يكفّن الرجل من أهله في ثلاثة أثواب، ليس فيهنّ عمامة. وممن رأى أن الميت يكفّن في ثلاثة أثواب: مالك، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وقد روينا عن سُويد بن غفلة، قال: كفّن أبو بكر في معقدين.
قال: والذي رويناه عن عائشة أنه قال: "اغسلوا ثوبي هذا، واجعلوا معه ثوبين". أصح. وقال الأوزاعيّ: يجزئ ثوبان. وقال مالك: يكفي في ثوبين، إذا لم يوجد غيرهما. وكان ابن عمر يكفّن أهله في خمسة أثواب، عمامة، وقميص، وثلاث لفائف. وقال النعمان: يكفّن الرجل في ثوبين.
قال ابن المنذر ﵀: أحبّ الأكفان إليّ ما قدر اللَّه جَلَّ ذكرُهُ لنبيه ﷺ أن كفّن فيه، ثلاثة أثواب بيض، يُدْرج فيها الميت إدراجًا، لا يكون فيما يكفّن فيه الميت قميص، ولا عمامة، فإن كفّن الميتُ في ثوب، أو في ثوبين لم أكره ذلك انتهى كلام ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى- باختصار (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله ابن المنذر ﵀ حسنٌ جدًّا. واللَّه تعالى أعلم. وقال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: السنّة للرجل في الكفن ثلاثة أثواب، وبه قال مالك، والشافعيّ، وأحمد، وأبو حنيفة، والجمهور.
قال الإمام الترمذيّ -رحمه اللَّه تعالى-: روي في كفن النبي ﷺ روايات مختلفة، وحديث عائشة أصحّ الروايات التي رويت في كفن النبي ﷺ ، والعمل على حديث عائشة ﵂، عند أكثر أهل العلم، من أصحاب النبي ﷺ ، وغيرهم انتهى (٢).
وقال البيهقي في "الخلافيات": قال أبو عبد اللَّه -يعني الحاكم-: تواترت الأخبار عن علي بن أبي طالب، وابن عباس، وعائشة، وابن عمر، وعبد اللَّه بن مغفل في تكفين النبي ﷺ في ثلاثة أثواب، بيض، ليس فيها قميص، ولا عمامة.
وروى ابن أبي شيبة في "مصنّفه" التكفين في ثلاثة أثواب، عن أبي بكر، وعمر، وأبي هريرة، وعبد اللَّه بن عمرو، وإبراهيم النخعيّ، وعن ابن عباس، أنه قال: ثوب، أو ثلاثة، أو خمسة. وعن حذيفة أنه قال: كفنوني في ثوبيّ هذين. وعن ابن عمر أنه كفّن ابنه واقدًا في خمسة أثواب: قميص، وعمامة، وثلاث لفائف. وعن سُوَيد بن غَفَلَةَ: قال: الرجل والمرأة يكفنان في ثوبين، وكُفِّن أبو بكر في ثوبين. وعن غنيم بن قيس: كنا نكفّن في الثوبين، والثلاثة، والأربعة. وعن هشام بن عوف: أن غير واحد من أصحاب رسول ﷺ كُفّن في ثوب واحد. وعن الحسن البصريّ: أن عثمان بن أبي
стр. 10537
العاص كُفّن في خمسة أثواب. (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد قدّمت أن الأرجح ما قاله ابن المنذر ﵀ تعالى، وحاصله أن الأفضل ما اختار اللَّه تعالى لنبيه ﷺ ، وهو التكفين في ثلاثة أثواب، بيضٍ، هذا إذا تيسّر، وإلا فما وُجد فهو الكفن، كما يأتي في قصة مُصعب بن عُمير ﵁. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة السادسة: في اختلاف أهل العلم في عدد كفن المرأة:
قال الإمام ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: اختلفوا في عدد كفن المرأة، فقال كثيرون: تكفن المرأة في خمسة أثواب، كذلك قال النخعيّ، والشعبيّ، ومحمد بن سيرين، وبه قال الأوزاعيّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. قال: وكذلك نقول، يكون درع، وخمار، ولفافتان، وثوب لطيف، يشدّ على وسطها، يَجمع ثيابها.
وكان عطاء يقول: تكفّن في ثلاثة أثواب: درع، وثوب تحت الدرع تلف به، وثوب تلف فيه. وقال سليمان بن موسى: درع، وخمار، ولفافة تُدرَج فيها. انتهى (٢).
وقال الحافظ ولي الدين ﵀: قال الفقهاء من الشافعية، والحنفية، والحنابلة، وغيرهم: يستحب تكفين المرأة في خمسة أثواب، ففرّقوا بينها وبين الرجال، لأنها تزيد في حياتها على الرجال في الستر، لزيادة عورتها، فكذلك بعد الموت. وفي "سنن أبي داود" ما يدلّ على ذلك في تكفين أم كلثوم بنت النبي ﷺ (٣)، لكن قال الشافعيّة: ليست الخمسة في حقّ المرأة كالثلاثة في حقّ الرجل حتى نقول يخيّر الورثة، كما يخيّرون
стр. 10538
على الثلاثة. وقال المالكية: الزيادة على الثلاثة إلى الخمسة مستحبّة للرجال والنساء، وهي في حقّهنّ آكد.
وقال أحمد بن حنبل في الجارية إذا لم تبلغ: تكفّن في لفافتين، وقميص، لا خمار فيه، وظاهر هذا أنها لا تصير كالمرأة في الكفن إلا بعد البلوغ، ورَوَى عنه أكثر أصحابه أنها إذا كانت بنت تسع سنين يُصنع بها ما يصنع بالمرأة.
واختلف العلماء في الأثواب الخمسة التي تكفّن بها المرأة، فحُكي عن الشافعي في الجديد أنها إزار, وخمار، وثلاث لفائف، وعن القديم: إزار، وخمار، وقميص، ولفافتان. وذكر الرافعيّ أن هذه المسألة مما يُفتى فيه على القديم، وأنه الأظهر عند الأكثرين. وحكى النوويّ عن الشيخ أبي حامد، والمحامليّ أن المعروف للشافعي في عامة كتبه أن يكون قميص، وأن القول الآخر لا يُعرف إلا عن المزنيّ، قال: فعلى هذا لا يكون إثبات القميص مختصّا بالقديم، وهذا مذهب مالك، وحكاه ابن قُدامة الحنبليّ عن أكثر أصحابه، وغيرهم، وصححه، ورواه ابن أبي شيبة عن الحسن البصريّ، وقال الخِرَقيّ منهم: قميص، وإزار، ومقنعة، ولفافة، وخامسة يُشدّ بها فخذاها، فجعل بدل اللفافة الأخرى خرقة تشد بها فخذاها، وأشار إليه أحمد، وكذا قال الحنفية: إن الأثواب الخمسة قميص، وإزار، وخمار، ولفافة، لكنهم قالوا في الخامسة خرقة تُربط فوق ثدييها، وهو غير هذه الرواية التي عند الحنابلة أن الخامسة خرقة تشدّ بها فخذاها، إلا أنه قريب منه.
وروى ابن أبي شيبة عن الشعبيّ: تكفّن المرأة في درع، وخمار، ولفافة، ومِنطقة، وخرقة، تكون على بطنها. وعن إبراهيم النخعيّ مثله، إلا أنه قال: والخرقة التي تشد عليها، وفي رواية عنه بدل المنطقة الإزار، وهو بمعناه. وعن ابن سيرين قال: تكفن المرأة في خمسة أثواب، في الدرع، والخمار، والرداء، والإزار، والخرقة. وعن ابن سيرين أيضًا توضع الخرقة على بطنها، ويُعصب بها فخذاها، وعنه أيضًا يُلفّ بها الفخذان تحت الدرع. وعن إبراهيم النخعيّ: تشد الخرقة فوق الثياب (١).
وذكر ابن المنذر في تفسير الأثواب الخمسة أنها درع، وخمار، ولفافتان، وثوب لطيف يُشدّ على وسطها، يجمع ثيابها. انتهى (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما ذهب إليه الجمهور، من استحباب كون كفن المرأة خمسة أثواب، هو الراجح، تؤيّده الزيادة التي في حديث أم عطية ﵂، فيما
стр. 10539
راه الجوزقيّ من طريق إبراهيم بن حبيب بن الشهيد، عن هشام بن حسان، عن حفصة، عن أم عطية، أنها قالت: "وكفنّاها في خمسة أثواب، وخمرناها كما نخمّر الحيّ". قال الحافظ في "الفتح": وهذه الزيادة صحيحة الإسناد انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة السابعة: في اختلاف أهل العلم في كفن الصبيّ:
قال الإمام ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: واختلفوا في عدد كفن الصبيّ، فكان سعيد ابن المسيب يقول: يكفن في ثوب. وقال أحمد: في خرقة، وإن كفنوه في ثلاثة، فلا بأس، وكذلك قال إسحاق. وقال أصحاب الرأي: يكفن في خرقتين، ويجزي إزار واحد. وقال الثوريّ: يجزيه ثوب واحد. وروي عن الحسن أنه قال: يكفّن في ثوبين.
قال ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: يكفن في ثلاثة أثواب، أو خرق على قدر الكفاية، ويجزي ثوب انتهى (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي الأرجح ما قاله ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-، فالصبيّ في الكفن كالكبير، إذ ليس لنا دليل يخص الصبيّ بعدد من الكفن، مخالفٍ للكبير. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٨٩٨ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَائِشَةَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ, بِيضٍ, سُحُولِيَّةٍ, لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ, وَلَا عِمَامَةٌ".
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقة الثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة الثبت الحجة [٧] ٧/ ٧.
٣ - (هشام بن عروة) بن الزبير المدنيّ الفقيه الثبت [٥] ٤٩/ ٦١.
والباقيان تقدما في الذي قبله، والحديث متَّفق عليه، وقد مضى شرحه، وما يتعلق به من المسائل، وباللَّه تعالى التوفيق.
وقولها: "ليس فيها قميص، ولا عمامة": فيه دليل على أن القميص الذي غُسل فيه النبي ﷺ نُزع عنه عند تكفينه. قال النوويّ في "شرح مسلم": وهذا هو الصواب الذي
стр. 10540
لا يتجه غيره، لأنه لو أبقي مع رطوبته لأفسد الأكفان، قال: وأما الحديث الذي في "سنن أبي داود" عن ابن عباس ﵄: "أن النبي ﷺ كُفِّن في ثلاثة أثواب: الحلة ثوبان، وقميصه الذي توفي فيه". فحديث ضعيف، لا يصحّ الاحتجاج به، لأن يزيد بن أبي زياد أحد رواته مجمع على ضعفه، لا سيما، وقد خالف بروايته الثقات انتهى (١).
[تنبيه]: اختلف العلماء في معنى قولها: "ليس فيها قميص، ولا عمامة": فحمله الشافعي، والجمهور على أنه ليس في الكفن موجودًا، فلا يستحبّ ذلك. وحمله مالك، وأبو حنيفة على أنه ليس معدودًا، بل يحتمل أن يكون ثلاثة أثواب، زيادة على القميص والعمامة، ومثله قوله تعالى: ﴿رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ الآية [الرعد: ٢] فإنه يدلّ على أن ثَمَّ عَمَدًا، إلا أنها غير مرئيّة، والتقدير بغير عمد مرئية لكم، ويحتمل أن يتناول الصفة والموصوف جميعًا.
قال العلامة ابن الملقّن ﵀: وهو حمل ضعيف، لعدم ثبوته في الحديث، بل يتضمن أن القميص الذي غُسل فيه النبي ﷺ نزع عنه عند تكفينه، ولا يتجه غير ذلك، لأنه لو كفّن فيه مع رطوبته لأفسد الأكفان انتهى (٢).
وقال الحافظ ولي الدين ﵀: الصحيح أن معناه ليس في الكفن قميص، ولا عمامة أصلًا. وقيل: معناه أنه كفّن في ثلاثة أثواب خارجة عن القميص والعمامة. قال الشيخ تقيّ الدين ﵀: والأول أظهر في المراد.
وذكر النووي في "شرح مسلم" أن الأول تفسير الشافعيّ، وجمهور العلماء، قال: وهو الصواب الذي يقتضيه ظاهر الحديث، وقال: إن الثاني ضعيف، فلم يثبت أنه ﷺ كُفّن في قميص وعمامة انتهى.
وترتّب على هذا اختلافُهم في أنه هل يستحبّ أن يكون في الكفن قميص وعمامة، أم لا؟ فقال مالك، والشافعيّ، وأحمد: يستحبّ أن يكون الثلاثة لفائف، ليس فيها قميص، ولا عمامة، واختلفوا في زيادة القميص والعمامة، أو غيرهما على اللفائف الثلاثة، لتصير خمسة، فذكر الحنابلة أنه مكروه، وقالت الشافعية: إنه جائز غير مستحب، وقالت المالكية: إنه مستحبّ للرجال والنساء، وهو في حقّ النساء آكد، قالوا: والزيادة إلى السبعة غير مكروهة، وما زاد عليها سرف. وقالت الحنفية: إن الأثواب الثلاثة إزار، وقميص، ولفافة. ورواه ابن أبي شيبة في "مصنَّفه" عن عبد اللَّه بن عمرو، وإبراهيم النخعيّ، وذكر الحنابلة أنه لو كفّن في إزار، وقميص، ولفافة لم
стр. 10541
يكره، ولكن الأفضل الأول، وهذا جائز بلا كراهة. وقال بعض متأخري المالكيّة: يجزئ على قول مالك قميص وعمامة ولفافة، والمشهور عندهم أن الثلاثة لفائف، كما تقدم، وهو رواية ابن القاسم. وقال سفيان الثوريّ: إن شئت في قميص ولفافتين، وإن شئت في ثلاث لفائف.
وقد ظهر بذلك أن من قال: إن من الثلاثة قميصًا، فهو مخالف لهذا الحديث على الاحتمالين المتقدمين معًا، وكأنه تمسّك في استحباب القميص بإلباسه ﷺ عبد اللَّه بن أُبَيّ قميصًا، وسيأتي ذكره.
وذكر الحنفية في توجيهه أنه الذي يعتاد لبسه في الحياة، فكذا بعد الموت، ويقتضي اختلافه باختلاف عادة ذلك الميت فيما كان يلبسه في حياته، لكن قد يقال: حمل الأمر على الأكثر الأغلب.
وقال النوويّ في "شرح مسلم": قال مالك، وأبو حنيفة: يستحبّ قميص وعمامة، وتأولوا الحديث على أن معناه: ليس القميص والعمامة من جملة الثلاثة، وإنما هما زائدان عليها، ثم ضعفه كما تقدم، وقد عرفت أن الحنفية يجعلون القميص من جملة الثلاثة.
وروى ابن أبي شيبة في "مصنّفه" كون الميت لا يُعمّم عن الشعبيّ، وأبي الشعثاء جابر بن زيد. وحكاه ابن بطّال وغيره عن جابر بن عبد اللَّه، وعطاء، ورَوَى ابن أبي شيبة عن ابن سيرين أنه يُعَمّم، كما يُعَمَّمُ الحيُّ. وعن الحسن توضع العمامة وسط رأسه، ثم يُخَالَف بين طرفيها، هكذا على جسده. وقال مالك في "المدوّنة": من شأن الميت أن يعمّم عندنا. ورَوَى البيهقيّ في "الخلافيات" عن مالك أنه قال: ليس على هذا العمل عندنا. يعني تقميص الميت انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أرجح الأقوال عندي قول من قال: إن السنة أن تكون الأثواب الثلاثةُ خالية عن القميص، والعمامة؛ لأنّ ظاهر هذا الحديث يدلّ على ذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٨٩٩ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَفْصٌ, عَنْ هِشَامٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: "كُفِّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ, بِيضٍ يَمَانِيَةٍ, كُرْسُفٍ, لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ, وَلَا عِمَامَةٌ", فَذُكِرَ لِعَائِشَةَ قَوْلُهُمْ: فِي ثَوْبَيْنِ, وَبُرْدٍ, مِنْ حِبَرَةٍ, فَقَالَتْ: قَدْ أُتِيَ بِالْبُرْدِ, وَلَكِنَّهُمْ رَدُّوهُ, وَلَمْ يُكَفِّنُوهُ فِيهِ.
стр. 10542
رجال هذا الإسناد: خمسة، كلهم ذكروا في الحديث الذي قبله، إلا:
١ - (حفص) بن غياث بن طلق النخعي القاضي الكوفي، ثقة فقيه، تغير في الآخر قليلا [٨] ٨٦/ ١٠٥.
والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق شرحه، والكلام على مسائله، وأذكر هنا ما لم يتقدم شرحه:
فقولها: "يمانية" بتخفيف الياء على اللغة الفصيحة المشهورة، والأصل يمنيّة بتشديد الياء، لكنهم عوّضوا عن الياء الألفَ، فلا يجتمعان، وحكى سيبويه، والجوهريّ لغة في تشديدها. قاله ابن الملقّن -رحمه اللَّه تعالى- (١).
وقال الفيومي ﵀: "اليَمَنُ" إقليم معروف، سمي بذلك لأنه عن يمين الشمس عند طلوعها، وقيل: لأنه عن يمين الكعبة، والنسبة إليه يَمَنيّ على القياس، ويَمَانٍ بالألف على غير قياس، وعلى هذا ففي الياء مذهبان:
أحدهما: وهو الأشهر تخفيفها، واقتصر عليه كثيرون، وبعضهم ينكر التثقيل، ووجهه أن الألف دخلت قبل الياء، لتكون عوضًا عن التثقيل، فلا يُثقّل، لئلا يُجمَع بين العوض والمعوّض عنه.
والثاني: التثقيل، لأن الألف زيدت بعد النسبة، فيبقى التثقيل الدّالّ على النسبة تنبيهًا على جواز حذفها انتهى (٢).
وقولها: "كُرْسُف": بالجرّ عطف بيان لـ "ثياب"، أو بدل منه، ولفظ مسلم: "من كرسف" بزيادة "من". وهو بضم الكاف، وسكون الراء، وضم المهملة، بعدها فاء: القطن.
وقوله: "فذكر لعائشة قولهم": ببناء الفعل للمفعول، أي ذَكَرَ بعضُهُم لعائشة ﵂ أن الناس يقولون: إن النبي ﷺ كُفّن في ثوبين، وبُردِ حِبَرَة، فقالت عائشة: قد أُتي بالبُرد ليكفّن فيه، ولكنهم ردّه، ولم يكفّنوه فيه.
ولفظ مسلم من طريق أبي معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: "كفن رسول اللَّه ﷺ ، في ثلاثة أثواب، بيض سحولية، من كرسف، ليس فيها قميص، ولا عمامة، أما الْحُلّة فإنما شبه على الناس فيها، أنها اشتريت له، ليكفن فيها، فتُرِكَت الحلة، وكفن في ثلاثة أثواب، بيض سحولية، فأخذها عبد اللَّه بن أبي بكر،
стр. 10543
فقال: لأحبسنها، حتى أُكَفِّن فيها نفسي، ثم قال: لو رضيها اللَّه لنبيه، لكفنه فيها، فباعها، وتصدق بثمنها".
ومعنى "شُبّه عليهم": أي اشتبه عليهم.
وقوله: "بُرْد" -بضم الوحّدة، وسكون الراء-: نوع من الثياب معروف، والجمع أَبْرادٌ، وبُرُودٌ، و"البُرْدة": الشَّمْلَة المخطّطةُ، وقيل: كساء أسود مُربّعٌ، فيه صورٌ، تلبسه الأعراب، وجمعها بُرَد -بضم، ففتح-. أفاده في "النهاية" (١).
وفي "اللسان": قال ابن سِيدَهْ: البُرْدُ ثوبٌ فيه خُطُوطٌ، وخصّ بعضهم به الْوَشْيَ، والجمع أبرادٌ، وأَبْرُدٌ، وبُرُودٌ. والْبُرْدةُ: كساء يُلتحف به؛ وقيل: إذا جعل الصوف شُقَّةً، وله هُدْبٌ، فهي بُرْدَة، وجمعها بُرَدٌ انتهى باختصار (٢).
وقوله: "من حبرة" -بكسر الحاء المهملة، وفتح الموحّدة- هكذا نسخ "المجتبي" بزيادة "من"، فيكون الجارّ والمجرور صفة لـ"برد".
وفي "الكبرى": "برد حبرة" بدون لفظة "من": قال العراقيّ -رحمه اللَّه تعالى-: روي بالإضافة، والقطع، حكاهما صاحب "النهاية"، والأول هو المشهور. انتهى.
وقال في "المصباح": "الْحِبَرَة" وِزَانُ عِنَبَة: ثوب يمانيّ، من قُطن، أو كتّان، مخَطّطٌ، يقال: بُرْدٌ حِبَرَةٌ، على الوصف، وبُرْدُ حَبَرَة، على الإضافة، والجمعُ حِبَرٌ، وحِبَرَاتٌ، مثلُ عِنَبٍ، وعِنَبَات. قال الأزهريّ: ليس حِبَرَةٌ موضعًا، أو شيئًا معلومًا، إنما هو وَشْيٌ معلوَم، أُضيف الثوبُ إليه، كما قيل: ثوبُ قِرْمِزٍ، بالإضافة، والْقِرْمِزُ صِبْغُهُ، فأُضيف الثوبُ إلى الوَشْيِ، والصِّبْغِ للتوضيح انتهى (٣). واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: يستفاد من قوله: "كرسف" استحباب كون الكفن من القطن، قاله النوويّ في شرح مسلم. وفي "مصنّف ابن أبي شيبة": عن الحسن البصريّ، ومحمد بن سيرين أنه كان يُعجبهما أن يكون الكفن كَتانًا. وقال أصحاب الشافعيّ: جنسه في كلّ ميت ما يجوز له لبسه في الحياة، فيجوز تكفين المرأة في الحرير، لكن يكره، ويحرم تكفين الرجل به، فأما المزعفر، والمعصفر، فلا يحرم تكفينها فيه، ولكن يكره على المذهب، وكذا قال الحنفية: ما جاز للإنسان لبسه في حياته جاز تكفينه به. وقال أحمد بن حنبل: لا يعجبني أن يكفّن في شيء من الحرير، وكره ذلك الحسن، وابن المبارك، وإسحاق، قال ابن المنذر: ولا أحفظ عن غيرهم خلافه. وذكر ابن قُدامة في جواز
стр. 10544
تكفين المرأة بالحرير احتمالين، وقال: أَقْيَسُهُما الجواز، لكن يكره، وكذلك يكره تكفينها بالمعصفر، ونحوه. وقال الأوزاعيّ: لا يكفّن الميت في الثياب المصبغة، إلا ما كان من الْعَصْب. يعني ما صُبغ بالعَصْب، وهو نبت ينبت باليمن.
وعند المالكية في التكفين بالحرير أقوال: (الجواز مطلقًا) لسقوط المنع بالموت، لكن يكره. (والمنع مطلقًا) إلا لضرورة، وهما محكيان عن مالك. (والثالث) قاله ابن حبيب: يجوز للنساء دون الرجال. وقال القاضي عياض، والنوويّ في "شرح مسلم": كره مالك، وعامة العلماء التكفين في الحرير مطلقًا انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٤٠ - الْقَمِيصُ فِي الْكَفَنِ
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أن المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- أراد بما أورده في الباب، من الأحاديث على جواز استعمال القميص في الكفن، وتركه، فاستدلّ بقصة عبد اللَّه بن أُبيّ على جواز استعماله، واستدلّ بقصة مصعب بن عمير على جواز تركه، ومثله أحاديث الباب الماضي.
قال الحافظ ولي الدين العراقيّ -رحمه اللَّه تعالى-: استدلّ الحنفية بقصة عبد اللَّه بن أُبيّ على استحباب التكفين في قميص، والمخالفون لهم يقولون: هذه واقعة، لم ندر كيف اتفق الحال فيها، يحتمل أن يكون هذا القميص أحد الأكفان الثلاثة، ويحتمل أنه زائد عليها، فإن كان أحَدَهَا، فنحن لا نقول بتحريمه، ولا كراهته، وغايته أن الأفضل خلافه، فبيّن النبيّ ﷺ بهذا جوازه، ولم يكن فعله ﷺ مفضولاً، بل هو فاضل، لأنه بيّن به الجواز، ولأمر يختصّ بهذه القضية، وهو شيئان:
أحدهما: مكافاته إياه عن كسوته للعباس ﵁ قميصًا، فجازاه من جنسه.
ثانيهما: إكرامه ﷺ ولده بذلك، فإنه لم يفعل ذلك إلا بسؤاله، واقتراحه، طلب منه أن يُلبسه القميص الذي يلي جلده، كما في "صحيح البخاريّ" (٢)، ففعل ذلك النبي ﷺ
стр. 10545
مكافأة له، وإكراما لابنه، وبيانا للجواز، وكان الأفضل ما اختاره اللَّه تعالى لنبيه ﷺ ، وهو ثلاثة أثواب خالية عن قميص.
وإن كان هذا القميص زائدًا على الأكفان، فالحنابلة القائلون بكراهته في هذه الصورة، يجيبون بمثل ما أجبنا فيما إذا كان أحدَهَا، والشافعية لا يرون كراهيته، بل يقتصرون فيه على الإباحة، والمالكية يستحبونه في هذه الحالة، وهي ما إذا كان زائدًا على الثلاثة. واللَّه أعلم انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تقدم أن الأرجح أن تكون الأكفان ثلاثة أثواب خالية من القميص والعمامة، كما جاءت الأحاديث الصحيحة في كفن النبي ﷺ بذلك. فتبصر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
١٩٠٠ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ, قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعٌ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ, قَالَ: لَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ, جَاءَ ابْنُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ , فَقَالَ: أَعْطِنِي قَمِيصَكَ, حَتَّى أُكَفِّنَهُ فِيهِ, وَصَلِّ عَلَيْهِ, وَاسْتَغْفِرْ لَهُ, فَأَعْطَاهُ قَمِيصَهُ, ثُمَّ قَالَ: «إِذَا فَرَغْتُمْ فَآذِنُونِي, أُصَلِّي عَلَيْهِ» , فَجَذَبَهُ عُمَرُ, وَقَالَ: قَدْ نَهَاكَ اللَّهُ, أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ, فَقَالَ: «أَنَا بَيْنَ خِيرَتَيْنِ» , قَالَ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] فَصَلَّى عَلَيْهِ, فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] فَتَرَكَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِمْ.
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عبيد اللَّه) بن عمر العمريّ المدنيّ، ثقة ثبت [٥] ١٥/ ١٥.
٢ - (نافع) العدويّ، مولى ابن عمر المدني الفقيه، ثقة ثبت [٣] ١٢/ ١٢.
٣ - (عبد اللَّه بن عمر) بن الخطاب ﵄ ١٢/ ١٢.
والباقيان تقدما قبل باب. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمديين، غير عمرو، ويحيى، فبصريان. (ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستة الذين رووا عنهم بلا واسطة. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. ومنها: أن صحابيه أحد العبادلة الأربعة، وأحد المشهورين بالفتوى، وأحد المكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 10546
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) ﵄، أنه (قَالَ: لَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ) ذكر الواقديّ، ثم الحاكم في "الإكليل" أنه مات بعد منصرفهم من تبوك، وذلك في ذي القعدة سنة تسع، وكانت مدة مرضه عشرين يومًا، ابتداؤها من ليال بقيت من شوّال، قالوا: وكان قد تخلّف هو، ومن تبعه عن غزوة تبوك، وفيهم نزلت: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ [التوبة: ٤٧].
قال الحافظ: وهذا يدفع قولَ ابن التين: إن القصة كانت في أول الإسلام، قبل تقرير الأحكام انتهى (١) (جَاءَ ابْنُهُ) وقع في رواية الطبريّ، من طريق الشعبيّ: لما احتُضر عبد اللَّه، جاء ابنه عبد اللَّه إلى النبي ﷺ ، فقال: يا نبيّ اللَّه، إن أَبِي قد احتُضر، فأحبّ أن تشهده، وتصلي عليه، قال: "ما اسمك؟ " قال: الْحُبَاب -يعني بضم المهملة، وموحّدتين مخففًا - قال: "بل أنت عبد اللَّه، الحُبَاب اسم الشيطان.
وكان عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن أُبيّ هذا من فضلاء الصحابة، وشهد بدرًا، وما بعدها، واستُشهد يوم اليمامة، في خلافة أبي بكر الصدّيق. ومن مناقبه أنه بلغه بعض مقالات أبيه، فجاء إلى النبي ﷺ ، يستأذنه في قتله، قال: "بل أَحْسِنْ صحبته". أخرجه ابن منده، من حديث أبي هريرة ﵁ بإسناد حسن. وفي الطبراني من طريق عروة بن الزبير، عن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن أبيّ أنه استأذن، نحوه، وهذا منقطع، لأن عروة لم يدركه. وكأنه كان يحمل أمر أبيه على ظاهر الإسلام، فلذلك التمس من النبي ﷺ أن يحضر عنده، ويصلي عليه، ولا سيّما، وقد ورد ما يدلّ على أنه فعل ذلك بعهد من أبيه، ويؤيد ذلك ما أخرجه عبد الرزّاق، عن معمر، والطبريُّ من طريق سعيد، كلاهما عن قتادة، قال: أرسل عبد اللَّه بن أُبَيّ إلى النبي ﷺ ، فلما دخل عليه، قال: "أهلكك حبّ يهود"، فقال: يا رسول اللَّه، إنما أرسلت إليك لتستغفر لي، ولم أرسل إليك لتوبّخني، ثم سأله أن يعطيه قميصه يكفّن فيه، فأجابه"، وهذا مرسل، مع ثقة رجاله، ويعضده ما أخرجه الطبراني، من طريق الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: "لما مَرِضَ عبد اللَّه بن أُبيّ، جاءه النبيّ ﷺ ، فكلّمه، فقال: قد فَهمْتُ ما تقول، فامنن عليّ، فكفّنّي في قميصك، وصلّ عليّ، ففعل". وكان عبد اللَّه بن أُبيّ أراد بذلك دفع العار عن ولده، وعشيرته، بعد موته، فأظهر الرغبة في صلاة النبي ﷺ عليه،
стр. 10547
ووقعت إجابته إلى سؤاله بحسب ما ظهر من حاله، إلى أن كشف اللَّه الغطاء عن ذلك.
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وهذا من أحسن الأجوبة فيما يتعلّق بهذه القصة انتهى.
(إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ) متعلق بـ "جاء" (فَقَالَ: أَعْطِني قَمِيصَكَ، حَتَّى أُكَفِّنَهُ) وفي نسخة: "حتى أكفّن" بدون ضمير النصب (فِيهِ) أي في ذلك القميص، رجاء بركة ما مسّ جسده ﷺ (وَصَلِّ عَلَيْهِ، وَاسْتَغْفِرْ لَهُ) أي اطلب من اللَّه تعالى أن يغفر له (فَأعْطَاهُ) ﷺ (قَمِيصَهُ)
هذا يدلّ على أن النبي ﷺ أعطى قميصه لعبد اللَّه بن أُبي بسبب طلب ولده له، وسيأتي في حديث جابر ﵁ الآتي بعد حديث ما يدلّ على أنه إنما أعطاه مكافأة على إعطائه قميصه لعم النبي ﷺ ، عباس بن عبد المطلب، لكن لا تنافي بين السببين، إذ يمكن أن يعطيه لهما، واللَّه تعالى أعلم.
(ثُمَّ قَالَ) ﷺ (فإِذَا) وفي نسخة: "فإذا" بزيادة الفاء (فَرَغْتُمْ) أي من غسله، وتكفينه (فَآذِنُونِي) بمدّ الهمزة، من الإيذان، وهو الإعلام، أي أعلموني بفراغكم (أُصَلِّي عَلَيْهِ) بإثبات الياء، على الاستئناف، وليس جوابًا للأمر، وإلا لكان "أصل" بحذف الياء للجزم بالطلب، قال السنديّ: إلا أن يقال: الياء للإشباع، أو لمعاملة المعلّ معاملة الصحيح، وهو تكلف، بلا حاجة انتهى (١) (فَجَذَبَهُ عُمَرُ) وفي رواية للبخاري من هذا الوجه: "فقام رسول اللَّه ﷺ ليصلي عليه، فقام عمر، فأخذ بثوب رسول اللَّه ﷺ ". وفي رواية له،
وهي الرواية الآتية للمصنف برقم (١٩٦٦)، وهي في "الكبرى" في "كتاب التفسير"، من طريق ابن عباس، عن عمر ﵁: "قال: لما مات عبد اللَّه بن أبيّ ابن سَلُولَ، دُعي له رسول اللَّه ﷺ ليصلي عليه، فلما قام رسول اللَّه ﷺ وَثَبْتُ إليه، فقلتُ: يا رسول اللَّه أتصلي على ابن أبيّ، وقد قال يوم كذا كذا وكذا؟، قال: أُعدّد عليه قوله .... الحديث. يشير عمر ﵁ بذلك إلى مثل قوله: ﴿لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون: ٧]، وإلى مثل قوله: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨]. قاله في "الفتح".
(وَقَالَ: قَدْ نَهَاكَ اللَّهُ، أَن تُصَلِّيَ عَلَى المُنَافِقِينَ) وفي رواية البخاريّ: "وقد نهاك ربك أن تصلي عليه". قال في "الفتح": كذا في هذه الرواية إطلاق النهي عن الصلاة، وقد استُشكل جدًّا، حتى أقدم بعضهم، فقال: هذا وَهَمٌ من بعض رواته، وعاكسه غيره، فزعم أن عمر اطلع على نهي خاصّ في ذلك. وقال القرطبيّ: لعلّ ذلك وقع في خاطر عمر، فيكون من قبيل الإلهام، ويحتمل أن يكون فهم ذلك من قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ
стр. 10548
لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣].
قال الحافظ: قلت: الثاني -يعني ما قاله القرطبيّ- أقرب من الأول، لأنه لم يتقدّم النهي عن الصلاة على المنافقين، بدليل أنه قال في آخر هذا الحديث: "قال: فأنزل اللَّه: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٨٤]. والذي يظهر أن في رواية الباب تجوّزًا، بيّنَتْهُ رواية عبيد اللَّه بن عمر، بلفظ: "فقال: تصلي عليه، وقد نهاك اللَّه أن تستغفر لهم".
وروى عبد بن حميد، والطبريّ، من طريق الشعبيّ، عن ابن عمر، عن عمر، قال: لما أراد رسول اللَّه ﷺ أن يصلي على عبد اللَّه بن أُبيّ، فأخذتُ بثوبه، فقلت: واللَّه ما أمر اللَّه بهذا، لقد قال: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] ووقع عند ابن مردويه، من طريق سعيد بن جُبير، عن ابن عباس: فقال عمر: أتصلي عليه، وقد نهاك اللَّه أن تصلي عليه؟، قال: "أين؟ " قال: ﴿أسْتَغْفِر لَهُمْ﴾ الآية. وهذا مثل رواية الباب.
فكأن عمر ﵁ قد فهم من الآية المذكورة ما هو الأكثر الأغلب من لسان العرب، من أن "أو" ليست للتخيير، بل للتسوية في عدم الوصف المذكور، أي إن الاستغفار لهم، وعدم الاستغفار سواء، وهو كقوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦]، لكن الثانية أصرح، ولهذا ورد أنها نزلت بعد هذه القصة، كما سيأتي.
وفهم عمر أيضًا من قوله: ﴿سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ أنها للمبالغة، وأن العدد المعيّن لا مفهوم له، بل المراد نفي المغفرة لهم، ولو كثر الاستغفار، فيحصل من ذلك النهي عن الاستغفار، فأطلقه.
وفهم أيضا أن المقصود من الصلاة على الميت طلب المغفرة للميت، والشفاعة له، فلذلك استلزم عنده النهيُ عن الاستغفار تركَ الصلاة، فلذلك جاء عنه في هذه الرواية إطلاق النهي عن الصلاة، ولهذه الأمور استنكر إرادة الصلاة على عبد اللَّه بن أُبيّ.
وقال الحافظ ﵀ في موضع آخر من "الفتح": وقد وقفت لأبي نعيم الحافظ، صاحب "حِلْية الأولياء" على جزء جمع فيه طرق هذا الحديث، وتكلم على معانيه، فلخصته: فمن ذلك أنه قال: وقع في رواية أبي أسامة وغيره، عن عبيد اللَّه العمري في قول عمر: "أتصلي عليه، وقد نهاك اللَّه عن الصلاة على المنافقين"، ولم يُبيّن محلّ النهي، فوقع بيانه في رواية أبي ضَمْرة، عن العُمَريّ، وهو أن مراده بالصلاة عليهم الاستغفار لهم، ولفظه: "وقد نهاك اللَّه أن تستغفر لهم"، قال: وفي قول ابن عمر:
стр. 10549
"فصلى رسول اللَّه ﷺ ، وصلينا عليه" أن عمر ترك رأي نفسه، وتابع النبي ﷺ ، ونبّه على أن ابن عمر حمل هذه القصّة عن النبي ﷺ بغير واسطة، بخلاف ابن عباس، فإنه إنما حملها عن عمر، إذ لم يشهدها إلى آخر ما سيأتي في المسألة الثالثة، عند ذكر فوائد الحديث، إن شاء اللَّه تعالى.
قال: هذا تقرير ما صدر عن عمر، مع ما عُرف من شدة صلابته في الدين، وكثرة بغضه للكفار والمنافقين، وهو القائل في حقّ حاطب بن أبي بَلْتَعَة، مع ما كان له من الفصل، كشهوده بدرًا، وغير ذلك، لكونه كاتب قريشًا قبل الفتح: دعني يا رسول اللَّه، أضرب عنقه، فقد نافق. فلذلك أقدم على كلامه للنبي ﷺ بما قال، ولم يلتفت إلى احتمال إجراء الكلام على ظاهره، لما غلب عليه من الصلابة المذكورة.
وقال الزين ابن المنيّر ﵀: وإنما قال ذلك عمر ﵁، حرصًا على النبي ﷺ ، ومشورةً، لا إلزامًا، وله عوائد بذلك، ولا يبعد أن يكون النبي ﵁ كان أذن له في مثل ذلك، فلا يستلزم ما وقع من عمر أنه اجتهد مع وجود النصّ، كما تمسّك به قوم في جواز ذلك، وإنما أشار بالذي ظهر له فقط، ولهذا احتمل منه النبي ﷺ أخذه بثوبه، ومخاطبته له في مثل ذلك المقام، حتى التفت إليه، متبسمًا، كما في حديث ابن عباس بذلك انتهى (١).
(فَقَالَ) ﷺ (أَنا بَيْنَ خِيرَتَيْنِ) بكسر الخاء، وفتح الياء، أو سكونها: أي بين اختيارين. قال الفيّوميّ ﵀: "الْخِيرةُ": اسم من الاختيار، مثلُ الفِدْيَة، من الافتداء، والْخِيَرَة -بفتح الياء- بمعنى الخِيَار، والْخِيَار هو الاختيار، ومنه يقال: له خيار الرؤية، ويقال: هي اسم من تخيّرت الشيءَ، مثلُ الطِّيَرَة، اسم من تَطَيَّر، وقيل: هما لغتان بمعنى واحد، ويؤيده قول الأصمعي: الْخِيَرَةُ بالفتح، والإسكانُ ليس بمختار، وفي التنزيل: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾. وفي "البارع": خِرتُ الرجلَ على صاحبه، أَخِيرُهُ، من باب باع، خِيَرًا، وِزانُ عِنَبٍ، وخِيْرَةً، وخِيَرَةً: إذا فضّلته عليه. وخَيَّرتُهُ بين الشيئين: فوَضتُ إليه الاختيار، فاختار أحدهما، وتخَيَّره، واستخرتُ اللَّهَ: طلبت منه الْخِيَرَةَ، وهذه خَيْرَتي -بالفتح، والسكون-: أي ما أخذته انتهى (٢).
(قَالَ) أي اللَّه تعالى ﴿أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ هذا بيان، وتفسير للخِيرَتين، أي إن اللَّه تعالى خيّرني، بين الاستغفار، وعدمه، فاخترت الاستغفار. ولفظ البخاريّ من هذا الوجه: إنما خيّرني اللَّه، فقال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ
стр. 10550
إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ وسأزيد على السبعين". ولفظه من طريق ابن عباس، عن عمر: فتبسم رسول اللَّه ﷺ ، وقال: "أَخِّرْ عني يا عمر"، فلما أكثرت عليه قال: "إني خُيّرت، فاخترت، لو أعلم أني إن زدت على السبعين يُغفر له، لزدت عليها".
وعند عبد بن حميد، من طريق قتادة، قال: لما نزلت ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ قال النبي ﷺ : "قد خيّرني ربي، فواللَّه لأزيدنّ على السبعين"، وأخرجه الطبريّ، من طريق مجاهد مثلَهُ، والطبريّ أيضًا، وابن أبي حاتم، من طريق هشام بن عروة، عن أبيه مثله.
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وهذه طرق، وإن كانت مراسيل، فإن بعضها يعضد بعضًا.
ودلّ ذلك على أنه ﷺ أطال في حال الصلاة عليه، من الاستغفار له، وقد ورد ما يدلّ على ذلك، فذكر الواقديّ، أن مُجَمِّعَ بن جارية، قال: ما رأيت رسول اللَّه ﷺ أطال على جنازة قطّ ما أطال على جنازة عبد اللَّه بن أُبيّ من الوقوف. وروى الطبريّ من طريق مغيرة، عن الشعبيّ، قال: قال النبي ﷺ : "قال اللَّه تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾، فأنا أستغفر لهم سبعين، وسبعين، وسبعين". (١) (فَصَلَى عَلَيْهِ) أي صلى النبي ﷺ على عبد اللَّه بن أُبيّ، مخالفا لعمر ﵁.
وإنما لم يأخذ النبيّ ﷺ بقول عمر، وصلى عليه، إجراء له على ظاهر حكم الإسلام، واستصحابا لظاهر الحكم، ولما فيه من إكرام ولده الذي تحقّقت صلاحيته، ومصلحة الاستئلاف لقومه، ودفع المفسدة، وكان النبي ﷺ في أول الأمر يصبر على أذى المشركين، ويعفو، ويصفح، ثم أمر بقتال المشركين، فاستمرّ صفحه، وعفوه عمن يظهر الإسلام، ولو كان باطنه على خلاف ذلك، لمصلحة الاستئلاف، وعدم التنفير عنه، ولذلك قال: "لا يتحدّث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه"، فلما حصل الفتح، ودخل المشركون في الإسلام، وقلّ أهل الكفر، وذَلُّوا، أمر بمجاهرة المنافقين، وحملهم على حكم مُرّ الحقّ، ولا سيما، وقد كان ذلك قبل نزول النهي الصريح عن الصلاة على المنافقين، وغير ذلك، مما أمر فيه بمجاهرتهم.
قال الحافظ: وبهذا يندفع الإشكال عما وقع في هذه القصة بحمد اللَّه تعالى.
وقال الخطابي ﵀: إنما فعل النبي ﷺ مع عبد اللَّه بن أبيّ ما فعل لكمال شفقته على من تعلّق بطرف من الدين، ولتطييب قلب ولده عبد اللَّه الرجل الصالح، ولتأليف
стр. 10551
قومه من الخزرج لرياسته فيهم، فلو لم يُجب سؤال ابنه، وترك الصلاة عليه قبل ورود النهي الصريح، لكان سُبّةً على ابنه، وعارًا على قومه، فاستعمل أحسن الأمرين في السياسة إلى أن نهُي عنه، فانتهى.
وتبعه ابن بطّال، وعبّر بقوله: رجا أن يكون معتقدًا لبعض ما كان يظهره من
الإسلام. وتعقّبه ابن المنيّر بأن الإيمان لا يتبعّض، وهو كما قال، لكن مراد ابن بطال أن إيمانه كان ضعيفًا.
قال الحافظ: وقد مال بعض أهل الحديث إلى تصحيح إسلام عبد اللَّه بن أُبيّ لكون النبي ﷺ صلى عليه، وذَهِلَ عن الوارد من الآيات، والأحاديث المصرّحة في حقّه بما ينافي ذلك، ولم يقف على جواب شاف في ذلك، فأقدم على الدعوى المذكورة، وهو محجوج بإجماع من قبله على نقيض ما قال، وإطباقهم على ترك ذكره في كتب الصحابة، مع شهرته، وذكر من هو دونه في الشرف، والشهرة بأضعاف مضاعفة.
وقد أخرج الطبريّ من طريق سعيد، عن قتادة في هذه القصّة، قال: فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾، قال: فذُكر لنا أن نبيّ اللَّه ﷺ قال: "وما يغني عنه قميصي من اللَّه، وإني لأرجو أن يسلم بذلك ألف من قومه". انتهى. (فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم﴾) متعلق بصفة لـ "أحد"، أو بحال من الضمير في قوله (مَاتَ) أي مات متصفا بصفة النفاق، كقولهم: أنت مني، يعني على طريقتي، وجملةُ "مات" صفة لـ "أحد" أيضا، أو حال منه، لوصفه بالجارّ والمجرور، إذ القاعدة أن الجملة وشبهها بعد النكرات صفات، وبعد المعارف أحوال (أَبَدًا) ظرف لـ "لا تصلّ" (وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ) يعني لا تقف عليه، ولا تتولّ دفنه، من قولهم: قام فلان بأمر فلان: إذا كفاه أمره، وناب عنه فيه (١).
[تنبيه]: قال في "الفتح": ظاهر الآية يدلّ على أنها نزلت في جميع المنافقين، لكن ورد ما يدلّ على أنها نزلت في عدد معيّن منهم، قال الواقديّ: أنبأنا معمر، عن الزهريّ، قال: حذيفة: قال لي رسول اللَّه ﷺ : "إني مسرّ إليك سرًّا، فلا تذكره لأحد، إني نُهيت أن أصلي على فلان وفلان، رهط، ذوي عدد، من المنافقين؛ قال: فلذلك كان عمر إذا أراد أن يصلي على أحد استتبع حذيفة، فإن مشى مشى معه، وإلا لم يصلّ عليه "، ومن طريق أخرى، عن جبير بن مطعم، أنهم اثنا عشر رجلًا. قال الحافظ: ولعل الحكمة في اختصاص المذكورين بذلك أن اللَّه علم أنهم يموتون على الكفر،
стр. 10552
بخلاف من سواهم، فإنهم تابوا. انتهى (١).
(فَتَرَكَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِمْ) وفي حديث ابن عباس، عن عمر: "فصلى عليه، ثم انصرف، فلم يمكث إلا يسيرًا حتى نزلت". زاد ابن إسحاق في "المغازي"، قال: حدثني الزهريّ بسنده، قال: "فما صلى رسول اللَّه ﷺ على منافق بعده حتى قبضه اللَّه ". وزاد في رواية لابن إسحاق: "ولا قام على قبره". ورَوَى عبد الرزّاق، عن معمر، عن قتادة، قال: "لما نزلت ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾، قال النبي ﷺ : "لأزيدنّ على السبعين، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾، ورجاله ثقات، مع إرساله، ويحتمل أن تكون الآيتان نزلتا معًا في ذلك. وزاد في رواية ابن عباس، عن عمر، قال: "فعجبت بعدُ من جُرْأَتي على رسول اللَّه ﷺ ، واللَّه ورسوله أعلم".
وقوله: "واللَّه ورسوله أعلم" ظاهره أنه قول عمر، ويحتمل أن يكون قول ابن عباس، وقد روى الطبريّ من طريق الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس في نحو هذه القصّة: قال ابن عباس: "فاللَّه أعلم، أيَّ صلاة كانت، وما خادع محمد أحدًا قطّ". ذكره في "الفتح" (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث عبد اللَّه بن عمر ﵄ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٤٠/ ١٩٠٠ وسيأتي مطوّلًا من حديث ابن عباس، عن عمر ﵁ في ٦٩/ ١٩٦٦، إن شاء اللَّه تعالى - وفي "الكبرى" ٤٠/ ٢٠٢٧ - وفي "التفسير" ١٧٢/ ١١٢٢٤.
وأخرجه (خ) ١٢٦٩ و٤٦٧٠ و ٤٦٧٢ و ٥٧٩٦ (م) ٢٤٠٠ و ٢٧٧٤ (ت) ٣٠٩٨ (ق) ١٥٢٣ (أحمد) ٤٦٦٦. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان جواز التكفين في القميص، وقد تقدم أقوال أهل العلم في أول الباب. ومنها: بيان مكارم أخلاق النبي ﷺ ، فقد عَلِم ما كان من هذا المنافق، من الإيذاء له، وقابله بالحسنى، وألبسه قميصه كفنا،
стр. 10553
وصلى عليه، واستغفر له، فهو كما وصفه اللَّه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. ومنها: أنه قد تمسك بهذه القصّة من جعل مفهوم العدد حجةً، وكذا مفهوم الصفة من باب أولى، ووجه الدلالة أنه ﷺ فهم أن ما زاد على السبعين بخلاف السبعين، قال: "سأزيده على السبعين". وأجاب من أنكر القول بالمفهوم بما وقع في بقية القصّة، وليس ذلك بدافع للحجّة، لأنه لو لم يقم الدليل على أن المقصود بالسبعين المبالغة لكان الاستدلال بالمفهوم باقيًا (١). ومنها: النهي عن الصلاة على الكافر إذا مات على كفره. ومنها (٢): أن فيه جواز الشهادة على المرء بما كان عليه حيّا وميتًا، لقول عمر: "إن عبد اللَّه منافق"، ولم ينكر النبي ﷺ عليه قوله. ومنها: أنه يؤخذ منه أن المنهيّ عن سبّ الأموات ما قُصد به الشتم، لا التعريف. ومنها: أن المنافق تجرى عليه أحكام الإسلام الظاهرة. ومنها: أن الإعلام بوفاة الميت مجرّدًا لا يدخل في النعي المنهيّ عنه. ومنها: جواز سؤال الموسر من المال من تُرجى بركته (٣) شيئًا من ماله لضرورة دينية. ومنها: رعاية الحيّ المطيع بالإحسان إلى الميت العاصي. ومنها: جواز التكفين بالمخيط. ومنها: جواز تأخير البيان عن وقت النزول إلى وقت الحاجة. ومنها: العمل بالظاهر إذا كان النصّ محتملًا. ومنها: تنبيه المفضول للفاضل على ما يظنّ أنه سها فيه. ومنها: تنبيه الفاضل المفضول على ما يشكل عليه. ومنها: استفسار السائل المسؤول، وعكسه عما يحتمل ما دار بينهما. ومنها: جواز التبسّم في حضور الجنازة (٤) عند وجود ما يقتضيه، وقد استحبّ أهل العلم عدم التبسّم من أجل تمام الخشوع، فيستثنى منه ما تدعو إليه الحاجة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة:
استُشكِلَ فهمُ التخيير من قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآية حتى أقدم جماعة من الأكابر على العن في صحة هذا الحديث، مع كثرة طرقه، واتفاق الشيخين، وسائر الذين خرّجوا الصحيح على تصحيحه، وذلك ينادي على منكري
стр. 10554
صحته بعدم معرفة الحديث، وقلّة الاطلاع على طرقه.
قال ابن المنيّر: مفهوم الآية زلّت فيه الأقدام، حتى أنكر القاضي أبو بكر صحة الحديث، وقال: لا يجوز أن يُقبل هذا، ولا يصحّ أن الرسول ﷺ قاله انتهى. ولفظ القاضي أبي بكر الباقلاّنيّ في "التقريب": هذا الحديث من أخبار الآحاد التي لا يُعلم ثبوتها. وقال إمام الحرمين في "مختصره": هذا الحديث غير مخرّج في الصحيح، وقال في "البرهان": لا يصححه أهل الحديث. وقال الغزالي في "المستصفى": الأظهر أن هذا الخبر غير صحيح. وقال الداوديّ الشارح: هذا الحديث غير محفوظ.
والسبب في إنكارهم صحته ما تقرّر عندهم مما قدمناه، وهو الذي فهمه عمر ﷺ ، من حمل "أو" على التسوية لما يقتضيه سياق القصّة، وحمل السبعين على المبالغة. قال ابن المنيّر: ليس عند أهل البيان تردد أن التخصيص بالعدد في هذا السياق غير مراد انتهى.
وأيضا فشرط القول بمفهوم الصفة، وكذا العدد عندهم مماثلة المنطوق للمسكوت، وعدم فائدة أخرى، وهنا للمبالغة فائدة واضحة، فأشكل قوله: "سأزيد على السبعين" مع أن حكم ما زاد عليها حكمها.
وقد أجاب بعض المتأخرين عن ذلك بأنه إنما قال: "سأزيد على السبعين" استمالةً لقلوب عشيرته، لا أنه إن زاد على السبعين يغفر له، ويؤيّده تردده في قوله: "لو أعلم أني إن زدت على السبعين يُغفر له لزدت"، لكن ثبتت الرواية بقوله: "سأزيد" ووعْدُهُ صادق، ولا سيما، وقد ثبت قوله: "لأزيدنّ" بصيغة المبالغة في التأكيد.
وأجاب بعضهم باحتمال أن يكون فَعَلَ ذلك استصحابًا للحال، لأن جواز المغفرة بالزيادة كان ثابتًا قبل مجيء الآية، فجاز أن يكون باقيًا على أصله في الجواز، وهذا جواب حسن.
وحاصله أن العمل بالبقاء على حكم الأصل مع فهم المبالغة لا يتنافيان، فكأنه جوّز أن المغفرة تحصل بالزيادة على السبعين، لا أنه جازم بذلك، ولا يخفى ما فيه.
وقيل: إن الاستغفار يتنزّل منزلة الدعاء، والعبد إذا سأل ربّه حاجة، فسؤاله إياه يتنزّل منزلة الذكر، لكنه من حيث طلب تعجيل حصول المطلوب ليس عبادة، فإذا كان كذلك، والمغفرة في نفسها ممكنة، وتعلّق العلم بعدم نفعها لا بغير ذلك، فيكون طلبها لا لغرض حصولها، بل لتعظيم المدعوّ، فإذا تعذّرت المغفرة عُوّض الداعي عنها بما يليق به، من الثواب، أو دفع السوء، كما ثبت في الخبر، وقد يحصل بذلك عن المدعوّ لهم تخفيف، كما في قصّة أبي طالب. هذا معنى ما قاله ابن المنيّر.
стр. 10555
قال الحافظ: وفيه نظر لأنه يستلزم مشروعية طلب المغفرة لمن تستحيل المغفرة له شرعًا، وقد ورد إنكار ذلك في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية.
ووقع في أصل القصّة إشكال آخر، وذلك أنه ﷺ أطلق أنه خُيّر بين الاستغفار لهم، وعدمه بقوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾، وأخذ بمفهوم العدد من السبعين، فقال: "سأزيد عليها" مع أنه سبق قبل ذلك بمدّة طويلة نزول قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ فإن هذه الآية نزلت في قصّة أبي طالب، حين قال ﷺ : "لأستغفرنّ لك، ما لم أُنْهَ عنك"، فنزلت، وكانت وفاة أبي طالب بمكة قبل الهجرة اتفاقًا، وقصة عبد اللَّه بن أُبيّ هذه في السنة التاسعة من الهجرة، كما تقدّم، فكيف يجوز مع ذلك الاستغفار للمنافقين مع الجزم بكفرهم في نفس الآية؟.
قال الحافظ: وقد وقفت على جواب لبعضهم عن هذا، حاصله أن المنهي عنه استغفارٌ تُرجَى إجابته حتى يكون مقصوده تحصيل المغفرة لهم، كما في قصّة أبي طالب، بخلاف الاستغفار لمثل عبد اللَّه بن أُبيّ، فإنه استغفار لقصد تطييب قلوب من بقي منهم.
قال الحافظ: وهذا الجواب ليس بمرضي عندي، ونحوه قول الزمخشريّ، فإنه قال:
فإن قلت: كيف خفي على أفصح الخلق، وأَخبَرِهم بأساليب الكلام، وتمثيلاته أن المِراد بهذا العدد أن الاستغفار، ولو كثر لا يُجدي، ولا سيما وقد تلاه قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية، فبين الصارف عن المغفرة لهم؟
قلت: لم يَخفَ عليه ذلك، ولكنه فعل ما فعل، وقال ما قال، إظهارًا لغاية رحمته، ورأفته على من بُعث إليهم، وهو كقول إبراهيم ﵇: ﴿وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وفي إظهار النبي ﷺ الرأفة المذكورة لطف بأمته، وباعث على رحمة بعضهم بعضًا انتهى.
وقد تعقبه ابن المنيّر وغيره، وقالوا: لا يجوز نسبة ما قاله إلى الرسول ﷺ ، لأن اللَّه أخبر أنه لا يغفر للكفار، وإذا كان اللَّه لا يغفر لهم، فطلب المغفرة لهم مستحيل، وطلب المستحيل لا يقع من النبي ﷺ .
ومنهم من قال: إن النهي عن الاستغفار لمن مات مشركًا لا يستلزم النهي عن الاستغفار لمن مات مظهرًا للإسلام، لاحتمال أن يكون معتقده صحيحًا. وهذا جواب
стр. 10556
جيّد، وقد رجّح الحافظ في تفسير "سورة القصص" (١) أن نزول الآية كان متراخيًا عن قصة أبي طالب جدًّا، وأن الذي نزل في قصته: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ الآية [القصص: ٥٦].
قال: إلا أن في بقية هذه الآية من التصريح بأنهم كفروا باللَّه ورسوله ما يدلّ على أن نزول ذلك وقع متراخيًا عن القصّة، ولعلّ الذي نزل أوّلا، وتمسّك به النبي ﷺ قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ﴾ إلى هنا خاصّة، ولذلك اقتصر في جواب عمر على التخيير، وعلى ذكر السبعين، فلما وقعت القصّة المذكورة كشف اللَّه عنهم الغطاء، وفضحهم على رؤوس الملأ، ونادى عليهم بأنهم كفروا باللَّه، ورسوله.
قال: وإذا تأمل الِمنصف وجد الحامل لمن ردّ الحديث، أو تعسّف في التأويل ظَنُّهُ بأن قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ نزل مع قوله: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾، أي نزلت الآية كاملة، لأنه لو فُرض نزولها كاملة لاقترن بالنهي العلة، وهي صريحة في أن قليل الاستغفار، وكثيره لا يُجدي، وإلا فإذا فُرض ما حرّرته أن هذا القدر نزل متراخيًا عن صدر الآية ارتفع الإشكال، وإذا كان الأمر كذلك، فحجة المتمسّك من القصّة بمفهوم العدد صحيح، وكون ذلك وقع من النبي ﷺ متمسّكًا بالظاهر على ما هو المشروع في الأحكام إلى أن يقوم الدليل الصارف عن ذلك لا إشكال فيه، فللَّه الحمد على ما ألهم، وعلّم انتهى كلام الحافظ ﵀ تعالى ملخصًا (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي حرّره الحافظ حسنٌ جدًّا، وسيأتي زيادة البحث فيما يتعلّق بتأخر نزول آية ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ الآية عن وفاة أبي طالب في "باب النهي عن الاستغفار للمشركين" ١٠٢/ ٢٠٣٥ - إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٩٠١ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ, عَنْ سُفْيَانَ, عَنْ عَمْرٍو, قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا, يَقُولُ: "أَتَى النَّبِيُّ ﷺ , قَبْرَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ, وَقَدْ وُضِعَ فِي حُفْرَتِهِ, فَوَقَفَ عَلَيْهِ, فَأَمَرَ بِهِ, فَأُخْرِجَ لَهُ, فَوَضَعَهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ, وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ, وَنَفَثَ عَلَيْهِ مِنْ رِيقِهِ, وَاللَّهُ أَعْلَمُ".
стр. 10557
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (عبد الجبّار بن العلاء بن عبد الجبّار) العطار، أبو بكر البصريّ، نزيل مكة، لا بأس به، من صغار [١٠] ١٣٢/ ١٩٩.
٢ - (سفيان) بن عيينة الإمام الحجة المشهور [٨] ١/ ١.
٣ - (عمرو) بن دينار الْجُمَحيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقة ثبت [٤] ١١٢/ ١٥٤.
٤ - (جابر) بن عبد اللَّه بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ ﵂ ٣١/ ٣٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من رباعيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو (١١٢) من رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين، غير شيخه، فبصريّ. (ومنها): أن فيه جابرًا ﵁ من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَمْرٍو) بن دينار، أنه (قَال: سَمِعْتُ جَابِرًا) ﵁ (يَقُولُ: "أَتَى النَّبِيُّ ﷺ ، قَبْرَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ، وَقَدْ وُضِعَ فِي حُفْرَتِهِ) أي في قبره (فَوَقَفَ عَلَيْهِ) أي قام على حافة قبره (فَأَمَرَ بِهِ) أي بإخراجه (فَأُخْرِجَ لَهُ، فَوَضَعَهُ عَلَى رُكْبَتَيهِ، وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ، وَنَفَثَ عَلَيْهِ) قال في "المصباح": نَفَثَه من فِيهِ، نفْثًا، من باب ضرب (١): رَمَى به، ونَفَثَ: إذا بَزَق، ومنهم من يقول: إذا بَزَقَ، ولا ريق معه انتهى.
وقال ولي الدين: النَّفْث -بالنون، والفاء، والثاء-: شَبيه بالنفخ، وهو أقلّ من التفْل، قاله في "الصحاح "، و"المحكم"، و"النهاية"، زاد في "النهاية": لأن التَّفْل لا يكون إلا ومعه شيء من الطريق، وقال في "الصحاح": أولُهُ البَزْقُ، ثم التَّفْلُ، ثم النَّفْثُ، ثم النَّفْخُ، ثم قال: في "المحكم": وقيل: هو التفل بعينه، وحكى في "المشارق" كونَ التفل لا يكون إلا ومعه شيء من الطريق، عن أبي عُبيد، ثم قال: وقيل: هما سواء، يكون معهما ريق، وقيل: بعكس الأول انتهى (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قول من قال: إن النفث يكون معه ريق، هو الأشبه، لأنه يؤيّده قوله: (مِنْ رِيقِهِ) و"من" تبعيضية، أي نفث ﷺ عليه بعض ريقه المبارك.
стр. 10558
قال ابن بطال ﵀: فيه حجة على من قال: إن ريق ابن آدم، ونُخامته نجس، وهو قول يُروَى عن سلمان الفارسيّ، والعلماءُ كلهم على خلافه، والسننُ وردت بردّه، فمعاذ اللَّه أن يكون ريق النبي ﷺ نجسًا، ونفثه على وجه التبرك به، وهو ﷺ عَلَّمَنَا النظافة، والطهارة، وبه طهّرنا اللَّه تعالى من الأدناس انتهى (١).
ثم إن ظاهر هذا الحديث يقتضي أنه ﷺ إنما ألبسه قميصه بعد إدخاله حفرته، وهو مخالف لما تقدّم من حديث ابن عمر ﵂، حيث إن ابنه جاء إلى النبي ﷺ ، فسأله قميصه، فاعطاه له، وأمره أن يؤذنه بالصلاة، فآذنه، فلما أراد أن يصلي عليه، جذبه عمر الخ، فإن ظاهره أنه أعطاه قميصه أول وفاته، قبل دفنه، وإدخاله في حفرته.
وقد جمُع بينهما بأن معنى قوله في حديث ابن عمر: "فأعطاه" أي أنعم له بذلك، فأطلق على الْعِدَةِ اسم العطية مجازًا، لتحقّق وقوعها، وكذا قوله في حديث جابر: "بعد ما دُفن عبد اللَّه بن أُبيّ" أي دُلّي في حفرته، وكأن أهل عبد اللَّه بن أبيّ خَشُوا على النبي ﷺ المشقّة في حضوره، فبادروا إلى تجهيزه قبل وصول النبي ﷺ ، فلما وصل وجدهم قد دلُّوه في حفرته، فأمر بإخراجه، إنجازًا لوعده في تكفينه في القميص، والصلاة عليه. واللَّه أعلم.
وقيل: أعطاه ﷺ أحد قيميصه أوّلًا، ثم لما حضر أعطاه الثاني بسؤال ولده. وفي "الإكليل" للحاكم ما يؤيّد ذلك. وقيل: ليس في حديث جابر دلالة على أنه ألبسه قميصه بعد إخراجه من القبر، لأن لفظة "فوضعه على ركبتيه، وألبسه قميصه"، والواو لا ترتّب، فلعلّه أراد أن يذكر ما وقع في الجملة من إكرامه له من غير إرادة ترتيب.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا التأويل الأخير عندي حسنٌ جدًّا. واللَّه تعالى أعلم.
(وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ") أي بحال عبد اللَّه بن أبي، هل هو ممن يستحق قبول شفاعته ﷺ ؟ فيه، أم لا؟ وهذا من كلام جابر ﵁، كما سيأتي التصريح به في - ٩٢/ ٢٠٢٠ - ولفظه: قال جابر: "وصلى عليه، واللَّه أعلم"، ولفظ "الكبرى": "قال جابر: واللَّه أعلم". وقد قدمنا مثله في حديث ابن عباس، عن عمر ﵁. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث جابر ﵁ هذا متفق عليه.
стр. 10559
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٠/ ٢٩٠١ و ٩٢/ ٢٠١٩ و ٢٠٢٠ وفي "الكبرى" ٤٠/ ٢٠٢٨ و ٩٢/ ٢١٤٦ و ٢١٤٧ وأخرجه (خ) ١٢٧٠ و١٣٥٠ و ٥٧٩٥ (م) ٢٧٧٣ (أحمد) ١٤٦٥٧ وبقية المسائل تقدمت في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٩٠٢ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الزُّهْرِيُّ الْبَصْرِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ عَمْرٍو, سَمِعَ جَابِرًا, يَقُولُ: وَكَانَ الْعَبَّاسُ بِالْمَدِينَةِ, فَطَلَبَتِ الأَنْصَارُ ثَوْبًا, يَكْسُونَهُ, فَلَمْ يَجِدُوا قَمِيصًا, يَصْلُحُ عَلَيْهِ, إِلاَّ قَمِيصَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ, فَكَسَوْهُ إِيَّاهُ.
رجال هذا الإسناد: أربعة أيضا، كلهم تقدّموا في السند الماضي إلا:
١ - (عبد اللَّه بن محمد بن عبدالرحمن الزهريّ البصريّ) صدوق، من صغار [١٠] ٢٤/ ٤٨.
ومن لطائف السند أيضًا من رباعيات المصنف، كسابقه، وهو (١١٣) من رباعيات الكتاب. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَمْرٍو) بن دينار، أنه (سَمِعَ جَابِرًا) ﷺ (يَقُولُ: وَكَانَ الْعَبَّاسُ بِالْمَدِينَةِ) أي حينما أُسِرَ في بدر، وفي رواية البخاريّ في "الجهاد والسير" في ١٤٢/ ٣٠٠٨ - قال: لما كان يوم بدر أُتي بأسارى، وأتي بالعباس، ولم يكن عليه ثوب، فنظر النبي ﷺ له قميصا، فوجدوا قميص عبد اللَّه بن أُبيّ، يَقْدُرُ عليه، فكساه النبي ﷺ إياه، فلذلك نزع النبي ﷺ قميصه الذي ألبسه" انتهى (فَطَلَبَتِ الْأَنْصَارُ) هذا لا تنافي بينه، وبين ما قبله من رواية البخاريّ، إذ معناه أن الأنصار لما علموا طلب النبي ﷺ قميصا لعمه العباس، أرادوا أن يكون لهم الفضل في ذلك، فطلبوا من قبيلتهم (ثَوْبًا، يَكْسُونَهُ) أي يكسون العباس ذلك الثوب (فَلَمْ يَجِدُوا قَمِيصًا، يَصْلُحُ عَلَيْه) أي يأتي على قدر العباس، لكونه مُفرطًا في الطول (إِلاَّ قَمِيصَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ) لكونه طويلا مثل العباس (فَكَسَوْهُ إِيَّاهُ) أي كست الأنصار العباس قميص عبد اللَّه بن أبيّ، فلذا نزع النبي ﷺ قميصه لعبد اللَّه بن أبيّ حينما مات، وكفّنه به، مكافئة. ففي رواية البخاريّ في "الجهاد" ٢٤٢/ ٣٥٠٨ - قال ابن عيينة: كانت له عند النبي ﷺ يدٌ، فأحبّ أن يكافئه. وفي رواية له في "الجنائز" ٧٧/ ١٣٥٠ - قال سفيان: فيرون أن النبي ﷺ ألبس عبد اللَّه قميصه، مكأفاة لما صنع بالعباس انتهى.
стр. 10560
ولا تنافي بين هذه الرواية، والرواية المتقدمة حيث جعل هناك سبب إعطاء النبي ﷺ قميصه لعبد اللَّه بن أُبَيِّ طَلَبَ ولده عبد اللَّه بن عبد اللَّه ذلك منه، لإمكان كون الأمرين سببا لذلك، وذلك أنه لما مات ابنُ أُبَيٍّ جاء ولده إلى النبي ﷺ يؤذنه بذلك، وطلب منه أن يُعْطِيَهُ قميصه، ويصلي عليه، فأعطاه قميصه، مكأفاة لابن أبيّ، وإكراما لولده. وقد تقدم هذا الجمع قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث جابر ﷺ هذا أخرجه البخاريّ.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٠/ ١٩٢ - وفي "الكبرى" ٤٠/ ٢٠٢٩٠ وأخرجه (خ) ٣٠٠٨. وبقية المسائل تقدّمت قبل حديث. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٩٠٣ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, عَنِ الأَعْمَشِ ح وَأَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ, قَالَ: سَمِعْتُ الأَعْمَشَ, قَالَ: سَمِعْتُ شَقِيقًا, قَالَ: حَدَّثَنَا خَبَّابٌ, قَالَ: "هَاجَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , نَبْتَغِي وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى, فَوَجَبَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ, فَمِنَّا مَنْ مَاتَ, لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا, مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ, قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ, فَلَمْ نَجِدْ شَيْئًا, نُكَفِّنُهُ فِيهِ, إِلاَّ نَمِرَةً, كُنَّا إِذَا غَطَّيْنَا رَأْسَهُ, خَرَجَتْ رِجْلَاهُ, وَإِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رِجْلَيْهِ, خَرَجَتْ رَأْسُهُ, فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , أَنْ نُغَطِّىَ بِهَا رَأْسَهُ, وَنَجْعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ إِذْخِرًا, وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ, فَهُوَ يَهْدِبُهَا". وَاللَّفْظُ لإِسْمَاعِيلَ.
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عُبيد اللَّه بن سعيد) أبو قُدامة السرخسيّ، نزيل نيسابور، ثقة ثبت [١٠] ١٥/ ١٥.
٢ - (إسماعيل بن مسعود) الْجَحْدَريّ البصريّ، ثقة [١٠] ٤٢/ ٤٧.
٣ - (يحى بن سعيد) القطّان البصريّ الإمام الثبت الحجة [٩] ٤/ ٤.
٤ - (الأعمش) سليمان بن مهران الكوفيّ، ثقة ثبت فاضل، يدلس [٥] ١٧/ ١٨.
٥ - (شيّق) بن سلمة، أبو وائل الكوفيّ، ثقة ثبت مخضرم فقيه [٢] ٢/ ٢.
٦ - (خباب) بن الأرتّ، أبو عبد اللَّه التميمي الصحابي المشهور ﵁ ٢/ ٤٩٧. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 10561
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه إسماعيل، فإنه من أفراده، وهو ثقة. (ومنها): أن فيه كتابة ح إشارة إلى تحويل الإسناد، وفيه رواية تابعي، عن تابعي، وعبيدُ اللَّه سرخسيّ، ثم نيسابوري، وإسماعيل، ويحى بصريان، والباقون كوفيون. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن خبّاب ﵁ أنه: (قال: هَاجَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) أي بأمره وإذنه، أو المراد بالمعية الاشتراك في حكم الهجرة، إذ لم يكن معه حسّا إلا الصّدّيق، وعامرُ بن فُهَيرة ﵄ (نَبْتَغِي وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى) أي نطلب بهجرتنا مرضاة اللَّه تعالى، لا عَرَضًا من الدنيا. وقال في "الفتح": أي جهة ما عنده، من الثواب، لا جهة الدنيا انتهى (فَوَجَبَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ) وفي رواية للبخاريّ من طريق ابن عيينة، عن الأعمش: "فوقع أجرنا على اللَّه"، والمراد بالوجوب على اللَّه إيجابه على نفسه بمقتضى وعده الصادق، حيث قال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ الآية [التوبة: ٧٢]. وقال: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ [الزمر: ٢٠] (فَمِنَّا مَنْ مَاتَ، لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أجْرِهِ شَيئًا) أي من عرض الدنيا، وهو كناية عن الغنائم التي تناولها من أدرك زمن الفتوح، وكأن المراد بالأجر ثمرته، فليس مقصورًا على أجر الآخرة (١).
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وهذا مشكل على ما تقدّم من تفسير ابتغاء وجه اللَّه، ويُجْمَع بأن إطلاق الأجر على المال في الدنيا بطريق المجاز بالنسبة لثواب الآخرة، وذلك أن القصد الأول هو ما تقدّم لكن منهم من مات قبل الفتوح، كمصعب بن عُمير، ومنهم من عاش إلى أن فُتح عليهم، ثمّ انقسموا، فمنهم من أعرض عنه، وواسى به المحاويج، أوّلًا، فأوّلًا، بحيث بقي على تلك الحالة الأولى، وهم قليل، منهم أبو ذرّ، وهؤلاء ملتحقون بالقسم الأول، ومنهم من تبسّط في بعض المباح فيما يتعلّق بكثرة النساء، والسراري، أو الخدم، والملابس، ونحو ذلك، ولم يستكثروا، وهم كثير، ومنهم ابن عمر، ومنهم من زاد، فاستكثر بالتجارة، وغيرها، مع القيام بالحقوق الواجبة والمندوبة، وهم كثير أيضًا، منهم عبد الرحمن بن عوف، وإلى هذين القسمين أشار
стр. 10562
خبّاب، فالقسم الأول، وما التحق به توفّر له أجره في الآخرة، والقسم الثاني مقتضى الخبر أنه يُحسب عليهم ما وصل إليهم، من مال الدنيا، من ثوابهم في الآخرة، ويؤيّده ما أخرجه مسلم، من حديث عبد اللَّه بن عمرو، رفعه: "ما من غازية، تغزو، فتغنَمُ، وتَسْلَمُ، إلا تعجّلوا ثلثي أجرهم … " الحديث. ومن ثَمَّ آثر كثير من السلف قلّة المال، وقنعوا به، إما ليتوفّر لهم ثوابهم في الآخرة، وإما ليكون أقلَّ لحسابهم عليه (١).
(مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ) أي من هؤلاء الذين لم يأكلوا من أجرهم شيئًا مصعب بن عُمير -بصيغة التصغير- ابن هشام بن عبد مناف بن عبد الدار بن قُصيّ، يجتمع مع النبي ﷺ في قُصيّ، وكان يُكنى أبا عبد اللَّه، من السابقين إلى الإسلام، وإلى هجرة المدينة، قال الحافظ ابن عبد البرّ: أسلم قديما، والنبي ﷺ في دار الأرقم، وكتم إسلامه خوفا من أمه، فعَلِمَه عثمان بن طلحة، فأعلم أهله، فأوثقوه، فلم يزل محبوسًا، إلى أن هرب مع من هاجر إلى الحبشة، ثم رجع مع من رجع إلى مكة، فهاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا، ثم أحدًا، ومعه اللواء، فاستُشهد. وقال البراء: أول من قدم علينا مُصعب ابن عمير، وابن أم مكتوم، وكانا يقرئان القرآن، أخرجه البخاريّ في "صحيحه". وذكر ابن إسحاق أن النبي ﷺ أرسله مع أهل العقبة الأولى، يقرئهم، ويُعلّمهم، وكان مصعب، وهو بمكة في ثروة، ونعمة، فلما هاجر صار في قلّة، فأخرج الترمذيّ من طريق محمد بن كعب، حدثني من سمع عليًا، يقول: "بينما نحن في المسجد، إذ دخل علينا مصعب بن عُمير، وما عليه إلا بُردة، له مرقوعة بفروة، فبكى رسول اللَّه ﷺ لما رآه للذي كان فيه من النعم، والذي هو فيه اليوم" (٢).
(قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ) جملة مستأنفة، أو في محلّ نصب على الحال من "مصعب"، أي استُشهد في غزوة أحد، وكان صاحب لواء رسول اللَّه ﷺ يومئذ، ثبت ذلك في مرسل عُبيد بن عُمير بسند صحيح، عند ابن المبارك في "كتاب الجهاد". قاله في "الفتح" (فَلَمْ نَجِدْ شَيْئًا، نكَفِّنُهُ فِيهِ، إِلَّا نَمِرَةً) بفتح النون، وكسر الميم، ثم راء: هي إزار، من صوف، مخطّط، أو بُردة. وفي "المصباح": والنّمِرَة" بفتح النون، وكسر الميم: كساء فيه خطوط، بِيض، وسُودٌ، تلبسه الأعراب، قال ابن الأثير: وجمعها نِمَار، كأنها أُخذت من لون النمر، لما فيها من السواد والبياض انتهى (٣) (كُنَّا إِذَا غَطَّيْنَا رَأْسَهُ) أي سترنا
стр. 10563
بتلك النمرة رأس مصعب ﵁ (خَرَجَتْ رِجْلَاهُ) لكونها قصيرة، لا تواري جسده كلّه (وَإِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رِجْلَيْهِ، خَرَجَتْ رَأْسُهُ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَنْ نُغَطِّيَ بِهَا رَأْسَهُ) فيه أنه إذا لم يواري الثوب جميع بدن الميت، فرأسه أولى بالستر (وَنَجْعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ إِذْخِرًا) بكسر الهمزة، وسكون الذال المعجمة، وكسر الخاء المعجمة، بعدها راء: نبات معروف، ذَكيّ الريح، وإذا جفّ ابيضّ. قاله في "المصباح". وقال ابن الأثير ﵀: حَشيشة طيّبة الرائحة، تسقّف بها البيوت فوق الخشب، وهمزتها زائدة، وإنما ذكرناها ههنا -يعني باب الهمزة- حملًا على ظاهر لفظها. انتهى (١) (وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ) بفتح الهمزة، وسكون التحتانية، وفتح النون والمهملة: أي نضِجَتْ، واستحقت القَطْفَ، وفي بعض الروايات: "يَنَعَت" بغير ألف، وهي لغة، قال القزّاز: وأينعت أكثرُ. قاله في "الفتح" (٢) وفي "المصباح": يَنَعَتِ الثمارُ، يَنْعًا، من بابي نَفَعَ، وضَرَبَ: أدركت، والاسم اليُنْعُ بضمّ الياء، وفتحها، وبالفتح قرأ السبعة: ﴿ويَنْعِهِ﴾ فهي يانِعِةٌ، وأينعَتْ بالألف مثله، وهو أكثر استعمالًا من الثلاثيّ انتهى (٣) (فَهُوَ يَهْدِيُهَا) بفتح أوله، وسكون ثانيه، وكسر المهملة، أي يجتنيها، ويقتطفها. وضبطه النوويّ بضم الدال، وحكى ابن التين تثليثها. (٤). واللَّه تعالى أعلم.
وقوله (وَاللَّفْظُ لِإِسْمَاعِيلَ) أي لفظ هذا الحديث الذي ساقه لفظ شيخه إسماعيل بن مسعود، وأما شيخه عبيد اللَّه فرواه بمعناه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث خباب ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٤٠/ ١٩٠٣ - وفي "الكبرى" ٤٠/ ٢٥٣٥ - وأخرجه (خ) ١٢٧٦ و ٣٨٩٧ و ٣٩١٤ و ٤٠٤٧ و ٦٤٣٢ و ٦٤٤٨. (م) ٩٤٠ (د) ٢٨٧٦ (ت) ٣٨٥٣ (أحمد) ١٠٥٥٤ و ٢٠٥٥٠ و ٢٠٥٦٧. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 10564
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو بيان مشروعية الكفن بدون القميص. ومنها: أن الكفن يكون سائرًا لجميع البدن، إن تيسّر، وإلا فستر رأسه أولى. ومنها: ما كان عليه السلف، من الصدق في وصف أحوالهم. ومنها: أن الصبر على مكابدة الفقر، وصعوبته من منازل الأبرار. ومنها: أن هجرة أصحاب رسول اللَّه ﷺ لم تكن لدنيا، يصيبونها، ولا نعمة يتعجّلونها، وإنما كانت خالصة للَّه تعالى، ليثيبهم عليها في الآخرة أجرا عظيما، كما وعدهم بذلك، فمن مات منهم قبل فتح البلاد توفّر له ثوابه، ومن بقي حتى نال من طيبات الدنيا خَشِيَ أن يكون عُجّل له أجر طاعته، كما ثبت في قصة عبدالرحمن بن عوف، فقد أخرج البخاريّ في "صحيحه"، فقال:
١٢٧٥ - حدثنا محمد بن مقاتل، أخبرنا عبد اللَّه، أخبرنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه إبراهيم، أن عبد الرحمن بن عوف، ﵁، أُتي بطعام، وكان صائما، فقال: قُتل مصعب بن عمير، وهو خير مني، كفن في بُردة، إن غُطي رأسه، بدت رجلاه، وإن غطي رجلاه، بدا رأسه، وأُراه قال: وقُتل حمزةُ، وهو خير مني، ثم بُسط لنا، من الدنيا ما بسط، أو قال: أعطينا من الدنيا ما أعطينا، وقد خَشِينا أن تكون حسناتنا، عجلت لنا، ثم جعل يبكي، حتى ترك الطعام.
وبالجملة فكانوا أحرص الناس على نعيم الآخرة، - رضي اللَّه تعالى عنهم -، وعنّا معهم برحمته، إنه أرحم الراحمين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: دلّ هذا الحديث على أن الكفن من جميع المال:
قال الإمام ابن المنذر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: "ذِكْرُ إخراج الكفن قبل قضاء الديون، والوصايا، والمواريث": اختلف أهل العلم في الكفن من أين يُخرَج؟ فقال أكثر أهل العلم: يُخرج من جميع المال، هكذا قال سعيد بن المسيّب، وعطاء، ومجاهد، والحسن البصريّ، وعمرو بن دينار، والزهريّ، وعمر بن عبد العزيز، وقتادة، ومالك، وسفيان الثوريّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وابن الحسن، وروينا ذلك عن الشعبيّ، والنخعيّ. قال: وبهذا نقول، لأن خبر مصعب بن عُمير دليل على ذلك، وهو قوله: "لم يترك إلا نمرة، كفّن فيها".
قال: وفي المسألة قولان شاذّان: أحدهما قول خِلَاس بن عمرو: إن الكفن من الثلث. والقول الثاني قول طاوس: إن الكفن من جميع المال، وإن كان المال قليلًا، فمن الثلث. وفي حديث ابن عباس ﵄ في قصة المحرم الذي مات دليل على أن
стр. 10565
الكفن من رأس المال، وهو قوله: "وكفّنوه في ثوبيه " انتهى كلام ابن المنذر -﵀ تَعَالَى- (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله ابن المنذر -﵀ تَعَالَى- حسنٌ جدًّا. وحاصله أن الكفن من جميع المال، وأنه مقدّم على الدين والوصية، لأن النبي ﷺ نصّ على تكفين مصعب بتلك النمرة، ولم يستفصل، هل عليه دين، أو وصية، أم لا؟ وكذلك في قصّة المحرم، كما سيأتي، إن شاء اللَّه تعالى، وقد ثبت عن الإمام الشافعي -﵀ تَعَالَى- مقالته المشهورة وهي، قاعدةٌ مسلّمة لَدَى المحقّقين في باب الاستدلال، وهي: "تركُ الاستفصال، في حكاية الحال، مع يّام الاحتمال، ينزّل منزلة العموم في المقال". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب"
…
٤١ - كَيْفَ يُكَفَّنُ الْمُحْرِمُ إِذَا مَاتَ
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وهكذا ترجم الإمام البخاريّ -﵀ تَعَالَى-، فقال ابن المنيّر ﵀: تضمّنت الترجمة الاستفهام عن الكيفية، مع أنها مبيّنة، لكنها لما كانت تحتمل أن تكون خاصة بذلك الرجل، وأن تكون عامة لكلّ محرم آثر المصنّف الاستفهام انتهى.
قال الحافظ -﵀ تَعَالَى-: والذي يظهر لي أن المراد بقوله: "كيف يُكفّن" أي كيفية التكفين، ولم يرد الاستفهام، وكيف يُظنّ به أنه متردد فيه، وقد جزم قبل ذلك بأنه عامّ في حقّ كلّ أحد، حيث ترجم بجواز التكفين في ثوبين؟ انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله الحافظ -﵀ تَعَالَى- حسنٌ جدًّا.
وحاصله أن مقصود الترجمة الإشارة إلى أن الحديث المذكور تحتها فيه بيان كيفية تكفين المحرم إذا مات في حال إحرامه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
١٩٠٤ - أَخْبَرَنَا عُتْبَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ نَافِعٍ, عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اغْسِلُوا الْمُحْرِمَ فِي ثَوْبَيْهِ اللَّذَيْنِ أَحْرَمَ فِيهِمَا, وَاغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ, وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ, وَلَا تُمِسُّوهُ بِطِيبٍ,
стр. 10566
وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ, فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُحْرِمًا».
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عتبة بن عبد اللَّه) بن عُتبة الْيُحْمِديّ، أبو عبد اللَّه المروزيّ، صدوق [١٠] ٨١/ ٩٨.
٢ - (يونس بن نافع) الْخُراسانيّ، أبو غانم القاضي، صدوق يخطئ [٨].
روى عن أبي سهل كثير بن زياد، وعمرو بن دينار، وأبي الزبير، ومنيع بن عبد اللَّه، وأبي إياس الشاميّ، والمثنى. وعنه حامد بن آدم، وابن المبارك، وعتبة بن عبد اللَّه، ومعاذ بن أسد، وأبو تُملية المروزبون. قال ابن المبارك: هو أول من اختلفت إليه. قال النسائي في "الكبرى" بعد إيراد حديث الباب: ما نصّه: قال أبو عبد الرحمن: يونس بن نافع، يُكنى أبا غانم، ثقة مروزيّ، روى عنه عبد اللَّه بن المبارك انتهى. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: يُخطىء، مات سنة (١٥٩). روى له أبو داود، والمصنف، وله عنده في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٣ - (عمرو بن دينار) هو المذكور في الباب الماضي.
٤ - (سعيد بن جُبير) الأسديّ مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٢٨/ ٤٣٦.
٥ - (ابن عبّاس) عبد اللَّه البحر ﵄ ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، يونس بن نافع، وقد وُثّق. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه ابن عباس من المكثرين السبعة، والعبادلة الأربعة، ومن المشهورين بالفتوى. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ) ﵄، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اغْسِلُوا الْمُحْرِمَ) وفي بعض النسخ: "اغسلوا الميت"، و، "ال" فيهما للعهد الحضوريّ، أي الرجل الذي مات محرما عندهم في عرفة، كما يوضّحه سياق الحديث، فإنه مختصر، وسيأتي تاما في "كتاب مناسك الحجّ"، ولفظه في -٩٩/ ٢٨٥٥ - من طريق أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄، قال: بينا رجل واقف بعرفة مع رسول اللَّه ﷺ ، إذ وقع من راحلته، فأقعصه -أو قال فأقعصته- فقال رسول اللَّه ﷺ : "اغسلوه بماء وسدر، وكفّنوه في ثوبين، ولا تحنّطوه، ولا تخمّروا رأسه، فإن اللَّه يبعثه يوم القيامة ملبيًا".
ومعنى "أقعصه": أي قتله قتلًا سريعًا. وفي لفظ: "وقصت رجلًا محرما ناقته: أي
стр. 10567
كسرت عنقه.
(فِي ثَوْبَيْهِ) متعلّق بـ "اغسلوا" (اللَّذَيْنِ أَحْرَمَ فِيهِمَا) فيه أن المحرم يغسل في ثوبيه، ولا يُنزعان منه عند الغسل، لئلا تنكشف عورته (وَاغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ) فيه أن السدر ليس من الطيب المحرّم على المحرم (وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ) هذا نصّ في أن كفن المحرم ثوباه اللذان أحرم بهما، ولا يزاد عليهما غيرهما.
وفي رواية أخرى: "في ثوبين" بدون الضمير، قال القاضي عياض: والأولى أكثر الروايات، قال القرطبيّ: فعلى الرواية الأولى يحتجّ الشافعيّ على بقاء حكم إحرامه، كما سيأتي، لأنه أمر أن يكفّن في ثيابه التي كانت عليه. والرواية الثانية يحتمل أن تُحمل على الأولى، ويحتمل أن يريد زيدوا على ثوبه الذي أحرم فيه ثوبين، ليكون كفنه وترًا، والأول أولى لأن إحدى الروايتين مفسِّرة للأخرى.
وقال المحبّ الطبريّ ﵀ في "أحكامه": إنما لم يزده ثوبًا ثالثًا، تكرمةً له، كما في الشهيد، حيث قال: "زمّلوهم بدمائهم" انتهى (١).
وقال في "الفتح": يحتمل اقتصاره له على التكفين في ثوبيه، لكونه مات فيهما، وهو متلبّس بتلك العبادة الفاضلة، ويحتمل أنه لم يجد له غيرهما انتهى (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الاحتمال الأول هو الظاهر، كما بينه المحبّ الطبريّ، ورجحه القرطبيّ -رحمهما اللَّه تعالى-. واللَّه تعالى أعلم.
(وَلَا تَمَسُّوهُ) بفتح التاء، والميم، يقال: مَسّ الماء الجسدَ، من باب تَعِبَ، مَسًّا: أصابه، ويتعدى إلى ثان بالحرف، وبالهمزة، فيقال: مسِسْتُ الجسدَ بماء، وأمسَسْتُ الجسد الماءَ. قاله في "المصباح"، فالباء في قوله (بِطِيبٍ) للتعدية، فما وقع في شرح السيوطيّ، والسنديّ، من ضبطه بضم التاء، وكسر الميمَ، من الإمساس رباعيا فغلطٌ، لأن الرباعيّ يتعدى بنفسه، لا بالباء، ولفظ الرواية الآتية في- ٩٨/ ٢٨٥٤ - : "ولا تُمسّوه طيبًا" وعليه فهو بضم التاءِ، وكسر الميم، من الإمساس. فتنبّه. وفي الرواية الآتية في- ٩٩/ ٢٨٥٥ - : "ولا تُحَنِّطُوه": هو بالحاء المهملة: أي لا تمسوه حَنُوطًا، والْحَنُوط بفتح الحاء، ويقال له: الْحِنَاط بكسر الحاء، وهو أخلاط من طيب، تُجمع للميت خِاصّة، لا تُستعمل في غيره (٣).
(وَلَا تخُمِّرُوا رَأْسَهُ) أي لا تُغَطُّوا رأسه، ثم علّل النهي بقوله (فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
стр. 10568
مُحْرِمًا") أي لأنه يُبعث يوم القيامة على الحالة التي مات عليها، وهي الإحرام. وفي الرواية الآتية - في - ٩٩/ ٢٨٥٥ - "فإن اللَّه يَبعثه يوم القيامة ملبّيًا". وفي لفظ: "يُبْعَثُ يُهِلُّ"، وفي لفظ: "يلبي".
قال النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: معناه على الهيئة التي مات عليها، ومعه علامة لحجّه، وهي دلالة الفضيلة، كما يجيء الشهيد يوم القيامة، وأوداجه تَشْخَب دمًا انتهى.
ووقع في رواية: "يبعث يوم القيامة ملبّدًا" بدال بدل التحتانية، والتلبيد جمع الشعر بصمغ، أو غيره، ليخفّ شعثه، وكانت عادتهم في الإحرام أن يصنعوا ذلك. وقد أنكر عياض هذه الرواية، وقال: ليس للتلبيد معنى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لا وجه لإنكار القاضي عياض درواية "مُلَبِّدًا" بعد صحة نقلها، ودعواه عدم المعنى لها، غير صحيحة، بل لها معنى مقصود، وهو أن يكون التلبيد علامة على موته، وهو كذلك، كما أن الشهيد يأتي بدمه وكلمه علامة على
موته كذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن عباس ﵄ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٤١/ ١٩٠٤ - و ٤٧/ ٢٧١٣ و ٩٨/ ٢٨٥٤ و ٩٩/ ٢٨٥٥ و ٢٨٥٦ و ١٠٠/ ٢٨٥٧ و ١٠١/ ٢٨٥٨٠ وفي "الكبرى" ٤١/ ٢٠٣١ و ٩٦/ ٣٨٣٦ و ٩٧/ ٣٨٣٧ و ٩٨/ ٣٨٣٨ و ٣٨٣٩ و ٩٩/ ٣٨٤٠ و ١٠٠/ ٣٨٤١. وأخرجه (خ) ١٢٦٥ و ١٢٦٦ و ١٢٦٧ و ١٨٥٠ و ١٨٥١ (م) ١٢٠٦ (د) ٣٢٣٨ و ٣٠٨٤ (ق) ٣٠٨٤ (أحمد) ١٨٥٣ و ١٩١٧ و٢٣٩٠ و ٢٥٨٦ (الدارمي) ١٨٥٢ واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو بيان كيفية تكفين المحرم. ومنها: استحباب تكفين المحرم في ثياب إحرامه، وأن إحرامه باق. ومنها: أنه لا يكفّن في المخيط. ومنها: أن فيه التعليل بالفاء، لقوله: "فإنه يبعث الخ". ومنها: أن التكفين في الثياب الملبوسة جائز، قال النووي ﵀: وهو مجمع عليه انتهى. ومنها: جواز التكفين في ثوبين، والأفضل الثلاثة إذا تيسر، لغير المحرم. ومنها: أن الكفن يكون من
стр. 10569
رأس المال، وأنه مقدّم على الدين وغيره، لأن النبي ﷺ أمر بتكفينه في ثوبيه، ولم يستفصل هل عليه دين مستغرق، أم لا؟ ومنها: أن التكفين واجب، قال النوويّ ﵀. وهو إجماع في حقّ المسلم، وكذلك غسله، والصلاة عليه، ودفنه انتهى. (١)
ومنها: استحباب دوام التلبية في الإحرام، واستحباب التلبيد. ومنها: إباحة غسل المحرم الحيّ بالسدر، خلافًا لمن كرهه له. ومنها: أن الوتر في الكفن ليس بشرط في الصحّة، بل هو مستحبّ لغير المحرم، وهو قول الجمهور، واختلف فيما إذا شحّ بعض الورثة بالثاني، أو الثالث، والمرجّح أنه لا يلتفت إليه، وأما الواحد الساتر لجميع البدن، فلا بدّ منه بالاتفاق. (٢) ومنها: أن الإحرام يتعلّق بالرأس، وسيأتي الكلام على ما وقع في -٤٧/ ٢٧١٤ - بلفظ: "ولا تخمروا وجهه، ورأسه الخ" في محله إن شاء اللَّه تعالى. ومنها: أن من شرع في عمل طاعة، ثم حال بينه وبين إتمامه الموت يُرجَى له أن اللَّه يكتبه في الآخرة من أهل ذلك العمل. ومنها: أنه يدلّ على ترك النيابة في الحجّ، لأنه ﷺ لم يأمر أحدًا أن يُكَمِّل عن هذا المحرم أفعال الحجّ. هكذا قيل، وفيه نظر لا يخفى. (٣) ومنها: أنه استنبط الإمام الشافعي، وتبعه المزنيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- من هذا الحديث جواز قطع شجر السدر، لقوله: "اغسلوه بماء وسدر". وأما حديث: "من قطع شجر سدر، صوّب اللَّه رأسه في النار". حديث صحيح أخرجه أبو داود، فمحمول على من قطع ما يَستَظِلُّ به ابنُ السبيل، والبهائم عبثا بغير حقّ، وقيل: غير ذلك. واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: أغرب القرطبيّ، فحكى عن الشافعيّ أن المحرم لا يصلَّى عليه، وليس ذلك بمعروف عنه. ذكره في "الفتح" (٤). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: في اختلاف العلماء فيما يُفعل بالمحرم إذا مات:
قال الإمام ابن المنذر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وقد اختلف أهل العلم في تخمير رأس المحرم الميت، وتطييبه، فقالت طائفة: يُصنع به كما يُصنع بسائر الموتى، هذا قول عائشة، وبه قال عمر، وطاوس، والأوزاعيّ، وأصحاب الرأي، وقال مالك: لا بأس بأن يُحنِّطَ الحلالُ المحرمَ الميتَ بالطيب.
وقالت طائفة: لا يُغطى رأسه، ولا يُمسّ طيبا، رُوي هذا القول عن عليّ ﵁،
стр. 10570
وقال ابن عباس ﵄: لا يُغطّى رأسه، وقال الشافعيّ: لا يُمسّ طيبًا، ولا يُخمّر رأسه، وبه قال أحمد، وإسحاق.
قال ابن المنذر ﵀: وبما ثبت عن رسول اللَّه ﷺ نقول -يعني حديث الباب-. قال: وكان الثوريّ يميل إلى القول بالحديث،
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وبما قاله ابن المنذر، ومال إليه الثوريّ -رحمهما اللَّه تعالى- أقول، لصحة المنقول.
وحاصله أن المحرم الميت يكفّن في ثوبيه، ولا يمسّ طيبًا، ولا يغطّى رأسه، كما أرشد إلى ذلك النبي ﷺ في حديث الباب. واللَّه تعالى أعلم.
قال: وروينا عن عطاء قولا ثالثًا، وهو أن يُغسل بالماء، ويكفّن، وُيغطّى رأسه، ولا يُحنّط.
قال: واختلفوا في تخمير وجهه، فأما من قال: إذا مات المحرم ذهب إحرامه، فلا معنى للمسألة على مذهبه، لأنه يَرى أن يُفعل به كما يُفعل بسائر الموتى، وقياس قول من رأى أن للمحرم الحيّ أن يُخمِّرَ وجهَهُ أن يقول: يُخَمِّرُ وجهُ المحرم الميت.
وممن كان لا يرى بأسًا أن يُخَمِّرَ المحرمُ وجهَهُ سعد بن أبي وقّاص، وجابر بن عبد اللَّه، والقاسم بن محمد، وطاوس، والثوريّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور.
وكرهت طائفة من أصحاب الحديث أن يُخَمِّرَ وجهَهُ، وأن يُخَمَّر وجهُ المحرم الميت. وحُجَّةُ هؤلاء حديثُ ابن عباس الآتي ٤٧/ ٢٧١٤ - بلفظ: "ولا تخمروا وجهه ورأسه … ".
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما عزاه إلى أصحاب الحديث هو الحقّ، لصحة الحديث بذلك كما سيأتي في محله إن شاء اللَّه تعالى، واللَّه تعالى أعلم (١).
وقال في "الفتح" عند قول البخاريّ: "باب الحنوط للميت ": أي غير المحرم، وأورد حديث ابن عباس المذكور في الباب، قال: وشاهد الترجمة قوله: "ولا تحنّطوه"، ثم علل بأنه يُبعث ملبيًا، فدلّ على أن سبب النهي أنه كان محرمًا، فإذا انتفت العلّة انتفى النهي، وكأن الحنوط للميت كان مقرّرا عندهم، وكذا قوله: "ولا تخمّروا رأسه"، أي لا
تُغَطُّوه.
قال البيهقيّ ﵀: فيه دليل على أن غير المحرم يُحنّط، كما يُخمّر رأسه، وأن
стр. 10571
النهي إنما وقع لأجل الإحرام، خلافا لمن قال من المالكيّة وغيرهم: إن الإحرام ينقطع بالموت، فيُصنع بالميت ما يُصنع بالحيّ. قال ابن دقيق العيد ﵀: وهو مقتضى القياس، لكن الحديث بعد أن ثبت يقدّم على القياس. وقد قال بعض المالكية: إثبات الحنوط في هذا الخبر بطريق المفهوم من منع الحنوط للمحرم، ولكنها واقعة حال، يتطرّق الاحتمال إلى منطوقها، فلا يستدلّ بمفهومها.
وقال بعض الحنفية: هذا الحديث ليس عامّا بلفظه، لأنه في شخص معيّن، ولا بمعناه، لأنه لم يقل: يبعث ملبيا لأنه محرم، فلا يتعدى حكمه إلى غيره إلا بدليل منفصل. وقال ابن بزيزة: وأجاب بعض أصحابنا عن هذا الحديث بأن هذا مخصوص بذلك الرجل، لأن إخباره ﷺ بأنه يُبعث ملبيا شهادة بأن حجه قُبل، وذلك غير محقّق لغيره. وتعقّبه ابن دقيق العيد بان هذه العلة إنما ثبتت لأجل الإحرام، فتعمّ كلّ محرم، وأما القبول وعدمه فأمر مغيّب.
واعتلّ بعضهم بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]، وبقوله ﷺ : "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث"، وليس هذا منها، فينبغي أن ينقطع عمله بالموت.
وأجيب بأن تكفينه في ثوبي إحرامه، وتبقيته على هيئة إحرامه من عمل الحيّ بعده، كغسله، والصلاة عليه، فلا معنى لما ذكره.
وقال ابن المنيّر ﵀ في "الحاشية": وقد قال ﷺ في الشهداء: "زمّلوهم بدمائهم" مع قوله: "واللَّه أعلم بمن يُكلم في سبيله"، فعمّم الحكم في الظاهر، بناء على ظاهر السبب، فينبغي أن يُعمّم الحكم في كلّ محرم، وبين المجاهد والمحرم جامعٌ، لأن كلاّ منهما في سبيل اللَّه. وقد اعتذر الداوديّ عن مالك، فقال: لم يبلغه هذا الحديث. وأورد بعضهم أنه لو كان إحرامه باقيًا، لوجب أن يكمّل به المناسك، ولا قائل به.
وأجيب بأن ذلك ورد على خلاف الأصل، فيقتصر به على مورد النصّ، ولا سيّما وقد وضح أن الحكمة في ذلك استبقاء شعار الإحرام، كاستبقاء دم الشهيد انتهى ما قاله في "الفتح" (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أكثر هذه الأقوال آراء ساقطة، لأنها في مقابلة النصّ، واحتجاج على المنقول بالمعقول، وأحسن ما يُعتذر به عن الأئمة كمالك، ونحوه هو ما قاله الداوديّ، وهو أنه لم يبلغهم النصّ، وإلا لما خالفوه مع وضوحه.
стр. 10572
والحاصل أن الصواب العمل بما دلّ عليه حديث ابن عباس ﵄ المذكور في الباب، فلا يُخمّر رأسه المحرم الميت، ولا وجهه، ولا يحنّط، وأنه باق على إحرامه، وأن العلة هي الإحرام، وهي عامة في كل محرم، والأصل أن ما ثبت لشخص في زمنه ﷺ ثابت لغيره حتى يدلّ الدليل على خلافه، ولم يثبت خلافه، كيف، وقد ثبت أنه ﷺ قال: "يبعث كلّ عبد على ما مات عليه" رواه مسلم، وهذا عام في كل صورة ومعنى، فاقتضى ذلك تعلق هذا الحكم على الإحرام حيث مات محرما، فيعمّ كل محرم، كيف والتلبية من لوازم الإحرام، والعمل بالحديث مقدم على القياس، وهو متعين. (١)
ولقد أجاد من قال، وأحسن في المقال [مِن الوافر]:
إِذأ جَالَتْ خُيُولُ النَّصِّ يَوْمًا … تجُارِي فِي مَيَادِينِ الْكِفَاحِ
غَدَتْ شُبَهُ الْقِيَاسِيِّينَ صَرْعَى … تَطِيرُ رُؤُوسُهُنَّ مَعَ الرِّيَاحِ
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٤٢ - الْمِسْكُ
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أراد المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- بهذه الترجمة الاستدلال على مشروعية استعمال المسك للميت، ووجه ذلك أن النبي ﷺ قال في قصّة المحرم: "ولا تَمَسُّوه بطيبٍ"، فإن مفهومه أن غير المحرم من الأموات يُمَسُّ طيبًا، وحديث الباب نصّ في كون المسك من أطيب اليب، فدل على أن استعمال المسك للميت غيرِ المحرم مستحبّ، وهذا من دقيق فقه المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، فللَّه درّه ما أحدّ نظره، وما أصوب فكره.
وصنعيه هذا نظير صنيع الإمام البخاريّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- حيث ترجم بقوله: "باب الحنوط للميت"، ثم أورد قصة المحرم، وفيه: "ولا تحُنّطوه"، فاستنبط من مفهوم النهي استحبابَ الحنوط للميت غير المحرم، واستنباط المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- أدقّ. واللَّه
стр. 10573
تعالى أعلم.
قال الفيّوميّ -﵀ تَعَالَى-: الْمِسْكُ طيب معروف، وهو معرّبٌ، والعرب تسميه المشموم، وهو عندهم أفضل اليب، ولهذا ورد: "لخُلُوفُ فم الصائم عند اللَّه أطيب من ريح المسك"، ترغيبًا في إبقاء أثر الصوم. قال الفَرَّاء: المسك مذكّرٌ، وقال غيره: يذكّر، ويؤنّث، فيقال: هو المسكُ، وهي المسك، وأنشد أبو عُبيدة على التأنيث قولَ الشاعر [من الرجز]:
وَالْمِسْكُ وَالْعَنْبَرُ خَيْرُ طِيبِ … أُخِذَتَا بِالثَّمَنِ الرَّغِيب
وقال السجستانيّ: من أنّثَ المسك جعله جمعًا، فيكون تأنيثه بمنزلة تأنيث الذَّهَبِ والعَسَل، قال: وواحدته: مِسْكَةٌ، مثلُ ذَهَبٍ وذَهَبَة: قال ابن السِّكِّيت: وأصله: مِسِكٌ بكسرتين، قال رُؤْبَة [من الرجز]:
إِنْ تُشْفَ نَفْسِي مِنْ ذُبَابَاتِ الْحَسَكْ … أَحْرِ بِهَا أَطْيَبَ مِنْ رِيحِ الْمِسِكْ
وهكذا رواه ثَعْلَبٌ، عن ابن الأعرابيّ. وقال ابن الأنباريّ: قال السِّجِسْتَانيّ: أصله السكون، والكسر في البيت اضطرار، لإقامة الوزن، وكان الأصمعيّ يُنشد البيتَ بفتح السين، ويقول: هو جمع مِسْكَة، مثلُ خِرْقَة وخِرَق، وقِرْبَةٍ وقِرَب، ويؤيّد قول السجستانيّ أنه لا يوجد فِعِل بكسرتين إلا إِبِلٌ، وما ذُكر معه، فتكون الكسرة لإقامة الوزن، كما قيل [من الرجز]:
عَلَّمَنَا إِخْوَانُنَا بَنُو عِجِلْ … شُرْبَ النَّبِيذِ وَاعْتِقَالَا بِالرِّجِلْ
والأصل السكون باتفاق، أو تكون الكسرة حركة الكاف نُقلت إلى السين لأجل الوقف، وذلك سائغ انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
١٩٠٥ - أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ, وَشَبَابَةُ, قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ خُلَيْدِ بْنِ جَعْفَرٍ, سَمِعَ أَبَا نَضْرَةَ, عَنْ أَبِي سَعِيدٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَطْيَبُ الطِّيبِ الْمِسْكُ».
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (محمود بن غَيلان) أبو أحمد المروزيّ، ثقة [١٠] ٣٣/ ٣٧.
٢ - (أبو داود) سليمان بن داود بن الجارود الطيالسيّ البصريّ، ثقة حافظ [٩] ١٣/ ٣٤٣.
стр. 10574
٣ - (شَبَابة) بن سَوَّار المدائنيّ، ثقة حافظ رمي بالإرجاء [٩] ٥٠/ ١٧٤٣.
٤ - (شعبة) بن الحجّاج الإمام الثبت الحجة [٧] ٣٤/ ٢٦.
٥ - (خُلَيد بن جعفر) بن طَريف الحنفيّ، أبو سليمان البصريّ، صدوق [٦].
قال شعبة: حدثني خُليد بن جعفر، وكان من أصدق الناس، وأشدّهم اتقاءً. وقال يحيى بن سعيد: لم أره، ولكن بلغني أنه لا بأس به. وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال أحمد: أحاديثه حسان. ووثقه النسائيّ في "الكنى"، وحكى عن عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه أنه وثّقه. وكذا وثّقه الدولابيّ، وغيره. وقال الساجي: قال ابن معين: هو إلى الضعف أقرب. هكذا في "تت". وقال في "ت": لم يثبت أن ابن معين ضعفه انتهى.
روى له مسلم، وله في الترمذيّ، والنسائيّ حديث الباب فقط.
٦ - (أبو نضرة) العبديّ المنذر بن مالك بن قُطَعَة البصريّ، ثقة [٣] ٢١/ ٥٣٨.
٧ - (أبو سعيد) الخدريّ سعد بن مالك بن سِنَان الأنصاريّ ﵄ -١٦٩/ ٢٦٢ واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها). أنه من سداسيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنهم ما بين مروزيّ، وهو محمود، ومدائِنيِّ، وهو شبابة، ومدنيّ، وهو الصحابيّ، وبصريينَ، وهم الباقون. وفيه الإخبار، والتحديث، والسماع، والعنعنة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الخدريّ ﷺ ، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَطْيَبُ الطِّيبِ الْمِسْكُ" (١)) مبتدأ مؤخر، وخبر مقدم، ويجوز العكس، والأول أولى، لكون "المسك" هو المحدّث عنه. والكلام بتقدير "من": أي أنه من أطيب الطيب، ويدلّ على هذا قوله في الرواية التالية: "من خير طيبكم المسك".
وهذا الحديث أورد المصنّف هنا مختصرًا، وسيأتي بتمامه في "كتاب الزينة"، ولفظه في ٥٢٦٤ - من طريق عبد الرحمن بن غَزْوان عن شعبة عن خُليد بن جعفر والْمُسْتَمِرّ، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، قال: "ذَكَر النبي ﷺ امرأة حَشَتْ خاتمها بالْمِسْكِ، وهو
стр. 10575
أطيب الطيب".
وأتم منه لفظ مسلم من طريق أبي أسامة، عن شعبة، حدثني خُلَيد بن جعفر، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ ، قال: "كانت امرأة من بني إسرائيل، قصيرة، تمشي مع امرأتين، طويلتين، فاتخذت رِجْلين، من خشب، وخاتما من ذهب، مُغلَق، مُطَبَّق، ثم حشته مسكا، وهو أطيب الطيب، فمرت بين المرأتين، فلم يعرفوها، فقالت بيدها هكذا، ونفض شعبة يده". انتهى.
وقال الإمام أحمد -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-:
١٠٩٧١ - حدثنا عثمان بن عمر، حدثنا المستمر بن الرَّيَّان، حدثنا أبو نضرة، عن أبي سعيد، أن رسول اللَّه ﷺ ، قال "كان في بني إسرائيل امرأة قصيرة، فصنعت رجلين، من خشب، فكانت تسير بين امرأتين، قصيرتين، واتخذت خاتما، من ذهب، وحَشَت تحت فصه أطيبَ الطيب المسكَ، فكانت إذا مرت بالمجلس حركته، فنفخ ريحه".
وقد بيّن في رواية أخرى سبب القصّة، وهو تحذير أمته من فتنة النساء، فقال:
١١٠٣٤ - حدثنا عبد الصمد، حدثنا المستمر بن الريان الإيادي، حدثنا أبو نضرة العبدي، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول اللَّه ﷺ ذكر الدنيا، فقال: "إن الدنيا خَضِرَة حُلْوَة، فاتقوها، واتقوا النساء"، ثم ذكر نسوةً ثلاثا من بني إسرائيل، امرأتين طويلتين، تُعرَفان، وامرأة قصيرة، لا تعرف، فاتخذت رجلين من خشب، وصاغت خاتما، فحشته من أطيب الطيب المسكِ، وجعلت له غَلَقًا، فإذا مرت بالملإ، أو بالمجلس، قالت به، ففتحته، ففاح ريحه"، قال المستمر، بخنصره اليسرى، فأشخصها، دون أصابعه الثلاث شيئا، وقبض الثلاثة".
وقد تقدم في أول الباب وجه إيراد المصنّف لهذا الحديث هنا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، واليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي سعيد ﵁ هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٤٢/ ١٩٠٥ و ١٩٠٦ و ٣٣/ ٥١١٩ و ٧٥/ ٥٢٦٤٠ وفي "الكبرى" ٤٢/ ٢٠٣٢ و ٢٠٣٣ و ٤١/ ٩٤١٢. وأخرجه (م) ٢٢٥٢ (د) ٣١٥٨ (ت) ٩٩١ (أحمد) ١٥٩١٨ و ١٠٩٧١ و ١١٠٣٤ و ١١١٩٦ و ١١٢٥٢ واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في اختلاف أهل العلم في استعمال المسك للميت: