. ومنها: مشروعيّة استحضار أهل الفضل، والصلاح عند المحتضر.

стр. 10456

ليدعوا له، وجواز القسم عليهم لذلك. ومنها: جواز المشي إلى التعزية، والعيادة بغير إذن، بخلاف الوليمة. ومنها: جواز إطلاق اللفظ الموهم لما وقع على ما سيقع، وذلك حيث قالت: أن ابنًا لي قُبض، مبالغة في ذلك، لينبعث خاطر المسؤول في المجيء للإجابة إلى ذلك. ومنها: مشروعيّة إبرار القسم. ومنها: أَمْرُ صاحب المصيبة بالصبر قبل وقوع الموت ليقع، وهو مستشعر بالرضا، مقاومًا للحزن بالصبر. ومنها: إخبار من يُسْتَدْعَى بالأمر الذي يُسْتَدْعَى من أجله. ومنها: تقديم السلام على الكلام. ومنها: عيادة المريض، ولو كان مفضولاً، أو صبيًا صغيرًا. ومنها: أن أهل الفضل لا ينبغي أن يَقطعوا الناس عن فضلهم، ولو رَدُّوا أول مرّة. ومنها: استفهام التابع من إمامه عما أشكل عليه، مما يتعارض ظاهره. ومنها: حسن الأدب في السؤال، لتقديمه قوله: "يا رسول اللَّه" على الاستفهام. ومنها: الترغيب في الشفقة على خلق اللَّه، والرحمة لهم، والترهيب من قساوة القلب، وجمود العين. ومنها: جواز البكاء من غير نوح ونحوه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٨٦٩ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ ثَابِتٍ, قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا, يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى». رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عمرو بن عليّ) الفلاّس الصيرفيّ الحافظ الثبت [١٠] ٤/ ٤. ٢ - (محمد بن جعفر) غُندر البصريّ المذكور قبل باب. ٣ - (شعبة) الإمام المشهور المذكور قبل باب. ٤ - (ثابت) بن أسلم البنانيّ البصريّ، ثقة عابد [٤] ٤٥/ ٤٧. ٥ - (أنس) بن مالك ﵁ ٦/ ٦. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف، وأنه مسلسل بالبصريين، وفيه "عمرو بن عليّ" الفلّاس، أحد مشايخ السنة الذين رووا عنهم بلا واسطة، وفيه ثابت من ألزم الناس لأنس ﵁، لزمه أربعين سنة، وفيه أنس أحد المكثرين السبعة روى (٢٢٨٦) حديثًا، وأنه آخر من مات من الصحابة ﵃ كل بالبصرة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ ثَابِتٍ) البنانيّ، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا) ﵁ (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى) مبتدأ وخبر، وفي رواية للشيخين: "عند أول صَدْمة". وهي مرّة من الصدم، وهو ضرب الشيء الصلب بمثله، ثم استعمل في كلّ مكروه حصل

стр. 10457

بغتة، والمعنى: أن الصبر الكامل الذي يُحمَد عليه صاحبه، ويثاب عليه فاعله بجزيل الأجر ما كان منه عند مفاجاة المصيبة، بخلاف ما بعد ذلك، فإنه على مدى الأيام يسلو، وينسى. وقال في "الفتح": المعنى: إذا وقع الثبات أولَ شيء يهَجُمُ على القلب، من مقتضيات الجَزَع، فذلك هو الصبر الكامل الذي يترتب عليه الأجر، وأصل الصدم ضربك الشيء الصلب بمثله، فاستعير للمصيبة الواردة على القلب. وحكى الخطابي عن بعضهم: أن المرأ لا يؤجر على المصيبة لأنها ليست من صنعه، وإنما يؤجر على حسن تثبته، وجميل صبره. وقال ابن بطال: أراد أن لا يجتمع على المصاب مصيبة الهلاك، وفقد الأجر. انتهى (١). وهذا الحديث فيه قصَّةٌ، وقد ساقها البخاري في "صحيحه"، قال: حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا ثابت، عن أنس بن مالك، ﵁، قال: مر النبي ﷺ بامرأة تبكي، عند قبر، فقال: "اتقي اللَّه، واصبري"، قالت: إليك عني (٢)، فإنك لم تصب بمصيبتي (٣)، ولم تعرفه، فقيل لها: إنه النبي ﷺ ، فأتت باب النبي ﷺ ، فلم تجد عنده بوَّابِين، فقالت: لم أعرفك، فقال: "إنما الصبر عند الصدمة الأولى". قال الطبيبي ﵀: صدر هذا الجواب منه ﷺ من قولها: لم أعرفك على أسلوب حكيم، كأنه قال لها: دعي الاعتذار، فإن من شِيمَتي أن لا أغضب إلا للَّه، وانظري لنفسك. وقال الزين ابن المنيّر: فائدة جواب المرأة بذلك أنها لما جاءت طائعة لما أمرها به من التقوى والصبر، معتذرةً عن قولها الصادر عن الحزن بيّن لها أن حقّ هذا الصبر أن يكون في أول الحال، فهو الذي يترتّب عليه الثواب. انتهى. قال الحافظ: ويؤيده أن في رواية أبي هريرة: فقالت: أنا أصبر، أنا أصبر. وفي مرسل يحيى بن أبي كثير، فقهال: "اذهبي إليك، فإن الصبر عند الصدمة الأولى"، وزاد عبد الرزاق فيه من مرسل الحسن: "العَبْرة لا يملكها ابن آدم". انتهى (٤). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 10458

مسائل تتعلق بهذا الحديث: السألة الأولى: في درجته: حديث أنس ﵁ هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرحه هنا -٢٢/ ١٨٦٩ - وفي "الكبرى" ٢٢/ ١٩٩٦ وأخرجه (خ) ١٢٨٣ و ١٣٠٢ و ٧١٥٤ (م) ٩٢٦ و ٩٨٧ (د) ٣١٢٤ (ت) ٩٨٨ (ق) ١٥٩٦ (أحمد) ١٢٨٦٠. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في ذكر الفوائد التي اشتمل عليها الحديث بطوله: منها: ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو الأمر بالاحتساب، والصبر عند المصيبة، فإن قوله: "الصبر عند الصدمة الأولى" فيه الحثّ على التَغَلُّب على الجزع عند أول نزول المصيبة، واحتسابها على اللَّه تعالى. ومنها: ما كان عليه النبي ﷺ من التواضع والرفق بالجاهل. ومنها: مسامحة المصاب، وقبول اعتذاره. ومنها: أن القاضي لا ينبغي له أن يتخذ من يحجبه عن حوائج الناس. ومنها: أن من أُمِر بمعروف ينبغي له أن يقبل، ولو لم يعرف الآمر. ومنها. كونُ الجزع من المنهيات، لأمره ﷺ لها بالتقوى، مقرونا بالصبر. ومنها: الترغيب في احتمال الأذى عند بذل النصيحة، ونشر الموعظة. ومنها: أن المواجهة بالخطاب إذا لم تُصادف المنويَّ لا أثر لها، وبَنَى عليه بعضهم ما إذا قال: يا هند أنت طالق، فصادف عمرة، أن عمرة لا تطلق. ومنها: جواز زيارة القبور، سواء كان الزائر رجلاً، أو امرأةً، وسواء كان المزور مسلمًا أو كافرًا، لعدم الاستفصال في ذلك، قال النوويّ ﵀: وبالجواز قطع الجمهور، وقال صاحب "الحاوي": لا تجوز زيارة قبر الكافر، وهو غلط انتهى وسيأتي اختلاف العلماء في زيارة القبور في بابه [١٠٠/ ٢٠٣٢و٢٠٣٣]، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٨٧٠ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِيَاسٍ, وَهُوَ مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ, عَنْ أَبِيهِ, ﵁, أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ ﷺ , وَمَعَهُ ابْنٌ لَهُ, فَقَالَ لَهُ: «أَتُحِبُّهُ؟». فَقَالَ: أَحَبَّكَ اللَّهُ, كَمَا أُحِبُّهُ, فَمَاتَ, فَفَقَدَهُ, فَسَأَلَ عَنْهُ؟ فَقَالَ: «مَا يَسُرُّكَ, أَنْ لَا تَأْتِيَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ, إِلاَّ وَجَدْتَهُ, عِنْدَهُ يَسْعَى, يَفْتَحُ لَكَ». رجال هذا الإسناد: خمسة. ١ - (يحيى) بن سعيد القطان البصريّ الإمام الحجة [٩] ٤/ ٤. ٢ - (معاوية بن قرّة) بن إياس بن هلال المزنيّ، أبو إياس البصريّ، ثقة عالم [٣]. وثقه ابن معين، وأبو حاتم، والنسائيّ، وابن سعد، وابن حبّان، وقال: كان من

стр. 10459

عقلاء الرجال. وقال مطر الأعنق، عن معاوية بن قرّة: لقيت من الصحابة كثيرًا، منهم خمسة وعشرون من مزينة. مات سنة (١١٣) وهو ابن (٧٦) سنة. قال أبو زرعة: معاوية بن قرة عن عليّ مرسل. وقال أبو حاتم: لم يلق ابن عمر. وقال الشافعيّ: روايته عن عثمان منقطعة. أخرج له الجماعة، وله عند المصنف في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث: هذا، وقد كرره مرتين، و ٢٦١٠ حديث: "ابن أخت القوم من أنفسهم .... و ٣٢٢٧ حديث: "تزوجوا الولود الودود … ". ٣ - (أبوه) قرة بن إياس بن هلال بن رئاب المزنيّ، أبو معاوية البصريّ، صحابيّ روى عن النبي ﷺ ، وعنه ابنه معاوية. قال ابن عبد البرّ: سكن البصرة، ولم يرو عنه غير ابنه، ويقال له: قرة بن الأغرّ، قتل في حرب الأزارقة مع عبد الرحمن بن عُبيس في زمن معاوية ﵁. قال الحافظ: وقد أرخه ابن سعد، وخليفة، وأبو عروبة، وابن حبّان، وغيرهم سنة (٦٤) فيكون ذلك في زمن معاوية بن يزيد بن معاوية، وذكره ابن سعد في طبقات الخندقيين. انتهى. علّق له البخاريّ أثرًا، وأخرج له في "الأدب المفرد"، والأربعة، وله عند المصنّف هذا الحديث فقط، وقد أعاده برقم ٢٠٨٨. والباقيان تقدما في السند الماضي. وقوله: "أحبك اللَّه الخ" دعاء للنبي ﷺ بزيادة محبّة اللَّه له، كما يحب هو ولده، وأراد بذلك أنه يحبّ ولده حبّا شديدًا، بلغ الغاية، بحيث إنه يَطلَب أن يحب اللَّه تعالى النبي ﷺ مثله، أي في بلوغ الغاية، وإلا فشتان بين المحبتين. وقوله: "ففقده" أي فقد النبي ﷺ ذلك الرجل، كما تدلّ عليه الرواية الآتية في "باب التعزية"، ويحتمل أن يكون المراد الابن، والأول أظهر. وقوله: "فقال ما يسرك الخ" مرتب على محذوف، أي فلقيه، فقال له الخ. وقوله: "ما يسرك" بتقدير همزة الاستفهام، أي أما يسرّك الخ. واللَّه تعالى أعلم. والحديث صحيح، وسيأتي مطوّلاً في "باب التعزية"-١٢٠/ ٢٠٨٨ - وسيأتي تمام شرحه، وبيان مسائله هناك، إن شاء اللَّه تعالى، ومطابقته للباب واضحة، إذ فيه الحثّ على احتساب الأجر، والأمر بلاصبر على المصيبة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 10460

٢٣ - ثَوَابُ مَنْ صَبَرَ، واحْتَسَبَ ١٨٧١ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ (١) , قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ, أَنَّ عَمْرَو بْنَ شُعَيْبٍ, كَتَبَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ, يُعَزِّيهِ بِابْنٍ لَهُ هَلَكَ, وَذَكَرَ فِي كِتَابِهِ, أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يُحَدِّثُ عَنْ جَدِّهِ, عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى لِعَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ, إِذَا ذَهَبَ بِصَفِيِّهِ, مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ, فَصَبَرَ, وَاحْتَسَبَ, وَقَالَ مَا أُمِرَ بِهِ, بِثَوَابٍ دُونَ الْجَنَّةِ». رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عمر بن سعيد بن أبي حُسين) النوفليّ المكيّ، ثقة [٦] ١٠٤/ ١٣٦٥. [تنبيه]: وقع في بعض نسخ "المجتبى" "عَمرو" بفتح العين، بدل عُمر بضمها، وهو تصحيف، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. ٢ - (عمرو بن شُعيب) بن محمد، صدوق [٥] ١٠٥/ ١٤٠. ٣ - (أبوه) شُعيب بن محمد بن عبد اللَّه بن عمرو صدوق ثبت سماعه من جده [٣] ١٠٥/ ١٤٠. ٤ - (عبد اللَّه) بن عمرو بن العاص ﵄ ٨٩/ ١١١. والباقيان تقدما في الباب الماضي. وعبد اللَّه: هو ابن المبارك. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، عن جده. (ومنها). أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث عن عبد اللَّه بن المبارك أنه (قال: أنبأَنا عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ) النوفلي (أَنَّ عَمْرَو بنَ شُعَيبٍ، كَتَبَ إِلَى عَبدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحمَنِ بْنِ أَبِي حْسَيْنٍ) بن الحارث بن عامر بن نوفل ابن عبد مناف النوفليّ المكيّ، وثقه أحمد، والنسائيّ، وأبو زرعة، والعجلي. وقال أبو حاتم: صالح. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. وقال ابن عبد البرّ: ثقة عند الجميع، فقيه، عالم بالمناسك. وقال

стр. 10461

في "ت " ثقة عالم بالمناسك من الخامسة. انتهى. روى له الجماعة. وهو ابن عمّ عمر الراوي المذكور (يُعَزِّيهِ) حال من الفاعل، يقال: عزّيته تعزيةً: قلت له: أحسن اللَّه عزاءك، أي رزقك الصبر الحسن. قاله في "المصباح" (بِابْنٍ لَهُ) الجار الأول متعلق بـ "يعزّي"، والثاني بصفة لـ"ابن" (هَلَكَ) أي مات (وَذَكَر) وفي بعض النسخ: "فذكر" بالفاء: أي ذكر عمرو (فِي كِتَابِهِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ) شعيبًا (يُحَدِّثُ عَنْ جَدِّهِ، عَبدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بنِ الْعَاصِ) بجرّ "عبد اللَّهَ" بدلاً من "جده" (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِن اللَّهَ لَا يَرْضَى لِعَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ، إِذَا ذَهَبَ بِصَفِيِّهِ) أي قبض صفيّه، و"الصفيّ" بفتح الصاد المهملة، وكسر الفاء، وتشديد التحتانيّة: هو الحبيب المصافَى، كالولد، والأخ، وكلِّ من يُحبّه الإنسان، قال في "النهاية": صَفِيّ الرجل الذي يُصافيه الودَّ، ويُخلصه له، فَعيل بمعنى فاعل، أو مفعول انتهى (١). (مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ) متعلق بصفة لـ"صفيّه" (فَصَبَرَ) على ذلك (وَاحْتَسَبَ) أي ادّخر أجره عند اللَّه تعالى، وأصل الحسبة الأُجْرة، والاحتساب طلب الأجر من اللَّه تعالى (وَقَالَ مَا أُمِرَ بهِ) في قوله: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٦]، وإنما قال: "ما أُمر به"، وإن كان ظاهر الآية إخبارًا، وليس أمرًا، إشارةً إلى أن المقصود بالإخبار هنا الأمر، واللَّه تعالى أعلم. وفي بعض النسخ: "وقال: ما أرضى له" بدل "وقال: ما أمر به"، والظاهر أنه تصحيف. واللَّه تعالى أعلم. وقال الأبّيّ: يحتمل أن الأمر بوحي في غير القرآن، ويحتمل أن الأمر مفهوم من الثناء على قائل ذلك، لأن المدح على الفعل يستلزم الأمر به. وقال الباجيّ: لم يُرد لفظ الأمر بهذا القول، لأنه إنما ورد القرآن بتبشير من قاله، والثناء عليه، ويحتمل أن يُشير إلى غير القرآن، فيخبر ﷺ عن أمر الباري لنا بذلك. وقال الطيبيّ: فإن قلت: أين الأمر في الآية؟ قلت: لما أمره بالبشارة، وأطلقها ليعمّ كلّ مبشَّر به، وأخرجه مخرج الخطاب، ليعمّ كل أحد نَبَّهَ على تفخيم الأمر، وتعظيم شأن هذا القول، فنبّه على كون القول مطلوبًا، وليس الأمر إلا طلب الفعل. وقال القاري: والأقرب أن كلّ ما مَدَح اللَّه تعالى في كتابه من خصلة يتضمّن الأمر بها، كما أن المذمومة فيه تقتضي النهي عنها انتهى (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله القاري -رحمه اللَّه تعالى- حسنٌ جدَّا،

стр. 10462

واللَّه تعالى أعلم. (بثَوَابٍ) متعلق بـ "يرضى" (دُونَ الْجَنَّةِ") متعلق بمحذوف صفة لـ"ثواب"، أي بثواب غيرِ اَلجنةَ، فجزاؤه الجنّة، أي دخولها أوّلًا، ويلزم منه مغفرة الذنوب أجمع، صغيرة، أو كبيرة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵁ هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا -٣٢/ ١٨٧١ - وفي "الكبرى" ٣٢/ ١٩٩٨ - وزاد في آخره: قال أبو عبدالرحمن: عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وهم ثلاثة إخوة: عمرو، وعُمَر، وشعيب، بنو شُعيب انتهى. واللَّه تعالى أعلم. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ويشهد لحديث الباب ما أخرجه البخاري -رحمه اللَّه تعالى- من حديث أبي هريرة ﵁ في "كتاب الرقاق" من "صحيحه"، ولفظه: ٦٤٢٤ - حدثنا قتيبة، حدثنا يعقوب بن عبدالرحمن، عن عمرو، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه ﷺ ، قال: "يقول اللَّه تعالى: ما لعبدي المؤمن، عندي جزاء، إذا قبضت صفيه، من أهل الدنيا، ثم احتسبه، إلا الجنة". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الثانية: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان ثواب من صبر على المصيبة، واحتسب الأجر عند اللَّه تعالى. ومنها: ما كان عليه السلف من تعزية بعضهم بعضا إذا أصابته مصيبة، وما كانوا عليه من شدة الحرص على نشر السنة، ولو بالمكاتبة. ومنها: بيان فضل اللَّه تعالى على عبده المؤمن حيث يثيبه على قبض صفيه بثواب عظيم، ألا، وهو الفوز بدخول الجنة، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 10463

٢٤ - ثَوَابُ مَنِ احْتَسَبَ ثَلَاَثةَ مِنْ صُلْبِهِ ١٨٧٢ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ, حَدَّثَنِي عَمْرٌو, قَالَ: حَدَّثَنِي بُكَيْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, عَنْ عِمْرَانَ بْنِ نَافِعٍ, عَنْ حَفْصِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ, عَنْ أَنَسٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنِ احْتَسَبَ ثَلَاثَةً, مِنْ صُلْبِهِ, دَخَلَ الْجَنَّةَ» , فَقَامَتِ امْرَأَةٌ, فَقَالَتْ: أَوِ اثْنَانِ؟ قَالَ: «أَوِ اثْنَانِ». قَالَتِ الْمَرْأَةُ: يَا لَيْتَنِي قُلْتُ وَاحِدًا. رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أحمد بن عمرو بن السَّرْح) المصريّ، ثقة [١٠] ٣٥/ ٣٩. ٢ - (ابن وهب) عبد اللَّه المصريّ الحافظ الثقة [٩] ٩/ ٩. ٣ - (عمرو) بن الحارث بن يعقوب المصريّ، ثقة ثبت [٧] ٦٣/ ٧٩. ٤ - (بُكير بن عبد اللَّه) بن الأشجّ المدنيّ، ثم المصريّ، ثقة [٥] ١٣٥/ ٢١١. ٥ - (عمران بن نافع) المدنيّ، روى عن حفص بن عبيد اللَّه بن أنس، وعنه بُكير بن الأشجّ، ووثقه النسائيّ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، كما في "تت"، وقال في "ت": ثقة (١) من [٧]. تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط. واللَّه تعالى أعلم. ٦ - (حفص بن عبيد اللَّه) بن أنس بن مالك، ويقال فيه: عبيد اللَّه بن حفص، ولا يصحّ، صدوق [٣]. قال أبو حاتم: لا يثبت له السماع إلا من جده. وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: هو أحب إلي من حفص بن عمر، ولا ندري أسمع من جابر، وأبي هريرة أم لا؟، وذكره ابن حبّان في "الثقات". أخرج له الجماعة، سوى أبي داود، وله عند المصنف هذا الحديث فقط. ٧ - (أنس) بن مالك ﵁ ٦/ ٦. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير عمران. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين إلى بكير. (ومنها): أن فيه رواية الكبير، عن الصغير، فبكير تابعيّ صغير، وعمران من تابع التابعين. (ومنها): أن

стр. 10464

فيه رواية الراوي، عن جده، فأنس ﵁ جدّ لحفص. (ومنها): أن فيه أنسًا ﵁ أحد المكثرين، وآخر من مات من الصحابة بالبصرة. واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: زاد في "الكبرى" بعد إخراج الحديث: ما نصه: قال أبو عبد الرحمن: بكير هو ابن عبد اللَّه بن الأشجّ، وهم ثلاثة إخوة: يعقوب، وبُكير، وعمَر، وأجلّهم، وأكثرهم حديثًا بُكير انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَنَسٍ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنِ احْتَسَبَ ثَلَاَثةً) أي صبر راضيًا بقضاء اللَّه تعالى، راجيًا فضله، ووقع التقييد بالاحتساب في هذا الحديث، ومثله حديث مسلم من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، مرفوعًا: "لا يموت لإحداكن ثلاثة من الولد، فتحتسبهم، إلا دخلت الجنّة … " الحديث، ولأحمد، والطبرانيّ، من حديث عُقبة بن عامر، رفعه: "من أَعْطَى ثلاثة من صلبه، فاحتسبهم على اللَّه، وجبت له الجنّة"، وفي "الموطإ" عن أبي النضر السلميّ، رفعه: "لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد، فيحتسبهم، إلا كانوا جُنّةً من النار … "، ولم يقع التقييد بالاحتساب في شىء من الأحاديث الآتية في الباب التالي. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وقد عرف من القواعد الشرعية أن الثواب لا يترتّب إلا على النيّة، فلا بدّ من قيد الاحتساب، والأحاديث المطلقة محمولة على المقيدة. ولكن أشار الإسماعيليّ إلى اعتراض لفظيّ، فقال يقال في البالغ: احتسب، وفي الصغير: افترط انتهى. وبذلك قال الكثير من أهل اللغة، لكن لا يلزم من كون ذلك هو الأصل أن لا يستعمل هذا موضع هذا، بل ذكر ابن دُرَيد وغيره احتسب فلان بكذا: طلب أجرًا عند اللَّه، وهذا أعمّ من أن يكون لكبير، أو صغير، وقد ثبت ذلك في الأحاديث التي ذكرناها، وهي حجة في صحّة هذا الاستعمال انتهى (٢). (مِن صُلْبِهِ) أي من ظهره، قال الفيّومي ﵀: الصُّلْب -أي بضم، فسكونه-: كلُّ ظهر له فَقَار، وتضمّ لامه للاتباع انتهى. وقال ابن منظور ﵀: وكلُّ شيء من الظهر فيه فَقَارٌ، فذلك الصُّلْب -أي بضم، فسكون- والصَّلَب بالتحريك لغة فيه، وقال أيضًا: ويقال للظهر: صُلْبٌ، وصَلَبٌ، وصَالَبٌ -أي بفتح اللام- انتهى (٣) وقيّد بالصلب

стр. 10465

لإخراج أولاد الأولاد, سواء كانوا أولاد بنين، أو أولاد بنات (دَخَلَ الْجَنَّةَ") أي دخولا أوّليّا، ولا ينافيه ما سيأتي من استثناء تحلّة القسم، لما سيأتي إن شاء اللَّه تعالى. [تنبيه] قال الحافظ وليّ الدين ﵀: ظاهر الحديث أنه لا فرق بين أن يكون شديد المحبة لأولاده، أو خفيفها، أو خاليا من محبتهم، أو كارها لهم، لأن الولد مظنة المحبة والشفقة، فنيط الحكم به، وإن تخلف في بعض الأفراد، وقد يحبّ الشخص بعض أقاربه، أو أصدقائه أكثر من محبة ولده، ومع ذلك فلم يَرِدْ ترتيب هذا الأمر على موت القريب والصديق، ولا على موت الأب والأمّ، لكن في "معجم الطبراني الأسط" بإسناد ضعيف، عن سهل بن حُنيف ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من لم يكن له فَرَط لم يدخل الجنة إلا تصريدًا"، قال رجل: يا رسول اللَّه ما لكلنا فرط، قال: أو ليس من فرط أحدكم أن يفقد أخاه المسلم؟ ". وقوله: "تصريدًا" بالصاد المهملة، أي قليلاً، وأصله السقي دون الرّيّ، ومنه صرّد له العطاء: قَلَّله انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله وليّ الدين ظاهر في حديث: "لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد، فتمسه النار إلا تحلّة القسم"، الآتي في الباب التالي، وأما حديث الباب فيفيد التقييد بالمحبة، حيث قال: "من احتسب"، لأن الاحتساب معناه الصبر راضيا بقضاء اللَّه تعالى، ولا يكون ذلك إلا حيث يتألم قلبه بمصيبته، وأما من مات له من لا يحبه، فلا يتصور منه الصبر عليه. والحاصل أن تقييد الأحاديث المطلقة عن الاحتساب لا بد منه، كما تقدم التنبيه عليه في كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-. واللَّه تعالى أعلم. (فَقَامَتِ امْرَأَةٌ) يحتمل أن تكون أمَّ سليم، وهي أمَّ أنس الراوي ﵂، كما رواه الطبرانيّ بإسناد جيّد عنها، قالت: قال رسول اللَّه ﷺ ذات يوم، وأنا عنده: "ما من مسلمين يموت لهما ثلاثة، لم يبلغوا الحلم، إلا أدخله الجنّة بفضل رحمته إياهم"، فقلت: واثنان؟ قال: "واثنان". وأخرجه أحمد، لكن الحديثَ دون القصّة، ووقع لأمّ مبشر الأنصارية أيضًا السؤال عن ذلك، فروى الطبرى أيضًا من طريق ابن أبي ليلى، عن أبي الزبير، عن جابر: أن النبي ﷺ دخل على أم مبشر، فقال: "يا أم مبشّر، من مات له ثلاثة من الولد دخل الجنة"، فقلت: يا رسول اللَّه واثنان؟ فسكت، ثم قال: "نعم، واثنان"، وفي حديث جابر بن سمرة، أن أم أيمن ممن سأل عن ذلك، ومن حديث ابن

стр. 10466

عباس أن عائشة أيضًا منهنّ، وحكى ابن بشكوال أن أم هانىء أيضًا سألت عن ذلك. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: ويحتمل أن يكون كلّ منهن سأل عن ذلك في ذلك المجلس، وأما تعدد القصّة ففيه بُعْدٌ، لأنه ﷺ لما سئل عن الاثنين بعد ذكر الثلاثة، وأجاب بأن الاثنين كذلك، فالظاهر أنه كان أوحي إليه ذلك في الحال، وبذلك جزم ابن بطال وغيره، وإذا كان كذلك كان الاقتصار على الثلاثة بعد ذلك مستبعدًا جدًّا، لأن مفهومه يخرج الاثنين اللذين ثبت لهما ذلك الحكم بالوحي، بناء على القول بمفهوم العدد، وهو معتبر هنا، كما سيأتي البحث فيه، نعم في حديث جابر بن عبد اللَّه أنه ممن سأل عن ذلك، وروى الحاكم، والبزّار من حديث بُريدة أن عمر سأل عن ذلك أيضْا، ولفظه: "ما من امرىء، ولا امرأة يموت له ثلاثة أولاد إلا أدخله اللَّه الجنة"، فقال عمر: يا رسول اللَّه واثنان؟ قال: "واثنان". قال الحاكم: صحيح الإسناد، وهذا لا بعد في تعدده، لأن خطاب النساء بذلك لا يستلزم علم الرجال به انتهى (١). (فَقَالَتْ: أَوِ اثْنَانِ؟) وفي رواية البخاريّ من حديث أبي سعيد الخدريّ: ﵁ قالت: واثنان؟، بالواو، أي أو إن مات اثنان، فما الحكم؟ وفي رواية مسلم: "واثنين" بالنصب (قَالَ: "أَوِ اثْنَانِ) أي أو إن مات اثنان، فالحكم كذلك. ويحتمل أن يكون قوله: "أواثنان" معطوفًا على "ثلاثة"، ومثله يسمى العطف التلقينيّ، أي قل يا رسول اللَّه: أو اثنان، ونظيره قوله تعالى حكاية عن إبراهيم ﵇: ﴿مِنْ ذُرِّيَّتِي﴾. وارتضى هذا الوجه العينيّ -رحمه اللَّه تعالى- (٢). وقال في "الفتح": وهو ظاهر في التسوية بين حكم الثلاثة والاثنين، وقد تقدم النقل عن ابن بطال أنه محمول على أنه أوحي إليه بذلك في الحال، ولا بُعد أن ينزل عليه الوحي في أسرع من طرفة عين، ويحتمل أن يكون كان العلم عنده بذلك حاصلاً، لكنه أشفق عليهم أن يتّكلوا لأن موت الاثنين غالبًا أكثر من موت الثلاثة، كما وقع في حديث معاذ وغيره في الشهادة بالتوحيد، ثم لما سئل عن ذلك لم يكن بُدٌّ من الجواب. واللَّه أعلم. وقال ابن التين تبعًا لعياض -رحمهما اللَّه تعالى-: هذا يدلّ على أن مفهوم العدد ليس بحجة، لأن الصحابيّة من أهل اللسان، ولم تَعتبره، إذ لو اعتبرته لانتفى الحكم عندها عما عدا الثلاثة، لكنها جوّزت ذلك، فسألته. قال الحافظ رحمه للَّهُ: كذا قال، والظاهر أنها اعتبرت مفهوم العدد، إذ لو لم تعتبره لم

стр. 10467

تسأل، والتحقيق أن دلالة مفهوم العدد ليست يقينية، وإنما هي محتملة، ومن ثَمّ وقع السؤال عن ذلك. وقال الحافظ ولي الدين -رحمه اللَّه تعالى-: ما حاصله: ثبت في الصحيح من غير وجه أنه قيل: يا رسول اللَّه، واثنان؟ فقال: "واثنان". ورَوَى الترمذيّ عن ابن عباس ﵁ أنه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول: "من كان له فَرَطَان من أمتي أدخله اللَّه بهما الجنة"، فقالت عائشة: فمن كان له فَرَطٌ من أمتك؟ فقال: "ومن كان له فَرَطٌ يا موفّقة" قالت: فمن لم يكن له فرط من أمتك؟ قال: "أنا فَرَط أمتي، لن يُصابوا بمثلي". قال الترمذيّ: حسنٌ غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبد ربه بن بارق، وقد رَوَى عنه غير واحد من الأئمة انتهى. قال وليّ الدين: وعبد ربه هذا مختلف فيه، ضعفه ابن معين، والنسائيّ، وقال أحمد: ما به بأس، ووثقه ابن حبّان. ورَوَى الترمذيّ، وابن ماجه عن أبي عُبيدة بن عبد اللَّه بن مسعود، عن أبيه، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من قدّم ثلاثة، لم يبلغوا الحنث، كانوا له حصنًا حصينًا"، قال أبو ذرّ: قدمت اثنين، قال: "واثنين"، فقال أبيّ بن كعب، سيد القرّاء: قدّمت واحدًا، قال: "وواحدًا، ولكن إنما الصبر عند الصدمة الأولى". قال الترمذيّ: حسن غريب، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه. ورُوي ذكرُ الواحد من حديث جماعة من الصحابة أيضًا، وهو محمول عند العلماء على أنه ﷺ أوحي إليه ذلك عند سؤالهم عن الاثنين، وعن الواحد إن صحّ، ولا يمتنع نزول الوحي عليه في أسرع من طرفة عين، كما في نزول قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٩٥] لما قام ابن أم مكتوم، فقال: يا رسول اللَّه إني رجل ضرير البصر، فنزلت: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾، هذا. على أن العلماء يختلفون في مفهوم العدد، هل هو حجة، أم لا، فمن لم يجعله حجة لا يحتاج إلى ذكر هذا الجواب، ويقول: ذكر هذا العدد لا ينافي حصول ذلك بأقل منه، بل ولو جعلناه حجة، فليس نصا قاطعًا، بل دلالته ضعيفة، يقدّم عليها غيرها عند معارضتها. وقال أبو العباس القرطبيّ بعد ذكره نحو ما قلناه: ويحتمل أن يقال: إن ذلك بحسب شدة وجد الوالدة، وقوّة صبرها، فقد لا يبعد أن يكون مَن فَقَدت واحدًا، أو اثنين أشدّ ممن فقدت ثلاثة، أو مساوية لها، فتُلحَق بها في درجاتها. قال ولي الدين: ظاهر الحديث حَمْلُ ذلك على كلّ فاقد اثنين، وعلى كلّ فاقد واحد، فالتقييد بشدّة الوجد الذي يصيّره كفاقد ثلاثة يحتاج إلى دليل. وقال القاضي عياض: يحتمل أنه ﷺ قاله ابتداء لأتمّ الأشياء، لأن ثلاثًا أول الكثرة،

стр. 10468

فأخبرهم بذلك، لئلا يتكل من مات له ولد على ولده في شفاعته، وسكت عما وراءه، فلما سئل أَعْلَمَ بما عنده في ذلك، قال: وفى قولها: "أو اثنان" بعد ذكر النبي ﷺ ذلك في الثلاثة، وهي من أهل اللسان دليل على أن تعليق الحكم بعددٍ مّا لا ينافيه (١) من جهة دليل الخطاب عما عداه من العدد، كان أقلّ، أو أكثر إلا بنصّ انتهى. وقال أبو العباس القرطبي: إنما خصّ الولد بثلاثة، لأن الثلاثة أول مراتب الكثرة، فبعظم المصائب تكثر الأجور، فأما إذا زادت على الثلاثة، فقد يخفّ أجر المصيبة بالزائد، لأنها كأنها صارت عادة ودَيدَنا، كما قال المتنبي [من الكامل]: أَنْكَرْتُ طَارِقَةَ الْحَوَادِثِ مَرَّةً … ثُمَّ اعْتَرَفْتُ بِهَا فَصَارَتْ دَيْدَنَا وقَال آخر [من البسيط]: رُوعْتُ بِالبَيْنِ حَتَّى مَا أُرَاعُ لَهُ … وَبِالْمَصَائِبِ فِي أَهْلي وَجِيرَانِي ثم قال: ويحتمل أن يقال: إنما لم يذكر ما بعد الثلاثة لأنه من باب الأحرى والأولى، إذ من المعلوم أن مَن كثرت مصائبه كثر ثوابه، فاكتفى بذلك عن ذكره. قال الحافظ ولي الدين: إذا جعلنا لمفهوم العدد دلالة، فدلالته في هذه الصورة في منع النقصان، لا في منع الزيادة، فإن من مات له أربعة، فبالضرورة قد مات له ثلاثة، فلا معنى لهذا الكلام الذي ذكره القرطبيّ، وإذا أخبر الصادق بأن من مات له ثلاثة لم يَلِجِ النارَ إلا تحِلَّةَ القسم، فمات لشخص ثلاثة، فحصلت له هذه البشرى، ثم مات له أربع انقطعت هذه البشرى بموت هذا الرابع، وصار على خطر دخول النار بعد تلك البشرى، وهَبْ أن حزنه بهذا الرابع خفيف لاعتياده المصائب، فهل يزيد ذلك على كونه لم تحدث له هذه المصيبة أصلًا، وكيف السبيل إلى إحباط ثواب ما مضى من المصائب بهذه المصيبة الرابعة، هذا ما لا يتخيّله ذو فهم، فإن فُرض أن الأربعة ماتوا دفعة واحدةَ كموت نفس واحدة على خلاف ما أجرى اللَّه تعالى العادة ترتبت البشرى بعدم دخول النار على موت ثلاثة، ويثيب اللَّه تعالى على موت الرابع بما يشاء، وقد دخلت هذه الصورة في هذا الحديث، لكونه صَدَقَ أنه مات له ثلاثة من الولد، واللَّه أعلم انتهى (٢). وقال الحافظ ﵀ بعد نقل كلام القرطبيّ المذكور: ما نصه: وهذا مصير منه إلى انحصار الأجر المذكور في الثلاثة، ثم في الاثنين، بخلاف الأربعة والخمسة، وهو جمود شديد، فإن من مات له أربعة، فقد مات له ثلاثة ضرورةً، لأنهم إن ماتوا دفعة

стр. 10469

واحدة، فقد مات له ثلاثة وزيادة، ولا خفاء أن المصيبة بذلك أشدّ، وإن ماتوا واحدًا بعد واحد، فإن الأجر يحصل له عند موت الثالث بمقتضى وعد الصادق، فيلزم على قول القرطبيّ أنه إن مات له الرابع أن يرتفع عنه ذلك الأجر، مع تجدد المصيبة، وكفى بهذا فسادًا، والحقّ أن تناول الخبر الأربعةَ، فما فوقها من باب أولى، وأحرى، ويؤيد ذلك أنهم لم يسألوا عن الأربعة، ولا ما فوقها، لأنه كالمعلوم عندهم، إذ المصيبة إذا كثرت كان الأجر أعظم، واللَّه أعلم. انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تَعَقُّبُ الحافظين: ولي الدين وابن حجر على ما ذكره القرطبي فيما زاد على الثلاثة تعقب جميل، ومما يؤيده أنه قد ورد النصّ على الأربعة، فيما أخرجه الإمام أحمد في "مسنده"، ونصه: ١٧٤٠٣ - حدثنا محمد بن أبي عدي، عن داود، عن عبد اللَّه بن قيس، عن الحارث بن أُقَيش، قال: كنا عند أبي برزة ليلة، فحدث ليلتئذ، عن النبي ﷺ ، أنه قال: "ما من مسلمين، يموت لهما أربعة أفراط، إلا أدخلهما اللَّه الجنة، بفضل رحمته"، قالوا: يا رسول اللَّه وثلاثة؟ قال: "وثلاثة"، قالوا: واثنان؟ قال: "واثنان" قال" "وإنّ من أمتي لمن يدخل الجنة بشفاعته مثل مضر"، قال: "وإن من أمتي، لمن يَعظُمُ للنار حتى يكون أحدَ زواياها". انتهى. ورجاله إسناده ثقات، غير عبد اللَّه بن قيس، وقد وثقه ابن حبان، وجهله ابن المدينيّ، و"داود" هو ابن أبي هند، والحارث بن أقيش صحابيّ مقلّ. واللَّه تعالى أعلم. (قَالَتِ الْمَرأَةُ: يَا لَيْتَنِي قُلْتُ وَاحِدًا) أي سألت حكم موت واحد من الولد. وهذا الحديث نصّ في كونه ﷺ لم يسأل عن حكم الواحد، ومثله ما أخرجه أحمد من طريق محمود بن لبيد، عن جابر، ﵁، رفعه: "من مات له ثلاثة من الولد، فاحتسبهم دخل الجنة"، قلنا: يا رسول اللَّه، واثنان؟ قال: "واثنان"، قال محمود: قلت لجابر: أراكم لو قلتم: وواحد، لقال: وواحد؟ قال: وأنا واللَّه أظنّ ذلك". وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" عن عبد الرحمن بن الأصفهاني، قال: أتاني أبو صالح يُعَزّيني عن ابن لي، فأخذ يحدّثني عن أبي سعيد، وأبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "ما من امرأة تدفِنُ ثلاثة أفراط، إلا كانوا لها حجابا من النار"، فقالت امرأة: يا رسول اللَّه قدمت اثنين، قال: "واثنين"، ولم تسأله عن الواحد انتهى.

стр. 10470

وقد تقدم حديث أبيّ بن كعب، وعائشة، وأم أيمن في سؤالهم عن الواحد، لكنها ليس في شيء من طرقها ما يصلح للاحتجاج بها، بل أحاديث عدم السؤال مقدمة عليها لصحتها. لكن يشهد لأحاديث السؤال عن الواحد ما تقدم قبل باب من حديث معاوية بن قرّة، عن أبيه، في قصة الرجل الذي مات ولده، وفيه: "ما يسرّك أن لا تأتي بابًا من أبواب الجنّة إلا وجدته عنده، يسعى، يفتح لك"، فإنه صريح في كون الولد الواحد كالثلاثة والاثنين، ويشهد لها أيضًا ما تقدم في الباب الماضي من حديث عبد اللَّه بن عمرو ﵁، مرفوعًا: "إن اللَّه لا يرضى لعبده المؤمن إذا ذهب بصفيه من أهل الأرض … " الحديث، وهو عند البخاريّ في "كتاب الرقَاقِ" من حديث أبى هريرة ﵁، بلفظ: "ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا، ثم احتسبه إلا الجنة"، وهو أصحّ ما ورد في ذلك، كما قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-. والحاصل أن أحاديث السؤال عن الولد الواحد، قويّة بما ذُكر لها من الشواهد، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس ﵁ هذا حديث صحيح. فإن قلت: كيف يصحّ، وفيه عمران بن نافع، لم يرو عنه غير بكير بن عبد اللَّه؟. قلت: الحديث صححه ابن حبّان برقم -٢٩٤٣ - وعمران قد وثقه النسائيّ، وابن حبّان، ولحديثه هذا شواهد: منها: حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول اللَّه ﷺ قال لنسوة من الأنصار: "لا يموت لإحداكنّ ثلاثة من الولد، فتحتسبه، إلا دخلت الجنة، فقالت امرأة منهنّ: أو اثنتين يا رسول اللَّه؟ قال: "أو اثنين". أخرجه مسلم ٨/ ٣٩، وأحمد ٢/ ٢٤٦ و ٣٧٨. ومنها: حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ مرفوعًا نحوه، وفيه: فقال رسول اللَّه ﷺ : "واثنين، واثنين، واثنين". أخرجه مسلم أيضا، وكذا البخاري ٣/ ٤٥٥ نسخة الفتح دون تكرار "واثنين". واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا-٢٣/ ١٨٧٢ - وفي "الكبرى" ٢٣/ ١٩٩٩، وهو من أفراده -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، لم يخرجه من أصحاب الأصول غيره، وأخرجه ابن حبّان في "صحيحه" ٢٩٤٣. واللَّه تعالى أعلم.
следующие страницы →