← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 10676–10715 · переход к 10681.

стр. 10676

على عظيم فضل اللَّه تعالى، وتكريمه للمسلم في تكثير الثواب لمن يَتَوَلّى أمره بعد موته. ومنها: تقدير الأعمال بنسبة الأوزان، إما تقريبًا للأفهام، وإما على حقيقته. ومنها: أن في قصة أبي هريرة ﵁ المتقدمة دلالة على تَمَيُّز أبي هريرة في الحفظ. ومنها: أن فيها دلالة على فضيلة ابن عمر ﵄ من حرصه على العلم، والعمل الصالح. ومنها: أن إنكار العلماء بعضهم على بعض قديم. ومنها: أن فيها استغراب العالم ما لم يصل إلى علمه. ومنها: عدم مبالاة الحافظ بإنكار من لم يحفظ. ومنها: ما كان عليه الصحابة ﵃، من التثبّت في الحديث النبويّ، والتحرّز فيه، والتنقيب عليه. ومنها: ما كان عليه الصحابة ﵃، من الرغبة في الطاعات حين يبلغهم، والتأسّف على ما فاتهم منها، وإن كانوا لا يعلمون عظم موقعه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الثالثة: قال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وقع لي حديث الباب من رواية عشرة من الصحابة، غير أبي هريرة، وعائشة، من حديث ثوبان، عند مسلم، والبراء، وعبد اللَّه بن مغفّل عند النسائيّ، وأبي سعيد، عند أحمد، وابن مسعود عند أبي عوانة، وأسانيد هؤلاء الخمسة صحاح، ومن حديث أُبيّ بن كعب، عند ابن ماجه، وابن عباس عند البيهقيّ في "الشُّعَب"، وأنس عند الطبرانيّ في "الأوسط"، وواثلة بن الأسقع عند ابن عديّ، وحفصة، عند حميد بن زنجويه في "فضائل الأعمال"، وفي كلّ من أسانيد هؤلاء الخمسة ضعف انتهى (١) واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٩٤١ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَشْعَثُ, عَنِ الْحَسَنِ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغَفَّلِ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ تَبِعَ جَنَازَةً, حَتَّى يُفْرَغَ مِنْهَا, فَلَهُ قِيرَاطَانِ, فَإِنْ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ يُفْرَغَ مِنْهَا, فَلَهُ قِيرَاطٌ». رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (محمد بن عبد الأعلى) الصنعاني البصريّ، ثقة [١٠] ٥/ ٥. ٢ - (خالد) بن الحارث الْهُجَيميّ البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٤٢/ ٤٧. ٣ - (أشعث) بن عبد الملك الْحُمراني، أبو هانئ البصريّ، ثقة فقيه [٦] مات سنة (١٤٢) (خت ٤) تقدم في ١٢٩/ ١٩١. [تنبيه]: يحتمل أن يكون أشعث هنا هو ابن عبد اللَّه بن جابر الْحُدَّانيّ، أبو عبد اللَّه

стр. 10677

الأعمى البصريّ، وقد يُنسب إلى جدّه، وهو الْحُمْليّ، والأزديّ، وحُدّان من الأزد، صدوق [٥]. قال النسائيّ: ثقة. وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقة. وقال أحمد: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: شيخ. وقال البزّار: ليس به بأس، مستقيم الحديث. وفرق بين الحدّاني هذا، وبين أشعث الأعمى، فقال فيه: ليّن الحديث. وقال ابن حبّان في "الثقات": ما أُراه سمع من أنس. وقال العقيليّ: في حديثه وَهَم. وقال الدارقطنيّ: يُعتبر به. عَلَّق له البخاريّ، وأخرج الباقون، سوى مسلم. وذلك لأن كلا منهما يروي عن الحسن البصريّ، ويروي عنهما خالد الْهُجَيميّ، راجع ترجمتيهما في "تهذيب الكمال"، وهذا التردّد لا يضرّ في صحة الحديث، لأن كلّا منهما ثقة. فتنبّه. واللَّه تعالى وليّ التوفيق. ٤ - (الحسن) بن أبي الحسن يسار البصريّ الإمام الحجة الفقيه الثبت [٣] ٣٢/ ٣٦. ٥ - (عبد اللَّه بن المُغَفّل) بن عُبيد بن نَهْم، أبو عبد الرحمن المزنيّ صحابيّ بايع تحت الشجرة، ثم نزل البصرة، مات ﵁ سنة (٥٧) وقيل: بعد ذلك ٣٢/ ٣٦. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث عبد اللَّه بن المغفّل - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، أخرجه هنا -٥٤/ ١٩٤١ - وفي "الكبرى" ٥٤/ ٢٠٦٨. وشرحه، وسائر المسائل المتعلّقة به تُعلَم مما سبق في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 10678

٥٥ - مَكَانُ الرَّاكِبِ مِنَ الْجَنَازَةِ أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على موضع الشخص الذي يتبع الجنازة، وهو خلفها. ١٩٤٢ - أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ وَاصِلٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ, وَأَخُوهُ الْمُغِيرَةُ جَمِيعًا, عَنْ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ, عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الرَّاكِبُ خَلْفَ الْجَنَازَةِ, وَالْمَاشِي حَيْثُ شَاءَ مِنْهَا, وَالطِّفْلُ يُصَلَّى عَلَيْهِ». رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (زياد بن أيوب) بن زياد البغداديّ، أبو هاشم الطُّوسيّ الأصل، الملقّب دلّويه، وكان يغضب منها، ولقّبه أحمد شعبةَ الصغير، ثقة حافظ [١٠] مات سنة (٢٥٢)، وله (٨٦) سنة ١٠١/ ١٣٢. ٢ - (عبد الواحد بن واصل) السَّدُوسيّ مولاهم، أبو عُبيدة الحدّاد البصريّ، نزيل بغداد، ثقة تكلّم فيه الأزديّ بغير حجة [٩] مات سنة (١٥٠) ٥٥/ ٩٧٢. ٣ - (سعيد بن عُبيد اللَّه) بن جبير بن حيّة -بالمهملة، والتحتانية- الثقفيّ الجُبَيريّ- بضم الجيم، والموحّدة- البصريّ، صدوق ربما وهم [٦]. قال أحمد، وابن معين، وأبو زرعة: ثقة. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال الحاكم، عن الدارقطنيّ: ليس بالقويّ، يحدّث بأحاديث، يسندها، وغيره يوقفها. واستنكر له البخاريّ له حديثًا في "تاريخه". روى له البخاريّ، والترمذيّ، والمصنف، وابن ماجه، وله فى هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وكرره ثلاث مرّات برقم ١٩٤٢ و ١٩٤٣ و ١٩٤٨. [تنبيه]: وقع في "الكبرى" "سعيد بن عبد اللَّه" مكبّرًا، وهو تصحيف، والصواب ما في "المجتبى" "ابن عبيد اللَّه" مصغّرًا، فتنبّه. ٤ - (المغيرة) بن عُبيد اللَّه بن جُبير بن حيّة الثقفيّ، مقبول [٧]. روى عن عمه زياد بن جبير، وعنه أبو عبيدة الحدّاد، وذكره ابن حبّان في "الثقات". انفرد به المصنّف، فأخرج له حديث الباب فقط. ٥ - (زياد بن جُبير) بن حيّة بن مسعو بن مُعَتِّب الثقفيّ البصريّ، ثقة، كان يرسل [٣].

стр. 10679

قال أبو طالب، عن أحمد: من الثقات، وقال مرةً: رجل معروف. وقال ابن معين، وأبو رزعة، والنسائيّ: ثقة. ووثقه العجليّ. وسئل عنه أبو داود؟ فقال: هذا زياد الْجِهْبِذ. وقال الدارقطنيّ: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في الطبقة الثالثة، من "الثقات". روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وكرره بالأرقام المذكورة في الترجمة السابقة. ٦ - (جُبير بن حيّة) بن مسعود بن مُعَتِّب بن مالك بن كعب بن عَمْرو بن سَعْد بن عَوْف بن ثَقيف، الثقفيّ البصريّ، ابن أخي عروة بن مسعود، ثقة جليل [٣]. ذكره ابن حبّان في ثقات التابعين. وقال أبو نعيم في "تاريخه": يُكنى أبا فرشاد. وذكره أبو موسى في "الصحابة"، وأخرج له حديثًا مرسلاً، وصحح أنه تابعيّ. ومال الحافظ إلى إثبات صحبته، فذكره في القسم الأول من "الإصابة"، وقال: ثبت في "صحيح البخاريّ" أنه شهد الفتوح في عهد عمر ﵁، وأخرج البخاريّ ذلك، من رواية ولده زياد بن جبير، عنه، ولم أر من ذكر جبيرًا في الصحابة، وهو من شرطهم، لأن ثقيفًا لم يبق منهم في عهد النبي ﷺ ممن كان موجودا أحد، إلا أسلم، وشهد حجة الوداع، وقد ذكره أبو موسى في الصحابة، وأخرج له حديثًا، وزعم أنه مرسل، وصحح أنه تابعيّ، وليست صحبته عندي بمندفعة، فمن يشهد الفتوح في عهد عمر لا بدّ أن يكون إذ ذاك رجلاً، إذ القصّة التي شهدها كانت بعد الوفاة النبويّة بدون عشر سنين، فأقلّ أحواله أن يكون له رؤية انتهى (١). وقال أبو الشيخ: كان يسكن الطائف، وكان معلّم كُتَّاب، ثم قدم العراق، فصار من كَتَبَة الديوان، فلما ولي زياد أكرمه، وعظّمه، وقرّبه، فعظم شأنه، وولّاه أصبهان، توفي في خلافة عبد الملك بن مروان. روى له الجماعة، سوى مسلم، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، كرره بالأرقام المذكورة قبل ترجمة. ٧ - (المغيرة بن شعبة) بن مسعود بن معتّب الثقفي صحابي مشهور، أسلم قبل الحديبية، وولي إمرة البصرة، ثم الكوفة، مات ﵁ سنة (٥٠) على الصحيح ١٦/ ١٧. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم

стр. 10680

رجال الصحيح، غير المغيرة بن عبيد اللَّه، فمن أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فبغدادي. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، والابن عن أبيه. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عن زياد بن جُبير، عن أبيه) هكذا جميع نسخ "المجتبى" التي بين يديّ، بزيادة "عن أبيه"، ووقع في "الكبرى" "عن زياد بن جبير، عن المغيرة … "، وأشار الحافظ أبو الحجاج المزّيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "تحفة الأشراف" جـ ٨ ص ٤٧١ إلى أن نسخ "المجتبى" بإسقاط "عن أبيه"، مثل ما وقع في "الكبرى". قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن نسخ "المجتبى" التي أثبتت "عن أبيه" هي الصحيحة، لأنه قال في "تهذيب الكمال" ج ٢ ص ٩٤٤ و"تهذيب التهذيب"ج ١ ص ٦٣٤ في ترجمة زياد المذكور أنه: روى عن المغيرة بن شعبة، والمحفوظ "عن أبيه"، عنه انتهى. وأيضًا رواية بشر بن السَّريّ، عن سعيد بن عبيد اللَّه الآتية في الباب التالي، وروايةُ خالد الْهُجَيمي، عن سعيد الآتية في ٥٩/ ١٩٤٨ بإثبات "عن أبيه"، فتأمل. (عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ) ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الرَّاكِبُ خَلْفَ الْجَنَازَةِ) "الراكب" مبتدأ والظرف متعلق بمحذوف، خبر عنه، أي الراكب يمشي خلف الجنازة، قال السنديّ ﵀: أي اللائق بحاله أن يكون خلف الجنازة (وَالْمَاشِي حَيثُ شَاءَ مِنْهَا) إعرابه كسابقه، أي يمشي في أي مكان تيسّر له، أمامَ الجنازة، أو خلفها، أو يمينها، أو شمالها، لأن حاجة الحمل تدعو إلى أن ينتقل في هذه الجهات (وَالطِّفْلُ يُصَلَّى عَلَيْهِ") جملة من مبتدأ وخبر، والفعل مبنيّ للمفعول، بَيَّنَ به أن الصلاة على الطفل إذا مات مشروعة، وهذا بعمومه يشمل من استهلّ، ومن لم يستهلّ، وبه قال أحمد، وغيره، وهو الراجح، وقال الجمهور: يُصَلَّى عليه، إن استهلّ"، لحديث جابر ﵁، مرفوعًا: "الطفل لا يصلّى عليه، ولا يَرث، ولا يورث، حتى يَستهلّ". روه الترمذيّ، وابن ماجه، لكن الحديث ضعيف، لأنه من رواية إسماعيل بن مسلم المكيّ، وهو ضعيف، وسيأتي تمام البحث فيه في ٥٩/ ١٩٤٨ - باب "الصلاة على الأطفال"، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث المغيرة بن شعبة ﵁ هذا صحيح.

стр. 10681

[تنبيه]: مدار هذا الحديث على زياد بن جُبير، وقد اختَلَف عليه أصحابه، فرواه عنه يونس بن عُبيد موقوفًا، أو شكّ في رفعه، كما عند أبي داود، والحاكم ج ١/ ٣٦٣ وأحمد ج ٤/ ٢٤٩ وأبي داود الطيالسيّ، وابن أبي شيبة، ورواه عنه سعيد بن عُبيد اللَّه، فرفعه، كما وقع عند أحمد ٤/ ٢٥٢ والمصنّف هنا، وابن ماجه، والترمذي، والحاكم ١/ ٣٥٥ و ٣٦٣ وابن أبي شيبة، وابن عبد البرّ في "التمهيد"، وكذا رواه المغيره بن عُبيد اللَّه عند المصنّف، والمبارك بن فَضَالَة عند أحمد ٤/ ٢٤٨ والجزم مقدّم على الشكّ، فالراجح رفعه، والمحفوظ أنه رواه زياد بن جبير، عن أبيه، عن المغيرة بن شعبة، كما وقع عند جميع المخرّجين. وأما ما وقع عند ابن ماجه في "باب شهود الجنائز" "عن زياد بن جبير، سمع المغيرة ابن شعبة" فهو شاذّ، ويحتمل أن يكون رواه زياد عن أبيه، عن المغيرة، ثم سمعه، عن المغيرة مباشرةً، أو سمعه عن المغيرة، فثبّته أبوه. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٥٥/ ١٩٤٢ و ٥٦/ ١٩٤٣ و٥٩/ ١٩٤٨ - وفي "الكبرى" ٥٥/ ٢٠٦٩ و ٥٦/ ٢٠٧٠ و ٥٩/ ٢٠٦٥ - وأخرجه (د) ٣١٨٠ (ت) ١٠٣١ (ق) ١٤٨١ و ١٥٠٧ (أحمد) ١٧٦٩٧ و ١٧٧٠٩ و ١٧٧٤٢. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في اختلاف أهل العلم في سير الراكب مع الجنازة: قال الإمام أبو بكر ابن المنذر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: قد اختُلِف في هذا الباب، فروينا عن ابن عمر ﵄ أنه كان على بَغْل راكبًا أمام الجنازة. وكان علقمة، والنخعيّ يكرهان أن يتقدّم الراكب أمام الجنازة، وقال أحمد، وإسحاق: الراكب خلف الجنازة. وكرهت طائفة الركوب في الجنازة، روينا عن ابن عباس ﵄ أنه قال: الراكب مع الجنازة كالجالس في أهله. ورُوي عن ثوبان أنه قال لرجل راكب في جنازة: تركب، وعبادُ اللَّه يمشون، وأخذ بلجام دابّته، فجعل يَكْبَحُها (١). ورُوِيَ عن الشعبيّ أنه قال كقول ابن عباس. وقد روينا عن ابن عباس رواية أخرى أنه رئي راكبا في جنازة. وقال عبد اللَّه بن رباح الأنصاريّ: للماشي في الجنازة قيراطان، وللراكب قيراط انتهى (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أرجح الأقوال عندي في هذه المسألة القول الأول، وحاصله أنه يجوز الركوب لمن يتبع الجنازة، وأن الأولى أن يكون خلفها؛ لحديث الباب، وغيره، كما سيأتي في الباب التالي، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب،

стр. 10682

وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٥٦ - مَكَانُ الْمَاشِي مِنَ الْجَنَازَةِ ١٩٤٣ - أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ بَكَّارٍ الْحَرَّانِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ, عَنْ سَعِيدٍ الثَّقَفِيِّ, عَنْ عَمِّهِ, زِيَادِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ حَيَّةَ, عَنْ أَبِيهِ, عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الرَّاكِبُ خَلْفَ الْجَنَازَةِ, وَالْمَاشِي حَيْثُ شَاءَ مِنْهَا, وَالطِّفْلُ يُصَلَّى عَلَيْهِ». رجال هذا الإسناد: ستة، كلهم تقدموا في الباب الماضي، سوى اثنين: ١ - (أحمد بن بكّار الْحَرَّانيّ) ابن أبي ميمونة الأمويّ مولاهم، أبو عبدالرحمن، صدوق، وكان له حفظ [١٠] ١٠٤/ ١٣٦٥، وهو من أفراد المصنّف. ٢ - (بشر بن السّريّ) أبو عَمرو الأَفْوَهُ البصريّ، سكن مكة، وكان واعظا، فلُقِّبَ بالأفوه، ثقة متقن، طُعِن فيه برأي جهم، ثم اعتذر، وتاب [٩] ١٠٤/ ١٣٦٥. والحديث صحيح، وقد تقدّم شرحه، وبيان مسائله في الذي قبله، وبقي الكلام على ما بوّب له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو مكان الماشي من الجنازة، فأقول -مستعينًا باللَّه تعالى-: مسألة: قال الإمام ابن المنذر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: قد اختلف أهل العلم في المشي أمام الجنازة، وخلفها، فممن كان يرى المشي أمام الجنازة: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وابن عمر، وأبو هريرة، والحسن بن علي، وابن الزبير، وأبو أُسَيد الساعديّ، وأبو قتادة، وقال عبدالرحمن بن أبي ليلى: لقد كنّا مع أصحاب رسول اللَّه ﷺ نمشي بين يدي الجنازة، ولا يرون بذلك بأسًا. وهو قول عُبيد بن عُمير، وشُريح، والقاسم بن محمد، وسالم، والزهريّ، ومالك، والشافعيّ، وأحمد، واحتَجَّ

стр. 10683

بتقديم عمر بن الخطاب الناس أمام جنازة زينب بنت جحش (١). وقال أصحاب الرأي: لا بأس بالمشي قدّامها، والمشيُ خلفها أحبّ إلينا. وقال إسحاق ابن راهويه: يتاخر أحبّ إلينا، وقد روينا عن عليّ أنه مشى خلفها. وسئل الأوزاعيّ عن المشي أمام الجنازة؟ فقال: هو سعة، والأفضل عندنا خلفها. وقالت طائفة: إنما أنتم مُتَّبِعُون، تكونون بين يديها، وخلفها، وعن يمينها، وعن شمالها، هذا قول مالك بن أنَس، وبه قال معاوية بن قرّة، وسعيد بن جبير. وقال إسحاق في موضع آخر: لا بأس أن يمشي الرجل أمام الجنازة، وخلفها قريبًا. قال ابن المنذر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: المشي أمام الجنازة، وخلفها، وعن شمالها (٢) جائز، والمشي أمامها أحبّ إليّ، لحديث ابن عمر ﵄ -يعني حديثه الآتي عند المصنّف بعد هذا- ولأن عليه الأكثرَ من أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، والتابعين، ومن بعدهم. فليُكثِر مع تبع الجنازة، حيث مشى منها ذكرَ الموت، والفكر في صاحبهم، وأنهم صائرون إلى ما صار إليه، وليستعدّوا للموت، ولِمَا بعده، سَهَّل اللَّه لنا حسن الاستعداد، واللقاء به انتهى كلام ابن المنذر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (٣). وقال الحافظ ابن عبدالبرّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- بعد أن ذكر الاختلاف بين العلماء في هذه المسألة: ما نصّه: قال أبو عمر: المشي أمام الجنازة أكثر عن العلماء، من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم من الخالفين، وهو مذهب الحجازيين، وهو الأفضل -إن شاء اللَّه- ولا بأس عندي بالمشي خلفها، وحيث شاء الماشي منها، لأن اللَّه لم يَحظُر ذلك، ولا رسوله ﷺ ، ولا أعلمُ أحدًا من العلماء كره ذلك، ولا ذكر أن مشي الماشي خلف الجنازة يُحبط أجره فيها، ويكون كمن لم يشهدها، وقد قال رسول اللَّه ﷺ : "من شهد الجنازة، حتى يصلي، فله قيراط، ومن شهدها حتى تُدفن كان له قيراطان". ولم يخصّ الماشي خلفها من الماشي أمامها انتهى كلام ابن عبد البر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (٤). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله الإمامان الحافظان: أبو بكر ابن المنذر، وأبو عمر ابن عبد البرّ -رحمهما اللَّه تعالى- هو الحقّ عندي. وحاصله أن المشي أمام الجنازة، أفضل، لحديث ابن عمر ﵄ الآتي بعد هذا، وهو حديث صحيح، والجواب عن إعلاله سيأتي قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى، ولأنه عَمَلُ

стр. 10684

أكثر الصحابة، والتابعين، ومَن بعدهم، هذا من حيث الأفضليةُ، وإلا فالمشي حيث تيسر: أمامها، وخلفها، ويمينها، وشمالها جائز؛ لحديث المغيرة بن شعبة ﵁ المذكور في هذا الباب، والذي قبله، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٩٤٤ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ, وَقُتَيْبَةُ, عَنْ سُفْيَانَ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ, "أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , وَأَبَا بَكْرٍ, وَعُمَرَ ﵄, يَمْشُونَ أَمَامَ الْجَنَازَةِ". رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه المروزيّ الإمام الثبت الحجة الفقيه [١٠] ٢/ ٢. ٢ - (علي بن حُجْر) السعديّ المروزيّ، ثقة حافظ، من صغار [٩] ١٣/ ١٣. ٣ - (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ، أبو رَجَاء البَغْلَانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١. ٤ - (سفيان) بن عيينة، أبو محمد الهلالي مولاهم المكي الإمام الثبت الحجة [٨] ١/ ١. ٥ - (الزهري) محمد بن مسلم، أبو بكر المدنيّ الإمام الثبت الحجة [٤] ١/ ١. ٦ - (سالم) بن عبد اللَّه بن عمر العدويّ المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٢٣/ ٤٩٠. ٧ - (عبد اللَّه بن عمر) بن الخطاب ﵄ ١٢/ ١٢. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من الزهري، وسفيان مكي، وقتيبة بغلاني، والباقيان مروزيان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه أحد الفقهاء السبعة، وهو سالم، وفيه ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) عبد اللَّه بن عمر ﵄ ("أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ ﵄) وفي الرواية التالية ذكر عثمان ﵁ معهم (يَمْشُونَ أَمَامَ الْجَنَازَةِ") فيه دليل على أن المشي أمام الجنازة أفضل؛ لأنه حكاية عادة، وكانت عادتهم اختيارَ الأفضل، وقد تقدّم تمام البحث فيه في الحديث الذي قبله، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 10685

مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث عبد اللَّه بن عمر ﵄ هذا صحيح على الراجح. المسألة الثانية: اختُلِف في وصل هذا الحديث، وإرساله: قال المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "الكبرى" بعد ذكر هذا الحديث: قال أبو عبدالرحمن: هذا الحديث خطأ، وهم فيه ابن عُيينة، خالفه مالك، رواه عن الزهريّ مرسلاً. وقال أيضًا بعد الحديث الثاني: قال أبو عبدالرحمن: وهذا أيضًا خطأ، والصواب مرسلاً (١)، وإنما أتى هذا، لأن الحديث رواه الزهريّ، عن سالم، عن أبيه، أنه كان يمشي أمام الجنازة، قال: وكان النبي ﷺ ، وأبو بكر، وعمر يمشون أما الجنازة، وقال: "كان النبي ﷺ " إنما هو من قول الزهريّ. قال ابن المبارك: الحفّاظ عن ابن شهاب ثلاثة: مالك، ومعمر، وابن عُيينة، فإذا اجتمع اثنان على قول أخذنا به، وتركنا قول الآخر. قال أبو عبدالرحمن: وذَكَرَ ابنُ المبارك هذا الكلام عند أهل الحديث انتهى كلام المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (٢). وقال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "التلخيص الحبير": ما نصّه: حديث ابن عمر: "رأيت رسول اللَّه ﷺ ، وأبا بكر، وعمر، يمشون أمام الجنازة". رواه أحمد، وأصحاب السنن، والدارقطنيّ، وابن حبّان، والبيهقيّ، من حديث ابن عيينة، عن الزهريّ، عن سالم، عن أبيه، به. قال أحمد: إنما هو عن الزهريّ مرسل، وحديث سالم فعل ابن عمر، وحديث ابن عيينة وَهَمٌ. قال الترمذيّ: أهل الحديث يرون المرسل أصحّ، قاله ابن المبارك، قال: وروى معمر، ويونس، ومالك، عن الزهريّ: "أن النبي ﷺ كان يمشي أمام الجنازة". قال الترمذيّ: ورواه ابن جريج، عن الزهريّ، مثل ابن عيينة، ثم روى عن ابن المبارك أنه قال: أرى ابن جُريج أخذه عن ابن عيينة. وقال النسائيّ: وَصْلُه خطأ، والصواب مرسل. وقال أحمد: ثنا حجاج، قرأت على ابن جريج، ثنا زياد بن سعد، أن ابن شهاب أخبره، حدثني سالم، عن ابن عمر، أنه كان يمشي بين يدي الجنازة، وقد كان رسول اللَّه ﷺ ، وأبو بكر، وعمر يمشون أمامها". قال عبد اللَّه: قال أبي: ما معناه: القائل: وقد كان رسول اللَّه ﷺ إلى آخره … هو الزهريّ، وحديث سالم فعل ابن عمر. وأخرجه ابن حبّان في "صحيحه"

стр. 10686

من طريق شعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ، عن سالم: أن عبد اللَّه بن عمر، كان يمشي بين يديها، وأبا بكر، وعمر، وعثمان، قال الزهريّ: وكذلك السنّة. فهذا أصحّ من ابن عيينة (١). وقد ذكر الدارقطنيّ في "العلل" اختلافًا كثيرًا فيه على الزهريّ، قال: والصحيح قول من قال: عن الزهريّ، عن سالم، عن أبيه: أنه كان يمشي. قال: وقد مشى رسول اللَّه ﷺ ، وأبو بكر، وعمر. واختار البيهقيّ ترجيح الموصول، لأنه من رواية ابن عيينة، وهو ثقة حافظ، وعن عليّ بن المدينيّ، قال: قلت لابن عيينة: يا أبا محمد خالفك الناس في هذا الحديث، فقال: أستيقن الزهريّ حدثني مرارًا، لست أحصيه، يعيد، ويبديه، سمعته من فيه، عن سالم، عن أبيه. قال الحافظ: وهذا لا ينفي عنه الوهم، فإنه سمعه منه، عن سالم، عن أبيه، والأمر كذلك، إلا أن فيه إدراجًا، لعلّ الزهريّ أدمجه إذ حدّث به ابن عيينة، وفصله لغيره، وقد أوضحته في "المدرج" بأتمّ من هذا. وجزم أيضًا بصحته ابن المنذر، وابن حزم، وقد رُوي عن يونس، عن الزهريّ، عن أنس مثله، أخرجه الترمذيّ، وقال: سألت عنه البخاريّ، فقال: هذا خطأ، أخطأ فيه محمد بن بكر انتهى كلام الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يظهر لي أن الموصول أصحّ، كما رجّحه البيهقيّ، وممن صححه أيضًا ابن حبّان، فقال في "صحيحه": "ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن هذا الخبر أخطأ فيه سفيان بن عيينة"، ثم أخرج بسنده عن شعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ، عن سالم بن عبد اللَّه، أن عبد اللَّه ابن عمر كان يمشي بين يدي الجنازة، قال: وإن رسول اللَّه ﷺ كان يمشي بين يديها، وأبا بكر، وعمر، وعثمان"، قال الزهريّ: وكذلك السنّة انتهى. وممن صححه أيضًا ابن المنذر، كما تقدّم في استدلاله به، وابن حزم، فقال في "المحلى" بعد أن ذكر رواية المصنّف الآتية بعد هذا من طريق همام بن يحيى: ولم يَخْفَ علينا قول جمهور أصحاب الحديث أن خبر همام هذا خطأ، لكنا لا نلتفت إلى دعوى الخطإ في رواية الثقة إلا ببيان، لا يُشكّ فيه انتهى (٣).

стр. 10687

وقد تابع ابن عيينة فيه ابن أخي الزهريّ -واسمه محمد بن عبد اللَّه بن مسلم- عن عمه، قال الإمام أحمد في "مسنده" جـ٢ ص ١٢٢ ﵀: ثنا سليمان بن داود الهاشميّ، أنا إبراهيم بن سعد، حدثني ابن أخي الزهريّ، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، قال: "كان رسول اللَّه ﷺ ، وأبو بكر، وعمر، وعثمان يمشون أمام الجنازة". وإسناده صحيح على شرط مسلم، وهو صريح في الرفع (١). والحاصل أن رواية ابن عيينة بالوصل صحيحة. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٥٦/ ١٩٤٤ و ١٩٤٥ - وفي "الكبرى" ٥٦/ ٢٠٧١ و ٢٠٧٢ - وأخرجه (د) ٣١٧٩ (ت) ١٠٠٧ و ١٠٠٨ و ١٠٠٩ و ١٠١٠ (ق) ١٤٨٢ و ١٤٨٣ (أحمد) ٤٥٢٥ (مالك في الموطإ) ٥٢٤. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ١٩٤٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي, قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, وَمَنْصُورٌ, وَزِيَادٌ وَبَكْرٌ -هُوَ ابْنُ وَائِلٍ- كُلُّهُمْ ذَكَرُوا, أَنَّهُمْ سَمِعُوا مِنَ الزُّهْرِيِّ, يُحَدِّثُ, أَنَّ سَالِمًا أَخْبَرَهُ, أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ, "أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ , وَأَبَا بَكْرٍ, وَعُمَرَ, وَعُثْمَانَ, يَمْشُونَ بَيْنَ يَدَيِ الْجَنَازَةِ". بَكْرٌ وَحْدَهُ لَمْ يَذْكُرْ عُثْمَانَ. قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: هَذَا خَطَأٌ, وَالصَّوَابُ مُرْسَلٌ. رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (محمد بن عبد اللَّه بن يزيد) أبو يحيى المكيّ، ثقة [١٠] ١١/ ١١. ٢ - (عبد اللَّه بن يزيد) المقرئ، أبو عبد الرحمن المكيّ، بصري الأصل، أو الأهواز، ثقة فاضل [٩] ٤/ ٧٤٦. ٣ - (همام) بن يحى بن دينار العَوْذيّ البصريّ، ثقة، ربما وهم [٧] ٥/ ٤٦٥. ٤ - (منصور) بن المعتمر، أبو عَتَّاب الكوفيّ، ثقة ثبت حجة [٥] ٢/ ٢. ٥ - (زياد) بن سعد بن عبدالرحمن الخراسانيّ، نزيل مكة، ثم اليمن، ثقة ثبت [٦] ٥١/ ٦٤. ٦ - (بكر بن وائل) بن داود التيمي الكوفيّ، صدوق [٨]. قال أبو حاتم: صالح. وقال النسائيّ: ليس به بأس، مات قبل أبيه. وقال الحاكم:

стр. 10688

وائل وابنه ثقتان. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال عبدالحقّ في "الأحكام": ضعيف. وردّ ذلك عليه ابن القطّان، فأجاد، وقال: لم يذكره أحد ممن صنّف في الضعفاء، ولا قال فيه أحد: إنه ضعيف. روى له الجماعة، سوى البخاريّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، و ٣٦٦٣ حديث: "اقضه عنها"، وأعاده برقم ٣٨١٩. والباقون ذُكِرُوا في الذي قبله، والحديث صحيح كما سبق إيضاحه في الحديث الماضي، ومضى شرحه، وبيان المسائل المتعلقة به هناك. وقوله: "بَكْرٌ وحده لم يذكر عثمان" يعني أن بكر بن وائل لم يذكر في روايته عن الزهريّ عثمان بن عفان مع النبي ﷺ ، وأبي بكر، وعم ﵃، وإنما ذكره معهم سفيان، ومنصور، وزياد. وقوله: "قال أبو عبدالرحمن: هذا خطأ الخ" قد تقدّم الجواب عنه في الذي قبله، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٥٧ - الأَمْرُ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْمَيّتِ قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: المراد بالصلاة هنا هي الصلاة الشرعية المعهودة، لا الصلاة اللغوية التي هي الدعاء، كما زعمه بعضهم، وقد أشار الإمام البخاريّ ﵀ تعالى إلى الردّ على هذا الزعم، فبوَّب له في "صحيحه"، فقال: "باب سنة الصلاة". واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ١٩٤٦ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ, وَعَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ النَّيْسَابُورِيُّ, قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ, عَنْ أَيُّوبَ, عَنْ أَبِي قِلَابَةَ, عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ, عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ أَخَاكُمْ قَدْ مَاتَ, فَقُومُوا, فَصَلُّوا عَلَيْهِ». رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (علي بن حُجر) السَّعْدي المروزيّ المذكور في الباب الماضي. ٢ - (عمرو بن زُرَارة النيسابوريّ) ثقة ثبت [١٠] ٧/ ٣٦٨. ٣ - (إسماعيل) ابن عُليّة الحافظ الثبت البصريّ [٨] ١٨/ ١٩. ٤ - (أيوب) بن أبي تميمة السختيانيّ، الحجة الثبت الفقيه [٥] ٤٨/ ٤٢. ٥ - (أبو قلابة) عبد اللَّه بن زيد بن عمرو الْجَرْميّ البصريّ، ثقة فاضل كثير الإرسال

стр. 10689

[٣] ١٠٣/ ٣٢٢. ٦ - (أبو المهَلَّب) الْجَرْميْ البصريّ، عم أبي قلابة، اسمه عمرو، أو عبد الرحمن بن معاوية، وقيل غيره، ثقة [٢] ٢٣/ ١٢٣٦. ٧ - (عمران بن حصين) بن عُبيد بن خَلَف الخزاعيّ، أبو نُجَيد الصحابي ابن الصحابيّ ﵄ ٢٠٠/ ٣٢١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الاسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخيه، فالأول مروزيّ، والثاني نيسابوريّ، وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم، عن بعض، وفيه من اشتهر بالكنية، أبو قلابة، وأبو المهلّب، وفيه رواية الراوي، عن عمه. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنِ) ﵄، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِن أَخَاكُمْ قَدْ مَاتَ) يعني النجاشي، ففي حديث جابر ﵁ الآتي في ٧٢/ ١٩٧٠: "إن أخاكم النجاشيّ قد مات … " (فَقُومُوا) فيه الأمر بالقيام في الصلاة على الجنازة، وسيأتي في باب خاصّ - ٧٣/ ١٩٧٦ - إن شاء اللَّه تعالى (فَصَلُّوا عَلَيْهِ") فيه الأمر بالصلاة على الميت، وهو محلّ الترجمة، وفيه الصلاة على الغائب، وفيه خلاف سيأتي قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث عمران بن حُصين - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٥٧/ ١٩٤٦ و٧٠/ ١٩٧٠ و ١٩٧٣ و ١٩٧٥ - وفي "الكبرى" ٥٧/ ٢٠٧٣ و ٧٢/ ٢٠٩٧ و ٢١٠٠ و ٢١٠٢. وأخرجه (م) ٩٥٢ و ٩٥٣ و ١٠٣٩ (ت) ١٥٣٦ (أحمد) ١٩٣٩٠ و ١٩٤٣٩ و ١٩٤٤٠. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما بوّب له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو الأمر بالصلاة على الميت، والأمر للوجوب، لكن وجوبًا كفائيًّا. ومنها: القيام في الصلاة على الجنازة، وسيأتي في باب خاصّ، كما أشرت إليه قريبًا. ومنها: مشروعية الصلاة على الميت الغائب،

стр. 10690

وسيأتي تمام البحث فيه قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: في المراد بالصلاة على الميت: (اعلم): أن المراد بالصلاة هنا هي الصلاة المعهودة الشرعية، لا الصلاة اللغوية، التي هي الدعاء، كما زعم بعضهم، وقد أشار الإمام البخاري -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- إلى الرّدّ على هذا الزعم، فبوّب له في "صحيحه"، فقال: "باب سنة الصلاة على الجنائز"، وقال النبي ﷺ : "من صلى على الجنازة"، وقال: "صلوا على صاحبكم"، وقال: "صلوا على النجاشيّ" سماها صلاة، ليس فيها ركوع ولا سجود، ولا يُتكَلَّمُ فيها، وفيها تكبير وتسليم. وكان ابن عمر لا يصلي إلا طاهرًا، ولا يصلي عند طلوع الشمس، ولا غروبها، ويرفع يديه. وقال الحسن: أدركت الناس، وأحقهم على جنائزهم من رضوه لفرائضهم. وإذا أحدث يوم العيد، أو عند الجنازة يطلب الماء ولا يتيمم، وإذا انتهى إلى الجنازة، وهم يصلون يدخل معهم بتكبيرة. وقال ابن المسيب: يكبر بالليل والنهار، والسفر والحضر أربعًا. وقال أنس ﵁: تكبيرة الواحد استفتاح الصلاة. ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ الآية [التوبة: ٨٤]. وفيه صفوف، وإمام. ثم أخرج بسنده عن الشعبي قال: أخبرني من مرّ مع نبيكم ﷺ على قبر منبوذ، فأمنا، فصففنا خلفه، فقلنا: يا أبا عمرو من حدثك؟ قال: ابن عباس ﵄. انتهى كلام البخاري ﵀. قال في "الفتح": قال الزين ابن المنيِّر: المراد بالسنة ما شرعه النبي ﷺ فيها يعني فهو أعم من الواجب والمندوب، ومراده بما ذكره هنا من الآثار والأحاديث أن لها حكم غيرها من الصلوات من الشرائط والأركان، وليست مجرد دعاء، فلا تجزئ بغير طهارة مثلًا. وقال في "الفتح" أيضًا: قال ابن رشد نقلًا عن ابن المرابط وغيره: ما محصّله: مراد هذا الباب الرد على من يقول: إن الصلاة على الجنازة إنما هي دعاء لها، واستغفار، فتجوز على غير طهارة. فحاول المصنف الردّ عليه من جهة التسمية التي سماها رسول اللَّه ﷺ ، ولو كان الغرض الدعاء وحده لما أخرجهم إلى البقيع، ولدعا في المسجد، وأمرهم بالدعاء معه، أو التأمين على دعائه، ولما صفهم خلفه، كما يصنع في الصلاة المفروضة والمسنونة. وكذا وقوفه في الصلاة، وتكبيره في افتتاحه، وتسليمه في التحلل منها، كل ذلك دالّ على أنها على الأبدان، لا على اللسان وحده، وكذا امتناع الكلام فيها، وإنما لم يكن فيها ركوع ولا سجود؛ لئلا يتوهم بعض الجهلة أنها عبادة للميت، فيضل بذلك. انتهى ما في "الفتح"، وهو بحث نفيس جدًّا. واللَّه

стр. 10691

تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الخامسة: في اختلاف أهل العلم في حكم الصلاة على الميت: قال الحافظ أبو عمر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: ما حاصله: اختلف العلماء في حكم الصلاة على الجنائز، فقال أكثرهم: هي فرض على الكفاية، يسقط وجوبها بمن حضرها عمن لم يحضرها، وقال بعضهم: هي سنة واجبة على الكفاية. وقال أيضًا: وفي صلاة النبي ﷺ على النجاشي، إذ لم يصلّ عليه أحد من قومه، وأمره ﷺ أصحابه بالصلاة عليه معه دليل على تأكيد الصلاة على الجنائز، وعلى أنه لا يجوز أن تترك الصلاة على مسلم مات، ولا يجوز دفنه دون أن يصلّى عليه لمن قدر على ذلك. وعلى هذا جمهور علماء المسلمين، من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم، من فقهاء الأمصار، إلا أنهم اختلفوا في الصلاة على الشهداء، وعلى البغاة، وعلى أهل الأهواء، لمعان مختلفة متباينة، على ما نذكره في مواضعه، إن شاء اللَّه تعالى. وأجمع المسلمون على أنه لا يجوز ترك الصلاة على المسلمين المذنبين من أجل ذنوبهم، وإن كانوا أصحاب كبائر انتهى كلام ابن عبد البرّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- ببعض تصرّف (١). وقال العلامة القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: فيه- أي في قوله: "فقوموا، فصلوا عليه "- دليل على وجوب الصلاة على الميت المسلم، وهو المشهور من مذاهب العلماء أنه واجب على الكفاية، ومن مذهب مالك، وقيل عنه: إنه سنة مؤكدة انتهى (٢). وقال النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: الصلاة على ميت فرض كفاية بلا خلاف عندنا، وهو إجماع، والمرويّ عن بعض المالكية مردود انتهى (٣). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بهذا أن الصلاة على الميت المسلم، وكذا المسلمة فرض على الكفاية، للأدلة الواردة في ذلك، كحديث الباب، والأحاديث الأخرى الصحيحة في صلاته ﷺ على الأموات، وأجمع على ذلك أهل العلم، فلا اختلاف بينهم في ذلك، إلا ما نُقل عن مالك، وهو مردود، كما بيّنه النوويّ ﵀ تعالى آنفًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة السادسة: في اختلاف أهل العلم في الصلاة على الميت الغائب عن البلد: ذهب جمهور السلف، إلى مشروعية الصلاة عليه، وإليه ذهب الشافعيّ، وأحمد.

стр. 10692

قال أبو محمد بن حزم -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: ويصلّى على الميت الغائب بإمام وجماعة، قد صلى رسول اللَّه ﷺ على النجاشيّ ﵁، ومات بأرض الحبشة، وصلى معه أصحابه عليه صفوفًا، وهذا إجماع منهم، لا يجوز تعدّيه انتهى (١). وقال الإمام الشافعي -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: الصلاة على الميت دعاء له، فكيف لا يُدعَى له، وهو غائب، أو في القبر. وذهبت الحنفيّة، والمالكية إلى أنه لا تشرع الصلاة عليه مطلقًا. وذهب بعض أهل العلم: إنما يجوز ذلك في اليوم الذي يموت فيه، أو ما قرب منه، لا إذا طالت المدة، حكاه ابن عبد البرّ. وذهب ابن حِبّان إلى أنه إنما يجوز ذلك لمن كان في جهة القبلة، قال المحبّ الطبريّ: لم أر ذلك لغيره. واعتذر من لم يقل بالصلاة على الغائب عن قصة النجاشيّ بأعذار، منها أنه كان بأرض لم يصلّ عليه بها أحد، ومن ثمّ قال الخطابيّ: لا يُصلى على الغائب إلا إذا وقع موته بأرض، ليس فيها من يصلي عليه، واستحسنه الرويانيّ، وترجم بذلك أبو داود في "السنن"، فقال: "باب الصلاة على المسلم يليه أهل الشرك في بلد آخر". قال الحافظ: وهذا محتمل إلا أنني لم أقف في شيء من الأخبار أنه لم يصلّ عليه في بلده أحد انتهى. وممن اختار هذا التفصيل شيخ الإسلام ابن تيميّة، والمقبليّ، واستدلّ له بما أخرجه الطيالسيّ، وأحمد، وابن ماجه، وابن قانع، والطبرانيّ، والضياء المقدسيّ، عن أبي الفيل، عن حذيفة بن أَسِيد، أن النبي ﷺ قال: "إن أخاكم مات بغير أرضكم، فقوموا، فصلّوا عليه". ومن الأعذار قولهم: كُشف له ﷺ حتى رآى، فيكون حكمه حكم الحاضرين بين يدي الإمام الذي لا يراه المؤتمون، ولا خلاف في جواز الصلاة على من كان كذلك. قال ابن دقيق العيد ﵀: هذا يحتاج إلى نقل، ولا يثبت بالاحتمال. وتعقّبه بعض الحنفية بأن الاحتمال كاف في مثل هذا من جهة المانع. قال الحافظ: وكأن مستند القائل بذلك ما ذكره الواحديّ في أسباب النزول بغير إسناد عن ابن عباس ﵄، قال: "كُشف للنبي ﷺ عن سرير النجاشيّ، حتى رآه، وصلى عليه". ولابن حبّان من حديث عمران بن حصين ﵄: "فقاموا، وصفّوا خلفه، وهم لا يظنّون إلا أن جنازته بين يديه". ولأبي عوانة من طريق أبان وغيره، عن يحيى: "فصلينا خلفه، ونحن لا نرى إلا أن الجنازة قُدّامنا".

стр. 10693

ومن الأعذار أن ذلك خاصّ بالنجاشيّ، لأنه لم يثبت أنه ﷺ صلى على ميت غائب غيره. وتعقّب بأنه ﷺ صلى على معاوية بن معاوية الليثيّ، وهو مات بالمدينة، والنبي ﷺ كان إذ ذاك بتبوك، ذكر ذلك في "الاستيعاب". وروي أيضًا عن أبي أمامة الباهليّ مثل هذه القصّة في حقّ معاوية بن مقرّن. وأخرج مثلها أيضًا عن أنس في ترجمة معاوية بن معاوية المزنيّ، ثم قال بعد ذلك: أسانيد هذه الأحاديث ليست بالقويّة، ولو أنها في الأحكام لم يكن شيء منها حجة. وقال الحافظ في "الفتح"، متعقّبًا لمن قال: إنه لم يصلّ على غير النجاشيّ، قال: وكأنه لم يثبت عنده قصّة معاوية بن معاوية الليثيّ، وقد ذكرت في ترجمته في الصحابة أن خبره قويّ بالنظر إلى مجموع طرقه انتهى. وقال الذهبيّ: لا نعلم في الصحابة معاوية بن معاوية، وكذلك تكلّم فيه البخاريّ. وقال ابن القيّم: لا يصحّ حديث صلاته ﷺ على معاوية بن معاوية، لأن في إسناده العلاء بن يزيد، قال ابن المدينيّ: كان يضع الحديث. وقال النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- مجيبًا عمن قال بأن ذلك خاصّ بالنجاشيّ: إنه لو فُتح باب هذا الخصوص لا نسدّ كثير من ظواهر الشرع، مع أنه لو كان شيء مما ذكروه لتوفّرت الدواعي إلى نقله انتهى. وقال ابن العربيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: قال المالكيّة: ليس ذلك إلا لمحمد ﷺ . قلنا: وما عمل به محمد ﷺ تعمل به أمته. -يعني لأنَّ الأصل عدم الخصوص- قالوا: طُوِيت له الأرضُ، وأُحضرت الجنازة بين يديه. قلنا: إن ربّنا عليه لقادر، وإن نبيّنا ﷺ لأهلٌ لذلك، ولكن لا تقولوا: إلا ما رويتم، ولا تخترعوا حديثًا من عند أنفسكم، ولا تحدثوا إلا بالثابت، ودعوا الضعاف، فإنه سبيل إتلاف، إلى ما ليس له تلاف انتهى. وقال الكرمانيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: قولهم: رُفع الحجاب عنه. ممنوع، ولئن سلّمنا، فكان غائبًا عن الصحابة الذين صلّوا عليه مع النبيّ ﷺ . قال العلامة الشوكانيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- بعد ذكر ما تقدّم: والحاصل أنه لم يأت المانعون من الصلاة على الغائب بشيء يعتدّ به، سوى الاعتذار بأن ذلك مختصّ بمن كان في أرض لا يصلّي عليه فيها أحد، وهو أيضًا جمود على قصّة النجاشيّ، يدفعه الأثر، والنظر انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يترجّح عندي في هذه المسألة قول من قال

стр. 10694

بجواز الصلاة على الغائب، وأقوى دليل على ذلك قصّة النجاشيّ ﵁، فإن أقلّ ما يستفاد منه أنه ﷺ فعله لبيان الجواز، وأما ما عداها مما يدلّ على أنه ﷺ صلى على غائب غيره، فلا يثبت شيء منها: فقد ذُكر أنه ﷺ صلى على ثلاثة غير النجاشيّ، معاوية بن معاوية المزنيّ، وزيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، لكنها كلها لم تثبت: أما حديث صلاته على معاوية بن معاوية المزنيّ، فقد وردت قصته من حديث أنس، وأبي أمامة، مسندةً، ومن طريق ابن المسيّب، والحسن البصريّ مرسلة. فأما حديث أنس، ففي سندها محبوب بن هلال المزني، قال في "الميزان": لا يعرف، وحديثه منكر. وقال البخاريّ: لا يتابع على حديثه. وله طريق آخر فيه يحيى بن أبي محمد قد ضُعّف، وبقية بن الوليد مدلّس تدليس التسوية، وله طريق ثالث، وفيها العلاء بن يزيد الثقفيّ، متفق على ضعفه، بل قال ابن المدينيّ: يضع الحديث. وقال ابن حبّان: روى عن أنس نسخة موضوعة، منها الصلاة بتبوك صلاة الغائب على معاوية بن معاوية الليثيّ. وأما حديث أبي أمامة، ففيه نوح بن عمرو السكسكيّ، قال ابن حبّان: إنه سرق هذا الحديث، وفيه بقية المذكور أيضًا. فقد تبيّن لك مما سقناه من كلام أهل العلم على أسانيدها، وبيانهم شدة ضعفها أنها غير صالحة للاحتجاج بها. وقد تعب صاحب "عون المعبود" في الكلام عليها، وحاول أن يقويها، فلم يأت بشيء له طائل، فتأمله بإنصاف، ولا تَتَهَوَّرْ بالاعتساف. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٥٨ - الصَّلَاةُ عَلَى الصِّبْيَانِ قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الصبيان" -بكسر الصاد المهملة، وضمها-، جمع صبيّ: الصغير، وُيجمع على صِبْية بالكسر. وفي "اللسان": والصبيّ: من لَدُن يُولَد إلى أن يُفطَمَ، والجمع أَصْبِيةٌ، وصِبْوَةٌ، وصَبْيةٌ، وصِبْوانٌ، وصُبْوانٌ، وصِبْيان انتهى. وفي "القاموس": و"الصبيّ": من لم يُفطَم بَعدُ، والجمع أَصْبِيَةٌ، وأَصْبٍ، وصِبْوَة، وصَبْيةٌ، وصِنية، وصِبْوان، وصِبْيَانٌ، وتُضَمّ هذه الثلاثة انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ١٩٤٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ, حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, قَالَ: حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى, عَنْ

стр. 10695

عَمَّتِهِ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ, عَنْ خَالَتِهَا أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ, قَالَتْ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِصَبِيٍّ, مِنْ صِبْيَانِ الأَنْصَارِ, فَصَلَّى عَلَيْهِ, قَالَتْ: عَائِشَةُ, فَقُلْتُ: طُوبَى لِهَذَا, عُصْفُورٌ, مِنْ عَصَافِيرِ الْجَنَّةِ, لَمْ يَعْمَلْ سُوءًا, وَلَمْ يُدْرِكْهُ, قَالَ: «أَوَ غَيْرَ ذَلِكَ, يَا عَائِشَةُ, خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ, وَخَلَقَ لَهَا أَهْلاً, وَخَلَقَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ, وَخَلَقَ النَّارَ, وَخَلَقَ لَهَا أَهْلاً, وَخَلَقَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ». رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عمرو بن منصور) أبو سعيد النسائي، ثقة ثبت [١١] ١٠٨/ ١٤٧. [تنبيه]: قوله "عمرو بن منصور" هكذا نسخ، المجتبى" وقع فيها "عمرو بن منصور" ووقع في "الكبرى" جـ ١ ص ٦٣٣ "محمد بن منصور" وهو الذي في "تحفة الأشراف" جـ ١٢ ص ٤٠٣ وكتب في هامشه: ما نصه: وقع في النسخة المطبوعة: "عمرو بن منصور" بدل "محمد" وهو تصحيف. انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي في دعوى التحصيف نظر؛ إِذْ دلاليل على ذلك؛ إذ كل من عمرو بن منصور، ومحمد بن منصور، وهو الجوّاز - شيخ للمصنف، وكلاهما يرويان عن ابن عيينة، فلا دليل لترجيح أحدهما على الآخر، ولكن الحديث لا يتأثر بهذا؛ إذ كلاهما ثقة فتنبَّه. واللَّه تعالى أعلم. ٢ - (سفيان) بن عيينة المذكور قبل باب. ٣ - (طلحة بن يحيى) بن طلحة بن عبيد اللَّه التيميّ المدنيّ، نزيل الكوفة، صدوق يخطىء [٦] ٣٦/ ٥٨٠. ٤ - (عائشة بنت طلحة) بن عبيد اللَّه التيمية، أم عمران، أمها أم كلثوم بنت أبي بكر، كانت فائقة الجمال، ثقة [٣]. قال ابن أبي مريم، عن ابن معين: ثقة حَجَّة. وقال العجليّ: مدنيّة تابعيّة ثقة. وقال أبو زرعة الدمشقيّ: حدث عنها الناس لفضلها وأدبها. وذكرها ابن حبّان في "الثقات". روى لها الجماعة، ولها في هذا الكتاب ثمانية أحاديث. ٥ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂ ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه فإنه من أفراده. (ومنها): أن فيه عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عن عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها -، أنها (قَالَتْ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِصَبِيِّ، مِنْ

стр. 10696

صِبْيَانِ الْأَنْصَارِ، فَصَلَّى عَلَيْهِ) هذا محلّ الترجمة، ففيه مشروعية الصلاة على الصبيان، وسيأتي بيان اختلاف أهل العلم فيه في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى (قَالَتْ: عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: طُوبَى لِهَذَا) قال ابن منظور ﵀: طُوبَى فُعلَى من الطِّيب، كأنّ أصله طُيْبَى، فقلبوا الياء واوًا للضمّة قبلها. وفي "التهذيب": والعرب تقول: طُوبَى لكَ، ولا تقول: طوباك، وهذا قول أكثر النحويين، إلا الأخفش، فإنه قال: من العرب مَن يُضيفها، فيقول: طوباك. وقال أبو بكر: طوباك إن فعلتَ كذا، قال: هذا مما يَلْحَن فيه العوامّ، والصواب طوبى لك إن فعلتَ كذا وكذا. وطوبَى شجرة في الجنّة، وفي التنزيل العزيز: ﴿طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ [الرعد: ٦٩]، وذهب سيبويه بالآية مذهب الدعاء، قال: هو في موضع رفع، يدلّك على رفعه رفعُ ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾. قال ثعلب: وقرئ: ﴿طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ -أي بالنصب- فجَعَل طوبى مصدرًا، كقولك: سَقْيًا له، ونظيرُهُ من المصادر الرُّجعَى، واستَدَلَّ على أن موضعه نَصْبٌ بقوله: ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾. قال الزجّاج: جاء في التفسيرِ عن النبيّ ﷺ ، أن طُوبَى شجرة في الجنّة. وقيل: طوبى لهم حُسنَى لهم. وقيل: خيرٌ لهم. وقيل: خِيرَةٌ لهم. وقيل: طوبى اسم الجنّة بالهندية. وفي "الصحاح": طوبى اسم شجرة في الجنّة. قال أبو إسحاق: طُوبى فُعلَى من الطِّيبِ، والمعنى أن العيش الطيّب لهم، وكلّ ما قيل من التفسير يُسدِّد قول النحويين: إنها فُعلَى من الطيب. ورُوي عن سعيد بن جبير أنه قال: طوبى اسم الجنّة بالحبشيّة. وقال عكرمة: طوبى لهم: معناه الحسنى لهم. وقال قتادة: طوبى كلمة عربيّة، تقول العرب: طوبى لك إت فعلت كذا وكذا؛ وأنشد [من الطويل] (١): طُوبَى لِمَنْ يَسْتَبْدِلُ الطَّوْدَ بِالْقُرَى … وَرِسْلاً بِيَقْطِينِ الْعِرَاقِ وَفُومِهَا "الرَّسْلُ": اللبن، و"الطَّوْدُ": الجبلُ، و"اليَقْطِينُ": القَرْعُ، وقال أبو عبيدة: كلّ ورقة اتّسعت، وسترت فهي يَقْطِين. و"الْفُومُ": الخبز، والحنطة، ويقال: هو الثُّوم. وفي الحديث: "بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود كما بدأ غريبًا، فطوبى للغرباء" (٢). طوبى اسم الجنّة، وقيل: شجرة فيها، وأصلها فُعْلَى من الطيب، فلما ضُمَّت الطاء، انقلبت الياء واوا. وفي الحديث: "طوبى للشام، لأن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليها" (٣). والمراد بها ههنا فُعلَى من الطِّيب، لا الجنّة، ولا الشجرة انتهى كلام ابن منظور ببعض اختصار (٤). (عُصْفُورٌ، مِنْ عَصَافِيرِ الْجَنَّةِ) بضم العين طائر ذَكَر، والأنثى بالهاء، أي هو مثل

стр. 10697

العصفور في عدم المؤاخذة بالذنب (لَمْ يَعْمَلْ سُوءًا) أي لم يَجرِ عليه القلمُ بسبب سوء عمله، لكونه مرفوع القلم، لقوله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة:، وعن المجنون المغلوب على عقله حتى يبرأ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبيّ حتى يحتلم". حديث صحيح، أخرجه أحمد، وأبو داود، والحاكم (وَلَمْ يُدْرِكْهُ) أي لم يدرك وقت السوء، وهو ما بعد البلوغ. قال العلامة القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: إنما قالت عائشة ﵄ هذا؛ لأنها بَنَت الأمرَ على أن كلّ مودود يودد على فطرة الإسلام، وأن اللَّه تعالى لا يعذّب حتى يبعث رسولاً، فحَكَمَت بذلك، فأجابها النبي ﷺ بما ذكر انتهى (١). (قَالَ) ﷺ (أَوَ غَيْرُ ذَلِكِ) بفتح الواو، والهمزة للاستفهام، والواو عاطفة على محذوف، أي أتسكتين عن هذا، وتقولين غير ذلك، ويحتمل أن تكون "أو" بسكون الواو، بمعنى "بل"، و"غير" بالنصب، أو الرفع، أي بل قولي غير ذلك، أو غيرُ ذلكِ أولى وأحسن، والظاهر أن المراد بغير ذلك أن تقول: اللَّه أعلم بما يصير أمره إليه، فتفوّض الأمر إلى اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم (يَا عَائِشَةُ، خَلَقَ اللَّهُ الجَنَّةَ، وَخَلَقَ لَهَا أَهْلًا، وَخَلَقَهُمْ) حُذف متعلّقه، أي للجنة (فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ) أي قبل أن يولدوا، ويخرجوا إلى دار التكليف (وَخَلَقَ النَّارَ، وَخَلَقَ لَهَا أَهْلاً، وَخَلَقَهُمْ) حذف متعلقه أيضًا: أي للنار (فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ") ولفظ مسلم في الموضعين: "خلقهم لها، وهم في أصلاب آبائهم". قال النووي -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: أجمع من يُعتدّ به من علماء المسلمين على أن من مات من أطفال المسلمين، فهو من أهل الجنّة، والجواب عن هذا الحديث أنه لعله نهاها عن المسارعة إلى القطع من غير دليل، أو قال ذلك قبل أن يَعلَم أن أطفال المسلمين في الجنّة. انتهى. وقال السنديّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: قلت: وقد صرّح كثير من أهل التحقيق أن التوقّف في مثله أحوط، إذ ليست المسألة مما يتعلّق بها عمل، ولا عليها إجماع، وهي خارجة عن محلّ الإجماع على قواعد الأصول، إذ محلّ الإجماع هو ما يدرك بالاجتهاد، دون الأمور المغيبة، فلا اعتداد بالإجماع في مثله لو تمّ على قواعدهم، فالتوقّف أسلم، على أن الإجماع لو تمّ وثبت لا يصحّ الجزم في مخصوص، لأن إيمان الأبوين تحقيقًا غيب، وهو المناط عند اللَّه تعالى، واللَّه تعالى أعلم انتهى (٢). وقال القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "المفهم": هذا لا يُعارِض ما تقدّم من قوله: إنه يكتب، وهو في بطن أمّه شقيّ، أو سعيد؛ لما قدّمناه من أن قضاء اللَّه، وقدره راجع

стр. 10698

إلى علمه وقُدرته، وهما أزليّان، لا أول لهما، ومقصود هذه الأحاديث كلها أنّ قدر اللَّه سبق على حدوث المخلوقات، وأن اللَّه تعالى يُظهر من ذلك ما شاء، لمن شاء، متى شاء، قبل وجود الأشياء انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٥٨/ ١٩٤٧ - وفي "الكبرى" ٥٨/ ٢٠٧٤ - وأخرجه (م) ٦٧١٠ (د) ٤٧١٣ (ق) ٨٢ (أحمد) ٢٣٦١ و ٢٥٢١٤. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما بوّب له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو مشروعية الصلاة على الصبيان. ومنها: ما كان عليه النبي ﷺ من شدّة العناية بأمور المسلمين، ولو كانوا صغارًا. ومنها: عدم القطع لأحد بالجنّة، ولو صغيرًا، تأدبًا مع اللَّه تعالى، فإنه الذي يعلم من هو أهل الجنة؟ ومنها: أن الجنة، والنار مخلوقتان الآن، وأن لهما أهلاً، لا يعلمهم إلا اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في الصلاة على الصبيان: قال الإمام ابن المنذر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: أجمع أهل العلم على أن الطفل إذا عرفت حياته، واستهلّ، صلّي عليه. واختلفوا في الصلاة على الطفل الذي لم يُعرف له حياة، فروينا عن ابن عمر، وابن عباس، وجابر أنه قالوا: إذا استهلّ المولود صلي عليه. وبه قال النخعيّ، والحسن، وعطاء، والزهريّ. وقال أحمد (٢)، والحكم، وحماد، ومالك، والأوزاعيّ، والشافعيّ: إذا لم يستهلّ لم يصلّ عليه، وبه قال أصحاب الرأي. وقالت طائفة: يصلى عليه، وإن لم يستهلّ، يروى ذلك عن ابن عمر. وبه قال محمد بن سيرين، وسعيد بن المسيّب، وقال أحمد بن حنبل: إذا عُلم أنه ولد يغسل، ويصلّى عليه، وقال إسحاق: كما نُفخ فيه الروح صلي عليه، وكذلك قال أحمد، قال: إذا تمت أربعة أشهر يصلى عليه، لأنه قد نفخ فيه الروح، وقال إسحاق: مضت السنّة في أصحاب النبي ﷺ في الصبيّ إذا سقط من بطن أمه ميتًا، بعد تمام خلقه، ونُفِخَ فيه الروح، وهو أن يمضي أربعة أشهر وعشرًا أنه يصلّى عليه، إنما الميراث في الاستهلال،

стр. 10699

وأما ما يُبعث يوم القيامة نسمةً تامّةً، وقد كُتب عليه الشقاء والسعادة، فلأيّ شيء يترك الصلاة عليه؟، وقد ذكر عن النبي ﷺ : "صلوا على أطفالكم"، رواه المغيرة بن شعبة ﵁ -يعني الحديث الآتي في الباب التالي، وتقدّم أيضًا وثبت أن ابن عمر ﵄ صلى على مولود، ذكر نافع أنه لم يكن استهلّ، وصلى أبو هريرة ﵁ على المنقوص الذي لم يعمل خطيئة، وقال: "اللَّهم أعذه من عذاب القبر" انتهى كلام ابن المنذر ﵀ تعالى باختصار (١). وقد رجّح المجد ابن تيمية في "المنتقى" قول أحمد، وإسحاق، حيث قال: وإنما يُصلّى عليه إذا نُفخت فيه الروح، وهو أن يستكمل أربعة أشهر، فأما إن سقط لدونها فلا، لأنه ليس بميت، إذ لم يُنفخ فيه روح، وأصل ذلك حديث ابن مسعود ﵁، قال: حدثنا رسول اللَّه ﷺ ، وهو الصادق المصدوق: "إن خلق أحدكم يُجمع في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون عَلَقَة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث اللَّه إليه ملكًا بأربع كلمات، بكتب رزقه، وأجله، وشقيّ، أو سعيد، ثم يُنفخ فيه الروح". متفق عليه. انتهى. قال الشوكاني بعد ذكر كلام ابن تيمية هذا: ومحلّ الخلاف فيمن سقط بعد أربعة أشهر، ولم يستهلّ، وظاهر حديث الاستهلال أنه لا يُصَلّى عليه، وهو الحقّ، لأن الاستهلال يدلّ على وجود الحياة قبل خروج السقط، كما يدلّ على وجودها بعده، فاعتبار الاستهلال من الشارع دليل على أن الحياة بعد الخروج من البطن معتبرة في مشروعية الصلاة على الطفل، وأنه لا يكتفى بمجرّد العلم بحياته في البطن فقط انتهى كلام الشوكاني -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي الأرجح مذهب القائلين بالصلاة على المودود مطلقًا، سواء استهلّ، أو لم يستهلّ، بعد أن تمّ له أربعة أشهر، كما هو مذهب أحمد، وإسحاق، ورجحه المجد ابن تيمية -رحمهم اللَّه تعالى-، لحديث المغيرة بن شعبة الآتي في الباب التالي، وقد تقدّم أيضًا، مرفوعًا: "الطفل يُصلّى عليه"، ولفظ أبي داود: "السقط يُصلى عليه". وهو حديث صحيح، كما تقدّم الكلام عليه في ٥٥/ ١٩٤٢. وأما حديث الاستهلال الذي رجح به الشوكانيّ عدم الصلاة إذا لم يستهلّ، وهو ما أخرجه الترمذيّ، من حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "الطفل لا يصلى عليه، ولا

стр. 10700

يَرِث، ولا يورث، حتى يستهلّ" (١)، ورواه ابن ماجه أيضًا، ولكنه لم يذكر "ولا يورث"، فلا يصحّ الاحتجاج به؛ لأن في إسناد الترمذيّ إسماعيل بن مسلم المكيّ، عن أبي الزبير، وإسماعيل ضعيف، وفي إسناد ابن ماجه الربيع بن بدر، عن أبي الزبير، والربيع متروك أيضًا. والصحيح أنه موقوف على جابر ﵁، فقد رواه ابن جريج وغيره، موقوفا عليه. فتبيّن بهذا أن اشتراط الاستهلال للصلاة على الطفل مما لا دليل عليه، بل الدليل الصحيح هو حديث المغيرة ﵁ المذكور، بلفظ: "والطفل يُصلّى عليه"، وبلفظ: "والسقط يُصلّى عليه"، وهو على إطلاقه يعمّ المستهلّ، وغيره. فالحاصل أن المذهب الراجح هو القول بالصلاة على الطفل مطلقًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٥٩ - الصَّلَاةُ عَلَى الأَطْفَالِ قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الأطفال": جمع طفل -بكسر، فسكون-: الصغير من كلّ شيء، أو المولود. قاله في "ق". وقال في "المصباح": الطفل: الولد الصغير، من الإنسان، والدوابّ. قال ابن الأنباريّ: ويكون الطفل بلفظِ واحدٍ للمذكْر، والمؤنّث، والجمع، قال اللَّه تعالى: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور: ٣١]، ويجوز المطابقة في التثنية، والجمع، والتأنيث، فيقال: طِفْلَة، وأطفال، وطِفْلَاتٌ، وأَطفَلَتْ كلُّ أنثى: إذا ولدت، فهي مُطفِلٌ، قال بعضهم: ويبقى هذا الاسم للولد حتى يميّز، ثم لا يقال له بعد ذلك: طفل، بل صبيٌّ، وحَزَوَّرٌ، ويافِعٌ، ومُراهِقٌ، وبالغٌ. وفي "التهذيب": يقال له: طفل إلى أن يحتلم انتهى (٢).

стр. 10701

والظاهر أن المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- ترجم للصلاة على الصبيان بباب، وللصلاة على الأطفال بباب آخر، مراعاةً للفظ الحديث، وإلا فلا فرق بينهما يؤدي إلى أن يُفْرَدَ كلٌّ منهما بباب مستقلّ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ١٩٤٨ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ, قَالَ: سَمِعْتُ زِيَادَ بْنَ جُبَيْرٍ, يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ, عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ, أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «الرَّاكِبُ خَلْفَ الْجَنَازَةِ, وَالْمَاشِي حَيْثُ شَاءَ مِنْهَا, وَالطِّفْلُ يُصَلَّى عَلَيْهِ». قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيح، وقد تقدّم سندًا ومتنًا في ٥٥/ ١٩٤٢ و ٥٦/ ١٩٤٣ - وتقدّم الكلام عليه هناك مستوفى، فلا حاجة إلى إعادته هنا، لقرب محل ذكره، فمن شاء فليرجع إليه، وباللَّه تعالى التوفيق. وممن لم يُذكر هناك من رجاله: ١ - (إسماعيل بن مسعود) الْجَحْدَريّ البصريّ، ثقة [١٠] ٤٢/ ٤٧. ٢ - (خالد) بن الحارث الْهُجَيميّ البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٤٢/ ٤٧. وأما ما يتعلّق بما بوّب له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو مشروعيّة الصلاة على الأطفال، فقد تقدم في الباب الذي قبله، وأن الراجح من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، هو القول بمشروعية الصلاة على الأطفال، وإن لم يستهلّوا، إذا تم لهم أربعة أشهر مدة نفخ الروح، وهو ظاهر مذهب المصنّف، حيث ترجم بقوله: "الصلاة على الأطفال"، ثم أورد حديث المغيرة بن شعبة ﵁، مرفوعًا: "والطفل يصلى عليه"، فإنه يدلّ على أن مراده بالترجمة إثبات الصلاة على الأطفال، لا نفيها، واللَّه أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٦٠ - أَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: يحتمل أن يكون غرض المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- بهذه الترجمة الإشارة إلى الاختلاف في حكم الصلاة على أولاد المشركين، فإنه مما اختَلف فيه أهل العلم، كما سنبيّنه، ويحتمل أن يكون غرضه الإشارة إلى الخلاف في كونهم من أهل الجنة، أو من أهل النار، والاحتمال الأول هو الظاهر؛ لأنه ذكر هذه

стр. 10702

الترجمة خلال التراجم التي وضعها لبيان أحكام الصلاة على الجنائز. ثم إن ظاهر مذهبه -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- أنه يختار التوقّف في أولاد المشركين، حيث أورد في الباب أربعة أحاديث كلها تدلّ على التوقّف. وأما الإمام البخاريّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وإن كانت ترجمته قريبة من ترجمة المصنّف، حيث قال: "باب ما قيل في أولاد المشركين"، إلا أن صنيعه يدلّ على أنه يختار القول بأنهم من أهل الجنّة. قال في "الفتح" عند الكلام على الترجمة المذكورة: هذه الترجمة تشعر بأنه كان متوقفًا في ذلك، وقد جزم بعد هذا في تفسير "سورة الروم" بما يدلّ على اختيار القول الصائر إلىِ أنهم في الجنّة، حيث قال: "باب ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] لدين اللَّه ﴿خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٧] دين الأولين. والفطرة الإسلام. واللَّه تعالى أعلم. وقد رَتَّبَ أيضًا أحاديث هذا الباب ترتيبًا يشير إلى المذهب المختار فإنه صدره بالحديث الدالّ على التوقف، وهو حديث الباب، وثنى بالحديث المرجّح لكونهم في الجنّة، وهو حديث: "كلّ مولود يولد على الفطرة … " ثم ثلّث بالحديث المصرّح بذلك، وهو حديث سمرة بن جندب في رؤيا النبي ﷺ ، وفيه: "وأما الصبيان حوله، فأولاد الناس"، وقد أخرجه في "التعبير" بلفظ: "وأما الولدان الذين حوله، فكل مولود يولد على الفطرة"، فقال بعض المسلمين: وأولاد المشركين؟، فقال: "وأولاد المشركين". قال الحافظ: ويؤيّده ما رواه أبو يعلى من حديث أنس ﵁، مرفوعًا: "سألت ربي اللاهين من ذرّية البشر أن لا يعذّبهم، فأعطانيهم". إسناده حسن. وورد تفسير "اللاهين" بأنهم الأطفال، من حديث ابن عباس ﵄، مرفوعًا، أخرجه البزّار. وروى أحمد من طريق خنساء بنت معاوية بن صريم، عن عمها (١)، قال: قلت: يا رسول اللَّه، من في الجنة؟ قال: "النبيّ في الجنّة، والشهيد في الجنّة، والمولود في الجنّة". إسناده حسن. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الراجح في المسألة هو ما مال إليه البخاريّ ﵀ تعالى، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ١٩٤٩ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ, قَالَ: حَدَّثَنَا (٢) سُفْيَانُ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ؟ فَقَالَ: «اللَّهُ

стр. 10703

أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ". رجال هذا الإسناد: خمسة، تقدّموا قريبًا، سوى: ١ - (عطاء بن يزيد الليثيّ) الْجُندَعيّ المدني، نزيل الشام، ثقة [٣] ٢٠/ ٢١. ٢ - (أبو هريرة) ﵁ ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعي. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) قال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: ولم أقف في شيء من الطرق على تسمية هذا السائل، لكن عند أحمد، وأبي داود عن عائشة ﵂ ما يحتمل أن تكون هي السائلة، فأخرجا من طريق عبد اللَّه بن أبي قيس، عنها، قالت: قدت: يا رسول اللَّه ذراريّ المؤمنين؟ فقال: "هم من آبائهم"، فقلت: يا رسول اللَّه بلا عمل؟ قال: "اللَّه أعلم بما كانوا عاملين"، قلت: يا رسول اللَّه، فذراريّ المشركيين؟ قال: "من آبائهم"، قلت: بلا عمل؟ قال: "اللَّه أعلم بما كانوا عاملين … " اللفظ لأبي داود. وروى عبدالرزّاق من طريق أبي معاذ، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة، قال: سألتْ خديجةُ النبيَّ ﷺ عن أولاد المشركين؟ فقال: "هم مع آبائهم"، ثم سألته بعد ذلك؟ فقال: "اللَّه أعلم بما كانوا عاملين"، ثم سألته بعد ما استحكم الإسلام، فنزل: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨]، قال: "هم على الفطرة"، أو قال: "في الجنة". وأبو معاذ هو سليمان بن أرقم، وهو ضعيف، ولو صحّ هذا لكان قاطعًا للنزاع، رافعًا لكثير من الإشكال انتهى (١). (عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ؟) أي مصيرهم، أهي الجنة، أم النار؟ (فَقَالَ: "اللَهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ") قال ابن قُتيبة: معنى "بما كانوا عاملين" أي لو أبقاهم، فلا تحكموا عليهم بشيء. وقال غيره: أي علم أنهم لا يعملون شيئًا، ولا يرجعون، فيعملون، أو أخبر بعلم شيء لو وُجِد كيف يكون، مثل قوله: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا﴾ [الأنعام: ٢٨] ولكن لم يُرد أنهم يُجَازَون بذلك في الآخرة، لأن العبد لا يجازى بما لم يعمل انتهى.

стр. 10704

وقال القرطبيّ ﵀: معناه: اللَّه أعلم بما جبلهم عليه، وطبعهم عليه، فمن خلقه اللَّه تعالى على جِبِلّة المطيعين كان من أهل الجنة، ومن خلقه اللَّه على جِبلّة الكفّار، من القسوة، والمخالفة، كان من أهل النار، وهذا كما قال في غلام الخضر. "طُبع يوم طُبع كافرًا". وهذا الثواب والعقاب ليس مرتّبًا على تكليف، ولا مرتبطًا به، وإنما هو بحكم علمه ومشيئته. وأما من قال: إنهم في النار مع آبائهم، فمعتمده قوله ﷺ : "هم من آبائهم". ولا حجة فيه لوجهين: "أحدهما": أن المسألة علميّة، وهذا خبر واحد، وليس نصّا في الفرض. "وثانيهما": سلمناه، لكنّا نقول: ذلك في أحكام الدنيا، وعنها سئل، وعليها خُرِّج الحديث، وذلك أنهم قالوا: يا رسول اللَّه، إنا نُبيِّتُ أهل الدار من المشركين، وفيهم الذراريّ؟، فقال: "هم من آبائهم". يعني في جواز القتل في حال التبييت، وفي غير ذلك من أحكام آبائهم الدنيوية. واللَّه تعالى أعلم انتهى كلام القرطبيّ ﵀ تعالى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "أن المسألة علمية الخ" فيه نظر لا يخفى؛ إذ يُفهَم منه أن المسألة الإعتقادية لا تؤخذ من آخبار الآحاد، وهو خلاف الصواب، وقد ذكرناه في غير هذا المحلّ، وإنما الجواب الصحيح مما ذكره هو الوجه الثاني، فتبصّر. واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. [تنبيه]: حديث أبي هريرة ﵁ هذا طرف من حديثٍ ساقه البخاريّ ﵀ تعالى بتمامه في "كتاب القدر" من طريق همام، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه، وينصّرانه، كما تُنتجون البهيمة، هل تجدون فيها من جَدْعَاء (٢)، حتى تكونوا أنتم تجَدَعونها؟ "، قالوا يا رسول اللَّه، أفرأيت من يموت صغيرًا؟ قال: "اللَّه أعلم بما كانوا عاملين". وأخرج أبو داود عقب حديث أبي هريرة ﵁ بسنده، عن ابن وهب، سمعت مالكًا، وقيل له: إن أهل الأهواء يحتجّون علينا بهذا الحديث -يعني قوله: "فأبواه يهوّدانه، أو يُنصّرانه"- فقال مالك: احتَجَّ عليهم بآخره "اللَّه أعلم بما كانوا عاملين". قال في "الفتح": ووجه ذلك أن أهل القدر استدلّوا على أن اللَّه فَطَر العباد على الإسلام، وأنه لا يضلّ أحدًا، وإنما يُضل الكافرَ أبواه، فأشار مالك إلى الردّ عليهم

стр. 10705

بقوده: "اللَّه أعلم"، فهو دالّ على أنه يعلم بما يصيرون إليه بعد إيجادهم على الفطرة، فهو دليل على تقدّم العلم الذي ينكره غلاتهم، ومن ثَمّ قال الشافعيّ: أهل القدر، إن أثبتوا العلم خُصِموا انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ٦٠/ ١٩٤٩ و١٩٥٠ و ١٩٥١ و ١٩٥٢ وفي "الكبرى" ٦٠/ ٢٠٧٦ و ٢٠٧٧ و ٢٠٧٨ و ٢٠٧٩. وأخرجه (خ) ١٣٨٤ و ٦٥٩٧ و ٦٥٩٨ و ٦٥٩٩ (م) ٢٦٥٨ و ٢٦٥٩ و ٢٦٦٠ (د) ٤٧١١ و ٤٧١٢ و ٤٧١٤ و ٤٧١٥ (ت) ٢١٣٨ (أحمد) ١٨٤٨ و ٣٠٢٦ و ٧٢٨١ و ٧٣٩٦ و ٧٤٦٨ (مالك في الموطإ) ٥٦٩. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: مشروعيّة السؤال عما لا يعلمه الشخص، سواء كان يتعلّق بأمور الدنيا، أو بأمور الآخرة. ومنها: إضافة العلم إلى اللَّه تعالى، فإنه أعلم بأحوال من خلقهم، وبمن هو أهل للجنّة، أو أهل للنار. ومنها: أن اللَّه تعالى يعلم بما يصير إليه عباده بعد أن يخلقهم. ومنها: أن فيه الردّ على القدرية الضالين الذين ينفون سبق علم اللَّه تعالى على وقوع الأشياء. ومنها: أن هذا الجواب قاله النبي ﷺ قبل أن يعلم أنهم من أهل الجنة، وهذا هو القول المختار، جمعا بينه وبين حديث: "وأما الولدان حوله، فكلّ مولود يولد على الفطرة"، فقيل له: وأولاد المشركين؟ فقال: "وأولاد المشركين"، كما تقدّم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في الصلاة على أولاد المشركين: قال الإمام ابن المنذر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: اختلف أهل العلم في الصلاة على أطفال المشركين، من السبي وغيره: فقالت طائفة: إذا كان الطفل بين أبويه، وهما مشركان، لم يصلَّ عليه، وإن لم يكن بين أبويه، فهو مسلم صلي عليه، هذا قول حمّاد بن أبي سليمان، والشافعي، وحكى أبو ثور ذلك عن الكوفيّ، وحكى عن مالك أنه قال: لا يُصَلى على صبيّ اشتُري، أو سُبي، إلا أن يكون أجاب إلى الإسلام بشيء يُعرف، ولا يُصَلِّ على جارية اشتراها، من غير أهل الكتاب (٢) حتى تسلم، وإسلامها أن تشهد أن لا

стр. 10706

إله إلا اللَّه، وأن محمدا عبده ورسوله، أو صلّت، فقد أجابت ما يعرفون أنها دخلت في الإسلام، حكى ذلك المزنيّ عنه. وقال أبو ثور: إذا سُبي الصبيّ مع أبويه، أو أحدهما، أو وحده، ثم مات قبل أن يختار الإسلام لم يصلّ عليه، وكان الشعبيّ يقول فيمن جَلَب الرقيق، فيموت بعضهم إن صلى فصلّ عليه، وإن لم يُصلّ فلا تصلّ عليه، وقال الحسن: إذا قال لا إله إلا اللَّه صلي عليه انتهى كلام ابن المنذر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: القول الأول هو الراجح عندي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الخامسة: في اختلاف أهل العلم في أولاد المشركين، هل هم من أهل الجنّة، أم لا؟: اعلم: أن الخلاف مخصوص بأطفال المشركين، فأما أولاد المؤمنين، فلا خلاف بين العلماء، كما حكاه القاضي أبو يعلى الفرّاء الحنبلي، عن الإمام أحمد، أنه قال: لا يختلف فيهم أنهم من أهل الجنة، وهذا هو المشهور بين الناس، وأما ما نقل عن بعضهم أنهم توقّفوا بأن الولدان كلهم تحت المشيئة، فغريب جدًّا، كما نبّه عليه الحافظ ابن كثير في تفسيره، فتنبّه (٢). إذا عرفت هذا فاعلم أنه اختلف العلماء قديمًا وحديثًا في هذه المسألة على أقوال: أحدها: أنهم في مشيئة اللَّه تعالى، وهو منقول عن الحمّادين، وابن المبارك، وإسحاق، ونقله البيهقيّ في "الاعتقاد" عن الشافعيّ في حقّ أولاد الكفّار خاصّة، قال ابن عبد البرّ: وهو مقتضى صنيع مالك، وليس عنده في هذه المسألة شيء منصوص، إلا أن أصحابه صرّحوا بأن أطفال المسلمين في الجنّة، وأطفال الكفّار خاصّة في المشيئة. والحجة فيه حديث: "اللَّه أعلم بما كانوا عاملين". ثانيهما: أنهم تبع لآبائهم، فاولاد المسلمين في الجنّة، وأولاد الكفّار في النار، وحكاه ابن حزم عن الأزارقة من الخوارج، واحتجّوا بقوله تعالى: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]، وتعقّبه بأن المراد قوم نوح خاصّة، وإنما دعا بذلك لما أوحى اللَّه إليه: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦]، وأما حديث: "هم من آبائهم"، أو "منهم"، فذاك في حكم الحربيّ. وروى أحمد من حديث عائشة ﵂: سألت رسول اللَّه ﷺ عن ولدان المسلمين؟

стр. 10707

قال: "في الجنّة"، وعن أولاد المشركين؟ قال: "في النار"، فقلت: يا رسول اللَّه، لم يُدركوا الأعمال، قال: "ربكِ أعلم بما كانوا عاملين، لو شئت أسمعتك تضاغيهم (١) في النار". وهو حديث ضعيف جدًّا، لأن في إسناده أبا عَقيل، مولى بُهَيّة، وهو متروك. ثالثها: أنهم يكونون في برزخ بين الجنّة والنار، لأنهم لم يعملوا حسنات يدخلون بها الجنّة، ولا سيآت يدخلون بها النار. قال ابن القيّم ﵀: وهذا ليس بشيء، فإنه لا دار للقرار إلا الجنّة والنار، وأما الأعراف، فإن مآل أصحابها إلى الجنّة، كما قاله الصحابة. رابعها: خَدَم أهل الجنّة، وفيه حديث عن أنس ﵁ ضعيف، أخرجه أبو داود الطيالسيّ، وأبو يعلى، وللطبرانيّ، والبزّار من حديث سمرة ﵁، مرفوعًا: "أولاد المشركين خدم أهل الجنّة"، وإسناده ضعيف. خامسها: أنهم يصيرون ترابًا، روي عن ثمامة بن أشرس. سادسها: أنهم في النار، حكاه عياض عن أحمد، وغلّطه ابن تيميّة بأنه قول لبعض أصحابه، ولا يُحفظ عن الإمام أصلاً. سابعها: أنهم يُمتحنون في الآخرة بأن تُرفع لهم نار، فمن دخلها كانت عليه بردا وسلامًا، ومن أبَى عُذّب، أخرجه البزّار من حديث أنس، وأبي سعيد، وأخرجه الطبرانيّ من حديث معاذ بن جبل. وقد صحّت مسالة الامتحان في حقّ المجنون، ومن مات في الفترة من طرق صحيحة، وحكى البيهقيّ في "كتاب الاعتقاد" أنه المذهب الصحيح، ومال إليه ابن القيّم، قال: وهذا أعدل الأقوال، وبه يجتمع شمل الأدلة، وتتّفق الأحاديث في هذا الباب. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لو صحت أحاديث امتحان الأطفال لكان هذا المذهب أعدل الأقوال، وأرجحها كما قال ابن القيّم، لكنها غير ثابتة، فقد أخرجها أبو يعلى الموصليّ من حديث أنس، وفي سنده ليث بن أبي سليم، وهو متروك، وأخرجها الذهليّ، والبزّار من حديث أبي سعيد الخدريّ، وفي سندها عطية العوفي، ضعيف جدًّا، وروي من حديث معاذ بن جبل ﵁، وفي سنده عمرو بن واقد الدمشقيّ، متروك. والحاصل أن أحاديث امتحان الأطفال غير صحيحة، وإنما يصحّ حديث امتحان الأصمّ، والأحمق، والهَرِم، وأهل الفترة، فقد أخرجه الإمام أحمد من حديث الأسود ابن سَرِيع ﵁، فقال في "مسنده": حدثنا علي بن عبد اللَّه، حدثنا معاذ بن هشام، قال: حدثني أبي، عن قتادة، عن الأحنف بن قيس، عن الأسود بن سَرِيع، أن نبي اللَّه ﷺ قال: "أربعة يحتجّون يوم

стр. 10708

القيامة: رجل أصم، لا يسمع شيئا، ورجل أحمق، ورجل هَرِم، ورجل مات في فترة، فأما الأصم، فيقول: رب لقد جاء الإسلام، وما أسمع شيئا، وأما الأحمق، فيقول: رب لقد جاء الإسلام، والصبيان يحذفوني بالبعر، وأما الهرم فيقول: ربي لقد جاء الإسلام، وما أعقل شيئا، وأما الذي مات في الفترة، فيقول: رب ما أتاني لك رسول، فيأخذ مواثيقهم، ليُطيعُنَّه، فيرسل إليهم أن ادخلوا النار، قال: فوالذي نفس محمد بيده، لو دخلوها، لكانت عليهم بردا وسلاما". قال حدثنا علي، حدثنا معاذ بن هشام، قال: حدثني أبي، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، مثل هذا، غير أنه قال في آخره: "فمن دخلها، كانت عليه بردا وسلاما، ومن لم يدخلها يُسحب إليها". وهذا إسناد صحيح، فظهر بهذا أن ترجيح القول بالامتحان للأطفال بحديث الامتحان ليس له وجه، لأن طرقه واهية، فلا يمكن تصحيحها بتعدد طرقها، ولا يمكن أيضًا كون الحديث الصحيح المذكور آنفًا شاهدًا لها، للمخالفة الواضحة، فإنها تدلّ على النكارة، والوهاء، فتبصّر. [تنبيه]: تُعُقِّب القول بالامتحان المذكور بأن الآخرة ليست دار تكليف، فلا عمل فيها، ولا ابتلاء. وأجيب عنه: بأن ذلك بعد أن يقع الاستقرار في الجنّة، أو النار، وأما في عرصات القيامة، فلا مانع سن ذلك، وقد قال اللَّه: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢] وفي "الصحيحين": "إن الناس يؤمرون بالسجود، فيصير ظهر المنافق طبقًا، فلا يستطيع أن يسجد". ثامنها: أنهم في الجنّة، وقد تقدّم القول فيه في "باب فضل من مات له ولد". قال النوويّ: وهو المذهب الصحيح المختار الذي صار إليه المحققون، لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وإذا كان لا يُعذّبُ العاقلُ لكونه لم تبلغه الدعوة، فلأن لا يُعذّب غير العاقل من باب الأولى. ولحديث سمرة المذكور في هذا الباب (١)، ولحديث عمة خنساء (٢) المتقدّم، ولحديث عائشة الآتي قريبًا (٣).

стр. 10709

تاسعها: الوقف. عاشرها: الامساك. قال الحافظ: وفي الفرق بينهما دقّة انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أرجح الأقوال عندي هو قول من قال: إنهم في الجنّة، كما هو ظاهر مذهب البخاريّ، وذكر النوويّ أنه المذهب الصحيح المختار الذي صار إليه المحققون، للآية المذكورة. فإن قال قائل: إنها في عذاب الدنيا. قلنا: اللفظ عامّ، فلا ينفي دخول عذاب الآخرة. ومن الحجج لهذا القول أيضًا قوله تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية [الملك: ٨ - ٩]، فهذا دليل على أن كلّ فوج يُلقى في النار لا بدّ وأن يكونوا قد جاءهم النذير، وكذّبوه، وهذا ممتنع في حقّ الأطفال. ولقوله تعالى لإبليس: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥]؛ لأنه إذا امتلأت جهنم منه، ومن أتباعه لم يبق فيها موضع لغيرهم. وبالجملة فاللَّه تعالى لا يعذّب أحدًا إلا بذنبه، فالنار دار عدله لا يدخلها أحد إلا بعمل، وأما الجنة، فدار فضله، يدخلها بغير عمل، ودهذا ينشىء اللَّه تعالى للفضل الذي يبقى فيها أقوامّا يسكنهم فضلها. ومن الحجج أيضًا حديثُ سمرة ﵁ المتقدّم في قصة رؤيا النبي ﷺ إبراهيم ﵇، وحوله الولدان، وحديثُ الفطرة، لأنه إذا ولد على الإسلام، ثم مات قبل أن يتغير عن فطرته، فإنه من أهل الجنة، وليس عليه من أوزار أبويه شيء. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة السادسة: اختلف السلف -رحمهم اللَّه تعالى- في المراد بالفطرة في حديث أبي هريرة ﵁ الذي تقدم ذكره في الشرح على أقوال كثيرة: الأول: ما حكاه أبو عبيد أنه سأل محمد بن الحسن، صاحب أبي حنيفة عن ذلك؟ فقال: كان هذا في أول الإسلام قبل أن تنزل الفرائض، وقبل الأمر بالجهاد. قال أبو عبيد: كأنه عَنَى أنه لو كان يولد على الإسلام، فمات قبل أن يهوّده أبواه مثلاً لم يرثاه، والواقع في الحكم أنهما يرثانه، فدلّ على تغير الحكم. وقد تعقّبه ابن عبد البرّ وغيره. وسبب الاشتباه أنه حمله على أحكام الدنيا، فلذلك ادعى فيه النسخ، والحقّ أنه إخبار من النبي ﷺ بما وقع في نفس الأمر، ولم يُرد به إثبات أحكام الدنيا. الثاني: أن المراد بالفطرة الإسلام، وهذا أشهر الأقوال، قال ابن عبد البرّ: وهو المعروف عند عامّة السلف، وأجمع أهل العلم بالتأويل على أن المراد بقوله تعالى:

стр. 10710

﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] الإسلام، واحتجّوا بقول أبي هريرة ﵁ في آخر الحديث: اقرؤوا إن شئتم: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾، وبحديث عياض بن حمار ﵁، عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربّه: "إني خلقت عبادي حُنَفاء كلهم، فاجتالتهم الشياطين عن دينهم … " الحديث، وقد رواه غيره، فزاد فيه: "حنفاء مسلمين … "، ورجحه بعض المتأخرين بقوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ لأنها إضافة مدح، وقد أمر نبيه ﷺ بلزومها، فعُلم أنه الإسلام. وقال ابن جرير: قوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ أي سدّد لطاعته ﴿حَنِيفًا﴾ أي مستقيمًا ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ أي صبغةَ اللَّه، وهو منصوب على المصدر الذي دلّ عليه الفعل الأول، أو منصوب بفعل مقدّر، أي الزم. وقال الزهريّ ﵀ في الصلاة على المولود: من أجل أنه وُلد على فطرة الإسلام. وقد جزم البخاريّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في تفسير "سورة الروم" بأن الفطرة الإسلام. وقد قال أحمد: من مات أبواه، وهما كافران حكم بإسلامه، واستدلّ بحديث "كلّ مولود يولد على الفطرة … "، فدلّ على أنه فسّر الفطرة بالإسلام. وتعقّبه بعضهم بأنه كان يلزم أن لا يصحّ استرقاقه، ولا يحكم بإسلامه إذا أسلم أحد أبويه. والحقّ أن الحديث سيق لبيان ما هو في نفس الأمر، لا لبيان الأحكام في الدنيا. وحكى محمد بن نصر أن آخر قولي أحمد أن المراد بالفطرة الإسلام. قال ابن القيّم: وقد جاء عن أحمد أجوبة كثيرة، يحتجّ فيها بهذا الحديث على أن الطفل إنما يُحكم بكفره بأبويه، فإذا لم يكن بين أبوين كافرين فهو مسلم. الثالث: ما رواه أبو داود عن حماد بن سلمة أنه قال: المراد أن ذلك حيث أخذ اللَّه عليهم العهد، حيث قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [لأعراف: ١٧٢]، ونقله ابن عبد البرّ عن الأوزاعيّ، وعن سحنون، ونقله أبو يعلى الفرّاء عن إحدى الروايتين عن أحمد، وهو ما حكاه الميمونيّ عنه، وذكره ابن بطّة. الرابع (١): أن المراد به تمكن الناس من الهدى في أصل الجِبِلَّة، والتهيّؤ لقبول الدين، فلو تُرك المرء عليها لاستمرّ على لزومها، ولم يُفارقها إلى غيرها، لأن حسن هذا الدين ثابت في النفوس، وإنما يُعدل عنه لآفة من الآفات البشريّة كالتقليد انتهى. وإلى هذا مال القرطبيّ في "المفهم"، فقال: المعنى أن اللَّه خلق قلوب بني آدم

стр. 10711

مؤهلة لقبول الحقّ، كما خلق أعينهم، وأسماعهم قابلة للمرئيّات، والمسموعات، فما دامت باقية على ذلك القبول، وعلى تلك الهيئة أدركت الحقّ، ودينُ الإسلام هو الدينُ الحقّ، وقد دلّ على هذا المعنى بقية الحديث، حيث قال: "كما تُنتَجُ البهيمة" يعني أن البهيمة تلد الولد كامل الخلقة، فلو ترك كذلك كان بريئًا من العيب، لكنهم تصرّفوا فيه بقطع أذنه مثلاً، فخرج عن الأصل، وهو تشبيه واقع، ووجهه واضح، واللَّه أعلم. وقال ابن القيّم: ليس المراد بقوله: "يولد على الفطرة" أنه خرج من بطن أمه يعلم الدين، لأن اللَّه يقول: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل:٧٨]، ولكن المراد أن فطرته مقتضية لمعرفة دين الإسلام ومحبته، فنفس الفطرة تستلزم الإقرار والمحبّة، وليس المراد مجرّد قبول الفطرة لذلك، لأنه لا يتغيّر بتهويد الأبوين مثلًا، بحيث يُخرجان الفطرة عن القبول، وإنما المراد أن كلّ مولود يولد على إقراره بالربوبية، فلو خلّي، وعدم المعارض لم يَعدِل عن ذلك إلى غيره، كما أنه يولد على محبّة ما يلائم بدنه، من ارتضاع اللبن حتى يصرفه عنه الصارف، ومن ثمّ شبّهت الفطرة باللبن، بل كانت إياه في تأويل الرؤيا، واللَّه أعلم. الخامس: قول ابن المبارك: إن المراد أنه يولد على ما يصير إليه، من شقاوة أو سعادة، فمن علم اللَّه أنه يصير مسلمًا وُلد على الإسلام، ومن علم اللَّه أنه يصير كافرًا ولد على الكفر، فكأنه أَوَّلَ الفطرةَ بالعِلْم. وتُعُقب بأنه لو كان كذلك لم يكن لقوله: "فأبواه يهوّدانه الخ" معنى، لأنهما فعلا به ما هو الفطرة التي وُلد عليها، فينافي التمثيل بحال البهيمة. السادس: أن المراد أن اللَّه خلق فيهم المعرفة والإنكار، فلما أخذ الميثاق من الذرّيّة قالوا جميعًا: ﴿بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] أما أهل السعادة، فقالوها طوعًا، وأما أهل الشقاوة فقالوها كرهًا. وقال محمد بن نصر: سمعت إسحاق بن راهويه يذهب إلى هذا المعنى، ويرجّحه. وتعقّب بأنه يحتاج إلى نقل صحيح، فإنه لا يعرف هذا التفصيل عند أخذ الميثاق إلا عن السديّ، ولم يسنده، وكأنه أخذه من الإسرائيليات، حكاه ابن القيّم عن شيخه. السابع: أن المراد بالفطرة الخلقة، أي يولد سالمًا لا يَعرف كفرًا ولا إيمانًا، ثم يعتقد إذا بلغ التكليف، ورجحه ابن عبد البرّ، وقال: إنه يطابق التمثيل بالبهيمة، ولا يخالف حديث عياض، لأن المراد بقوله ﴿حَنِيفَا﴾ [الروم: ٣٠] أي على استقامة. وتعقّب بأنه لو كان كذلك لم يقتصر في أحوال التبديل على ملل الكفر دون ملّة الإسلام، ولم يكن لاستشهاد أبي هريرة بالآية معنى.

стр. 10712

الثامن: قول بعضهم: إن اللام في "الفطرة" للعهد، أي فطرة أبويه. وهو متعقّب بما ذُكر في الذي قبله. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أرجح الأقوال عندي هو القول الرابع، كما تقدّم بيانه في شرح حديث خصال الفطرة في أوائل هذا الشرح، وهو الذي صححه النوويّ ﵀ في "شرح مسلم"، حيث قال: والأصحّ أن معناه أن كلّ مولود يولد متهيأ للإسلام، فمن كان أبواه، أو أحدهما مسلمًا استمرّ على الإسلام في أحكام الآخرة والدنيا، وإن كان أبواه كافرين جرى عليه حكمهما في أحكام الدنيا، وهذا معنى "يهوّدانه، وينصّرانه، ويمجّسانه"، أي يُحكم له بحكمهما في الدنيا، فإن بلغ استمرّ عليه حكم الكفر، ودينهما، فإن كانت سبقت له سعادة أسلم، وإلا مات على كفره، وإن مات قبل بلوغه، فالأصحّ أنه من أهل الجنّة. والجواب عن حديث "اللَّه أعلم بما كانوا عاملين": أنه ليس فيه تصريح بأنهم في النار، وحقيقة لفظة: "اللَّه أعلم بما كانوا يعملون" لو بلغوا، ولم يبلغوا، إذ التكليف لا يكون إلا بالبلوغ. وأما غلام الخضر فيجب تأويله قطعًا، لأن أبويه كانا مؤمنين، فيكون مسلمًا، فيتأول على أن معناه: إن اللَّه أعلم أنه لو بلغ لكان كافرًا، لا أنه كافر في الحال، ولا يجري عليه في الحال أحكام الكفار. واللَّه تعالى أعلم انتهى (١). [تنبيه]: قال العلامة ابن القيّم -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: سبب اختلاف العلماء في معنى "الفطرة" في هذا الحديث أن القدريّة كانوا يحتجّون به على أن الكفر والمعصية ليسا بقضاء اللَّه، بل مما ابتدأ الناس إحداثه، فحاول جماعة من العلماء مخالفتهم بتأويل "الفطرة على غير معنى الإسلام، ولا حاجة لذلك، لأن الآثار المنقولة عن السلف تدلّ على أنهم لم يفهموا من لفظ "الفطرة" إلا الإسلام، ولا يلزم من حملها على ذلك موافقة مذهب القدرية، لأن قوله: "فأبواه يهوّدانه الخ" محمول على أن ذلك يقع بتقدير اللَّه تعالى، ومن ثمّ احتجّ عليهم مالك بقوله في آخر الحديث: "اللَّه أعلم بما كانوا عاملين" انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٩٥٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ, قَالَ: حَدَّثَنَا الأَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ, قَالَ:

стр. 10713

حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, عَنْ قَيْسٍ -هُوَ ابْنُ سَعْدٍ- عَنْ طَاوُسٍ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , سُئِلَ عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ؟ فَقَالَ: «اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ». قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق ثان لحديث أبي هريرة ﵁، وهو بهذا السند من أفراد المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، كما أشار إليه الحافظ أبو الحجاج المزّيّ في "تحفة الأشراف" ١٠ ص ١٢٢ - ١٢٣ والمتن متفق عليه. ورجال هذا إسناده: ستة: ١ - (محمد بن عبد اللَّه بن المبارك) الْمُخَرِّيّ، أبو جعفر البغداديّ، ثقة حافظ [١١] ٤٣/ ٥٠. ٢ - (الأسود بن عامر) الشاميّ، نزيل بغداد، أبو عبدالرحمن، يُلقّب شاذان، ثقة [٩] ٧/ ٤٠٧. ٣ - (حماد) بن سلمة بن دينار البصريّ، ثقة عابد [٨] ١٨١/ ٢٨٨. ٤ - (قيس بن سعد) المكيّ، ثقة [٦] ١١٥/ ١٠٦٦. ٥ - (طاوس) بن كيسان الحِمْيَريّ مولاهم، أبو عبدالرحمن اليمانيّ، ثقة فقيه فاضل [٣] ٢٧/ ٣١. والصحابيّ، تقدّم في الذي قبله، وكذا شرح الحديث، والكلام على مسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٩٥١ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ أَبِي بِشْرٍ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ؟ فَقَالَ: «خَلَقَهُمُ اللَّهُ حِينَ خَلَقَهُمْ, وَهُوَ يَعْلَمُ (١) بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ». رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن المثنى) أبو موسى الْعَنَزيّ، ثقة حافظ [١٠] ٦٤/ ٨٠. ٢ - (عبدالرحمن) بن مهديّ البصريّ الإمام الحافظ الحجة [٩] ٢٤/ ٤٩. ٣ - (شعبة) بن الحجّاج البصريّ الإمام الحجة الثبت [٧] ٢٤/ ٢٦. ٤ - (أبو بشر) بن أبي وحشيّة جعفر بن إياس الواسطيّ، ثقة ثبت [٥] ١٣/ ٥٢٠. ٥ - (سعيد بن جُبير) الكوفيّ الثبت الفقيه العابد [٣] ٢٧/ ٤٣٦. ٦ - (ابن عباس) عبد اللَّه البحر الحبر ﵄ ٢٧/ ٣١. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث أخرجه المصنّف هنا - ٦٠/ ١٩٥١

стр. 10714

و ١٩٥٢ - وفي "الكبرى" ٦٠/ ٢٠٧٨ و ٢٠٧٩. وأخرجه (خ) ١٣٨٣ و ٦٥٩٧ (م) ٢٦٦٠ (د) ٤٧١١ (أحمد) ٣٠٢٦ و ٣١٥٥ و ٣٣٥٧. وشرحه يعلم من شرح حديث أبي هريرة ﵁، واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: قال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: لم يسمع ابن عباس ﵄ هذا الحديث من النبيّ ﷺ ، بيّن ذلك أحمد من طريق عمّار بن أبي عمّار، عن ابن عباس، قال: كنت أقول في أولاد المشركين: هم منهم، حتى حدّثني رجل، عن رجل من أصحاب النبيّ ﷺ ، فلقيته، فحدثني عن النبيّ ﷺ أنه قال: "ربهم أعلم بهم، هو خلقهم، وهو أعلم بما كانوا عاملين"، فأمسكت عن قولي انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح؛ لأنه مرسل صحابيّ، ومراسيلهم موصولة حكمًا؛ ولا سيما وقد بين ابن عباس -كما في رواية أحمد- أنه حدثه رجل من أصحاب النبيّ ﷺ ، قال السيوطي ﵀ في "ألفية الحديث"، مبينًا حكم مراسيل الصحابة ﵃: وَمُرْسَلُ الصَّاحِبِ وَصْلٌ فِي الأَصَحُّ .................................. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، واليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٩٥٢ - أَخْبَرَنِي (٢) مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى, عَنْ هُشَيْمٍ, عَنْ أَبِي بِشْرٍ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ , عَنْ ذَرَارِيِّ الْمُشْرِكِينَ؟ فَقَالَ: «اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ». هذا طريق ثان لحديث ابن عباس ﵄، ورجاله تقدّموا في الذي قبله، سوى: ١ - (مجاهد بن موسى) الْخُوَارَزْميّ الْخُتَّليّ، أبو عليّ، نزيل بغداد، ثقة [١٠] ٨٥/ ١٠٢. ٢ - (هُشيم) بن بَشير الواسطيّ، ثقة ثبت، كثير التدليس، والإرسال الخفيّ [٨] ٨٨/ ١٠٩. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". …

стр. 10715

٦١ - الصَّلَاةُ عَلَى الشُّهَدَاءِ قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر من صنيع المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- أنه يرى جواز الصلاة على الشهداء، وجواز تركها، حيث ترجم بـ "الصلاة على الشهداء"، ثم أورد حديثين، كلّ منهما يدلّ على جواز الصلاة عليهم، ثم ترجم بعد هذا بـ "ترك الصلاة عليهم"، وأورد حديثًا يدلّ على ترك الصلاة عليهم، فدلّ على أنه يرى أنه إن صُلي عليهم، فحسن، وإن ترك، فحسن، وهو المنقول عن أحمد، وإسحاق بن راهويه، وهو المذهب الراجح، كما سيأتي بيان ذلك في المسألة الثالثة، إن شاء اللَّه تعالى. و"الشُهداء": جمع شَهِيد، كما قال في "الخلاصة": وَلِكَرِيمٍ وَبَخِيلٍ فُعَلَا … كَذَا لِمَا ضَاهَاهُمَا قَدْ جُعِلَا وهو فَعيل، بمعنى فاعل، أو بمعنى مفعول، على اختلاف التأويل التالي. قال ابن الأنباريّ: سمي الشهيد شهيدًا، لأن اللَّه، وملائكته شُهُود له بالجنّة. وقيل: سمُّوا شهداء، لأنهم ممن يُستَشهَد يوم القيامة مع النبي ﷺ على الأمم الخالية. وقال أبو منصور: والشهادة تكون للأفضل، فالأفضل من الأمة، فأفضلهم من قُتل في سبيل اللَّه، مُيّزوا عن الخلق بالفضل، وبيّن اللَّه أنهم ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٦٩ - ١٧٠]، ثم يتلوهم في الفضل من عدّه النبي ﷺ شهيدًا، فإنه قال: "المبطون شهيد، والمطعون شهيد". وقيل: سمي شهيدًا لأنه حيّ لم يمت، كأنه شاهد أي حاضر. وقيل: لأن ملائكة الرحمة تشهده. وقيل: لقيامه بشهادة الحق في أمر اللَّه حتى قُتل. وقيل: لأنه يشهد ما أعدّ اللَّه له من الكرامة بالقتل. وقيل: غير ذلك. أفاده ابن منظور -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ١٩٥٣ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ, عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي عِكْرِمَةُ بْنُ خَالِدٍ, أَنَّ ابْنَ أَبِي عَمَّارٍ أَخْبَرَهُ, عَنْ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ, أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَعْرَابِ, جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ , فَآمَنَ بِهِ, وَاتَّبَعَهُ, ثُمَّ قَالَ: أُهَاجِرُ مَعَكَ, فَأَوْصَى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ , بَعْضَ أَصْحَابِهِ, فَلَمَّا كَانَتْ غَزْوَةٌ, غَنِمَ النَّبِيُّ ﷺ سَبْيًا (٢) , فَقَسَمَ, وَقَسَمَ لَهُ, فَأَعْطَى أَصْحَابَهُ مَا قَسَمَ لَهُ, وَكَانَ يَرْعَى ظَهْرَهُمْ, فَلَمَّا جَاءَ دَفَعُوهُ إِلَيْهِ, فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: قِسْمٌ,
следующие страницы →