عباس أن عائشة أيضًا منهنّ، وحكى ابن بشكوال أن أم هانىء أيضًا سألت عن ذلك.
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: ويحتمل أن يكون كلّ منهن سأل عن ذلك في ذلك المجلس، وأما تعدد القصّة ففيه بُعْدٌ، لأنه ﷺ لما سئل عن الاثنين بعد ذكر الثلاثة، وأجاب بأن الاثنين كذلك، فالظاهر أنه كان أوحي إليه ذلك في الحال، وبذلك جزم ابن بطال وغيره، وإذا كان كذلك كان الاقتصار على الثلاثة بعد ذلك مستبعدًا جدًّا، لأن مفهومه يخرج الاثنين اللذين ثبت لهما ذلك الحكم بالوحي، بناء على القول بمفهوم العدد، وهو معتبر هنا، كما سيأتي البحث فيه، نعم في حديث جابر بن عبد اللَّه أنه ممن سأل عن ذلك، وروى الحاكم، والبزّار من حديث بُريدة أن عمر سأل عن ذلك أيضْا، ولفظه: "ما من امرىء، ولا امرأة يموت له ثلاثة أولاد إلا أدخله اللَّه الجنة"، فقال عمر: يا رسول اللَّه واثنان؟ قال: "واثنان". قال الحاكم: صحيح الإسناد، وهذا لا بعد في تعدده، لأن خطاب النساء بذلك لا يستلزم علم الرجال به انتهى (١).
(فَقَالَتْ: أَوِ اثْنَانِ؟) وفي رواية البخاريّ من حديث أبي سعيد الخدريّ: ﵁ قالت: واثنان؟، بالواو، أي أو إن مات اثنان، فما الحكم؟ وفي رواية مسلم: "واثنين" بالنصب (قَالَ: "أَوِ اثْنَانِ) أي أو إن مات اثنان، فالحكم كذلك.
ويحتمل أن يكون قوله: "أواثنان" معطوفًا على "ثلاثة"، ومثله يسمى العطف التلقينيّ، أي قل يا رسول اللَّه: أو اثنان، ونظيره قوله تعالى حكاية عن إبراهيم ﵇: ﴿مِنْ ذُرِّيَّتِي﴾. وارتضى هذا الوجه العينيّ -رحمه اللَّه تعالى- (٢).
وقال في "الفتح": وهو ظاهر في التسوية بين حكم الثلاثة والاثنين، وقد تقدم النقل عن ابن بطال أنه محمول على أنه أوحي إليه بذلك في الحال، ولا بُعد أن ينزل عليه الوحي في أسرع من طرفة عين، ويحتمل أن يكون كان العلم عنده بذلك حاصلاً، لكنه أشفق عليهم أن يتّكلوا لأن موت الاثنين غالبًا أكثر من موت الثلاثة، كما وقع في حديث معاذ وغيره في الشهادة بالتوحيد، ثم لما سئل عن ذلك لم يكن بُدٌّ من الجواب. واللَّه
أعلم.
وقال ابن التين تبعًا لعياض -رحمهما اللَّه تعالى-: هذا يدلّ على أن مفهوم العدد ليس بحجة، لأن الصحابيّة من أهل اللسان، ولم تَعتبره، إذ لو اعتبرته لانتفى الحكم عندها عما عدا الثلاثة، لكنها جوّزت ذلك، فسألته.
قال الحافظ رحمه للَّهُ: كذا قال، والظاهر أنها اعتبرت مفهوم العدد، إذ لو لم تعتبره لم
стр. 10467
تسأل، والتحقيق أن دلالة مفهوم العدد ليست يقينية، وإنما هي محتملة، ومن ثَمّ وقع السؤال عن ذلك.
وقال الحافظ ولي الدين -رحمه اللَّه تعالى-: ما حاصله: ثبت في الصحيح من غير وجه أنه قيل: يا رسول اللَّه، واثنان؟ فقال: "واثنان". ورَوَى الترمذيّ عن ابن عباس ﵁ أنه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول: "من كان له فَرَطَان من أمتي أدخله اللَّه بهما الجنة"، فقالت عائشة: فمن كان له فَرَطٌ من أمتك؟ فقال: "ومن كان له فَرَطٌ يا موفّقة" قالت: فمن لم يكن له فرط من أمتك؟ قال: "أنا فَرَط أمتي، لن يُصابوا بمثلي". قال الترمذيّ: حسنٌ غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبد ربه بن بارق، وقد رَوَى عنه غير واحد من الأئمة انتهى.
قال وليّ الدين: وعبد ربه هذا مختلف فيه، ضعفه ابن معين، والنسائيّ، وقال أحمد: ما به بأس، ووثقه ابن حبّان. ورَوَى الترمذيّ، وابن ماجه عن أبي عُبيدة بن عبد اللَّه بن مسعود، عن أبيه، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من قدّم ثلاثة، لم يبلغوا الحنث، كانوا له حصنًا حصينًا"، قال أبو ذرّ: قدمت اثنين، قال: "واثنين"، فقال أبيّ بن كعب، سيد القرّاء: قدّمت واحدًا، قال: "وواحدًا، ولكن إنما الصبر عند الصدمة الأولى". قال الترمذيّ: حسن غريب، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه.
ورُوي ذكرُ الواحد من حديث جماعة من الصحابة أيضًا، وهو محمول عند العلماء على أنه ﷺ أوحي إليه ذلك عند سؤالهم عن الاثنين، وعن الواحد إن صحّ، ولا يمتنع نزول الوحي عليه في أسرع من طرفة عين، كما في نزول قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٩٥] لما قام ابن أم مكتوم، فقال: يا رسول اللَّه إني رجل ضرير البصر، فنزلت: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾، هذا. على أن العلماء يختلفون في مفهوم العدد، هل هو حجة، أم لا، فمن لم يجعله حجة لا يحتاج إلى ذكر هذا الجواب، ويقول: ذكر هذا العدد لا ينافي حصول ذلك بأقل منه، بل ولو جعلناه حجة، فليس نصا قاطعًا، بل دلالته ضعيفة، يقدّم عليها غيرها عند معارضتها.
وقال أبو العباس القرطبيّ بعد ذكره نحو ما قلناه: ويحتمل أن يقال: إن ذلك بحسب شدة وجد الوالدة، وقوّة صبرها، فقد لا يبعد أن يكون مَن فَقَدت واحدًا، أو اثنين أشدّ ممن فقدت ثلاثة، أو مساوية لها، فتُلحَق بها في درجاتها.
قال ولي الدين: ظاهر الحديث حَمْلُ ذلك على كلّ فاقد اثنين، وعلى كلّ فاقد واحد، فالتقييد بشدّة الوجد الذي يصيّره كفاقد ثلاثة يحتاج إلى دليل.
وقال القاضي عياض: يحتمل أنه ﷺ قاله ابتداء لأتمّ الأشياء، لأن ثلاثًا أول الكثرة،
стр. 10468
فأخبرهم بذلك، لئلا يتكل من مات له ولد على ولده في شفاعته، وسكت عما وراءه، فلما سئل أَعْلَمَ بما عنده في ذلك، قال: وفى قولها: "أو اثنان" بعد ذكر النبي ﷺ ذلك في الثلاثة، وهي من أهل اللسان دليل على أن تعليق الحكم بعددٍ مّا لا ينافيه (١) من جهة دليل الخطاب عما عداه من العدد، كان أقلّ، أو أكثر إلا بنصّ انتهى.
وقال أبو العباس القرطبي: إنما خصّ الولد بثلاثة، لأن الثلاثة أول مراتب الكثرة، فبعظم المصائب تكثر الأجور، فأما إذا زادت على الثلاثة، فقد يخفّ أجر المصيبة بالزائد، لأنها كأنها صارت عادة ودَيدَنا، كما قال المتنبي [من الكامل]:
أَنْكَرْتُ طَارِقَةَ الْحَوَادِثِ مَرَّةً … ثُمَّ اعْتَرَفْتُ بِهَا فَصَارَتْ دَيْدَنَا
وقَال آخر [من البسيط]:
رُوعْتُ بِالبَيْنِ حَتَّى مَا أُرَاعُ لَهُ … وَبِالْمَصَائِبِ فِي أَهْلي وَجِيرَانِي
ثم قال: ويحتمل أن يقال: إنما لم يذكر ما بعد الثلاثة لأنه من باب الأحرى والأولى، إذ من المعلوم أن مَن كثرت مصائبه كثر ثوابه، فاكتفى بذلك عن ذكره.
قال الحافظ ولي الدين: إذا جعلنا لمفهوم العدد دلالة، فدلالته في هذه الصورة في منع النقصان، لا في منع الزيادة، فإن من مات له أربعة، فبالضرورة قد مات له ثلاثة، فلا معنى لهذا الكلام الذي ذكره القرطبيّ، وإذا أخبر الصادق بأن من مات له ثلاثة لم يَلِجِ النارَ إلا تحِلَّةَ القسم، فمات لشخص ثلاثة، فحصلت له هذه البشرى، ثم مات له أربع انقطعت هذه البشرى بموت هذا الرابع، وصار على خطر دخول النار بعد تلك البشرى، وهَبْ أن حزنه بهذا الرابع خفيف لاعتياده المصائب، فهل يزيد ذلك على كونه لم تحدث له هذه المصيبة أصلًا، وكيف السبيل إلى إحباط ثواب ما مضى من المصائب بهذه المصيبة الرابعة، هذا ما لا يتخيّله ذو فهم، فإن فُرض أن الأربعة ماتوا دفعة واحدةَ كموت نفس واحدة على خلاف ما أجرى اللَّه تعالى العادة ترتبت البشرى بعدم دخول النار على موت ثلاثة، ويثيب اللَّه تعالى على موت الرابع بما يشاء، وقد دخلت هذه الصورة في هذا الحديث، لكونه صَدَقَ أنه مات له ثلاثة من الولد، واللَّه أعلم انتهى (٢).
وقال الحافظ ﵀ بعد نقل كلام القرطبيّ المذكور: ما نصه: وهذا مصير منه إلى انحصار الأجر المذكور في الثلاثة، ثم في الاثنين، بخلاف الأربعة والخمسة، وهو جمود شديد، فإن من مات له أربعة، فقد مات له ثلاثة ضرورةً، لأنهم إن ماتوا دفعة
стр. 10469
واحدة، فقد مات له ثلاثة وزيادة، ولا خفاء أن المصيبة بذلك أشدّ، وإن ماتوا واحدًا بعد واحد، فإن الأجر يحصل له عند موت الثالث بمقتضى وعد الصادق، فيلزم على قول القرطبيّ أنه إن مات له الرابع أن يرتفع عنه ذلك الأجر، مع تجدد المصيبة، وكفى بهذا فسادًا، والحقّ أن تناول الخبر الأربعةَ، فما فوقها من باب أولى، وأحرى، ويؤيد ذلك أنهم لم يسألوا عن الأربعة، ولا ما فوقها، لأنه كالمعلوم عندهم، إذ المصيبة إذا كثرت كان الأجر أعظم، واللَّه أعلم. انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تَعَقُّبُ الحافظين: ولي الدين وابن حجر على ما ذكره القرطبي فيما زاد على الثلاثة تعقب جميل، ومما يؤيده أنه قد ورد النصّ على الأربعة، فيما أخرجه الإمام أحمد في "مسنده"، ونصه:
١٧٤٠٣ - حدثنا محمد بن أبي عدي، عن داود، عن عبد اللَّه بن قيس، عن الحارث بن أُقَيش، قال: كنا عند أبي برزة ليلة، فحدث ليلتئذ، عن النبي ﷺ ، أنه قال: "ما من مسلمين، يموت لهما أربعة أفراط، إلا أدخلهما اللَّه الجنة، بفضل رحمته"، قالوا: يا رسول اللَّه وثلاثة؟ قال: "وثلاثة"، قالوا: واثنان؟ قال: "واثنان" قال" "وإنّ من أمتي لمن يدخل الجنة بشفاعته مثل مضر"، قال: "وإن من أمتي، لمن يَعظُمُ للنار حتى يكون أحدَ زواياها". انتهى.
ورجاله إسناده ثقات، غير عبد اللَّه بن قيس، وقد وثقه ابن حبان، وجهله ابن المدينيّ، و"داود" هو ابن أبي هند، والحارث بن أقيش صحابيّ مقلّ. واللَّه تعالى أعلم.
(قَالَتِ الْمَرأَةُ: يَا لَيْتَنِي قُلْتُ وَاحِدًا) أي سألت حكم موت واحد من الولد.
وهذا الحديث نصّ في كونه ﷺ لم يسأل عن حكم الواحد، ومثله ما أخرجه أحمد من طريق محمود بن لبيد، عن جابر، ﵁، رفعه: "من مات له ثلاثة من الولد، فاحتسبهم دخل الجنة"، قلنا: يا رسول اللَّه، واثنان؟ قال: "واثنان"، قال محمود: قلت لجابر: أراكم لو قلتم: وواحد، لقال: وواحد؟ قال: وأنا واللَّه أظنّ ذلك".
وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" عن عبد الرحمن بن الأصفهاني، قال: أتاني أبو صالح يُعَزّيني عن ابن لي، فأخذ يحدّثني عن أبي سعيد، وأبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "ما من امرأة تدفِنُ ثلاثة أفراط، إلا كانوا لها حجابا من النار"، فقالت امرأة: يا رسول اللَّه قدمت اثنين، قال: "واثنين"، ولم تسأله عن الواحد انتهى.
стр. 10470
وقد تقدم حديث أبيّ بن كعب، وعائشة، وأم أيمن في سؤالهم عن الواحد، لكنها ليس في شيء من طرقها ما يصلح للاحتجاج بها، بل أحاديث عدم السؤال مقدمة عليها لصحتها.
لكن يشهد لأحاديث السؤال عن الواحد ما تقدم قبل باب من حديث معاوية بن قرّة، عن أبيه، في قصة الرجل الذي مات ولده، وفيه: "ما يسرّك أن لا تأتي بابًا من أبواب الجنّة إلا وجدته عنده، يسعى، يفتح لك"، فإنه صريح في كون الولد الواحد كالثلاثة والاثنين، ويشهد لها أيضًا ما تقدم في الباب الماضي من حديث عبد اللَّه بن عمرو ﵁، مرفوعًا: "إن اللَّه لا يرضى لعبده المؤمن إذا ذهب بصفيه من أهل الأرض … " الحديث، وهو عند البخاريّ في "كتاب الرقَاقِ" من حديث أبى هريرة ﵁، بلفظ: "ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا، ثم احتسبه إلا الجنة"، وهو أصحّ ما ورد في ذلك، كما قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-.
والحاصل أن أحاديث السؤال عن الولد الواحد، قويّة بما ذُكر لها من الشواهد، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس ﵁ هذا حديث صحيح.
فإن قلت: كيف يصحّ، وفيه عمران بن نافع، لم يرو عنه غير بكير بن عبد اللَّه؟. قلت: الحديث صححه ابن حبّان برقم -٢٩٤٣ - وعمران قد وثقه النسائيّ، وابن حبّان، ولحديثه هذا شواهد:
منها: حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول اللَّه ﷺ قال لنسوة من الأنصار: "لا يموت لإحداكنّ ثلاثة من الولد، فتحتسبه، إلا دخلت الجنة، فقالت امرأة منهنّ: أو اثنتين يا رسول اللَّه؟ قال: "أو اثنين". أخرجه مسلم ٨/ ٣٩، وأحمد ٢/ ٢٤٦ و ٣٧٨.
ومنها: حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ مرفوعًا نحوه، وفيه: فقال رسول اللَّه ﷺ : "واثنين، واثنين، واثنين". أخرجه مسلم أيضا، وكذا البخاري ٣/ ٤٥٥ نسخة الفتح دون تكرار "واثنين". واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا-٢٣/ ١٨٧٢ - وفي "الكبرى" ٢٣/ ١٩٩٩، وهو من أفراده -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، لم يخرجه من أصحاب الأصول غيره، وأخرجه ابن حبّان في "صحيحه" ٢٩٤٣. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 10471
المسألة الثالثة: فى فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان ثواب من احتسب ثلاثة من صلبه. ومنها: أن من احتسب اثنين، فهو كالثلاثة. ومنها: ما كان عليه الصحابيات من الحرص في معرفة أحكام الشرع، حيث إن هذه المرأة سألت عن الاثنين، ثم لما فاتها السؤال عن الواحد تأسفت على ذلك، فقالت: ياليتني قلت: واحدًا. ومنها: بيان فضل اللَّه تعالى على المسلمين، حيث جعل لهم الجنة عوضا عما يصيبهم من البلاء بموت أولادهم. ومنها: أن المصيبة بمن لم يبلغ الحلم أشدّ من غيره، فلذا كان الأجر عليه أعظم. ومنها: أن أولاد المسلمين في الجنّة، لأن من يكون سببا في حجب النار عن أبويه أولى بأن يُحجَبَ هو، لأنه أصل الرحمة، وسببها، بل جاء التصريح به في الحديث الأخير من الأحاديث الآتية في الباب التالى، ولفظه: "فيقال: ادخلوا الجنّة أنتم وآباؤكم". واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: كون أولاد المسلمين في الجنّة هو الذي عليه الجمهور، وتوقفت طائفة قليلة في ذلك:
قال النووي ﵀: أجمع من يُعتدّ به من علماء المسلمين على أن من مات من أطفال المسلمين، فهو من أهل الجنة، وتوقف فيه بعضهم، لما أخرجه مسلم عن عائشة ﵁، قالت: أُتي رسول اللَّه ﷺ ، بصبي من صبيان الأنصار، فصلى عليه، قالت عائشة: فقلت: طوبى لهذا، عصفور، من عصافير الجنة، لم يعمل سوءا، ولم يدركه، قال: "أو غير ذلك يا عائشة، خلق اللَّه الجنة، وخلق لها أهلا، وخلقهم في أصلاب آبائهم، وخلق النار، وخلق لها أهلا، وخلقهم في أصلاب آبائهم".
قال: والجواب عنه أنه لعله نهاها عن المسارعة إلى القطع من غير دليل، أو قال ذلك قبل أن يعلم أن أطفال المسلمين في الجنة انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 10472
٢٥ - مَنْ يُتَوَفَّى لَهُ ثَلَاثَةٌ
١٨٧٣ - أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ حَمَّادٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ, عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ, عَنْ أَنَسٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْ مُسْلِمٍ, يُتَوَفَّى لَهُ, ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ, لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ, إِلاَّ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ, بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ».
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (يوسف بن حماد) الْمَعْنِيّ -بفتح الميم، وسكون المهملة، ثم نون، وتشديد الياء- أبو يعقوب البصريّ، ثقة [١٠].
وثقه النسائي، وابن حبّان، وأبو بكر البزّار، ومسلمة بن قاسم. قال ابن أبي عاصم: مات سنة (٢٤٥) روى عن مسلم، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه. وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، بوقم (١٨٧٣) و (٢٨٢٣) و (٤٤٨٥) و (٤٦٥١) و (٥١٨٧) و (٥٥٠٠).
٢ - (عبد الوارث) بن سعيد التَّنُّوريّ البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٦/ ٦.
٣ - (عبد العزيز) بن صُهيب البُنَانيّ البصريّ، ثقة [٤] ١٧/ ١٦٤٣.
٤ - (أنس) بن مالك ﵁ ٦/ ٦.
لطائف هذا الإسناد:
منها. أنه من رباعيات المصنف ﵀، وهو (١١١) من رباعيات الكتاب. ومنها: أنه مسلسل بثقاة البصريين. ومنها. أن فيه أنسًا ﵁ أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة ﵃ بالبصرة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَنَسٍ) ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا مِنْ مُسْلِمٍ) "من" زائدة، و"مسلم" اسم "ما" الحَجازية، أو مبتدأ على أنها تميمية، والخبر جملة الاستثناء, لأنه مفرّغ. وللبخاريّ: "ما من الناس من مسلم"، فقال في "الفتح": "من" الأولى بيانية، والثانية زائدة انتهى.
والحديث ظاهر في اختصاص ذلك بالمسلم، وهو واضح، فإن الكافر ليس من أهل الأجور، لكن لو مات له أولاد في حال الكفر، ثم أسلم بعد ذلك، هل ينفعه ما مضى من موتهم في زمن كفره، أو لا بدّ أن يكون موتهم في حالة إسلامه؟ قد يدلّ للأول قوله ﷺ لحكيم بن حزام ﵁: "أسلمت على ما أسلفت من خير" لَمَّا قال له: أرأيتَ أمورًا كنتُ أتحنّث بها في الجاهلية، هل لي فيها من شيء؟.
لكن قد جاءت أحاديث فيها تقييد ذلك بكونه في الإسلام، فالرجوع إليها أولى، ففي "مسند أحمد" بإسناد صحيح عن امرأة، يقال لها: رجاء، قالت: كنت عند رسول اللَّه
стр. 10473
- ﷺ ، إذ جاءته امرأته بابن لها، فقالت: يا رسول اللَّه ادع اللَّه لي فيه بالبركة، فإنه قد توفي لي ثلاثة، فقال لها رسول اللَّه ﷺ : "أمنذ أسلمت؟ " قالت: نعم، فقال رسول اللَّه ﷺ : "جُنّة حَصِينة"، فقال لي رجل: اسمعي يا رجاء ما يقول رسول اللَّه ﷺ .
وفي "مسند أحمد" وغيره بإسناد لا بأس به، عن عمرو بن عَبَسَة، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "من وُلِد له ثلاثة أولاد في الإسلام، فماتوا قبل يبلغوا الحنث، أدخله اللَّه الجنّة برحمته إياهم".
وفي "مسند أحمد"، و "معجم الطبراني الكبير" بإسناد فيه مجهول، عن أبي ثعلبة الأشجعي، قال: قلت: يا رسول اللَّه مات لي ولدان في الإسلام، فقال: "من مات له ولدان في الإسلام أدخله اللَّه الجنة".
قال الحافظ ولي الدين ﵀: ما حاصله: وفي حديث عمرو بن عَبَسَة زيادة على غيره، وهي أن تكون ولادتهم في الإسلام، ومقتضاه أنهم لو وُلدوا له قبل أن يسلم، وماتوا بعد إسلامه لم يكن له هذا الثواب انتهى (١).
(يُتَوَفَّى لَهُ) بالبناء للمفعول، ووقع في رواية ابن ماجه: "ما من مسلمين يَتَوَفَّى لهما … " (ثَلَاَثَةٌ مِنَ الْوَلَد، لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ) بكسر المهملة، وسكون النون، بعدها مثلّثة، وحكى ابن قرقول، عن الداوديّ أنه ضبطه "الْخَبَثَ" بفتح المعجمة، والموحّدة، وفسّره بأن المراد لم يبلغوا أن يعملوا المعاصي، قال: ولم يذكره كذلك غيره، والمحفوظ الأول، والمعنى لم يبلغوا الْحُلُمَ، فتكتبَ عليهم الآثام. قال الخليل: بلغ الغلام الحنث: إذا جرى عليه القلم، والحنث الذنب، قال اللَّه تعالى: ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٤٦]. وقيل: المراد بلغ إلى زمانٍ يؤاخذ بيمينه إذا حنث. وقال الراغب: عبّر بالحنث عن البلوغ، لما كان الإنسان يؤاخذ بما يرتكبه فيه بخلاف ما قبله، وخصّ الإثم بالذكر لأنه الذي يحصل بالبلوغ، لأن الصبيّ قد يثاب، وخصّ الصغير بذلك لأن الشفقة عليه أعظم، والحبّ له أشدّ، والرحمة له أوفر، وعلى هذا فمن بلغ الحنث لا يحصل لمن فقده ما ذكر من هذا الثواب، وإن كان في فقد الولد أجر في الجملة، وبهذا صرّح كثير من العلماء، وفرقوا بين البالغ وغيره بأنه يتصوّر منه العقوق المقتضي لعدم الرحمة، بخلاف الصغير، فإنه لا يتصوّر منه ذلك، إذ ليس بمخاطب.
وقال الزين ابن المنيّر ﵀: بل يدخل الكبير في ذلك من طريق الفحوى، لأنه إذا
стр. 10474
ثبت ذلك في الطفل الذي هو كَلٌّ على أبويه، فكيف لا يثبت في الكبير الذي بلغ معه السعي، ووصل له من النفع، وتوجه إليه الخطاب بالحقوق؟ ن قال: ولعلّ هذا هو السرّ في إلغاء البخاريّ التقييد بذلك في الترجمة انتهى. أي حيث قال: "باب فضل من مات له ولد، فاحتسب".
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: ويقويّ الأول قوله في بقية الحديث: "بفضل رحمته إياهم"، لأن الرحمة للصغار أكثر، لعدم حصول الإثم منهم، وهل يلتحق بالصغار من بلغ مجنونا مثلًا، واستمرّ على ذلك، فمات؟ فيه نظر، لأن كونهم لا إثم عليهم يقتضي الإلحاق، وكون الامتحان بهم يَخِفُّ بموتهم يقتضي عدمه.
ولم يقع التقييد في طرق الحديث بشدّة الحب ولا عدمه، وكان القياس يقتضي ذلك، لما يوجد من كراهة بعض الناس لولده، وتبرّمه منه، ولا سيما من كان ضيّق الحال، لكن لما كان الولد مظنة المحبّة، والشفقة، نِيطَ به الحكم، وإن تخلّف في بعض الأفراد. انتهى (١).
(إِلاَّ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ) تقدم أن هذا الاستثناء، وما بعده خبر "ما" الحجازية، أو خبر المبتدإ. وفي حديث عُتبة بن عبد اللَّه السلميّ، عند ابن ماجه بإسناد حسن، نحو حديث الباب، لكن فيه: "إلا تلقّوه من أبواب الجنة الثمانية، من أيها شاء دخل"، وهذا أمر زائد على مطلق دخول الجنة، ويشهد له ما تقدم للمصنّف قبل بابين بإسناد صحيح، من حديث معاوية بن قرّة، عن أبيه، مرفوعًا، وفيه: "ما يسرّك أن لا تأتي بابًا من أبواب الجنة إلا وجدته عنده يسعى يفتح لك" (بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ") أي بفضل رحمة اللَّه تعالى للأولاد. وقال ابن التين: قيل: إن الضمير في "رحمته" للأب، لكونه كان يرحمهم في الدنيا، فيُجازَى بالرحمة في الآخرة، والأول أولى، ويؤيده أن في رواية ابن ماجه من هذا الوجه "بفضل رحمة اللَّه إياهم"، وللمصنف من حديث أبي ذر ﵁ الحديثُ التالي لهذا الحديث بلفظ: "إلا غفر اللَّه لهما بفضل رحمته إياهم". ولأحمد والطبراني، من حديث الحارث بن أُقَيش -بقاف ومعجمة مصغّرًا - عن أبي برزة ﵁ مرفوعًا: "ما من مسلين يموت لهما أربعة أفراط، إلا أدخلهما اللَّه الجنة بفضل رحمته"، وقد تقدم في الباب الماضي
وكذا في حديث عمرو بن عَبَسَة، كما تقدم.
وقال الكرماني: الظاهر أن المراد بقوله: "إياهم" جنس المسلم الذي مات أولاده،
стр. 10475
لا الأولاد، أي بفضل رحمة اللَّه لمن مات لهم، قال: وساغ الجمع لكونه نكرة في
سياق النفي، فتعمّ انتهى.
قال الحافظ: وهذا الذي زعم أنه ظاهر ليس بظاهر، بل في غير هذا الطريق ما يدلّ على أن الضمير للأولاد، ففي حديث عمرو بن عَبَسَة عند الطبرانيّ: "إلا أدخله اللَّه برحمته هو وإياهم الجنة"، وفي حديث أبي ثعلبة الأشجعيّ المتقدم ذكره: "أدخله اللَّه الجنة بفضل رحمته إياهم"، قاله بعد قوله: "من مات له ولدان"، فوضح بذلك أن الضمير في قوله: "إياهم" للأولاد، لا للآباء، واللَّه أعلم انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث عمرو بن عَبَسَة، وحديث أبي ثعلبة قد تقدم أنهما متكلم فيهما، فالأولى في الردّ على الكرماني حديث أبي ذرّ، وأبي هريرة ﵁ المذكوران في هذا الباب، مرفوعًا: "ما من مسلمين يموت بينهما ثلاثة أولاد، لم يبلغوا الحنث إلا غفر اللَّه لهما بفضل رحمته إياهم"، لفظ أبي ذرّ ﵁، ولفظ أبي هريرة: "إلا أدخلهما اللَّه بفضل رحمته إياهم الجنة". ففيه بيان واضح أن الضمير للأولاد لا للآباء. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس ﵁ هذا أخرجه البخاريّ.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٣/ ١٨٧٣ - وفي "الكبرى" ٢٥/ ٢٠٠١ - وأخرجه (خ) ١٢٤٨ و ١٣٨١ (ق) ١٦٠٥ (أحمد) ١٢١٢٦ واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٨٧٤ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ, عَنْ يُونُسَ, عَنِ الْحَسَنِ, عَنْ صَعْصَعَةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ, قَالَ: لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ, قُلْتُ: حَدِّثْنِي, قَالَ: نَعَمْ, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ, يَمُوتُ بَيْنَهُمَا, ثَلَاثَةُ أَوْلَادٍ, لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ, إِلاَّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُمَا, بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ».
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إسماعيل بن مسعود) الْجَحْدريّ البصريّ ثقة [١٠] ٤٢/ ٤٧.
٢ - (بشر بن المفضّل) بن لاحق الرَّقَاشيّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبت عابد [٨] ٦٦/ ٨٢.
٣ - (يونس) بن عُبيد بن دينار العبديّ البصريّ، ثقة ثبت فاضل وَرع [٥] ٨٨/ ١٠٩.
стр. 10476
٤ - (الحسن) بن أبي الحسن يَسَار البصريّ الإمام الحجة الفقيه الثبت [٣] ٣٢/ ٣٦.
٥ - (صعصعة بن معاوية) بن حُصين التميميّ السعديّ، عم الأحنف بن قيس، له صحبة، وقيل: إنه مخضرم، وقال النسائيّ: ثقة، وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: كان في ولاية الحجّاج على العراق. أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والنسائيّ، وابن ماجه. وله فى هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (١٨٧٤) و (٣١٨٥).
٦ - (أبو ذرّ) جُنْدب بن جُنَادة، وقيل: غير ذلك ﵁ -٢٠٣/ ٣٢٢.
وفي هذا السند ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، يونس، والحسن، وصعصعة، على الخلاف الذي تقدم فيه. وشرح الحديث يعلم مما قبله.
وأما تخريجه: فقد أخرجه المصنف هنا -٢٣/ ١٨٧٤ - وفي "الكبرى" ٢٥/ ٢٠٠٢ - وأخرجه (أحمد) ٢٠٨٣٤ و ٢٧٦٩٩ و ٢٧٧٤٩ و ٢٥٩٤٢. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا, ونعم الوكيل.
١٨٧٥ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ, عَنْ مَالِكٍ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ سَعِيدٍ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «لَا يَمُوتُ لأَحَدٍ (١) مِنَ الْمُسْلِمِينَ, ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ, فَتَمَسَّهُ النَّارُ, إِلاَّ تَحِلَّةَ الْقَسَمِ».
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قتيبة) بن سعيد البَغْلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (مالك) بن أنس الإمام الفقيه الحجة المدنيّ [٧] ٧/ ٧.
٣ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري المدنيّ الإمام الحجة الحافظ [٤] ١/ ١.
٤ - (سعيد) بن المسيّب القرشيّ المدني الإمام الفقيه الحجة من كبار [٣] ١/ ١.
٥ - (أبو هريرة) ﵁ ١/ ١.
والسند مسلسل بالمدنيّين، غير شيخه، فبغلانيّ، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه سعيد بن المسيّب أحد الفقهاء السبعة، وفيه أبو هريرة أحد المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
وشرح الحديث يعلم مما تقدّم.
وقوله: "فتمسّه النار" المشهور عندهم نصب "فتمسَّه" على أنه جواب النفي، لكن يشكل ذلك بأن الفاء في جواب النفي، تدلّ على سببية الأول للثاني، قال اللَّه تعالى: ﴿لَا يُقْضَي عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ [فاطر: ٣٦]، وموت الأولاد ليس سببا لدخول النار، بل
стр. 10477
سبب للنجاة عنها، وعدمِ الدخول فيها، بل لو فُرض صحّة السببية فهي غير مرادة ههنا، لأن المطلوب أن من مات له ثلاثة ولد لا يدخل بعد ذلك النار، إلا تحلّة القسم، وعلى تقدير كونه جوابًا يصير المعنى فاسدًا قطعًا، إذ لازمه أن موت ثلاثة من الولد لا يتحقّق لمسلم قطعًا، وأنه لو تحقّق لدخل ذلك المسلم النار دائمًا، إلا قدر تحلّة القسم، فالوجه الرفع، على أن الفاء عاطفة للتعقيب، والمعنى أنه بعد موت ثلاثة ولد لا يتحقّق الدخول في النار إلا تحلّة القسم، وأقرب ما قيل في توجيه النصب أن الفاء بمعنى الواو المفيدة للجمع، وهي تنصب المضارع بعد النفي، كالفاء، والمعنى لا يجتمع موت ثلاثة من الولد، ومسّ النار، إلا تحلّة القسم. قاله السنديّ -رحمه اللَّه تعالى- (١).
وقوله: "إلا تحَلَّةَ القسم". -بفتح المثناة، وكسر المهملة، وتشديد اللام- أي ما تنحَلّ به القسم، وهو اليمين، وهو مصدر حَلَّلَ اليمينَ، أي كفّرها، يقال: حلّل تحَليلاً، وتَحِلّةً، وتحَلاّ، بغير هاء، والثالث شاذّ. وقال الخطابيّ: حلّلت القسم تحلّةً: أي أبررتها. واللَّه تعالى أعلم.
فائدة: يستفاد من هذا الحديث أن من حلف أن يفعل كذا، ثم فعل منه شيئًا، ولو قلّ برّت يميمنه، خلافا لمالك،، قاله عياض وغيره. واللَّه تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢٥/ ١٨٧٥ - وفي "الكبرى" ٢٥/ ٢٠٠٣ - وأخرجه (خ) ١٢٥٠ و ١٢٥٦ و ١٠٢ و ٧٣١٠ (م) ٢٦٣٢ (ت) ١٠٦٠ (ق) ١٦٠٣ (مالك في الموطإ) ٥٥٤ (أحمد) ١٧٠٢٢ و ١٠٩٠٣ و ١١٢٨٩.
المسألة الثالثة: قال القرطبيّ: اختُلِفَ في المراد بالقسم في قوله: "إلا تحلّة القسم":
فقيل: هو معيّن، وقيل: غير معيّن، فالجمهور على الأول، وقيل: لم يُعنَ به قسم بعينه، وإنما معناه التقليل لأمر وردوها، وهذا اللفظ يُستعمل في هذا، تقول: لا ينام هذا إلا لتحليل الأَلِيّةِ، وتقول: ما ضربته إلا تحليلاً، إذا لم تُبالغ في الضرب، أي قدرًا يصيبه منه مكروه. وقيل: الاستثناء بمعنى الواو، أي لا تمسّه النار قليلاً، ولا كثيرًا، ولا تحلّة القسم، وقد جوّز الفرّاء والأخفش مجيء "إلا" بمعنى الواو، وجعلوا منه قوله
стр. 10478
تعالى: ﴿لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾، والأول قول الجمهور، وبه جزم أبو عبيد وغيره، وقالوا: المراد به قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾، قال الخطابيّ: معناه لا يدخل النار ليُعاقَبَ بها، ولكنه يدخلها مُجتازًا، ولا يكون ذلك الجواز إلا قدر ما يُحَلِّل به الرجل يمينه، ويدلّ على ذلك ما وقع عند عبد الرزّاق، عن معمر، عن الزهريّ في آخر هذا الحديث: "إلا تحلّة القسَم" يعني الورود.
وفي "سنن سعيد بن منصور"، عن سفيان بن عُيينة في آخره: ثم قرأ سفيان: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾، ومن طريق زمْعَةَ بن صالح، عن الزهريّ في آخره: قيل: وما تحلّة القسم؟ قال: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾. قال في "الفتح": وكذا وقع في رواية كريمة في الأصل: قال أبو عبد اللَّه: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾، وكذا حكاه عبد الملك بن حبيب، عن مالك في تفسير هذا الحديث، وورد نحوه من طريق أخرى في هذا الحديث، رواه الطبرانيّ من حديث عبد الرحمن بن بشر الأنصاريّ، مرفوعًا: "من مات له ثلاثة من الولد، لم يبلغوا الحنث، لم يرد النار إلا عابر سبيل"، يعني الجواز على الصراط، وجاء مثله من حديث آخر، أخرجه الطبراني، من حديث سهل بن معاذ ابن أنس الجهنيّ، عن أبيه مرفوعًا: "من حَرَسَ وراء المسلمين في سبيل اللَّه، متطوّعًا، لم يَرَ النارَ بعينه، إلا تحلّة القسم، فإن اللَّه قال: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ انتهى.
واللَّه تعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: اختلف في موضع القسم من الآية، فقيل: هو مقدّر، أي واللَّه إن منكم، وقيل: معطوف على القسم الماضي في قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ أي قسمًا واجبًا، كذا رواه الطبرانيّ وغيره من طريق مرة، عن ابن مسعود، ومن طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد، ومن طريق سعيد، عن قتادة في تفسير هذه الآية. وقال الطيبيّ: يحتمل أن يكون المراد بالقسم ما دلّ على القطع والبتّ من السياق، فمن قوله: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ﴾ تذييل، وتقرير لقوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ﴾ فهذا بمنزلة القسم، بل أبلغ لمجيء الاستثناء بالنفي والإثبات. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة: اختلف السلف في المراد بالورود في الآية، فقيل: هو الدخول، روى عبد الرزّاق، عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، أخبرني من سمع ابن عباس، فذكره. وروى أحمد، والنسائيّ، والحاكم، من حديث جابر مرفوعًا: "الورود الدخول، لا يبقى بَرّ، ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمنين بردًا وسلامًا". وروى الترمذيّ، وابن أبي حاتم، من طريق السُّدّيّ، سمعت مرة، يحدث عن عبد اللَّه بن مسعود، قال: يردونها، أو يَلِجونها، ثم يصدرون عنها بأعمالهم، قال عبد الرحمن بن
стр. 10479
مهديّ: قلت لشعبة: إن إسرائيل يرفعه، قال: صدق، وعمدًا أدعه، ثم رواه الترمذيّ، عن عبد بن حميد، عن عبيد اللَّه بن موسى، عن إسرائيل، مرفوعًا. وقيل: المراد بالورود الممرّ عليها، روه الطبريّ وغيره من طريق بشر بن سعيد، عن أبي هريرة، ومن طريق أبي الأحوص، عن عبد اللَّه بن مسعود، ومن طريق معمر، وسعيد، عن قتادة، ومن طريق كعب الأحبار، وزاد: "يستوون كلهم على متنها، ثم ينادي مناد أمسكي أصحابك، ودعي أصحابي، فيخرج المؤمنون نَديّة أبدانهم". وهذان القولان أصحّ ما ورد في ذلك.
ولا تنافي بينهما، لأن من عبّر بالدخول تجوّز به عن المرور، ووجهه أن المارّ عليها فوق الصراط في معنى من دخلها، لكن تختلف أحوال المارّة باختلاف أعمالهم، فأعلاهم درجةً من يمرّ كلمع البرق، ويؤيّد صحّةَ هذا التأويل ما رواه مسلم من حديث أمّ مبشّر، أن حفصة قالت للنبيّ ﷺ : لَما قال: "لا يدخل أحد شهد الحديبية النار": أليس اللَّه يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ فقال لها: "أليس اللَّه تعالى يقول: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ " الآية.
وفي هذا بيانُ ضعفِ قول من قال: الورود مختصّ بالكفّار، ومن قال: معنى الورود الدنوّ منها، ومن قال: معناه الإشراف عليها، ومن قال: معنى ورودها ما يصيب المؤمن في الدنيا من الحمّى، على أن هذا الأخير ليس ببعيد، ولا ينافيه بقية الأحاديث، واللَّهأعلم. قاله في "الفتح" (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٨٧٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ابْنِ عُلَيَّةَ, وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ, قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ, وَهُوَ الأَزْرَقُ, عَنْ عَوْفٍ, عَنْ مُحَمَّدٍ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ, يَمُوتُ بَيْنَهُمَا, ثَلَاثَةُ أَوْلَادٍ, لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ, إِلاَّ أَدْخَلَهُمَا اللَّهُ, بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمُ (٢) الْجَنَّةَ» , قَالَ: «يُقَالُ لَهُمُ: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ, فَيَقُولُونَ: حَتَّى يَدْخُلَ آبَاؤُنَا, فَيُقَالُ: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ, أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ».
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن إسماعيل بن إبراهيم ابن عُليّة) الدمشقي القاضي، ثقة [١١] ٢٢/ ٤٨٩.
٢ - (عبدالرحمن بن محمد) بن سلاّم بن ناصح البغداديّ، ثم الطُّوسيّ، أبو
стр. 10480
القاسم، مولى بني هشام، وقد ينسب إلى جدّه، لا بأس به [١١] ١٧٢/ ١١٤١.
٣ - (إسحاق) بن يوسف بن مِرداس المخزوميّ الأزْرق الواسطيّ، ثقة [٩] ٢٢/ ٤٨٩.
٤ - (عوف) بن أبي جمَيلَة الأعرابيّ البصريّ، ثقة رمي بالقدر وبالتشيع [٦] ٤٦/ ٥٧.
٥ - (محمد) بن سيرين أبو بكر البصريّ الإمام الحجة الثبت [٣] ٤٦/ ٥٧.
وشرح الحديث يعلم مما سبق.
وهو حديث صحيح، انفرد به المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا- ٢٥/ ١٨٧٦ وفي "الكبرى" ٢٥/ ٢٠٠٤. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٢٦ - مَنْ قَدَّمَ ثَلَاَثةً
١٨٧٧ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) جَرِيرٌ, قَالَ: حَدَّثَنِي طَلْقُ بْنُ مُعَاوِيَةَ, وَحَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي جَدِّي طَلْقُ بْنُ مُعَاوِيَةَ, عَنْ أَبِي زُرْعَةَ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ, إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , بِابْنٍ لَهَا يَشْتَكِي, فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, أَخَافُ عَلَيْهِ, وَقَدْ قَدَّمْتُ ثَلَاثَةً, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَقَدِ احْتَظَرْتِ, بِحِظَارٍ شَدِيدٍ مِنَ النَّارِ».
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (إسحاق) بن إبراهيم ابن راهويه الإمام الحجة [١٠] ٢/ ٢.
٢ - (جرير) بن عبد الحميد الضبّيّ الكوفيّ، نزيل الرَّيّ، ثقة ثبت [٨] ٢/ ٢.
٣ - (حفص بن غياث) بن طَلْق معاوية النخعي، أبو عمر الكوفي القاضي، ثقة فقيه، تغير قليلاً في الآخر [٨] ٨٦/ ١٠٥.
[تنبيه]: قوله: "وحفص" بالرفع عطف على "جرير"، فكلاهما يرويان عن جدّ الثاني، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
٤ - (طلق بن معاوية) النخعيّ، أبو غياث الكوفيّ، تابعي كبير مخضرم (٢) مقبول [٢].
روى عن شُريح القاضي، وأبي زرعة بن عمرو بن جرير. وعنه حفيده حفص بن
стр. 10481
غياث، وسفيان الثوريّ، وشريك القاضي، ومحمد بن جابر السُّحَيميّ. ذكره ابن حبّان في "الثقات".
قال الحافظ: ونسبه ابن خلفون، فقال: طلق بن معاوية بن الحارث بن ثعلبة، كان معاوية ممن شهد القادسية. وفي "الأربعين" للجَوْزَقيّ: عن عمر بن حفص بن طلق بن معاوية بن الحارث بن ثعلبة، وكان ممن شهد بدرًا انتهى.
روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، ومسلم، والمصنف حديثَ الباب فقط.
٥ - (أبو زرعة) بن عمرو بن جرير، اسمه هَرِم، وقيل: غيره البجليّ الكوفي، ثقة [٣] ٤٣/ ٥٠.
٦ - (أبو هريرة) ﵁ ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وأنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فمروزيّ، وفيه رواية الراوي، عن جدّه، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة أحد المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنه (قَالَ: جَاءَتَ امْرَأَةْ) لم تُسمّ (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، بِابْنِ لَهَا يَشْتَكِي) أي يتوجع من مرض حلّ به (فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّه، أَخافُ عَلَيْهِ) أي الموتَ (وَقَدْ قَدَّمْتُ ثَلَاَثةً) أي مات لي قبله ثلاثة من الأولاد (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَقَدِ احْتَظَرْتِ) أي احتميت، وامتنعتِ، قال المجد اللغويّ ﵀: حَظَرَ الشيءَ، وعليه: مَنَعَه، وحَجَرَه، واتخذ حَظِيرةً، كاحتَظَرَ، والمالَ حبسه فيها، والشيءَ حازه، والْحَظِيرةُ: جَرِينُ التمرِ، والمحيطُ بالشيء، خشبًا، أو قصبًا. انتهى (١).
وقال ابن الأثير ﵀: والاحتظار فِعلُ الحِظَار، أراد لقد احتميت بحمى عظيم من النار، يَقِيك حَرَّها، ويؤمّنك دخولها انتهى (٢).
(بِحِظَارٍ شَدِيد) بفتح الحاء المهملة، وكسرها: هو ما يُجعل حول البستان، من شجر ونحوه، وقال المجد ﵀: الْحِظَارَ، ككتاب: الحائط، وُيفتَحُ، وما يُعمَل للإبل من شجر، ليقيها البرد انتهى. وفي نسخة: "بحظارة شديدة" (مِنَ النَّارِ) متعلق بـ "احتظرت". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 10482
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى. في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: فى بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٦/ ٧٧٨١ - وفي "الكبرى" ٢٤/ ٢٠٠٠. وأخرجه (م) ٢٦٣٦ (أحمد) ٩١٥٠ و ٩٠٥٤٥٠ واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٢٧ - بَابُ النَّعْيِ
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: "النعي" بفتح , فسكون، وكغنيّ: الإخبار بالموت، يقال: نَعَاه نَعْيًا، ونَعِيا، ونعْيَانًا بالضمّ: أخبر بموته، والنَّعِيّ، كغنيّ: الناعي، والْمَنْعِيّ. قاله في "ق"
وقال في "المصباح": نَعَيتُ الميتَ نَعْيًا، من باب نفع: أخبرتُ بموته، فهو مَنْعِيّ، واسم الفعل الْمَنْعَى، والْمَنْعَاةُ بفتح الميم فيهما، مع القصر، والفاعل: نَعِيّ، على فعيل، يقال: جاء نَعِيّه, أي ناعيه، وهو الذي يُخبر بموته، ويكون النَّعِيّ خَبَرًا أيضًا انتهى.
وقال في "اللسان": قال ابن سِيدَهْ: والنَّعْيُ، والنَّعِيُّ، بوزن فَعِيلِ: نداءُ الداعي، وقيل: هو الدعاء بموت الميت، والإشعارُ به، وجاء نَعِيُّ فلان: وهو خبر موته. وقال أبو زيد: النَّعِيُّ -أي كغنيّ- الرجل الميتُ، والنَّعْيُ -أي بفتح، فسكون- الفِعلُ انتهى (١).
وقد ترجم الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" بقوله: "باب الرجل يَنْعَى إلى أهل الميت بنفسه" انتهى.
فقال في "الفتح" بعد ذكر ما يتعلّق بالترجمة: ما نصه: وفائدة هذه الترجمة الإشارة إلى أن النعي ليس ممنوعًا كله، وإنما نهُي عما كان أهل الجاهلية يصنعونه، فكانوا يرسلون من يُعلنُ بخبر موت الميت على أبواب الدُّور والأسواق.
وقال ابن المرابط: مراده أن النعي الذي هو إعلام الناس بموت قريبهم مباح، وإن كان فيه إدخال الكرب والمصائب على أهله، لكن في تلك المفسدة مصالح جمّة، لما يترتّب على معرفة ذلك من المبادرة لشهود جنازته، وتهيئة أمره، والصلاة عليه، والدعاء له، والاستغفار, وتنفيذ وصاياه، وما يترتّب على ذلك من الأحكام.
стр. 10483
وأما نعي الجاهلية، فقال سعيد بن منصور: أخبرنا ابن عُليّة، عن ابن عون، قال: قلت لإبراهيم: أكانوا يكرهون النعي؟ قال: نعم، قال ابن عون: كانوا إذا تُوُفي الرجل ركب رجل دابّة، ثم صاح في الناس: أنعى فلانًا. وبه إلى ابن عون قال: قال ابن سيرين: لا أعلم بأسًا أن يُؤذِن الرجل صديقه وحميمه.
وحاصله أن محض الإعلام بذلك لا يكره، فمن زاد على ذلك فلا. وقد كان بعض السلف يشدّد في ذلك حتى كان حذيفة إذا مات له الميت يقول: لا تؤذنوا به أحدًا، إني أخاف أن يكون نعيًا، إني سمعت رسول اللَّه ﷺ بأذنيّ هاتين ينهى عن النعي. أخرجه الترمذيّ، وابن ماجه بإسناد حسن.
قال ابن العربيّ: يؤخذ من مجموع الأحاديث ثلاث حالات:
الأولى: إعلام الأهل والأصحاب، وأهل الصلاح، فهذا سنة. الثانية: دعوة الْحَفْل للمفاخرة، فهذه تكره. الثالثة: الإعلام بنوع آخر، كالنياحة، ونحو ذلك، فهذا يحرم. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
١٨٧٨ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ, قَالَ: أَنْبَأَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ, عَنْ أَيُّوبَ, عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ, عَنْ أَنَسٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , نَعَى زَيْدًا, وَجَعْفَرًا, قَبْلَ أَنْ يَجِيءَ خَبَرُهُمْ, فَنَعَاهُمْ, وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ".
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إسحاق) بن إبراهيم المذكور قبله.
٢ - (سليمان بن حرب) الأزديّ البصريّ، ثم المكيّ، ثقة ثبت حجة [٩] ١٨١/ ٢٨٨.
٣ - (حماد بن زيد) بن درهم، أبو إسماعيل البصري الحافظ الثبت [٨] ٣/ ٣.
٤ - (أيوب) بن أبي تميمة السختياني البصريّ الفقيه الحافظ الحجة [٥] ٤٢/ ٤٨.
٥ - (حميد بن هلال) البصريّ، ثقة [٣] ٤/ ٤.
٦ - (أنس) بن مالك ﵁ ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وأنه ومسلسل بالبصريين، غير شيخه، فمروزيّ، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أنس أحد المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 10484
شرح الحديث
(عَنْ أَنَسٍ) ﵁ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، نَعَى) تقدم إيضاح معنى النعي في أول الباب (زَيْدًا) أي زيد بن حارثة، والد أسامة ﵁ (وَجَعْفَرًا) أي ابن أبي طالب ﵁ (قَبْلَ أَنْ يَجِيءَ خَبَرُهُمْ) أي قبل مجيء خبر موتهم.
وذكر موسى بن عقبة في "المغازي" أن يعلى بن أميّة قدم بخبر أهلِ مُؤْتَة، فقال له رسول اللَّه ﷺ : "إن شئت، فأخبرني، وإن شئت أخبرك"، قال: فأخبرني، فأخبره خبرهم، فقال: والذي بعثك بالحقّ ما تركت من حديثهم حرفا لم تذكره، وعند الطبراني من حديث أبي الْيَسَر الأنصاريّ أن أبا عامر الأشعريّ هو الذي أخبر النبي ﷺ بمُصَابهم. انتهى (١).
[تنبيه]: لم يُذكَر في رواية المصنف عبدُ اللَّه بن رواحة، وكان معهما، وقد ذُكِر في رواية البخاريّ، وغيره، ولفظ البخاريّ عن شيخه أحمد بن واقد، عن حماد بن زيد: أن النبي ﷺ ، نعى زيدا، وجعفرا، وابن رواحة، للناس، قبل أن يأتيهم خبرهم، فقال: "أخذ الراية زيد، فأصيب، ثم أخذ جعفر، فأصيب، ثم أخذ ابن رواحة، فأصيب"، وعيناه تذرفان، حتى أخذ الراية سيف من سيوف اللَّه، حتى فتح اللَّه عليهم". انتهى.
[تنبيه آخر]: كان إخبار النبي ﷺ بموتهم في غزوة مؤتة -بالهمزة مكان بالقرب من البلقاء، وقيل: على مرحلتين من بيت المقدس- قال البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى-:
٤٢٦١ - أخبرنا أحمد بن أبي بكر، حدثنا مغيرة بن عبد الرحمن، عن عبد اللَّه بن سعيد، عن نافع، عن عبد اللَّه بن عمر، ﵁ قال: أَمَّرَ رسولُ اللَّه ﷺ ، في غزوة مؤتة، زيد بن حارثة، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر، فعبد اللَّه بن رواحة"، قال عبد اللَّه: كنت فيهم، في تلك الغزوة، فالتمسنا جعفر بن أبي طالب، فوجدناه في القتلى، ووجدنا ما في جسده بضعا وتسعين، من طعنة ورمية.
وسبب تلك الغزوة أن شرحبيل بن عمرو الغسّاني -وهو من أمراء قيصر على الشام- قتل رسولا أرسله النبي ﷺ إلى صاحب بُصرى، واسم الرسول الحارثُ بن عُمير، فجهز إليهم رسول النبي ﷺ عسكرًا في ثلاثة آلاف في جمادى، من سنة ثمان من الهجرة (٢).
(فَنَعَاهُمْ) وفي نسخة: "نعاهم" بدون فاء (وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ") بكسر الراء، يقال: ذَرَفَت العين، ذَرْفًا، من باب ضَرَبَ: دَمِعَت، وَذَرَفَ الدمعُ: سأل، وذَرَفَت العين الدمعَ. قاله
стр. 10485
في "المصباح". والجملة الاسميّة حال من فاعل "نعى"، أي أخبر ﷺ بموتهم، والحال أن عينيه تسيلان دمعا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، واليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس ﵁ هذا أخرجه البخاريّ.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٧/ ١٨٧٨ - وفي "الكبرى" ٢٦/ ٢٠٠٥ - وأخرجه (خ) ١٢٤٦ و ٢٧٩٨ و٣٦٣٠ و ٣٧٥٧ و ٤٢٦٢ (أحمد) ١١٧٠٤ و ٤١٠٧ و ٢٢٤٩٤. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان جواز الإخبار بموت الشخص، ليقوم الناس بتجهيزه، والصلاة عليه، ودفنه، وغير ذلك، والنهي الوارد عن النعي محمول على ما كان من نعي الجاهلية، كما سبق تفصيله. ومنها: أن فيه علما من أعلام النبوة، ومعجزةً من معجزات رسول اللَّه ﷺ ، حيث أخبر بموتهم بالشام، وهو بالمدينة قبل أن يأتي الخبر بذلك. ومنها: جواز البكاء على الميت، وقد تقدم البحث فيه مُستَوْفًى. ومنها: جواز ظهور الحزن على الإنسان عند المصيبة، والجلوس في المسجد لذلك، ففي رواية عائشة ﵂ لهذا الحديث، كما تقدم -١٤/ ١٨٤٧ - أن النبي ﷺ لما جاءه قتل زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد اللَّه بن رواحة ﵁ جلس يعرف فيه الحزن، زاد في رواية البيهقيّ: "جلس في المسجد". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، واليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٨٧٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي, عَنْ صَالِحٍ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ, وَابْنُ الْمُسَيَّبِ, أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ, أَخْبَرَهُمَا, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , نَعَى لَهُمُ النَّجَاشِيَّ, صَاحِبَ الْحَبَشَةِ, الْيَوْمَ الَّذِي مَاتَ فِيهِ, وَقَالَ: «اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُمْ».
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أبو داود) سليمان بن سَيْف الحرّانيّ، ثقة حافظ [١١] ١٠٣/ ١٣٦.
٢ - (يعقوب) بن إبراهيم بن سعد الزهري المدنيّ، ثم البغداديّ، ثقة، من صغار [٩] ١٩٦/ ٣١٤.
٣ - (أبوه) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدني، ثم البغداديّ، ثقة حجة [٨] ١٩٦/ ٣١٤.
стр. 10486
٤ - (صالح) بن كيسان الغفاريّ مولاهم المدنيّ، ثقة ثبت [٤] ١٩٦/ ٣١٤.
٥ - (ابن شهاب) الزهريّ الإمام الحافظ الحجة المدنيّ [٤] ١/ ١.
٦ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقة فقيه [٣] ١/ ١.
٧ - (ابن المسيب) سعيد القرشيّ المدني الفقيه الثبت الحجة من كبار [٣] ٩/ ٩.
٨ - (أبو هريرة) ﵁ ١/ ١.
والسند مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فحرّانيّ، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعي، عن تابعيين، وفيه اثنان من الفقهاء السبعة؛ وفيه أبو هريرة أحد المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
وسيأتى شرح الحديث، والكلام على مسائله في "باب الصفوف على الجنازة" ٧٢/ ١٩٧٠ إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٨٨٠ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ فَضَالَةَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ, هُوَ ابْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ, ح وَأَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي, قَالَ: سَعِيدٌ (١): حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ سَيْفٍ, الْمَعَافِرِيُّ, عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو, قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ, نَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , إِذْ بَصُرَ بِامْرَأَةٍ, لَا تَظُنُّ أَنَّهُ عَرَفَهَا, فَلَمَّا تَوَسَّطَ الطَّرِيقَ, وَقَفَ, حَتَّى انْتَهَتْ إِلَيْهِ, فَإِذَا فَاطِمَةُ, بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , قَالَ لَهَا: «مَا أَخْرَجَكِ مِنْ بَيْتِكِ, يَا فَاطِمَةُ؟». قَالَتْ: أَتَيْتُ أَهْلَ هَذَا الْمَيِّتِ, فَتَرَحَّمْتُ إِلَيْهِمْ, وَعَزَّيْتُهُمْ بِمَيِّتِهِمْ, قَالَ: «لَعَلَّكِ بَلَغْتِ, مَعَهُمُ الْكُدَى» , قَالَتْ: مَعَاذَ اللَّهِ, أَنْ أَكُونَ بَلَغْتُهَا, وَقَدْ سَمِعْتُكَ, تَذْكُرُ فِي ذَلِكَ, مَا تَذْكُرُ, فَقَالَ لَهَا: «لَوْ بَلَغْتِهَا مَعَهُمْ, مَا رَأَيْتِ الْجَنَّةَ, حَتَّى يَرَاهَا جَدُّ أَبِيكِ».
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: رَبِيعَةُ ضَعِيفٌ.
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عُبيد اللَّه بن فَضَالة بن إبراهيم) النسائي، ثقة ثبت [١١] ١٧٠/ ٨٩٨.
٢ - (محمد بن عبد اللَّه بن يزيد المقرئ) أبو يحيى المكيّ، ثقة [١٠] ١١/ ١١.
٣ - (عبد اللَّه بن يزيد المقرئ) المكيّ، ثقة فاضل [٩] ٤/ ٧٤٦.
٤ - (سعيد) بن أبي أيوب مِقْلاص الْخُزَاعيّ مولاهم، أبو يحيى المصريّ، ثقة ثبت [٧]. قال أحمد: لا بأس به. وقال ابن معين: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة ثبتًا. وقال ابن
стр. 10487
يونس: كان فقيهًا. وقال ابن وهب: كان فَهِمًا حُلْوًا، فقيل له: كان فقيهًا؟ فقال: نعم واللَّه. وقال الساجيّ: صدوق. ووثقه يحيى بن بكير. وذكره ابن حبان في "الثقات".
مات سنة (١٦١) وقيل: غير ذلك. وكان مولده سنة (١٠٠) روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب عشرة أحاديث.
٥ - (ربيعة بن سيف) بن ماتع -بكسر المثناة- الْمَعَافريّ (١) الصَّنَّمِيّ (٢) الإسكندارانيّ، صدوق له مناكير [٤].
قال البخاريّ: عنده مناكير، وقال أيضًا في "الأوسط": روى أحاديث لا يُتابع عليها. وقال النسائيّ: ليس به بأس، وضعّفه في "المجتبى" هنا. وقال الدارقطنيّ: مصريّ صالح. وقال العجليّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: يُخطىء كثيرًا. وقال ابن يونس: في حديثه مناكير، توفي قريبًا من سنة (١٢٠).
روى له أبو داود، والنسائيّ، حديث الباب، وروى له الترمذيّ آخَرَ من روايته عن عبد اللَّه بن عمرو في الموت يوم الجمعة، وقال: غريب، وليس إسناده بمتصل، ربيعة إنما يروي عن الْحُبُليّ، عن عبد اللَّه بن عمرو، ولا نعرف لربيعة سماعًا من ابن عمرو انتهى.
٦ - (أبوعبد الرحمن الْحُبُليّ" (٣) عبد اللَّه يزيد الْمَعَافريّ المصري، ثقة [٣] ٦٠/ ١٣٠٣.
٧ - (عبد اللَّه بن عمرو) بن العاص ﵄ ٨٩/ ١١١.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وأنه مسلسل بالمصريين، غير شيخه عبيد اللَّه، فنسائيّ، ومحمد، وأبوه مكيان، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَن عَبدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) ﵁، أنه (قَالَ: بَينَمَا نَحْنُ، نَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) وفي رواية أبي داود من طريق المفضّل بن فضالة، عن ربيعة: "قبرنا مع رسول اللَّه ﷺ يعني ميتًا - فلما فرغنا انصرف رسول اللَّه ﷺ ، وانصرفنا معه، فلما حاذى بابه وقف، فإذا نحن بامرأة مُقبلة … الحديث (إِذ بَصُرَ بامرَأَةٍ) بضم الصاد، وكسرها، من بابي
стр. 10488
كَرُم، وفرِحَ، بصَرًا، وبَصَارة، وُيكسَر: صار مبصرًا. قاله في "ق"، وقال في "المصباح": بَصُرتُ بالشيء -بالضمّ، والكسرُ لغةٌ- بَصَرًا -بفتحتين-: علمتُ، فأنا بصير به، يتعدّى بالباء في اللغة الفصحى، وقد يتعدّى بنفسه انتهى (١) (لَا تَظُنُّ أَنَّهُ عَرَفَهَا) أي لا تظنّ تلك المرأة أن النبي ﷺ عرفها. وفي نسخة: "لا نظنّ". وفي أخرى: "لا يُظَنّ"، وعليها فالفعل مبنيّ للمفعول. ولفظ رواية أبي داود المذكورة: "أظنّه عرفها"، والظان على هذا هو عبد اللَّه بن عمرو. واللَّه تعالى أعلم.
(فَلَما تَوَسَّطَ الطَّرِيقَ) وفي رواية أبي داود المذكورة: "فلما حاذى بابه … " ولا تنافي بينهما أيضا، لأن المحاذاة لا تستلزم وصوله إلى الباب، بل كان وقوفه في وسط الطريق المحاذي لبابه، واللَّه تعالى أعلم.
(وَقَفَ، حَتَّى انْتَهَتْ إِلَيْهِ) أي وصلت تلك المرأة إلى النبي ﷺ (فَإِذَا فَاطِمَةُ) "إذا" للمفاجاة، أي ففاجأه كونها فاطمة ﵂ (بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) بدل من "فاطمة" (قَالَ: لَهَا) ﷺ (مَا أَخْرَجَكِ مِنْ بَيْتِكِ، يَا فَاطِمَةُ؟) "ما" استفهامية، أي أيّ شيء جعلك تخرجين من بيتك الذي أمرك اللَّه بأن تَقَرّي فيه، حيث قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ الآية [الأحزاب: ٣٣]، (قَالَتْ: أَتَيْتُ أَهْلَ هَذَا الْمَيَّتِ) أي الذي دفنه هو وأصحابه، كما تقدم في رواية أبي داود، ولفظ "الكبرى": "أهل البيت" بالباء بدل الميم (فَتَرَحَّمْتُ إِلَيْهِمْ) أي دعوت بالرحمة لميتهم، فقلت فيه: رحم اللَّه ميتكم، فأوصلت ذلك إليهم، حتى يفرحوا به (وَعَزَّيتُهُمْ بِمَيِّتِهِمْ) أي قلت لهم: أحسن اللَّه عَزَاءَكُم، يقال: عَزِي يَعْزَى، من باب تَعِبَ: صَبَرَ على ما نابه، وعَزّيته تَعْزية: قلت له: أحسن اللَّه عَزَاءك، أي رَزَقَك الصبر الحسن. قاله في "المصباح" (قَالَ) ﷺ (لَعَلَّكِ بَلَغْتِ، مَعَهُمُ الْكُدَى؟) زاد في رواية ابن حبّان: فسألتُ ربيعة عن الكُدَى؟ فقال: القبور انتهى (٢).
و"الكُدُى" بضمّ الكاف، جمع كُدْية، وهي في الأصل القطعة من الأرض، سميت قبورهم بها، لأنها كانت تحُفر في المواضع الصلبة، خشية السقوط. قال ابن الأثير ﵀: وُيروَى "الكُرَا" بالراء، جمع كُرية، أو كُروة، من كريت الأرض، وكروتها: إذا حفرتها، كالحُفْرَة، من حَفَرْتُ انتهى (٣). والحديث يدلّ على مشروعية التعزية، وعلى جواز خروج النساء لها.
(قَالَتْ: مَعَاذَ اللَّهِ) منصوب على أنه مصدر لفعل مقدّر، أي أعوذ معاذَ اللَّه (أَنْ أَكُونَ بَلَغْتُهَا) في تأويل المصدر مجرور بحرف جرّ محذوف قياسًا، أي من كوني بلغت تلك
стр. 10489
الكُدَى (وَقَدْ سَمِعْتُكَ، تَذْكُرُ فِي ذَلِكَ، مَا تَذْكُرُ) أي من الوعيد، من نحو قوله ﷺ : "لعن اللَّه زَوَّارات القبور" حديث حسن أخرجه الترمذي، وابن ماجه (فَقَالَ لَهَا: لَوْ بَلَغْتِهَا) أي الكدى (مَعَهُمْ) مع أهل هذا الميت (مَا رَأَيْتِ الْجَنَّةَ، حَتَّى يَرَاهَا جَدُّ أَبِيكِ) يعني عبد المطّلب، قال الإمام ابن حبّان -رحمه اللَّه تعالى-: يريد ما رأيت الجنّة العاليةَ التي يدخلها مَن لم يرتكب ما نَهَى رسول اللَّه ﷺ عنه، لأن فاطمة علمت النهي قبل ذلك، والجنةُ هي جنان كثيرة، لا جنة واحدة، والمشرك لا يدخل جنّة من الجنان أصلاً، لا عالية، ولا سافلة، ولا ما بينهما انتهى (١).
وقال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: ظاهر السياق، يفيد أن المراد ما رأيت أبدًا، كما لم يرها فلان، وأن هذه الغاية من قبيل ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]، ومعلوم أن المعصية غيرَ الشرك لا تؤدي إلى ذلك، فإما أن يحمل على التغليظ في حقها، وإما أن يحمل على أنه علم في حقها أنها لو ارتكبت تلك المعصية لأفضت بها إلى معصية تكون مؤدية إلى ما ذُكر انتهى.
وقال السيوطي ﵀: أقول: لا دلالة في هذا على ما توهمه المتوهمون، لأنه لو مشت امرأة مع جنازة إلى المقابر، لم يكن ذلك كفرًا، موجبًا للخلود في النار، كما هو واضح، وغاية ما في ذلك أن يكون من جملة الكبائر التي يُعذّب صاحبها، ثم يكون آخر أمره إلى الجنة، وأهل السنّة يؤولون ما ورد من الحديث في أهل الكبائر، أنهم لا يدخلون الجنة، والمراد لا يدخلونها مع السابقين الذين يدخلونها أوّلاً بغير عذاب، فغاية ما يدلّ عليه الحديث المذكور هو أنها لو بلغت معهم الكُدَى لم تر الجنة مع السابقين،
بل يتقدم ذلك عذاب، أو شدة، أو ما شاء اللَّه، من أنواع المشاقّ، ثم يَؤُول أمرها إلى دخول الجنة قطعًا، ويكون عبد المطلب كذلك لا يرى الجنة مع السابقين، بل يتقدّم ذلك الامتحان وحده، أو مع مشاقّ أخر، ويكون معنى الحديث لم تَرَي الجنةَ حتى يجيء الوقت الذي يراها فيه جدّ أبيك، فترينها حينئذ، فتكون رؤيتك لها متأخّرة عن رؤية غيرك من السابقين لها. هذا مدلو الحديث، لا دلالة له على قواعد أهل السنة غير ذلك، والذي سمعتُهُ من شيخنا شيخ الإسلام شرف الدين المناويّ، وقد سئل عن عبد المطلب، فقال: هو من أهل الفترة الذين لم تبلغهم الدعوة، وحكمهم في المذهب معروف انتهى (٢).
стр. 10490
قال الجامع عفا اللَّه تعالى منه: عندي ما تقدم من تأويل ابن حبان هو الأولى، وحاصله أن الجنة المنفي رؤيتها هي نوع أعلى من أنوع الجنان، بمعنى أنها تحُرَم منها لارتكابها المنهيّ عنه، لا أنها تحرم من أصل الجنة. واللَّه تعالى أعلم.
وأما ما نقله السيوطيّ عن شيخه مما يدلّ على نجاة عبد المطلب، فإنه محل نظر، إذ يحتاج إلى نصّ صحيح صريح في ذلك، فقد صحّ أنه ﷺ استأذن ربه أن يستغفر لأمه فلم يأذن له، حتى بكى، وأبكى من حوله، وهي ماتت قبل عبد المطلب، وقبل مبعثه ﷺ بزمان، وسيترجم المصنّف ﵀ لقصة الاستغفار لها بقوله: "باب زيارة قبر المشرك" في [١٠١/ ٢٠٣٤]، وسيكون لنا عودة إلى إتمام البحث في المسألة هناك، إن شاء اللَّه تعالى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(قال أبو عبدالرحمن) أي المصنف (ربيعة) يعني بن سيف الراوي عن أبي عبد الرحمن الحُبُليّ (ضعيف) وكذا قال البخاريّ عنده مناكير، وقال ابن يونس: في حديثه مناكير، وقال البخاريّ أيضا في "الأوسط": روى أحاديث لا يتابع عليها، وقال ابن حبان: يخطىء كثيرًا.
وقال الذهبيّ في "الميزان": وضعفه عبد الحقّ الأزديّ عند ما روى له حديث: "يا فاطمة أبلغت معهم الكدى … "، فقال: هو ضعيف الحديث، عنده مناكير. وقال ابن حبّان: لا يتابع ربيعة على هذا، في حديثه مناكير، فأما النسائيّ في "كتابه التمييز"، فأورد له هذا، وقال: ليس به بأس انتهى (١).
[تنبيه]: وجه مطابقة هذا الحديث للترجمة، من جهة أن النبي ﷺ لم يذهب إلى دفن الميت المذكور إلا بعد النعي له بموته، وإعلامهم إياه بذلك، ففيه دليل على جواز النعي.
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث عبد اللَّه بن عَمْرٍو ﵁ هذا ضعيف؛ لضعف ربيعة بن سبق.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ٢٧/ ١٨٨٠ - وفي "الكبرى" ٢٧/ ٢٠٠٧ - وأخرجه (د) ٣١٢٣ (أحمد) ٦٥٣٨. (ابن حبّان) ٣١٧٧ (الحاكم) ج١ ص٣٧٣ - ٣٧٤ (البيهقي) ج ٤ ص ٧٧ - ٧٨ - وقال الحاكم: صحيح الإسناد على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وهو غير صحيح، فإن ربيعة ليس من رجالهما، وقد ضعفه الأكثرون، كما تقدم قريبًا. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 10491
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٢٨ - غَسْلُ الْمَيّتِ بِالْمَاءِ وَالسِّدْرِ
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قال المجد اللغويّ -رحمه اللَّه تعالى-: "السِّدْر" -بكسر فسكون-: شجر النبِقِ، الواحدة بهاء، جمعه سِدرَات-بكسر فسكون- وسِدِرَات- بكسرتين- وسِدَرَات -بكسر ففتح- وسِدَر- كذلك- وسُدُرٌ -بضمتين- انتهى بإيضاح (١).
وقال الفيّوميّ -رحمه اللَّه تعالى-: "السِّدْرّة": شجرة النَّبِقِ، والجمع سِدَرٌ -بكسر ففتح- ثم يُجمعُ على سِدَرَات، فهو جمع الجمع، وتجُمَع السدرة أيضًا على سِدْرَات - بالسكون- حملاً على لفظ الواحد، قال ابن السَّرَّاج: وقد يقولون: سِدْرٌ -بكسر فسكون- ويريدون الأقلّ، لقلّة استعمالهم التاء في هذا الباب، وإذا أطلق السِّدْر في الغَسْل فالمراد به الوَرَقُ المطحون، قال الحجّة في التفسير: والسدر نوعان: أحدهما ينبت في الأَرْياف، فيُنتَفَع بوَرَقه في الغَسْل، وثمرته طيّبة، والآخر ينبت في البّرّ، ولا يُنتفع بوَرَقه في الغَسْل، وثمرته عَفِصَةٌ (٢). انتهى (٣).
قال الزين ابن المنيّر -رحمه اللَّه تعالى-: جعلهما معا آلة لغسل الميت، وهو مطابق لحديث الباب، لأن قوله: "بماء وسدر" يتعلّق بقوله: "اغسلنها"، وظاهره أن السدر يُخلَط في كلّ مرّة من مرّات الغسل، وهو مشعر بأن غسل الميت للتنظيف، لا للتطهير، لأن الماء المضاف لا يُتطهّر به انتهى.
قال الجامع: قوله: "لأن الماء المضاف لا يتطهّر به" غير صحيح، لأن حديث الباب ظاهر في كونه مطهّرًا، ولا يُعدل عن هذا الظاهر إلا لدليل صحيح صريح، فالماء المضاف إليه السدر ونحوه من الأشياء الطاهرة مطهّر ما دام اسم الماء ثابتا له، كما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه العلامة ابن القيّم -رحمهما اللَّه تعالى- (٤).
وقال في "الفتح" بعد نقل كلام ابن المنيّر المذكور: وقد يُمنع لزوم كون الماء يصير مضافا بذلك، لاحتمال أن لا يُغَيِّر السدرُ وصف الماء بأن يُمعَك بالسدر، ثم يغسل
стр. 10492
بالماء في كلّ مرة، فإن لفظ الخبر لا يأبى ذلك. انتهى.
قال الجامع: لكن الأول هو الظاهر، فلا داعي إلى أن يعدل عنه، كما علمت. واللَّه أعلم.
وقال القرطبيّ: يُجعل السدر في ماء، ويُخَضخَض (١) إلى أن تخرج رغوته (٢)، ويدلك به جسده، ثم يصب عليه الماء القَرَاح (٣)، فهذه غسلة.
وحكى ابن المنذر أن قوما قالوا: تُطرح ورقات السدر في الماء، أي لئلا يمازج الماء، فيتغير وصفه المطلق. وحكي عن أحمد أنه أنكر ذلك، وقال: يغسل في كلّ مرّة بالماء والسدر.
قال الجامع: هذا الذي حُكِي عن الإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى- هو الحقّ، الذي يجب المصير إليه، وما عداه من التأويلات التي ذكروها، فآراء ساقطة، لا أثارة عليها من الأدلة، واللَّه تعالى أعلم.
قال الحافظ: وأعلى ما ورد في ذلك ما رواه أبو داود من طريق قتادة، عن ابن سيرين أنه كان يأخذ الغُسل، عن أمّ عطيّة، فيغسل بالماء والسدر مرتين، والثالثة بالماء والكافور. قال ابن عبد البرّ. كان يقال. كان ابن سيرين من أعلم التابعين بذلك.
قال الجامع: هذا الذي نُقل عن ابن سيرين هو الذي ينبغي اتباعه، لكونه أعلم التابعين بذلك، لكن الثالثة تكون بالماء والسدر، والكافور، لظاهر النصّ، واللَّه تعالى أعلم.
وقال ابن العربىّ: من قال: الأولى بالماء القَرَاح، والثانية بالماء والسدر، أو العكس، والثالثة بالماء والكافور، فليس هو في لفظ الحديث انتهى. وكان قائله أراد أن تقع إحدى الغسلات بالماء الصرف المطلق، لأنه المطهّر في الحقيقة، وأما المضاف فلا.
قال الجامع: قوله: وأما المضاف فلا غير صحيح، لأن الشارع جعل الماء والسدر مطهّرًا حقيقة، فكيف يقال: إن المضاف لا يطهّر، إن هذا لشيء عجيب!!!.
قال: وتمسّك بظاهر الحديث ابن شعبان، وابن الفرضي، وغيرهما من المالكيّة، فقالوا: غسل الميت إنما هو للتنظيف، فيجزئ بالماء المضاف، كماء الورد، ونحوه، قالوا: وإنما يكره من جهة السرف، والمشهور عند الجمهور أنه غسل تعبّديّ يشترط فيه ما يشترط في بقية الأغسال الواجبة والمندوبة. وقيل: شُرع احتياطًا، لاحتمال أن يكون
стр. 10493
عليه جنابة، وفيه نظر، لأن لازمه أن لا يُشرَع غسل من هو دون البلوغ، وهو خلاف الإجماع. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
١٨٨١ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ أَيُّوبَ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ, أَنَّ أُمَّ عَطِيَّةَ الأَنْصَارِيَّةَ, قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , حِينَ تُوُفِّيَتِ ابْنَتُهُ, فَقَالَ: «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا, أَوْ خَمْسًا, أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكِ, إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكِ, بِمَاءٍ وَسِدْرٍ, وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ, كَافُورًا, أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ, فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي». فَلَمَّا فَرَغْنَا, آذَنَّاهُ, فَأَعْطَانَا حَقْوَهُ, وَقَالَ: «أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ».
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة الحجة الثبت [٧] ٧/ ٧.
٣ - (أيوب) بن أبي تيمة/ كَيسَان السَّخْتِيَاني، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت فقيه [٥] ٤٢/ ٤٨.
٤ - (محمد بن سيرين) أبو بكر ابن أبي عمرة الأنصاريّ مولاهم البصري الإمام الثبت الحجة [٣] ٤٦/ ٥٧.
٥ - (أم عَطيّة الأنصارية) نُسيبة -بالتصغير، ويقال: بفتح النون (٢) -بنت كعب، أو بنت الحارث، صحابية مشهورة، نزلت البصرة ٧/ ٣٦٨. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه فبغلانيّ، ومالك، فمدنيّ، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ) وفي رواية للبخاري، من طريق ابن جُريج، عن أيوب، سمعت ابن سيرين، وقد رواه أيوب أيضًا عن حفصة بنت سيرين، كما سيأتي بعد باب - ٣٠/ ١٨٨٣ - ومدار حديث أم عطيّة على محمد، وحفصة، ابني سيرين، وحفظت منه
стр. 10494
حفصة ما لم يحفظه محمد،، كما سيأتي مبيّنًا.
قال ابن المنذر ﵀: ليس في أحاديث الغسل للميت أعلى من حديث أم عطيّة، وعليه عَوَّلَ الأئمّة انتهى (١).
(أَنَّ أُمَّ عَطِيَةَ الأَنْصَارِيَّةَ) ﵂، وفي رواية ابن جريج: جاءت أم عطية، امرأة من الأنصار اللاتي بايعن رسول اللَّه ﷺ قدمت البصرة، تُبَادر ابنا لها، فلم تُدركه.
قال الحافظ ﵀: وهذا الابن ما عَرفتُ اسمه، وكأنه كان غازيًا، فقدم البصرة، فبلغ أم عطيّة، وهي بالمدينة قُدومه، وهو مريض، فرحلت إليه، فمات قبل أن تلقاه، ودلت بعض الروايات أن قدومها كان بعد موته بيوم، أو يومين انتهى (قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، حِينَ تُوُفِّيَتِ ابنَتُهُ) وفي الروية الآتية -٣٣/ ١٨٨٦ - : "قالت دخل علينا رسول اللَّه ﷺ ، ونحن نغسل ابنته … " قال في "الفتح ": ويجمع بينهما بأن المراد أنه دخل حين شرع النسوة في الغسل، وسيأتي للمصنف -٣٢/ ١٨٨٥ - من طريق هشام بن حسان، عن حفصة أن مجيئهنّ إليها كان بأمره ﷺ ، ولفظه: ماتت إحدى بنات النبي
ﷺ ، فأرسل إلينا، فقال: "اغسلنها … ".
[تنييه]: قوله: "ابنته" قال في "الفتح": لم تقع في شيء من رواية البخاريّ مسماة، والمشهور أنها زينب زوج أبي العاص بن الربيع، والدة أُمَامة التي تقدّم ذكرها في "الصلاة"، وهي أكبر بنات النبي ﷺ ، وكانت وفاتها فيما حكاه الطبريّ في "الذيل" في أول سنة ثمان، وقد وردت مسماة في هذا عند مسلم، من طريق عاصم الأحول، عن حفصة، عن أم عطيّة، قالت: لما ماتت زينب بنت رسول اللَّه ﷺ ، قال رسول اللَّه ﷺ : "اغسلنها … "، فذكر الحديث، قال الحافظ: ولم أرها في شيء من الطرق، عن حفصة، ولا عن محمد مسماة إلا في رواية عاصم هذه، وقد خولف في ذلك، فحكى ابن التين، عن الداوديّ الشارح، أنه جزم بأن البنت المذكورة أم كلثوم، زوج عثمان، ولم يذكر مستنده، وتعقّبه المنذريّ بأن أم كلثوم توفيت، والنبي ﷺ ببدر، فلم يشهدها، وهو غلط منه، فإن التي توفيت حينئذ رُقَيَّة. وعزاه النوويّ، تبعًا لعياض لبعض أهل السير، وهو قصور شديد، فقد أخرجه ابن ماجه، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبد الوهاب الثقفيّ، عن أيوب، ولفظه: "دخل علينا، ونحن نغسل ابنته، أم كلثوم"، وهذا الإسناد على شرط الشيخين، وفيه نظر (٢).
стр. 10495
وكذا وقع في "المبهمات" لابن بشكوال، من طريق الأوزاعيّ، عن محمد بن سيرين، عن أم عطية، قالت: كنت فيمن غسل أم كلثوم … الحديث، وقرأت بخطّ مغلطاي: زعم الترمذيّ أنها أم كلثوم، وفيه نظر. كذا قال، ولم أر في الترمذيّ شيئًا من ذلك.
وقد روى الدُّولابي في "الذرية الطاهرة" من طريق أبي الرجال، عن عمرة، أن أم عطية كانت ممن غسل أم كلثوم، ابنة النبي ﷺ … الحديث.
فيمكن ترجيح ذلك لمجيئه من طرق متعددة، ويمكن الجمع بأن تكون حضرتهما جميعًا، فقد جزم ابن عبد البر ﵀ في ترجمتها بأنها كانت غاسلة الميتات.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: طريقة الجمع أولى من الترجيح، إذ فيه العمل بالحديثين، بخلاف الثاني، فإن فيه إدعاءَ أحدهما. واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: ووقع لي من تسمية النسوة اللاتي حضرن معها يعني أم عطيّة ثلاث غيرها، ففي "الذرّيّة الطاهرة" أيضًا من طريق أسماء بنت عُمَيس أنها كانت ممن غسلها، قالت: ومعنا صفية بنت عبد المطّلب، ولأبي داود من حديث ليلى بنت قَانِف -بقاف، ونون، وفاء- الثقفيّة، قالت: كنت فيمن غسلها، وروى الطبرانيّ من حديث أم سلمة شيئًا يومىء إلى أنها حضرت ذلك أيضًا انتهى (١).
(فَقَالَ: اغْسِلْنَهَا) قال ابن بزيزة: استُدِلّ به على وجوب غسل الميت، وهو مبنيّ على أن قوله فيما بعدُ: "إن رأيتنّ ذلك" هل يرجع إلى الغسل، أو العدد، والثانى أرجح، فثبت الْمُدَّعَى. قال ابن دقيق العيد: لكن قوله: "ثلاثًا" ليس للوجوب على المشهور من مذاهب العلماء، فيتوقّف الاستدلال به على تجويز إرادة المعنيين المختلفين بلفظ واحد، لأن قوله: "ثلاثا" غير مستقلّ بنفسه، فلا بدّ أن يكون داخلا تحت صيغة الأمر، فيراد بلفظ الأمر الوجوب بالنسبة إلى أصل الغسل، والندب بالنسبة إلى الإيتار انتهى. وقواعد الشافعية لا تأبى ذلك، ومن ثمّ ذهب الكوفيون، وأهل الظاهر، والمزنيّ إلى إيجاب الثلاث، وقالوا: إن خرج منه شيء بعد ذلك يغسل موضعه، ولا يعاد غسل الميت، وهو مخالف لظاهر الحديث. وجاء عن الحسن مثله، أخرجه عبد الرزاق، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، قال: يغسل ثلاثًا، فإن خرج منه شيء بعدُ فخمسًا، فإن خرج منه شيء غسل سبعا. قال هشام: وقال الحسن: يغسل ثلاثًا، فإن خرج منه شيء غسل ما خرج، ولم يُزد على ثلاث انتهى.
стр. 10496
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما ذهب إليه الكوفيون، والظاهرية، والمزني من وجوب غسل الثلاث هو الذي يظهر لي، لظاهر حديث الباب، وأما إعادة الغسل فيما إذا خرج منه شيء، فمما لا دليل عليه، بل الظاهر أن يغسل الخارج فقط. واللَّه تعالى أعلم.
(ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا) وفي رواية هشام بن حسان، عن حفصة الآتية: "واغسلنها وترًا، ثلاثًا، أو خمسًا"، و"أو" هنا للترتيب، لا للتخيير، قال النووي ﵀: المراد اغسلنها وترًا، وليكن ثلاثًا، فإن احتجتنّ إلى زيادة، فخمسًا، وحاصله أن الإيتار مطلوب، والثلاث مستحبّة، فإن حصل الإنقاء بها لم يشرع ما فوقها، وإلا زيد وترًا، حتى يحصل الإنقاء، والواجب من ذلك مرة واحدة عامّة للبدن انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه عنه -: قد علمت أن الراجح وجوب الثلاث، فتنبّه.
وقال ابن العربي: في قوله: "أو خمسًا" إشارة إلى أن المشروع هو الإيتار، لأنه نَقَلَهُنّ من الثلاث إلى الخمس، وسكت عن الأربع انتهى.
(أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكِ) بكسر الكاف لأنه خطاب للمؤنّث، إذ القاعدة العربية أن يُجعل أول الكلام لمن يُسأل عنه، وآخره لمن يخاطبه، فيقول: كيف ذلك الرجل يا امرأة، وكيف تلك المرأة يا رجل. قاله ابن الملقّن -رحمه اللَّه تعالى- (١).
وفي رواية أيوب، عن حفصة الآتية: "ثلاثا، أو خمسًا، أو سبعًا".
قال الحافظ: ﵀: ولم أر في شيء من الروايات بعد قوله: "سبعا" التعبير بأكثر من ذلك إلا في رواية لأبي داود (٢)، وأما ما سواها، فإما "أو سبعًا"، وإما "أو أكثر من ذلك"، فيحتمل تفسير قوله: "أو أكثر من ذلك" بالسبع، وبه قال أحمد، فكره الزيادة على السبع. وقال ابن عبد البرّ: لا أعلم أحدًا قال بمجاوزة السبع، وساق من طريق قتادة، أن ابن سيرين كان يأخذ الغسل عن أم عطيّة، ثلاثا، وإلا فخمسًا، وإلا فأكثر، قال: فرأينا أن أكثر من ذلك سبع. وقال الماورديّ: الزيادة على السبع سرف. وقال ابن المنذر: بلغني أن جسد الميت يسترخي بالماء، فلا أحبّ الزيادة على ذلك انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذه الأقوال كلها مخالفة للنصّ الصحيح الصريح في الزيادة على السبع، إن دعت الحاجة إليها، فإن رواية: "ثلاثا، أو خمسًا، أو سبعًا، أو
стр. 10497
أكثر من ذلك" صحيحة، أخرجها البخاريّ برقم [١٢٥٨]، ومسلم برقم [٢١٦٨] والمصنّف كما سيأتي [٣٤/ ١٨٨٨/ و ١٨٨٩]، فلا التفات إلى خلاف من خالفها، فإن السنّة إذا صحّت فهي الحجة برأسها، وإن خالفها الجلّ، إلا لدليل ينسخها، أو يقدّم عليها، وليس هنا شيء من ذلك، فوجب المصير إليها.
وسيأتي للمصنف -رحمه اللَّه تعالى- ترجمة خاصّة بمشروعية الزيادة في الغسل على السبعة [٣٤]، "غسل الميت أكثر من سبعة"، ويستدل بالزيادة المذكورة، فللَّه درّه، ما أحسن استنباطه -رحمه اللَّه تعالى-!!!.
وأما قول الحافظ: لم أر التعبير بقوله: "أكثر من ذلك" بعد قوله: "أو سبعا" الخ، فهو سهو منه، فقد عرفت أن التعبير به ثابت في "الصحيحين". واللَّه تعالى أعلم.
(إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكِ) قال العلامة ابن الملقّن ﵀: وأتى ﷺ بالنون الثقيلة لجماعة النساء من حيث إن الغسل لا يتعاطاه إلا جماعة منهنّ، لكن نظرًا للمصلحة الشرعية قد يكون لواحدة منهنّ، فحسن جمعهنّ في الرواية، وإفراد أم عطيّة في الخطاب.
قال: ومعنى "إن رأيتنّ" أي إن رأيتنّ الزيادة في العدد، وعند الاحتياج، وليس معناه التخيير والتفويض إلى شهوتهنّ، وقيل: معناه إن رأيتنّ الغسل، وما أبعده، وبنى المالكية على ذلك منهم المازريّ الخلاف عندهم في وجوب الغسل، فمن قال بالثاني قال: إن غسله سنة، ومن قال بالأول قال: إنه واجب، وهذا مبنيّ على الخلاف في أن التقييد، والاستثناء، والشرط إذا تعقب جمُلاً، هل يعود إلى جميعها، إلا ما أخرجه الدليل، أو إلى أقربها.
وتعجّب بعضهم من النوويّ في نقله الإجماع على أن غسل الميت فرض كفاية، فإن الخلاف فيه عندهم، حكاه المازريّ وغيره، وقال القرطبيّ: الأولى أنه سنّة.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: كونه فرضا هو الحقّ، كما هو قول الجمهور، لأمر النبي ﷺ بذلك، وهو للوجوب عند عدم الصارف، كما هنا. واللَّه تعالى أعلم.
قال: وليس عند مالك، وبعض أصحابه في غسل الميت تحديد بعدد معيّن، ولكن يُنقّى الميت، ولا يقتصر مع ذلك على ما دون الثلاث، فإن احتيج إلى الزيادة استحبّ الوتر، وليس لذلك عنده حدّ.
قال القاضي عياض: وإلى هذا يرجع قول الشافعيّ وغيره من العلماء، وكذا إذا احتاج الغاسل إلى أكثر من ذلك، لقوله: "إن رأيتنّ ذلك"، ونحا أحمد، وإسحاق إلى أن لا يزاد على سبع، والرواية التي أسلفناها تردّ ذلك انتهى كلام ابن الملقّن
стр. 10498
-رحمه اللَّه تعالى- (١).
قال الجامع - عفا اللَّه عنه -: الحاصل أن القول بالزيادة على السبع إذا احتيج إليه هو الصواب، لما تقدم من رواية الشخين وغيرهما "أو سبعًا، أو أكثر من ذلك". واللَّه تعالى أعلم.
وقال ابن المنذر: إنما فوّض الرأي إليه بالشرط المذكور، وهو الإيتار. وحكى ابن التين عن بعضهم، قال: يحتمل قوله: "إن رأيتنّ" أن يرجع إلى الأعداد المذكورة، ويحتمل أن يكون معناه إن رأيتنّ أن تفعلن ذلك، وإلا فالإنقاء يكفي انتهى (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه عنه -: قد عرفت الردّ على هذا القول فيما تقدّم، فلا تغفل، وباللَّه تعالى التوفيق.
(بمَاءٍ وَسدْرٍ) قال ابن العربيّ -رحمه اللَّه تعالى-: هذا أصل في جواز التطهّر بالماء المضاف إذا لم يُسلب الماء الإطلاق انتهى. قال الحافظ ﵀: وهو مبنيّ على أن الصحيح أن غسل الميت للتطهير، كما تقدّم انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله العلامة ابن العربي -رحمه اللَّه تعالى- هو الحقّ الذي يدلّ عليه حديث الباب وغيره، وقد تقدّم الردّ على الأقوال المخالفة له، فلا تغفل، وباللَّه تعالى التوفيق.
(وَاجْعَلنَ فِي الآخِرَةِ، كَافُورًا) قال المجد ﵀ عند تعداد معاني الكافور: ما نصّه: وطيب معروف، يكون في شجر بجبال بحر الهند والصين، يُظِلُّ خلقا كثيرًا، وتَألَفُهُ النُّمُورة، وخشبه أبيض هَشٌّ، ويوجد في أجوافه الكافور، وهو أنواع انتهى (٣) (أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ) هو شكّ من الراوي، أيَّ اللفظين قال، والأول محمول على الثاني، لأنه
نكرة في سياق الإثبات، فيصدق بكلّ شيء منه.
وظاهره جعل الكافور في الماء، وبه قال الجمهور. وقال النخعيّ، والكوفيّون: إنما يجعل في الحنوط، أي بعد إنهاء الغسل والتجفيف. قاله في "الفتح".
وعبارة ابن الملقّن: انفرد أبو حنيفة، فقال: لا يستحبّ استعمال الكافور (٤)، وخالفه الثلاثة والجمهور، وهذا الحديث حجة عليه. وروي عن النخعيّ: إنما ذلك في الحنوط، لا في الغسل، وعزاه القرطبيّ إلى الأوزاعيّ، ويمكن أن يتأول من قال هذا "في الأخيرة"، أي بعد تمامها، والظاهر بخلافه انتهى (٥).
стр. 10499
قال الجامع: هذه الأقوال كلها يردها ظاهر الحديث، كما أشار إليه ابن الملقّن، فالصواب مشروعية استعمال الكافور فى المرة الأخيرة من الغسلات. واللَّه تعالى أعلم.
قيل: الحكمة في الكافور مع كونه يَطيّب رائحة الموضع لأجل من يحضر من الملائكة وغيرهم، أن فيه تجفيفًا، وتبريدًا، وقوّة نفوذ، وخاصيّةً في تصليب بدن الميت، وطرد الهوامّ عنه، وردع ما يتحلل من الفضلات، ومنع إسراع الفساد إليه، وهو أقوى الأراييح الطيّبة في ذلك، وهذا هو السرّ في جعله في الأخيرة، إذ لو كان في الأولى مثلا لأذهبه الماء.
وهل يقوم المسك مثلاً مقام الكافور؟ إن نظر إلى مجرّد التطييب، فنعم، وإلا فلا، وقد يقال: إذا عُدم الكافور قام غيره مقامه، ولو بخاصيّة واحدة مثلا. قاله في "الفتح" (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحقّ أن غير الكافور لا يقوم مقامه، عند وجوده، بل يجب استعماله، لأمر النبى ﷺ بذلك، حيث قال: "واجعلن فى الآخرة كافورًا". واللَّه تعالى أعلم.
(فَإِذَا فَرَغْتُنَّ) أي من غسلها على الكيفية المذكورة (فَآذِنَّنِي) أي أعلمنني، وهو بمد الهمزة، وتشديد النون الأولى من الإيذان، وهو الإعلام، قال السنديّ: ويحتمل أن يُجعل من التأذين، والمشهور الأول انتهى (فَلَمَّا فَرَغْنَا، آذَنَّاهُ) أي أعلمناه بفراغنا من الغسل المذكور (فَأعْطَانَا حَقْوَهُ) بفتح المهملة، -ويجوز كسرها، وهي لغةُ هُذيل- بعدها قاف ساكنة، والمراد به هنا الإزار، كما وقع مفسّرًا في آخر هذه الرواية عند البخاريّ، والحقو في الأصل مَعْقِد الإزار، وأطلق على الإزار مجازا.
وقال ابن الملقّن ﵀: الحقو بالكسر، وفتحها لغتان، والمعروف من كلام العرب الثاني، وقالته هذيل بالأول، كما أفاده القرطبيّ، وهو الإزار، والأصل فيه الخصر (٢) معقد الإزار، وسمي الإزار مجازًا، لملازمته إياه، وهو من باب تسمية الشىء بما يلازمه، كما قالوا للمَزَادة راوية، والراوية اسم للجمل الحامل لها. انتهى (٣).
стр. 10500
وقال في "المصباح": الْحَقوُ موضع شَدّ الإزار، وهو الخاصرة، ثم توسّعوا حتى سَمَّوُا الإزار الذي يُشدّ على العورة حَقْوًا، والجمع أَحْقٍ، وحُقِيٍّ، مثل فلس وفُلُوس، وقد يُجمع على حِقَاءٍ، مثل سَهْم وسِهَام انتهى.
ووقع عند البخاريّ من رواية ابن عون، عن محمد بن سيرين بلفظ: "فنزع من حقوه إزاره"، والحقو في هذا على حقيقته. قاله في "الفتح".
(وَقَال: أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ) أي اجعلنه شِعارَها، أي الثوب الذي يلي جسدها، وسيأتي للمصنف ﵀ باب مفرد للإشعار.
قيل: الحكمة في تأخير الإزار معه إلى أن يفرغن من الغسل، ولم يناولهنّ إياه أوّلاً، ليكون قريب العهد من جسده الكريم ﷺ ، حتى لا يكون بين انتقاله من جسده إلى جسدها فاصل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أم عطيّة ﵂ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١٨/ ١٨٨١ و ١٨٨٣ و ١٨٨٤ و ١٨٨٥ و ١٨٨٧ و ١٨٨٨ و ١٨٨٩ و١٨٩٠ و ١٨٩١ و ١٨٩٢ و ١٨٩٣ و ١٨٩٤ - وفي "الكبرى" ٢٠٠٨ و ٢٠١٠ و ٢٠١١. و ٢٠١٢ و ٢٠١٣ و ٢٠١٤ و٢٠١٥ و ٢٠١٦ و ٢٠١٧ و ٢٠١٨ و ٢٠٢٠ و ٢٠٢١.
وأخرجه (خ) ١٦٧ و ١٢٥٣ و ١٢٥٤ و ١٢٥٧ و ١٢٥٩ و ١٢٦١ (م) ٢١٦٥ و ٢١٦٦ و ٢١٦٧ و ٢١٦٨ و ٢١٦٩ و ٢١٧٠ و ٢١٧١ و ٢١٧٢ و ٢١٧٣. (د) ٣١٤٢ (ت) ٩٩٠ (ق) ١٤٥٥ (مالك في الموطإ) ٥١٨ (أحمد) ٢٠٢٦٦ و ٢٦٧٥٢. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما بوب له المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو مشروعية غسل الميت، وكون الغسل بالماء والسدر. ومنها: استعمال الكافور في الغسلة الأخيرة. ومنها: ما كان عليه النبي ﷺ من تعليم أمور الدين لأمته رجالا ونساءً. ومنها: أنه ينبغي للعالم إذا علّم أمرا يتعلّق بالمأمورية، لا يمكن الائتمار به إلا بالفعل على سورة أن يقيّد الأمر، والتعليم بغاية، لتوضع موضعه. ومنها: أنه ينبغي للمأمور التقيّد بالأمر فورًا وغايةً. (١) ومنها: أن على العالم أن يبتدىء بتعليم العلم إذا علم أن العامل يجهل ذلك العلم، أو يقصّر في
стр. 10501
العمل به. ومنها: مشروعية الإيتار في غسل الميت على حسب الحاجة، كما سبق.
ومنها: تفويض الحاجة في ذلك إلى العامل على حسب المصلحة الشرعية، من غير إسراف. ومنها: التبرّك بآثار رسول اللَّه ﷺ . ومنها: جواز تكفين المرأة في ثوب الرجل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في وجوب غسل من غسل ميتًا:
(اعلم): أنه استدلّ بعض أهل العلم بهذا الحديث على أنه لا يجب الغُسل على من غَسَلَ الميت، من حيث إنه موضع تعليم، فلو وجب لذكره النبي ﷺ ، قال العلامة ابن الملَقِّن ﵀: وعدم الوجوب هو الصحيح، من مذهب الشافعي، ورواية المدنيين عن مالك، وهو قول أبي حنيفة، وأحمد، والجمهور، لكن قال الخطابي: لا أعلم أحدًا قال بوجوبه (١). وأوجب أحمد، وإسحاق الوضوء منه، والجمهور على استحبابه.
والحديث المرويّ فيه من طريق أبي هريرة ﵁: "من غسل ميتا فليغتسل، ومن مسّه فليتوضأ". ضعيف بالاتفاق، كذا قال النووي في "شرح مسلم"، وتبعه بعض شراح هذا الكتاب يعني "عمدة الأحكام" وليس بجيد، فقد حسّنه الترمذيّ، وصححه ابن حبّان، وابن السكن. وقال البخاريّ: الأشبه وقفه على أبي هريرة.
ويحمل على الاستحباب بدليل حديث ابن عباس ﵄، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ليس عليكم في غسل ميتكم غسل، إذا غسلتموه، فإن ميتكم ليس بنجس". رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: صحيح على شرط البخاريّ، ثم قال: وفيه ردّ لحديث أبي هريرة الذي أسلفناه، وليس كما قال، بل يُعمل بهما، فيستحبّ الغسل، فإذا قلنا بالوجوب، فقيل: تعبّد، وقيل: محمول على نجاسة بدن الآدمي بالموت، وهو قول بعضهم. وقيل: المعنى فيه حرمة الميت، حكاه الماورديّ. انتهى كلام ابن الملقّن -رحمه اللَّه تعالى- (٢).
وقال البغويّ -رحمه اللَّه تعالى- في "شرح السنة":
واختلف أهل العلم في الغسل من غسل الميت، فذهب بعضهم إلى وجوبه، وذهب أكثرهم إلى أنه غير واجب، قال ابن عمر، وابن عباس ﵄: ليس على غاسل الميت غسل. وروي عن عبد اللَّه بن أبي بكر، عن أسماء بنت عُميس امرأة أبي بكر أنها غسلت أبا بكر حين توفي، فسألت من حضرها من المهاجرين، فقالت: إني صائمة، وهذا يوم
стр. 10502
شديد البرد، فهل عليّ من غسل؟ فقالوا: لا (١).
وقال مالك، والشافعيّ: يستحب له الغسل، ولا يجب. وقال النخعي، وأحمد، وإسحاق: يتوضأ غاسل الميت. وقال أحمد: لا يثبت في الاغتسال من غسل الميت حديث. وقال ابن المبارك: لا يغتسل، ولا يتوضأ انتهى كلام البغوي ﵀ تعالى (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث: "من غسل ميتا فليغتسل … " قال الحافظ في الفتح": رواه أبو داود، من طريق عمرو بن عمير، ورواته ثقات، إلا عمرو بن عمير، فليس بمعروف، وروى الترمذيّ، وابن حبّان، من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة نحوه، وهو معلول، لأن أبا صالح لم يسمعه من أبي هريرة ﵁. وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: الصواب عن أبي هريرة موقوف. وقال أبو داود بعد تخريجه: هذا منسوخ، ولم يبين ناسخه. وقال الذهليّ فيما حكاه الحاكم في "تاريخه": ليس فيمن غسل ميتًا حديث ثابت انتهى (٣).
وقد استوفى الكلام عليه الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- في "التلخيص الحبير"، ودونك عبارته: قال ﵀: حديث: "من غسل ميتا فليغتسل" رواه أحمد، والبيهقيّ، من رواية ابن أبي ذئب، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة بهذا، وزاد: "ومن حمله فليتوضأ". وصالح ضعيف. ورواه البزار، من رواية العلاء، عن أبيه، ومن رواية محمد ابن عبد الرحمن بن ثوبان، ومن رواية أبي بحر البكراويّ، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، كلهم عن أبي هريرة. ورواه الترمذيّ، وابن ماجه، من حديث عبد العزيز ابن المختار، وابن حبان من رواية حماد بن سلمة، كلاهما عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁. ورواه أبو داود، من رواية عمرو بن عُمير، وأحمد من رواية شيخ، يقال له: أبو إسحاق، كلاهما عن أبي هريرة ﵁. وذكر البيهقيّ له طرقا، وضعّفها، ثم قال: والصحيح أنه موقوف. وقال البخاري: الأشبه موقوف. وقال عليّ، وأحمد: لا يصحّ في الباب شيء، نقله الترمذيّ عن البخاريّ، عنهما. وعلّق الشافعيّ القول به على صحّة الخبر، وهذا في "البويطيّ". وقال الذهليّ: لا أعلم فيه حديثا ثابتًا، ولو ثبت للزمنا استعماله. وقال ابن المنذر: ليس في الباب حديث
стр. 10503
يثبت. وقال ابن أبي حاتم في "العلل" عن أبيه: لا يرفعه الثقات، إنما هو موقوف.
وذكر الدارقطني الخلاف في حديث ابن أبي ذئب، هل هو عن صالح، أو عن المقبري، أو عن سهيل، عن أبيه، أو عن القاسم بن عباس، عن عمرو بن عمير، ثم قال: وقوله: عن المقبريّ أصحّ. وقال الرافعي: لم يصحح علماء الحديث في هذا الباب شيئًا مرفوعًا. قلت: قد حسنه الترمذيّ، وصححه ابن حبان.
وله طريق أخرى، قال عبد اللَّه بن صالح: ثنا يحيى بن أيوب، عن عُقيل، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، رفعه: "من غسل ميتا، فليغتسل". ذكره الدارقطنيّ، وقال: فيه نظر. قلت: رواته موثقون. وقال ابن دقيق العيد في "الإمام": حاصل ما يُعلُّ به وجهان: أحدهما من جهة الرجال، ولا يخلو إسناد منها من متكلّم فيه، ثم ذكر ما معناه أن أحسنها رواية سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، وهي معلولة، وإن صححها ابن حبّان، وابن حزم، فقد رواها سفيان، عن سهيل، عن أبيه، عن إسحاق مولى زائدة، عن أبي هريرة. قلت: إسحاق مولى زائدة أخرج له مسلم، فينبغي أن يصحح الحديث. قال: وأما رواية محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فإسناد حسن، إلا أن الحفّاظ من أصحاب محمد بن عمرو رووه عنه موقوفًا.
وفي الجملة هو بكثرة طرقه أسوأ أحواله أن يكون حسنا، فإنكار النووي على الترمذيّ تحسينه معترض. وقد قال الذهبيّ في "مختصر البيهقي": طرق هذا الحديث أقوى من عدة أحاديث، احتجّ بها الفقهاء، ولم يُعلّوها بالوقف، بل قدّموا رواية الرفع. واللَّه أعلم.
وفي الباب عن عائشة، رواه أحمد، وأبو داود، والبيهقيّ، وفي إسناده مصعب بن شيبة، وفيه مقال، وضعفه أبو زرعة، وأحمد، والبخاري، وصححه ابن خزيمة. وفيه عن عليّ، وسيأتي في "الجنائز" (١)، وعن حذيفة ذكره ابن أبي حاتم، والدارقطنيّ في "العلل"، وقالا: لا يثبت. قلت: ونفيهما الثبوت على طريقة المحدثين، وإلا فهو على طريقة الفقهاء قويّ، لأن رواته ثقات، أخرجه البيهقيّ، من طريق معمر، عن أبي إسحاق، عن أبيه، عن حذيفة، وأعلّه بأن أبا بكر بن إسحاق الصبغيّ، قال: هو ساقط، قال: وقال علي بن المدينيّ: لا يثبت فيه حديث انتهى. وهذا التعليل ليس بقادح، لما قدمناه. وعن أبي سعيد، رواه ابن وهب في "جامعه"، وعن المغيرة، رواه أحمد في "مسنده".
стр. 10504
وذكر الماورديّ أن بعض أصحاب الحديث خرّج لهذا الحديث مائة وعشرين طريقًا.
قال الحافظ: وليس ذلك ببعيد. وقد أجاب أحمد عنه بأنه منسوخ، وكذا جزم بذلك أبو داود، ويدلّ له ما رواه البيهقيّ عن الحاكم، عن أبي عليّ الحافظ، عن أبي العباس الهمدانيّ الحافظ، ثنا أبو شيبة، ثنا خالد بن مخلد، عن سليمان بن بلال، عن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ليس عليكم في غَسل ميتكم غُسْل، إذا غسلتموه، إن ميتكم يموت طاهرًا، وليس بنجس، فحسبكم أن تغسلوا أيديكم". قال البيهقيّ: هذا ضعيف، والحمل فيه على أبي شيبة.
قال الحافظ: أبو شيبة هو إبراهيم بن أبي بكر بن أبي شيبة، احتجّ به النسائيّ، ووثقه الناس، ومَن فوقه احتجّ بهم البخاريّ، وأبو العباس، هو ابن عقدة حافظ كبير، إنما تكلّموا فيه بسبب المذهب، ولأمور أخرى، ولم يضعفه بسبب المتون أصلاً، فالإسناد حسن، فيجمع بينه وبين الأمر في حديث أبي هريرة بأن الأمر على الندب، أو المراد بالغسل غسل الأيدي، كما صرّح به في هذا.
قلت (١): ويؤيد أن الأمر فيه للندب ما رواه الخطيب في ترجمة محمد بن عبد اللَّه المخرِّميّ من طريق عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل، قال: قال لي أبي: كتبتَ حديث عبيد اللَّه، عن نافع، عن ابن عمر: "كنا نغسل الميت، فمنا من يغتسل، ومنا من لا يغتسل"؟. قال: قلت: لا، قال: في ذلك الجانب شابّ، يقال له: محمد بن عبد اللَّه، يحدّث به، عن أبي هشام المخزوميّ، عن وهيب، فاكتبه عنه.
قلت: وهذا إسناد صحيح، وهو أحسن ما جمع به بين مختلف هذه الأحاديث، واللَّه أعلم انتهى كلام الحافظ في التلخيص" (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لقد أجاد الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- في تحقيق الكلام على هذا الحديث، وأفاد، وخلاصته أن حديث أبي هريرة ﵁، مرفوعًا: "من غسل ميتا، فليغتسل .... " حسنه الترمذيّ، وصححه ابن حبّان، وابن القطان، واحتجّ به ابن حزم، فالراجح أنه صحيح، لكنه محمول على الاستحباب لحديث ابن عباس ﵄، مرفوعًا: "ليس عليكم في غسل ميتكم غسل … " الحديث، وأثر ابن عمر ﵄: "كنا نغسل الميت، فمنا من يغتسل … " الحديث، وكلاهما ثابتان، فالعمل بكلها متعيّن.
والحاصل أن المذهب الصحيح هو القول باستحباب الغسل من غسل الميت، والوضوء من حمله عملا بكلّ الأحاديث. ثم إن الراجح أن الأمر فيه تعبّديّ، والقول
стр. 10505
بكون الميت نجسا باطل، لما تقدّم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة: في اختلاف أهل العلم في غسل أحد الزوجين للآخر إذا مات: (اعلم): أنه استدلَ بعض أهل العلم بحديث الباب على أن النساء أحقّ بغسل الميتة من زوجها، وأنه لا يغسلها، إلا عند عدمهنّ، وهو مذهب الحسن، قال ابن الملقّن ﵀: وقد يمنع من ذلك حتى يتحقق أن زوج زينب كان حاضرًا إذ ذاك، لا مانع له من غسلها، وأنه لم يفوّض الأمر إلى النسوة، وجمهور العلماء على خلافه، وأنه أحقّ، وذهب الشعبيّ، والثوريّ، وأبو حنيفة إلى أنه لا يغسلها جملة. وقال سحنون: الأولياء أحق. واختلف الشافعيّة في أن النساء أحقّ بغسل الميتة من زوجها على وجهين، أصحهما نعم، لأنهنّ أليق. وأجمعَ العلماء على أن لها غسل زوجها، وإن كان فيه رواية عن أحمد، والأصحّ أنها تغسله أبدًا. انتهى.
وقال الإمام أبو بكر ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: أجمع أهل العلم على أن للمرأة أن تغسل زوجها إذا مات، وقد روينا عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه أوصى أن تغسله أسماء بنت عميس زوجته، قال: وذلك بحضرة المهاجرين والأنصار، لم ينكر ذلك منهم منكر، وإن أبا موسى غسلته امرأته.
قال: واختلفوا في الرجل يغسل زوجته، فقالت طائفة: يغسلها، هكذا قال علقمة، وجابر بن زيد، وعبد الرحمن بن الأسود، وسليمان بن يسار، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وقتادة، وحماد بن أبي سليمان، ومالك، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأحمد بن حنبل، وإسحاق. وكرهت طائفة ذلك، كرهه الشعبيّ، وقال الثوريّ، وأصحاب الرأي: لا يغسلها.
قال ابن المنذر: وبالقول الأول أقول، ولا فرق بين غسل الرجل زوجته، وبين غسلها إياه، وليس فيما يحلّ لكلّ واحد بينهما، ويحرم من صاحبه في حياته، وبعد مماته فرق، فإن قال قائل: إن أبا بكر غسلته أسماء؟ قيل له: وغسل عليّ فاطمة، وليست العلة التي اعتلّ بها ناس، من باب غسل الموتى بسبيل، لأنه يطلقها ثلاثًا، فتكون في عدة منه، وتموت، فلا تغسله عند من خالفنا، فبطل لما كان هذا مذهب من خالفنا أن يكون لقوله: هي فى عدة منه، وليس هو في عدة منها معنى، واللَّه أعلم انتهى كلام ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى- (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله الإمام ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-، من ترجيح القول بأن لكل واحد من الزوجين غسلَ الآخر هو الحقّ، لما ذكره، واللَّه تعالى