٣ - (عامر بن ربيعة) بن كعب بن مالك بن ربيعة بن عامر بن مالك بن حُجْر بن سَلامان بن مالك بن ربيعة بن رُفيدة بن عَنْز -بسكون النون- ابن وائل بن قاسط بن هِنْب ابن أَفْصَى ابن دُعمى بن جَدِيلة بن أسد بن ربيعة بن نزار العَنْزِيّ، أبو عبد اللَّه العدويّ، وقيل: غير ذلك في نسبه، حليف آل الخطاب، كان من المهاجرين الأولين، أسلم قبل عمر، وهاجر الهجرتين، وشهد بدرًا، والمشاهد كلها مع رسول اللَّه ﷺ .
روى عن النبي ﷺ ، وعن أبي بكر، وعمر. وعنه ابنه عبد اللَّه، وعبد اللَّه بن عمر، وعبد اللَّه بن الزبير، وأبو أمامة بن سهل بن حُنيف، وعيسى الحكَميّ. وكان صاحب لواء عمر بن الخطاب لما قدم الجابية، واستخلفه عثمان على المدينة لما حجّ. وقال ابن إسحاق: كان أول من قدم المدينة مهاجرًا بعد أبي سلمة بن عبد الأسد. وقال ابن سعد: كان قد حالف الخطاب، فتبنّاه، فكان يقال: عامر بن الخطاب، حتى نزلت: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ الآية [الأحزاب: ٥] فرجع عامر إلى نسبه، وهو صحيح النسب. وقال يحيى ابن سعيد الأنصاريّ، عن عبد اللَّه بن عامر بن ربيعة: قام عامر بن ربيعة يصلي من الليل، وذلك حين شَغَبَ الناسُ في الطعن على عثمان، فصلى من الليل، ثم نام، فأُتي في منامه، فقيل له: قم، فسل اللَّه أن يُعِيذك من الفتنة التي أعاذ منها صالح عباده، فقام، فصلى، ثم اشتكى، فما خرج بعدُ إلا جنازةً.
قال يعقوب بن سفيان: مات في خلافة عثمان، وقال مصعب الزبيريّ وغيره: مات سنة (٣٢) وقيل: غير ذلك. روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وأعاده بعده.
وأما قتيبة بن سعيد، والليث بن سعد، فقد ذُكرا في الباب الماضي.
والسند فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ، وفيه أحد المكثرين السبعة، وأحد العبادلة الأربعة، وهو عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب ﵄. وأما شرح الحديث فيعلم مما قبله.
وقوله: "فلم يكن ماشيا معها الخ" فيه بيان أن اتباع الجنائز ليس على الأعيان، وإنما هو على الكفاية، كما تقدّم، وفي رواية لمسلم من طريق ابن جريج، عن نافع بلفظ: "إذا رأى أحدكم الجنازة، فليقم حين يراها، حتى تخلّفه، إذا كان غير مُتَّبِعِها".
وقوله: "حتى تُخلّفكم" بضم أوله، وفتح المعجمة، وتشديد اللام المكسورة: أي تترككم وراءها، ونسبة ذلك إليها على سبيل المجاز، لأن المراد حاملها.
وقوله: "أو توضع" "أو" ليست للشكّ، وإنما هي للتنويع، فإن من رأى الجنازة، إما أن لا يتبعها، فهذا يقوم حتى تتجاوزه، ويكون وراءها، أو توضع عنده بأن كان في المصلَّى، وإما أن يتبعها، فهذا لا يجلس حتى توضع. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 10607
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث عامر بن ربيعة ﵁ هذا متّفق عليه، أخرجه المصنّف هنا -٤٥/ ١٩١٥ و ١٩١٦ وفي "الكبرى" ٤٥/ ٢٠٤١ و ٢٠٤٢٠ وأخرجه (خ) ١٣٠٧ و ١٣٠٨ (م) ٢٢١٤ و ٢٢١٥ و ٢٢١٦ (د) ٣١٧٢ (ت) ١٠٤٢ (ق) ١٥٤٢ (أحمد) ١٥٢٥٥، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٩١٦ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ,, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ سَالِمٍ, عَنْ أَبِيهِ,, عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ الْعَدَوِيِّ, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الْجَنَازَةَ, فَقُومُوا, حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ, أَوْ تُوضَعَ».
رجال الإسناد: ستة، تقدّموا في الذي قبله، سوى:
١ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري المدني الحافظ الفقيه الحجة [٤] ١/ ١.
٢٩ - (سالم) بن عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب العدويّ المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٣٢/ ٤٩٠.
وهذا سند آخر لحديث عامر بن ربيعة ﵁، وهو أنزل مما قبله، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، ورواية الابن عن أبيه، وفيه أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وهو سالم بن عبد اللَّه. واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: قوله: "العَدَوِيّ" الظاهر أنه نسبة إلى بني عدي؛ لأنه كما سبق آنفًا في ترجمته أنه كان حالف الخطاب والد عمر، فكان يُدْعَى عامر بن الخطاب، فنُسِبَ إلى قبيلته. واللَّه تعالى أعلم.
والحديث متفق عليه، كما سبق بيانه في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٩٢٨ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ, عَنْ هِشَامٍ ح وَأَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ, عَنْ يَحْيَى, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ, عَنْ أَبِي سَعِيدٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا رَأَيْتُمُ الْجَنَازَةَ, فَقُومُوا, فَمَنْ تَبِعَهَا, فَلَا يَقْعُدْ حَتَّى تُوضَعَ».
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (إسماعيل بن مسعود) الْجَحْدَريّ البصريّ، ثقة [١٠] ٤٢/ ٤٧.
٢ - (هشام) بن أبي عبد اللَّه سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت رمي بالقدر، من كبار [٧] ٣٠/ ٣٤.
والباقون تقدّموا قريبًا. و"إسماعيل" شيخ علي بن حجر: هو ابن عليّة. و"خالد" هو ابن الحارث الهجيميّ. و"يحيى": هو ابن أبي كثير.
والحديث متفق عليه، كما تقدّم شرحه، والكلام على مسائله في الباب الماضي.
стр. 10608
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، واليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٩١٨ - أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ, عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ, عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ, عَنْ سَعِيدٍ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, وَأَبِي سَعِيدٍ, قَالَا: مَا رَأَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَهِدَ جَنَازَةً قَطُّ, فَجَلَسَ حَتَّى تُوضَعَ.
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يوسف بن سعيد) المصّيصيّ، ثقة حافظ [١١] ١٣١/ ١٩٨.
٢ - (حجاج) بن محمد الأعور المصّيصيّ، ثقة ثبت [٩] ٢٨/ ٣٢.
٣ - (ابن جريج) عبدالملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، ثقة فقيه فاضل مدلس [٦] ٢٨/ ٣٢.
٤ - (ابن عجلان) محمد المدني، صدوق، اختلت عليه أحاديث أبي هريرة [٥] ٣٦/ ٤٠.
والباقون تقدّموا قريبًا. و"سعيد" هو المقبريّ.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "ما رأينا رسول اللَّه ﷺ شهد جنازة قطّ الخ". يُعارض هذا ما يأتي من حديث عليّ، وابن عباس، والحسن بن عليّ ﵃، من أنه ﷺ قام، ثم قعد، لكن أحاديث هؤلاء أصحّ من هذا، فتقدّم عليه، ويحتمل أن يعود النفي إلى علمهما، فلا ينافي ما رآه غيرهما، لكن فيه بعدٌ. واللَّه تعالى أعلم.
والحديث من أفراد المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، أخرجه هنا -٤٥/ ١٩١٨ وفي "الكبرى" ٤٥/ ٢٠٤٥. ورجاله وإن كانوا رجال الحسن، من أجل محمد بن عجلان، فإنه صدوق، لكن فيه عنعنة ابن جريج، وهو مدلّس، وفي متنه نكارة، كما أشرت إليه آنفًا، فالظاهر عدم صحته. واللَّه تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٩١٩ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا, عَنِ الشَّعْبِيِّ, قَالَ: قَالَ أَبُو سَعِيدٍ ح وَأَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زَيْدٍ, سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ, قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ, يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , مَرُّوا عَلَيْهِ بِجَنَازَةٍ, فَقَامَ, وَقَالَ عَمْرٌو: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , مَرَّتْ بِهِ جَنَازَةٌ, فَقَامَ.
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (عمرو بن عليّ) الفلاّس البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٤/ ٤.
٢ - (إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق) الْجُوزجانيّ، نزيل دمشق، ثقة حافظ رمي بالنصب [١١] ١٢٢/ ١٧٤.
٣ - (يحيى بن سعيد) القطّان البصريّ الإمام الحجة الثبت [٩] ٤/ ٤.
стр. 10609
٤ - (أبو زيد سعيد بن الربيع) العامريّ الْحَرَشيّ الهَرَويّ البصريّ، ثقة، من صغار [٩] أقدم شيخ للبخاريّ وفاةً، مات سنة (٢١١) ١٣/ ١٤٨١.
٥ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الشهير الثبت الحجة [٧] ٢٤/ ٢٦.
٦ - (زكريا) بن أبي زائدة الوادعيّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقة يدلّس [٦] ٩٣/ ١١٥.
٧ - (عبد اللَّه بن أبي السَّفَر) -بفتح الفاء- سعيد بن يُحْمِد، ويقال: أحمد الهَمْدَانيّ الثوريّ الكوفيّ، ثقة [٦].
قال أحمد، وابن معين، والنسائيّ: ثقة. وقال العجليّ: كوفيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات لا. وقال ابن سعدْ كان ثقة، وليس بكثير الحديث، مات في خلافة مروان ابن محمد.
روى له الجماعة، سوى الترمذيّ، وله عند المصنّف في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط.
٨ - (الشعبي) عامر بن شَرَاحيل الهمدانيّ، أبو عمرو الكوفيّ، ثقة فقيه فاضل [٣] ٦٦/ ٨٢.
والصحابي تقدّم في الذي قبله.
وقوله: "وقال عمرو" هو الفَلّاس، شيخه الأول، يعني أن اللفظ الأول لهذا الحديث لفظ شيخه إبراهيم، وأما لفظ شيخه عمرو: "إن رسول اللَّه ﷺ مرّت به جنازة، فقام".
وهذا يدلّ على شدة اهتمام المحدثين، وكمال احتياطهم، وورعهم، حيث يراعون ألفاظ شيوخهم، ويؤدونها، كما سمعوها، لينالوا الفضل الذي ثبت عن رسول اللَّه ﷺ ، في قوله: "نضر اللَّه امرؤا، سمع منا شيئًا، فبلّغه كما سمع، فربّ مبلّغ أوعى من سامع". رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، واللفظ له، وقال: حديث حسن صحيح.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحديث بهذا السياق من أفراد المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو صحيح الإسناد، أخرجه هنا -٤٥/ ١٩١٩ وفي "الكبرى" ٤٥/ ٢٠٤٦. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، واليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٩٢٠ - أَخْبَرَنِي أَيُّوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَزَّانُ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ, قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ, عَنْ عَمِّهِ يَزِيدَ بْنِ ثَابِتٍ, أَنَّهُمْ كَانُوا جُلُوسًا, مَعَ النَّبِيِّ ﷺ , فَطَلَعَتْ جَنَازَةٌ, فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , وَقَامَ مَنْ مَعَهُ, فَلَمْ يَزَالُوا قِيَامًا حَتَّى نَفَذَتْ.
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أيوب بن محمد الوزّان) أبو محمد الرّقّيّ، ثقة [١٠] ٢٨/ ٣٢.
стр. 10610
٢ - (مروان) بن معاوية بن الحارث بن أسماء الفَزَاريّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، نزيل مكة، ثم دمشق، ثقة حافظ، كان يدلّس أسماء الشيوخ [٨] ٥٠/ ٨٥٠.
٣ - (عثمان بن حَكِيم) بن عبّاد بن حُنَيف الأنصاريّ الأوسيّ، أبو سَهْل المدنيّ، ثم الكوفيّ، ثقة [٥] ٣٨/ ٩٤٤.
٤ - (خارجة بن زيد بن ثابت) الأنصاريّ، أبو زيد المدنيّ، ثقة فقيه [٣] ١٢٢/ ١٧٩.
٥ - (يزيد بن ثابت) بن الضحّاك الأنصاريّ. روى عن النبي ﷺ . قال خليفة: شهد بدرًا، ورُمِي يوم اليمامة بسهم، فمات في الريق، وكان أكبر من أخيه زيد بن ثابت.
روى عنه ابن أخيه خارجة بن زيد بن ثابت، ويقال: لم يسمع منه. وقال ابن سعد، والبغويّ، وغير واحد: لم يشهد بدرًا.
علق عنه البخاريّ، وأخرج المصنّف، وابن ماجه، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (١٩٢٠) و (٢٠٢٢). واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين من عثمان (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن عمه. ومنها: أن خارجة أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة، وقد تقدّموا غير مرة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ يَزِيدَ بنِ ثَابِتٍ) الأنصاريّ (أَنَّهُمْ) أي الصحابة ﵃، ولفظ أحمد: "أنه كان جالسا مع النبي ﷺ في أصحابه" (كَانُوا جُلُوسًا) جمع جالس، خبر "كان"، ويحتمل أن يكون مصدرًا، فيكون على حذف مضاف، أي ذوي جلوس (مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَطَلَعَتْ) من باب قعد: أي ظهرت (جَنَازَةٌ) تقدم ضبطها بالفتح، والكسر، وهو اسم للميت، وقيل: بالفتح، اسم للميت، وبالكسر اسم للسرير، وعليه الميت (فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَقَامَ مَنْ مَعَهُ) من الصحابة ﵃. ولفظ "الكبِرى": "فثار رسول اللَّه ﷺ ، وثار من معه من أصحابه … ". ومعنى "ثار": وَثَبَ، ونَهَض.
ولفظ أحمد: "فلما رآها رسول اللَّه ﷺ ثار، وثار أصحابه معه … " (فَلَمْ يَزَالُوا قِيَامًا) أي قائمين، أو ذوي قيام (حَتَّى نَفَذَتْ) أي مرّت بهم، وجاوزتهم، يقال: نَفَذَ السهمُ، نُفُوذًا، من باب قعد، ونَفَاذًا: خَرَقَ الرَّمِيَّةَ، وخرج منها، ويتعدّى بالهمزة، والتضعيف. قاله في "المصباح".
стр. 10611
زاد في رواية أحمد: "قال: واللَّه، ما أدري، مِنْ تَأذٍّ بها، أو من تضايق المكان، ولا أحسبها، إلا يهوديا، أو يهودية، وما سألنا عن قيامه ﷺ ".
يعني أنه لم يعلم سبب قيام النبي ﷺ ، هل لأجل تأذيه بالجنازة، فأراد أن يبتعد عن أذاها، أو لأجل ضيق مكان مرورها، فأراد أن يُوسّع لها.
وهذا يدلّ على أن يزيد بن ثابت ﵁ لم يسمع من النبي ﷺ قوله: "إذا رأيتم الجنازة، فقوموا"، وأيضا أنه لم يره قائمًا إلّا في ذلك اليوم، وهذا لا ينافي إثبات من نقله عنه ﷺ قولا، وفعلاً من الصحابة الآخرين، كما تقدّم، فقدّم المثبتون عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، واليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث يزيد بن ثابت ﵁ هذا صحيح الإسناد، إلا أنه اختلف في سماع خارجة عنه، والذي يظهر لي أنه لم يسمع منه؛ لأنه مات في حرب اليمامة زمن أبي بكر ﵁، ومات خارجة سنة (٩٩) أو سنة (١٠٠) وهو ابن (٧٠) سنة، كما يظهر من ترجمته في "تهذيب الكمال" جـ ٨ ص ١٢، فتكون ولاته سنة (٢٩) أو (٣٠) في خلافة عثمان ﵁، فلا يمكن أن يلقى عمه. واللَّه تعالى أعلم.
وهو من أفراد المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، أخرجه هنا -٤٥/ ١٩٢٠ - وفي "الكبرى" ٤٥/ ٢٠٤٧٠ وأخرجه أحمد -١٨٩٥٩ - . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٤٦ - (الْقِيَامُ لِجَنَازَةِ أَهْلِ الشِّرْكِ (١))
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أراد -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- بأهل الشرك ما يعمّ الذمّيّين، من اليهود، والنصارى، والمشركين، وغيرهم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
١٩٢١ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى, قَالَ: كَانَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ, وَقَيْسُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ, بِالْقَادِسِيَّةِ, فَمُرَّ عَلَيْهِمَا بِجَنَازَةٍ, فَقَامَا, فَقِيلَ لَهُمَا: إِنَّهَا مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ, فَقَالَا: مُرَّ عَلَى
стр. 10612
رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِجَنَازَةٍ, فَقَامَ, فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُ يَهُوديٌّ, فَقَالَ: «أَلَيْسَتْ نَفْسًا؟»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عمرو بن مُرّة) الجَمَليّ، أبو عبد اللَّه الكوفّي، ثقة عابد، رُمي بالإرجاء [٥] ١٧١/ ٢٦٥.
٢ - (عبد الرحمن بن أبي ليلى) الأنصاريّ المدنيّ، ثم الكوفيّ، ثقة [٢] ٨٦/ ١٠٤.
٣ - (سهل بن حُنَيف) بن واهب الأنصاريّ الأوسيّ، صحابيّ بدريّ، استخلفه عليّ على البصرة، مات ﵁ في خلافته، تقدم ٩/ ٦٩٩.
٤ - (قيس بن سعد بن عُبادة) بن دُليم بن حارثة الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو عبد اللَّه، ويقال: أبو عبد الملك، ويقال: أبو الفضل المدنيّ. قال أنس بن مالك: كان قيس بن سعد من النبي ﷺ بمنزلة صاحب الشُّرْطة من الأمير. قال الحميديّ، عن سفيان، عن عمرو بن دينار: كان قيس بن سعد رجلا ضخما جسيمًا، وكان إذا ركب الحمار خَطَّت رجلاه الأرض. وقال بكر بن سَوَادة، عن أبي حمزة الحميريّ، عن جابر، فذكر حديثًا، قال: وكان عليهم قيس بن سعد، ونحر لهم تسع ركائب، وقال فيه: فلما قدموا على رسول اللَّه ﷺ ذكروا له من أمر قيس بن سعد، فقال: "إن الجود من شيمة أهل ذلك البيت". وقال يونس، عن الزهريّ: كان من دُهَاة العرب. وقال عروة: قال قيس بن سعد: اللهم ارزقني مالا، فإنه لا تصلح الفعال إلا بالمال. قال خليفة وغيره: توفي بالمدينة في آخر خلافة معاوية. وقال ابن حبّان: يُكنى أبا القاسم، وكان على مقدمة علي يوم صفّين، ثم هرب من معاوية سنة (٥٨) وسكن تفليس، ومات بها في ولاية عبد الملك بن مروان. انتهى. روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط.
والباقون ذُكروا في الباب الماضي. و"خالد": هو ابن الحارث الْهُجَيميّ. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف ﵀، وأن فيه رواية تابعي، عن تابعي. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى) الأنصاريّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وفي رواية للبخاريّ، ذكرها تعليقًا عن أبي حمزة السُّكّريّ، عن عمرو، عن ابن أبي ليلى، قال: كنت مع قيس، وسهل ﵄، فقالا: "كنا مع النبيّ ﷺ انتهى. ففيها بيان سماع عبد الرحمن بن أبي ليلى لهذا الحديث من سهل، وقيس.
стр. 10613
(قَالَ: كَانَ سَهْلُ بْنُ حُنَيفٍ، وَقَيسُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ) ﵄ (بِالْقَادِسِيَّةِ) موضع بقرب الكوفة، من جهة الغرب، على طرف البادية، نحو خمسة عشر فرسخًا، وهي آخر أرض العرب، وأول حَدّ سواد العراق، وكان هناك وقعة عظيمة في خلافة عمر ﵁، ويقال: إن إبراهيم الخليل ﵇ دعا لتلك الأرض بالقُدُس، فسميت بذلك. ذكره في "المصباح". وقال في "القاموس": "القادسيّة": قرية قرب الكوفة، مرّ بها إبراهيم ﵇، فوجد بها عجوزًا، فغسلت رأسه، فقال: قُدَّستِ من أرض، فسميت بالقادسيّة انتهى.
واختلف في وقعة القادسية فذكر ابن إسحاق أنها كانت سنة (١٥) وزعم الواقديّ أنها سنة (١٦) وذكر سيف بن عمر، وابن جرير، وجماعة أنه سنة (١٤) وكانت وقعة القادسية وقعة عظيمة، لم يكن بالعراق أعجب منها، وكان عدد المسلمين على ما قال ابن إسحاق ما بين سبعة آلاف، إلى ثمانية آلاف، وكان قائدهم سعد بن أبي وقاص ﵁، وأن الفرس كانوا ستين ألفا، وقيل: كان عددهم أكثر من ذلك، وقائد الفرس رجل اسمه رستم، وانتهت المعركة بانتصار المسلمين (١).
(فَمُرَّ) بالبناء للمفعول (عَلَيْهِمَا) أي على سهل بن حُنيف، وقيس بن سعد ﵄ (بِجَنَازَةِ) متعقق بـ "مرّ"، وتقدّم ضبطها بالفتح والكسر (فَقَامَا، فَقِيلَ لَهُمَا: إِنَّهَا) أي الجنازة، وفي نسخة "إنه"، أي الميت (مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ) أي من أهل الذمّة، وإنما سمي أهل الذمة بأهل الأرض، لأن المسلمين لما فتحوا البلاد أقرّوهم على عمل الأرض، وحمل الخراج إليهم (فَقَالَا: مُرَّ) بالبناء للمفعول أيضًا (عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِجَنَازَةٍ، فَقَامَ، فَقِيلَ لَهُ: إِنهَّ يُّهودِيٌّ) أي منسوب إلى يهود، القبيلة المعروفة، قال الفيّومي -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: ويقال: هو يهُودُ، غير منصرف، للعلمية، ووزن الفعل، ويجوز دخول الألف واللام، فيقال: اليهود، وعلى هذا، فلا يمتنع التنوين، لأنه نُقل عن وزن الفعل إلى باب الأسماء، وقيل: اليهوديّ نسبة إلى يهودا بن يعقوب ﵇، هكذا أورده الصغانيّ "يَهُودا" في باب المهملة انتهى.
والياء فيه للفرف بين اسم الجنس، وبين واحده، كما يقال: عرب وعربيّ، وعجم وعجميّ، وروم ورميّ، وترك وتركيّ. واللَّه تعالى أعلم.
(فَقَالَ: "أَلَيْسَتْ نَفْسًا؟ ") يعني أن القيام شرع لكونها نفسًا، لا لكونها مؤمنة، ومعنى القيام لكونها نفسَا أنها حلّ بها الموت الذي هو أمر عظيم، وخَطَر جسيم على الإنسان، فينبغي له أن يقابله بالفزع والرهبة، والخضوع والاستكانة، لا بالغفلة، والذهول،
стр. 10614
والتكبّر والأَنَفَة، وهذا المعنى لا يخصّ نفس المؤمن، بل يعمّ كل نفس حلّ بها الموت.
وهذا لا يعارض التعليل الآتي في الحديث التالي بقوله: "إن للموت فَزَعًا"، على ما سيأتي، وكذا ما أخرجه الحاكم من طريق قتادة، عن أنس ﵁، مرفوعًا، فقال: "إنما قمنا للملائكة"، ونحوه لأحمد من حديث أبي موسى ﵁، ولأحمد، وابن حبان، والحاكم من حديث عبد اللَّه بن عمرو، مرفوعًا:، "إنما تقومون إعظامًا للذي يقبض النفوس". ولفظ ابن حبّان: "إعظاما للذي يقبض الأرواح" (١)، فإن ذلك أيضا لا ينافي التعليل السابق، لأن القيام للفَزَع من الموت فيه تعظيم لأمر اللَّه، وتعظيم للقائمين بأمره في ذلك، وهم الملائكة.
وأما ما أخرجه أحمد من حديث الحسن بن عليّ ﵄، قال: "إنما قام رسول اللَّه ﷺ تأذّيا بريح اليهوديّ"، زاد الطبرانيّ من حديث عبد اللَّه بن عياش -بالتحتانية، والمعجمة-: "فآذاه ريح بَخُورها"، وللطبرانيّ، والبيهقيّ من وجه آخر عن الحسن: "كراهية أن تعلو رأسه"، فإن ذلك لا يعارض الأخبار الأولى الصحيحة، أما أوّلًا، فلأن أسانيدها لا تقاوم تلك في الصحّة، وأما ثانيًا، فلأن التعليل بذلك راجع إلى ما فهمه الراوي، والتعليل الماضي صريح من لفظ النبي ﷺ ، فكأن الراوي لم يسمع التصريح بالتعليل منه، فعلل باجتهاده.
وقد روى ابن أبي شيبة، من طريق خارجة بن زيد بن ثابت، عن عمه يزيد بن ثابت، قال: "كنا مع رسول اللَّه ﷺ ، فطلعت جنازة، فلما رآها قام، وقام أصحابه حتى بعدت، واللَّه ما أدري من شأنها، أو من تضايق المكان؟، وما سألناه عن قيامه".
ثم إن مقتضى التعليل بقوله: "أليست نفسًا" أن ذلك يستحبّ لكلّ جنازة.
وقد تقدّم في الباب الماضي بيانُ اختلاف أهل العلم في حكم القيام للجنازة، وأن الراجح هو القول بالاستحباب، جمعًا بين الأحاديث. وباللَّه تعالى التوفيق.
واستُدلّ بهذا الحديث على جواز إخراج جنائز أهل الذمة نهارًا غير متميّزة عن جنائز المسلمين، أشار إلى ذلك الزين ابن المنيّر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، قال: وإلزامهم بمخالفة رسوم المسلمين وقع اجتهادًا من الأئمّة. ويمكن أن يقال: إذا ثبت النسخ للقيام تبعه ما عداه، فيحمل على أن ذلك كان عند مشروعيّة القيام، فلما تُرك القيام منع من الإظهار. قاله في "الفتح" (٢).
стр. 10615
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: في هذا الكلام نظر؛ لأنه إذا لم يرد نصّ على أمر الذميّ بالتميّز، فمن أين أتى المنع من الإظهار؟، فتبصّر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٩٢٢ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ, عَنْ هِشَامٍ ح وَأَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ (١) , عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِقْسَمٍ, عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: مَرَّتْ بِنَا جَنَازَةٌ, فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , وَقُمْنَا مَعَهُ, فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِنَّمَا هِيَ جَنَازَةُ يَهُودِيَّةٍ, فَقَالَ: «إِنَّ لِلْمَوْتِ فَزَعًا, فَإِذَا رَأَيْتُمُ الْجَنَازَةَ, فَقُومُوا». اللَّفْظُ لِخَالِدٍ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية، كلهم تقدّموا في الباب الماضي، سوى:
١ - (عبيد اللَّه بن مِقْسَم) القرشيّ، مولى ابن أبي نَمِر المدنيّ، ثقة مشهور [٤].
قال أبو داود، والنسائيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: ثقة لا بأس به. ووثقه يعقوب بن سفيان. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له الجماعة، إلا الترمذيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (١٩٢٢) و (٤٢٠٠).
٢ - (جابر بن عبد اللَّه) بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ ﵄ ٣١/ ٣٥. و"إسماعيل" شيخ ابن حُجْر: هو ابن عُليّة. و"خالد": هو ابن الحارث الْهُجَيميّ. و"هشام": هو الدستوائيّ.
وقوله: "إن للموت فَزَعًا". قال القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: معناه: إن الموت يُفزَع إليه، إشارة إلى استعظامه، ومقصودُ الحديث أن لا يستمرّ الإنسان على الغفلة بعد رؤية الميت، لما يُشعر ذلك من التساهل بأمر الموت، فمن ثَمَّ استوى فيه الميت مسلمًا، أو غير مسلم. وقال غيره: جَعَل نفس الموت فَزَعًا، مبالغةً، كما يقال: رجل عدلٌ.
وقال البيضاويّ: هو مصدرٌ، جَرَى مَجْرَى الوصف، للمبالغه، أو فيه تقديرٌ، أي الموت ذو فزَع. ويؤيّد الثاني -كما قال الحافظ ﵀ رواية المصنّف، وابن ماجه بلفظ: "إن للمَوت فَزَعًا"، وفيه تنبيه على أن تلك الحالة ينبغي لمن رآها أن يَقْلَق من أجلها، ويضطرب، ولا يَظهر منه عدم الاحتفال (٢) والمبالاة. قاله في "الفتح" (٣).
وقال السنديّ ﵀: قوله: "إن للموت فزعًا": أي فلا ينبغي الاستمرار على الغفلة على رؤية الميت، فالقيام لترك الغفلة، والتشمير للجدّ والاجتهاد في الخير. وفي بعض
стр. 10616
النسخ: "إن الموت فَزَعٌ"، أي ذو فزع، أو هو من باب المبالغة.
وقوله: "فإذا رأيتم الجنازة، فقوموا"، أي تعظيما لهول الموت وفَزَعه، لا تعظيما للميت، فلا يختصّ القيام بميت دون ميت انتهى.
وقوله: "واللفظ لخالد": أي اللفظ المذكور هنا لخالد بن الحارث الهُجَيميّ، وأما إسماعيل ابن عُليّة، فرواه بالمعنى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متفق عليه، وأخرجه المصنّف هنا - ٤٦/ ١٩٢٢ - و ٤٧/ ١٩٢٨ وفي "الكبرى" ٤٦/ ٢٠٤٩ و ٤٧/ ٢٠٥٦. وأخرجه (خ) ١٣١١ (م) ٩٦٠ (د) ٣١٧٤ (ق) ٥٤٣ (أحمد) ٧٨٠٠ و ٨٣٢٢ و ١٤٣٩٨.
وتمام شرحه، وما يُستبط منه، ومذاهب العلماء في حكم العمل به قد تقدمت قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٤٧ - (الرُّخْصَةُ فِي تَرْكِ الْقِيَام)
١٩٢٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ, عَنْ مُجَاهِدٍ, عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ, قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَلِيٍّ, فَمَرَّتْ جَنَازَةٌ, فَقَامُوا لَهَا, فَقَالَ عَلِيٌّ: مَا هَذَا؟ , قَالُوا: أَمْرُ أَبِي مُوسَى, فَقَالَ: "إِنَّمَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , لِجَنَازَةِ يَهُودِيَّةٍ, وَلَمْ يَعُدْ بَعْدَ ذَلِكَ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن منصور) الجَوَّاز المكيّ، ثقة [١٠] ٢٠/ ٢١.
٢ - (سفيان) بن عيينة الإمام الثبت الحجة المكيّ [٨] ١/ ١.
٣ - (ابن أبي نَجِيح) عبد اللَّه بن يسار الثقفيّ مولاهم، أبو يسار المكيّ، ثقة، رُمي بالقدر، وربّما دلّسَ [٦] ١١٢/ ١٥٥.
٤ - (مجاهد) بن جَبْر، أبو الحجّاج المخزومي مولاهم المكيّ، ثقة إمام في التفسير والعلم [٣] ٢٧/ ٣١.
٥ - (أبو معمر) عبد اللَّه بن سَخْبَرَة الأزديّ الكوفيّ، ثقة [٢] ٢٣/ ٨٠٧.
٦ - (علي) بن أبي طالب، أبو الحسن الهاشميّ أحد الخلفاء الراشدين، وأحد
стр. 10617
المبشّرين بالجنة ﵁ ٧٢/ ٩١. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ) عبد اللَّه بن سَخْبَرَة، أنه (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَليٍّ) ﵁ (فَمَرَّتْ بهِ جَنَازَةٌ، فَقَامُوا لَهَا) أي قام الناس الذين كانوا جالسين مع عليّ ﵁ (فَقَالَ عَليٌّ:) ﵁ (مَا هَذَا؟) أي أيّ شيء هذا القيام الذي قمتموه عند مرور الجنازة، أبحجة، أم بغير حجة؟ (قَالُوا: أَمْرُ أَبِي مُوسَى) خبر لمحذوف، أي هو أمر أبي موسى عبد اللَّه بن قيس الأشعريّ ﵁، أي إنما قمنا لكون أبي موسى ﵁ أمرنا به، وفي نسخة "أمر أبو موسى" بصيغة الماضي، فـ "أبو موسى" فاعل، أي أمرنا به أبو موسى.
والظاهر أنه أخذه عن النبي ﷺ (فَقَالَ) علي ﵁ (إِنَّمَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، لِجَنَازَةِ يهُودِيَّةٍ) يعني أنه فعله مرّة واحدة لجنازة امرأة يهوديّة، ولا تنافي بينه، وبين ما يأتي في حديث الحسن، وجابر ﵄، من أنها جنازة يهوديّ، لاحتمال أن تتعدد الواقعة، أو المراد باليهوديّ الشخص، وهو يشمل الرجل والمرأة، واللَّه تعالى أعلم (وَلَمْ يَعُدْ بَعْدَ ذَلِكَ") بفتح الياء، وضم العين، مضارع عاد، من باب قال: إذا رجع. يعني أنه لم يقم مرّة أخرى للجنازة.
واستَدَلّ به من قال بنسخ القيام للجنازة، وقد تقدم قبل باب أن الراجح أنه لا يدلّ على النسخ، وإنما يدلّ على أن الأمر ليس للوجوب، وهذا هو مذهب المصنّف ﵀ تعالى، حيث ترجم بـ "الرخصة في ترك القيام"، ولم يترجم بـ "باب نسخ القيام"، ومثله في ذلك الإمام الترمذي -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث علي ﵁ هذا أخرجه مسلم بنحوه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- هنا ٤٧/ ١٩٢٣ و ٨١/ ١٩٩٩ و ٢٠٠٠ وفي "الكبرى" ٤٧/ ٢٠٥٠ و ٨١/ ٢١٢٦ و ٢١٢٧. وأخرجه (م) ٢٢٢٤ و ٢٢٢٥ و ٢٢٢٧ (د) ٣١٧٥ (ت) ١٥٤٤ (أحمد) ٦٢٤ و ١٠٩٧ و ١١٧١ (مالك في الموطإ) ٥٤٩.
وقد تقدّم بيان مذاهب أهل العلم في حكم القيام للجنازة، وبيان أدلّتهم، وأن الراجح هو الاستحباب، مستوفًى قبل باب، فراجعه هناك تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 10618
١٩٢٤ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ,, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, عَنْ أَيُّوبَ, عَنْ مُحَمَّدٍ, أَنَّ جَنَازَةً, مَرَّتْ بِالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ, فَقَامَ الْحَسَنُ, وَلَمْ يَقُمِ ابْنُ عَبَّاسٍ, فَقَالَ الْحَسَنُ: أَلَيْسَ قَدْ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِجَنَازَةِ يَهُودِيٍّ, قَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ, نَعَمْ, ثُمَّ جَلَسَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (قتيبة) بن سعيد المتقدّم قريبًا.
٢ - (حماد) بن زيد، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٣/ ٣.
٣ - (أيوب) بن أبي تميمة كَيْسَان السَّخْتياني البصريّ، ثقة ثبت فقيه [٥] ٤٢/ ٤٨.
٤ - (محمد) بن سيرين الإمام الحجة البصريّ [٣] ٤٦/ ٥٧.
٥ - (الحسن بن علي) بن أبي طالب، سِبْط رسول ﷺ ، ورَيحانته، الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄ -٥١/ ١٧٤٥.
٦ - (ابن عباس) عبد اللَّه الحبر ﵄ ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ مُحَمَّدِ) بن سيرين (أَنَّ جَنَازَةَ، مَرَّتْ بِالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسِ) ﵃ (فَقَامَ الْحَسَنُ) بن علي ﵄ (وَلَمْ يَقُم ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ (فَقَالَ الْحَسَنُ: أَلَيسَ قَدْ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، لِجَنَازَةِ يَهُودِيِّ؟، قَالَ: ابْنُ عَبَّاسِ: نَعَمْ، ثُمَّ جَلَسَ) وفي الرواية التالية: "قام لها،
ثم قعد". يعني أنه قام لها أوّلَا، ثم ترك القيام لها، والظاهر أن ابن عباس ﵄، ممن يرى الأمر بالقيام منسوخا، وقد تقدّم الجواب عنه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث الحسن بن علي ﵄ هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- أخرجه هنا -١٩٢٤/ ٤٧ و ١٩٢٥ و ١٩٢٦ و ١٩٢٧ وفي "الكبرى" ٤٧/ ٢٠٥١ و ٢٠٥٢ و ٢٠٥٣ و ٢٠٥٤. واللَّه تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٩٢٥ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ, قَالَ: أَنْبَأَنَا مَنْصُورٌ, عَنِ ابْنِ سِيرِينَ, قَالَ: مُرَّ بِجَنَازَةٍ, عَلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ, وَابْنِ عَبَّاسٍ, فَقَامَ الْحَسَنُ, وَلَمْ يَقُمِ ابْنُ عَبَّاسٍ, فَقَالَ الْحَسَنُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: أَمَا قَامَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ , قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَامَ لَهَا, ثُمَّ قَعَدَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يعقوب بن إبراهيم) الدَّوْرقيّ، أبو يوسف البغداديّ، ثقة حافظ [١٠] ٢١/ ٢٢.
стр. 10619
٢ - (هُشَيم) بن بَشِير، أبو معاوية بن أبي خازم، الواسطيّ، ثقة ثبت مدلس [٧] ٨٨/ ١٠٩.
٣ - (منصور) بن المعتمر، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقة ثبت [٥] ٢/ ٢، والباقون تقدّموا في الذي قبله، وكذا شرح الحديث، وهو حديث صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٩٢٦ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ, عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ, عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ, مَرَّتْ بِهِمَا جَنَازَةٌ, فَقَامَ أَحَدُهُمَا, وَقَعَدَ الآخَرُ, فَقَالَ الَّذِي قَامَ: أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَدْ قَامَ, قَالَ: لَهُ الَّذِي جَلَسَ: لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَدْ جَلَسَ.
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (ابن علية) هو إسماعيل بن إبراهيم البصريّ الحافظ الحجة [٨] ١٨/ ١٩.
٢ - (سليمان التيميّ) ابن طَرْخان البصريّ، ثقة [٧] ٨٧/ ١٠٧.
٣ - (أبو مِجْلَز) -بكسر الميم، وسكون الجيم، وفتح الزاي- لاحِق بن حُمَيد الضُّبعيّ البصريّ، ثقة [٤] ١٨٨/ ٢٩٦، والباقون تقدّموا في الذي قبله.
قوله: "فقام أحدهما" هو الحسن، كما بُيِّن في الذي قبله. وقوله: "لقد علمت" في الموضعين بضم التاء للمتكلّم، ويحتمل أن يكون بفتحها، للمخاطب.
والحديث صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٩٢٧ - (أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَارُونَ الْبَلْخِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمٌ, عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ, عَنْ أَبِيهِ, أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ, كَانَ جَالِسًا, فَمُرَّ عَلَيْهِ بِجَنَازَةٍ, فَقَامَ النَّاسُ, حَتَّى جَاوَزَتِ الْجَنَازَةُ, فَقَالَ الْحَسَنُ: إِنَّمَا مُرَّ بِجَنَازَةِ يَهُودِيٍّ, وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , عَلَى طَرِيقِهَا جَالِسًا, فَكَرِهَ أَنْ تَعْلُوَ رَأْسَهُ جَنَازَةُ يَهُودِيٍّ, فَقَامَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إبراهيم بن هارون البَلْخِيّ) العابد، صدوق [١١] ٢٤/ ٥٤٣.
٢ - (حاتم) بن إسماعيل الحارثيّ مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، كوفيّ الأصل، صدوق يَهِم، صحيح الكتاب [٨] ٢٤/ ٥٤٣.
٣ - (جعفر بن محمد) الصادق، أبو عبد اللَّه المدنيّ، صدوق فقيه إمام [٦] ١٢٣/ ١٨٢.
٤ - (أبوه) محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، أبو جعفر الباقر المدنيّ، ثقة فاضل [٤] ١٢٣/ ١٨٢، والصحابي ﵁ ذكر في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 10620
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو والترمذي في "الشمائل". (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه أيضًا، فإنه بلخيّ. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن جعفر بن محمد، عَنْ أَبِيهِ,، أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَليٍّ) ﵄ (كَانَ جَالِسًا، فَمُرَّ عَلَيْهِ) ببناء الفعل للمفعول أي مرّ الناس على مكان قريب منه (بجَنَازَةٍ، فَقَامَ النَّاسُ) أي الذين كانوا جالسين مع الحسن ﵁ (حَتَّى جَاوَزَتِ الْجَنَازَةُ، فَقَالَ الْحَسَنُ: إِنَّمَا مُرَّ) ببناء الفعل للمفعول أيضًا (بِجَنَازَةِ يُهودِيٍّ، وَكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، عَلَى طَرِيقِهَا جَالِسا) الجارّ والمجرور خبر "كان"، و"جالسًا" منصوب على الحال، ويحتمل أن يكون خبرا لـ "كان"، والجارّ والمجرور متعلّقٌ به (فَكَرِهَ) ﷺ (أَن تَعْلُوَ رَأْسَهُ جَنَازَةُ يَهُودِيٍّ) أي أن
تكون عالية فوق رأسه الشريف ﷺ جنازة شخص، وهي جِيفَة قَذِرَة (فَقَامَ) تقذّرًا لها. قال السنديّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: هذا تأويل وقع في خاطر الحسن ﵁، وإلا فمقتضى الأحاديث، أنه كان لتعظيم أمر الموت، وقد جاء به الأمر أيضًا، إلا أن يقال: هذا مما يُضمّ إلى دواعي القيام أيضًا، وكانت الدواعي متعدّدة، واللَّه تعالى أعلم انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما سبق من التعليلات، بكونها نفسا، وبأن للموت فزعًا، وكذا ما يأتي في حديث جابر ﵁: "إنما قمنا للملائكة" مرفوعة، صحيحة، فلا يعارضها ما قاله الحسن، إذ لم يرفعه إلى النبي ﷺ ، وإنما ذكره من فهمه. واللَّه تعالى أعلم.
ثم إن رواية الحسن هذه فيها إشكال، من حيث إنها تخالف الروايتين السابقتين له، فإنهما تدلان على أن الحسن كان يقوم للجنازة، وهذه تدلّ على أنه أنكر على من قام لها، وعلّل أن قيام النبي ﷺ كان لئلا تعلو رأسه جنازة يهوديّ!!!.
ويمكن أن يجاب بأن الحسن لما خالفه ابن عباس ﵄، تتبّع قضيّة قيام النبيّ ﷺ ، فعلم أنه إنما قام مرّة لجنازة يهوديّ، ثم لم يقم بعدُ، ولعله أخذه عن أبيه، فقد تقدّم أول الباب، من رواية مجاهد، عنه بلفظ: "إنما قام رسول اللَّه ﷺ لجنازة يهوديّة، ولم يَعُد بعد ذلك". فلعلّ الحسن لما سمع هذا حمله على أنه قام لئلا تعلو رأسه جنازة يهوديّ.
стр. 10621
والحديث صحيح، وقد تقدّم تخريجه قبل حديثين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٩٢٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ, أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا, يَقُولُ: "قَامَ النَّبِيُّ ﷺ لِجَنَازَةِ يَهُودِيٍّ, مَرَّتْ بِهِ, حَتَّى تَوَارَتْ".
وَأَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَيْضًا, أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا ﵁, يَقُولُ: "قَامَ النَّبِيُّ ﷺ , وَأَصْحَابُهُ, لِجَنَازَةِ يَهُودِيٍّ, حَتَّى تَوَارَتْ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (محمد بن رافع) أبو عبد اللَّه النيسابوريّ، ثقة عابد [١١] ٩٢/ ١١٤.
٢ - (عبد الرزّاق) بن هَمّام الصنعانيّ، ثقة حافظ مصنّف [٩] ٦١/ ٧٧.
٣ - (ابن جريج) عبدالملك بن عبدالعزيز بن جُريج المكيّ، ثقة فقيه فاضل يدلّس [٦] ٢٨/ ٣٢.
٤ - (أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، صدوق [٤] ٣١/ ٣٥.
٥ - (جابر) بن عبد اللَّه ﵄.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيح، وقد تقدّم شرحه، والكلام على مسائله في الباب الماضي، فلا حاجة إلى إعادتهما، وباللَّه تعالى التوفيق.
وقوله: "حتى توارت": أي تباعدت، واختفت عن أعينهم. وقوله: "وأخبرني أبو الزبير الخ" عطف على قوله: "أخبرني أبو الزبير" الماضي، فالقائل: "وأخبرني" هو ابن جُريج، والفرق بيّن الإخبارين أن في الأول الإقتصار على قيام النبي ﷺ ، بخلاف الثاني، فقد بيّن فيه قيام أصحابه ﵃ معه. واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: كان الأولى للمصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- أن يورد حديث جابر ﵁ هذا في الباب الماضي، لأنه لا مطابقة بينه وبين هذا الباب، وإنما يطابق الباب الماضي، ومثله حديث أنس ﵁ الآتي بعده. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٩٢٩ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ, قَالَ: أَنْبَأَنَا النَّضْرُ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ أَنَسٍ, أَنَّ جَنَازَةً مَرَّتْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَقَامَ, فَقِيلَ: إِنَّهَا جَنَازَةُ يَهُودِيٍّ, فَقَالَ: «إِنَّمَا قُمْنَا لِلْمَلَائِكَةِ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إسحاق) بن إبراهيم الحنظلي المروزيّ الإمام الحافظ الحجة [١٠] ٢/ ٢.
стр. 10622
٢ - (النضر) بن شُمَيل، أبو الحسن البصريّ، نزيل مرو، ثقة ثبت، من كبار [٩] ٤١/
٤٥.
٣ - (حماد بن سَلَمة) بن دينار البصريّ، ثقة عابد [٨] ١٨١/ ٢٨٨.
٤ - (قتادة) بن دِعامة السَّدُوسيّ البصريّ، ثقة ثبت، مدلس، رأس [٤] ٣٠/ ٣٤.
٥ - (أنس) بن مالك ﵁ ٦/ ٦.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث أنس ﵁ هذا صحيح، انفرد به المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، أخرجه هنا ٤٧/ ١٩٢٩ - وفي "الكبرى" ٤٧/ ٢٠٥٥ وشرحه يعلم مما سبق.
وقوله: "إنما قمنا للملائكة" أي لاحترامهم، حيث قاموا بأمر عظيم، وهو قبض الروح، ولا تعارض بينه وبين ما تقدّم من التعليل بكونها نفسًا، وبأن للموت فَزَعًا، إذ يجوز تعدّد الأغراض والعلل، فيكون القيام مطلوبا لكونها نفسًا، ولكون الموت فَزَعًا، ولاحترام الملائكة، وقد تقدّم في الحديث الذي قبله أنه كان الأولى للمصنّف إيراده في الباب الذي قبله، إذ هو المناسب له. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٤٨ - (اسْتِرَاحَةُ الْمُؤْمِنِ بِالْمَوْتِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر من صنغ المصنّف ﵀ أنه يرى حمل المؤمن على عمومه، مطيعًا كان، أو عاصيًا، حيث أطلق هذه الترجمة، بخلاف الفاجر، فحمله على الكافر، حيث قيد به الترجمة التالية، وسيأتي ما قاله الشُّرَّاح قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
١٩٣٠ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ, عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ, عَنْ أَبِي قَتَادَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ, أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , مُرَّ عَلَيْهِ بِجَنَازَةٍ, فَقَالَ: «مُسْتَرِيحٌ, وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ» , فَقَالُوا: مَا الْمُسْتَرِيحُ؟ , وَمَا الْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ؟ , قَالَ: «الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ, يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا, وَأَذَاهَا, وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ, يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ, وَالْبِلَادُ, وَالشَّجَرُ, وَالدَّوَابُّ»).
стр. 10623
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قتيبة) بن سعيد، تقدّم قريبًا.
٢ - (مالك) بن أنس الإمام الفقيه المجتهد الحجة المدنيّ [٧] ٧/ ٧.
٣ - (محمد بن عمرو بن حَلْحَة) -بمهملتين مفتوحتين، ولامين، الأولى ساكنة، والثانية مفتوحة- الدِّيليّ المدنيّ، ثقة [٦] ١٦/ ١٨٥٩.
٤ - (مَعْبَد بن كعب بن مالك) الأنصاريّ السَّلَميّ ببفتحتين- المدنيّ، مقبول [٣].
ذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له الجماعة، سوى الترمذيّ، وروى له أبو داود في "الناسخ والمنسوخ "، له في "صحيح البخاريّ" حديث واحد، حديث الباب فقط، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث، هذا وأعاده بعده، و (٤٤٦٢) حديث: "إياكم وكثرة الحلف … " الحديث، و (٥٤٢١) حديث: "من اقتطع حقّ امرىء مسلم بيمينه … " الحديث.
٥ - (أبو قتادة بن رِبْعيّ) الأنصاريّ الصحابيّ الشهير ﵁ ٢٣/ ٢٤. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، وشيخه، وإن كان بغلانيا إلا أن الظاهر أنه دخل المدينة للأخذ عن مالك. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي قَتَادَةَ) اسمه الحارث، ويقال: عمرو، ويقال: النعمان (بْنِ رِبْعِيِّ) بكسر الراء، وسكون الموحّدة، وعين مهملة السَّلَميّ الأنصاريّ، شهد أحدًا، وما بعدها، ولم يصحّ شهوده بدرًا، مات سنة (٥٤) وقيل: (٣٨) والأول أصحّ، وأشهر.
قال الحافظ أبو عمر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: هكذا الحديث في "الموطّآت" بهذا الإسناد، وأخطأ فيه سُويد بن سعيد، عن مالك، فقال: "عن معبد بن كعب، عن أبيه"، وليس بشيء انتهى (أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ، أَنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ ، مُرَّ) بضم الميم، مبنيّا للمفعول، قال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: لم أقف على اسم المارّ، ولا الممرور بجنازته انتهى (١) (عَلَيْهِ) أي على النبي ﷺ . ووقع في "الموطآت" للدارقطنيّ، من طريق إسحاق بن
стр. 10624
عيسى، عن مالك بلفظ: "مَرَّ برسول اللَّه ﷺ جنازة"، والباء على هذا بمعنى "على"، وذكّر الجنازة باعتبار الميت. قاله في "الفتح" (بِجَنَازَةٍ) متعلّق بـ "مُرّ" (فَقَالَ) ﷺ ("مُسْتَرِيحٌ، وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ") قال ابن الأثير ﵀: يقال: أراح الرجلُ، واستراح: إذا رجعت إليه نفسه بعد الإعياء انتهى (١).
والواو فيه بمعنى "أو"، والتقدير: هذا الميت، أو كلّ ميت إمْا مستريح، أو مستراح منه، أو بمعناها، على أن هذا الكلام بيان لمقدّر، يقتضيه الكلام، كأنه قال: هذا الميت، أو كلّ ميت أحد رجلين، فقال: مستريح، ومستراح منه. وقال السيوطي: الواو فيه بمعنى "أو"، وهي للتقسيم، وقال أبو البقاء في إعرابه: التقدير الناس، أو الموتى مسريح، أو مستراح منه.
قال السندي: ولا يخفى ما فيه من عدم المطابقة بين المبتدإ والخبر، فليُتأمّل انتهى.
(فَقَالُوا) أي الصحابة ﵃، قال الحافظ ﵀: لم أقف على اسم السائل منهم، إلا أن في رواية إبراهيم الحربيّ، عند أبي نُعيم: "قلنا"، فيدخل فيهم أبو قتادة، فيحتمل أن يكون هو السائل انتهى (مَا الْمُسْتَرِيحُ؟، وَمَا الْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ؟، قَالَ: "الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ) قال ابن التين -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: يحتمل أن يريد بـ "المؤمن" التقيّ خاصّة، ويحتمل كلّ مؤمن. انتهى (يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا) بفتح النون، والصاد المهملة: التعَب وزنا ومعنى، وفي نسخة: "من تعب الدنيا" (وَأَذَاهَا) من عطف العامّ على الخاصّ. قاله في "الفتح". وقال السنديّ ﵀: ما أشبهه بعطف المتساويين انتهى.
وفي رواية لمسلم: "يستريح من أذى الدنيا، ونَصَبِها إلى ﵀ " (وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ) قال ابن التين ﵀: يحتمل أن يريدب "الفاجر" الكافر، ويحتمل أن يدخل فيه العاصي انتهى.
(يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ، وَالْبِلَادُ، وَالشَّجَرُ، وَالدَّوَابُّ) قال الداوديّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: أما استراحة العباد، فلما يأتي به من المنكرات، فإن أنكروا عليه آذاهم، وإن تركوه أثموا، واستراحة البلاد مما يأتى به من المعاصى، فإن ذلك مما يحصل به الْجَدْب، فيقتضي هلاك الحرث والنسل.
وتعقّب الباجي أوّلَ كلامه بأن من ناله أذاه لا يأثم بتركه، لأنه بعد أن ينكر بقلبه، أو ينكر بوجه، لا يناله به أذى.
ويحتمل أن يكون المراد براحة العباد منه، لما يقع لهم من ظلمه، وراحةُ الأرض منه
стр. 10625
لما يقع عليها من غصبها، ومنعها من حقّها، وصرفه في غير وجهه، وراحة الدوابّ منه مما لا يجوز من إتعابها. ذكره في "الفتح" (١).
وقال النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "شرح مسلم": معنى استراحة العباد من الفاجر، اندفاع أذاه عنهم، وأذاه يكون من وجوه: منها ظلمه لهم، ومنها ارتكابه للمنكرات، فإن أنكروها قاسَوْا مشقّة من ذلك، وربما نالهم ضرره، وإن سكتوا عنه أثموا. واستراحة الدوابّ منه كذلك، لأنه يؤذيها بضربها، وتحميلها ما لا تطيقه، ويُجيعها في بعض الأوقات، وغير ذلك. واستراحة البلاد والشجر، فقيل: لأنها تُمنَع القطرَ بمعصيته. قاله الداوديّ. وقال الباجيّ: لأنه يَغصِبها، ويمنعها حقّها، من الشرب، وغيره انتهى (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن جميع ما ذكروه من أنواع الأذى صالح للدخول في معنى الحديث، فالأودى حمل الحديث عدى جميع أنواع الأذى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي قتادة ﷺ متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٤٨/ ١٩٣٠ و ٤٩/ ١٩٣١ وفي "الكبرى" ٤٨/ ٢٠٥٧ و ٤٩/ ٢٠٥٨ وأخرجه (خ) ٦٥١٢ و ٦٥١٣ (م) ٢١٩٩ و٢٢٠٠ (أحمد) ٢٢٠٣٠ و ٢٢٠٨٦ و ٣٢٠٧٠ واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في فوائده:
(منها): ما بوّب له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو بيان استراحة المؤمن من تعب الدنيا، وهمومها بموته (ومنها) تقسيم الناس إلى قسمين: مؤمن، وفاجر (ومنها): بيان فضل الإيمان (ومنها): بيان قبح الفجور، وأنه سبب البلايا والمصائب (ومنها): أن فجور الفاجر يتسبّب منه ضررالعباد، والبلاد، كما قال اللَّه تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ الآية [الروم: ٤١]. واللَّه أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
стр. 10626
٤٩ - (الاسْتِرَاحَة مِن الْكَافِرِ)
١٩٣١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَهْبِ بْنِ أَبِي كَرِيمَةَ الْحَرَّانِيُّ, حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, وَهُوَ الْحَرَّانِيُّ, عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحِيمِ, حَدَّثَنِي زَيْدٌ, عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ, عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبٍ, عَنْ أَبِي قَتَادَةَ, قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا, عِنْدَ (١) رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , إِذْ طَلَعَتْ جَنَازَةٌ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مُسْتَرِيحٌ, وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ, الْمُؤْمِنُ يَمُوتُ, فَيَسْتَرِيحُ مِنْ أَوْصَابِ الدُّنْيَا, وَنَصَبِهَا, وَأَذَاهَا, وَالْفَاجِرُ يَمُوتُ, فَيَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ, وَالْبِلَادُ, وَالشَّجَرُ, وَالدَّوَابُّ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (محمد بن وهب بن أبي كَرِيمة الْحَرَّانيّ) هو: محمد بن وهب بن عُمَر بن أبي كريمة، أبو المعافَى الحَرَّانيّ، صدوق [١٠] ١٩١/ ٣٠٦.
٢ - (محمد بن سلمة الحرّانيّ) الباهليّ مولاهم، ثقة [٩] ١٩١/ ٣٠٦.
٣ - (أبو عبد الرحيم) خالد بن أبي يزيد سماك، أو رُستَم الأمويّ مولاهم، الحرّاني، ثقة [٦] ١٩١/ ٣٠٦.
٤ - (زيد) بن أبي أُنيسة زيد، أبو أسامة الجَزَريّ،، كوفي الأصل، ثم سكن الرُّهَا، ثقة، له أفراد [٦] ١٩١/ ٣٠٦.
٥ - (وهب بن كيسان) القرشيّ مولاهم، أبو نُعيم المدنيّ، ثقة، من كبار [٤] ٣٢/ ١٥٩٢.
والباقيان تقدما في السند الذي قبله، والحديث متَّفق عليه، وقد مضى شرحه، وبيان المسائل المتعلقة به في الحديث الماضي، وباللَّه تعالى التوفيق.
وقوله: "إذ طَلَعت" -بفتح الطاء المهملة، واللام-: أي ظهرت. وقوله: "من أوصاب الدنيا": جمع وَصَب -بفتح الواو، والمهملة، آخره موحّدة: وهو دوام الوجع، ويطلق أيضًا على فتور البدن، وفي نسخة "من مصائب الدنيا". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
стр. 10627
٥٠ - (بَابُ الثَّنَاءِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أراد جواز ثناء الناس على الميت، وقد ترجم الإمام البخاريّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، بنحو من ترجمته، حيث قال: "باب ثناء الناس على الميت". أي مشروعية الثناء على الميت، وجوازه مطلقًا، بخلاف الحيّ، فإنه منهيّ عنه، إذا أفضى إلى الإطراء، خشيةً عليه من الزَّهْوِ، أشار إلى ذلك الزين ابن المُنَيِّر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
١٩٣٢ أ- (أَخْبَرَنِي زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ, عَنْ أَنَسٍ, قَالَ: مُرَّ بِجَنَازَةٍ, فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرًا, فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «وَجَبَتْ» , وَمُرَّ بِجَنَازَةٍ أُخْرَى, فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرًّا, فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «وَجَبَتْ». فَقَالَ عُمَرُ: فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي, مُرَّ بِجَنَازَةِ, فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرًا, فَقُلْتَ: وَجَبَتْ, وَمُرَّ بِجَنَازَةٍ, فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرًّا, فَقُلْتَ: وَجَبَتْ, فَقَالَ: «مَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا, وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ, وَمَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا, وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ, أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الأَرْضِ»).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (زياد بن أيّوب) أبو هاشم الطُّوسيّ، نزيل بغداد، يُلقب دَلُّويَهْ، وكان يَغضَب منها، ولقبه أحمد شعبةَ الصغير، ثقة حافظ [١٠] ١٠١/ ١٣٢.
٢ - (إسماعيل) ابن عُليّة البصريّ الحافظ الحجة [٨] ١٨/ ١٩.
٣ - (عبد العزيز) بن صُهَيب البُنَانيّ البصريّ، ثقة [٤] ١٧/ ١٦٤٣.
٤ - (أنس) بن مالك ﵁ ٦/ ٦. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من رباعيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو (١١٤) وهو أعلى الأسانيد له، كما تقدّم غير مرّة، وأنه مسلسل بثقات البصريين، غير شيخه، فطوسيّ، ثم بغداديّ، وفيه أنس ﷺ أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا وهو آخر من مات من الصحابة ﵃ بالبصرة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أنَسِ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (قَالَ: مُرَّ) بضمّ الميم، على البناء للمفعول (بِجَنَازَةٍ) تقدّم ضبطه بالكسر والفتح، واختلاف العلماء في معناه (فَأُثنِيَ عَلَيْهَا) قال الفيّوميّ -رحمه
стр. 10628
اللَّه تعالى-: الثناء بالفتح والمدّ، يقال: أثنيت عليه خيرًا، وبخير، وأثنيت عليه شرّا، وبشرّ، لأنه بمعنى وَصَفْتُهُ، هكذا نصّ عليه جماعة، منهم صاحب "المحكم"، وكذلك صاحب "البارع"، وعزاه إلى الخليل، ومنهم محمد بن القُوطِيّة، وهو الحبر الذي ليس في منقوله غَمْزٌ، والبحر الذي ليس في منقوده لَمْز، وكأن الشاعر عَنَاه بقوله:
إِذَا قَالَتْ: حَذَامِ فَصَدِّقُوهَا … فَإنَّ الْقَوْلَ مَا قَالَتْ: حَذَامِ
وقد قيل فيه: هو العالم النَّحْرير، ذو الإتقان والتحرير، والحجّةُ لمن بعده، والبُرْهان الذي يوقَف عنده.
وتبعه على ذلك مَن عُرف بالعدالة، واشتَهَرَ بالضبط، وصحّة المقالة، وهو السَّرَقُسْطِيُّ، وابن القَطّاع، واقتصر جماعة على قولهم: أثنيت عليه بخير، ولم يَنفُوا غيرَه، ومن هذا اجترأ بعضهم، فقال: لا يُستعمَل إلا في الحسن، وفيه نظر؛ لأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدلّ على نفيه عما عداه، والزيادة من الثقة مقبولة، ولو كان الثناء لا يُستعمل إلا في الخير كان قول القائل: أثنيت على زيد كافيًا في المدح، وكان قوله: "له الثناء الحسن"، لا يُفيد إلا التاكيد، والتأسيسُ أولى، فكان في قوله: "الحسن" احترازٌ عن غير الحسن، فإنه يُستعمل في النوعين، كما قال: "والخير في يديك، والشرّ ليس إليك". وفي "الصحيحين": مَرُّوا بجنازة، فأثنوا عليها خيرًا … "، فقال ﷺ : "وَجَبَت"، ثم مرّوا بأخرى، فأثنوا عليها شرّا، فقال ﷺ : "وَجبت"، وسُئل عن قوله: "وجبت؟ "، فقال: "هذا أثنيتم عليه خيرّا، فوجبت له الجنّة، وهذا أثنيتم عليه شرّا، فوجبت له النار … " الحديث. وقد نُقِل النوعان في واقعتين، تراخت إحداهما عن الأخرى، من العدل الضابط، عن العدل الضابط، عن العرب الفصحاء، عن أفصح العرب، فكان أوثق من نقل أهل اللغة، فإنهم قد يَكتفون بالنقل عن واحد، ولا يُعرَف حاله، فإنه قد يَعْرِض له ما يُخرجه عن حيِّزِ الاعتدال، من دَهَشٍ، وسُكْرٍ، وغير ذلك، فإذا عُرِف حاله لم يُحتجّ بقوله.
وَيرجِع قول من قال: لا يُستعمل إلا في الشرّ إلى النفي، وكأنه قال: لم يُسمع، فلا يقال، والإثبات أولى، ولله درّ من قال:
وَإِنَّ الْحَقَّ سُلْطَانٌ مُطَاعُ … وَمَا لِخِلَافِهِ أَبدًا سَبِيلُ
وقال بعض المتأخرين: إنما استُعمل في الشرّ في الحديث للازدواج. وهذا كلام من لا يَعرف اصطلاح أهل العلم بهذه اللفظة. انتهى كلام الفيّوميّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (١).
стр. 10629
(خَيْرًا) صفة لمصدر محذوف، أي ثناءً خيرًا، أو هو منصوب بنزع الخافض، أي أُثني عليها بخير.
وفي رواية النضر بن أنس، عن أبيه، عند الحاكم: "كنتُ قاعدًا عند النبيّ ﷺ ، فمُرّ بجنازة، فقال: "ما هذه الجنازة؟ "، قالوا: جنازة فلان ابن فلان الفلانيّ، كان يحبّ اللَّه ورسوله، ويَعمل بطاعة اللَّه، وَيسعَى فيها، وقال ضدّ ذلك في التي أثنوا عليها شرّا". ففيه تفسير ما أبهم من الخير والشرّ في رواية عبد العزيز. وللحاكم أيضًا من حديث جابر ﵁: "فقال بعضهم: لنعم المرءُ، لقد كان عفيفًا مسلمًا"، وفيه أيضًا: "فقال بعضهم: "بئس المرءُ كان، إن كان لَفَظًّا غليظًا".
(فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "وَجَبَتْ") أي ثبتت له الجنّة. وفي رواية لمسلم: "وجبت، وجبت، وجبت" ثلاث مرّات. قال النوويّ: والتكرار فيه لتأكيد الكلام المهتمّ بتكراره، ليُحفَظَ، ويكون أبلغ انتهى.
(وَمُرَّ بجَنَازَةٍ أُخْرَى، فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرًّا) قال الطيبيّ: استعمال الثناء في الشرّ مشاكلة، أو تهكّم انتهى. وقال القاري: ويمكن أن يكون أثنوا في الموضعين بمعنى وصفوا، فيحتاج إلى القيد، ففي "القاموس": الثناء وصف بمدح، أو ذمّ، أو خاصّ بالمدح انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تقدّم في كلام الفيّوميّ أن الصواب عند أهل اللغة أنّ الثناء هو الوصف مطلقًا، وأما كونه خاصّا بالمدح فغير ثابت عنهم، وقد اعترض الشارح على صاحب "القاموس" قولَه: أو خاصّ بالمدح بأنه لم يَقُل به أحد ممن يوثق به (١).
فما ادعاه الطيبيّ من المشاكلة، وكذا ما أجاب به القاري غير صحيح. فتبصّر بالتحقيق، واللَّه تعالى الهادي إلى أقوم الطريق.
(فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "وَجَبَتْ"، فَقَالَ عُمَرُ: فِدَاكَ أَبِي وَأُمَّي) فيه جواز التفدية بالأبوين (مُرَّ بِجَنَازَةِ) ببناء الفعل للمفعول، وكذا قوله (فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقُلْتَ: وَجَبَتْ، وَمُرَّ بِجَنَازَةٍ، فَاُثْنِيَ عَلَيهَا شَرًّا، فَقُلْتَ: وَجَبَتْ) يعني ما المراد بقولك: "وجبت" في هاتين الجنازتين (فَقَالَ) ﷺ (مَنْ أَثْنَيتُمْ عَلَيهِ خَيْرًا، وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا، وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ) يعني أن المراد بقوله: "وجبت" أي الجنّة لذي الخير، والنار لذي الشرّ، والمراد بالوجوب الثبوت، إذ هي في صحّة الوقوع كالشيء الواجب، والأصل أنه لا يجب على اللَّه شيء، بل الثواب فضله، والعقاب عدله، لا يسأل عما يفعل.
стр. 10630
ورواية المصنّف -وهي لمسلم أيضًا- بلفظ "من أثنيتم الخ" أبين قي العموم من رواية البخاريّ، بلفظ: "هذا أثنيتم عليه خيرًا، فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرّا، فوجبت له النار".
وفيها ردٌّ على من زعم أن ذلك خاصّ بالميتين المذكورين، لغيب أطلع اللَّه نبيه ﷺ عليه، فالصواب أنه خبر عن حكم أعلمه اللَّه تعالى به. واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: قوله ﷺ : "من أثنيتم شرّا الخ" يشكل عليه النهي عن سبّ الأموات -الآتي بعد باب- وأجيب عن هذا الإشكال بأوجه:
(أحدها): أن الذي تحُدّث عنه بالشرّ كان مستظهرًا له، ومشهورًا به. (الثاني): أن محمل النهي إنما هو فيما بعد الدفن، وأما قبله، فيجوز، ليتعظ به الفسّاق، وهذا كما يُكره لأهل الفضل الصلاة على المعلن بالبدَع والكبائر. (الثالث): أن الذي أثنى عليه الصحابة بالشرّ يحتمل أن يكون من المنافقين، ظهرت عليه دلائل النفاق، فشهدت الصحابة بما ظهر لهم، ولذلك قال ﷺ : "وجبت له النار"، والمسلم لا تجب له النار، وهذا هو مختار القاضي عياض -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (الرابع): أن النهي عن سبّ الأموات متأخر عن هذا الحديث، فيكون ناسخا. أفاده القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي الوجه الأول أرجح. واللَّه تعالى أعلم.
(أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الأَرْضِ") وفي رواية مسلم تكراره ثلاث مرّات، "أنتم شهداء اللَّه في الأرض، أنتم شهداء اللَّه في الأرض، أنتم شهداء اللَّه في الأرض".
والخطاب للصحابة، ومن كان على صفتهم من الإيمان. وحكى ابن التين أن ذلك مخصوص بالصحابة، لأنهم كانوا ينطقون بالحكمة، بخلاف من بعدهم. قال: والصواب أن ذلك يختصّ بالثقات والمتقين انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحق كونه عاما للصحابة، وغيرهم من المؤمنين، فقد ثبت في "صحيح البخاريّ" في "كتاب الشهادات" بلفظ: "المؤمنون شهداء اللَّه في الأرض". وللمصنف من حديث أبي هريرة التالية: "الملائكة شهداء اللَّه في السماء، وأنتم شهداء اللَّه في الأرض"، ولأبي داود، من حديث أبي هريرة ﵁ أيضًا في نحو هذه القصّة: "إن بعضكم عدى بعض لشهيد". واللَّه تعالى أعلم.
وقال النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: والظاهر أن الذي أثنوا عليه شرّا كان من المنافقين. انتهى.
стр. 10631
قال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: يرشد إلى ذلك ما رواه أحمد من حديث أبي قتادة ﵀ بإسناد صحيح، أنه ﷺ لم يصلّ على الذي أثنوا عليه شرّا، وصلى على الآخر انتهى (١).
وقال الداوديّ ﵀: المعتبر في ذلك شهادة أهل الفضل والصدق، لا الفَسَقَة، لأنهم يُثنون على من يكون مثلهم، ولا من بينه وبين الميت عداوة، لأن شهادة العدوّ لا تقبل انتهى.
ونقل الطيبيّ عن بعض شرّاح "المصابيح" قال: ليس معنى قوله: "أنتم شهداء اللَّه في الأرض" أن الذي يقولونه في حقّ شخص يكون كذلك حتى يصير من يستحقّ الجنة من أهل النار بقولهم، ولا بالعكس، بل معناه أن الذي أثنوا عليه خيرًا رأوه منه كان ذلك علامة كونه من أهل الجنّة، وبالعكس.
وتعقّبه الطيبيّ بأن قوله: "وجبت" بعد الثناء حُكْمٌ عَقَبَ وصفًا مناسبًا، فأشعر بالعلّيّة، وكذا قوده: "أنتم شُهداء اللَّه في الأرض"، لأن الإضافة فيه للتشريف، لأنهم بمنزدة عالية عند اللَّه، فهو كالتزكية للأمّة بعد أداء شهادتهم، فينبغي أن يكون لها أثرٌ، قال: وإلى هذا يومىء قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ الآية [البقرة: ١٤٣].
قال الحافظ: وقد استشهد محمد بن كعب القُرَظيّ لما روى عن جابر نحو حديث أنس ﵁ بهذه الآية، أخرجه الحاكم. وقد وقع ذلك في حديث مرفوع غيرِه عند ابن أبي حاتم في التفسير، وفيه أن الذي قال للنبيّ ﷺ : "ما قولك: وجبت" هو أُبَيّ بن كعب.
وقال النوويّ: قال بعضهم: معنى الحديث أن الثناء بالخير لمن أَثْنَى عليه أهل الفضل، وكان ذلك مطابقًا للواقع، فهو من أهل الجنّة، فإن كان غير مطابق فلا، وكذا عكسه. قال: والصحيح أنه على عمومه، وأن من مات منهم، فألهم اللَّه تعالى الناس الثناء عليه بخير، كان دليلًا على أنه من أهل الجنّة، سواء كانت أفعاله تقتضي ذلك، أولا، فإن الأعمال داخلة تحت المشيئة، وهذا إلهام، يُستدلّ به على تعيينها، وبهذا تظهر فائدة الثناء انتهى.
قال الحافظ: وهذا في جانب الخير واضح، ويؤيده ما رواه أحمد، وابن حبّان، والحاكم من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس ﵁، مرفوعًا: "ما من مسلم
стр. 10632
يموت، فيشهد له أربعة من جيرانه الأدنين أنهم لا يعدمون منه إلا خيرًا، إلا قال اللَّه تعالى: قد قبِلتُ قولكم، وغفرت له ما لا تعلمون". ولأحمد من حديث أبي هريرة ﵁ نحوه، وقال: "ثلاثة" بدل "أربعة"، وفي إسناده من لم يُسمّ، وله شاهد من مراسيل بُشير بن كعب، أخرجه أبو مسلم الكجيّ.
وأما جانب الشرّ فظاهر الأحاديث أنه كذلك، لكن إنما يقع ذلك في حقّ من غلب شرّه على خيره. وقد وقع في رواية النضر المشار إليها أوّلًا في آخر حديث أنس: "إن للَّه ملائكة، تنطق على ألسنة بني آدم بما في المرء من الخير والشرّ". انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٥٠/ ١٩٣٠ وفي "الكبرى" ٥٠/ ٢٠٥٩٠ وأخرجه (خ) ١٣٦٨ و ٢٦٤٢ (م) ٢١٩٧ و ٢١٩٧٨. (ت) ١٠٥٨ (ق) ١٤٩١. (أحمد) ١٤٩١ و ١٢٤٢٦ و ١٢٥٢٢٦ و ١٢٦٢٧ و ١٢٧٩١. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
(منها): ما بوّب له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو مشروعيّة الثناء على الميت بما فيه من خير وشر، للحاجة، ولا يكون ذلك من الغيبة المحرّمة (ومنها): فضيلة هذه الأمة، حيث كانت شهداء اللَّه تعالى في أرضه، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ الآية [البقرة: ١٤٣]. (ومنها): إعمال الحكم بالظاهر (ومنها): أنه أصل في قبول الشهادة بالاستفاضة، وأن أقلها اثنان، لقوله في حديث عمر ﵁ الآتي: "فقلنا: واثنان؟ قال: واثنان". (ومنها): ما قاله ابن العربي ﵀: فيه جواز الشهادة قبل الاستشهاد، وقبولها قبل الاستفصال (ومنها): قيل: فيه استعمال الثناء في الشرّ للمؤاخاة والمشاكلة، وحقيقته إنما هو في الخير.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هكذا قيل، لكن تقدّم أن الصواب استعمال الثناء في الخير والشرّ، ولم يثبت عمن يعتبر قوله من أهل اللغة عدم استعماله في الشرّ، فقوله: للمؤاخاة والمشاكلة الخ غير صحيح، كما تقدّم، فتبصّر بالإنصاف، ولا تَتَهَوَّرْ
стр. 10633
بتقديد ذوي الاعتساف. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٩٣٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ عَامِرٍ, وَجَدُّهُ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ, قَالَ: سَمِعْتُ عَامِرَ بْنَ سَعْدٍ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: مَرُّوا بِجَنَازَةٍ, عَلَى النَّبِيِّ ﷺ , فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا, فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «وَجَبَتْ». ثُمَّ مَرُّوا بِجَنَازَةٍ أُخْرَى, فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا, فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «وَجَبَتْ» , قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ, قَوْلُكَ الأُولَى وَالأُخْرَى: «وَجَبَتْ» , فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «الْمَلَائِكَةُ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي السَّمَاءِ, وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الأَرْضِ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن بشّار) بُندار البصريّ الحافظ الثبت [١٠] ٢٤/ ٢٧.
٢ - (هشام بن عبد الملك) أبو الوليد الطيالسيّ البصريّ، ثقة ثبت [٩] ١٢٢/ ١٧٢.
٣ - (شعبة) بن الحجّاج الإمام الحافظ الثبت الحجة البصريّ [٧] ٢٤/ ٢٦.
٤ - (ابراهيم بن عامر) بن مسعود بن أميّة بن خلف بن وهب بن حُذَافة بن جُمَح القرشيّ الجمحيّ الكوفيّ، ثقة [٦].
قال ابن معين، والنسائيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق، لا بأس به. روى له أبو داود، والمصنف. وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
[تنبيه]: قوله: "وجدّه أميه بن خَلَف" جملة من مبتدإ وخبر، أتى بها، تنبيهًا على أنه وقع في جدّه وَهَمٌ لأبي داود الطيالسيّ، فقال: هو إبراهيم بن عامر بن سعد بن أبي وقّاص.
فقد ذكر في "تت" في ترجمة إبراهيم بن عامر: ما نصّه: في كتاب ابن أبي حاتم: سألت أبي، قلت: فإن أبا داود الطيالسيّ روى عن شعبة، عن إبراهيم بن عامر بن سعد بن أبي وقّاص؟، فقال: هذا وَهَمٌ من أبي داود، وإنما هو إبراهيم بن عامر بن مسعود انتهى (١).
والحاصل أن الصواب أنه حفيد مسعود بن أمية بن خلف، لا حفيد سعد بن أبي وقّاص. فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
٥ - (عامر بن سعد) البجلي، مقبول [٣].
روى عن أبي مسعود، وأبي قتادة، وأبي هريرة، وغيرهم. وعنه أبو إسحاق السبيعي، والْعَيْزار بن حُريث، وإبراهيم بن عامر الْجُمَحيّ. ذكره ابن حبانّ في "الثقات". أخرج له مسلم حديثًا واحدًا، وأبو داود، والترمذيّ، والمصنف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث، وحديث اللَّهو عند الْعُرْس يأتي برقم (١٨٠/ ٣٣٨٤).
стр. 10634
٦ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١.
وقوله: "قولك للأولى والأخرى وجبت": مبتدأ، وخبره محذوف، أي قولك للجنازة الأولى، والجنازة الأخرى: وجبت ما معناه؟.
وهذا هو الذي وقع في بعض النسخ، كما أشار إليه في هامش "الهندية"، ووقع في معظم نسخ "المجتبى": "قولك الأولى والأخرى وجبت" بتأنيث "الأولى، والأخرى" وفيه بُعدٌ، ووقع في "الكبرى": "قولك الأول والآخر" وهو صحيح.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح، ولا يقال: في سنده عامر بن سعد، وهو مقبول، لأنا نقول: رَوَى عنه جماعة، ووثقه ابن حبّان وأحاديث الباب تشهد لحديثه. واللَّه تعالى أعلم.
والحديث أخرجه المصنّف هنا -٥١/ ١٩٣٣ - وفي "الكبرى" ٥٠/ ٢٠٦٠ - وأخرجه (د) ٣٢٣٣ (ق) ١٤٩٢ (أحمد) ٧٤٩٩ و ٩٦٨٤ و ٩٧٢٦ و ١٠٥٩٣ و ١٠٤٥٥. وشرحه يُعلم مما قبله، وكذا فوائده. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٩٣٤ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ, وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ, قَالَا: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الْفُرَاتِ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ, عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ الدِّيلِيِّ, قَالَ: أَتَيْتُ الْمَدِينَةَ, فَجَلَسْتُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ, فَمُرَّ بِجَنَازَةٍ, فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا, فَقَالَ عُمَرُ: وَجَبَتْ, ثُمَّ مُرَّ بِأُخْرَى, فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا, فَقَالَ عُمَرُ: وَجَبَتْ, ثُمَّ مُرَّ بِالثَّالِثِ, فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا شَرًّا, فَقَالَ عُمَرُ: وَجَبَتْ. فَقُلْتُ: وَمَا وَجَبَتْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: قُلْتُ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :: «أَيُّمَا مُسْلِمٍ, شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ, قَالُوا: خَيْرًا, أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ» , قُلْنَا: أَوْ ثَلَاثَةٌ؟ قَالَ: «أَوْ ثَلَاثَةٌ». قُلْنَا: أَوِ اثْنَانِ؟ قَالَ: «أَوِ اثْنَانِ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه المذكور قبل بابين.
٢ - (هشام بن عبدالملك) المذكور في الذي قبله.
٣ - (عبد اللَّه بن يزيد) المقرىء المكيّ، ثقة فاضل [٩] ٤/ ٧٤٦.
٤ - (داود بن أبي الفُرَات) عَمْرِو بن الفُرات، الكنديّ، أبو عمرو المروزيّ، قدم البصرة، ثقة [٨].
وثّقه ابن المبارك، وابن معين، وأبو داود، والعجليّ، وقال الدارقطنيّ: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في "الثقات ". مات سنة (١٦٧). روى له البخاريّ، والترمذيّ، والمصنف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
[تنبيه]: قال في "الفتح": قوله: "حدثنا داود بن أبي الْفُرَات" هو بلفظ النهر
стр. 10635
المشهور، واسمه عمرو، وهو كنديّ، من أهل مروَ، ولهم شيخ آخر، يقال له: داود ابن أبي الفرات، اسم أبيه بكر، وأبو الفرات اسم جدّه، وهو أشجعيّ، من أهل المدينة، أقدمُ من الكنديّ انتهى (١).
٥ - (عبد اللَّه بن بُريدة) بن الحُصَيب الأسلميّ، أبو سهل المروزيّ قاضيها، ثقة [٣] ٢٥/ ٣٩٣.
٦ - (أبو الأسود الديليّ) -بكسر المهملة، وسكون التحتانيّة- ويقال: الدُّؤَليّ - بالضمّ، بعدها همزة مفتوحة- البصريّ القاضي، اسمه ظالم بن عمرو بن سُفيان بن جَنْدَل بن يَعمَر بن حِلْس بن نُفاثة بن عديّ بن الدِّيل، ويقال: اسمه عمرو بن ظالم، ويقال: بالتصغير فيهما، ويقال: عمرو بن عُثمان، أو عثمان بن عمرو، ثقة فاضل مخضرم [٢].
قال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقة. وقال العجليّ: بصريّ تابعيّ ثقة، وهو أول من تكلّم في النحو. وقال ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل البصرة: كان شاعرًا متشيّعًا، وكان ثقة في حديثه، إن شاء اللَّه تعالى، وكان ابن عباس لما خرج من البصرة استخلف عليها أبا الأسود، فأقرّه عليّ ﵃. وذكره ابن عبد البرّ في "الاستيعاب"، فقال: كان ذا دين، وعقل، ولسان، وبيان، وفَهْم، وذَكاء، وحَزْم، وكان من كبار التابعين. وذكره ابن حبّان في ثقات التابعين.
وقال الواقديّ: كان ممن أسلم على عهد النبي ﷺ ، وقاتل مع عليّ يوم الجمل، وهلك في ولاية عُبيد اللَّه بن زياد.
وقال يحيى بن معين وغيره: مات في طاعون الجارف سنة (٦٩) وفيها أرّخه ابن أبي خَيثَمة، والْمَرزُبَانيّ، وزاد: وكان له يوم مات (٨٥) سنة. روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان، هذا وحديث "إن أحسن ما غيرتم به الشيب الحناء والكتم"، كرره "ثلاث مرات برقم ٥٠٨٠ و ٥٠٨١ و ٥٠٨٢.
٧ - (عمر بن الخطّاب) ﵁ ٦٠/ ٧٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كدهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 10636
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الدَّيْلى) التابعيّ الكبير المشهور، قال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: لم أره من رواية عبد اللَّه بن بُرَيدة عنه إلا معنعنًا، وقد حكى الدارقطنيّ في "كتاب التتبّع" عن عليّ بن المديني أن ابن بُريدة إنما يروي عن يحيى بن يعمر، عن أبي الأسود، ولم يقل في هذا الحديث: سمعت أبا الأسود.
قال الحافظ: وابن بريدة وُلد في عهد عمر، فقد أدرك أبا الأسود بلا ريب، لكن البخاريّ لا يكتفي بالمعاصرة، فلعلّه أخرجه شاهدّا، واكتفى للأصل بحديث الذي قبله. واللَّه أعلم انتهى (١).
(قَالَ: أَتَيْتُ الْمَدِينَةَ) وفي رواية البخاريّ، من روايته عن عفّان بن مسلم، عن داود بن أبي الفرات: "قَدِمتُ المدينة، وقد وقع بها مرض"، وزاد في "الشهادات" عن موسى بن إسماعيل، عن داود: "وهم يموتون موتا ذَرِيعًا". وهو بالذال المعجمة، أي سريعًا.
(فَجَلَسْتُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) يحتمل أن تكون "إلى" هنا على بابها لانتهاء الغاية، والمعنى: انتهى جلوسي إلى عمر ﵁، ويحتمل أن تكون بمعنى "عند"، أي جلست عنده، على حدّ قول الشاعر [من البسيط]:
أَمْ لَا سَبِيلَ إِلَى الشَّبَابِ وَذِكْرُهُ … أَشْهَى إِلَيَّ مِنَ الرَّحِيقِ السَّلْسَلِ
أي عندي (٢).
(فَمُرَّ بجَنَازَةِ) ببناء الفعل للمفعول (فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا) قال في "الفتح": كذا في جميع اَلأصول "خيرًا" بالنصب، وكذا "شرّا" وقد غَلِطَ من ضبط "أثنى" بفتح الهمزة، على البناء للفاعل، فإنه في جميع الأصول مبنيّ للمفعول. قال ابن التين: والصواب الرفع، وفي نصبه بُعْدٌ في اللسان. ووجّهه غيره بأن الجارّ والمجرور أُقيم مقام المفعول الأول، و"خيرا" مقام الثاني، وهو جائز، وإن كان المشهور عكسه، كما قال في "الخلاصة":
وَقَابِلٌ مِنْ ظَرْفٍ أَوْ مِنْ مَصْدَرِ … أَوْ حَرْفِ جَرٍّ بِنِيَابَةٍ حَرِي
وَلَا يَنُوبُ بَعْضُ هَذِي إِنْ وُجِدْ … فِي اللَّفْظِ مَفْعُولْ بِهِ وَقَدْ يَرِدْ
وقال النوويّ ﵀: منصوب بنزع الخافض، أي أُثني عليه بخير. وقال ابن مالك
стр. 10637
-﵀: "خيرًا" صفة لمصدر محذوف، فأقيمت مقامه، فنُصبت، لأن أُثني مسند إلى الجارّ والمجرور، قال: والتفاوت بين الإسناد إلى المصدر، والإسناد إلى الجارّ والمجرور قليل انتهى.
(فَقَالَ عُمَرُ) ﵁ (وَجَبَتْ) أي ثبتت الجنّة (ثُمَّ مُرَّ بِأُخْرَى) أي بجنازة أخرى (فَأُثْنيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا، فَقَالَ عُمَرُ: وَجَبَث، ثُمَّ مُرَّ بالثَّالِثِ) هكذا نسخ "المجتبى" "بالثالث" بالتذكير، وإنما ذكّره، وإن كان صفة لجنازة، لَأنها بمعنى الميت، وقد تقدّم أن الجنازة تطلق على الميت، على خلاف في فتح الجيم، وكسرها، والذي في "الكبرى"، و"صحيحِ البخاري": "بالثالثة"، ولا إشكال فيه، لأنه صفة لجنازة (فَأثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا شَرًّا، فَقَالَ عُمَرُ) ﵁ (وَجَبَتْ، فَقُلْتُ) القائل هو أبو الأسود المذكور -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (وَمَا وَجَبَتْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟) هو معطوف على مقدّر، أي قلت: هذا شيء عجيب، وما معنى قولك لكلّ منها: وجبت مع اختلاف الثناء بالخير والشرّ.
(قَالَ) عمر ﵁ (قُلْتُ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَيُّمَا مُسْلِمٍ) قال في "الفتح": الظاهر أن قوله: "أيما مسلم" هو المقول، فحينئذ يكون قول عمر لكلّ منها: "وجبت" قاله بناء على اعتقاده صِدقَ الوعدِ المستفادِ من قوله ﷺ : "أدخله اللَّه الجنة".
وأما اقتصار عمر على ذكر أحد الشقّين، فهو إما للاختصار، وإما لإحالته السامع على القياس، والأول أظهر.
وعُرِف من القصّة أن المُثْنِيَ على كلٍّ من الجنائز المذكورة كان أكثر من واحد، وكذا في قول عمر: قلنا: "وما وجبت" إشارةٌ إلى أن السائل عن ذلك هو وغيره. وقد وقع في تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: آية ١٤٣] عند ابن أبي حاتم من حديث أبي هريرة ﵁ أن أبيّ بن كعب ممن سأل عن ذلك (١).
(شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ) أي من المسلمين، وظاهره العموم، سواء كانت أفعاله تقتضي ذلك، أو لا، كما اختاره النووي -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وقد تقدم ذلك (قَالُوا: خَيْرًا) تفسير لشهادتهم، أي أثنوا عليه خيرًا. واللَّه تعالى أعلم (أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ"، قُلْنَا: أَوْ ثَلَاثَةٌ؟)
وفي رواية البخاريّ: "وثلاثة" بالواو، أي أو شهد له ثلاثة، فما الحكم؟ (قَالَ) ﷺ ("أَوْ ثَلَاثَةٌ") أي أو شهد له ثلاثة، أدخله اللَّه الجنة.
وفيه اعتبار مفهوم الموافقة، لأنهم سالوا عن الثلاثة، ولم يسألوا عما فوق الأربعة، كالخمسة مثلاً. وفيه أن مفهوم العدد ليس دليلًا قطعيّا، بل هو في مقام الاحتمال. قاله
стр. 10638
في "الفتح".
(قُلْنَا: أَوِ اثْنَانِ؟ قَالَ: "أَوِ اثْنَانِ") زاد في رواية البخاريّ: "ثم لم نسأله عن الواحد". وإنما لم يسألوا عن الواحد، استبعادًا منهم أن يُكتفَى في مثل هذا المقام العظيم بأقلّ من النصاب. أفاده ابن المنيّر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-.
وقد استدلّ به البخاريّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- على أن أقلّ ما يُكتفَى به في الشهادات اثنان. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث عمر ﵁ هذا أخرجه المصنّف هنا - ٥٠/ ١٩٣٤ - وفي "الكبرى" -٥٠/ ٢٥٦١ - وأخرجه (خ) ١٣٢٨ و ٢٦٤٣ (ت) ١٠٥٩ (أحمد) ١٤٠ و ٢٠٤ و ٣٢٠. وبقية متعلقات الحديث تقدمت قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطلت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٥١ - (النَّهْيُ عَنْ ذِكْرِ الْهَلْكَى إِلَّا بِخَيْرٍ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على النهي عن ذكر الأموات إلا بخير أعمالهم.
فـ "ذكر" مصدر مضاف إلى المفعول، وحُذِفَ فاعله، أي ذكر الناس الهلكى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
١٩٣٥ - (أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ, قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ أُمِّهِ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ هَالِكٌ بِسُوءٍ, فَقَالَ: «لَا تَذْكُرُوا هَلْكَاكُمْ, إِلاَّ بِخَيْرٍ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إبراهيم بن يعقوب) الْجُوزَجانيّ الثقة الحافظ [١١] ١٢٢/ ١٧٤.
٢ - (أحمد بن إسحاق) بن زيد بن عبد اللَّه الحضرمي، أبو إسحاق البصريّ، ثقة حافظ [١١] ٤/ ١٨٢٧.
٣ - (وُهيب) بن خالد الباهليّ، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت، تغيّر قليلاً بآخره [٧] ٢١/ ٤٢٧.
стр. 10639
٤ - (منصور بن عبد الرحمن) بن طلحة العَبْدَريّ الحَجَبيّ المكيّ، ثقة [٥] ١٥٩/ ٢٥١.
٥ - (صفية) بنت شيبة بن عثمان بن طلحة العبدرية، لها رؤية، وفي "صحيح البخاري" التصريح بسماعها من النبي ﷺ ، لكن أنكر ذلك الدارقطنيّ ١٥٩/ ٢٥١.
٦ - (عائشة) ﵂ ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. ومنها: أن رجاله كلهم رجال الصحيح. ومنها: أن فيه رواية الابن عن أمه، ورواية تابعي، عن تابعيّة، أو صحابيّة، عن صحابية، كما تقدم الخلاف في سماع صفية ﵂، من النبي ﷺ . ومنها: أن فيه عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة روت (٢٢١٠) أحاديث. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها -، أنها (قَالَتْ: ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ هَالِكٌ) أي شخص ميت (بسُوءٍ) متعلّق بـ "ذُكر"، لا بـ "هالك" (فَقَالَ) ﷺ (لَا تَذْكُرُوا هَلْكَاكُمْ) أي أمواتكم. و"الهَلكى" -بفتح الهاء، وسكون اللام، وفتح الكاف- بوزن "فَعْلَى": جمع "هالك"، كما قال ابن مالك -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "الخلاصة":
فَعْلَى لِوَصْفٍ كقَتِيلٍ وَزَمِنْ … وَهَالِكٍ وَمَيِّتٌ بِهِ قَمِنْ
(إِلَّا بِخَيرِ") فإن قيل: هذا يشكل على ما تقدّم في الباب الماضي من قوله: "ومُرّ بجنازة، فأُثْنِي عليها شرّا"، حيث لم ينههم النبيّ ﷺ عن الثناء بالشرّ.
أجيب بأن النهي عن سبّ الأموات هو في غير المنافق، وسائر الكفار، وفي غير المتظاهر بفسق، أو بدعة، فأما هؤلاء، فلا يحرم ذكرهم بالشرّ، للتحذير من طريقتهم، ومن الاقتداء بآثارهم، والتخلّق بأخلاقهم، والحديث الآخر محمول على أن الذي أثنوا عليه شرّا، كان مشهورًا بنفاق، أو نحوه، مما ذكرنا. قاله النووي في "شرح مسلم" انتهى (١). واللَّه تعالى وليّ التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث عائشة ﵂ هذا حديث صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، أخرجه هنا -٥١/ ١٩٣٥ - وفي "الكبرى"- ٥١/ ٢٠٦٢. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 10640
٥٢ - (النَّهْيُ عَنْ سَبِّ الأَمْوَاتِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الأولى أن تكون "ال" في "الأموات" عهديّة، أي أموات المسلمين، جمعًا بين أحاديث النهي عن السبّ، والأحاديث المبيحة له، كما سبق.
وإشارةً إلى هذا ترجم الإمام البخاريّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- بقوله: "باب ما يُنْهَى عن سبّ الأموات".
قال الزين ابن الْمُنَيِّر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: لفظ الترجمة يشعر بانقسام السبّ إلى منهيّ عنه، وغير منهيّ، ولفظ الخبر مضمونه النهي عن السبّ مطلقًا، والجواب أن عمومه مخصوص بحديث أنس ﵁ السابق، حيث قال ﷺ عند ثنائهم بالخير والشرّ: "وجبت، وأنتم شهداء اللَّه في الأرض"، ولم ينكر عليهم.
ويحتمل أنّ اللام في "الأموات" عهدية، والمراد به المسلمون، لأن الكفّار مما يُتقرّب إلى اللَّه بسبّهم انتهى.
وقال القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: في الكلام على حديث "وجبت": يحتمل أجوبةً: [الأول]: أن الذي كأن يُحَدَّث عنه بالشرّ كأن مستظهرّا به، فيكون من باب "لا غيبة لفاسق" (١)، أو كان منافقًا.
[ثانيها]: يحمل النهي على ما بعد الدفن، والجواز على ما قبله، ليتعظ به من سمعه.
[ثالثها]: يكون النهي العامّ متأخرًا، فيكون ناسخًا. وهذا ضعيف.
وقال ابن رُشيد ﵀: ما مُحَصَّله: أن السبّ ينقسم في حقّ الكفّار، وفي حقّ المسلمين، أما الكافر، فيُمنع إذا تأذّى به الحيّ المسلم، وأما المسلم، فحيث تدعو الضرورة إلى ذلك، كأن يصير من قبيل الشهادة، وقد يجب في بعض المواضع، وقد يكون فيه مصلحة للميت، كمن علم أنه أخذ ماله بشهادة زور، ومات الشاهد، فإن ذكر ذلك ينفع الميت، إن علم أن ذلك المال يُردّ إلى صاحبه، قال: ولأجل الغفلة عن هذا التفصيل ظنّ بعضهم أن البخاريّ سها عن حديث الثناء بالخير والشرّ. وإنما قصد البخاريّ أن يبيّن أن ذلك الجائز كأن على معنى الشهادة، وهذا الممنوع هو على معنى
стр. 10641
السبّ، ولَمّا كان المتن قد يُشعر بالعموم أتبعه بالترجمة التي بعده -يعني "باب ذكر شرار الموتى"- وتأول بعضهم الترجمة الأولى على المسلمين خاصّة، والوجه عندي حمله على العموم، إلا ما خصّه الدليل، بل لقائل أن يمنع أن ما كان على جهة الشهادة، وقصد التحذير يسمّى سبًا في اللغة.
وقال ابن بطّال -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: سب الأموات يجري مجرى الغيبة، فإن كان أغلب أحوال المرء الخيرَ، وقد تكون منه الفَلْتَة، فالاغتياب له ممنوع، وإن كان فاسقًا مُعلنًا، فلا غيبة له، فكذلك الميت.
ويحتمل أن يكون النهي على عمومه فيما بعد الدفن، والمباح ذكر الرجل بما فيه قبل الدفن، ليتّعظ بذلك فُساق الأحياء، فإذا صار إلى قبره أُمسك عنه لإفضائه إلى ما قَدَّم. وقد عَلِمَت عائشة راوية هذا الحديث بذلك في حقّ من استحقّ عندها اللعن، فكانت تلعنه، وهو حيّ، فلما مات تركت ذلك، ونهت عن لعنه. قاله في "الفتح". واللَّه تعالى أعلم بالصواب
١٩٣٦ - (أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ, عَنْ بِشْرٍ, وَهُوَ ابْنُ الْمُفَضَّلِ, عَنْ شُعْبَةَ, عَنْ سُلَيْمَانَ الأَعْمَشِ, عَنْ مُجَاهِدٍ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَسُبُّوا الأَمْوَاتَ, فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا, إِلَى مَا قَدَّمُوا»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حُميد بن مسعدة) البصريّ، صدوق [١٠] ٥/ ٥.
٢ - (بشر بن المفضّل) أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبت عابد [٨] ٦٦/ ٨٢.
٣ - (شعبة) الإمام الحجة الثبت المشهور المذكور قبل باب.
٤ - (سليمان الأعمش) ابن مهران الكوفيّ الإمام الحافظ الحجة [٥] ١٧/ ١٨.
٥ - (مجاهد) بن جَبْر الإمام المكيّ المفسّر الثبت [٣] ٢٧/ ٣١.
٦ - (عائشة) ﵁ ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة، وبعده بالكوفيين إلا مجاهدًا فمكي، وعائشة، فمدنية. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها -، أنها (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَسُبُّوا الْأَمْوَاتَ) ذَكَروا لذِكْرِ عاثشة ﵂ لهذا الحديث سببًا، وهو ما أخرجه عُمر بن شبّة في
стр. 10642
"كتاب أخبار البصريين" عن محمد بن يزيد الرفاعيّ، عن محمد بن فُضيل، عن الأعمش، عن مجاهد: أن عائشة قالت: ما فَعَل يزيد الأَرْحَبِيّ لعنه اللَّه؟ قالوا: مات، قالت: أستغفر اللَّه، قالوا: ما هذا؟، فذكرت الحديث. وأخرجه من طريق مسروق: أن عليّا بعث يزيد بن قيس الأَزحَبِيَّ في أيّام الجمل برسالة، فلم تردّ عليه جوابًا، فبلغها أنه عاب عليها ذلك، فكانت تلعنه، ثم لما بلغها موته نهت عن لعنه، وقالت: "إن رسول اللَّه ﷺ نهانا عن سبّ الأموات". وصححه ابن حبّان (١) من وجه آخر عن الأعمش، عن مجاهد بالقصّة. قاله في "الفتح" (٢).
(فَإِنَّهُمْ) الفاء للتعليل، أي لأنهم (قَدْ أَفْضَوْا) أي وَصَلوا (إِلَى مَا قَدَّمُوا") من التقديم، أي لأنفسهم من الأعمال، والمراد جزاؤها، أي فلا ينفع سبّهم فيهم، كما ينفع سبّ الحيّ في النهي والزجر، حتى لا يقعَ في الهلاك، نعم قد يتضمّن سبهم مصلحة الحيّ، كما إذا كان لتحذيره عن طريقتهم مثلاً، فيجوز لذلك، كما تقدّم، قاله السنديّ -رحمه اللَّه تعالى- (٣). وقال في "الفتح": واستُدلّ به عدى منع سبّ الأموات مطلقًا، وقد تقدّم أن عمومه مخصوص، وأصحّ ما قيل في ذلك أن أموات الكفّار، والفسّاق يجوز ذكر مساويهم، للتحذير منهم، والتنفير عنهم، وقد أجمع العلماء على جواز جرح المجروحين، من الرواة أحياء، وأمواتا انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسالتان تتعلّقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عائشة ﵂ هذا أخرجه البخاريّ.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٥٢/ ١٩٣٦ - وفي "الكبرى" ٥٢/ ٢٠٦٣. وأخرجه (خ) ١٣٩٣ و ٦٥١٦ (١) ٤٨٩٩ (أحمد) ١٩٤٢ و ٢٤٩٤ (الدارميّ) ٢٥١١ (ابن حبّان في صحيحه) ٣٠٢١.
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٩٣٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ, قَالَ: سَمِعْتُ
стр. 10643
أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ, يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَتْبَعُ الْمَيِّتَ ثَلَاثَةٌ: أَهْلُهُ, وَمَالُهُ, وَعَمَلُهُ, فَيَرْجِعُ اثْنَانِ, أَهْلُهُ, وَمَالُهُ, وَيَبْقَى وَاحِدٌ, عَمَلُهُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لم يظهر دي إيراد المصنف ﵀ لهذا الحديث في هذا الباب؛ لأنه ليس فيه النهي عن سبّ الأموات، اللَّهم إلا إذا قيل: إن فيه بيان تفسير قوله في الحديث الماضي: "ما قدّموا" بأنه العمل، ولا يخفى ما فيه، إذ لا خفاء في معناه حتى يُحتَاج إلى تفسيره.
ويحتمل أن يكون سقط من الناسخ الترجمة المناسبة لهذا الحديث، وهذا فيه بُعدٌ أيضًا، إذ ليس هذا خاصّا بـ "المجتبى"، بل هو كذلك في "الكبرى". ويأتي الإشكال أيضًا في الحديث التالي، كما سأذكره، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
ورجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (قيبة) بن سعيد الحافظ الثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (سفيان) بن عُيينة الإمام الحجة الثبت [٨] ١/ ١.
٣ - (عبد اللَّه بن أبي بكر) بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاريّ، أبو محمد المدنيّ القاضي، ثقة [٥] ١١٨/ ١٦٣.
٤ - (أنس بن مالك) ﵁ ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من رباعيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو (١١٥) من رباعيات الكتاب، وهو أعلى الأسانيد له، كما تقدّم غير مرّة. (ومنها): أن فيه أنسًا ﵁ أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وأنه خادم رسول اللَّه ﷺ ، خدمه عشر سنين، وأنه آخر من مات من الصحابة ﵃ بالبصرة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ) بن محمد بن عمرو بن حزم، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أنَسَ بْنَ مَالِكٍ) ﵁ (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يتْبَعُ الْمَيِّتَ) أي إلى القبر (ثَلَاَثةٌ) قال الحافظ ﵀: هذا يقع في الأغلب، ورب ميت لا يتبعه إلا عمله فقط. والمراد من يتبع جنازته، من أهله، ورفقته، ودوابّه، على ما جرت به عادة العرب، وإذا انقضى أمر الحزن عليه رجعوا، سواء أقاموا بعد الدفن أم لا انتهى (١) (أَهْلُهُ) بالرفع بدل تفصيل من
стр. 10644
"ثلاثة"، أهله إن كان له أهل (وَمَالُهُ) أي عبيده، ودوابّه، إن كان له ذلك (وَعَمَلُهُ، فَيَرْجِعُ اثْنَانِ، أَهْلُهُ، وَمَالُهُ، ويبْقَى وَاحِدٌ، عَمَلُهُ") بالرفع بدل من "واحد"، أي يبقى مع الميت أحد الثلاثة التي تبعته، وهو عَمَلُه الذي عَمِلَه، فينبغي الاهتمام بصلاحه، لا بصلاح الاثنين الباقيين، إلا فيما يتعلّق بأمور الآخرة، كتعليم أهله دينهم، والقيام بماله، لينفقه في سبيل اللَّه تعالى.
وقال الكرمانيّ: التبيعية في حديث أنس ﵁، بعضُها حقيقة، وبعضها مجاز، فيستفاد منه استعمال اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه.
قال الحافظ: هو في الأصل حقيقة في الحسّ، ويطرقه المجاز في البعض، وهو المال (١)، وأما العمل فعلى الحقيقة في الجميع، وهو مجاز بالنسبة إلى التبعيّة في الحسّ انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درحته:
حديث أنس بن مالك ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٥٢/ ١٩٣٧ - وفي "الكبرى"-٥٢/ ٢٠٦٤ - وأخرجه (خ) ٦٥١٤ (م) ٢٩٦٠ (ت) ٢٣٧٩ (أحمد) ١١٦٧٠. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فى فوائده:
(منها): أن العمل يدخل القبر مع الإنسان، فينتفع به إن كان صالحا، ويتضرّر به، إن كان غير صالح، وقد ورد ذلك في حديث البراء بن عازب ﵄ الطويل في صفة المسألة في القبر عند أحمد وغيره، ففيه: "وبأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت تُوعَد، فيقول له: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول: رب أقم الساعة، حتى أرجع إلى أهلي ومالي".
وقال في الكافر: "ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، مُنتِنُ الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوءك، هذا يومك الذي كنت تُوعَد، فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالشر، فيقول: أنا عملك الخبيث، فيقول: رب لا تقم الساعة" … الحديث. وقد
стр. 10645
ذكرت الحديث بطوله في هذا الشرح في "باب ما يُلَقَّى به المؤمن من الكرامة عند خروج نفسه" ٩/ ١٨٣٣. وباللَّه تعالى التوفيق.
(ومنها): التنبيه على الاهتمام بإصلاح العمل، حيث إنه لا يفارق عامله في دار البقاء (ومنها): أن مما يجب على العاقل عدمَ الاشتغال بالأهل والمال عن الأعمال الصالحات، إلا فيما له تعلّق بالآخرة، كتعليم أهله دينهم، وتوجيههم إلى الخير، والقيام بماله، ليصل به رحمه، ويواسي به الفقراء والمحتاجين، وينفقه في سبيل اللَّه تعالى، فإنه هذا يعدّ من أعماله الصالحات التي تدخل معه القبر، وينتفع بها، وما عدا ذلك فهو فتنة، وقد حذّر اللَّه تعالى منها، حيث قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢٨]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ الآية [التغابن: ١٤] وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٩٣٨ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى, عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «لِلْمُؤْمِنِ عَلَى الْمُؤْمِنِ سِتُّ خِصَالٍ, يَعُودُهُ إِذَا مَرِضَ, وَيَشْهَدُهُ إِذَا مَاتَ, وَيُجِيبُهُ إِذَا دَعَاهُ, وَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِذَا لَقِيَهُ, وَيُشَمِّتُهُ إِذَا عَطَسَ, وَيَنْصَحُ لَهُ إِذَا غَابَ, أَوْ شَهِدَ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث ذُكر في نُسَخ "المجتبى" التي بين يديّ، وكذا في "الكبرى" في هذا الباب، وهذا يحتمل أن يكون من صنيع المصنّف ﵀ تعالى، ولكن لم تظهر لي المناسبة بينه وبين الباب (١)، إذ هو مما يناسب الباب التالي، فكان الأولى ذكره هناك، غير أن المصنف اتفق له غير مرّة أن يذكر في آخر أَيِّ باب حديثًا من أحاديث الباب الذي يليه، كما نبّهت عليه فى مواضعه. ويحتمل أن يكون من تصرّف النّسّاخ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (قتيبة) المذكور في الذي قبله.
٣ - (محمد بن موسى) الفِطْريّ المدنيّ، صدوق رُمي بالتشيّع [٧] ١/ ١٦٠٠.
٣ - (سعيد بن أبي سعيد) كَيْسان المقبريّ، أبو سَعْدٍ المدني، ثقة، تغيّر قبل موته بأربع سنين [٣] ٩٥/ ١١٧.
٤ - (أبو هريرة) ﵁ ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم.