← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 10571–10610 · переход к 10576.

стр. 10571

النهي إنما وقع لأجل الإحرام، خلافا لمن قال من المالكيّة وغيرهم: إن الإحرام ينقطع بالموت، فيُصنع بالميت ما يُصنع بالحيّ. قال ابن دقيق العيد ﵀: وهو مقتضى القياس، لكن الحديث بعد أن ثبت يقدّم على القياس. وقد قال بعض المالكية: إثبات الحنوط في هذا الخبر بطريق المفهوم من منع الحنوط للمحرم، ولكنها واقعة حال، يتطرّق الاحتمال إلى منطوقها، فلا يستدلّ بمفهومها. وقال بعض الحنفية: هذا الحديث ليس عامّا بلفظه، لأنه في شخص معيّن، ولا بمعناه، لأنه لم يقل: يبعث ملبيا لأنه محرم، فلا يتعدى حكمه إلى غيره إلا بدليل منفصل. وقال ابن بزيزة: وأجاب بعض أصحابنا عن هذا الحديث بأن هذا مخصوص بذلك الرجل، لأن إخباره ﷺ بأنه يُبعث ملبيا شهادة بأن حجه قُبل، وذلك غير محقّق لغيره. وتعقّبه ابن دقيق العيد بان هذه العلة إنما ثبتت لأجل الإحرام، فتعمّ كلّ محرم، وأما القبول وعدمه فأمر مغيّب. واعتلّ بعضهم بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]، وبقوله ﷺ : "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث"، وليس هذا منها، فينبغي أن ينقطع عمله بالموت. وأجيب بأن تكفينه في ثوبي إحرامه، وتبقيته على هيئة إحرامه من عمل الحيّ بعده، كغسله، والصلاة عليه، فلا معنى لما ذكره. وقال ابن المنيّر ﵀ في "الحاشية": وقد قال ﷺ في الشهداء: "زمّلوهم بدمائهم" مع قوله: "واللَّه أعلم بمن يُكلم في سبيله"، فعمّم الحكم في الظاهر، بناء على ظاهر السبب، فينبغي أن يُعمّم الحكم في كلّ محرم، وبين المجاهد والمحرم جامعٌ، لأن كلاّ منهما في سبيل اللَّه. وقد اعتذر الداوديّ عن مالك، فقال: لم يبلغه هذا الحديث. وأورد بعضهم أنه لو كان إحرامه باقيًا، لوجب أن يكمّل به المناسك، ولا قائل به. وأجيب بأن ذلك ورد على خلاف الأصل، فيقتصر به على مورد النصّ، ولا سيّما وقد وضح أن الحكمة في ذلك استبقاء شعار الإحرام، كاستبقاء دم الشهيد انتهى ما قاله في "الفتح" (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أكثر هذه الأقوال آراء ساقطة، لأنها في مقابلة النصّ، واحتجاج على المنقول بالمعقول، وأحسن ما يُعتذر به عن الأئمة كمالك، ونحوه هو ما قاله الداوديّ، وهو أنه لم يبلغهم النصّ، وإلا لما خالفوه مع وضوحه.

стр. 10572

والحاصل أن الصواب العمل بما دلّ عليه حديث ابن عباس ﵄ المذكور في الباب، فلا يُخمّر رأسه المحرم الميت، ولا وجهه، ولا يحنّط، وأنه باق على إحرامه، وأن العلة هي الإحرام، وهي عامة في كل محرم، والأصل أن ما ثبت لشخص في زمنه ﷺ ثابت لغيره حتى يدلّ الدليل على خلافه، ولم يثبت خلافه، كيف، وقد ثبت أنه ﷺ قال: "يبعث كلّ عبد على ما مات عليه" رواه مسلم، وهذا عام في كل صورة ومعنى، فاقتضى ذلك تعلق هذا الحكم على الإحرام حيث مات محرما، فيعمّ كل محرم، كيف والتلبية من لوازم الإحرام، والعمل بالحديث مقدم على القياس، وهو متعين. (١) ولقد أجاد من قال، وأحسن في المقال [مِن الوافر]: إِذأ جَالَتْ خُيُولُ النَّصِّ يَوْمًا … تجُارِي فِي مَيَادِينِ الْكِفَاحِ غَدَتْ شُبَهُ الْقِيَاسِيِّينَ صَرْعَى … تَطِيرُ رُؤُوسُهُنَّ مَعَ الرِّيَاحِ واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٤٢ - الْمِسْكُ قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أراد المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- بهذه الترجمة الاستدلال على مشروعية استعمال المسك للميت، ووجه ذلك أن النبي ﷺ قال في قصّة المحرم: "ولا تَمَسُّوه بطيبٍ"، فإن مفهومه أن غير المحرم من الأموات يُمَسُّ طيبًا، وحديث الباب نصّ في كون المسك من أطيب اليب، فدل على أن استعمال المسك للميت غيرِ المحرم مستحبّ، وهذا من دقيق فقه المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، فللَّه درّه ما أحدّ نظره، وما أصوب فكره. وصنعيه هذا نظير صنيع الإمام البخاريّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- حيث ترجم بقوله: "باب الحنوط للميت"، ثم أورد قصة المحرم، وفيه: "ولا تحُنّطوه"، فاستنبط من مفهوم النهي استحبابَ الحنوط للميت غير المحرم، واستنباط المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- أدقّ. واللَّه

стр. 10573

تعالى أعلم. قال الفيّوميّ -﵀ تَعَالَى-: الْمِسْكُ طيب معروف، وهو معرّبٌ، والعرب تسميه المشموم، وهو عندهم أفضل اليب، ولهذا ورد: "لخُلُوفُ فم الصائم عند اللَّه أطيب من ريح المسك"، ترغيبًا في إبقاء أثر الصوم. قال الفَرَّاء: المسك مذكّرٌ، وقال غيره: يذكّر، ويؤنّث، فيقال: هو المسكُ، وهي المسك، وأنشد أبو عُبيدة على التأنيث قولَ الشاعر [من الرجز]: وَالْمِسْكُ وَالْعَنْبَرُ خَيْرُ طِيبِ … أُخِذَتَا بِالثَّمَنِ الرَّغِيب وقال السجستانيّ: من أنّثَ المسك جعله جمعًا، فيكون تأنيثه بمنزلة تأنيث الذَّهَبِ والعَسَل، قال: وواحدته: مِسْكَةٌ، مثلُ ذَهَبٍ وذَهَبَة: قال ابن السِّكِّيت: وأصله: مِسِكٌ بكسرتين، قال رُؤْبَة [من الرجز]: إِنْ تُشْفَ نَفْسِي مِنْ ذُبَابَاتِ الْحَسَكْ … أَحْرِ بِهَا أَطْيَبَ مِنْ رِيحِ الْمِسِكْ وهكذا رواه ثَعْلَبٌ، عن ابن الأعرابيّ. وقال ابن الأنباريّ: قال السِّجِسْتَانيّ: أصله السكون، والكسر في البيت اضطرار، لإقامة الوزن، وكان الأصمعيّ يُنشد البيتَ بفتح السين، ويقول: هو جمع مِسْكَة، مثلُ خِرْقَة وخِرَق، وقِرْبَةٍ وقِرَب، ويؤيّد قول السجستانيّ أنه لا يوجد فِعِل بكسرتين إلا إِبِلٌ، وما ذُكر معه، فتكون الكسرة لإقامة الوزن، كما قيل [من الرجز]: عَلَّمَنَا إِخْوَانُنَا بَنُو عِجِلْ … شُرْبَ النَّبِيذِ وَاعْتِقَالَا بِالرِّجِلْ والأصل السكون باتفاق، أو تكون الكسرة حركة الكاف نُقلت إلى السين لأجل الوقف، وذلك سائغ انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ١٩٠٥ - أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ, وَشَبَابَةُ, قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ خُلَيْدِ بْنِ جَعْفَرٍ, سَمِعَ أَبَا نَضْرَةَ, عَنْ أَبِي سَعِيدٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَطْيَبُ الطِّيبِ الْمِسْكُ». رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (محمود بن غَيلان) أبو أحمد المروزيّ، ثقة [١٠] ٣٣/ ٣٧. ٢ - (أبو داود) سليمان بن داود بن الجارود الطيالسيّ البصريّ، ثقة حافظ [٩] ١٣/ ٣٤٣.

стр. 10574

٣ - (شَبَابة) بن سَوَّار المدائنيّ، ثقة حافظ رمي بالإرجاء [٩] ٥٠/ ١٧٤٣. ٤ - (شعبة) بن الحجّاج الإمام الثبت الحجة [٧] ٣٤/ ٢٦. ٥ - (خُلَيد بن جعفر) بن طَريف الحنفيّ، أبو سليمان البصريّ، صدوق [٦]. قال شعبة: حدثني خُليد بن جعفر، وكان من أصدق الناس، وأشدّهم اتقاءً. وقال يحيى بن سعيد: لم أره، ولكن بلغني أنه لا بأس به. وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال أحمد: أحاديثه حسان. ووثقه النسائيّ في "الكنى"، وحكى عن عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه أنه وثّقه. وكذا وثّقه الدولابيّ، وغيره. وقال الساجي: قال ابن معين: هو إلى الضعف أقرب. هكذا في "تت". وقال في "ت": لم يثبت أن ابن معين ضعفه انتهى. روى له مسلم، وله في الترمذيّ، والنسائيّ حديث الباب فقط. ٦ - (أبو نضرة) العبديّ المنذر بن مالك بن قُطَعَة البصريّ، ثقة [٣] ٢١/ ٥٣٨. ٧ - (أبو سعيد) الخدريّ سعد بن مالك بن سِنَان الأنصاريّ ﵄ -١٦٩/ ٢٦٢ واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها). أنه من سداسيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنهم ما بين مروزيّ، وهو محمود، ومدائِنيِّ، وهو شبابة، ومدنيّ، وهو الصحابيّ، وبصريينَ، وهم الباقون. وفيه الإخبار، والتحديث، والسماع، والعنعنة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الخدريّ ﷺ ، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَطْيَبُ الطِّيبِ الْمِسْكُ" (١)) مبتدأ مؤخر، وخبر مقدم، ويجوز العكس، والأول أولى، لكون "المسك" هو المحدّث عنه. والكلام بتقدير "من": أي أنه من أطيب الطيب، ويدلّ على هذا قوله في الرواية التالية: "من خير طيبكم المسك". وهذا الحديث أورد المصنّف هنا مختصرًا، وسيأتي بتمامه في "كتاب الزينة"، ولفظه في ٥٢٦٤ - من طريق عبد الرحمن بن غَزْوان عن شعبة عن خُليد بن جعفر والْمُسْتَمِرّ، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، قال: "ذَكَر النبي ﷺ امرأة حَشَتْ خاتمها بالْمِسْكِ، وهو

стр. 10575

أطيب الطيب". وأتم منه لفظ مسلم من طريق أبي أسامة، عن شعبة، حدثني خُلَيد بن جعفر، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ ، قال: "كانت امرأة من بني إسرائيل، قصيرة، تمشي مع امرأتين، طويلتين، فاتخذت رِجْلين، من خشب، وخاتما من ذهب، مُغلَق، مُطَبَّق، ثم حشته مسكا، وهو أطيب الطيب، فمرت بين المرأتين، فلم يعرفوها، فقالت بيدها هكذا، ونفض شعبة يده". انتهى. وقال الإمام أحمد -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: ١٠٩٧١ - حدثنا عثمان بن عمر، حدثنا المستمر بن الرَّيَّان، حدثنا أبو نضرة، عن أبي سعيد، أن رسول اللَّه ﷺ ، قال "كان في بني إسرائيل امرأة قصيرة، فصنعت رجلين، من خشب، فكانت تسير بين امرأتين، قصيرتين، واتخذت خاتما، من ذهب، وحَشَت تحت فصه أطيبَ الطيب المسكَ، فكانت إذا مرت بالمجلس حركته، فنفخ ريحه". وقد بيّن في رواية أخرى سبب القصّة، وهو تحذير أمته من فتنة النساء، فقال: ١١٠٣٤ - حدثنا عبد الصمد، حدثنا المستمر بن الريان الإيادي، حدثنا أبو نضرة العبدي، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول اللَّه ﷺ ذكر الدنيا، فقال: "إن الدنيا خَضِرَة حُلْوَة، فاتقوها، واتقوا النساء"، ثم ذكر نسوةً ثلاثا من بني إسرائيل، امرأتين طويلتين، تُعرَفان، وامرأة قصيرة، لا تعرف، فاتخذت رجلين من خشب، وصاغت خاتما، فحشته من أطيب الطيب المسكِ، وجعلت له غَلَقًا، فإذا مرت بالملإ، أو بالمجلس، قالت به، ففتحته، ففاح ريحه"، قال المستمر، بخنصره اليسرى، فأشخصها، دون أصابعه الثلاث شيئا، وقبض الثلاثة". وقد تقدم في أول الباب وجه إيراد المصنّف لهذا الحديث هنا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، واليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي سعيد ﵁ هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٤٢/ ١٩٠٥ و ١٩٠٦ و ٣٣/ ٥١١٩ و ٧٥/ ٥٢٦٤٠ وفي "الكبرى" ٤٢/ ٢٠٣٢ و ٢٠٣٣ و ٤١/ ٩٤١٢. وأخرجه (م) ٢٢٥٢ (د) ٣١٥٨ (ت) ٩٩١ (أحمد) ١٥٩١٨ و ١٠٩٧١ و ١١٠٣٤ و ١١١٩٦ و ١١٢٥٢ واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في اختلاف أهل العلم في استعمال المسك للميت:

стр. 10576

قال الإمام ابن المنذر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: واختلفوا في استعمال المسك في حنوط الميت، فكان ابن عمر ﵄، يطيب الميت بالمسك، وجُعِل في حَنُوط أنس ﵁ صُرَّةٌ من مسك، وروينا عن عليّ ﵁ أنه أوصى أن يجعل في حنوطه مسك، وقال: هو فضل (١) حنوط النبيّ ﷺ . قال: وممن رأى أن الميت يُطيّب بالمسك محمدُ بن سيرين، ومالك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق. وكذلك نقول، وفي أمر النبي ﷺ المرأة أن تاخذ عند اغتسالها من المحيض فِرْصَة ممسّكة دليل على طهارة المسك، مع ما روينا عنه أنه قال: "أطيب الطيب المسك"، ثم أخرج بسنده حديث الباب. قال: وقد روينا عن عطاء، والحسن، ومجاهد، أنهم كرهوا ذلك. قال: وكلّ من نحفظ عنه من أهل العلم يَستحبّون إجمار ثياب الميت. قال: واستحبّ كثير منهم أن يكون ذلك وترًا، والذي يُكَفَّن الميت، ويُحَنِّطه يجعل في حنوطه ما شاء من الطيب، إلا الزعفران، فإن النبي ﷺ نهى أن يتزعفر الرجل، وأحبّ ما استُعمِل في حنوطه الكافورُ، للثابت عن النبي ﷺ أنه قال: للنسوة اللواتي غسلن ابنته: "اجعلن كافورًا، أو شيئًا من كافوار" انتهى كلام ابن المنذر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- باختصار (٢)، وهو نفيسٌ بحثٌ جدًّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٩٠٦ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ الدِّرْهَمِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ خَالِدٍ, عَنِ الْمُسْتَمِرِّ بْنِ الرَّيَّانِ, عَنْ أَبِي نَضْرَةَ, عَنْ أَبِي سَعِيدٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مِنْ خَيْرِ طِيبِكُمُ الْمِسْكُ». رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عليّ بن الحسين الدِّرْهميّ) البصريّ، صدوق [١١] ١٧/ ١٥٤٧. ٢ - (أُميّة بن خالد) بن الأسود بن هُدْبة، وقيل: ابن خالد بن هُدْبة بن عُتْبَة الأزديّ القيسيّ، أبو عبد اللَّه البصريّ، أخو هُدْبة، وكان أكبر منه، صدوق [٩]. قال أبو زرعة، وأبو حاتم، والترمذيّ: ثقة. وقال العجليّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال الدارقطنيّ: ما علمت إلا خيرًا. وروى العقيليّ في "الضعفاء" عن الأثرم، قال: سمعت أبا عبد اللَّه يُسال عن أميّة بن خالد، فلم أره يحمده في الحديث، قال: إنما كان يُحدّث من حفظه، لا يُخرج كتابًا، وما أبدى العقيليّ فيه غير حديث واحد وصله، وأرسله غيره. وذكره أبو العرب في "الضعفاء"، فلم يصنع شيئا. مات سنة (٢٠٠) وقيل: سنة (٢٠١). روى له الجماعة، سوى البخاريّ، وابن

стр. 10577

ماجه، وله عند المصنف في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط. ٣ - (المُسْتَمِرّ بن الرَّيَّان) -بالتحتانيّة- الإياديّ الزهرانيّ، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقة عابد (١) [٥]. قال علي بن المدينيّ، عن يحيى بن سعيد: ثقة. وكذا قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه، وزاد "شيخ"، وإسحاق بن منصور، عن ابن معين. وقال أبو داود الطيالسيّ: كان صدوقًا ثقة. وقال النسائيّ: ثقة، وكان من الأبدال. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال الحاكم: ثقة. وقال البزّار: مشهور. روى له الجماعة، سوى البخاري، وابن ماجه، وله عند المصنف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وأعاده برقم ٥٢٦٦. والباقيان، تقدما في الذي قبله. والحديث صحيح، وقد تقدم شرحه، وبيان المسائل المتعلّقة به في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٤٣ - الإِذْنُ بِالْجَنَازَةِ قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: غرض المصنّف بهذه الترجمة الاستدلال على مشروعية إعلام الناس بكون الجنازة مهيَّأَةً للصلاة عليها، ودفنها، حتى يصلوا عليها، ويدفنوها، فأَطْلَقَ الإذن، وأراد الإيذان، فإن "الإذن": بالكسر: معناه العلم، يقال: أَذِن بالشيء، كسَمِعَ، إِذْنًا، بالكسر، وُيحرَّك، وأَذَانًا: عَلِمَ به. قاله في "ق". فيكون مجازًا مرسلاً، من إطلاق المسبب، وإرادة السبب، فإن العلم بكون الجنازة مهيّأة للصلاة عليها يتسبب من الإعلام بذلك. لكن كان الأولى له أن يذكر هذا الباب عقب باب النعي المتقدّم كما فعل الإمام البخاريّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، لأن هذا -كما قال ابن المنيّر- مرتب على السابق، لأن النعي هو إعلام من لم يتقدّم له علم بالميت، والإذن إعلام من عَلِمَ بتهيئة أمره، وتمام تجهيزه، لأجل أن يصلي عليه. [تنبيه]: قال ابن رُشيد: "الإذن": ضبطناه بكسر الهمزة، وسكون المعجمة، وضبطه

стр. 10578

ابن المرابط بمدّ الهمزة، وكسر الذال، على وزن الفاعل. قال الحافظ: والأول أوجه، والمعنى الإعلام بالجنازة، إذا انتهى أمرها، ليُصَلَّى عليها انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تفسير الإذن بالإعلام فيه نظر، وإنما هو العلم، لأن أَذِن بالشيء معناه عَلِمَ به، كما قدّمنه قريبًا، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ١٩٠٧ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, فِي حَدِيثِهِ عَنْ مَالِكٍ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ, أَنَّهُ أَخْبَرَهُ, أَنَّ مِسْكِينَةً, مَرِضَتْ, فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَرَضِهَا, وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , يَعُودُ الْمَسَاكِينَ, وَيَسْأَلُ عَنْهُمْ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا مَاتَتْ فَآذِنُونِي» , فَأُخْرِجَ بِجَنَازَتِهَا لَيْلاً, وَكَرِهُوا, أَنْ يُوقِظُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , فَلَمَّا أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , أُخْبِرَ بِالَّذِي كَانَ مِنْهَا, فَقَالَ: «أَلَمْ آمُرْكُمْ أَنْ تُؤْذِنُونِي بِهَا؟» , قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ, كَرِهْنَا أَنْ نُوقِظَكَ لَيْلاً, فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , حَتَّى صَفَّ بِالنَّاسِ, عَلَى قَبْرِهَا, وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ. رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقة الثبت [١٠] ١/ ١. ٢ - (مالك) بن أنس الإمام المدني الحجة المشهور [٧] ٧/ ٧. ٣ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري الإمام الحجة الشهير [٤] ١/ ١. ٤ - (أبو أمامة بن سهل بن حُنيف) واسمه أسعد الأنصاريّ المدني، له رؤية، لا سماع، مات سنة (١٠٠) عن (٩٢) سنة. روى له الجماعة ٨/ ٥٠٩ واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: هذا الإسناد ليس من رباعيات المصنف؛ لأنه مرسلٌ، فهو من خماسياته، فتنبه. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ) -بضم همزة "أمامة"، و"سهل" بفتح، فسكون، و"حُنيف" بضم المهملة، وفتح النون، وسكون التحتية، وبالفاء- وأبو أمامة هذا سماه النبي ﷺ لما وُلد قبل موته بسنتين باسم جدّه، أسعد بن زُرَارة، وكناه، فهو صحابي، من حيث الرؤية، تابعيّ، من حيث الرواية، وأبوه صحابي شهير بدريّ ﵁ (أنَّهُ أَخْبَرَهُ) أي أخبر أبو أمامة ابنَ شهاب (أَنَّ مِسْكِينَةً) لا يُعرف اسمها، ويحتمل أن تكون هي المرأة التي كانت تكنُس المسجد النبويّ، فقد ثبت في حديث أبي هريرة ﵁ في

стр. 10579

"الصحيحين"، وغيرهما أن امرأة سوداء، كانت تقُمُّ المسجد -بقاف مضمومة، وميم مشددة- أي تجمع القُمامة، وهي الكناسة. وفي لفظ: "كانت تُنَقّي المسجد من الأذى"، ولابن خزيمة: "كانت تلتقط الْخِرَق من المسجد"، وللبيهقيّ بإسناد حسن، عن بُريدة: أن أم مِحْجَن كانت مولعة بلقط القَذَى من المسجد" -بقاف، ومعجمة مقصور- جمع قذاة، وهي ما يسقط في العين والشراب، ثم استعمل في كلّ شيء يقع في البيت وغيره، إذا كان يسيرًا وفي "الإصابة": محجنة، وقيل: أم محجن، امرأة سوداء، كانت تقمّ المسجد، ذُكرت في "الصحيح" بلا تسمية انتهى. (مَرِضَتْ) وفي الرواية -٧١/ ١٩٦٩ - "اشتكت امرأةٌ بالعو الي مسكينةٌ … "، وفي - ٧٦/ ١٩٨١ - : "مَرِضَت امرأة من أهل العوالي … " (فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَرَضِهَا، وَكَانَ) وفي نسخة: "فكان" (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، يَعُودُ الْمَسَاكِينَ) أي يزورهم (وَيَسْأَلُ عَنْهُمْ) وفي الروية ٧١/ ١٩٦٩ - : "فكان النبي ﷺ ، يسألهم عنها" (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا مَاتَتْ فَآذِنُونِي") بمد الهمزة، من الإيذان، وهو الإعلام، أي أعلموني بموتها، وفي الرواية المذكور: "إن ماتت فلا تدفنوها حتى أصلي عليها". وهذا هو محلّ الترجمة، فإنه ﷺ أمر بإعلامه بموتها حتى يصلي عليها، فدلّ على مشروعية الإعلام بالجنازة. واللَّه تعالى أعلم. (فَأُخْرِجَ بِجَنَازَتِهَا لَيْلاً) وفي الرواية المذكورة: "فجاؤا بها إلى المدينة بعد العَتَمَة، فوجدوا رسول اللَّه ﷺ قد نام … " (وَكَرِهُوا، أَنْ يُوقِظُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) زاد في الرواية المذكورة: "فَصَلَّوا عليها، ودفنوها ببقيع الغَرْقَد … " (فَلَمَّا أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أُخْبرَ بالَّذِي كَانَ مِنْهَا) وفي الرواية المذكورة: "فلما أصبح رسول اللَّه ﷺ جاءوا، فسألهم عنها، فقالوا: قد دفنت يا رسول اللَّه … " (فَقَالَ: "أَلَمْ آمُرْكُمْ أَنْ تُؤْذِنُونِي بِها؟ ") أي بموتها، لأصلي عليها (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَرِهْنَا أنْ نُوقِظَكَ لَيلًا) أي إجلالا له، وتعظيمًا، لأنه لا يُدرَى ما يحدث له في نومه، من الوحي، أو غيره (فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أي إلى البقيع. وفي الرواية المذكورة: "قال: فانطَلِقوا، فانطلق يمشي، ومشوا معه، حتى أروه قبرها، فقام رسول اللَّه ﷺ ، وصفّوا وراءه، فصلى عليها، وكبر أربعا" (حَتَّى صَفَّ بالنَّاسِ) لعلّ الباء على تضمين "صَفَّ" معنى أَمَرَ، لأن صفّ يتعدى بنفسه، لا بالباء، فَكأن المعنى أمر بالناس أن يصفّوا وراءه (عَلَى قَبْرِهَا، وَكبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ) هذا معطوف على محذوف، كما بينته الرواية المذكورة آنفًا، أي فصلى عليَها، وكبر أربع تكبيرات. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 10580

مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي أمامة بن سهل ﵁ هذا صحيح. فإن قلت: كيف يصحّ، وهو مرسل، لأن أبا أمامة، وإن كان له شرف الرؤية، إلا أنه تابعي من حيث الرواية؟. قلت: له شواهد كثيرة، يصحّ بها، وقد استوفى الكلام عليه الحافظ أبو عمر ابن عبد البرّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في كتابه "التمهيد"، ونقل عن الإمام أحمد أنه قال: رُويت الصلاة على القبر عن النبي ﷺ ، من ستة وجوه حسانٍ كلُّهَا، ثم قال أبو عمر: هي حديثُ سهل بن حُنيف، وحديثُ سعد بن عبادة، وحديث أبي هريرة، روي من طرق، وحديث عامر بن ربيعة، وحديث أنس، وحديث ابن عباس ﵃، ثم خرّج أحاديث هؤلاء، فأجاد، وأفاد -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. والحاصل أن حديث أبي أمامة، وإن كان مرسلًا، فهو صحيح، لما له من الشواهد المذكورة. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٤٣/ ١٩٠٧ - و ٧١/ ١٩٦٩ و ٧٦/ ١٩٨١ وفي "الكبرى" ٤٣/ ٢٠٣٤ و ٧١/ ٢٠٩٦ و ٧٦/ ٢١٠٧. وأخرجه (مالك في "الموطإ") ٥٣١. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما بوّب له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو مشروعية الإذن بالجنازة، لقوله ﷺ : "إذا ماتت، فآذنوني". ومنها: مشروعية عيادة المريض. ومنها: مشروعية عيادة الرجال النساء. ومنها: ما كان عليه النبي ﷺ من التواضع في عيادة الفقراء والمساكين. ومنها: أنه ينبغي للأشراف عيادة الفقراء، أسوة بهدي النبي ﷺ . ومنها: ما كان عليه النبي ﷺ من الخلق الجميل في العفو، وأنه أمر أصحابه، فلم يفعلوا ما أمرهم به، فلم يعاتبهم. ومنها: أن عصيان الإنسان لأميره، سلطانا كان، أو غيره إذا أراد بعصيانه بِرَّه، وتعظيمه، وإكرامه، أن ذلك لا يُعدّ عليه ذنبًا. ومنها: أنه ﷺ كان لا ينتقم ممن يَعصيه، إلا أن تُنتهك حرمة من حرمات اللَّه ، فينتقم للَّه بها، كما ثبت ذلك عن عائشة ﵂. ومنها: أن رسول اللَّه ﷺ لا يَعلَم الغيب عنه، إلا أن يُطلِعه اللَّه تعالى عليه. ومنها: جواز الدفن بالليل، وسيأتي له بحثٌ خاصّ في- ٨٩/ ٢٠١٣ و ٢٠١٤ - إن شاء اللَّه تعالى. ومنها: الصلاة على القبر، وسيأتي له باب خاصّ به أيضًا في -٩٤/ ٢٥٢٢ - ويأتي ذكر اختلاف العلماء هناك، إن شاء اللَّه تعالى. ومنها: أن التكبير على الجنائز أربع تكبيرات، وسيأتي له باب خاصّ أيضًا في ٧٦/ ١٩٨٠ و ١٩٨١ و ١٩٨٢ - . ومنها: أن سنة الصلاة على القبر

стр. 10581

كالصلاة على الجنازة. واللَّه تعالى أعلم. ومنها: أن فيه ردّا على من قال من السلف: لا تُشعِرُوا بموتي أحدًا، فقد نُقِلَ عن ابن مسعود ﵁، أنه قال: لا تؤذنوا بموتي أحدًا، حسبي من يحملني إلى حفرتي، ونُقِل أيضًا كراهته عن إبراهيم، وعلقمة النخعيين. وأجازه الجمهور، وهو الحقّ، قال ابن عبد البرّ ﵀: شهود الجنائز أجر، وتقوى، وبرّ، والإذن بها تعاون على البرّ والتقوى، وإدخال الأجر على الشاهد، وعلى المتوفَّى، ألا ترى إلى قوله ﷺ : "ما من مسلم يموت، فيصلي عليه أمة من المسلمين، يبلغون أن يكونوا مائة، يستغفرون له، إلا شُفِّعُوا فيه". -رواه أحمد، ومسلم، وغيرهما - ومعلوم أن هذا العدد لا يجتمعون لشهود جنازة، إلا أن يُؤذَنُوا لها انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ٤٤ - السُّرْعَةُ بِالْجَنَازَةِ ١٩٠٨ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ, قَالَ: أَخْبَرَنَا (٢) عَبْدُ اللَّهِ, عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ, عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مِهْرَانَ, أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ, قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَقُولُ «إِذَا وُضِعَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ عَلَى سَرِيرِهِ, قَالَ: قَدِّمُونِي, قَدِّمُونِي, وَإِذَا وُضِعَ الرَّجُلُ يَعْنِي السُّوءَ عَلَى سَرِيرِهِ, قَالَ: يَا وَيْلِي, أَيْنَ تَذْهَبُونَ بِي؟». رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (سُوَيد بن نصر) المروزيّ، ثقة [١٠] ٤٥/ ٥٥. ٢ - (عبد اللَّه) بن المبارك الإمام الحافظ الحجة [٨] ٣٢/ ٣٦. ٣ - (ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث القرشي العامريّ، أبو الحارث المدنيّ، ثقة فقيه فاضل [٧] ٤١/ ٦٨٥. ٤ - (سعيد المقبريّ) ابن أبي سعيد كَيْسَان المدني، ثقة تغير آخرًا [٣] ٩٥/ ١٧٧. ٥ - (عبد الرحمن بن مِهْرَان) أبو محمد المدنيّ، مولى الأزد، ويقال: مولى مُزَينة، ويقال: مولى أبي هُريرة، مقبول [٣].

стр. 10582

قال أبو حاتم: صالح. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال أبو الفتح الأزديّ: مجهول. وقال البَرْقَانيّ، عن الدارقطنيّ: شخ مدنيّ يُعتبر به. انفرد به مسلم، والمصنف، وله عند مسدم حديث: "أحبّ البلاد إلى اللَّه مساجدها". وعند المصنّف حديث الباب فقط. [تنبيه]: أشار في هامش الهنديّة إلى أنه وقع في بعض نسخ "المجتبى": "وعبد الرحمن ابن مهران" بالواو بدل "عن"، وهو غلط فاحش، فتنبّه. قال الحافظ ولي الدين -رحمه اللَّه تعالى-: ووقع في أصل سماعنا من "سنن النسائيّ الصغرى" رواية ابن السُّنّيّ: "عن سعيد المقبريّ، وعبد الرحمن بن مهران"، وهو وَهَمٌ، وفي "الكبرى" رواية ابن الأحمر على الصواب انتهى (١). ٦ - (أبو هريرة) ﵁ ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، من ابن أبي ذئب، وشيخه، وعبد اللَّه مروزيان. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وهو من رواية الأقران، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مِهْرَانَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁. [تنبيه]: قال الإمام ابن حبّان -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "صحيحه": رَوَى هذا الخبر سعيد المقبريّ، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدريّ، وعن عبد الرحمن بن مِهْرَان، عن أبي هريرة، فالطريقان جميعًا محفوظان، ومتن خبر أبي سعيد ﵁ -يعني الذي يأتي بعد هذا- أتمّ من خبر أبي هريرة ﵁ انتهى (٢). (قَالَ) وفي رواية أحمد، عن يزيد بن هارون، عن ابن أبي ذئب: "أن أبا هريرة قال حين حضره الموت: لا تضربوا عليّ فُسطاطًا، ولا تُتبِعُوني بمجمر، وأسرعوا بي، فإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إذا وُضع الرجل الصالح على سريره، قال: قدّموني، قدّموني، وإذا وضع الرجل السوء على سريره، قال: يا ويله، أين يذهبون بي". وفي رواية عن محمد بن عبد اللَّه بن الزبير، عن ابن أبي ذئب: "إن المؤمن إذا وُضع على سريره، قال: أسرعوا بي، وإذا وُضع الكافر على سريره، قال: يا ويلاه أين يذهبون بي" (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: "إِذَا وُضِعَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ) ولفظ ابن حبّان في

стр. 10583

الموضعين: "إن العبد إذا وُضع … "، وقال في آخره: يريد المسلم والكافر" انتهى (١) (عَلَى سَرِيرِهِ) هو ما يوضع عليه الميت، وجمعه: أَسِرَّةٌ، وسُرُرٌ -بضمتين- وفتحُ الثاني للتخفيف لغةٌ. أفاده في "المصباح" (قَالَ) الضمير للرجل الصالح. قال في "الفتح": ظاهره أن قائل ذلك هو الجسد المحمول على الأعناق. وقال ابن بطال: إنما يقول ذلك الروحُ. وردّه ابن المنيّر بأنه لا مانع أن يردّ اللَّه الروح إلى الجسد في تلك الحال، ليكون ذلك زيادة في بُشرى المؤمن، وبؤس الكافر. وكذا قال غيره، وزاد: ويكون ذلك مجازًا باعتبار ما يؤول إليه الحال بعد إدخال القبر، وسؤال الملكين. قال الحافظ: وهو بعيد، ولا حاجة إلى دعوى إعادة الروح إلى الجسد قبل الدفن، لأنه يحتاج إلى دليل، فمن الجائز أن يُحدث اللَّه النطق في الميت إذا شاء، وكلام ابن بطّال فيما يظهر لي أصوب. وقال ابن بزيزة: قوله في آخر الحديث -يعني في الرواية الآتية-: يسمع صوتها كلّ شيء" دالّ على أن ذلك بلسان المقال، لا بلسان الحال انتهى (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله الحافظ فيه تناقض، لأن أول كلامه يفهم منه أن الكلام للجسد، وآخره أنه للروح، حيث صوّب كلام ابن بطال، والصواب عندي أن الكلام للجسد، فلا حاجة للعدول عن ظاهر النصّ، فإن قوله: "إذا وُضع الرجل الخ"، يدلّ على أن هذا الكلام للجسد، لأن الموضوع على السرير هو الجسد، فهو الذي يتكلّم، بلسان المقال بصوت مسموع لكل أحد، إلا الإنسان. واللَّه تعالى أعلم. (قَدِّمُوني) أي للقاء ثواب العمل الصالح الذي كنت أعمله في حياتي. قال السنديّ ﵀: كأنه يعتقد أنهم يسمعون قوله، فيقول لهم ذلك، أو أنه تعالى يُجري على لسانه ذلك ليُخبر عنه رسول اللَّه ﷺ للناس، فتحصل الفائدة بواسطة ذلك الإخبار. واللَّه تعالى أعلم انتهى (٣). (قَدِّمُوني) كرّره للتاكيد (وَإِذَا وُضِعَ الرَّجُلُ يَغنِي السُّوءَ) هكذا نسخ "المجتبى" بزيادة لفظة "يعني"، وفي "الكبرى": "وإذا وُضع الرجل السوء … " بدون "يعني"، وهو الذي في روايات أحمد، في المواضع الثلاثة -٢/ ٢٩٢ و ٢/ ٤٧٤ و ٢/ ٥٥٠ - ولم يتبيّن لي معرفة من هو قائل: "يعني" في رواية المصنّف هنا؟ واللَّه تعالى أعلم (عَلَى سَرِيرِهِ، قَالَ: يَا وَيْلِي) أي يا هلاكي احضُرْ، فهذا أوانك، وفي نسخة: "يا ويلتي" (أَيْنَ تَذْهَبُونَ

стр. 10584

بِي") إنما قاله لأنه علم أنه لم يقدّم خيرًا، وأنه سيَقدَم على ما يسوءه، فيَكرَه القدوم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنّف، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٤٤/ ١٩٨ - وفي "الكبرى" ٤٤/ ٢٠٣٥. وأخرجه (أحمد) ٧٨٥٤ و ٩٧٨٧ و ١٠١١. وفوائد الحديث تأتي قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٩٠٩ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ, عَنْ أَبِيهِ, أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ, يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا وُضِعَتِ الْجَنَازَةُ, فَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ, عَلَى أَعْنَاقِهِمْ, فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً, قَالَتْ: قَدِّمُونِي, قَدِّمُونِي, وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ, قَالَتْ: يَا وَيْلَهَا (١) , إِلَى أَيْنَ تَذْهَبُونَ بِهَا, يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيْءٍ, إِلاَّ الإِنْسَانَ, وَلَوْ سَمِعَهَا الإِنْسَانُ لَصَعِقَ». رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (الليث) بن سعد الإمام الفقيه الثبت الحجة المصريّ [٧] ٣١/ ٣٥. ٢ - (أبو سعيد) هو: كيسان المقبريّ المدنيّ، ثقة [٣] ٦٣/ ٨٧٢. والباقون تقدموا قريبا. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه فبغلانيّ، والليث فمصريّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعي، والابن عن أبيه. (ومنها): أن فيه أبا سعيد ﵁ من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَيِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ) ﵁ (يَقُولُ: قَالَ:

стр. 10585

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا وُضِعَتِ الْجَنَازَةُ") يحتمل أن يراد بالجنازة نفس الميت، وبوضعه جعله في السرير، ويحتمل أن يريد السرير، والمراد وضعها على الكتف، والأول أولى، لقوله بعد ذلك: "فإن كانت صالحة، قالت … "، فإن المراد به الميت، ويؤيده ما في الرواية المتقدّمة: "إذا وضع الرجل الصالح على سريره، قال: قدّموني … ". كذا قال في "الفتح". وقال السنديّ ﵀: بل الوجه الأول هو المتعيّن، إذ على الثاني يكون قوله: "فاحتملها الرجال على أعناقهم" تكرارًا، ولا يمكن جعله تأكيدًا، إذ لا يناسبها الفاء، فليُتأمل، نعم ضمير "احتملها" بالسرير أنسب، إذ هو المحمول أصالة، والميت تبعًا، لكن يكفي في صحة إرادة الميت كونه محمولًا تبعًا، ويحتمل أن يكون المراد بالضمير السرير بالاستخدام انتهى. (١) وقد تقدّم الخلاف، هل المتكلّم جسد الميت -كما هو الراجح- أو روحه، في الحديث الذي قبله. وباللَّه تعالى التوفيق. (فَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ، عَلَى أَعنَاقِهِمْ، فَإِن كَانَتْ صَالِحَةً، قَالَتْ: قَدِّمُوني، قَدمُونِي، وَإِنْ كَانَث غَيرَ صَالِحَةٍ، قَالَتْ: يَا وَيْلَهَا) أي ياويل الجنازة، أي هلاكها احضر، فهذا أوانك. ولفظ البخاريّ: "قالت لأهلها". قال الطيببيّ: أي لأجل أهلها، إظهارًا لوقوعه في الهَلَكَة، وكلّ من وقع في هلكة دعا بالويل. وإنما أضاف الويل إلى ضمير الغائب، وإن كان القياس أن يقول: يا ويلي، حملا على المعنى، كراهة أن يضيف الويل إلى نفسه، أو كأنه لما أبصر نفسه غير صالحة نَفَر عنها، وجعلها كأنها غيره، ويؤيّد ذلك ما تقدّم في الرواية السابقة، بلفظ: "يا ويلي، أين يذهبون بي"، فدلّ على أن ذلك من تصرّف الرواة، انتهى. (٢) (إِلَى أَيْنَ تذْهَبُونَ بِهَا) قالته لأنها تعلم أنها لم تقدّم خيرًا، وإنها تَقدَم على ما يسوؤها، فتكره القدوم عليه. وفي نسخة: "أين يذهبون بي" (يَسْمَعُ صَوْتَها) وفي نسخة: "صوته": أي الميت (كُلُّ شَيْءٍ) أي حتى الجمادات، وقيل: الحيوانات (إِلاَّ الإِنْسَانَ) بالنصب على الاستثناء، لأن الكلام تام موجب، كما قال في "الخلاصة": مَا اسْتَثْنَتِ الَّا مَعْ تَمَامٍ يَنْتَصِبْ … وَبَعْدَ نَفْيٍ أَوَ كَنَفيِ انْتُخِبْ إِتْبَاعُ مَا اتَّصَلَ وَانْصِبْ مَا انْقَطَع … وَعَنْ تَمِيمٍ فِيهِ إِبدَالٌ وَقَعْ

стр. 10586

(وَلَوْ سَمِعَهَا) الضمير للجنازة على حذف مضاف، أي لو سمع صوتها المُزْعِجَ بالويل ("الْإِنسَانُ لَصَعِقَ") بكسر العين المهملة، من باب تَعِبَ: أي لمات، أو غُشي عليه، من شدّة هول ذلك الصوت. قال ابن بزيزة ﵀: هو مختصّ بالميت الذي هو غير صالح، وأما الصالح، فمن شأنه اللطف، والرفق في كلامه، فلا يناسب الصعق من سماع كلامه انتهى. ويحتمل أن يحصل الصعق من سماع كلام الصالح أيضًا لكونه غير مألوف. وقد روى أبو القاسم ابن منده هذا الحديث في "كتاب الأهوال" بلفظ: "لو سمعه الإنسان لصعق من المحسن والمسيء"، فإن كان المراد به المفعول دلّ على وجود الصعق عند سماع كلام الصالح أيضّا. وقد استشكل هذا مع ما ورد في حديث السؤال في القبر: "فيضربه ضربةً، فيصعق صعقةً (١)، يسمعه كلّ شيء، إلا الثقلين". والجامع بينهما الميت والصعق، والأول استُثني فيه الإنس فقط، والثاني استثني فيه الجنّ والإنس. والجواب أن كلام الميت بما ذُكر لا يقتضي وجود الصعق -وهو الفزع- إلا من الآدميّ، لكونه لم يألف سماع كلام الميت، بخلاف الجنّ في ذلك. وأما الصيحة التي يصيحها المضروب، فإنها غير مألوفة للإنس والجنّ جميعًا، لكون سببها عذاب اللَّه، ولا شيء أشدّ منه على كلّ مكلّف، فاشترك فيه الجنّ والإنس. واللَّه تعالى أعلم. واستُدلّ به على أن كلام الميت يسمعه كلّ حيوان ناطق، وغير ناطق، لكن قال ابن بطّال: هو عامّ أريد به الخصوص، وأن المعنى يسمعه من له عقل، كالملائكة، والجن، والإنس، لأن المتكلّم روح، وإنما يسمع الروحَ من له روح مثله. وتُعُقّب بمنع الملازمة، إذ لا ضرورة إلى التخصيص، بل يستثنى إلا الإنسان، كما هو ظاهر الخبر، وإنما اختصّ الإنسان بذلك إبقاء عليه، وبأنه لا مانع من إنطاق اللَّه الجسد بغير روح، كما تقدّم. انتهى (٢). والحاصل الصواب أن جسد الميت يتكلّم، وأنه يسمعه كل شيء، إلا المستثنى، وهو الإنسان، كما هو ظاهر النصّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان .. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته:

стр. 10587

حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ هذا أخرجه البخاريّ. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٤٤/ ١٩٠٩ - وفي "الكبرى" ٤٤/ ٢٠٣٦. وأخرجه (خ) ١٣١٤ و١٣٨٠ (أحمد) ١٠٩٧٩ و ١١١٥٨ (ابن حبان) ٣٠٣٨ و ٣٠٣٩. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما بوّب له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو السرعة بالجنازة، ووجه ذلك أن هذا الحديث في معنى الحديث الذي بعده، حيث إن فيه تقسيم الجنائز إلى قسمين، صالحة تقول: قدموني، قدموا، وغير صالحة، تقول: أين يذبون بها؟، فيطلب الإسراع بهما، لأن الصالح يستريح بلقاء ما قدّمه من أعماله الصالحة، وغير الصالح يستريح منه الرجال الذين يحملونه بوضعه عن رقابهم. ومنها: مشروعية حمل الجنازة للرجال، دون النساء. ومنها: إثبات كلام الميت، وهو على الجنازة. ومنها: أن كلامه يسمعه كل شيء، غير الإنسان. ومنها: لطف اللَّه تعالى بالإنسان، حيث لم يُسمعه كلام الموتى، إذ لو أسمعه، لمات، أو غشي عليه، ولو قُدِّر أنه يعيش لتعطلت مصالحه، فلا يُحسِن القيام بمعيشته الدنيويّة. ومنها: أن ما بعد الموت، من جملة أمور الآخرة التي لا يُوصَل إلى معرفتها إلا عن طريق الوحي، فلا مدخل للعقل فيها، فلا يقاس بعض أمورها على بعض، بل يُقتصر فيها على ما ورد عن الشارع الحكيم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: استدلّ الإمام البخاريّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- بقوله: "فاحتملها الرجال" على منع النساء من حمل الجنازة، وإن كان الميت امرأةً، فقد بوّب على هذا الحديث بقوله: "باب حمل الرجال الجنازة، دون النساء". قال ابن رُشيد: ليست الحجة من حديث الباب ظاهرةً في منع النساء، لأنه من الحكم المعلّق على شرط، وليس فيه أن لا يكون الواقع إلا ذلك، ولو سُلّم فهو من مفهوم اللقب. ثم أجاب بأن كلام الشارع مهما أمكن حمله على التشريع، لا يُحمل على مجرّد الإخبار عن الواقع، ويؤيده العدول عن المشاكلة في الكلام، حيث قال: "إذا وُضعت، فاحتملها الرجال"، ولم يقل: فاحْتُمِلت، فلما قُطِعَ احتُملت عن مشاكلة وُضِعَت دلّ على قصد تخصيص الرجال بذلك، وأيضًا، فجواز ذلك للنساء، وإن كان يؤخذ بالبراءة الأصليّة، لكنه معارض بأن في الحمل على الأعناق، والأمر بالإسراع مظنّة للانكشاف غالبًا، وهو مباين للمطلوب منهنّ من التستّر مع ضعف نفوسهنّ عن مشاهدة الموتى غالبًا، فكيف بالحمل، مع ما يتوقّع من

стр. 10588

صراخهنّ عند حمله، ووضعه، وغير ذلك، من وجوه المفاسد انتهى ملخّصًا. قال الحافظ ﵀: وقد ورد ما هو أصرح من هذا في منعهنّ، ولكنه على غير شرط البخاريّ، ولعله أشار إليه، وهو ما أخرجه أبو يعلى من حديث أنس ﵁ قال: خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ في جنازة، فرأى نسوة، فقال: "أتحملنه؟ "، قلن: لا، قال: "أتدفِنّه؟ " قلن: لا، قال: فارجعن مأزورات، غير مأجورات". وقد نقل النوويّ في "شرح المهذّب" أنه لا خلاف في هذه المسألة بين العلماء، والسبب فيه ما تقدّم، ولأن الجنازة لا بدّ أن يشيّعها الرجال، فلو حملها النساء، لكان ذلك ذريعةً إلى اختلاطهنّ بالرجال، فيفضي إلى الفتنة انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٩١٠ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ سَعِيدٍ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَسْرِعُوا بِالْجَنَازَةِ, فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً, فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إِلَيْهِ, وَإِنْ تَكُ غَيْرَ ذَلِكَ, فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ, عَنْ رِقَابِكُمْ». رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (سفيان) بن عيينة الإمام الحجة المشهور المكيّ [٨] ١/ ١. ٢ - (الزهريّ) محمد بن مسلم الإمام الحافظ المشهور الحجة المدنيّ [٤] ١/ ١. ٣ - (سعيد) بن المسيّب الإمام الفقيه العابد الحجة المشهور المدنيّ [٢] ٩/ ٩. والباقيان تقدّما في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ، وسفيان، فمكيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ﵁ رَأْسُ المكثرين من الرواية، وفيه سعيد بن المسيب أحد الفقهاء السبعة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ ) أي يرفع هذا الحديث، فيوصله إلى النبي ﷺ ، والجملة في محل نصب على الحال، وهذه العبارة من صيغ الرفع حكمًا، وإنما لم يصرّح الراوي بصيغة، من الصيغ المستعملة للرفع، كـ"سمعت" و"حدثني"،

стр. 10589

ونحوهما، احتياطا، حيث شك فيها، هل هي "سمعت النبي ﷺ "، أو "قال النبي ﷺ "، أو "عن النبي ﷺ "، أو نحو ذلك، فأتى بصيغة تشمل جميع ذلك. واللَّه تعالى أعلم. قال الحافظ وليّ الدين -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: ما حاصله: أخرج هذا الحديث الأئمة الستة من هذا الوجه، من رواية سفيان بن عُيينة، عن الزهريّ، عن سعيد، عن أبي هريرة، وفي روايتهم التصريح برفعه إلى النبي ﷺ ، إلا أن في رواية أبي داود، والترمذيّ، والنسائيّ: "يبلغ به النبي ﷺ "، كما هو اللفظ الأخير هنا (١) وقوله في اللفظ الأول هنا: "روايةً" كناية عن الرفع إلى النبي ﷺ بلا خلاف أعلمه انتهى (٢). (قَالَ: "أَسْرِعُوا) أمر من الإسراع، والمرد به الإسراع المتوسط بين شدة السعي، وبين المشي المعتاد، بدليل حديث أبي بكرة ﵁ الآتي: "وإنا لنكاد نَرْمُلُ بالجنازة رملًا"، إذ مقاربة الرمل ليس بالسعي الشديد، كما قاله الحافظ العراقي ﵀ تعالى، وسيأتي أقوال أهل العلم في الإسراع بالمشي في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى. (بِالْجَنَازَةِ) أي بحملها، متعلق بـ "أسرعوا". قال العلامة ابن الملقّن ﵀: من قال: الجنازة بالفتح للميت، وبالكسر للنعش، كما قدّمنا أول الباب يتعيّن عنده هنا قراءة قوله: "أسرعوا بالجنازة" بالفتح، لأن المقصود الإسراع بالميت، لا النعش، ويدلّ على ذلك آخر الحديث انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن المناسب هنا الكسر، لأن الجِنَازة بالكسر اسم للنعش، وعليه الميت، كما هو القول الراجح من أقوال أهل اللغة، والمقصود هنا الإسراع بالنعش، وعليه الميت، إذ لا معنى للإسراع بحمل الميت إلا مع النعش، فليُتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. قال: المراد بالإسراع هنا الإسراع بالميت، كما قلناه، فيتضمّن الأمر بحمله إلى قبره، وهو فرض كفاية. وقيل: المراد به الإسراع بتجهيزه بعد موته، لئلا يتغيّر، والأول أظهر، وعليه الجمهور. قال النوويّ: والثاني باطل، مردود بقوله ﷺ : "فشرّ تضعونه عن رقابكم". وقال القرطبيّ: لا يبعد أن يكون كلّ واحد منهما مطلوبا، إذ مقتضاه مطلق الإسراع، فإنه ﷺ لم يقيّده بقيد.

стр. 10590

وقال الفاكهيّ: ما ردّه النوويّ جمود على ظاهر لفظ الحديث، وإلا فيحتمل حمله على المعنى، فإنه قد يُعبّر بالحمل على الظهر، أو العنق عن المعاني، دون الذوات، فيقال: حمل فلان على ظهره، أو على عنقه ذنبًا، أو نحو ذلك، ليكون المعنى في قوله ﷺ : "فشرّ تضعونه عن رقابكم"، إنكم تستريحون من نظر من لا خير فيه، أو من مجالسته، ونحو ذلك، فلا يكون في الحديث دليل على ردّ قول هذا القائل، ويقوّي هذا الاحتمال أن كلّ حاضري الميت لا يحملونه، إنما يحمله القليل منهم، لا سيّما اليوم، فإنما يحمله في الغالب مَن لا تعلّق له به. انتهى (١). قال الحافظ ﵀: ويؤيده -يعني كلام الفاكهيّ- حديث ابن عمر ﵄، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إذا مات أحدكم، فلا تحبسوه، وأسرعوا به إلى قبره". أخرجه الطبرانيّ بإسناد حسن، ولأبي داود من حديث حصين بن وحوح، مرفوعًا: "لا ينبغي لجيفة مسلم أن تبقى بين ظهراني أهله … " الحديث. انتهى (٢). وقال ابن قدامة ﵀: هذا الأمر بالإسراع للاستحباب، بلا خلاف بين العلماء، وشذّ ابن حزم، فقال بوجوبه انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أنه لا وجه للردّ على ابن حزم ﵀ تَعَالَى-، لأن ظاهر النصّ معه، إذ هو أمر، والأمر للوجوب، إلا لدليل، ولا دليل ذكروه هنا، إلا دعوى الإجماع الذي أشار إليه، فإن صحّ فذاك، وإلا فما قاله ابن حزم هو الحقّ، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. (فَإِنْ تَكُ) هو في الموضعين بحذف النون، والأصل "تكون"، فدخل الجازم، فأسكن النون، فاجتمع ساكنان، الواو والنون، فحذفت الواو لالتقاء الساكنين، ثم حذفت النون تخفيفًا لكثرة الاستعمال، وإلى هذا أشار ابن مالك في "الخلاصة" بقوله: وَمِنْ مُضَارعٍ لِكَانَ مُنْجَرِمْ … تُحْذَفُ نُون وَهْوَ حَذْفٌ مَا الْتُزِمْ واسم "كان" المستترة يعود إلى الجنازة بمعنى الجثّة المحمولة، قال الطيبيّ: جُعلت الجنازة عين الميت، وجُعلت الجنازة التي هي مكان الميت مقدّمة إلى الخير الذي كُني به عن عمله الصالح انتهى (صَالِحَةً) خبر "كان" (فَخَيْرٌ) الظاهر أن التنوين فيه، وفي "شرّ" للتعظيم، أي خير عظيم، وشرّ عظيم. قال العلامة ابن الملقّن -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: "خير"، و"شرّ" فيه إعرابان:

стр. 10591

الأول: أن يكونا مبتدأين، والخبر محذوف، أي فلها خير، ولها شرّ، وساغ الابتداء بالنكرة، لكون فاء الجزاء وليتهما، فهما من باب قولهم: إن مضى عَيْرٌ، فعَيْرٌ في الرباط. الثاني: أن يكونا خبرين محذوفي المبتدإ، والتقدير: فهي، وهي، أي ذات خير، وذات شرّ. وأما الجملتان اللتان بعدهما، وهما "تقدّمونها"، و"تضعونها"، فصفة لهما انتهى (١). وقال في "الفتح": قوله: "فخير" خبر مبتدإ محذوف، أي فهو خير، أو مبتدأ خبره محذوف، أي فلها خير، أو فهناك خير، ويؤيده رواية مسلم (٢) بلفظ: "قرّبتموها إلى الخير"، ويأتي في قوله بعدُ "فشرّ" نظير ذلك انتهى (٣). وقال السنديّ: الظاهر أن التقدير: فهي خير، أي الجنازة بمعنى الميت، لمقابلته بقوله: "فشرّ"، فحينئذ لا بدّ من اعتبار الاستخدام في ضمير "إليه" الراجع إلى الخير، ويمكن أن يقدّر: فلها خير، أو فهناك خير، لكن لا يُساعده المقابلة، واللَّه تعالى أعلم انتهى (٤). (تُقَدِّمُونَهَا) بتشديد الدال، والجملة في محلّ رفع صفة لـ"خير" (إِلَيْهِ) أي إلى الخير الذي أعدّه اللَّه لها من النعيم المقيم. وقال في "الفتح": الضمير راجع إلى الخير، باعتبار الثواب، قال ابن مالك: روي: "تقدّمونه إليها" فأنث الضمير على تأويل الخير بالرحمة، أو الحسنى انتهى. وقال القاري -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: أي فإن كان حال ذلك الميت حسنًا طيّبًا، فأسرعوا به حتى يصل إلى تلك الحالة الطيّبة عن قريب انتهى (وَإِنْ تَكُ) أي الجنازة (غَيْرَ ذَلِكَ) أي غير صالحة (فَشَرٌّ) إعرابه كإعراب نظيره، وهو قوله: "فخير" (تَضَعُونَهُ، عَنْ رِقَابِكُمْ") أي فلا مصلحة لكم في مصاحبتها، وملابستها، لأنها بعيدة عن -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. [تنبيه]: في هذا الحديث تعليل الأمر بالإسراع بتقديم الصالحة إلى الخير، والتعجيل بوضع غير الصالحة عن الرقاب، وقد أشير في حديث آخر إلى تعليل بعلة أخرى، وهي مخالفة أهل الكتاب، أو اليهود خاصّة: ففي "مسند أحمد (٥) " عن أبي هريرة ﵁، قال: كان رسول اللَّه ﷺ إذا تبع

стр. 10592

جنازة، قال: "ابسطوا بها، ولا تدِبُّوا دَبيب اليهود بجنائزها". وفي "مصنّف ابن أبي شيبة"، عن عمران بن حُصين، أنه أوصى: إذا أنا متّ، فأسرعوا، ولا تُهوّدوا (١)، كما تُهوّد اليهود والنصارى". وعن ابن عمر ﵄، أنه سمع رجلا يقول: ارفقوا بها رحمكم اللَّه، فقال: هوّدوا (٢)، لتسرعوا بها، أو لأرجعنّ. وعن إبراهيم النخعيّ: كان يقال: ابسطوا بجنائزكم، ولا تدبّوا بها دبّ اليهود. وعن علقمة: لا تدبّوا بالجنازة دبيب النصارى (٣). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ٤٤/ ١٩١٠ و ١٩١١ وفي "الكبرى" ٥٣٧/ ٢٤٤ و ٢٠٣٨ وأخرجه (خ) ١٣١٥ (م) ٩٤٤ (د) ٣١٨١ (ت) ١٠١٥ (ق) ١٤٧٧ (أحمد) ٢٧٣٠ و ٧٢٢٩ و ٩٩٥٩ (مالك في الموطإ) ٥٧٤. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما بوّب له المصنّف ﵀، وهو الإسراع بالجنازة، والمراد به الإسراع المتوسط الذي لا يُخشى معه سقوط الميت، ونحوه، لكن إن خُشي على الميت من التأخير تغيّر، أو انفجار، أو انتفاخ زيد في الإسراع، وعكسه، إن خشي من الإسراع أن يحدث انفجار مثلاً فلا يُسرع، قال الشافعي -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: فإن كان بالميت علّة، يُخاف أن يتنجّس منه شيء، أحببت أن يُرفق بالمشي انتهى (٤). قال ابن الملقّن ﵀: وكره بعضهم الإسراع، وهو محمول على الإسراع المحذور. قال: ولا تُؤخّر لزيادة مصلّين، ولا لانتظار أحد غير الوليّ، فيُنتظر لأجله، إن لم يُخَف تغيّرها انتهى. ومنها: أنه يستدلّ به على أن حمل الجنازة يختصّ بالرجال، للإتيان فيه بضمير المذكر، ولا يخفى ما فيه. قاله في "الفتح" (٥). وقال ابن الملقّن ﵀: الخطاب

стр. 10593

بالإسراع للرجال، فإن النساء يضعفن عن الحمل، وربّما انكشف بعض أبدانهنّ انتهى. (١) ومنها: استحباب المبادرة إلى دفن الميت، لكن بعد أن يُتَحَقّق أنه مات، أما مثل المطعون، والمفلوج، والمسبوت (٢)، فينبغي أن لا يُسرع بدفنهم حتى يمضي يوم وليلة، ليُتَحقّق موتهم، نبّه على ذلك ابن بزيزة. (٣) ومنها: أن فيه إكرام أهل الخير والصلاح، إذا ماتوا بالمبادرة إلى الوصول إلى جزاء ما قدّموه، من الأعمال الصالحة، وجزؤها من فضل اللَّه تعالى ورحمته. ومنها: أن فيه تقليل مصاحبة أهل الشرّ، إلا فيما شُرع عند موتهم، كتجهيزهم، ودفنهم، وذلك لبعدهم عن رحمة اللَّه تعالى، فلا مصلحة في مصاحبتهم، وكذا ينبغي اجتناب مصاحبة أهل البَطَالة، وغير الصالحين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في مشروعية الإسراع بالجنازة، وفي حدّه: قال الحافظ وليّ الدين -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: حكى البيهقيّ في "المعرفة" عن الشافعيّ: أن الإسراع بالجنازة هو فوق سجيّة المشي، وحكى عنه ابن المنذر، وابن بطّال أنه سجيّة المشي، والأول أثبت، ويوافقه قول أصحابنا، وهذه عبارة الرافعيّ والنوويّ: المراد بالإسراع فوق المشي المعتاد، دون الخَبَب، وكذا قال الحنفيّة، وهذه عبارة صاحب "الهداية": ويمشون به مسرعين، دون الخبب. وحكى ابن قُدامة، عن القاضي، من الحنابلة أن المستحبّ إسراع، لا يخرج عن المشي المعتاد، قال: وهو قول الشافعيّ، قال: وقال أصحاب الرأي: يَخُبّ، ويرمُلُ. وقال ابن المنذر بعد ذكره هذا الحديث: وروي ذلك عن عمر بن الخطاب، وعمران ابن حُصين، وأبي هريرة، قال: وقال الشافعيّ: يسرع بالجنازة إسراع السجيّة، مشي الماشي، قال: وقال أصحاب الرأي: العجلة أحبّ إلينا من الإبطاء بها. وروى ابن أبي شيبة الوصيّةَ به عن عمر، وعمران بن حُصين، وأبي هريرة، وعلقمة، وأبي وائل،

стр. 10594

وعلي بن الحسين. وعن أبي الصدّيق الناجيّ: إن كان الرجل ليتقطّع شِسْعُهُ في الجنازة، فما يدركها، وما يكاد أن يدركها. وعن ابن عمر: لَتُسرعنّ بها، أو لأرجعنّ. وعن الحسن، ومحمد (١) أنهما كانا يعجبهما أن يسرع بالجنازة. وكان الحسن إذا رأى منهم إبطاء قال: امضوا، لا تحبسوا ميتكم. وعن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص أن أباه أوصاه، فقال: إذا أنت حملتني على السرير، فامش بي مشيًا بين الماشيين. وحكى الطحاوي في المسألة خلافًا، فحكى عن قوم أن السرعة بالجنازة أفضل، قال: وهو قول أبي حنيفة، وصاحبيه، وجمهور العلماء، قال: وخالفهم آخرون، وقالوا: المشي بها مشيًا ليّنا أفضل. وقال القاضي عياض: معنى هذا الإسراع عند بعضهم ترك التراخي في المشي بها، والتباطؤ، والزَّهْوِ في المشي، ويكره الإسراع الذي يشقّ على من تبعها، ويحرك الميت، وربما كان سبب خروج شيء منه، وعلى هذا حملو نهي مَن نهى من السلف عن الدَّبيب بها دبيب اليهود، وأمر بالإسراع، وجمعوا بينه وبين من رُوي عنه النهي عن الإسراع. واستدلّوا بما جاء في الحديث مفسّرًا عنه ﷺ : "هو ما دون الْخَبَب"، وفي حديث آخر: "عليكم بالقصد في جنائزكم". وهو قول جمهور العلماء، وأبي حنيفة، وأصحابه، والشافعيّ، وابن حبيب من أصحابنا، وحمل بعضهم ما جاء في ذلك من الآثار عن السلف على الخلاف في المسألة، والجمع بينهما على ما تقدّم انتهى. ورجّح القاضي عياض نفي الخلاف في المسألة، وأن من أمر بالإسراع أراد به المتوسّط، ومن نهى عنه أراد المفرط، ويوافق هذا كلام النوويّ، فإنه بعد أن نقل عن الشافعية وغيرهم استحباب الإسراع، قال: وجاء عن بعض السلف كراهة الإسراع، وهو محمول على الإسراع المفرط الذي يُخاف معه انفجارها، أو خروج شيء منها انتهى. قال الحافظ ولي الدين ﵀: ولنذكر الأحاديث في ذلك، فنقول: روى أبو داود بسند صحيح من رواية عيينة بن عبد الرحمن، عن أبيه: أنه كان في جنازة عثمان بن أبي العاص، وكنا نمشي مشيًا خفيفًا، فلَحِقَنا أبو بكرة، فرفع سوطه، وقال: "لقد رأيتنا، ونحن مع رسول اللَّه ﷺ نرمُلُ رَمَلًا". وفي رواية له: "في جنازة

стр. 10595

عبد الرحمن بن سمُرة"، بدل "عثمان بن أبي العاص"، ورواه النسائيّ (١)، وقال في روايته: "عبد الرحمن بن سمُرة"، وقال: "وإنا لنكاد نَرْمُلُ بها رَمَلاً". وروه الحاكم في "مستدركه" مختصرًا بدون القصّة التي في أوله، بلفظ: "وإنا لنكاد"، وصحّح إسناده. وروى أبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، من رواية أبي ماجدة، عن ابن مسعود، قال: سألنا رسول اللَّه ﷺ عن المشي مع الجنازة؟، فقال: "ما دون الخبب" الحديث. قال الترمذيّ: حديث غريب، لا نعرفه من حديث ابن مسعود، إلا من هذا الوجه، وسمعت محمد بن إسماعيل يضعّفه، وقال: قال الحميديّ: قال ابن عُيينة: قيل ليحيى: مَن أبو ماجدة هذا؟ قال: طائر طار، فحدّثنا. وقال النوويّ: اتفقوا على ضعفه، وأن أبا ماجدة مجهول، منكر الحديث. وفي "الصحيحين" عن عطاء، قال: حضرنا مع ابن عبّاس جنازة ميمونة ﵄ بسَرِفَ، فقال ابن عبّاس: "هذه ميمونة، إذا رفعتم نعشها، فلا تزعزعوه، ولا تزلزلوه، وارفُقُوا". وفي "مصنّف ابن أبي شيبة" عن أبي موسى، قال: مُرّ على النبي ﷺ بجنازة، وهي تَمْخَضُ (٢) كما يمخض الزِّقُّ، فقال: "عليكم بالقصد في جنائزكم". ورواه البيهقيّ في "سننه" بلفظ: "عليكم بالقصد في المشي بجنائزكم". قال الجامع: وفي سنده ليث بن أبي سُليم، وهو متروك. واللَّه تعالى أعلم. قال ولي الدين: واستدلّ والدي ﵀ في "شرح الترمذيّ" على أن المراد التوسط بين شدّة السعي، وبين المشي المعتاد بقوله في حديث أبي بكرة: "وإنا لنكاد أن نرمل"، قال: ومقاربة الرمَل ليس بالسعي الشديد. قال ولي الدين: وقد عرفتَ أن لفظ أبي داود "نرمُلُ". وأجاب والدي عن قول ابن عباس أنه -واللَّه أعلم- أراد الرفق في كيفية الحمل، لا في كيفية المشي بها، فإنه خَشِي أن تسقط، أو تنكشف، أو نحو ذلك، قال: وإن أراد الرفق في السير، فيحتمل أنه كان حصل لها ما يُخشى معه انفجارها، إن أزعجوها في السير، أو أن هذا رأي لابن عباس، والحديث المرفوع أولى بالاتباع انتهى. وجزم النووي في "الخلاصة" بذلك الاحتمال، فبوّب على هذه القضية "كراهة شدة الإسراع، مخافة انفجارها"، وكذا بوّب عليه قبله البيهقيّ انتهى كلام ولي الدين -رحمه اللَّه تعالى- (٣).

стр. 10596

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تلخّص من هذه الأقوال، وأدلتِها أن الصواب مشروعية الإسراع بالجنازة، لصحة النصوص الواردة في ذلك، كما في أحاديث الباب، لكن يكون إسراعًا لا يؤدي إلى أمر محظور، من سقوط الميت، أو انفجاره، أو حصول الضرر لمن يتبع الجنازة، وبهذا يجمع بين مذهب القائلين بالإسراع، وبين من حُكِي عنهم النهي عنه، فلا اختلاف بينهم في الحقيقة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٩١١ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ عَنْ يُونُسَ, عَنِ الزُّهْرِيِّ,, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلٍ, أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «أَسْرِعُوا بِالْجَنَازَةِ, فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً, قَدَّمْتُمُوهَا (١) إِلَى الْخَيْرِ (٢) , وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ ذَلِكَ, كَانَتْ شَرًّا تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ»). رجال هذا الإسناد: ستة، وكلهم تقدّموا قريبًا. و"سويد": هو ابن نصر. و"عبد اللَّه": هو ابن المبارك. و"يونس": هو ابن يزيد الأيلّي. و"الزهريّ": هو محمد بن مسلم. و"أبو أمامة بن سهل": هو أسعد بن سهل بن حُنيف. والحديث متفق عليه، وقد تقدّم شرحه، وبيان مسائله في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٩١٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عُيَيْنَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يُونُسَ (٣) , قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي, قَالَ: شَهِدْتُ جَنَازَةَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ, وَخَرَجَ زِيَادٌ, يَمْشِي بَيْنَ يَدَيِ السَّرِيرِ, فَجَعَلَ رِجَالٌ, مِنْ أَهْلِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, وَمَوَالِيهِمْ, يَسْتَقْبِلُونَ السَّرِيرَ, وَيَمْشُونَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ, وَيَقُولُونَ: رُوَيْدًا, رُوَيْدًا, بَارَكَ اللَّهُ فِيكُمْ, فَكَانُوا يَدِبُّونَ دَبِيبًا, حَتَّى إِذَا كُنَّا بِبَعْضِ طَرِيقِ الْمِرْبَدِ, لَحِقَنَا أَبُو بَكْرَةَ, عَلَى بَغْلَةٍ, فَلَمَّا رَأَى الَّذِي يَصْنَعُونَ, حَمَلَ عَلَيْهِمْ بِبَغْلَتِهِ, وَأَهْوَى إِلَيْهِمْ بِالسَّوْطِ, وَقَالَ: خَلُّوا, فَوَالَّذِي أَكْرَمَ وَجْهَ أَبِي الْقَاسِمِ ﷺ , لَقَدْ رَأَيْتُنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , وَإِنَّا لَنَكَادُ, نَرْمُلُ بِهَا رَمْلاً, فَانْبَسَطَ الْقَوْمُ. رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (محمد بن عبد الأعلى) الصنعانيّ البصريّ، ثقة [١٠] ٥/ ٥. ٢ - (خالد) بن الحارث الْهُجَيميّ البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٤٢/ ٤٧.

стр. 10597

٣ - (عُيينة بن عبدالرحمن بن يونس) بن جَوْشَن الغَطَفَانيّ الجَوْشنيّ (١) أبو مالك البصريّ، صدوق [٧]. قال أحمد: ليس به بأس، صالح الحديث. وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: ليس به بأس، وقال مرّة: ثقة. وقال ابن سعد: ثقة إن شاء اللَّه. وقال أبو حاتم: صدوق، وقال أيضًا: حدثنا علي بن محمد، ثنا وكيع، عن عيينة بن عبد الرحمن، وكان ثقة. وقال النسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". مات في حدود (٢٥٠) روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والأربعة، وله عند المصنف في هذا الكتاب أربعة أحاديث. [تنبيه]: قوله: "ابن يونس" هكذا وقع في نسخ "المجتبى"، والظاهر أنه غلطٌ، تصحّف، من "ابن جَوْشَن"، فقد ترجمه في "التقريب" ص ٢٧٣ و"تهذيب التهذيب" ج ٨ ص [٢٤٠ - ٢٤١]، و"تهذيب الكمال" ج ٢٣ ص [٧٧ - ٨١] و"الخلاصة" ص [٣٠٧] وكلهم ذكروه بأنه عُيينة بن عبد الرحمن بن جَوْشَن، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. ٤ - (أبوه) عبد الرحمن بن جَوْشَن الْغَطَفَانيّ البصريّ، صِهْرُ أبي بكرة على ابنته، ثقة [٣]. قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: ليس بالمشهور. وقال أبو زرعة: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة، إن شاء اللَّه تعالى. وقال العجليَ: عُيينة ثقة، وأبوه ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والأربعة، وله عند المصنف في هذا الكتاب أربعة أحاديث أيضًا. ٥ - (أبو بكرة) نُفيع بن الحارث بن كَلَدَة الثقفي صحابي مشهور نزل البصرة ﵁ ٤١/ ٨٣٦ واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. (ومنها): أن أبا بكرة ﵁ ممن اشتهر بهذه الكنية، وهي لقب بصورة الكنية؛ لُقب بها؛ لكونه تدلّى من حصن الطائف ببكرة البئر، فأسلم، وكنيته أبو عبد الرحمن. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث عن عبد الرحمن بن جَوْشَن أنه (قال: شَهِدْتُ جَنَازَةَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ) أي حضرتها، أو اطّلعت عليها، وعاينتها، يقال: شَهِدتُ المجلسَ، من باب علم، شهودًا:

стр. 10598

حضرته، فأنا شاهد، والجمع أشهاد، وشهود، وشَهِدت الشيء: اطلعت عليه، وعاينته، فأنا شاهد، وشَهِيدٌ، وعليه قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ الآية [البقرة: ١٨٥]. أفاده في "المصباح". وعبد الرحمن بن سَمُرة بن حبيب بن عبد شمس العبشميّ، أبو سعيد، صحابيّ من مسلمة الفتح، يقال: كان اسمه عبد كلال، افتتح سِجِسْتَان، ثم سكن البصرة، ومات ﵁ بها سنة خمسين من الهجرة، أو بعدها، وتقدمت ترجمته في ٢/ ١٤٦٠. [تنبيه]: قوله: "شهدت جنازة عبد الرحمن بن سمرة"، هذه رواية الجماعة: إسماعيل ابن علية، ويحى بن سعيد القطان، ووكيع بن الجرّاح، وخالد بن الحارث الهجيمي، وعيسى بن يونس، كلهم عن عُيينة، عن أبيه، فقالوا: "جنازة عبد الرحمن ابن سمرة، وخالفهم شعبة، عن عيينة، فقال: جنازة عثمان بن أبي العاص (١) وروايته شاذّة، والمحفوظ رواية الجماعة. واللَّه تعالى أعلم. (وَخَرَجَ زِيَادٌ) لعله أراد زياد ابن أبيه، لأنه كان أميرًا (يَمْشِي بَينَ يَدَي السَّرِيرِ) أي أمام الجنازة (فَجَعَلَ رِجَالٌ، مِنْ أَهْل عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن سمرة ﵁ (وَمَوَالِيَهِمْ) وفي نسخة: "ومواليه" (يَسْتَقْبِلُونَ السَّرِيرَ) أَي يواجهونه (وَيَمْشُونَ عَلَى أَعْقَابهمْ) أي وراءهم (وَيَقُولُونَ: رُوَيْدًا، رُوَيْدًا) أي أمهلوا، ولا تسرعوا في المشي (بَارَكَ اللَّهُ فِيكُمْ) جملة دعائية، أرادوا بها حَثّ الناس على عدم الإسراع (فَكَانُوا) أي الناس الذين حملوا جنازته (يَدِبُّونَ دَبيبًا) أي يُبطئون في المشي، يقال: دب الصغير يَدِبّ، من باب ضرب، دَبيبًا، ودبّ الجَيشُ دَبيبًا أيضا: ساروا سيرًا ليّنا. قاله في "المصباح، ونحوُهُ في "ق" (حَتَّى إِذَا كُنَّا بِبَعْضِ طَرِيقِ الْمِرْبَدِ) بكسر الميم، وسكون الراء، وفتح الباء: اسم موضع بالبصرة، سمي به لأنهم كانوا يَحبسون فيه الإبل. أفاده في "اللسان" (لَحِقَنَا أَبُو بَكْرَةَ) بكسر الحاء المهملة، يقال: لَحِقته، ولحقت به، من باب تَعِب، لَحَاقًا: أدركته. أي أدركَنَا أبو بكرة ﵁ (عَلَى بَغْلَة) متعلّق بحال مقدّر، أي حال كونه راكبًا على بغلة. والبَغلة بفتح، فسكون: الأنثى من ولد الفرس من الحمار، وجمعها بَغَلات، مثلُ سجْدَة، وسَجَدَات، وبِغَالٌ بالكسر، والذكر بَغْلٌ، وجمعه في القلّة أَبْغَالٌ، وفي الكثرة بغَالْ (فَلَمَّا رَأَى الَّذِي) وفي نسخة: "الذين" (يَصْنَعُونَ) أي لما رأى أبو بكرة ﵁ عَمَلَ أَهلِ عبد الرحمن، من حملهم الناس على عدم الإسراع (حَمَلَ عَلَيْهِمْ بِبَغْلَتِهِ) أي شَدّ في ركوبه نحوهم، ليحثّهم على الإسراع (وَأَهْوَى إِلَيْهِمْ) وفي نسخة: "لهم" (بِالسَّوْطِ) أي

стр. 10599

مدّ يده بالسوط نحوَهم، ليسوقهم به، ويُهَدِّدهم، حيث تركوا السنة، وهو الإسراع بالجنازة (وَقَالَ: خَلُّوا) أي اتركوا فعلكم هذا، ودعوا الناس يسرعون بالجنازة، كما هو السنّة. وفيه فضل أبي بكرة ﵁، حيث أزال المنكر، امتثالًا لأمره ﷺ بذلك، حيث قال: "من رأى منكم منكرًا، فليغيّره بيده، فإن لم يستطع، فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان". رواه مسلم (فَوَالَّذِي أَكْرَمَ وَجْهَ أَبِي الْقَاسِمِ ﷺ ) إنما خصّ الوجه، لأنه مجمع شرف الإنسان، ومظهر محاسنه، أو أراد به ذاته الشريفة ﷺ ، وإنما آثر القسم بهذه الصيغة حثّا لهم، وتأكيدًا على أن هذا الأمر من سنته ﷺ ، فينبغي التمسّك به، والاهتمام باتباعه (لَقَدْ رَأَيْتُنَا) أي رأيت نفسي، وأصحاب النبي ﷺ (مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَإِنَّا لَنَكَادُ) أي نقرُب (نَرْمُلُ بِهَا رَمَلاً) أي نسرع بالجناز، يقال: رَمَلَ رَمَلًا، من باب طَلَب، ورَمَلَانًا أيضًا: إذا هَرْوَل (١). قاله في "المصباح" (فَانْبَسَطَ الْقَوْمُ) أي انشرحوا لما سمعوا من أن سنة النبي ﷺ في المشي بالجنازة هو الإسراع، خلاف ما هم عليه، ويحتمل أن يكون المعنى: فانبسطوا بسبب فتح الريق لهم، وتمكُّنِهِم من الإسراع بعد أن كانوا متضايقين بمنعهم عنه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي بكرة ﵁ هذا صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٤٤/ ١٩١٢ و ١٩١٣ وفي "الكبرى" ٤٤/ ٢٠٣٩ و ٢٠٤٠ وأخرجه (د) ٣١٨٢ (أحمد) ١٩٨٦٢ و ١٩٨٧٥ و ١٩٨٨٧، وبقية المسائل تقدّمت قريبًا، والحديث صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٩١٣ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ, عَنْ إِسْمَاعِيلَ, وَهُشَيْمٍ, عَنْ عُيَيْنَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ أَبِي بَكْرَةَ, قَالَ: "لَقَدْ رَأَيْتُنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , وَإِنَّا لَنَكَادُ نَرْمُلُ بِهَا, رَمَلاً". وَاللَّفْظُ (٢) حَدِيثُ هُشَيْمٍ.

стр. 10600

رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (علي بن حُجر) المروزيّ، ثقة حافظ، من صغار [٩] ١٣/ ١٣. ٢ - (إسماعيل) بن إبراهيم ابن عُليّة البصريّ، ثقة ثبت [٨] ١٨/ ١٩. ٣ - (هُشيم) بن بَشير الواسطيّ، ثقة حافظ يدلّس ويرسل [٧] ٨٨/ ١٠٩. [تنبيه]: قوله: "وهُشيمٍ" بالجرّ عطفًا على إسماعيل، فكلاهما يروي عنهما علي بن حُجر، ويرويان عن عُيينة بن عبد الرحمن، فما يوجد في نسخ "المجتبى" مرفوعًا بضبط القلم، فغلط، فليُتنبّه. والباقون تقدّموا في السند الذي قبله. والحديث صحيح، ومضى شرحه، وبيان مسائده في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٩١٤ - أَخْبَرَنَا (١) يَحْيَى بْنُ دُرُسْتَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْمَاعِيلَ, عَنْ يَحْيَى, أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ, حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «إِذَا مَرَّتْ بِكُمْ جَنَازَةٌ, فَقُومُوا, فَمَنْ تَبِعَهَا, فَلَا يَقْعُدْ حَتَّى تُوضَعَ». قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث أورده المصنف، كما هو في نسخ "المجتبى" التي بين يديّ في هذا الباب، ولا مطابقة بينهما، وإنما هو من أحاديث الباب التالي، كما هو صنيعه في "السنن الكبرى" حيث أورده فيه ج ١ ص -٦٢٥ - ٦٢٦ - رقم -٢٠٤٤ - . وقد جرت للمصنف عادة غريبة، حيث يورد في بعض المواضع في آخر الباب حديثًا من أحاديث الباب الذي يليه، ولعله لبيان المناسبة بين البابين، واللَّه تعالى أعلم. رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يحى بن دُرُستَ (٢)) بن زياد البصريّ، ثقة [١٠] ٢٣/ ٢٤. ٢ - (أبو إسماعيل) القَنَّاد إبراهيم بن عبدالملك البصريّ، صدوق في حفظه شيء [٧] ٢٣/ ٢٤. ٣ - (يحى) بن أبي كثير، أبو نصر اليماميّ، ثقة ثبت، يدلّس، ويرسل [٥] ٢٣/ ٢٤. ٤ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، ثقة فقيه [٣] ١/ ١. ٥ - (أبو سعيد) الخُدْريّ سعد بن مالك ﵄ ١٦٩/ ٢٦٢. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 10601

لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ يحيى، عن أبي سلمة. (ومنها): أن فيه أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وهو أبو سلمة. (ومنها): أن أبا سعيد ﵁ أحد المكثرين السبعة روى (١١٧٠) من الأحاديث. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي سَعِيدِ الخدريّ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: إِذَا مَرَّتْ بكُمْ جَنَازَةٌ) تقدّم ضبطه بالفتح، والكسر (فَقُومُوا) فيه الأمر بالقيام للجنازة، إذا مرّت بالمكلّف القاعد، وإن لم يقصد تشييعها، والمراد عموم كلّ جنازة، من مؤمن وغيره، كما سيأتي أن النبي ﷺ قام لجنازة يهوديّ مرّت به، وعلّل ذلك بأنها نفس، وفي رواية بأن الموت فَزَعٌ، كما سيأتي في الباب التالي، إن شاء اللَّه تعالى (فَمَنْ تَبِعَهَا، فَلَا يَقْعُدْ حَتَّى تُوضَعَ") يحتمل أن المراد حتى توضع على الأرض، أو توضع في اللحد. وقد روي عن أبي هريرة ﵁ باللفظين، إلا أن البخاريّ أشار إلى ترجيح رواية "حتى توضع بالأرض"، حيث قال: "باب من تبع جنازة، فلا يقعد حتى توضع عن مناكب الرجال"، وصرّح أبو داود بترجيحها، حيث قال بعد رواية حديث أبي سعيد ﵁ من طريق سهيل بن أبي صالح، بلفظ: "إذا تبعتم الجنازة، فلا تجلسوا حتى توضع": ما نصّه: وروى الثوريّ هذا الحديث، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال فيه: "حتى توضع بالأرض"، ورواه أبو معاوية، عن سهيل، قال: "حتى توضع في اللحد"، وسفيان أحفظ من أبي معاوية انتهى. وكذا قال الأثرم، قال الحافظ: ﵀: ورواه جرير، عن سهيل، أي عن أبي صالح، عن أبي سعيد، فقال: "حتى توضع" حسبُ، وزاد سهيل: "ورأيت أبا صالح لا يجلس حتى توضع عن مناكب الرجال". أخرجه أبو نعيم في "المستخرج" بهذه الزيادة، والبيهقيّ ج ٤ ص ٢٦ وهو في مسلم بدونها. قال الحافظ: ورجح رواية "حتى توضع بالأرض" عند البخاريّ بفعل أبي صالح، لأنه رواي الخبر، وهو أعرف بالمراد منه. ورواية أبي معاوية مرجوحة، كما قال أبو داود انتهى. (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 10602

مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي سعيد الخدريّ هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ٤٥/ ١٩١٤ و ١٩١٧ و ١٩١٨ و ١٩١٩ و٨٠/ ١٩٩٨. وفي "الكبرى" ٤٥/ ٢٠٤٣ و ٢٠٤٤ و ٢٠٤٥ و ٢٠٤٦ و ٨٠/ ٢١٢٥. وأخرجه (خ) ١٣٠٩ و١٣١٠ (م) ٩٦٢ (د) ٣١٧٣ (ت) ١٠٤٣. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما بوّب له المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو الأمر بالقيام للجنازة (١). ومنها: أن هذا الأمر للاستحباب على الراجح، وسيأتي تحقيق الخلاف، هل هو للوجوب، أم للاستحباب، أم هو منسوخ؟ في المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالى. ومنها: أن ظاهر هذا الأمر يعمّ كل جنازة، سواء كانت لمسلم، أو لكافر، كما تدلّ عليه أحاديث الباب الثالث. ومنها: أن القيام للجنازة قد جاء تعليله في الحديث الآتي بقوله: "إن للموت فَزَعًا"، فدلّ على أن القيام لتذكر الموت، وإعظامه، وجعله من أهمّ ما يخطر بالإنسان، ولذا استوى فيه جنازة المؤمن والكافر، ويأتي أيضًا تعليله بقوله: "أليست نفسًا"، وثبت في رواية أحمد، وابن حبّان تعليله بقوله: "إنما تقومون إعظاما للذي يقبض النفوس"، وفي رواية الحاكم بقوله: "إنما قمنا للملائكة"، ولا تنافي بين هذه الروايات، كما سيأتي بيان ذلك قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى (ومنها): ما قاله في "الفتح" من أن حديث أبي سعيد هذا أبين سياقًا من حديث عامر بن ربيعة الآتي بعده، وهو يوضّح أن المراد بالغاية المذكورة مَن كان معها، أو مشاهدًا لها، وأما من مرّت به، فليس عليه القيام إلا قدر ما تمرّ عليه، أو توضع عنده بأن يكون بالمصلَّى مثلاً. وروى أحمد من طريق سعيد بن مَرْجَانة، عن أبي هريرة ﵁، مرفوعًا: "من صلى على جنازة، فلم يمش معها، فليقم حتى تغيب عنه، وإن مشى معها، فلا يجلس حتى توضع". وفي هذا السياق بيان لغاية القيام، وأنه لا يختصّ بمن مرّت به، ولفظ القيام يتناول من كان قاعدًا، فأما من كان راكبًا، فيحتمل أن يقال: ينبغي له أن يقف، ويكون الوقوف في حقّه كالقيام في حقّ القاعد انتهى. (٢) ومنها: أنه يستفاد من قوله: "فمن تبعها فلا يقعد الخ" على أن شهود الجنازة لا يجب على الأعيان، ووجه ذلك أنه يدلّ على أن من لم يتبعها لا يقوم إلى أن توضع،

стр. 10603

بل حتى تخلّفه، فدلّ على أنه إن شاء اتبعها، ولا يجلس حتى توضع، وإن شاء لم يتبعها، ولكن يقوم حتى تخلّفه، وأصرح من هذا ما يأتي في حديث عامر بن ربيعة ﵁، بلفظ: "فلم يكن ماشيًا معها … ". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في حكم القيام للجنازة: قال الإمام أبو بكر ابن المنذر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: قد اختلف أهل العلم في القيام للجنائز إذا مرّت، فقالت طائفة: يقوم لها، فعل ذلك أبو مسعود البدريّ، وأبو سعيد الخدريّ، وقيس بن سعد، وسهل بن حُنيف، وسالم بن عبد اللَّه. ورأت طائفة أن لا يقوم المرأ للجنازة تمرّ به، مُرَّ على سعيد بن المسيّب بجنازة، فلم يقم لها، وكان عروة بن الزبير يَعيب من يفعل ذلك، وقال مالك: ليس على الرجل أن يقوم للجنازة إذا رآها، ولا يقعد حتى تجاوزه، مسلما كان، أو كافرًا. وقال الشافعيّ: لا يقوم للجنازة من لا يشهدها، والقيام لها منسوخ. وقال أحمد: إن قام لم يقعد، وإن قعد فلا بأس، وكذلك قال إسحاق. وقال أحمد: قوله: "فليقم" إنما ذا على القاعد يقوم، وقال أحمد: من قام للجنازة فذاك، ومن لم يقم ذهب إلى حديث عليّ ﵁: "قام رسول اللَّه ﷺ ، فقمنا، وقعد، فقعدنا"، قال أبو عبد اللَّه: أما أنا فلا أقوم. قال ابن المنذر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: مذهب أحمد، وإسحاق حسن في الوجهين انتهى (١). وقال النووي -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "شرح مسلم": قال القاضي عياض: اختلف الناس في هذه المسألة، فقال مالك، وأبو حنيفة، والشافعيّ: القيام منسوخ، وقال أحمد، وإسحاق، وابن حبيب، وابن الماجشون: هو مخيّر. قال: واختلفوا في قيام من يشيّعها عند القبر، فقال جماعة من الصحابة والسلف: لا يقعد حتى توضع، قالوا: والنسخ إنما هو في قيام من مرّت به، وبهذا قال الأوزاعيّ، وأحمد، وإسحاق، ومحمد بن الحسن. قال: واختلفوا في القيام على القبر حتى تدفن، فكرهه قوم، وعمل به آخرون، روي ذلك عن عثمان، وعليّ، وابن عمر، وغيرهم ﵃. هذا كلام القاضي. قال النوويّ: والمشهور في مذهبنا أن القيام ليس مستحبّا، وقالوا: هو منسوخ بحديث عليّ، واختار المتولي من أصحابنا أنه مستحبّ، وهذا هو المختار، فيكون الأمر به للندب، والقعودُ بيانًا للجواز، ولا يصحّ دعوى النسخ في مثل هذا، لأن النسخ

стр. 10604

إنما يكون إذا تعذّر الجمع بين الأحاديث، ولم يتعذر. واللَّه أعلم انتهى كلام النووي -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (١). وقال في "الفتح": وقد اختلف الفقهاء في ذلك، فقال أكثر الصحابة، والتابعين باستحبابه، كما نقله ابن المنذر، وهو قول الأوزاعيّ، وأحمد، وإسحاق، ومحمد بن الحسن، ورَوَى البيهقيّ من طريق أبي حازم الأشجعيّ، عن أبي هريرة، وابن عمر، وغيرهما أن القائم مثل الحامل -يعني في الأجر- وقال الشعبيّ، والنخعيّ: يكره القعود قبل أن توضع. وقال بعض السلف: يجب القيام، واحتجّ له برواية سعيد، عن أبي هريرة، وأبي سعيد -يعني الآتية للمصنف بعد ثلاثة أحاديث-. انتهى (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث علي ﵁ الذي استدلّوا به على النسخ هو الآتي للمصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في - ٨١/ ١٩٩٩ - ، ولفظه: عن علي بن أبي طالب، أنه ذُكر القيامُ على الجنازة حتى توضع، فقال عليّ بن أبي طالب: قام رسول اللَّه ﷺ ، ثم قعد"، ورواه مسلم بلفظ: "قام رسول اللَّه ﷺ ، ثم قعد". انظر "صحيحه" رقم - ٢٢٢٤ و ٢٢٢٥ و ٢٢٢٧ - . ورواه أحمد، وابن حبّان، وغيرهما: "كان رسول اللَّه ﷺ أمرنا بالقيام في الجنازة، ثم جلس بعد ذلك، وأمرنا بالجلوس". ولفظ البيهقيّ: "ثم قعد بعد ذلك، وأمرهم بالقعود". ثم إن حديث علي باللفظ الأول لا يدلّ على النسخ، وإنما غايته أن يدلّ على أن الأمر ليس للوجوب، وأما حديثه باللفظ الثاني، فلو صحّ لكان دالّا على النسخ، لقوله فيه: "وأمرنا بالجلوس"، لكنه بهذا اللفظ لا يصحّ، لمخالفة محمد بن عمرو بن علقمة لمن هو أحفظ منه، وهو يحيى بن سعيد الأنصاريّ، كما أخرجه مسلم وغيره من طريقه، وتابعه شعبة، عن محمد بن المنكدر، عن مسعود بن الحكم، وسيأتي للمصنف برقم -١٩٩٩ و٢٠٠٠ - باللفظ الأول، وليس عندهما زيادةُ: "وأمرنا بالجلوس" وإنما هو حكاية فعله ﷺ ، وهو يدلّ على الندب، كما ذكرنا، لا على النسخ. وأما ما أخرجه أبو داود والترمذيّ، وابن ماجه، والبزّار عن عبادة بن الصامت ﵁، قال: "كان رسول اللَّه ﷺ يقوم في الجنازة حتى توضع في اللحد، فمرّ حبر من اليهود، فقال: هكذا نفعل، فجلس النبي ﷺ ، وقال: "اجلسوا، خالفوهم". فإنه ضعيف، لأن في سنده بشر بن رافع، وقد ضعفه غير واحد، وقال عنه في

стр. 10605

"ت": فقيه ضعيف الحديث، من السابعة، وفيه أيضًا عبد اللَّه بن سليمان، قال البخاريّ: فيه نظر، لا يتابع على حديثه، وأبوه سليمان، قال البخاريّ، وأبو حاتم: منكر الحديث. وأما ما أخرجه أحمدج ١ ص ١٤٢، والحازمي في "الناسخ والمنسوخ" ص ١٢١ من طريق أبي معمر، قال: كنا مع علي، فمر به جنازة، فقام لها ناس، فقال عليّ: من أفتاكم هذا؟ فقالوا: أبو موسى، قال: إنما فعل رسول اللَّه ﷺ مرّة، فكان يتشبه بأهل الكتاب، فلما نُهِي انتهى"، لفظ أحمد، ولفظ الحازميّ: "فلما نُسِخ ذلك، ونُهِي عنه انتهى". ففي سنده ليث بن أبي سُليم، وهو متروك. والحاصل أن دعوى النسخ، غير صحيحة، فإن أحاديث الأمر بالجلوس، لا تصحّ، وكذا حديث عليّ المذكور الدالّ على النسخ، لا يثبت، فلا ينبغي الالتفات إليها، في نسخ تلك السنة الثابتة بالأحاديث الصحيحة من طرق جماعة من الصحابة، بل المتحتّم الأخذ بها، واعتقاد أنها مستحبّة، مَن فعلها، فقد أحسن، ومن لا، فلا لوم عليه، لأنه ﷺ قام، وقعد، وهذا هو الحقّ، كما تقدّم ترجيح النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- له، مخالفا لمشهور مذهبه، من دعوى النسخ، فجزاه اللَّه تعالى خيرًا على اتباعه الدليلَ، وعدم تعصّبه لمشهور مذهبه، كما هو ديدن المتفقهة، ولا سيما المتأخرون، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٤٥ - بَابُ الأَمْرِ بِالْقِيَامِ لِلْجَنَازَةِ ١٩١٥ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «إِذَا رَأَى أَحَدُكُمُ الْجَنَازَةَ, فَلَمْ يَكُنْ مَاشِيًا مَعَهَا, فَلْيَقُمْ, حَتَّى تُخَلِّفَهُ, أَوْ تُوضَعَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُخَلِّفَهُ». رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (نافع) مولى ابن عمر المدني الفقيه الثبت [٣] ١٢/ ١٢. ٢ - (ابن عمر) عبد اللَّه ﵄ ١٢/ ١٢.

стр. 10606

٣ - (عامر بن ربيعة) بن كعب بن مالك بن ربيعة بن عامر بن مالك بن حُجْر بن سَلامان بن مالك بن ربيعة بن رُفيدة بن عَنْز -بسكون النون- ابن وائل بن قاسط بن هِنْب ابن أَفْصَى ابن دُعمى بن جَدِيلة بن أسد بن ربيعة بن نزار العَنْزِيّ، أبو عبد اللَّه العدويّ، وقيل: غير ذلك في نسبه، حليف آل الخطاب، كان من المهاجرين الأولين، أسلم قبل عمر، وهاجر الهجرتين، وشهد بدرًا، والمشاهد كلها مع رسول اللَّه ﷺ . روى عن النبي ﷺ ، وعن أبي بكر، وعمر. وعنه ابنه عبد اللَّه، وعبد اللَّه بن عمر، وعبد اللَّه بن الزبير، وأبو أمامة بن سهل بن حُنيف، وعيسى الحكَميّ. وكان صاحب لواء عمر بن الخطاب لما قدم الجابية، واستخلفه عثمان على المدينة لما حجّ. وقال ابن إسحاق: كان أول من قدم المدينة مهاجرًا بعد أبي سلمة بن عبد الأسد. وقال ابن سعد: كان قد حالف الخطاب، فتبنّاه، فكان يقال: عامر بن الخطاب، حتى نزلت: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ الآية [الأحزاب: ٥] فرجع عامر إلى نسبه، وهو صحيح النسب. وقال يحيى ابن سعيد الأنصاريّ، عن عبد اللَّه بن عامر بن ربيعة: قام عامر بن ربيعة يصلي من الليل، وذلك حين شَغَبَ الناسُ في الطعن على عثمان، فصلى من الليل، ثم نام، فأُتي في منامه، فقيل له: قم، فسل اللَّه أن يُعِيذك من الفتنة التي أعاذ منها صالح عباده، فقام، فصلى، ثم اشتكى، فما خرج بعدُ إلا جنازةً. قال يعقوب بن سفيان: مات في خلافة عثمان، وقال مصعب الزبيريّ وغيره: مات سنة (٣٢) وقيل: غير ذلك. روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وأعاده بعده. وأما قتيبة بن سعيد، والليث بن سعد، فقد ذُكرا في الباب الماضي. والسند فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ، وفيه أحد المكثرين السبعة، وأحد العبادلة الأربعة، وهو عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب ﵄. وأما شرح الحديث فيعلم مما قبله. وقوله: "فلم يكن ماشيا معها الخ" فيه بيان أن اتباع الجنائز ليس على الأعيان، وإنما هو على الكفاية، كما تقدّم، وفي رواية لمسلم من طريق ابن جريج، عن نافع بلفظ: "إذا رأى أحدكم الجنازة، فليقم حين يراها، حتى تخلّفه، إذا كان غير مُتَّبِعِها". وقوله: "حتى تُخلّفكم" بضم أوله، وفتح المعجمة، وتشديد اللام المكسورة: أي تترككم وراءها، ونسبة ذلك إليها على سبيل المجاز، لأن المراد حاملها. وقوله: "أو توضع" "أو" ليست للشكّ، وإنما هي للتنويع، فإن من رأى الجنازة، إما أن لا يتبعها، فهذا يقوم حتى تتجاوزه، ويكون وراءها، أو توضع عنده بأن كان في المصلَّى، وإما أن يتبعها، فهذا لا يجلس حتى توضع. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 10607

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث عامر بن ربيعة ﵁ هذا متّفق عليه، أخرجه المصنّف هنا -٤٥/ ١٩١٥ و ١٩١٦ وفي "الكبرى" ٤٥/ ٢٠٤١ و ٢٠٤٢٠ وأخرجه (خ) ١٣٠٧ و ١٣٠٨ (م) ٢٢١٤ و ٢٢١٥ و ٢٢١٦ (د) ٣١٧٢ (ت) ١٠٤٢ (ق) ١٥٤٢ (أحمد) ١٥٢٥٥، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٩١٦ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ,, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ سَالِمٍ, عَنْ أَبِيهِ,, عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ الْعَدَوِيِّ, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الْجَنَازَةَ, فَقُومُوا, حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ, أَوْ تُوضَعَ». رجال الإسناد: ستة، تقدّموا في الذي قبله، سوى: ١ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري المدني الحافظ الفقيه الحجة [٤] ١/ ١. ٢٩ - (سالم) بن عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب العدويّ المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٣٢/ ٤٩٠. وهذا سند آخر لحديث عامر بن ربيعة ﵁، وهو أنزل مما قبله، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، ورواية الابن عن أبيه، وفيه أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وهو سالم بن عبد اللَّه. واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: قوله: "العَدَوِيّ" الظاهر أنه نسبة إلى بني عدي؛ لأنه كما سبق آنفًا في ترجمته أنه كان حالف الخطاب والد عمر، فكان يُدْعَى عامر بن الخطاب، فنُسِبَ إلى قبيلته. واللَّه تعالى أعلم. والحديث متفق عليه، كما سبق بيانه في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٩٢٨ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ, عَنْ هِشَامٍ ح وَأَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ, عَنْ يَحْيَى, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ, عَنْ أَبِي سَعِيدٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا رَأَيْتُمُ الْجَنَازَةَ, فَقُومُوا, فَمَنْ تَبِعَهَا, فَلَا يَقْعُدْ حَتَّى تُوضَعَ». رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (إسماعيل بن مسعود) الْجَحْدَريّ البصريّ، ثقة [١٠] ٤٢/ ٤٧. ٢ - (هشام) بن أبي عبد اللَّه سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت رمي بالقدر، من كبار [٧] ٣٠/ ٣٤. والباقون تقدّموا قريبًا. و"إسماعيل" شيخ علي بن حجر: هو ابن عليّة. و"خالد" هو ابن الحارث الهجيميّ. و"يحيى": هو ابن أبي كثير. والحديث متفق عليه، كما تقدّم شرحه، والكلام على مسائله في الباب الماضي.

стр. 10608

واللَّه تعالى أعلم بالصواب، واليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٩١٨ - أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ, عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ, عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ, عَنْ سَعِيدٍ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, وَأَبِي سَعِيدٍ, قَالَا: مَا رَأَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَهِدَ جَنَازَةً قَطُّ, فَجَلَسَ حَتَّى تُوضَعَ. رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يوسف بن سعيد) المصّيصيّ، ثقة حافظ [١١] ١٣١/ ١٩٨. ٢ - (حجاج) بن محمد الأعور المصّيصيّ، ثقة ثبت [٩] ٢٨/ ٣٢. ٣ - (ابن جريج) عبدالملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، ثقة فقيه فاضل مدلس [٦] ٢٨/ ٣٢. ٤ - (ابن عجلان) محمد المدني، صدوق، اختلت عليه أحاديث أبي هريرة [٥] ٣٦/ ٤٠. والباقون تقدّموا قريبًا. و"سعيد" هو المقبريّ. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "ما رأينا رسول اللَّه ﷺ شهد جنازة قطّ الخ". يُعارض هذا ما يأتي من حديث عليّ، وابن عباس، والحسن بن عليّ ﵃، من أنه ﷺ قام، ثم قعد، لكن أحاديث هؤلاء أصحّ من هذا، فتقدّم عليه، ويحتمل أن يعود النفي إلى علمهما، فلا ينافي ما رآه غيرهما، لكن فيه بعدٌ. واللَّه تعالى أعلم. والحديث من أفراد المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، أخرجه هنا -٤٥/ ١٩١٨ وفي "الكبرى" ٤٥/ ٢٠٤٥. ورجاله وإن كانوا رجال الحسن، من أجل محمد بن عجلان، فإنه صدوق، لكن فيه عنعنة ابن جريج، وهو مدلّس، وفي متنه نكارة، كما أشرت إليه آنفًا، فالظاهر عدم صحته. واللَّه تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٩١٩ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا, عَنِ الشَّعْبِيِّ, قَالَ: قَالَ أَبُو سَعِيدٍ ح وَأَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زَيْدٍ, سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ, قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ, يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , مَرُّوا عَلَيْهِ بِجَنَازَةٍ, فَقَامَ, وَقَالَ عَمْرٌو: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , مَرَّتْ بِهِ جَنَازَةٌ, فَقَامَ. رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (عمرو بن عليّ) الفلاّس البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٤/ ٤. ٢ - (إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق) الْجُوزجانيّ، نزيل دمشق، ثقة حافظ رمي بالنصب [١١] ١٢٢/ ١٧٤. ٣ - (يحيى بن سعيد) القطّان البصريّ الإمام الحجة الثبت [٩] ٤/ ٤.

стр. 10609

٤ - (أبو زيد سعيد بن الربيع) العامريّ الْحَرَشيّ الهَرَويّ البصريّ، ثقة، من صغار [٩] أقدم شيخ للبخاريّ وفاةً، مات سنة (٢١١) ١٣/ ١٤٨١. ٥ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الشهير الثبت الحجة [٧] ٢٤/ ٢٦. ٦ - (زكريا) بن أبي زائدة الوادعيّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقة يدلّس [٦] ٩٣/ ١١٥. ٧ - (عبد اللَّه بن أبي السَّفَر) -بفتح الفاء- سعيد بن يُحْمِد، ويقال: أحمد الهَمْدَانيّ الثوريّ الكوفيّ، ثقة [٦]. قال أحمد، وابن معين، والنسائيّ: ثقة. وقال العجليّ: كوفيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات لا. وقال ابن سعدْ كان ثقة، وليس بكثير الحديث، مات في خلافة مروان ابن محمد. روى له الجماعة، سوى الترمذيّ، وله عند المصنّف في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط. ٨ - (الشعبي) عامر بن شَرَاحيل الهمدانيّ، أبو عمرو الكوفيّ، ثقة فقيه فاضل [٣] ٦٦/ ٨٢. والصحابي تقدّم في الذي قبله. وقوله: "وقال عمرو" هو الفَلّاس، شيخه الأول، يعني أن اللفظ الأول لهذا الحديث لفظ شيخه إبراهيم، وأما لفظ شيخه عمرو: "إن رسول اللَّه ﷺ مرّت به جنازة، فقام". وهذا يدلّ على شدة اهتمام المحدثين، وكمال احتياطهم، وورعهم، حيث يراعون ألفاظ شيوخهم، ويؤدونها، كما سمعوها، لينالوا الفضل الذي ثبت عن رسول اللَّه ﷺ ، في قوله: "نضر اللَّه امرؤا، سمع منا شيئًا، فبلّغه كما سمع، فربّ مبلّغ أوعى من سامع". رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، واللفظ له، وقال: حديث حسن صحيح. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحديث بهذا السياق من أفراد المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو صحيح الإسناد، أخرجه هنا -٤٥/ ١٩١٩ وفي "الكبرى" ٤٥/ ٢٠٤٦. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، واليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٩٢٠ - أَخْبَرَنِي أَيُّوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَزَّانُ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ, قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ, عَنْ عَمِّهِ يَزِيدَ بْنِ ثَابِتٍ, أَنَّهُمْ كَانُوا جُلُوسًا, مَعَ النَّبِيِّ ﷺ , فَطَلَعَتْ جَنَازَةٌ, فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , وَقَامَ مَنْ مَعَهُ, فَلَمْ يَزَالُوا قِيَامًا حَتَّى نَفَذَتْ. رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أيوب بن محمد الوزّان) أبو محمد الرّقّيّ، ثقة [١٠] ٢٨/ ٣٢.

стр. 10610

٢ - (مروان) بن معاوية بن الحارث بن أسماء الفَزَاريّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، نزيل مكة، ثم دمشق، ثقة حافظ، كان يدلّس أسماء الشيوخ [٨] ٥٠/ ٨٥٠. ٣ - (عثمان بن حَكِيم) بن عبّاد بن حُنَيف الأنصاريّ الأوسيّ، أبو سَهْل المدنيّ، ثم الكوفيّ، ثقة [٥] ٣٨/ ٩٤٤. ٤ - (خارجة بن زيد بن ثابت) الأنصاريّ، أبو زيد المدنيّ، ثقة فقيه [٣] ١٢٢/ ١٧٩. ٥ - (يزيد بن ثابت) بن الضحّاك الأنصاريّ. روى عن النبي ﷺ . قال خليفة: شهد بدرًا، ورُمِي يوم اليمامة بسهم، فمات في الريق، وكان أكبر من أخيه زيد بن ثابت. روى عنه ابن أخيه خارجة بن زيد بن ثابت، ويقال: لم يسمع منه. وقال ابن سعد، والبغويّ، وغير واحد: لم يشهد بدرًا. علق عنه البخاريّ، وأخرج المصنّف، وابن ماجه، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (١٩٢٠) و (٢٠٢٢). واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين من عثمان (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن عمه. ومنها: أن خارجة أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة، وقد تقدّموا غير مرة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ يَزِيدَ بنِ ثَابِتٍ) الأنصاريّ (أَنَّهُمْ) أي الصحابة ﵃، ولفظ أحمد: "أنه كان جالسا مع النبي ﷺ في أصحابه" (كَانُوا جُلُوسًا) جمع جالس، خبر "كان"، ويحتمل أن يكون مصدرًا، فيكون على حذف مضاف، أي ذوي جلوس (مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَطَلَعَتْ) من باب قعد: أي ظهرت (جَنَازَةٌ) تقدم ضبطها بالفتح، والكسر، وهو اسم للميت، وقيل: بالفتح، اسم للميت، وبالكسر اسم للسرير، وعليه الميت (فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَقَامَ مَنْ مَعَهُ) من الصحابة ﵃. ولفظ "الكبِرى": "فثار رسول اللَّه ﷺ ، وثار من معه من أصحابه … ". ومعنى "ثار": وَثَبَ، ونَهَض. ولفظ أحمد: "فلما رآها رسول اللَّه ﷺ ثار، وثار أصحابه معه … " (فَلَمْ يَزَالُوا قِيَامًا) أي قائمين، أو ذوي قيام (حَتَّى نَفَذَتْ) أي مرّت بهم، وجاوزتهم، يقال: نَفَذَ السهمُ، نُفُوذًا، من باب قعد، ونَفَاذًا: خَرَقَ الرَّمِيَّةَ، وخرج منها، ويتعدّى بالهمزة، والتضعيف. قاله في "المصباح".
следующие страницы →