← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 10641–10680 · переход к 10646.

стр. 10641

السبّ، ولَمّا كان المتن قد يُشعر بالعموم أتبعه بالترجمة التي بعده -يعني "باب ذكر شرار الموتى"- وتأول بعضهم الترجمة الأولى على المسلمين خاصّة، والوجه عندي حمله على العموم، إلا ما خصّه الدليل، بل لقائل أن يمنع أن ما كان على جهة الشهادة، وقصد التحذير يسمّى سبًا في اللغة. وقال ابن بطّال -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: سب الأموات يجري مجرى الغيبة، فإن كان أغلب أحوال المرء الخيرَ، وقد تكون منه الفَلْتَة، فالاغتياب له ممنوع، وإن كان فاسقًا مُعلنًا، فلا غيبة له، فكذلك الميت. ويحتمل أن يكون النهي على عمومه فيما بعد الدفن، والمباح ذكر الرجل بما فيه قبل الدفن، ليتّعظ بذلك فُساق الأحياء، فإذا صار إلى قبره أُمسك عنه لإفضائه إلى ما قَدَّم. وقد عَلِمَت عائشة راوية هذا الحديث بذلك في حقّ من استحقّ عندها اللعن، فكانت تلعنه، وهو حيّ، فلما مات تركت ذلك، ونهت عن لعنه. قاله في "الفتح". واللَّه تعالى أعلم بالصواب ١٩٣٦ - (أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ, عَنْ بِشْرٍ, وَهُوَ ابْنُ الْمُفَضَّلِ, عَنْ شُعْبَةَ, عَنْ سُلَيْمَانَ الأَعْمَشِ, عَنْ مُجَاهِدٍ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَسُبُّوا الأَمْوَاتَ, فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا, إِلَى مَا قَدَّمُوا»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (حُميد بن مسعدة) البصريّ، صدوق [١٠] ٥/ ٥. ٢ - (بشر بن المفضّل) أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبت عابد [٨] ٦٦/ ٨٢. ٣ - (شعبة) الإمام الحجة الثبت المشهور المذكور قبل باب. ٤ - (سليمان الأعمش) ابن مهران الكوفيّ الإمام الحافظ الحجة [٥] ١٧/ ١٨. ٥ - (مجاهد) بن جَبْر الإمام المكيّ المفسّر الثبت [٣] ٢٧/ ٣١. ٦ - (عائشة) ﵁ ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة، وبعده بالكوفيين إلا مجاهدًا فمكي، وعائشة، فمدنية. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها -، أنها (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَسُبُّوا الْأَمْوَاتَ) ذَكَروا لذِكْرِ عاثشة ﵂ لهذا الحديث سببًا، وهو ما أخرجه عُمر بن شبّة في

стр. 10642

"كتاب أخبار البصريين" عن محمد بن يزيد الرفاعيّ، عن محمد بن فُضيل، عن الأعمش، عن مجاهد: أن عائشة قالت: ما فَعَل يزيد الأَرْحَبِيّ لعنه اللَّه؟ قالوا: مات، قالت: أستغفر اللَّه، قالوا: ما هذا؟، فذكرت الحديث. وأخرجه من طريق مسروق: أن عليّا بعث يزيد بن قيس الأَزحَبِيَّ في أيّام الجمل برسالة، فلم تردّ عليه جوابًا، فبلغها أنه عاب عليها ذلك، فكانت تلعنه، ثم لما بلغها موته نهت عن لعنه، وقالت: "إن رسول اللَّه ﷺ نهانا عن سبّ الأموات". وصححه ابن حبّان (١) من وجه آخر عن الأعمش، عن مجاهد بالقصّة. قاله في "الفتح" (٢). (فَإِنَّهُمْ) الفاء للتعليل، أي لأنهم (قَدْ أَفْضَوْا) أي وَصَلوا (إِلَى مَا قَدَّمُوا") من التقديم، أي لأنفسهم من الأعمال، والمراد جزاؤها، أي فلا ينفع سبّهم فيهم، كما ينفع سبّ الحيّ في النهي والزجر، حتى لا يقعَ في الهلاك، نعم قد يتضمّن سبهم مصلحة الحيّ، كما إذا كان لتحذيره عن طريقتهم مثلاً، فيجوز لذلك، كما تقدّم، قاله السنديّ -رحمه اللَّه تعالى- (٣). وقال في "الفتح": واستُدلّ به عدى منع سبّ الأموات مطلقًا، وقد تقدّم أن عمومه مخصوص، وأصحّ ما قيل في ذلك أن أموات الكفّار، والفسّاق يجوز ذكر مساويهم، للتحذير منهم، والتنفير عنهم، وقد أجمع العلماء على جواز جرح المجروحين، من الرواة أحياء، وأمواتا انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسالتان تتعلّقان بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة ﵂ هذا أخرجه البخاريّ. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٥٢/ ١٩٣٦ - وفي "الكبرى" ٥٢/ ٢٠٦٣. وأخرجه (خ) ١٣٩٣ و ٦٥١٦ (١) ٤٨٩٩ (أحمد) ١٩٤٢ و ٢٤٩٤ (الدارميّ) ٢٥١١ (ابن حبّان في صحيحه) ٣٠٢١. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٩٣٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ, قَالَ: سَمِعْتُ

стр. 10643

أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ, يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَتْبَعُ الْمَيِّتَ ثَلَاثَةٌ: أَهْلُهُ, وَمَالُهُ, وَعَمَلُهُ, فَيَرْجِعُ اثْنَانِ, أَهْلُهُ, وَمَالُهُ, وَيَبْقَى وَاحِدٌ, عَمَلُهُ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لم يظهر دي إيراد المصنف ﵀ لهذا الحديث في هذا الباب؛ لأنه ليس فيه النهي عن سبّ الأموات، اللَّهم إلا إذا قيل: إن فيه بيان تفسير قوله في الحديث الماضي: "ما قدّموا" بأنه العمل، ولا يخفى ما فيه، إذ لا خفاء في معناه حتى يُحتَاج إلى تفسيره. ويحتمل أن يكون سقط من الناسخ الترجمة المناسبة لهذا الحديث، وهذا فيه بُعدٌ أيضًا، إذ ليس هذا خاصّا بـ "المجتبى"، بل هو كذلك في "الكبرى". ويأتي الإشكال أيضًا في الحديث التالي، كما سأذكره، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ورجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (قيبة) بن سعيد الحافظ الثبت [١٠] ١/ ١. ٢ - (سفيان) بن عُيينة الإمام الحجة الثبت [٨] ١/ ١. ٣ - (عبد اللَّه بن أبي بكر) بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاريّ، أبو محمد المدنيّ القاضي، ثقة [٥] ١١٨/ ١٦٣. ٤ - (أنس بن مالك) ﵁ ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من رباعيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو (١١٥) من رباعيات الكتاب، وهو أعلى الأسانيد له، كما تقدّم غير مرّة. (ومنها): أن فيه أنسًا ﵁ أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وأنه خادم رسول اللَّه ﷺ ، خدمه عشر سنين، وأنه آخر من مات من الصحابة ﵃ بالبصرة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ) بن محمد بن عمرو بن حزم، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أنَسَ بْنَ مَالِكٍ) ﵁ (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يتْبَعُ الْمَيِّتَ) أي إلى القبر (ثَلَاَثةٌ) قال الحافظ ﵀: هذا يقع في الأغلب، ورب ميت لا يتبعه إلا عمله فقط. والمراد من يتبع جنازته، من أهله، ورفقته، ودوابّه، على ما جرت به عادة العرب، وإذا انقضى أمر الحزن عليه رجعوا، سواء أقاموا بعد الدفن أم لا انتهى (١) (أَهْلُهُ) بالرفع بدل تفصيل من

стр. 10644

"ثلاثة"، أهله إن كان له أهل (وَمَالُهُ) أي عبيده، ودوابّه، إن كان له ذلك (وَعَمَلُهُ، فَيَرْجِعُ اثْنَانِ، أَهْلُهُ، وَمَالُهُ، ويبْقَى وَاحِدٌ، عَمَلُهُ") بالرفع بدل من "واحد"، أي يبقى مع الميت أحد الثلاثة التي تبعته، وهو عَمَلُه الذي عَمِلَه، فينبغي الاهتمام بصلاحه، لا بصلاح الاثنين الباقيين، إلا فيما يتعلّق بأمور الآخرة، كتعليم أهله دينهم، والقيام بماله، لينفقه في سبيل اللَّه تعالى. وقال الكرمانيّ: التبيعية في حديث أنس ﵁، بعضُها حقيقة، وبعضها مجاز، فيستفاد منه استعمال اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه. قال الحافظ: هو في الأصل حقيقة في الحسّ، ويطرقه المجاز في البعض، وهو المال (١)، وأما العمل فعلى الحقيقة في الجميع، وهو مجاز بالنسبة إلى التبعيّة في الحسّ انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درحته: حديث أنس بن مالك ﵁ هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٥٢/ ١٩٣٧ - وفي "الكبرى"-٥٢/ ٢٠٦٤ - وأخرجه (خ) ٦٥١٤ (م) ٢٩٦٠ (ت) ٢٣٧٩ (أحمد) ١١٦٧٠. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فى فوائده: (منها): أن العمل يدخل القبر مع الإنسان، فينتفع به إن كان صالحا، ويتضرّر به، إن كان غير صالح، وقد ورد ذلك في حديث البراء بن عازب ﵄ الطويل في صفة المسألة في القبر عند أحمد وغيره، ففيه: "وبأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت تُوعَد، فيقول له: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول: رب أقم الساعة، حتى أرجع إلى أهلي ومالي". وقال في الكافر: "ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، مُنتِنُ الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوءك، هذا يومك الذي كنت تُوعَد، فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالشر، فيقول: أنا عملك الخبيث، فيقول: رب لا تقم الساعة" … الحديث. وقد

стр. 10645

ذكرت الحديث بطوله في هذا الشرح في "باب ما يُلَقَّى به المؤمن من الكرامة عند خروج نفسه" ٩/ ١٨٣٣. وباللَّه تعالى التوفيق. (ومنها): التنبيه على الاهتمام بإصلاح العمل، حيث إنه لا يفارق عامله في دار البقاء (ومنها): أن مما يجب على العاقل عدمَ الاشتغال بالأهل والمال عن الأعمال الصالحات، إلا فيما له تعلّق بالآخرة، كتعليم أهله دينهم، وتوجيههم إلى الخير، والقيام بماله، ليصل به رحمه، ويواسي به الفقراء والمحتاجين، وينفقه في سبيل اللَّه تعالى، فإنه هذا يعدّ من أعماله الصالحات التي تدخل معه القبر، وينتفع بها، وما عدا ذلك فهو فتنة، وقد حذّر اللَّه تعالى منها، حيث قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢٨]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ الآية [التغابن: ١٤] وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٩٣٨ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى, عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «لِلْمُؤْمِنِ عَلَى الْمُؤْمِنِ سِتُّ خِصَالٍ, يَعُودُهُ إِذَا مَرِضَ, وَيَشْهَدُهُ إِذَا مَاتَ, وَيُجِيبُهُ إِذَا دَعَاهُ, وَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِذَا لَقِيَهُ, وَيُشَمِّتُهُ إِذَا عَطَسَ, وَيَنْصَحُ لَهُ إِذَا غَابَ, أَوْ شَهِدَ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث ذُكر في نُسَخ "المجتبى" التي بين يديّ، وكذا في "الكبرى" في هذا الباب، وهذا يحتمل أن يكون من صنيع المصنّف ﵀ تعالى، ولكن لم تظهر لي المناسبة بينه وبين الباب (١)، إذ هو مما يناسب الباب التالي، فكان الأولى ذكره هناك، غير أن المصنف اتفق له غير مرّة أن يذكر في آخر أَيِّ باب حديثًا من أحاديث الباب الذي يليه، كما نبّهت عليه فى مواضعه. ويحتمل أن يكون من تصرّف النّسّاخ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب. رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (قتيبة) المذكور في الذي قبله. ٣ - (محمد بن موسى) الفِطْريّ المدنيّ، صدوق رُمي بالتشيّع [٧] ١/ ١٦٠٠. ٣ - (سعيد بن أبي سعيد) كَيْسان المقبريّ، أبو سَعْدٍ المدني، ثقة، تغيّر قبل موته بأربع سنين [٣] ٩٥/ ١١٧. ٤ - (أبو هريرة) ﵁ ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 10646

لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من رباعيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- وهو (١١٦) من رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخه، فبغلانيّ، وفيه أبو هريرة ﵁ أحفظ الصحابة، رَوَى (٥٣٧٤) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "لِلْمُؤْمِنِ عَلَى الْمُؤْمِنِ سِتُّ خِصَالٍ) أتى بـ "على" إشارةً إلى أن هذه الخصال واجبة، وقد جاء التصريح بالوجوب في رواية مسلم من طريق عبد الرزّاق، عن معمر، عن الزهريّ، بلفظ: "خمس تجب للمسلم على المسلم، وله من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁: "حق المسلم على المسلم ستّ … ". قال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وقد تبين أن معنى "الحقّ" هنا الوجوب، خلافًا لقول ابن بطّال: المراد حقّ الحرمة والصحبة، والظاهر أن المراد به هنا وجوب الكفاية انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: القول بالكفاية على الإطلاق فيه نظر، فإن بعضها على الأعيان، كتشميت العاطس، كما سنحقّقه، إن شاء اللَّه تعالى. (يَعُودُهُ إِذَا مَرِضَ) برفع "يعودُ"، ويجوز نصبه على مذهب الكوفيين، وهو في تأويل المصدر بان مقدّرة، بدل من "ست"، أي عيادةُ المريض، أي زيارته، والسؤال عن حاله. وفيه دلالة على مشروعية عيادة المريض، وهي مشروعة بالإجماع، وجزم البخاريّ ﵀ بوجوبها، فقال: "باب وجوب عيادة المريض". قال ابن بطال: يحتمل أن يكون الوجوب للكفاية، كإطعام الجائع، وفكّ الأسير، ويحتمل أن يكون الوارد فيها محمولًا على الندب، وجزم الداوديّ بالأول، وقال الجمهور بالندب، وقد تصل إلى الوجوب في حقّ بعض دون بعض. وعن الطبريّ تتاكد في حقّ من تُرجى بركته، وتسنّ فيمن يُراعى حاله، وتباح فيما عدا ذلك، وفي حقّ الكافر خلاف، ونقل النوويّ الإجماع على عدم الوجوب. قال الحافظ: يعني على الأعيان. انتهى. [فائدة]: حذف "أن" ورفع الفعل جائز عند الأخفش، وجعل منه قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ

стр. 10647

اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ﴾ الآية [الزمر: ٦٤] و"تسمعُ بالمُعَيديّ خير من أن تراه" برفع ﴿أعبدُ﴾ و"تسمعُ". وقد وافق ابن مالك الأخفشَ في شرح التسهيل، حيث قال في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْق﴾ الآية [الروم: ٢٤] أن ﴿يريكم﴾ صلة "أن" حُذفت، وبقي الفعل مرفوعًا، وهذا هو القياس، لأن الحرف عامل ضعيف، فحذفه يُبطل عمله انتهى. وأما حذف "أن"، ونصب الفعل، فقياس عند الكوفيين أيضًا، وشاذّ عند البصريين، وأيدّه ابن مالك، حيث قال في "الخلاصة": وَشّذّ حَذْفُ "أَنْ" وَنَصْبٌ فِي سِوَى … مَا مَرَّ فَاقْبَلْ مِنْهُ مَا عَدْلٌ رَوَى وذهب قوم إلى أن الحذف في غير مواضع التي أجازوا الحذف فيها سماعيّ مطلقا، سواء رُفِعَ الفعلُ، أو نصب (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الصحيح أن حذف "أن" ورفعَ الفعل جائز، كما ذهب إليه الأخفش؛ لوقوعه في القرآن الكريم، كما مرّ آنفًا، وتخريجُ الآية على وجه شاذّ غير صحيح. واللَّه تعالى أعلم. [تنبيهات]: (الأول): عموم هذا الحديث يدلّ على مشروعية عيادة كلّ مريض، لكن استثنى بعضهم الأرمد، لكون عائده قد يرى ما لا يراه هو، وهذا الأمر خارجيّ، قد يأتي مثله في بقية الأمراض، كالْمُغمَى عليه، وقد جاء في عيادة الأرمد بخصوصه حديث زيد بن أرقم ﵁، قال: "عادني رسول اللَّه ﷺ ، من وجع كان بعيني". أخرجه أبو داود، وصححه الحاكم، وهو عند البخاريّ في "الأدب المفرد"، وسياقه أتم. وأما ما أخرجه البيهقيّ، والبراني مرفوعًا: "ثلاثة ليس لهم عيادة: العين، والدُّمَّلُ، والضِّرْس"، فصحح البيهقيّ أنه موقوف على يحيى بن أبي كثير. [الثاني]: يؤخذ من إطلاق الحديث عدم تقييد العيادة بزمان يمضي، من ابتداء مرضه، وهو قول الجمهور، وجزم الغزاليّ في "الإحياء" بأنه لا يُعاد إلا بعد ثلاث، واستند إلى حديث أخرجه ابن ماجه، عن أنس ﵁، "كان رسول اللَّه ﷺ لا يعود إلا بعد ثلاث". وهذا حديث ضعيف جدًّا، تفرّد به مسلمة بن عليّ، وهو متروك، وقد سئل عنه أبو حاتم؟ فقال: هو حديث باطل، وله شاهد من حديث أبي هريرة، عند الطبرانيّ في "الأوسط"، لكن فيه راو متروك، فلا يثبت الحديث أصلاً. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 10648

ويلتحق بعادة المريض تعهّده، وتفقّد أحواله، والتلطّف به، وربما كان ذلك في العادة سببًا لوجود نشاطه، وانتعاش قوّته. وفي إطلاق الحديث أيضا أن العيادة لا تتقيّد بوقت دون وقت، لكن جرت العادة بها في طرفي النهار، وترجم البخاريّ ﵀، في "الأدب المفرد" "العيادة في الليل"، وساق عن خالد بن الربيع، قال: "لما ثقُل حذيفة أتوه في جوف الليل، أو عند الصبح، فقال: أيّ ساعة هذه؟ فأخبروه، فقال: أعوذ باللَّه من صباح إلى النار … ؟ " الحديث. ونقل الأثرم عن أحمد أنه قيل له بعد ارتفاع النهار في الصيف: تعود فلانًا؟ قال: ليس هذا وقت عيافى ة. ونقل ابن الصلاح عن الفُرَاويّ أن العيادة تستحبّ في الشتاء ليلاً، وفي الصيف نهارًا، وهو غريب. [الثالث]: من آداب العيادة أن لا يُطيل الجلوس حتى يُضجر المريض، أو يشقّ على أهله، فإن اقتضت ذلك ضرورة، فلا بأس، كما في حديث جابر ﵁ حيث عاده النبي ﷺ ، وأبو بكر ﵁، فوجداه أغمي عليه، فتوضأ النبي ﷺ ، ثم صبّ وَضُوءه عليه، فأفاق، فإذا النبي ﷺ عنده، فقاله: كيف أصنع في مالي؟ الحديث، أخرجه البخاريّ. أفاده في "الفتح" (١). [الرابع]: قد ورد في فضل عيادة المريض أحاديث كثيرة جياد، منها عند مسلم، والترمذيّ، من حديث ثوبان ﵁، مرفوعًا: "إن المسلم إذا عاد أخاه المسلم، لم يزل في خُرْفة الجنّة". و"الخرفة" بضم المعجمة، وسكون الراء بعدها فاء، ثم هاء: هي الثمرة، إذا نضِجَت، شُبّه ما يحوزه عائد المريض من الثواب بما يحوزه الذي يجتني الثمر. وقيل: المراد بها هنا الطريق، والمعنى أن العائد يمشي في طريق تؤديه إلى الجنّة، والتفسير الأول أولى، فقد أخرجه البخاري فى "الأدب المفرد" من هذا الوجه، وفيه فقلت لأبي قلابة: ما خرفة الجنّة؟ قال: جَنَاها، وهو عند مسلم من جملة المرفوع. وأخرج البخاريّ في "الأدب المفرد" أيضًا من طريق عمر بن الحكم، عن جابر، رفعه: "من عاد مريضًا خاض في الرحمة، حتى إذا قعد استقرّ فيها"، وأخرجه أحمد، والبزّار، وصححه ابن حبّان، والحاكم من هذا الوجه، وألفاظهم مختلفة، ولأحمد نحوه من حديث كعب بن مالك بسند حسن (٢). وسيأتي بيان اختلاف العلماء في حكم عيادة المريض في المسائل الآتية في الباب التالي، إن شاء اللَّه تعالى.

стр. 10649

(وَيَشْهَدُهُ إِذَا مَاتَ) إعرابه كسابقه، أي وحضور جنازة المسلم إذا مات، ليقوم بتجهيزه، والصلاة عليه، ودفنه. (وَيُجِيبُهُ إِذَا دَعَاهُ) وإعرابه كسابقيه، أي وإجابة دعوته إذ دعاه. وظاهره عموم وجوب الإجابةَ لكل دعوة، عُرْسًا كانت، أوغيرها، وبه كان يقول ابن عمر ﵄، وهو الحقّ، وسيأتي تمام البحث في ذلك في المسائل الآتية في الباب التالي، إن شاء اللَّه تعالى. (وَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِذَا لَقِيَهُ) أي وسلامه عليه إذا لقيه، وهو واجب على الكفاية، أما وجوبه، فلوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ الآية [النساء: ٨٦]، وأما كونه على الكفاية، فلحديث عليّ ﵁، رفعه: "يجزىء عن الجماعة إذا مرّوا أن يسلّم أحدهم، وبجزىء عن الجُلُوس أن يردّ أحدهم". أخرجه أبو داود، والبزّار، وفي سنده ضعف، لكن له شاهد من حديث الحسن بن عليّ ﵄ عند الطبرانيّ، وفي سنده مقال، وآخر مرسل في "الموطإ" عن زيد بن أسلم. قاله في "الفتح" (١). (وُيشَمِّتُهُ إِذَا عَطَسَ) التشميت بالسين المهملة، والشين المعجمة، لغتان مشهورتان، قال ابن منظور -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: والتسميت ذكر اللَّه على الشيء، وقيل: التسميتُ ذكر اللَّه على كلّ حال، والتسميت الدعاء للعاطس، وهو قولك له: يرحمك اللَّه. وقيل: معناه هداك اللَّه إلى السمت، وذلك لما في العاطس من الانزعاج، والْقَلَق، هذا قول الفارسيّ. وقد سمَّتَهُ: إذا عطس، فقال له يرحمك اللَّه، أُخِذَ من السمت إلى الطريق، والقصدِ، كأنه قصده بذلك الدعاء، أي جعلك اللَّه على سمت حسن. وقد يجعلون السين شينًا، كسمّر السفينةَ، وشمّرها: إذا أرساها. وقال النضر بن شُميل: التسميتُ الدعاء بالبركة، يقول: بارك اللَّه فيه. وقال أبو العباس: يقال: سَمَّتَ العاطسَ تسميتًا، وشمّته تشميتًا: إذا دعا له بالهديِ، وقصدِ السَّمْتِ المستقيمِ، والأصل فيه السين، فقُلبت شينًا. انتهى (٢). وقال صاحب "المحكم": التسميت: الدعاء للعاطس، وقال الهرويّ في باب الشين المعجمة: قال أبو عبيد: يقال: سمّت العاطسَ، وشمّته بالسين، والشين: إذا دعا له بالخير، والسين أعلى اللغتين. وقال أبو بكر: يقال: سمَّتُّ فلانا، وسَمَّتُّ عليه: إذا دعوت له، وكلّ داع بالخير، فهو مسمّتٌ، ومشمّتٌ. وقال أحمد بن يحيى: الأصل

стр. 10650

فيها السين، من السمت، وهو القصد، والهدي، قال ثعلب: ومعناه بالمعجمة: أبعد اللَّه عنك الشماتة انتهى (١). وقال في "الفتح": ما نصّه: قال الخليل، وأبو عبيد، وغيرهما: يقال بالمعجمة، وبالمهملة، وقال ابن الأنباريّ: كلّ داع بالخير مشمّت بالمعجمة، وبالمهملة، والعرب تجعل الشين والسين في اللفظ الواحد بمعنى، انتهى. وهذا ليس مطّرادًا، بل هو في مواضع معدودة، وقد جمعها شيخنا شمس الدين الشيرازيّ صاحب "القاموس" في جزء لطيف، قال أبو عبيد: التشميت بالمعجمة أعلى وأكثر، وقال عياض: هو كذلك للأكثر من أهل العربية، وفي الرواية. وقال ثعلب: الاختيار بالمهملة، لأنه مأخوذ من السمت، وهو القصد، والطريق القويم، وأشار ابن دقيق العيد في "شرح الإلمام" إلى ترجيحه. وقال القزّاز: التشميت التبريك، والعرب تقول: شَمَّتَهُ: إذا دعا له بالبركة، وشَمَّتَ عليه: إذا برّك عليه. وفي الحديث في قصّة تزويج علي بفاطمة ﵄: "شَمَّتَ عليهما": إذا دعا لهما بالبركة. ونقل ابن التين عن أبي عبد الملك، قال: التسميت بالمهملة أفصح، وهو من سُمَّتِ الإبلُ في المرعى إذا جُمِعَت، فمعناه على هذا جمع اللَّه شملك، وتعقّبه بأن سمت الإبل إنما هو بالمعجمة، وكذا نقله غير واحد أنه بالمعجمة، فيكون معنى سَمَّتَه دعا له بأن يُجمَع شمله. وقيل: هو بالمعجمة من الشماتة، وهو فرح الشخص بما يسوء عدوّه، فكأنه دعا له أن يكون في حال من يُشْمَتُ به، أو أنه إذا حمد اللَّه أدخل على الشيطان ما يسوؤه، فشَمَّت هو بالشيطان. وقيل: هو من الشوامت، جمع شامتة، وهي القائمة، يقال: لا ترك اللَّه له شامتة، أي قائمة. وقال ابن العربي في "شرح الترمذيّ": تكلّم أهل اللغة على اشتقاق اللفظين، ولم يُبَيّنوا المعنى فيه، وهو بديع، وذلك أن العاطس يَنْحَلّ كلّ عضو في رأسه، وما يتّصل به من العنق، ونحوه، فكأنه إذا قيل: رحمك اللَّه، كان معناه أعطاه اللَّه رحمة يرجع بها بذلك (٢) إلى حاله قبل العطاس، ويقيم على حاله من غير تغيير، فإن كان التسميت بالمهملة، فمعناه رجع كلّ عضو إلى سَمْته الذي كان عليه، وإن كان بالمعجمة، فمعناه صان اللَّه شوامته، أي قوائمه التي بها قوام بدنه عن خروجها عن الاعتدال، قال: وشوامت كلّ شيء قوامه، فقوام الدابّة بسلامة قوامها التي يُنتَفع بها إذا سلمت، وقوائم الآدميّ بسلامة قوائمه التي بها قوامه، وهي رأسه، وما

стр. 10651

يتّصل به من عنق وصدر انتهى ملخّصًا (١). [تنبيه]: من آداب العاطس أن يَخفِض صوته بالعُطاس، ويرفع بالحمد، وأن يُغطّي وجهه، لئلا يبدو من فيه، أو أنفه ما يتأذّى به جليسه، ولا يَلْوِي عنقه يمينا، ولا شمالًا، لئلا يتضرّر بذلك. قال ابن العربيّ ﵀: الحكمة في خفض الصوت بالعطاس أن في رفعه إزعاجًا للأعضاء، وفي تغطية الوجه أنه لو بدر منه شيء آذى جليسه، ولو لوى عنقه صيانة لجليسه لم يَأْمَن من الالتواء، وقد شاهدنا مَن وقع له ذلك. وقد أخرج أبو داود، والترمذيّ بسند جيّد عن أبي هريرة ﵁، قال: "كان النبي ﷺ إذا عطس وضع يده على فيه، وخفض صوته". وله شاهد من حديث ابن عمر بنحوه عند الطبرانيّ. قال ابن دقيق العيد ﵀: ومن وفوائد التشميت تحصيل المودّة، والتأليف بين المسلمين، وتأديب العاطس بكسر النفس عن الكبر، والحملِ على التواضع، لما في ذكر الرحمة من الإشعار بالذنب الذي لا يَعْرَى عنه أكثر المكلّفين، انتهى (٢). (وَيَنْصَحُ لَهُ) أي يريد له الخير، أو يُصَفِّي له الودّ، قال المازريّ: النصيحة مشتقة من نَصَحتُ العسل: إذا صفّيته، يقال: نصح الشيءُ: إذا خلُص، ونصح له القولَ: إذا أخلصه له، أو مشتقّة من النصح، وهي الخياطة بالْمِنْصَحة، وهي الإبرة، والمعنى أنه يَلُمّ شعث أخيه بالنصح، كما تلُمّ الْمِنصَحَة، ومنه التوبة النصوح، كأن الذنب يُمَزّق الدين، والتوبة تخيطه. وقال الخطابيّ: النصحية كلمة جامعة معناها حِيَازة الحظّ للمنصوح له، وهي من وجيز الكلام، بل ليس في الكلام كلمة مفردة تُسْتَوفَى بها العبارةُ عن معنى هذه الكلمة انتهى (٣). (إِذَا غَابَ، أَوْ شَهِدَ") أي في جميع أحواله، إذ الأحوال لا تخلو عن غَيبَة وحضور، والمقصود أنه لا يقصِّر النصح على الحضور فقط، كحال كثير من الناس، يُراعون النصيحة في الحضور، ويهملونها في الغيبة، بل الواجب أن ينصح في كلّ الأحوال، في الحضور والغيبة، والسرّ والعَلَن، لأن الدين النصحية، فقد أخرج مسلم ﵀ تعالى في "صحيحه" عن تميم الداريّ ﵁، عن النبي ﷺ ، أنه قال: "الدين النصيحة"، قلنا: لمن؟ قال: "للَّه، ولرسوله، ولكتابه، ولأئمة المسلمين، وعامتهم".

стр. 10652

واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ٥٢/ ١٩٣٨ - وفي "الكبرى" -٥٢/ ٢٠٦٥ - وأخرجه (خ) ١٢٤٠ (م) ٢١٦٢ (د) ٥٠٣٠ (ت) ٢٧٣٧ (ق) ١٤٣٥ (أحمد) ٢٧٥١١ و ١٠٥٨٣. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: (منها): وجوب التناصر، والتعاون بين المؤمنين، لأنهم كالبنيان، كما شبههم بذلك النبي ﷺ ، حيث قال: "المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشدّ بعضه بعضًا، وشبّك بين أصابعه"، متفق عليه. وكالجسد الواحد، كما شبههم به أيضًا، حيث قال ﷺ ،: "مثل المؤمنين في توادّهم، وتراحمهم، وتعاطفهم، مثلُ الجسد، إذا اشتكى عضوٌ منه تداعى له سائر الجسد بالسَّهَرِ والحمّى". متفق عليه أيضًا، واللفظ لمسلم. (ومنها): وجوب عيادة المريض (ومنها): شهوده إذا مات، لتجهيزه، والصلاة عليه ودفنه، وهو على الكفاية (ومنها): إجابة دعوته، ويأتي بيان مذاهب العلماء في حكمه في المسائل الآتية في الباب التالي. (ومنها): إلقاء السلام عليه إذا لقيه، وهو على الكفاية، كما تقدّم (ومنها): تشميته إذا عطس، وحمد اللَّه تعالى، وسيأتي تمام الكلام عليه في الباب التالي، إن شاء اللَّه تعالى (ومنها): النصيحة له في جميع أحواله، في الغيب والشهادة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٥٣ - الأمْرُ بِاتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ ١٩٣٩ - (أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ مَنْصُورٍ الْبَلْخِيُّ (١) , قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ ح وَأَنْبَأَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ, فِي حَدِيثِهِ, عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ, عَنْ أَشْعَثَ, عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ سُوَيْدٍ, قَالَ

стр. 10653

هَنَّادٌ: قَالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ, وَقَالَ سُلَيْمَانُ: عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ, قَالَ: "أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَبْعٍ, وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ, أَمَرَنَا بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ, وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ, وَإِبْرَارِ الْقَسَمِ, وَنُصْرَةِ الْمَظْلُومِ, وَإِفْشَاءِ السَّلَامِ, وَإِجَابَةِ الدَّاعِي, وَاتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ, وَنَهَانَا عَنْ خَوَاتِيمِ الذَّهَبِ, وَعَنْ آنِيَةِ الْفِضَّةِ, وَعَنِ الْمَيَاثِرِ, وَالْقَسِّيَّةِ, وَالإِسْتَبْرَقِ, وَالْحَرِيرِ, وَالدِّيبَاجِ". رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (سليمان بن منصور الَبَلْخِيُّ) البزّاز الْجَرْميّ، الملقّب زَرْغَنْدَه، ثقة، لا بأس به [١٠] ٦٠/ ٧٥. ٢ - (هنّاد بن السَّريّ) بن مصعب التميميّ، أبو السريّ الكوفيّ، ثقة [١٠] ٢٣/ ٢٥. ٣ - (أبو الأحوص) سلاّم بن سُلَيم الحنفي مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبت [٧] ٧٩/ ٩٦. ٤ - (أشعث) بن أبي الشّعثاء المحاربيّ الكوفيّ، ثقة [٦] ٩٠/ ١١٢. ٥ - (معاوية بن سُويد) بن مُقَرِّن المُزَنيّ، أبو سُويد الكوفيّ، ابن أخي النعمان بن مقّرِّن، ثقة [٣] لم يصب من زعم أن له صحبة. قال العجلي: كوفيّ تابعيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وذكره أبو أحمد العسكريّ في "الصحابة"، وقال: ليسوا يصححون سماعه، وقد روى مرسلًا. روى له الجماعة، له عندهم حديثان، (أحدهما): حديث الباب، (والثاني): في عتق الجارية التي لَطَمَها أحد مواليها. [تنبيه]: وقع في بعض نسخ "المجتبى" "معاوية بن سَعْد"، وهو تصحيف فاحش، فتنبّه. ٦ - (البراء بن عازب) ﵁ ٨٦/ ١٠٥. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، إلا شيخه الأول، فمن أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالكويين، إلا شيخه الأول، فبَلْخيّ. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: "أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَبْعٍ) أي سبع خصال (وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ) قال العلامة ابن دقيق العيد -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: إخبار الصحابيّ عن الأمر والنهي على ثلاث مراتب: الأولى: أن يأتي بالصيغة، كقوله: افعلوا، أو لا تفعلوا. الثانية: قوله: أمرنا رسول اللَّه ﷺ بكذا، ونهانا عن كذا، وهو كالمرتبة الأولى في العمل به، أمرًا ونهيًا، وإنما نزل عنها لاحتمال أن يكون ظنّ ما ليس بأمرٍ أمرًا، إلا أن

стр. 10654

هذا الاحتمال مرجوح، للعلم بعدالته، ومعرفته بمدلولات الألفاظ لغة. الثالثة: قوله: أُمرنا، ونُهينا على البناء للمجهول، وهي كالثانية، وإنما نزلت عنها، لاحتمال أن يكون الآمر غير النبي ﷺ انتهى (١). (أَمَرَنَا) بدل تفصيل من قوله: "أمرنا رسول اللَّه ﷺ ، بدلُ فعل من فعل، كما قال في "الخلاصة": وَيُبْدَلُ الْفِعْلُ مِنَ الْفِعْلِ كَمَنْ … بَصِلْ إِلَيْنَا يَسْتَعِنْ بِنَا يُعَنْ (بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ) متعلّق بـ "أمرنا"، وهو بكسر العين المهملة، وتخفيف التحتانيّة مصدر عاده، يقال: عُدتُ المريضَ عِيَادةً: زُرتُهُ، فالرجل عائد، وجمعه عُوّاد، والمرأة عائدةٌ، وجمعها عُوَّد بغير ألف، قال الأزهريّ: هكذا كلام العرب. قاله في "المصباح". وقد أشار ابن مالك ﵀ إلى أن فُعّالاً بالألف للمذكّر فقط، دون الفُعَّل بلا ألف، فإنه للمذكر والمؤنث، حيث قال في "خلاصته": وَفُعَّلٌ لِفَاعِلٍ وَفَاعِلَهْ … وَصْفَيْنِ نَحْوُ عَاذِلٍ وَعَاذِلَهْ وِمِثْلُهُ الْفُعَّالُ فِيمَا ذُكَّرَا … وَذَانِ فِي الْمُعَلِّ لَامّا نَدَرَا (وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ) تقدّم في الباب الماضي ضبطه بالمعجمة، والمهملة، واختلاف العلماء في تفسيره (وَإِبْرَارِ الْقَسَمِ) بكسر الهمزة، مصدر أبَرّه، و"القسم" بفتحتين: اليمين، ومعنى "إبرار القسم": فعل ما أراده الحالف ليصير بذلك بارّا، ووقع في "الكبرى"، بلفظ: "وإبرار المقسم"، وظاهر كلام السنديّ أنه يوجد بهذا الضبط أيضًا في بعض نسخ "المجتبى". وقال الإمام ابن دقيق العيد -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: قوده: "إبرار القَسَم، أو المقسم": فيه وجهان: "أحدهما": أن يكون "المقسم" مضموم الميم، مكسور السين، ويكون في الكلام حذف مضاف، تقديره يمين المقسم. "والثاني": بفتح الميم (٢) والسين، على أن يكون بمعنى القسم، وإبراره هو الوفاء بمقتضاه، وعدم التحنيث فيه، فإن كان ذلك على سبيل اليمين، كما إذا قال: واللَّه لتفعلنّ كذا، فهو آكد مما إذا كان على سبيل التحليف، كقوله: باللَّه افعل كذا، لأن في الأول إيجاب الكفارة (٣) على الحالف، وفيه تغريم للمال، وذلك إضرار به انتهى (٤). ووقع في بعض روايات

стр. 10655

"صحيح البخاري" باللفظ الثاني. قال الحافظ عند قوله: "وإبرار المقسم": واختُلف في ضبط السين، فالمشهور أنها بالكسر، وضمّ أوله على أنه اسم فاعل، وقيل: بفتحها، أي الإقسام، والمصدر قد يأتي للمفعول، مثل أدخلته مُدْخَلًا بمعنى الإدخال، وكذا أخرجته. انتهى. (١) [تنبيه]: إبرار القسم إنما يلزم فيما إذا كان جائزا، ولا يمنع منه مانع، وإلا فلا يلزم، لأن النبي ﷺ لما أقسم أبو بكر عليه لَيُخبرنه بما أصاب في تعبير الرؤيا، وما أخطأ، قال له: "لا تُقسم"، ولم يبرّ ﷺ قسمه، لحكمة لا نعلمها، قاله الصنعانيّ. ومعنى قوله: "لا تقسم": أي لا تكرر القسم، وإلا فإنه قد أقسم، حيث قال: "أقسمت عليك يا رسول اللَّه لتخبرنّي بالذي أصبت من الذي أخطات … ". قاله الكرمانيّ. والحديث أخرجه البخاريّ. وسيأتي تمام البحث في إبرار القسم في "كتاب الأيمان"، في باب "إبرار المقسم" -١٣/ ٣٧٧٨ - إن شاء اللَّه تعالى. (وَنُصْرَةِ الْمَظْلُوم) أي إعانته، وهو فرض كفاية، وهو عامّ في المظلومين، وكذلك في الناصرين، بناءً على أن فرض الكفاية مخاطب به الجميع، وهو الراجح، ويتعيّن أحيانا على من له القدرة عليه وحده، إذا لم يترتّب على إنكاره مفسدة، أشدّ من مفسدة المنكر، فلو علم، أو غلب على ظنه أنه لا يُفيد سقط الوجوب، وبقي أصل الاستحباب بالشرط المذكور، فلو تساوت المفسدتان تخيّر. وشَرْطُ الناصرِ أن يكون عالمًا بكون الفعل ظلمًا، ويقع النصر مع وقوع الظلم، وهو حينئذ حقيقة، وقد يقع قبل وقوعه، كمن أنقذ إنسانًا، من يد إنسان طالبه بمال ظلما، وهدّده إن لم يبذله، وقد يقع بَعْدُ، وهو كثير. قاله في "الفتح" (٢). وقد جاء الأمر بنصر الأخ ظالما، أو مظلومًا، وذلك فيما أخرجه البخاريّ في "صحيحه" عن حميد، عن أنس ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "انصر أخاك ظالمًا، أو مظلومًا، قالوا: يا رسول اللَّه، هذا ننصره مظلومًا، فكيف ننصره ظالمًا؟ قال: "تأخذ فوق يديه". وللإسماعيليّ من رواية معاذ، عن حميد: "فقال: "يَكُفّه عن الظلم، فذاك نصره إياه"، ولمسلم من حديث جابر ﵁ نحوه، وفيه: "إن كان ظالمًا، فليَنْهَه، فإنه له نصرةٌ". (وَإِفْشَاءِ السَّلَامِ) وفي رواية للبخاريّ في "الجنائز" من طريق شعبة، عن الأشعث بلفظ: "ورَدِّ السلام"، ولا مغايرة بين الروايتين في المعنى، لأن ابتداء السلام وردَّه

стр. 10656

متلازمان، وإفشاء السلام ابتداءً يستلزم إفشاءَهُ جوابًا. أفاده في "الفتح" (١). والمراد من إفشاء السلام نشره بين الناس ليُحْيُوا سنته، وقد جاء إفشاء السلام من حديث البراء ﵁ بلفظ آخر، أخرجه البخاري في "الأدب المفرد"، وصححه ابن حبّان، من طريق عبد الرحمن بن عَوْسَجة، عنه رفعه: "أفشوا السلام تسلموا"، وله شاهد من حديث أبي هريرة ﵁، مرفوعًا: "ألا أدلّكم على ما تحَابّون به؟ أفشوا السلام بينكم". وعن عبد اللَّه بن سَلَام ﵁ رفعه: "أطعموا العام، وأفشوا السلام … " الحديث، وفيه: "تدخلوا الجنّة بسلام". أخرجه البخاريّ في "الأدب المفرد"، وصححه الترمذيّ، والحاكم، وللأودين، وصححه ابن حبّان، من حديث عبد اللَّه بن عمرو ﵁، رفعه: "اعبدوا الرحمن، وأفشوا السلام … " الحديث، وفيه: "تدخلوا الجنّة". ومن الأحاديث في إفشاء السلام ما أخرجه النسائيّ في "عمل اليوم والليلة" (٢)، عن أبي هريرة ﵁، رفعه: "إذا جاء أحدكم إلى القوم، فليُسلّم، وإذا قام فليسلّم، فليست الأولى بأحقّ من الآخرة". وأخرج ابن أبي شيبة، من طريق مجاهد، عن ابن عمر ﵄، قال: "إن كنت لأخرج إلى السوق، وما لي حاجة إلا أن أسلّم، ويُسلَّم عليّ". والأحاديث في إفشاء السلام كثيرة، منها عند البزّار، من حديث ابن الزبير، وعند أحمد من حديث عبد اللَّه بن الزبير، وعند الطبرانيّ من حديث ابن مسعود، وأبي موسى، وغيرهم. وأخرج البخاريّ ﵀ في "الأدب المفرد" بسند صحيح، عن ابن عمر ﵄: "إذا سلمتَ، فأسمع، فإنها تحيّة من عند اللَّه". واستدلّ بالأمر بإفشاء السلام أنه لا يكفي السلام سرّا، بل يُشترط الجهر، وأقلّه أن يُسمَع في الابتداء، وفي الجواب. قال النووي ﵀: وأقلّه أن يرفع صوته بحيث يُسمِع المسلَّمَ عليه، فإن لم يُسمعه لم يكن آتيًا بالسنة، ويستحبّ أن يرفع صوته بقدر ما يتحقّق أنه سمعه، فإن شكّ استظهر، ويُستثنى من رفع الصوت بالسلام ما إذا دخل على مكان، فيه أيقاظ، ونيام، فالستة فيه ما ثبت في "صحيح مسلم" عن المقداد ﵁، قال: "كان النبي ﷺ يجيء من الليل، فيسلّم تسليمًا، لا يُوقظ نائمًا، وُيسمِع اليقظان".

стр. 10657

ولا تكفي الإشارة باليد ونحوه، وقد أخرج النسائيّ في "عمل اليوم والليلة" بسند جيّد، عن جابر ﵁، رفعه: "لا تسلّموا تسليم اليهود، فإن تسليمهم بالرؤوس والأكفّ" (١). ويُستثنى من ذلك حالة الصلاة، فقد وردت أحاديث جيّدة أنه ﷺ ردّ السلام، وهو يصلي إشارةً، منهاة حديث أبي سعيد ﵁: "أن رجلاً سلّم على النبي ﷺ ، وهو يُصلي، فردّ عليه إشارةً". ومن حديث ابن مسعود نحوه. وكذا من كان بعيدًا، بحيث لا يسمع التسليم يجوز السلام عليه إشارةً، ويتلفّظ مع ذلك بالسلام. وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء، قال: يكره السلام باليد، ولا يكره بالرأس. ونقل النوويّ، عن المتولي أنه قال: يُكره إذا لقي جماعة أن يخصّ بعضهم بالسلام، لأن القصد بمشروعيّة السلام تحصيل الألفة، وفي التخصيص إيحاشٌ لغير من خصّ بالسلام انتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى: ويدلّ لما قاله المتودي ما أخرجه البخاريّ في "الأدب المفرد" بسند صحيح عن ابن مسعود ﵁ أنه مرّ رجل، فقال: السلام عليك يا أبا عبدالرحمن، فردّ عليه، ثم قال: "إنه سيأتي على الناس زمان يكون السلام فيه للمعرفة"، وأخرجه الطحاويّ، والطبرانيّ، والبيهقيّ في "الشعب" من وجه آخر عن ابن مسعود مرفوعًا، ولفظه: "إن من أشراط الساعة أن يمرّ الرجل بالمسجد، لا يُصلي فيه، وأن لا يُسلّم إلا على من يعرفه"، ولفظ الطحاويّ: "إن من أشراط الساعة السلام للمعرفة". (٢) وسيأتي تمام البحث عنه في المسائل، إن شاء اللَّه تعالى. (وَإِجَابَةِ الدَّاعِي) تقدّم شرحه فى الباب الماضي، ويأتي تمام البحث عنه في المسائل، إن شاء اللَّه تعالى (وَاتَّبَاعِ الْجَنَائِزِ) هذا محلّ الترجمة، حيث إن فيه الأمر باتباع الجنائز. قال ابن دقيق العيد ﵀: "اتباع الجنائز" يحتمل أن يراد به اتباعها للصلاة، فإن عبّر به عن الصلاة، فذلك فرض من فروض الكفاية عند الجمهور، ويكون التعبير بالاتباع عن الصلاة من باب مجاز الملازمة في الغالب، لأنه ليس من الغالب أن يصلى على الميت، ويدفن في محلّ موته. ويحتمل أن يراد بالاتباع الرواح إلى محلّ الدفن

стр. 10658

لمواراته، والمواراة أيضًا من فروض الكفايات، لا تسقط إلا بمن تتأدى به انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الاحتمال الثاني هو الأقرب، لأنه حقيقة، فالحمل عليه أولى، كما أشار إلى ذلك الصنعاني ﵀ في "حاشيته" (وَنَهَانَا عَنْ خَوَاتِيمِ الذَّهَبِ) أي عن لبسها، وهي جمع خاتم، ويجمع أيضًا على خواتم بلا ياء، وعلى خياتيم بياء بدل الواو، وبلا ياء أيضًا، وفي الخاتم ثماني لغات: فتح التاء، وكسرها، وهما واضحتان، وبتقديمها على الألف، مع كسر الخاء، خِتَام، وبفتحها، وسكون التحتانيّة، وضمّ المثنّاة، بعدها واو، وبحذف الياء والواو، مع سكون المثنّاة، خَتْم، وبألف بعد الخاء، وأخرى بعد التاء، خاتام، وبزيادة تحتانيّة بعد المثناة المكسورة، خاتِيَام، وبحذف الأولى، وتقديم التحتانية، خَيْتَام، وقد جمعها الحافظ (٢) ﵀ بقوله [من البسيط]: خُذْ نَظْمَ عَدِّ لُغَاتِ الْخَاتَمِ انْتَظَمَتْ … ثَمَانِيًا مَا حَوَاهَا قَبْلُ نِظَامُ خَاتَامُ خَاتَمُ خَتْمْ خَاتِمْ وَخِتَا … مْ خَاتِيَامٌ وَخَيْتُومٌ وَخَيْتَامُ وَهَمْزُ مَقتُوحِ تَاءِ تَاسِعٌ وَإِذَا … سَاغَ الْقِيَاسُ أَتَمَّ الْعَشْرَ خَأتامُ قال في "الفتح": أما الأول، فذكر أبو البقاء في إعراب الشواذّ في الكلام على من قرأ "العألمين" بالهمز، قال: ومثله الْخَأتَم، وأما الثاني فهو على الاحتمال، واقتصر كثيرون منهم النوويّ على أربعة (٣)، والحقّ أن الختم، والختام مختصّ بما يُختم به، فتكمل الثمان به، وأما ما يُتزيّن به فليس فيه إلا ستّة، وأنشدوا في "الخاتيام"، وهو أغربها: أَخَذتَ مِنْ سُعْدَاكَ خَاتِيَامَا … لِمَوْعِدٍ تَكْتَسِبُ الآثَامَا ثم إن النهي عن لبسه للتحريم، وهو خاصّ بالرجال. (وَعَنْ آنِيَةِ الْفِضَّةِ) أي ونهانا عن استعمال آنية الفضة. والنهي فيه للتحريم، وهو عامّ في الرجال والنساء، فيحرم استعمال آنية الفضّة، ومثله الذهب في الأكل، والشرب، ونحوهما على كلّ مكلف، رجلا كان أو امرأة، ولا يلتحق ذلك بالحليّ للنساء، لأنه ليس من التزيّن الذي أُبيح لهنّ في شيء.

стр. 10659

(وَعَنِ الْمَيَاثِرِ) وفي رواية للبخاريّ، من طريق الثوريّ، عن أشعث: "والمياثير الحُمْرِ". و"المياثير": جمع مِيثرة، قال ابن الأثير: المِيثرة بالكسر، مِفْعلَةٌ، من الْوَثَارَة، يقال: وَثُرَ وَثَارَةَ، فهو وَثِيرٌ: أي وَطِىءٌ لَيِّنٌ، وأصلها مِوْثَرَةٌ، فقُلِبت الواو ياءً، لكسرة الميم، وهي من مراكب العجم، تُعمل من حرير، أو ديباجٍ انتهى (١). وقال في "الفتح": "الميثرة": بكسر الميم، وسكون التحتانيّة، وفتح المثلة، بعدها راء، ثم هاء، ولا همز فيها أصلًا، وأصلها من الوَثَارة، أو الوِثْرَة بكسر الواو، وسكون المثلّثة، والوَثِيرُ هو الفراش الوطئ وامرأة وَثيرة، كثيرة اللحم انتهى. وفي "صحيح البخاريّ " أن أبا بردة سأل عليّا عن عن الميثرة؟ فقال: كانت النساء تصنعنه لبعولتهنّ، مثل القَطَائف (٢)، يَصُفُّونها انتهى. قال في "الفتح": "يصفّونها" أي يجعلونها كالصُّفَّة، وحَكَى عياض في رواية "يصَفِّرْنَها" بكسر الفاء، ثم راء، وأظنّه تصحيفا، وإنما قال: "يصفّونها" بلفظ المذكّر للإشارة إلى أن النساء يصنعن ذلك، والرجال هو الذين يستعملونها في ذلك. وقال الزبيديّ اللغويّ: و"الميثرة" مِرْفَقَة، كصُفَّةِ السرج. وقال الطبريّ: هو وِطَاء يوضع على سرج الفرس، أو رَحْل البعير، كانت النساء تصنعنه لأزواجهنّ، من الأرجوان الأحمر (٣)، ومن الديباج، وكانت مراكبَ العجم. وقيل: هي أغشية للسروج من الحرير. وقيل: هي سروج من الديباج. فحصّلنا على أربعة أقوال في تفسير "الميثرة"، هل هي وطاء للدائة، أو لراكبها، أو هي السرج نفسه، أو غشاوته (٤). وقال في "الفتح" أيضًا عند شرح قوله: "والمياثير الْحُمْر": ما نصّه: قال أبو عُبيد: المياثر الحمر التي جاء النهي عنها، كانت من مراكب العجم، من ديباج، أو حرير. وقال الطبريّ: هي وعاء يوضع على سرج الفرس، أو رحل البعير، من الأُرْجُوَان. وحكى في "المشارق" قولًا: إنها سروج من ديباج، وقولًا: إنها أغشية للسروج من

стр. 10660

حرير، وقولا: إنها تُشبه المِخَدَّة، تُحشَى بقطن، أو ريش، يَجعلها الراكب تحته، وهذا يوافق تفسير الطبريّ، والأقوال الثلاثة يحتمل أن لا تكون متخالفةً، بل الميثرة تطلق على كلّ منها، وتفسير أبي عبيد يحتمل الثاني، والثالث. وعلى كلّ تقدير، فالميثرة، إن كانت من حرير، فالنهي فيها كالنهي عن الجلوس على الحرير، ولكن تقييدها بالأحمر أخصّ من مطلق الحرير، فيمتنع إن كانت حريرًا، ويتأكد المنع إن كانت مع ذلك حمراء، وإن كانت من غير حرير، فالنهي فيها للزجر عن التشبّه بالأعاجم. قال ابن بطّال: كلام الطبريّ يقتضي التسوية في المنع من الركوب عليه، سواء كانت من حرير، أم من غيره، فكان النهي عنها إذا لم يكن من حرير للتشبّه، أو للسرف، أو التزيّن، وبحسب ذلك تفصيل الكراهة بين التحريم والتنزيه، وأما تقييدها بالحمرة، فمن يَحمل المطلق على المقيّد وهم الأكثرون يخصّ المنع بما كان أحمر انتهى (١). وقال الحافظ ولي الدين ﵀: قال النوويّ: قال العلماء: الميثرة، وإن كانت من الحرير، كما هو الغالب فيما كان من عادتهم، فهي حرام، لأنه جلوس على حرير، واستعمال له، وهو حرام على الرجال، سواء كان على رحل، أو سرج، أو غيرهما، وإن كانت ميثرة من غير حرير، فليست بحرام، ومذهبنا أنها ليست مكروهة أيضًا، فإن الثوب الأحمر، لا كراهة فيه، فسواء كانت حمراء، أم لا، وقد ثبتت الأحاديث الصحيحة أن النبي ﷺ لبس حُلَّة حمراء. وحكى القاضي عياض، عن بعض العلماء كراهتها، لئلا يظنها الرائي من بُعُد حريرًا انتهى. وقال ابن قدامة: قال أصحابنا: يكره لبس الأحمر، وهو مذهب ابن عمر، والصحيح أنه لا بأس به، وأحاديث الإباحة أصحّ. وقال أبو العباس القرطبيّ: وأما من كانت عنده الميثرة من جلود السباع، فوجه النهي عنها أنها لا تَعْمَل الذّكاة فيها، وهو أحد القولين عند أصحابنا، أو لأنها لا تُذكَّى غالبًا. قال ولي الدين: لكنها تطهر بالدباغ، إلا أن العلماء اختلفوا في طهارة الشعر تبعًا للجلد، إذا دُبغ، والمشهور عند الشافعية عدم طهارته، وقالت الحنفية بطهارته، والأغلب في المياثير أنها لا شعر عليها، واللَّه أعلم. وقد يقال: إن المعنى في النهي عن المياثير ما فيه من الترفّه، وقد يتعذّر في بعض الأوقات، فيشقّ تركها على من اعتادها، فيكون حينئذ إرشادًا، نُهي عنه لمصلحة

стр. 10661

دنيوية، وقد يكون لمصلحة دينيّة، وهي ترك التشبّه بعظماء الفرس، لأنه كان شعارهم ذلك الوقت، فلما لم يصر شعارًا لهم، وزال ذلك المعنى زالت الكراهة، واللَّه تعالى أعلم. قال: وقد عرفت أن الميثرة قُيّدت تارة بكونها حمراء، وأطلقت تارة، فمن يحمل المطلق على المقيّد يخصّ النهي بالحمراء، ومن يأخذ بالمطلق، وهم الحنفيّة، والظاهريّة، فمقتضى مذهبهم طرد النهي عنها، وإن لم تكن حمراء. ووقع في حديث علي ﵁ عند أبي داود: "ونُهي عن مَيَاثير الأُرْجُوان". فإن فُسّر الأرجوان بمطلق الأحمر ساوى الرواية التي فيها المياثر الحمر، وإن فسّرناه بالمصبوغ بصبغ مخصوص، فمقتضاه اختصاصه بالمصبوغ بذلك الصبغ المخصوص خاصّة، وأنه لا يتعدّى لما سواه إلا أن تكون تعديته بطريق القياس، واللَّه أعلم. انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: التعليلات التي ذكروها في سبب النهي عن المياثر، من كونها حريرًا، أو غير ذلك، لم تُذكر في الحديث، فالظاهر أن النهي عام في جميع أنواع المياثر، سواء كانت من حرير، أو من غيره، وسواء كانت حمراء، أو غيرها، كما تقدّم عن الطبريّ، وأن النهي للتحريم في الجميع، إذ النصّ لم يفرّق بين نوع ونوع، واللَّه تعالى أعلم. (وَالقَسِّيَّةِ) أي نهى عن لبس الثياب القَسّيّة، وهي بفتح القاف، وتشديد المهملة، بعدها ياء النسبة. وقد ذكر البخاريّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "صحيحه" تفسيرها فيما علّقه عن عاصم يعني ابن كُليب عن أبي بُردة، قال: قلت لعلي: ما القسّيّة؟ قال: ثيابٌ أتتنا من الشام -أو من مصر- مُضَلَّعَةٌ (٢) فيها حرير، وفيها أمثال الأُتْرُتْجِ (٣) انتهى. وقال في "الفتح": وذكر أبو عبيد في "غريب الحديث" أن أهل الحديث يقولونه بكسر القاف، وأهل مصر يفتحونها، وهي نسبة إلى بلدة، يقال لها: القَسّ، رأيتها، ولم يعرفها الأصمعيّ، وكذا قال الأكثر: هي نسبة للقَسّ بمصر، منهم الطبريّ، وابن سِيدَهْ، وقال الحازميّ: هي من بلاد الساحل، وقال المهلّب: هي على ساحل مصر، وهي حصن بالقرب من الْفَرَمَا، من جهة الشام، وكذا وقع في حديث ابن وهب أنها تلي الفرَمَا -والْفَرَمَا بالفاء، وراء مفتوحة- وقال النوويّ: هي بقرب تِنِّيس، وهو متقاربٌ. وحكى أبو عبيد الهرويّ عن شَمِر اللغويّ أنها بالزاي، لا بالسين، نسبة إلى الْقَزّ، وهو

стр. 10662

الحرير، فأبدلت الزاي سينًا. وحكى ابن الأثير في "النهاية" أن القَسّ الذي نسب إليه هو الصقيع، سمي بذلك لبياضه، وهو، والذي قبله كلام من لم يعرف القَسّ القرية انتهى (١). وقيل: هي ثياب من كَتّان مخلوط بحرير، وقيل: هي ثياب من القّزّ، وأصله الْقَزّيّ، بالزاي، منسوب إلى القَزّ، وهو رديء الحرير، فأبدلت الزاي سينًا، ذكره في "الطرح" (٢). (وَالْإِسْتَبْرَقِ) بكسر الهمزة، هي -كما في "المصباح" غَليظ الديباج، فارسيّ مُعَرَّب. وقال ابن الأثير ﵀: قد تكرر ذكر الإستبرق في الحديث، وهو ما غَلُظ من الحرير، والإِبْرَيْسَمِ، وهي لفظة أعجميّة، معرَّبَةٌ، أصلها اسْتَبْرَه، وقد ذكرها الجوهريّ في الباء من القاف، على أن الهمزة، والسين، والتاء زوائد، وأعاد ذكرها في السين من الراء، وذكرها الأزهريّ في خُماسيّ القاف، على أن همزتها وحدها زائدة، وقال: أصلها بالفارسية اسْتَفرَه، وقال أيضًا: إنها، وأمثالها من الألفاظ حروفٌ عربيّة، وقع فيها وفاق بين العجمية والعربية، وقال ة هذا عندي هو الصواب انتهى (٣). (وَالْحَرِيرِ) بفتح الحاء المهملة، معروف، وهو عربيّ، سمي بذلك لخلوصه، يقال لكك خالص مُحرَّر، وحرّرتُ الشيءَ خلّصته من الاختلاط بغيره. وقيل: هو فارسيّ معرَّبٌ (٤). (وَالدِّيبَاجِ") بكسر الدال المهملة، وقد تفتح، وبعضهم قال: الكسر أصوب من الفتح: هي الثياب المتّخذة من الإبرَيسَم، فارسيّ معرّب. أفاده في "اللسان"، وقال في "المصباح": الدِّيبَاجُ: ثوب سَدَاه ولُحْمَتُهُ إِبْرَيْسَم، ويقال: هو معَرَّبٌ انتهى. و"الإبريسم": معرّبٌ، وفيها لغات، كسر الهمزة، والراء، والسين، وابن السِّكِّيت يمنعها، ويقول: ليس في الكلام إِفْعِيلِلٌ بكسر اللام، بل بالفتح، مثلُ إِهْلِيلَجٍ، وإِطْرِيف، والثانية فتح الثلاثة، والثالثة كسر الهمزة، وفتح الراء والسين، قاله في "المصباح" أيضًا. وقال في "القاموس" "الإبريسم" بفتح السين وضمها: الحرير، أو معرّب انتهى. وقال وليّ الدين ﵀: ذِكرُ الديباج، والاستبرق بعد الحرير -أي في بعض

стр. 10663

الروايات- من ذكر الخاصّ بعد العامّ، وكأنه أشار بذلك إلى أنه لا فرق في تحريم الحرير بين جيّده، وهو الديباج، ورديئه، وهو الإستبرق. واللَّه أعلم انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: النهي عن دبس الحرير، والإستبرق، والديباج، مختصّ بالرجال، فيجوز لبسه للنساء. واللَّه تعالى أعلم. وسيأتي البحث عن خواتيم الذهب، وما بعدها مستوفًى في "كتاب الزينة"، إن شاء اللَّه تعالى، أسأل اللَّه تعالى أن يمنّ عليّ بالتوفيق لشرحها، وشرح تمام الكتاب، إنه سميع قريب مجيب الدعوات، وغافر الذنوب والسيئات، واللَّه أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث البراء بن عازب ﵁ هذا متفق عليه. المسال الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٥٣/ ١٩٣٩ - و ١٣/ ٣٧٧٨ و ٩١/ ٥٣٠٩ - وفي "الكبرى" ٥٣/ ٢٠٦٦ و ١٣/ ٤٧٢١ و ٨١/ ٩٦١٢ و ٩٦١٣. وأخرجه (خ) ١٢٣٩ و ٥٦٣٥ و ٥٦٥٠ و ٥٨٣٨ و ٥٨٤٩ و ٥٨٦٣ و ٦٢٢٥ و ٦٢٣٥ و ٦٦٥٤ و ٢٤٤٥ و ٥١٧٥ (م) ٢٠٦٦ (ت) ١٧٦٠ و ٢٨٠٩ (ق) ٢١١٥ و ٣٥٨٩ (أحمد) ١٨١٧٠ و ١٨٠٦١ و ١٨٠٣٤. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما بوّب له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو وجوب اتباع الجنائز، وهو على الكفاية، كما تقدّم. ومنها: وجوب نصرة المظلوم، وهو على الكفاية، كما تقدّم أيضًا. ومنها: الأمر بإفشاء السلام، وقد تقدّم أن المراد بإفشائه نشره بين الناس. ومنها: تحريم استعمال خواتيم الذهب، وهو خاصّ بالرجال، كما تقدّم. ومنها: تحريم استعمال آنية الفضّة، ومثلها الذهب، وهو عامّ للرجال والنساء، كما تقدّم. ومنها: تحريم استعمال المياثر، وقد تقدّم اختلاف أهل اللغة في معناها. ومنها: تحريم استعمال القَسّيّة، وهي الثياب المخطّطة بالحرير. ومنها: تحريم لبس الإستبرق، وهو ما غلظ من الديباج، والحرير، والديباج، وقد تقدّم بيان الفرق بينها في خلال شرحها. وما عدا ذلك من الفوائد تقدم في المسألة الرابعة من شرح الحديث المذكور آخر الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في وجوب عيادة المريض: قال الإمام البخاريّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "صحيحه": "باب وجوب عيادة المريض"،

стр. 10664

ثم أخرج بسنده عن أبي موسى الأشعريّ ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أطعموا الجائع، وعودوا المريض، وفُكُّوا العاني". وأخرج أيضًا حديث البراء ﵁ المذكور في الباب. قال في "الفتح": قوله: "باب وجوب عيادة المريض" كذا جزم بالوجوب على ظاهر الأمر بالعيادة. قال ابن بطّال: يحتمل أن يكون الأمر على الوجوب بمعنى الكفاية، كإطعام الجائع، وفكّ الأسير، ويحتمل أن يكون للندب، للحثّ على التواصل والألفة، وجزم الداوديّ بالأول، فقال: هي فرض، يحمله بعض الناس عن بعض. وقال الجمهور: هي في الأصل ندب، وقد تصل إلى الوجوب في حقّ بعض دون بعض. وعن الطبريّ: تتأكّد في حقّ من تُرجى بركته، وتُسنّ فيمن يراعى حاله، وتباح فيما عدا ذلك. ونقل النوويّ الإجماع على عدم الوجوب. يعني على الأعيان. انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الأرجح عندي ما جزم به الإمام البخاريّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، من وجوب عيادة المريض، لصريح الأمر في قوله: "وعودوا المريض"، لكنه على الكفاية كما قال الداوديّ، وأما ما ذهب إليه الجمهور من الندب، فيحتاج إلى صارف للأمر عن الوجوب إلى الندب، ولم يذكروا ذلك، وأما ما قاله الطبريّ من التفصيل بين من تُرجى بركته وغيره، فمما لا دليل عليه، وأما ما ادعاه النوويّ من الإجماع، فقد أجاب عنه الحافظ بأنه يقصد عدم الوجوب على الأعيان، فلا يخالف القول الأول. واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: يستحبّ عيادة الذميّ، قال الإمام البخاريّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "صحيحه": "باب عيادة المشرك"، ثم أخرج بسنده عن أنس ﵁ أن غلاما ليهود، كان يخدُم النبي ﷺ ، فمرض، فأتاه يعوده، فقال: "أسلم" فأسلم انتهى. قال ابن بطال ﵁: إنما تشرع عيادته إذا رُجِي أن يجيب إلى الدخول في الإسلام، فاما إذا لم يُطمَع في ذلك، فلا انتهى. قال الحافظ ﵀: والذي يظهر لي أن ذلك يختلف باختلاف المقاصد، فقد يقع بعيادته مصلحة أخرى، قال الماورديّ ﵀: عيادة الذميّ جائزة، والقربة موقوفة على نوع حرمة، تقترن بها، من جوار، أو قرابة انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن استحباب عيادة الذميّ هو الأرجح، اقتداء

стр. 10665

بالنبي ﷺ ، ورجاء إسلامه، وقول ابن بطال: فإذا لم يُطمع الخ فيه نظر، لأن ذلك غير محقّق، إذ ربما يظهر عليه الآن عدم الرغبة في الإسلام، ثم يتحوّل بعده، فيرغب، فلا ينبغي اليأس نظرا لأول حاله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الخامسة: في اختلاف أهل العلم في حكم تشميت العاطس: ذهبت طائفة إلى أنه فرض عين، قال في "الفتح": وقد أخذ بظاهرها -يعني الأحاديث المذكورة في الباب- ابن مزين من المالكية، وقال به جمهور أهل الظاهر، وقال ابن أبي جمرة: قال جماعة من علمائنا: إنه فرض عين. وقوّى ابن القيّم -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- هذا المذهب، كما سيأتي ذكر كلامه قريبًا. وذهب آخرون إلى أنه فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط عن الباقين، ورجحه أبو الوليد ابن رشد، وأبو بكر ابن العربي، وبه قالت الحنفيّة، وجمهور الحنابلة. وذهب عبد الوهّاب، وجماعة من المالكيّة إلى أنه مستحبّ، ويجزىء الواحد عن الجماعة، وهو قول الشافعيّة. احتجّ الأولون بأحاديث كثيرة، منها حديث الباب: "للمؤمن على المؤمن ست خصال … "، ولفظ مسلم: "حقّ المسلم على المسلم ستّ، فذكر فيها: "وإذا عَطَس، فحمد اللَّه، فشمّته". وأخرج البخاريّ، عن أبي هريرة ﵁، مرفوعًا: "خمس تجب للمسلم على المسلم … "، وأخرج من حديث أبي هريرة أيضًا عن النبي ﷺ ، قال: "إن اللَّه يُحِبّ العطاس، ويَكْرَه التثاؤب، فإذا عطس، فحمِد اللَّه، فحقّ على كلّ مسلم سمعه أن يشمته … " الحديث. وأخرج من حديثه أيضًا، عن النبي ﷺ ، قال: "إذا عطس أحدكم، فليقل: الحمد للَّه، وليقل له أخوه، -أو صاحبه- يرحمك اللَّه، فإذا قال له: يرحمك اللَّه، فليقل: يهديكم اللَّه، وُيصلح بالكم. وفي حديث عائشة ﵄ عند أحمد، وأبي يعلى: "إذا عطَس أحدكم، فليقل: الحمد للَّه، وليقل له مَنْ عنده يرحمك اللَّه"، ونحوه عند الطبرانيّ، من حديث أبي مالك. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بهذه الأحاديث الصحيحة أن المذهب الراجح وجوب تشميت العاطس على الأعيان، كما هو المذهب الأول. وقد قَوَّى العلامة ابن القيّم -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- هذا المذهب، في "حواشي السنن"، فقال: جاء بلفظ الوجوب الصريح، وبلفظ "الحقّ" الدالّ عليه، وبلفظ "عَلَى" الظاهرة فيه، وبصيغة الأمر التي هي حقيقة فيه، وبقول الصحابيّ: "أَمَرَنا رسول اللَّه ﷺ "، قال: ولا ريب أن الفقهاء أثبتوا وجوب أشياء كثيرةً بدون مجموع هذه الأشياء انتهى.

стр. 10666

وأما ترجيح الحافظ القولَ بأنه فرض كفاية، قائلًا: إن الأحاديث الصحيحة الدالّة على الوجوب لا تنافي كونه على الكفاية إلى آخر كلامه، فيردّه ما تقدّم من حديث أبي هريرة ﵁، عند البخاريّ بلفظ: "فحقّ على كلّ مسلم سمعه أن يشمّته"، فإنه صريح في كونه فرض عين، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: ثم إن شرط فرض التشميت أن يَحمَد العاطسُ اللَّهَ تعالى، لما أخرجه مسلم في "صحيحه"، من حديث أبي موسى الأشعريّ ﵁، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إذا عَطَسَ أحدكم، فحمد اللَّه، فشمّتوه، وإن لم يحمد، فلا تشمتوه". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة السادسة: في اختلاف العلماء في حكم الابتداء بالسلام: ذهب بعض أهل العلم إلى أن الابتداء بالسلام واجب، لظاهر الأمر، وذهب آخرون إلى استحبابه: قال العلامة ابن دقيق العيد ﵀: استَدَلّ بالأمر بإفشاء السلام من قال بوجوب الابتداء بالسلام، وفيه نظر، إذ لا سبيل إلى القول بأنه فرض عين على التعميم من الجانبين، وهو أن يجب على كلّ أحد أن يسلّم على كلّ من لقيه، لما في ذلك من الحرج والمشقّة، فإذا سقط من جانبي العمومين سقط من جانبي الخصوصين، إذ لا قائل: يجب على واحد دون الباقين، ولا يجب السلام على واحد دون الباقين، قال: وإذا سقط على هذه الصورة، لم يسقط الاستحباب، لأن العموم بالنسبة إلى كلا الفريقين ممكن انتهى. قال الحافظ ﵀: وهذا البحث ظاهر في حقّ من قال: إن ابتداء السلام فرض عين، وأما من قال: فرض كفاية، فلا يرد عليه إذا قلنا فرض الكفاية ليس واجبا على واحد بعينه. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يظهر لي أن قول من قال بالوجوب هو الأرجح، لظاهر النصوص الواردة بصيغة الأمر، ولكنه وجوب كفائيّ، لما تقدّم من حديث عليّ ﵁، وغيره. وما ذكره ابن دقيق العيد -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- من الحرج والمشقّة في الإيجاب على كل أحد أن يسلم على كل من لقيه، فليس كذلك، فإن الراجح أنه كفائيّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة السابعة: في اختلاف أهل العلم في حكم إجابة الدعوة: قال الإمام البخاريّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: "باب حقّ إجابة الوليمة والدعوة"، فقال في "الفتح": ما حاصله: قوله: "حَقٌّ إجابة الدعوة" يشر به إلى وجوب الإجابة، وقد نقل ابن عبد البرّ، ثم عياض، ثم النوويّ الاتفاق على القول بوجوب الإجابة لوليمة العرس،

стр. 10667

وفيه نظر، نعم المشهور من أقوال العلماء الوجوب، وصرّح جمهور الشافعية، والحنابلة بأنها فرض عين، ونصّ عليه مالك، وعن بعض الشافعية، والحنابلة أنها مستحبّة، وذكر اللخميّ من المالكية أنه المذهب، وكلام صاحب الهداية يقتضي الوجوب مع تصريحه بأنها سنّة، فكأنه أراد أنها وجبت بالسنّة، وليست فرضًا، كما عُرف من قاعدتهم، وعن بعض الشافعيّة، والحنابلة هي فرض كفاية، وحكى ابن دقيق العيد في "شرح الإلمام" أن محلّ ذلك إذا عمّت الدعوة، أما لو خصّ كلَّ واحد بالدعوة، فإن الإجابة تتعيّن. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحقّ أن إجابة الدعوة واجبة؛ لصراحة الأدلّة في ذلك، كقوله ﷺ : "إذا دعا أحدكم أخاه، فليُجب". رواه مسلم. وقوله: "إذا دُعي أحدكم إلى وليمة عُرس، فليُجب"، وقوله: "من دُعي إلى عرس، أو نحوه فليجب". رواهما مسلم أيضًا. وكقوله: "من دُعي، فلم يُجب، فقد عصى اللَّه ورسوله". رواه أبو داود، إلى غير ذلك من الأدلّة التي تدلّ على الوجوب، ولا صارف لها عنه. واللَّه تعالى أعلم. وقال في "الفتح" أيضًا: وشرط وجوبها أن يكون الداعي مكلّفًا حرّا رَشِيدًا، وأن لا يخصّ الأغنياء دون الفقراء، وأن لا يُظهر قصد التودّد لشخص بعينه لرغبة فيه، أو رهبة منه، وأن يكون الداعي مسلمًا على الأصحّ، وأن يخصّ باليوم الأول على المشهور، وأن لا يُسبَقَ، فمن سَبَقَ تعينت الإجابة له، دون الثاني، وإن جاءا معًا قُدّم الأقرب رحمًا على الأقرب جوارًا على الأصحّ، فإن استويا أُقرع، وأن لا يكون هناك ما يتأذّى بحضوره، من منكر وغيره، وأن لا يكون له عذرٌ، وضبطه المارديّ بما يُرخّص به في ترك الجماعة. انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ستكون لنا عودة إلى هذا البحث في محله من "كتاب النكاح"، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الثامنة: في اختلاف أهل العلم، هل الدعوة، تخصّ وليمة العرس، أم تعمّ غيرها؟: قال الإمام البخاريّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "صحيحه": "باب إجابة الدعوة في العُرس، وغيره". ثم أخرج بسنده عن نافع، قال: سمعت عبد اللَّه بن عمر ﵄ يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "أجيبوا هذه الدعوة، إذا دُعيتم لها"، قال: كان عبد اللَّه يأتي الدعوة في العُرس وغير العُرس، وهو صائم انتهى.

стр. 10668

وأخرج مسلم من طريق عبد اللَّه بن نمير، عن عُبيد اللَّه بن عمر العمريّ، عن نافع، بلفظ: "إذا دُعي أحدكم إلى وليمة عرس، فليجب". وأخرجه مسلم، وأبو داود من طريق أيوب، عن نافع، بلفظ: "إذا دعا أحدكم أخاه، فليجب، عرسا كان، أو نحوه"، ولمسلم من طريق الزبيديّ، عن نافع، بلفظ: "من دُعي إلى عُرس، أو نحوه، فليُجب". قال الحافظ ﵀: وهذا يؤيّد ما فهمه ابن عمر أن الأمر بالإجابة لا يختصّ بطعام العرس، وقد أخذ بظاهر الحديث بعض الشافعيّة، فقال بوجوب الإجابة إلى الدعوة مطلقًا، عُرسًا كان، أو غيره بشرطه، ونقده ابن عبد البرّ عن عُبيد اللَّه بن الحسن العنبريّ، قاضي البصرة، وزعم ابن حزم أنه قول جمهور الصحابة والتابعين، ويعكر عليه ما نقلناه عن عثمان ابن أبي العاص، وهو من مشاهير الصحابة، أنه قال في وليمة الختان: لم يكن يُدعى لها، لكن يمكن الانفصال عنه بأن ذلك لا يمنع القول بالوجوب لو دَعَوا. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: اعتراض الحافظ على ابن حزم غير صحيح، لأنه لم يدّعي الإجماعَ، وإنما قال: إنه قول الجمهور، فكيف يَعترض عليه بقول عثمان بن أبي العاص ﵁؟: إن هذا لغريب من مثله!. واللَّه تعالى وليّ التوفيق. وأخرج عبد الرزّاق بإسناد صحيح عن ابن عمر ﵄، أنه دعا بالطعام، فقال رجل من القوم: أعفني، فقال ابن عمر: إنه لا عافية لك من هذا، فقم. وأخرج الشافعيّ، وعبد الرزّاق بسند صحيح عن ابن عباس ﵄ أن صفوان دعاه، فقال: إني مشغول، وإن لم تُعفني جئتُهُ. وجزم بعدم الوجوب في غير وليمة النكاح المالكيةُ والحنفيّة، والحنابلة، وجمهور الشافعية، وبالغ السرخسيّ منهم، فنقل فيه الإجماع، ولفظ الشافعيّ ﵀: إتيان دعوة الوليمة حقّ، والوليمة التي تُعرف وليمة العرس، وكلّ دعوة دُعي إليها رجل وليمة، فلا أرخّص لأحد في تركها، ولو تركها لم يتبيّن لي أنه عاص في تركها، كما تبيّن لي في وليمة العرس انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما ذكر من الأحاديث الصحيحة، أن المذهب الراجح وجوب إجابة الدعوة، مطلقًا، عُرْسًا كانت، أو غيرها. وسنعود إلى تحقيق البحث في محله من "كتاب النكاح"، إن شاء اللَّه تعالى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". …

стр. 10669

٥٤ - فَضْلُ مَنْ تَبِعَ جَنَازَةً أي هذا باب ذكر فضل من تَبِعَ جنازة، وهو من إضافة المصدر إلى مفعوله، و"مَنْ" موصولة، و"تَبِعَ" من باب تَعِبَ صلتها، وفي نسخة "يتبع" بصيغة المضارع. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ١٩٤٠ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْثَرٌ, عَنْ بُرْدٍ, أَخِي يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ, عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ, قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ, يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ تَبِعَ جَنَازَةً, حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا, كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ قِيرَاطٌ, وَمَنْ مَشَى مَعَ الْجَنَازَةِ, حَتَّى تُدْفَنَ, كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ قِيرَاطَانِ, وَالْقِيرَاطُ مِثْلُ أُحُدٍ». رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قتيبة) بن سعيد المذكور قريبًا. ٢ - (عَبْثَر) بن القاسم الزُّبَيديّ، أبو زُبيد -بالضم فيهما- الكوفيّ، ثقة [٨] ١٩٠/ ١١٦٤. ٣ - (بُرْد) -بضم أوله، وسكون الراء المهملة- ابن أبي زياد الهاشميّ مولاهم، أخو يزيد، أبو عَمْرو، أو أبو عُمَرَ، أو أبو العلاء الكوفيّ، مولى عبد اللَّه بن الحارث بن نوفل، ثقة [٥]. قال العجليّ: ثقة أرفع من أخيه يزيد. وقال النسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". انفرد به المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- بهذا الحديث فقط. ٤ - (المسَيَّب بن رافع) الأسديّ الكاهليّ، أبو العلاء الكوفيّ الأعمى، ثقة [٤] ٥/ ١١٨٤. والصحابيّ تقدم في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير برد، فمن أفراد المصنف. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فبغلانّي. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ) -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ البَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ) ﵄ -

стр. 10670

(يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ) شرطيّة، أو موصولة (تَبِعَ) يقال: تَبِعَ زيد عمرًا، من باب تَعِبَ: مشى خلفه، أو مرّ به، فمضى معه، قاله في "المصباح". وفي حديث أبي هريرة ﵁ عند البخاريّ بلفظ: "اتّبِع" بالتشديد، من الاتباع. وللأصيلي "تبع" بحذف الألف، وكسر الموحّدة، كلفظ المصنف هنا. قال في "الفتح": وقد تمسّك بهذا اللفظ من زعم أن المشي خلفها أفضل، ولا حجّة فيه، لأنه يقال: تبعه، إذا مشى خلفه، أو إذا مَرَّ به، فمشى معه، وكذلك اتبعه بالتشديد، وهو افتعل منه، فإذًا هو مقول بالاشتراك، وقد بيّن المرادَ الحديثُ الآخر المصحّح عند ابن حبّان وغيره، من حديث ابن عمر في المشي أمامها، وأما أتبعه بالإسكان، فهو بمعنى لَحِقه، إذا كان سبقه، ولم تأت به الرواية هنا انتهى (١). أتئبيه]: لم يُبَيَّن في هذا الحديث ابتداءُ الاتباع، وقد بُيِّن في حديث أبي هريرة ﵁ عند مسلم، ولفظه: "من خرج مع جنازة من بيتها"، ولأحمد في حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁: "فمشى معها من أهلها". ومقتضاه أن القيراط يختصّ بمن حضر من أول الأمر إلى انقضاء الصلاة، وبذلك صرّح المحبّ الطبريّ وغيره. قال الحافظ: والذي يظهر لي أن القيراط يحصل لمن صلى فقط، لأن كلّ ما قبل الصلاة وسيلة إليها، لكن يكون قيراط من صلى فقط دون قيراط من شيّع مثلاً، وصلّى، ورواية مسلم من طريق أبي صالح، عن أبي هريرة بلفظ: "أصغرهما مثل أحد" تدلّ على أن القراريط تتفاوت. ووقع أيضًا في رواية أبي صالح المذكورة عند مسلم: "من صلى على جنازة، ولم يتبعها، فله قيراط"، وفي رواية نافع بن جُبير، عن أبي هريرة، عند أحمد: "من صلى، ولم يتبع، فله قيراط"، فدلّ على أن الصلاة تحُصِّلُ القيراطَ، وإن لم يقع اتباع. ويمكن أن يُحمَل الاتباع هنا على ما بعد الصلاة، وهل يأتي نظير هذا في قيراط الدفن؟ فيه بحث. قال النوويّ في "شرح البخاريّ" عند الكلام على طريق محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، في "كتاب الإيمان" بلفظ: "من اتبع جنازة مسلم، إيمانًا، واحتسابًا، وكان معها حتى يُصلّي عليها، وُيفرغ من دفنها، فإنه يرجع من الأجر بقيراطين … " الحديث: ومقتضى هذا أن القيراطين إنما يَحْصُلان لمن كان معها في جميع الطريق حتى تدفن، فإن صلى مثلًا، وذهب إلى القبر وحده، فحضر الدفن لم يحصل له إلا قيراط واحد انتهى.

стр. 10671

قال الحافظ: وليس فى الحديث ما يقتضي ذلك، إلا من طريق المفهوم، فإن ورد منطوق بحصول القيراط لشهود الدفن وحده كان مقدّما، ويُجمع حينئذ بتفاوت القيراط، والذين أبوا ذلك، جعلوه من باب المطلق والمقيّد، نعم مقتضى جميع الأحاديث أن من اقتصر على التشييع، فلم يصل، ولم يشهد الدفن، فلا قيراط له، إلا على الريقة التي ذكرناها (١) عن ابن عقيل، لكن الحديث الذي أوردناه عن البراء في ذلك ضعيف. وأما التقييد بالإيمان، والاحتساب فلا بدّ منه، لأن ترتُّبَ الثواب على العمل يستدعي سبق النيّة فيه، فيخرج مَن فعل ذلك على سبيل المكافأة المجرّدة، أو على سبيل المحاباة، واللَّه أعلم انتهى (٢). (جَنَارةً) وفي حديث أبي هريرة ﵁: "من اتبع جنازة مسلم، إيمانا، واحتسابًا … ". (حَتَّى يُصَلِّيَ عَلَيهَا) بكسر اللام، بالبناء للفاعل، ويحتمل أن تكون بالفتح على البناء للمفعول. قال في "الفتح" في حديث أبي هريرة ﵁: واللام للأكثر مفتوحة، وفي بعض الروايات بكسرها، ورواية الفتح محمولة عليها، فإنّ حصول القيراط متوقف على وجود الصلاة من الذي يحصل له انتهى (٣). وقال في موضع آخر: قوله: "حتى يصلي" بكسر اللام، ويروى بفتحها، فعلى الأول لا يحصل الموعود به، إلا لمن توجد منه الصلاة، وعلى الثاني قد يقال: يحصل له ذلك، ولو لم يُصَلِّ، أما إذا قصد الصلاة، وحال دونه مانع، فالظاهر حصول الثواب له مطلقًا، واللَّه أعلم انتهى (٤). (كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ قِيرَاطٌ) بكسر القاف. قال الجوهريّ: أصله قِرّاط بالتشديد، لأن جمعه قراريط، فأبدل من أحد حرفي تضعيفه ياء، قال: والقيراط نصف دانِق، وقال قبل ذلك: الدانق سدس الدرهم، فعلى هذا يكون القيراط جزءا من اثني عشر جزءا من الدراهم، وأما صاحب "النهاية"، فقال: القيراط جزء من أجزاء الدينار، وهو نصف عشره في أكثر البلاد، وفي الشام جزء من أربعة وعشرين جزءا. ونقل ابن الجوزيّ عن ابن عَقِيل أنه كان يقول: القيراط نصف سدس درهم، أو نصف عشر دينار، والإشارة بهذا المقدار إلى الأجر المتعلّق بالميت في تجهيزه،

стр. 10672

وغسله، وجميع ما يتعلّق به، فللمصلي عليه قيراط من ذلك، ولمن شهد الدفن قيراط، وذكر القيراط تقريبًا للفهم لما كان الإنسان يعرف القيراط، ويعمل العمل في مقابلته، وعدّ من جنس ما يعرف، وضرب له المثل بما يعلم انتهى. قال الحافظ: وليس الذي قاله سعيد، وقد روى البزّار من طريق عجلان، عن أبي هريرة، مرفوعًا: "من أتى جنازة في أهلها، فله قيراط، فإن تبعها، فله قيراط، فإن صلى عليها، فله قيراط، فإن انتظرها حتى تدفن، فله قيراط". فهذا يدلّ على أن لكلّ عمل من أعمال الجنازة قيراطًا، وإن اختلفت مقادير القراريط، ولا سيّما بالنسبة إلى مشقّة ذلك العمل، وسهولته، وعلى هذا فيقال: إنما خصّ قيراطي الصلاة والدفن بالذكر لكونهما المقصودين، بخلاف باقي أحوال الميت، فإنها وسائل. ولكن هذا يخالف ظاهر سياق الحديث الذي عند البخاريّ في "كتاب الإيمان"، فإن فيه إن لمن تبعها حتى يصلى عليها، ويفرغ من دفنها قيراطين فقط. ويجاب عن هذا بأن القيراطين المذكورين لمن شهد، والذي ذكره ابن عقيل لمن باشر الأعمال التي يَحتَاج إليها الميتُ، فافترقا. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحديث الذي ذكره الحافظ عن البزّار ضعيف، كما اعترف به هو في "الفتح" ج ٣ ص ٥٥٩، فكيف يؤيد به ما نقله عن ابن عَقيل؟، وكيف يستشكله مع حديث البخاريّ، فتفطّن. قال: وقد ورد لفظ القيراط في عدّة أحاديث، فمنها ما يُحمل على القيراط المتعارف، ومنها ما يُحمل على الجزء في الجملة، وان لم تُعرف النسبة: فمن الأول حديث كعب بن مالك ﵁، مرفوعًا: "إنكم ستفتحون بلدًا يُذكر فيها القيراط". وحديث أبي هريرة ﵁، مرفوعًا: "كنتُ أرعى غنما لأهل مكة بالقراريط". قال ابن ماجه عن بعض شيوخه: يعني كل شاة بقيراط. وقال غيره: قراريط جبل بمكة. ومن المحتمل حديث ابن عمر ﵄ في الذين أُوتوا التوراة: "أعطوا قيراطًا قيراطًا"، وحديث الباب، وحديث أبي هريرة: "من اقتنى كلبا نقص من عمله كلّ يوم قيراط". وقد جاء تعيين مقدار القيراط في حديث الباب بأنه مثل أُحُد. وفي رواية عند أحمد، والطبرانيّ في "الأوسط" من حديث ابن عمر: قالوا: يا رسول اللَّه، مثل قراريطنا هذه؟ قال: "بل مثلُ أحد". قال النوويّ وغيره: لا يلزم من ذكر القيراط في الحديثين تساويهما، لأن عادة الشارع تعظيم الحسنات، وتخفيف مقابلها، واللَّه أعلم. وقال ابن العربي القاضي: الذّرّة جزء من ألف وأربعة وعشرين جزءا من حبّة،

стр. 10673

والحبّة ثلث القيراط، فإذا كانت الذّرّة تخُرِج من النار، فكيف بالقيراط قال: وهذا قدر قيراط الحسنات، فأما قيراط السيئات فلا. وقال غيره: القيراط فى اقتناء الكلب جزء من أجزاء عمل المقتني له في ذلك اليوم. وذهب الأكثر إلى أن المراد بالقيراط في حديث الباب جزء من أجزاء معدومة عند اللَّه، وقد قربها النبيّ ﷺ للفهم بتمثيله القيراط بأُحُد. قال الطيبيّ: قوله: "مثل أُحُد" تفسير للمقصود من الكلام، لا للفظ القيراط، والمراد منه أنه يرجع بنصيب كبير من الأجر، وذلك لأن لفظ القيراط مبهم من وجهين، فبين الموزون بقوله: "من الأجر"، وبيّن المقدار منه بقوله: "مثل أحد". وقال الزين ابن المنيّر: أراد تعظيم الثواب، فمَثَّلَه للعيان بأعظم الجبال خَلْقًا، وأكثرها إلى النفوس المؤمنة حبّا، لأنه الذي قال في حقّه: إنه جبل يحبنا، ونحبّه انتهى. ولأنه أيضًا قريب من المخاطبين، يشترك أكثرهم في معرفته. وخصّ القيراط بالذكر لأنه كان أقلّ ما تقع به الإجارة في ذلك الوقت، أو جرى ذلك مجرى العادة من تقليل الأجر بتقليل العمل. واستُدِلَّ بقوله: "من تَبعَ" على أن المشي خلف الجنازة أفضل من المشي أمامها، لأن ذلك هو حقيقة الاتباع حسّا. قال ابن دقيق العيد ﵀: الذين رجحوا المشي أمامها حملوا الاتباع هنا على الاتباع المعنويّ، أي المصاحبة، وهو أعمّ من أن يكون أمامها، أو خلفها، أو غير ذلك، وهذا مجاز يحتاج إلى أن يكون الدليل الدالّ على استحباب التقدّم راجحًا انتهى (١). وسيأتي تحقيق القول في ذلك، وبيان اختلاف العلماء فيه، وترجيح الراجح بدليله في الباب التالي، إن شاء اللَّه تعالى. (وَمَنْ مَشَى مَعَ الْجَنَازَةِ، حَتَّى تُدْفَنَ) أي بعد صلاته عليها، كما بينه في القسم الأول بقوله: "حتى يُصَلِّيَ عليها". وقد جاء التصريح بالصلاة في القسمين في حديث أبي هريرة ﵁ عند الشيخين، ولفظ البخاريّ: "من اتبع جنازة مسلم إيمانا، واحتسابًا، وكان معه حتى يصلَّى عليها، وُيفرغ من دفنها، فإنه يرجع من الأجر بقيراطين، كلّ قيراط مثلُ أحد، ومن صلّى عليها، ثم رجع قبل أن تُدفن، فإنه يرجع بقيراط". وفي حديث عبد اللَّه بن المغفّل الآتي بعد هذا: "حتى يُفرخ منها"، وفي حديث أبي هريرة عند البخاريّ: "ويفرغ من دفنها". قال في "الفتح ": قوله: "ويُفرغ" بضم أوله، وفتح الراء، ويروى بالعكس، وقد

стр. 10674

أثبتت هذه الرواية أن القيراطين إنما يحصلان بمجموع الصلاة والدفن، وأن الصلاة دون الدفن يحصل بها قيراط واحد، وهذا هو المعتمد، خلافًا لمن تمسّك بظاهر بعض الروايات، فزعم أنه يحصل بالمجموع ثلاثة قراريط انتهى (١). وقال في موضع آخر: قوله: "حتى تُدفن": ظاهره أن حصول القيراط متوقف على فراغ الدفن، وهو أصحّ الأوجه عند الشافعية وغيرهم، وقيل: يحصل بمجرد الوضع في اللحد. وقيل: عند انتهاء الدفن قبل إهالة التراب. وقد وردت الأخبار بكلّ ذلك، ويترجّح الأول للزيادة، ففي هذه الرواية: "حتى يُفرغ منها"، وفي رواية عند مسلم: "حتى توضع في اللحد"، وفي رواية له: "حتى توضع في القبر"، وفي رواية لأحمد: "حتى يُقضى قضاؤها"، وللترمذي: "حتى يُقضى دفنها"، ولأبي عوانة: "حتى يُسوّى عليها" أي التراب، وهي أصرح الروايات في ذلك. ويحتمل حصول القيراط بكلّ من ذلك، لكن يتفات القيراط، كما تقدّم. انتهى ما قاله في "الفتح" بتصرّف (٢). (كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ قِيرَاطَانِ، وَالْقِيرَاطُ مِثلُ أُحُدِ") بضمتين: جبل الجبل المعروف بقرب مدينة النبي ﷺ ، من جهة الشام، وكانت به الوقعة المشهورة، في أوائل شوّال، سنة ثلاث من الهجرة، وهو مذكّر، فينصرف، وقيل: يجوز تأنيثه على توهّم البقعة، فيُمنع من الصرف، وليس بالقويّ. أفاده في "المصباح". وفي حديث أبي هريرة عند الشيخين، والمصنف (٣): قيل: وما القيراطان؟ قال: "مثل الجبلين العظيمين". وفي رواية لمسلم: قيل: وما القيراطان"؟ قال: "أصغرهما مثل أحد"، وللنسائيّ (٤): "فله قيراطان من الأجر، كل واحد منهما أعظم من أحد"، ولابن ماجه من حديث أبيّ بن كعب: "القيراط أعظم من أحد هذا"، ولابن عديّ من حديث واثلة: "كتب له قيراطان من أجر، أخفهما في ميزانه يوم القيامة أثقل من جبل أحد". فأفادت هذه الروايات بيان وجه التمثيل بجبل أحد، وأن المراد به زنة الثواب المرتّب على ذلك العمل، أفاده الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (٥). وقال السنديّ في "شرحه": عند قوله: كان له من الأجر قيراط": وهو عبارة عن ثواب معلوم عند اللَّه تعالى، عُبّر عنه ببعض أسماء المقادير، وفُسّر بجبل عظيم،

стр. 10675

تعظيما له، وهو أحد -بضمتين- ويحتمل أن ذلك العمل يتجسّم على قدر جِرْم الجبل المذكور، تثقيلًا للميزان انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الاحتمال الثاني يردّه قوله: "من الأجر"، فإنه صريح في أن الذي يكون مثل أحد هو الأجر نفسه، فالأولى أن الأجر يُجسّد، فيوضع في الميزان، كما أفاده الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في كلامه المذكور آنفًا. واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: في هذا الحديث قصة جرت بين أبي هريرة الراوي للحديث، وبين ابن عمر ﵃، وذلك فيما رواه الشيخان، من طريق جرير بن حازم، قال: سمعت نافعًا، يقول: حُدّث ابنُ عمر أن أبا هريرة ﵁ يقول: "من تبع جنازة، فله قيراط"، فقال: أكثر أبو هريرة علينا، فصدّقت -يعني عائشة- أبا هريرة، وقالت: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقوله، فقال ابن عمر ﵄: لقد فرّطنا في قراريط". وفي رواية لمسلم من طريق داود بن عامر بن سعد بن أبي وقّاص، عن أبيه، أنه كان قاعدًا عند عبد اللَّه بن عمر، إذ طلع خَبَّاب صاحب المقصورة، فقال: يا عبد اللَّه بن عمر، ألا تسمع ما يقوله أبو هريرة؟ إنه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول: "من خرج مع جنازةٍ من بيتها، ثم تبعها، حتى تدفن، كان له قيراطان من أجر، كلّ قيراط مثل أحد، ومن صلى عليها، ثم رجع، كان له من الأجر مثل أحد"، فأرسل ابن عمر خبابا، إلى عائشة يسألها، عن قول أبي هريرة، ثم يرجع إليه، فيخبره ما قالت، وأخذ ابن عمر قَبْضَة من حصباء المسجد، يقلبها في يده، حتى رجع إليه الرسول، فقال: قالت عائشة: صدق أبو هريرة، فضرب ابن عمر بالحصى، الذي كان في يده الأرض، ثم قال: لقد فرطنا في قراريط كثيرة. انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث البراء بن عازب - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح، انفر به المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، أخرجه هنا -٥٤/ ١٩٤٠ - وفي "الكبرى" ٥٤/ ٢٠٦٧ - وأخرجه (أحمد) ١٨١٣٣. المسألة الثانية: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو بيان فضل من تبع جنازةً. ومنها: الترغيب في شهود الميت، والقيام بأمره، والحضّ على الاجتماع له. ومنها: التنبيه

стр. 10676

على عظيم فضل اللَّه تعالى، وتكريمه للمسلم في تكثير الثواب لمن يَتَوَلّى أمره بعد موته. ومنها: تقدير الأعمال بنسبة الأوزان، إما تقريبًا للأفهام، وإما على حقيقته. ومنها: أن في قصة أبي هريرة ﵁ المتقدمة دلالة على تَمَيُّز أبي هريرة في الحفظ. ومنها: أن فيها دلالة على فضيلة ابن عمر ﵄ من حرصه على العلم، والعمل الصالح. ومنها: أن إنكار العلماء بعضهم على بعض قديم. ومنها: أن فيها استغراب العالم ما لم يصل إلى علمه. ومنها: عدم مبالاة الحافظ بإنكار من لم يحفظ. ومنها: ما كان عليه الصحابة ﵃، من التثبّت في الحديث النبويّ، والتحرّز فيه، والتنقيب عليه. ومنها: ما كان عليه الصحابة ﵃، من الرغبة في الطاعات حين يبلغهم، والتأسّف على ما فاتهم منها، وإن كانوا لا يعلمون عظم موقعه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الثالثة: قال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وقع لي حديث الباب من رواية عشرة من الصحابة، غير أبي هريرة، وعائشة، من حديث ثوبان، عند مسلم، والبراء، وعبد اللَّه بن مغفّل عند النسائيّ، وأبي سعيد، عند أحمد، وابن مسعود عند أبي عوانة، وأسانيد هؤلاء الخمسة صحاح، ومن حديث أُبيّ بن كعب، عند ابن ماجه، وابن عباس عند البيهقيّ في "الشُّعَب"، وأنس عند الطبرانيّ في "الأوسط"، وواثلة بن الأسقع عند ابن عديّ، وحفصة، عند حميد بن زنجويه في "فضائل الأعمال"، وفي كلّ من أسانيد هؤلاء الخمسة ضعف انتهى (١) واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٩٤١ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَشْعَثُ, عَنِ الْحَسَنِ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغَفَّلِ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ تَبِعَ جَنَازَةً, حَتَّى يُفْرَغَ مِنْهَا, فَلَهُ قِيرَاطَانِ, فَإِنْ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ يُفْرَغَ مِنْهَا, فَلَهُ قِيرَاطٌ». رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (محمد بن عبد الأعلى) الصنعاني البصريّ، ثقة [١٠] ٥/ ٥. ٢ - (خالد) بن الحارث الْهُجَيميّ البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٤٢/ ٤٧. ٣ - (أشعث) بن عبد الملك الْحُمراني، أبو هانئ البصريّ، ثقة فقيه [٦] مات سنة (١٤٢) (خت ٤) تقدم في ١٢٩/ ١٩١. [تنبيه]: يحتمل أن يكون أشعث هنا هو ابن عبد اللَّه بن جابر الْحُدَّانيّ، أبو عبد اللَّه

стр. 10677

الأعمى البصريّ، وقد يُنسب إلى جدّه، وهو الْحُمْليّ، والأزديّ، وحُدّان من الأزد، صدوق [٥]. قال النسائيّ: ثقة. وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقة. وقال أحمد: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: شيخ. وقال البزّار: ليس به بأس، مستقيم الحديث. وفرق بين الحدّاني هذا، وبين أشعث الأعمى، فقال فيه: ليّن الحديث. وقال ابن حبّان في "الثقات": ما أُراه سمع من أنس. وقال العقيليّ: في حديثه وَهَم. وقال الدارقطنيّ: يُعتبر به. عَلَّق له البخاريّ، وأخرج الباقون، سوى مسلم. وذلك لأن كلا منهما يروي عن الحسن البصريّ، ويروي عنهما خالد الْهُجَيميّ، راجع ترجمتيهما في "تهذيب الكمال"، وهذا التردّد لا يضرّ في صحة الحديث، لأن كلّا منهما ثقة. فتنبّه. واللَّه تعالى وليّ التوفيق. ٤ - (الحسن) بن أبي الحسن يسار البصريّ الإمام الحجة الفقيه الثبت [٣] ٣٢/ ٣٦. ٥ - (عبد اللَّه بن المُغَفّل) بن عُبيد بن نَهْم، أبو عبد الرحمن المزنيّ صحابيّ بايع تحت الشجرة، ثم نزل البصرة، مات ﵁ سنة (٥٧) وقيل: بعد ذلك ٣٢/ ٣٦. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث عبد اللَّه بن المغفّل - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، أخرجه هنا -٥٤/ ١٩٤١ - وفي "الكبرى" ٥٤/ ٢٠٦٨. وشرحه، وسائر المسائل المتعلّقة به تُعلَم مما سبق في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 10678

٥٥ - مَكَانُ الرَّاكِبِ مِنَ الْجَنَازَةِ أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على موضع الشخص الذي يتبع الجنازة، وهو خلفها. ١٩٤٢ - أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ وَاصِلٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ, وَأَخُوهُ الْمُغِيرَةُ جَمِيعًا, عَنْ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ, عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الرَّاكِبُ خَلْفَ الْجَنَازَةِ, وَالْمَاشِي حَيْثُ شَاءَ مِنْهَا, وَالطِّفْلُ يُصَلَّى عَلَيْهِ». رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (زياد بن أيوب) بن زياد البغداديّ، أبو هاشم الطُّوسيّ الأصل، الملقّب دلّويه، وكان يغضب منها، ولقّبه أحمد شعبةَ الصغير، ثقة حافظ [١٠] مات سنة (٢٥٢)، وله (٨٦) سنة ١٠١/ ١٣٢. ٢ - (عبد الواحد بن واصل) السَّدُوسيّ مولاهم، أبو عُبيدة الحدّاد البصريّ، نزيل بغداد، ثقة تكلّم فيه الأزديّ بغير حجة [٩] مات سنة (١٥٠) ٥٥/ ٩٧٢. ٣ - (سعيد بن عُبيد اللَّه) بن جبير بن حيّة -بالمهملة، والتحتانية- الثقفيّ الجُبَيريّ- بضم الجيم، والموحّدة- البصريّ، صدوق ربما وهم [٦]. قال أحمد، وابن معين، وأبو زرعة: ثقة. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال الحاكم، عن الدارقطنيّ: ليس بالقويّ، يحدّث بأحاديث، يسندها، وغيره يوقفها. واستنكر له البخاريّ له حديثًا في "تاريخه". روى له البخاريّ، والترمذيّ، والمصنف، وابن ماجه، وله فى هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وكرره ثلاث مرّات برقم ١٩٤٢ و ١٩٤٣ و ١٩٤٨. [تنبيه]: وقع في "الكبرى" "سعيد بن عبد اللَّه" مكبّرًا، وهو تصحيف، والصواب ما في "المجتبى" "ابن عبيد اللَّه" مصغّرًا، فتنبّه. ٤ - (المغيرة) بن عُبيد اللَّه بن جُبير بن حيّة الثقفيّ، مقبول [٧]. روى عن عمه زياد بن جبير، وعنه أبو عبيدة الحدّاد، وذكره ابن حبّان في "الثقات". انفرد به المصنّف، فأخرج له حديث الباب فقط. ٥ - (زياد بن جُبير) بن حيّة بن مسعو بن مُعَتِّب الثقفيّ البصريّ، ثقة، كان يرسل [٣].

стр. 10679

قال أبو طالب، عن أحمد: من الثقات، وقال مرةً: رجل معروف. وقال ابن معين، وأبو رزعة، والنسائيّ: ثقة. ووثقه العجليّ. وسئل عنه أبو داود؟ فقال: هذا زياد الْجِهْبِذ. وقال الدارقطنيّ: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في الطبقة الثالثة، من "الثقات". روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وكرره بالأرقام المذكورة في الترجمة السابقة. ٦ - (جُبير بن حيّة) بن مسعود بن مُعَتِّب بن مالك بن كعب بن عَمْرو بن سَعْد بن عَوْف بن ثَقيف، الثقفيّ البصريّ، ابن أخي عروة بن مسعود، ثقة جليل [٣]. ذكره ابن حبّان في ثقات التابعين. وقال أبو نعيم في "تاريخه": يُكنى أبا فرشاد. وذكره أبو موسى في "الصحابة"، وأخرج له حديثًا مرسلاً، وصحح أنه تابعيّ. ومال الحافظ إلى إثبات صحبته، فذكره في القسم الأول من "الإصابة"، وقال: ثبت في "صحيح البخاريّ" أنه شهد الفتوح في عهد عمر ﵁، وأخرج البخاريّ ذلك، من رواية ولده زياد بن جبير، عنه، ولم أر من ذكر جبيرًا في الصحابة، وهو من شرطهم، لأن ثقيفًا لم يبق منهم في عهد النبي ﷺ ممن كان موجودا أحد، إلا أسلم، وشهد حجة الوداع، وقد ذكره أبو موسى في الصحابة، وأخرج له حديثًا، وزعم أنه مرسل، وصحح أنه تابعيّ، وليست صحبته عندي بمندفعة، فمن يشهد الفتوح في عهد عمر لا بدّ أن يكون إذ ذاك رجلاً، إذ القصّة التي شهدها كانت بعد الوفاة النبويّة بدون عشر سنين، فأقلّ أحواله أن يكون له رؤية انتهى (١). وقال أبو الشيخ: كان يسكن الطائف، وكان معلّم كُتَّاب، ثم قدم العراق، فصار من كَتَبَة الديوان، فلما ولي زياد أكرمه، وعظّمه، وقرّبه، فعظم شأنه، وولّاه أصبهان، توفي في خلافة عبد الملك بن مروان. روى له الجماعة، سوى مسلم، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، كرره بالأرقام المذكورة قبل ترجمة. ٧ - (المغيرة بن شعبة) بن مسعود بن معتّب الثقفي صحابي مشهور، أسلم قبل الحديبية، وولي إمرة البصرة، ثم الكوفة، مات ﵁ سنة (٥٠) على الصحيح ١٦/ ١٧. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم

стр. 10680

رجال الصحيح، غير المغيرة بن عبيد اللَّه، فمن أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فبغدادي. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، والابن عن أبيه. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عن زياد بن جُبير، عن أبيه) هكذا جميع نسخ "المجتبى" التي بين يديّ، بزيادة "عن أبيه"، ووقع في "الكبرى" "عن زياد بن جبير، عن المغيرة … "، وأشار الحافظ أبو الحجاج المزّيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "تحفة الأشراف" جـ ٨ ص ٤٧١ إلى أن نسخ "المجتبى" بإسقاط "عن أبيه"، مثل ما وقع في "الكبرى". قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن نسخ "المجتبى" التي أثبتت "عن أبيه" هي الصحيحة، لأنه قال في "تهذيب الكمال" ج ٢ ص ٩٤٤ و"تهذيب التهذيب"ج ١ ص ٦٣٤ في ترجمة زياد المذكور أنه: روى عن المغيرة بن شعبة، والمحفوظ "عن أبيه"، عنه انتهى. وأيضًا رواية بشر بن السَّريّ، عن سعيد بن عبيد اللَّه الآتية في الباب التالي، وروايةُ خالد الْهُجَيمي، عن سعيد الآتية في ٥٩/ ١٩٤٨ بإثبات "عن أبيه"، فتأمل. (عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ) ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الرَّاكِبُ خَلْفَ الْجَنَازَةِ) "الراكب" مبتدأ والظرف متعلق بمحذوف، خبر عنه، أي الراكب يمشي خلف الجنازة، قال السنديّ ﵀: أي اللائق بحاله أن يكون خلف الجنازة (وَالْمَاشِي حَيثُ شَاءَ مِنْهَا) إعرابه كسابقه، أي يمشي في أي مكان تيسّر له، أمامَ الجنازة، أو خلفها، أو يمينها، أو شمالها، لأن حاجة الحمل تدعو إلى أن ينتقل في هذه الجهات (وَالطِّفْلُ يُصَلَّى عَلَيْهِ") جملة من مبتدأ وخبر، والفعل مبنيّ للمفعول، بَيَّنَ به أن الصلاة على الطفل إذا مات مشروعة، وهذا بعمومه يشمل من استهلّ، ومن لم يستهلّ، وبه قال أحمد، وغيره، وهو الراجح، وقال الجمهور: يُصَلَّى عليه، إن استهلّ"، لحديث جابر ﵁، مرفوعًا: "الطفل لا يصلّى عليه، ولا يَرث، ولا يورث، حتى يَستهلّ". روه الترمذيّ، وابن ماجه، لكن الحديث ضعيف، لأنه من رواية إسماعيل بن مسلم المكيّ، وهو ضعيف، وسيأتي تمام البحث فيه في ٥٩/ ١٩٤٨ - باب "الصلاة على الأطفال"، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث المغيرة بن شعبة ﵁ هذا صحيح.
следующие страницы →