مؤهلة لقبول الحقّ، كما خلق أعينهم، وأسماعهم قابلة للمرئيّات، والمسموعات، فما دامت باقية على ذلك القبول، وعلى تلك الهيئة أدركت الحقّ، ودينُ الإسلام هو الدينُ الحقّ، وقد دلّ على هذا المعنى بقية الحديث، حيث قال: "كما تُنتَجُ البهيمة" يعني أن البهيمة تلد الولد كامل الخلقة، فلو ترك كذلك كان بريئًا من العيب، لكنهم تصرّفوا فيه بقطع أذنه مثلاً، فخرج عن الأصل، وهو تشبيه واقع، ووجهه واضح، واللَّه أعلم.
وقال ابن القيّم: ليس المراد بقوله: "يولد على الفطرة" أنه خرج من بطن أمه يعلم الدين، لأن اللَّه يقول: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل:٧٨]، ولكن المراد أن فطرته مقتضية لمعرفة دين الإسلام ومحبته، فنفس الفطرة تستلزم الإقرار والمحبّة، وليس المراد مجرّد قبول الفطرة لذلك، لأنه لا يتغيّر بتهويد الأبوين مثلًا، بحيث يُخرجان الفطرة عن القبول، وإنما المراد أن كلّ مولود يولد على إقراره بالربوبية، فلو خلّي، وعدم المعارض لم يَعدِل عن ذلك إلى غيره، كما أنه يولد على محبّة ما يلائم بدنه، من ارتضاع اللبن حتى يصرفه عنه الصارف، ومن ثمّ شبّهت الفطرة باللبن، بل كانت إياه في تأويل الرؤيا، واللَّه أعلم.
الخامس: قول ابن المبارك: إن المراد أنه يولد على ما يصير إليه، من شقاوة أو سعادة، فمن علم اللَّه أنه يصير مسلمًا وُلد على الإسلام، ومن علم اللَّه أنه يصير كافرًا ولد على الكفر، فكأنه أَوَّلَ الفطرةَ بالعِلْم. وتُعُقب بأنه لو كان كذلك لم يكن لقوله: "فأبواه يهوّدانه الخ" معنى، لأنهما فعلا به ما هو الفطرة التي وُلد عليها، فينافي التمثيل بحال البهيمة.
السادس: أن المراد أن اللَّه خلق فيهم المعرفة والإنكار، فلما أخذ الميثاق من الذرّيّة قالوا جميعًا: ﴿بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] أما أهل السعادة، فقالوها طوعًا، وأما أهل الشقاوة فقالوها كرهًا. وقال محمد بن نصر: سمعت إسحاق بن راهويه يذهب إلى هذا المعنى، ويرجّحه. وتعقّب بأنه يحتاج إلى نقل صحيح، فإنه لا يعرف هذا التفصيل عند أخذ الميثاق إلا عن السديّ، ولم يسنده، وكأنه أخذه من الإسرائيليات، حكاه ابن القيّم عن شيخه.
السابع: أن المراد بالفطرة الخلقة، أي يولد سالمًا لا يَعرف كفرًا ولا إيمانًا، ثم يعتقد إذا بلغ التكليف، ورجحه ابن عبد البرّ، وقال: إنه يطابق التمثيل بالبهيمة، ولا يخالف حديث عياض، لأن المراد بقوله ﴿حَنِيفَا﴾ [الروم: ٣٠] أي على استقامة. وتعقّب بأنه لو كان كذلك لم يقتصر في أحوال التبديل على ملل الكفر دون ملّة الإسلام، ولم يكن لاستشهاد أبي هريرة بالآية معنى.
стр. 10712
الثامن: قول بعضهم: إن اللام في "الفطرة" للعهد، أي فطرة أبويه. وهو متعقّب بما ذُكر في الذي قبله.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أرجح الأقوال عندي هو القول الرابع، كما تقدّم بيانه في شرح حديث خصال الفطرة في أوائل هذا الشرح، وهو الذي صححه النوويّ ﵀ في "شرح مسلم"، حيث قال: والأصحّ أن معناه أن كلّ مولود يولد متهيأ للإسلام، فمن كان أبواه، أو أحدهما مسلمًا استمرّ على الإسلام في أحكام الآخرة والدنيا، وإن كان أبواه كافرين جرى عليه حكمهما في أحكام الدنيا، وهذا معنى "يهوّدانه، وينصّرانه، ويمجّسانه"، أي يُحكم له بحكمهما في الدنيا، فإن بلغ استمرّ عليه حكم الكفر، ودينهما، فإن كانت سبقت له سعادة أسلم، وإلا مات على كفره، وإن مات قبل بلوغه، فالأصحّ أنه من أهل الجنّة.
والجواب عن حديث "اللَّه أعلم بما كانوا عاملين": أنه ليس فيه تصريح بأنهم في النار، وحقيقة لفظة: "اللَّه أعلم بما كانوا يعملون" لو بلغوا، ولم يبلغوا، إذ التكليف لا يكون إلا بالبلوغ.
وأما غلام الخضر فيجب تأويله قطعًا، لأن أبويه كانا مؤمنين، فيكون مسلمًا، فيتأول على أن معناه: إن اللَّه أعلم أنه لو بلغ لكان كافرًا، لا أنه كافر في الحال، ولا يجري عليه في الحال أحكام الكفار. واللَّه تعالى أعلم انتهى (١).
[تنبيه]: قال العلامة ابن القيّم -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: سبب اختلاف العلماء في معنى "الفطرة" في هذا الحديث أن القدريّة كانوا يحتجّون به على أن الكفر والمعصية ليسا بقضاء اللَّه، بل مما ابتدأ الناس إحداثه، فحاول جماعة من العلماء مخالفتهم بتأويل "الفطرة على غير معنى الإسلام، ولا حاجة لذلك، لأن الآثار المنقولة عن السلف تدلّ على أنهم لم يفهموا من لفظ "الفطرة" إلا الإسلام، ولا يلزم من حملها على ذلك موافقة مذهب القدرية، لأن قوله: "فأبواه يهوّدانه الخ" محمول على أن ذلك يقع بتقدير اللَّه تعالى، ومن ثمّ احتجّ عليهم مالك بقوله في آخر الحديث: "اللَّه أعلم بما كانوا عاملين" انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٩٥٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ, قَالَ: حَدَّثَنَا الأَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ, قَالَ:
стр. 10713
حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, عَنْ قَيْسٍ -هُوَ ابْنُ سَعْدٍ- عَنْ طَاوُسٍ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , سُئِلَ عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ؟ فَقَالَ: «اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ».
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق ثان لحديث أبي هريرة ﵁، وهو بهذا السند من أفراد المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، كما أشار إليه الحافظ أبو الحجاج المزّيّ في "تحفة الأشراف" ١٠ ص ١٢٢ - ١٢٣ والمتن متفق عليه.
ورجال هذا إسناده: ستة:
١ - (محمد بن عبد اللَّه بن المبارك) الْمُخَرِّيّ، أبو جعفر البغداديّ، ثقة حافظ [١١] ٤٣/ ٥٠.
٢ - (الأسود بن عامر) الشاميّ، نزيل بغداد، أبو عبدالرحمن، يُلقّب شاذان، ثقة [٩] ٧/ ٤٠٧.
٣ - (حماد) بن سلمة بن دينار البصريّ، ثقة عابد [٨] ١٨١/ ٢٨٨.
٤ - (قيس بن سعد) المكيّ، ثقة [٦] ١١٥/ ١٠٦٦.
٥ - (طاوس) بن كيسان الحِمْيَريّ مولاهم، أبو عبدالرحمن اليمانيّ، ثقة فقيه فاضل [٣] ٢٧/ ٣١.
والصحابيّ، تقدّم في الذي قبله، وكذا شرح الحديث، والكلام على مسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٩٥١ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ أَبِي بِشْرٍ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ؟ فَقَالَ: «خَلَقَهُمُ اللَّهُ حِينَ خَلَقَهُمْ, وَهُوَ يَعْلَمُ (١) بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ».
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن المثنى) أبو موسى الْعَنَزيّ، ثقة حافظ [١٠] ٦٤/ ٨٠.
٢ - (عبدالرحمن) بن مهديّ البصريّ الإمام الحافظ الحجة [٩] ٢٤/ ٤٩.
٣ - (شعبة) بن الحجّاج البصريّ الإمام الحجة الثبت [٧] ٢٤/ ٢٦.
٤ - (أبو بشر) بن أبي وحشيّة جعفر بن إياس الواسطيّ، ثقة ثبت [٥] ١٣/ ٥٢٠.
٥ - (سعيد بن جُبير) الكوفيّ الثبت الفقيه العابد [٣] ٢٧/ ٤٣٦.
٦ - (ابن عباس) عبد اللَّه البحر الحبر ﵄ ٢٧/ ٣١.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث أخرجه المصنّف هنا - ٦٠/ ١٩٥١
стр. 10714
و ١٩٥٢ - وفي "الكبرى" ٦٠/ ٢٠٧٨ و ٢٠٧٩. وأخرجه (خ) ١٣٨٣ و ٦٥٩٧ (م) ٢٦٦٠ (د) ٤٧١١ (أحمد) ٣٠٢٦ و ٣١٥٥ و ٣٣٥٧. وشرحه يعلم من شرح حديث أبي هريرة ﵁، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: لم يسمع ابن عباس ﵄ هذا الحديث من النبيّ ﷺ ، بيّن ذلك أحمد من طريق عمّار بن أبي عمّار، عن ابن عباس، قال: كنت أقول في أولاد المشركين: هم منهم، حتى حدّثني رجل، عن رجل من أصحاب النبيّ ﷺ ، فلقيته، فحدثني عن النبيّ ﷺ أنه قال: "ربهم أعلم بهم، هو خلقهم، وهو أعلم بما كانوا عاملين"، فأمسكت عن قولي انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح؛ لأنه مرسل صحابيّ، ومراسيلهم موصولة حكمًا؛ ولا سيما وقد بين ابن عباس -كما في رواية أحمد- أنه حدثه رجل من أصحاب النبيّ ﷺ ، قال السيوطي ﵀ في "ألفية الحديث"، مبينًا حكم مراسيل الصحابة ﵃:
وَمُرْسَلُ الصَّاحِبِ وَصْلٌ فِي الأَصَحُّ ..................................
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، واليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٩٥٢ - أَخْبَرَنِي (٢) مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى, عَنْ هُشَيْمٍ, عَنْ أَبِي بِشْرٍ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ , عَنْ ذَرَارِيِّ الْمُشْرِكِينَ؟ فَقَالَ: «اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ».
هذا طريق ثان لحديث ابن عباس ﵄، ورجاله تقدّموا في الذي قبله، سوى:
١ - (مجاهد بن موسى) الْخُوَارَزْميّ الْخُتَّليّ، أبو عليّ، نزيل بغداد، ثقة [١٠] ٨٥/
١٠٢.
٢ - (هُشيم) بن بَشير الواسطيّ، ثقة ثبت، كثير التدليس، والإرسال الخفيّ [٨] ٨٨/ ١٠٩. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
стр. 10715
٦١ - الصَّلَاةُ عَلَى الشُّهَدَاءِ
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر من صنيع المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- أنه يرى جواز الصلاة على الشهداء، وجواز تركها، حيث ترجم بـ "الصلاة على الشهداء"، ثم أورد حديثين، كلّ منهما يدلّ على جواز الصلاة عليهم، ثم ترجم بعد هذا بـ "ترك الصلاة عليهم"، وأورد حديثًا يدلّ على ترك الصلاة عليهم، فدلّ على أنه يرى أنه إن صُلي عليهم، فحسن، وإن ترك، فحسن، وهو المنقول عن أحمد، وإسحاق بن راهويه، وهو المذهب الراجح، كما سيأتي بيان ذلك في المسألة الثالثة، إن شاء اللَّه تعالى.
و"الشُهداء": جمع شَهِيد، كما قال في "الخلاصة":
وَلِكَرِيمٍ وَبَخِيلٍ فُعَلَا … كَذَا لِمَا ضَاهَاهُمَا قَدْ جُعِلَا
وهو فَعيل، بمعنى فاعل، أو بمعنى مفعول، على اختلاف التأويل التالي.
قال ابن الأنباريّ: سمي الشهيد شهيدًا، لأن اللَّه، وملائكته شُهُود له بالجنّة. وقيل: سمُّوا شهداء، لأنهم ممن يُستَشهَد يوم القيامة مع النبي ﷺ على الأمم الخالية.
وقال أبو منصور: والشهادة تكون للأفضل، فالأفضل من الأمة، فأفضلهم من قُتل في سبيل اللَّه، مُيّزوا عن الخلق بالفضل، وبيّن اللَّه أنهم ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٦٩ - ١٧٠]، ثم يتلوهم في الفضل من عدّه النبي ﷺ شهيدًا، فإنه قال: "المبطون شهيد، والمطعون شهيد". وقيل: سمي شهيدًا لأنه حيّ لم يمت، كأنه شاهد أي حاضر. وقيل: لأن ملائكة الرحمة تشهده. وقيل: لقيامه بشهادة الحق في أمر اللَّه حتى قُتل. وقيل: لأنه يشهد ما أعدّ اللَّه له من الكرامة بالقتل. وقيل: غير ذلك. أفاده ابن منظور -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
١٩٥٣ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ, عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي عِكْرِمَةُ بْنُ خَالِدٍ, أَنَّ ابْنَ أَبِي عَمَّارٍ أَخْبَرَهُ, عَنْ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ, أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَعْرَابِ, جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ , فَآمَنَ بِهِ, وَاتَّبَعَهُ, ثُمَّ قَالَ: أُهَاجِرُ مَعَكَ, فَأَوْصَى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ , بَعْضَ أَصْحَابِهِ, فَلَمَّا كَانَتْ غَزْوَةٌ, غَنِمَ النَّبِيُّ ﷺ سَبْيًا (٢) , فَقَسَمَ, وَقَسَمَ لَهُ, فَأَعْطَى أَصْحَابَهُ مَا قَسَمَ لَهُ, وَكَانَ يَرْعَى ظَهْرَهُمْ, فَلَمَّا جَاءَ دَفَعُوهُ إِلَيْهِ, فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: قِسْمٌ,
стр. 10716
قَسَمَهُ لَكَ النَّبِيُّ ﷺ , فَأَخَذَهُ, فَجَاءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ , فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: قَسَمْتُهُ لَكَ, قَالَ: مَا عَلَى هَذَا اتَّبَعْتُكَ, وَلَكِنِّي اتَّبَعْتُكَ, عَلَى أَنْ أُرْمَى إِلَى هَاهُنَا, وَأَشَارَ إِلَى حَلْقِهِ بِسَهْمٍ, فَأَمُوتَ, فَأَدْخُلَ الْجَنَّةَ, فَقَالَ: «إِنْ تَصْدُقِ اللَّهَ يَصْدُقْكَ» , فَلَبِثُوا قَلِيلاً, ثُمَّ نَهَضُوا فِي قِتَالِ الْعَدُوِّ, فَأُتِيَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ يُحْمَلُ, قَدْ أَصَابَهُ سَهْمٌ, حَيْثُ أَشَارَ, فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَهُوَ هُوَ؟ قَالُوا: نَعَمْ, قَالَ: صَدَقَ اللَّهَ فَصَدَقَهُ» , ثُمَّ كَفَّنَهُ النَّبِيُّ ﷺ , فِي جُبَّةِ النَّبِيِّ ﷺ , ثُمَّ قَدَّمَهُ, فَصَلَّى عَلَيْهِ, فَكَانَ فِيمَا ظَهَرَ مِنْ صَلَاتِهِ, «اللَّهُمَّ هَذَا عَبْدُكَ, خَرَجَ مُهَاجِرًا فِي سَبِيلِكَ, فَقُتِلَ شَهِيدًا, أَنَا شَهِيدٌ عَلَى ذَلِكَ».
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (سويد بن نصر) المروزيّ، ثقة [١٠] ٤٥/ ٥٥.
٢ - (عبد اللَّه) بن المبارك المروزيّ الإمام الحجة الثبت [٨] ٣٢/ ٣٦.
٣ - (ابن جُريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقة فقيه فاضل مدلس [٦] ٢٨/ ٣٢.
٤ - (عكرمة بن خالد) بن العاص بن هشام المخزوميّ المكيّ، ثقة [٣] ٣٧/ ٩٤٠.
٥ - (ابن أبي عمّار) عبدالرحمن بن عبد اللَّه بن أبي عمّار المكيّ، الملقّب بالقَسّ، ثقة عابد [٣] ١/ ١٤٣٣.
٦ - (شدّاد بن الهاد) الليثيّ، صحابيّ شهد الخندق، وما بعدها [١٧٢/ ١١٤١]. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، والصحابي، فإنهما من أفراده. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ) قيل: اسمه أُسامة، ولقبه شدّاد، واسم الهاد عمرو، وقال خليفة ابن خياط: اسم الهاد أسامة بن عمرو بن عبد اللَّه بن جابر بن بشر بن عتوارة بن عامر بن مالك ابن ليث بن بكر (١). وإنما قيل له: الهاد لأنه كان يوقد النار بالليل للأضياف (٢).
стр. 10717
(أَن رَجُلاً مِنَ الْأَعْرَابِ) لم أر من سماه (جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَآمَنَ بِهِ، وَاتَّبَعَهُ) من عطف اللازم على الملزوَم، لأن الإيمان يستلزم الاتباع (ثُمَّ قَالَ: أُهَاجِرُ مَعَكَ) أي قال للنبي ﷺ : أترك بلدي، وأكون معك في المدينة، وإنما طلب ذلك منه رغبةً فيما أعدّ للمهاجرين من الثواب، وليتمكّن من الخروج للجهاد ونحوه، بسهولة (فَأَوْصَى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ ، بَعْضَ أَصْحَابِهِ) عطف على مقدّر، أي أذن له ﷺ في أن يهاجر، وأن يكون معه، ثم أوصى، أي أمر النبي ﷺ بعض الصحابة، ليقوم بأمره، حيث إنه غريب، يحتاج إلى من يساعده في أموره.
فإن قلت: ظاهر هذا الحديث يعارض ما أخرجه الشيخان، وأبو داود، والمصنّف (١) من حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ أن أعرابيا، سأل رسول اللَّه ﷺ عن الهجرة؟، فقال: "ويحك، إن شأن الهجرة شديد، فهل لك من إبل؟ "، قال: نعم، قال: "فهل تؤدي صدقتها"، قال: نعم، قال: "فاعمل من وراء البحار (٢)، فإن اللَّه ، لن يَتِرَك (٣) من عملك شيئا".
فإنه يدلّ على أن النبي ﷺ ، لم يأذن لهذا الأعرابيّ في الهجرة، بخلاف الأعرابي المذكور في حديث الباب، فقد أذن له فيها، فكيف توفّق بينهما؟.
قلت: يجمع بينهما بأن النبي ﷺ كان يعامل كلّ أحد بما يناسب حاله، فالأعرابيّ في حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ كان ممن لا يتحمّل مشقة الغربة عى أهله، ووطنه، بخلاف الأعرابيّ الذي في حديث الباب، فإنه كان ممن يتحمّل المشاقّ في سبيل اللَّه، كما ظهر مصداق ذلك في إعراضه عن الغنائم، واشتياقه إلى النعيم المقيم الدائم، فمنع الأول من الهجرة، وأذن للثاني فيها، نظرًا لمصلحة كلّ منهما، واللَّه تعالى أعلم.
(فَلَمَّا كَانَتْ غَزْوَةْ) لم أعرف هذه الغزوة، و"كان" هنا تامّة، ولذا اكتفت بمرفوعها، كما قال ابن مالك ﵀ في "الخلاصة":
..................... … وَذُو تَمَامٍ مَا بِرَفْعٍ يَكْتَفِي
وقال الحريري ﵀ في "ملحته":
وَإِنْ تَقُلْ يَا قَوْمِ قَدْ كَانَ الْمَطَرْ … فَلَسْتَ تَحْتَاجُ لَهَا إِلَى خَبَرْ
(غَنِمَ) بكسر النون، يقال: غَنِمْتُ الشيءَ أَغْنَمُهُ، من باب تَعِبَ، غُنْمًا بالضمّ: أَصَبْتُهُ
стр. 10718
غَنيمَة. أفاده في "المصباح". وفي "ق": والغَنِيمُ، والغَنِيمةُ، والغُنْمُ بالضمّ: الفَيءُ، غَنِمَ بالكسر، غُنْمًا بالضمّ، وبالفتح، وبالتحريك، وغَنِيمَةً، وغُنْمَانًا، بالضمّ، والفَوْزُ بالشيء بلا مشقّةٍ، أو هذا الغُنْمُ، والفَيْىءُ: الغنيمة انتهى (النَّبِيُّ ﷺ سَبْيًا) أي أُسارَى، يقال: سَبَى العدوَّ سَبْيًا، وسِبَاءً: أسَرَه، كاستباه، فهو سَبِيٌّ، وهي سبيٌّ أيضًا. قاله في "ق". وفي "المصباح": سبيت العدوَّ سَبْيًا، من باب رَمَى، والاسم السِّبَاء، وزانُ كتاب، والقصر لغةٌ، وأسبيته مثلهُ، فالغلام سبيّ، والجارية سبيّةٌ، ومسبيّةٌ، وجمعها سبايا، مثل عطيّة وعَطَايا، وقومٌ سَبْيٌ، وَصْفٌ بالمصدر انتهى (١). ووقع في نسخة "شيئًا" بدل "سبيًا".
(فَقَسَمَ) ﷺ ذلك السبي، يقال: قسمته قَسْمًا، من باب ضرب: فَرَزْتُهُ أجزاءً، والاسم القِسْم بالكسر، ثم أطلق القِسْم على الحصّة والنصيب، فيقال: هذا قِسْمي، والجمع أقسام، مثلُ حِمْلٍ، وأَحْمَال. أفاده في "المصباح" (وَقَسَمَ لَهُ) أي لذلك الأعرابي (فَأَعْطَى أَصْحَابَهُ مَا قَسَمَ لَهُ) أي أعطى النبي ﷺ حظَّ ذلك الأعرابي من الغنية لأصحابه، والضمير في "أصحابه" يحتمل أن يعود لذلك الأعرابيّ، ومعناه: رُفقته الذين يلازمونه في حال سفره، ويحتمل أن يعود إلى النبي ﷺ (وَكَانَ) ذلك الرجل (يَرْعَى ظَهْرَهُمْ) أي يَحرُس ظهر النبي ﷺ ، وأصحابه، لئلا يأتيهم العدوّ من جهته بغتةً (فَلَمَّا جَاءَ) من محلّ حراسته (دَفَعُوهُ إِلَيْهِ) أي أعطوه حظه الذي أعطاهم النبي ﷺ ليحفظوه له (فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: قِسْمٌ) بكسر القاف: أي نصيب، كما تقدم ضبطه قريبًا (قَسَمَهُ لَكَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَأَخَذَهُ) أي ذلك القِسم (فَجَاءَ بهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: قَسَمْتُهُ لَكَ، قَالَ: مَا عَلَى هَذَا اتَّبَعْتُكَ) أي لم أتبعك لَأجل أن أصيب عَرَضًا دنيويا (وَلَكِنِّي اتَّبَعْتُكَ، عَلَى أَنْ أُرْمَى) بالبناء للمفعول (إِلَى هَاهُنَا، وَأَشَارَ إِلَى حَلْقِهِ بِسَهْمٍ) متعلّق بـ "أشار"، أو بـ "أُرْمَى" (فَأَمُوتَ، فَأَدْخُلَ الْجَنَّةَ) أي إنما اتبعتك لأجل أن أدخل الجنَّة بالاستشهاد في سبيل اللَّه تعالى (فَقَالَ) ﷺ (إِنْ تَصْدُقِ اللَّهَ يَصْدُقكَ) بتخفيف الدال المهملة في الموضعين، من باب نصر، يقال: صدَقَ صِدقًا: خلاف كَذَبَ، فهو صادق، وصَدُوقٌ مبالغةٌ، وصدقته في القول، يتعدّى، ولا يتعدّى. قاله في "المصباح".
والمعنى: إن كنتَ صادقًا ومخلصًا فيما تقول، وتُعاهد اللَّه تعالى عليه، يجازيك على صدقك بإعطاء ما رغبت فيه (فَلَبِثُوا قَلِيلاً، ثُمَّ نَهَضُوا فِي قِتَالِ الْعَدُوِّ) أي قاموا مُسرِعين، يقال: نَهَضَ إلى العدوّ: أسرع إليه. قاله الفيّوميّ، فـ"في" بمعنى "إلى" (فَأُتِيَ بهِ النَّبِيُّ ﷺ يُحْمَلُ) بالبناء للمفعول، والجملة في محلّ نصب على الحال، أي حال كونه محمولا (قَدْ أَصَابَهُ سَهْمٌ، حَيْثُ أَشَارَ) أي في المحلّ الذي أشار إليه حينما قال
стр. 10719
للنبي ﷺ : "ولكني اتبعتك على أن أرمى إلى ههنا" (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَهُوَ هُوَ؟) أي أهذا المحمول هو ذلك الرجل الذي قال مقالته التي سبقت؟ (قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: صَدَقَ اللَّهَ) بتخفيف الدال في الموضعين، أي أخلص للَّه في قوله، وعهده (فَصَدَقَهُ) أي جازاه بتحقيق رغبته (ثُمَّ كَفَّنَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فِي جُبَّةِ النَّبِيِّ ﷺ ) والظاهر أن تكفينه في جبته ﷺ لبركتها، وإلا فالسنة أن يُكفّن الشهيد في ثيابه، فقد أمر ﷺ في قتلى أحد أن يُنزع عنهم الحديد، والجلود، وأن يدفنوا بدمائهم، وثيابهم، رواه أبو داود، وابن ماجه، وفي سنده ضعف، لكن يشهد له ما أخرجه أبو داود بإسناد على شرط مسلم، عن جابر رضي اللَّه قال: "رُمي رجل بسهم في صدره، فمات، فأُدرج في ثيابه، كما هو، ونحن مع رسول اللَّه ﷺ ) (ثُمَّ قَدَّمَهُ) أي وضعه بين يديه (فَصَلَّى عَلَيْهِ) هذا محلّ الترجمة، حيث يدلّ على أنه ﷺ صلّى على شهيد (فَكَانَ فِيمَا ظَهَرَ مِنْ صَلَاتِهِ) أي تبيّن لمن صلّى معه من الدعاء لذلك الميت (اللَّهُمَّ هَذَا عَبْدُكَ، خَرَجَ مُهَاجِرًا فِي سَبيلِكَ، فَقُتِلَ شَهِيدًا، أَنَا شَهِيدٌ عَلَى ذَلِكَ) أي على المذكور من هجرته في سبيل اللَّه، ثم قتله شهيدًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث شدّاد بن الهاد ﵁ هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، أخرجه هنا ٦١/ ١٩٥٣ - وفي "الكبرى" ٦١/ ٢٠٨٠. واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "الكبرى" بعد إخراجه لهذا الحديث: ما نصّه:
قال أبو عبدالرحمن: ما نعلم أحدًا تابع ابن المبارك على هذا، والصواب ابن أبي عَمَّار، عن ابن شدّاد بن الهاد، وابن المبارك أحد الأئمة، ولعلّ الخطأ من غيره. واللَّه أعلم انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أن المصنّف ﵀ يريد إعلال الحديث بالإرسال، فإن ابن شدّاد تابعيّ، لكن الذي يظهر أن انفراد ابن المبارك بوصله كاف، لأنه إمام ثبت، فزيادته مقبولة، فلا يؤثّر مخالفة غيره له بالإرسال، فلعل المصنف ﵀ أعرض عن ذكر هذا الإعلال لما اختصر "المجتبى"، لعدم تأثيره. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثانية: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو مشروعيّة الصلاة على الشهداء.
стр. 10720
ومنها: أن النبي ﷺ كان يعامل كلّ أحد على حسب حاله، فقد أذن لهذا الأعرابيّ في الهجرة، لكونه ممن يقوم بحقّها، ومنع منها الأعرابي الذي قد منا ذكره، لكونه ممن لا يقوم بحقها. ومنها: شدة عنايته ﷺ بأصحابه، ولا سيما الغرباء، فقد أمر بعض أصحابه أن يقوم بشان هذا الأعرابيّ، لئلا يناله مشقة الغربة، فيحمله على أن يبغض الإسلام، كما وقع لبعضهم، فقد أخرج البخاريّ في "صحيحه" عن جابر بن عبد اللَّه ﵄، أن أعرابيا، بايع رسول اللَّه ﷺ على الإسلام، فأصاب الأعرابيَّ وَعْكٌ (١) بالمدينة، فجاء الأعرابي إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقال: يا رسول اللَّه، أقلني بيعتي، فأبى رسولُ اللَّه ﷺ ، ثم جاءه، فقال: أقلني بيعتي، فابى، ثم جاءه، فقال: أقلني بيعتي، فأبى، فخرج الأعرابي، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إنما المدينة كالكِير، تَنفِي خَبَثَها، ويَنصَعُ (٢) طيبها".
ومنها: كون الغنيمة حلالاً. ومنها: أن الغنيمة تقسم بين من حضر الوقعة. ومنها: أن الإمام يقسم الغنيمة، لمان لم يجتمع الغزاة، فمن حضر أعطاه حظّه، ومن غاب حفظه له. ومنها: مشروعية حِرَاسة ظهور الجيش، لئلا يفاجئهم العدوّ من جهتها. ومنها: استحباب الإعراض عن الغنيمة، وإن كانت حلالاً، لئلا ينقص من أجر الغزو شيء، فقد أخرج مسلم في "صحيحه" عن عبد اللَّه بن عمرو، ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "ما من غازية تغزو، في سبيل اللَّه، فَيُصيبون الغنيمة، إلا تعجلوا ثلثي أجرهم، من الآخرة، ويبقى لهم الثلث، وإن لم يصيبوا غنيمة، تَمَّ لهم أجرهم". ومنها: فضل صدق العبد ربّه في معاملته، ليجازيه على صدقه، فإن هذا الرجل لما صَدَق في كونه غزا ليفوز بالجنة، لا لعَرَض الدنيا، حقق اللَّه تعالى رغبته في ذلك، فاستُشهِد، ودخل الجنّة. ومنها: عدم مشروعية غسل الشهيد، حيث إنه ﷺ لم يغسل هذا الشهيد. ومنها: مشروعية تكفين الشهيد. ومنها: مشروعيّة الدعاء للميت في الصلاة عليه، وقد ثبت الأمر بذلك، فيما رواه أبو داود، وصححه ابن حبّان، عن أبي هريرة ﵁، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا صلّيتم على الميت، فأخلصوا له الدعاء". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثالثة: في اختلاف أهل العلم في الصلاة على الشهداء:
قال الإمام الترمذيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وقد اختلف أهل العلم في الصلاة على الشهيد، فقال بعضهم: لا يصلى على الشهيد، وهو قول أهل المدينة، وبه يقول الشافعيّ، وأحمد. وقال بعضهم: يصلّى على الشهيد، واحتجّوا بحديث النبي ﷺ أنه
стр. 10721
صلى على حمزة، وهو قول الثوريّ، وأهل الكوفة، وبه يقول إسحاق انتهى كلام الترمذيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (١).
وقال الحافظ وليّ الدين العراقيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وقد اختلف العلماء في هذه المسألة، فذهب مالك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، والجمهور إلى أنه لا يصلى عليهم. وذهب أبو حنيفة إلى الصلاة عليهم كغيرهم، وبه قال المزنيّ، وهو رواية عن أحمد، اختارها الخلّال، وحكاه ابن بطّال عن الثوريّ، والأوزاعيّ، وعكرمة، ومكحول انتهى (٢).
وقد وردت أحاديث تدلّ لما ذهب إليه الفريقان، ولنذكرها، مع بيان ما لها، وما عليها:
فمنها: حديث جابر بن عبد اللَّه ﵄، قال: كان النبي ﷺ ، يجمع بين الرجلين، من قتلى أحد، في ثوب واحد، ثم يقول: "أيهم أكثر أخذًا للقرآن"، فإذا أشير له إلى أحدهما، قدّمه في اللحد، وقال: "أنا شهيد على هؤلاء، يوم القيامة"، وأمر بدفنهم في دمائهم، ولم يغسلوا، ولم يصل عليهم. متفق عليه.
ومنها: حديث أنس ﵁ إن شهداء أحد لم يغسّلوا، ودفنوا بدمائهم، ولم يصلّ عليهم. رواه أحمد، وأبو داود، والترمذيّ، وقال: إنه غريب، لا نعرفه من حديث أنس إلا من هذا الوجه، وأخرجه أبو داود في "المراسيل"، والحاكم من حديثه، قال: "مرّ النبي ﷺ على حمزة، وقد مُثل به، ولم يصلّ على أحد من الشهداء غيره". وأعلّه البخاريّ، والترمذيّ، والدارقطنيّ بأنه غَلِطَ فيه أسامةُ بن زيد -يعني الليثيّ- فرواه عن الزهريّ، عن أنس، ورجّحوا رواية الليث، عن الزهريّ، عن عبدالرحمن بن كعب بن مالك، عن جابر ﵁.
ومنها: ما أخرجه الحاكم من حديث جابر ﵁، قال: فَقَدَ رسولُ اللَّه ﷺ حمزة حين جاء الناس من القتال، فقال رجل: رأيته عند تلك الشجيرات، فلما رآه، ورأى ما مُثل به شَهِق، وبكى، فقام رجل من الأنصار، فرمى عليه بثوب، ثم جيء بحمزة، فصلى عليه … "
الحديث. وفي إسناده أبو حماد الحنفيّ، وهو متروك.
ومنها: حديث شدّاد بن الهاد ﵁ المذكور في الباب. لكن حمله البيهقيّ على أنه لم يمت في المعركة. وفيه نظر، إذ ظاهر الحديث على خلافه.
стр. 10722
ومنها: حديث عقبة بن عامر ﵁ الآتي للمصنّف بعد هذا.
ومنها: حديث ابن عباس ﵄ عند ابن إسحاق، قال: "أمر رسول اللَّه ﷺ بحمزة، فسُجِّي ببردة، ثم صلى عليه، وكبّر سبع تكبيرات، ثم أُتي بالقتلى، فيوضعون إلى حمزة، فيصلي عليهم وعليه معهم، حتى صلى عليه ثنتين وسبعين صلاةً". وفي إسناده رجل مبهم، لأن ابن إسحاق قال: حدثني من لا أتّهم، عن مقسم، مولى ابن عباس، عن ابن عباس.
قال السهيليّ: إن كان الذي أبهمه ابن إسحاق هو الحسنَ بنَ عُمَارة، فهو ضعيف، وإلا فهو مجهول، لا حجة فيه.
قال الحافظ: الحامل للسهيليّ على ذلك ما وقع في مقدّمة مسلم، عن شعبة أن الحسن بن عمارة حدّثه، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس: "أن النبي ﷺ صلى على قتلى أحد"، فسألت الحكم؟ فقال: لم يصلّ عليهم انتهى.
لكن حديث ابن عباس رُوي من طرق أخرى:
منها: ما أخرجه الحاكم، وابن ماجه، والطبرانيّ، والبيهقيّ، من طريق يزيد بن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عباس مثله، وأتمّ منه. ويزيد فيه ضعيف يسير.
وفي الباب أيضًا عن أبي مالك الغفاريّ عند أبي داود في "المراسيل" من طريقه، وهو تابعيّ، اسمه غزوان، ولفظه: "أن النبي ﷺ صلى على قتلى أحد، عشرةً، عشرةً، في كلّ عشرة حمزة، حتى صلى عليه سبعين صلاة". قال الحافظ: ورجاله ثقات. وقد أعلّه الشافعيّ بأنه متدافع، لأن الشهداء كانوا سبعين، فإذا أُتي بهم عشرةً، عشرةً يكون قد صلى سبع صلوات، فكيف تكون سبعين؟ قال: وإن أراد التكبير، فيكون ثمانية وعشرين تكبيرة. وأجيب بان المراد صلى على سبعين نفسًا، وحمزة معهم كلهم، فكأنه صلى عليه سبعين صلاة.
قال الجامع: في هذا التأويل نظر. واللَّه تعالى أعلم.
وعن ابن مسعود عند أحمد بلفظ: "فوضع رسول اللَّه ﷺ حمزة، فصلى عليه، وجيء برجل من الأنصار، فوضع إلى جنبه، فصلى عليه، فرُفع الأنصاريّ، وتُرك حمزة، ثم جيء بآخر، فوضعه إلى جنب حمزة، فصلى عليه، ثم رُفع، وتُرك حمزة حتى صلى عليه يومئذ سبعين صلاة".
قال الجامع: فيه عطاء بن السائب، مختل، والراوي عنه حماد بن سلمة، وهو ممن سمع منه قبل الاختلاط، وبعده (١)، فلا يعتمد على روايته. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 10723
ومنها: حديث أبي سَلّام، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، قال: أغرنا على حيّ من جُهينة، فطلب رجل من المسلمين رجلا منهم، فضربه، فأخطأه، وأصاب نفسه، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أخوكم يا معشر المسلمين"، فابتدره الناس، فوجدوه قد مات، فلفّه رسول اللَّه ﷺ بثيابه، ودمائه، وصلى عليه، ودفنه، فقالوا: يا رسول اللَّه أشهيد هو؟ قال: "نعم، وأنا له شهيد". رواه أبو داود، وفي إسناده سلّام بن أبي سلّام، وهو مجهول، وقال أبو داود بعد إخراجه عن سلّام المذكور: إنما هو عن زيد بن سلّام، عن جدّه أبي سلّام انتهى.
احتجّ القائلون بمشروعية الصلاة على الشهيد بهذه الأحاديث، وأجاب عنها القائلون بعدم الصلاة عليه، فقالوا: أما حديث جابر، ففيه متروك، كما تقدّم، وأما حديث شدّاد بن الهاد، فهو مرسل، لأن شدادًا تابعيّ.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الكلام خطأ، لأنه لم يقل أحد: إن شدّادًا تابعيّ، فقد تقدم أنه ممن شهد الخندق، وإنما الكلام هو الذي تقدّم عن المصنف في "الكبرى" أن هذا الحديث عن عبد اللَّه بن شدّاد، وهو تابعيّ، لا عن شدّاد، وقد تقدّم الجواب عنه، فلا تغفل.
وأجاب البيهقي عنه أيضًا بأنه لم يمت في المعركة، وقد تقدم الجواب عن هذا بأنه مخالف لظاهر النصّ. وأجيب أيضًا بأن المراد بالصلاة الدعاء، والجواب عنه أيضًا أنه خلاف الظاهر. واللَّه تعالى أعلم.
وأما حديث أنس، فقد تقدّم أن البخاريّ، والترمذيّ، والدارقطنيّ، قالوا: بأنه غلط فيه أسامة، وقد قال البيهقيّ، عن الدارقطنيّ: إن قوله فيه: "ولم يصلّ على أحد من الشهداء غيره"، ليست بمحفوظة. على أنه يقال: الحديث حجة عليهم، لا لهم لأنها لو كانت واجبة لما خَصّ بها واحدا من سبعين.
وأما حديث عقبة، فلنبدأ بتقرير الاستدلال به، ثم نذكر جوابه، وتقريرُه: ما قاله الحاويْ: إن معنى صلاته ﷺ عليهم، لا يخلو من ثلاثة معان: إما أن يكون ناسخًا لما تقدّم من ترك الصلاة عليهم، أو يكون من سنتهم أن يصلى عليهم إلا بعد هذه المدة، أو تكون الصلاة عليهم جائزة بخلاف غيرهم، فإنها واجبة، وأيها كان فقد ثبت بصلاته عليهم صلاته على الشهداء، ثم الكلام بين المختلفين في عصرنا إنما هو في الصلاة عليهم قبل دفنهم، وإذا ثبتت الصلاة عليهم بعد الدفن كانت قبل الدفن أولى انتهى. وأجيب بأن صلاته عليهم تحتمل أمورًا أُخر: منها أن تكون من خصائصه، ومنها أن تكون بمعنى الدعاء، ثم هي واقعة عين لا عموم لها، فكيف ينتهض الاحتجاج بها لدفع
стр. 10724
حكم قد ثبت. وأيضًا لم يقل أحد من العلماء بالاحتمال الثاني الذي ذكره الطحاويّ، كذا قال الحافظ.
قال العلامة الشوكانيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وأنت خبير بأن دعوى الاختصاص خلاف الأصل، ودعوى أن الصلاة بمعنى الدعاء يردّها قوله في الحديث: "صلاتَهُ على الميت". وأيضًا قد تقرّر في الأصول أن الحقائق الشرعيّة مقدّمة على اللغويّة، فلو فُرض عدم ورود هذه الزيادة لكان المتعيّنُ المصيرَ إلى حمل الصلاة على حقيقتها الشرعيّة، وهي ذات الأذكار والأركان. ودعوى أنها واقعة عين لا عموم لها يردّها أن الأصل فيما ثبت لواحد، أو لجماعة في عصره ﷺ ثبوته للغير. على أنه يمكن معارضة هذه الدعوى بمثلها، فيقال: ترك الصلاة على الشهداء في يوم أحد واقعة عين، لا عموم لها، فلا تصلح للاستدلال بها على مطلق الترك بعد ثبوت مطلق الصلاة على الميت، ووقوعِ الصلاة منه على خصوص الشهيد في غيرها، كما في حديث شدّاد بن الهاد، وأبي سلّام.
وأما حديث ابن عباس ﵄، وما ورد في معناه من الصلاة على قتلى أحد قبل دفنهم، فأجاب عن ذلك الشافعيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- بأن الأخبار جاءت كأنها عيان من وجوه متواترة أن النبي ﷺ لم يصلّ على قتلى أُحُد، قال: وما روي أنه ﷺ صلى عليهم، وكبر على حمزة سبعين تكبيرة لا يصحّ، وقد كان ينبغي لمن عارض بذلك هذه الأحاديث أن يستحي على نفسه انتهى.
وأجيب أيضًا بأن تلك الحالة الضيّقة لا تتسع لسبعين صلاة، وبأنها مضطربة، وبأن الأصل عدم الصلاة.
قال الشوكانيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: ولا يخفى عليك أنها رُويت من طرق يشدّ بعضها بعضًا (١)، وضيق تلك الحالة لا يمنع من إيقاع الصلاة، فإنها لو ضاقت عن الصلاة لكان ضيقها عن الدفن أولى.
ودعوى الاضطراب غير قادحة، لأن جميع الطرق قد أثبتت الصلاة، وهي محلّ النزاع. ودعوى أن الأصل عدم الصلاة مُسَلَّمَة قبل ورود الشرع، وأما بعد وروده فالأصل الصلاة على مطلق الميت، والتخصيص ممنوع. وأيضًا أحاديث الصلاة قد شَدّ من عضدها كونُها مثبتة، والإثبات مقدّم على النفي، وهذا مرجّح معتبر.
والقدح في اعتباره في المقام ببُعْد غفلة الصحابة عن إيقاع الصلاة على أولئك
стр. 10725
الشهداء مُعارَض بمثله، وهو بُعْدُ غفلة الصحابة عن الترك الواقع على خلاف ما كان ثابتًا عنه ﷺ من الصلاة على الأموات، فكيف يرجّح ناقله، وهو أقلّ عددًا من نقلة الإثبات الذي هو مظنّة الغُفُول عنه، لكونه واقعًا على مقتضى عادته ﷺ من الصلاة على مطلق الميت.
ومن مرجّحات الإثبات الخاصة بهذا المقام أنه لم يُرو النفي إلا عن أنس، وجابر، وأنس عند تلك الواقعة من صغار الصبيان، وجابر قد روى أنه ﷺ صلى على حمزة، وكذلك أنس، كما تقدّم (١)، فقد وافقا غيرهما في وقوع مطلق الصلاة على الشهيد في تلك الواقعة، ويبعد كلّ البعد أن يخصّ النبي ﷺ بصلاته حمزة لمزيّة القرابة، ويدع بقية الشهداء، ومع هذا فلو سلّمنا أن النبي ﷺ لم يصل عليهم حال الواقعة، وتركنا جميع هذه المرجحات لكانت صلاته عليهم بعد ذلك مفيدة للمطلوب (٢)، لأنها كالاستدراك لما فات، مع اشتمالها على فائدة أخرى، وهي أن الصلاة على الشهيد لا ينبغي أن تترك بحال، وإن طالت المدّة، وتراخت إلى غاية بعيدة. قال: وأما حديث أبي سلّام، فلم أقف للمانعين من الصلاة على جوابٍ عليه (٣)، وهو من أدلّة المثبتين، لأنه قُتل في المعركة بين يدي رسول اللَّه ﷺ ، وسماه شهيدًا، وصلى عليه. نعم لو كان النفي عامّا غير مقيّد بوقعة أحُد، ولم يرد في الإثبات كير هذا الحديث لكان مختصّا بمن قُتل على مثل صفته انتهى كلام الشوكانيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (٤).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تلخّص مما تقدّم من مناقشة هذه الأحاديث أن أحاديث صلاة النبي ﷺ على قتلى أُحُد يومَ أُحد لا تثبت، ولا تصلح لمعارضة ما في "الصحيح" من حديث جابر ﵁ أنه لم يصلّ عليهم، وإن حاول الشوكانيّ إثباتهَا، وذَكَرَ المرجحات لذلك، فهي كما قال الإمام الشافعيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: كان ينبغي لمن عارض بهذه الأحاديث أن يستحي على نفسه انتهى.
стр. 10726
وإنما العمدة في هذا الباب حديثان:
أحدهما: ما أخرجه البخاريّ وغيره من حديث عقبة بن عامر ﵁ أنه ﷺ صلى على قتلى أحد بعد ثمان سنين صلاته على الميت"، وقد تقدّم أن دعوى كون المراد بالصلاة الدعاء غير صحيحة، بل المراد الصلاة المشروعة على الأموات، بدليل قوله: "صلاتَهُ على الميت".
والثاني: حديث شداد بن الهاد ﵁ المذكور في هذا الباب، وقد عرفت أنه حديث صحيح. فهذان الحديثان يكفيان لإثبات مشروعية الصلاة على الشهيد، فالمذهب الراجح هو مذهب من أثبت الصلاة عليه، لكن على سبيل الجواز، لا على سبيل الوجوب، كما نقل عن الإمام أحمد -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، فإنه قال في رواية المروزيّ عنه: الصلاة عليه أجود، وإن لم يصلوا عليه أجزأ. انتهى. وقال أبو محمد ابن حزم ﵀: إن صُلي على الشهيد، فحسن، وإن لم يصلّ عليه فحسن، واستَدَلَّ بحديثي جابر، وعقبة ﵄ المذكورين، وقال: ليس يجوز أن يُترك أحد الأثرين المذكورين للآخر، بل كلاهما حقّ مباح، وليس هذا مكان نسخ، لأن استعمالهما معًا ممكن في أحوال مختلفة انتهى (١).
والحاصل أن الصواب جواز الصلاة على الشهيد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: اختلف في الشهيد الذي وقع الخلاف في غسله، والصلاة عليه، هل هو مختصّ بمن قُتل في المعركة في حرب الكفّار، أو أعم من ذلك؟: فعند الشافعي أن المراد بالشهيد قتيل المعركة في حرب الكفّار، ولا فرق في ذلك بين الرجل، والمرأة، والكبير، والصغير، والحرّ، والعبد، والصالح، وغيره. وخرج بقوله: "في المعركة" من جُرح في المعركة، وعاش بعد ذلك حياة مستقرّة، وخرج بـ "حرب الكفّار" من مات بقتال المسلمين، كأهل البغي، وخرج بجميع ذلك من يسمّى شهيدًا بسببٍ غير السبب المذكور، كمن مات مبطونًا، أو مطعونًا، فإنما يقال له: شهيد بمعنى ثواب الآخرة، وهذا كله هو القول الراجح من مذاهب العلماء.
وروي عن أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد أن من جُرح في المعركة إن مات قبل الارتثاث، فشهيد، والارتثاث أن يُحمَل، أو يأكل، أويشرب، أو يوصي، أو يَبقَى في المعركة يوما وليلة حيًّا.
стр. 10727
وأما من قُتل مدافعًا عن نفس، أو مال، أو في المصر ظلمًا، فعند أبي حنيفة، وأبي يوسف شهيد، وقال الشافعيّ: إنه وان قيل له: شهيد، فليس من الشهداء الذين لا يُغسلون (١)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما ذهب إليه الشافعي ﵀ أرجح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في غسل الشهداء (٢):
قال الإمام ابن المنذر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: قد اختلفوا في غسل الشهيد، فقال عامّة أهل العلم: لا يُغسَل، كذلك قال مالك بن أنس، ومن تبعه، من أهل المدينة، وبه قال الحكم، وحماد، وأصحاب الرأي، ومن وافقهم من أهل الكوفة، وبه قال الشافعيّ، وأصحابه، وكذلك قال أحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وكذلك قال عطاء، وسليمان بن موسى، ويحيى الأنصاريّ، وإبراهيم النخعيّ.
وكان الحسن، وسعيد بن المسيّب، يقولان: يغسل، فإن كلّ ميت يُجنب، وسئل ابن عمر عن غسل الشهيد، فقال: قد غُسل عمرُ، وكُفّن، وحنّط، وصُلّي عليه، وكان شهيدًا.
قال ابن المنذر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: ثابت عن رسول اللَّه ﷺ أنه لم يَغسِل شُهداء أُحُد، ولم يُصلّ عليهم. قال: واختلفوا في الصبيّ، والمرأة يُقتلان، فكان الشافعيّ يقول: يُصنع بهما ما يُصنع بالشهداء، لا يُغسلان، ولا يصلّى عليهما، وكذلك قال أبو ثور، وقال يعقوب، ومحمد: يُصنع بالولدان ما يُصنع بالشهداء، ولا يغسلون. وكان النعمان يقول: أما النساء، والرجال، فلا يغسلون، ويصنع بهم ما يصنع بالشهيد، وأما الولدان الذين ليست لهم ذنوب فيغسلون.
قال ابن المنذر: لما كانت السُّنَّة في غسل الرجال، والنساء، والولدان، والصلاة عليهم سبيلاً واحدًا، حيث يغسلون، وُيصلى عليهم، كان كذلك سبيلهم في الموضع الذي يوقف عنه عن غسلهم، والصلاة عليهم سبيلاً واحدًا، استدلالاً بالسنّة، لا فرق بين الأخيار والأشرار، والذين لهم ذنوب، والذين لا ذنوب لهم في ذلك، إن شاء اللَّه.
قال: واختلفوا فيمن قتله غير أهل الشرك، فكان الشعبيّ يقول: من قتله اللصوص لم يغسل، وقال سفيان الثوريّ: من قُتل مظلوما لم يغسل، وكذلك قال الأوزاعيّ فيمن قتله اللصوص. وكان مالك، والشافعيّ يقولان: يغسلون، ويصلّى عليهم، قال الشافعيّ: الغسل، والصلاة سنة بني آدم لا يخرج منها إلا من تركه رسول اللَّه ﷺ ،
стр. 10728
وهم الذين قتلهم المشركون خاصّة في المعركة.
قال ابن المنذر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وهذا الذي قاله مالك، والشافعيّ حسن، وروينا عن أسماء بنت أبي بكر أنها غسلت عبد اللَّه بن الزبير بعد ما تقطّعت أوصاله. انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تقدّم في المسألة الماضية ترجيح القول بجواز الصلاة على الشهداء، وأما غسلهم، فالأرجح عندي عدم مشروعيته، لعدم ثبوت دليل يُعْتَمد عليه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، دىاليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٩٥٤ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنْ يَزِيدَ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ, عَنْ عُقْبَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , خَرَجَ يَوْمًا, فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ, صَلَاتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ, ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمِنْبَرِ, فَقَالَ: «إِنِّي فَرَطٌ لَكُمْ, وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ».
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي، أبو رجاء البَغْلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (الليث) بن سعد، أبو الحارث الفَهْميّ المصريّ الإمام الثبت الحجة الفقيه [٧] ٣١/ ٣٥.
٣ - (يزيد) بن أبي حبيب سُويد، أبو رجاء المصريّ، ثقة فقيه يرسل [٥] ١٣٤/ ٢٠٧.
٤ - (أبو الخير) مَرْثَد بن عبد اللَّه اليَزَنيّ المصريّ، ثقة فقيه [٣] ٣٨/ ٥٨٢.
٥ - (عقبة) بن عامر الْجُهَنيّ، صحابيّ مشهور، ولي إِمْرَة مصر لمعاوية ثلاث سنين، وكان فقيها فاضلاً، مات قرب الستين ١٠٨/ ١٤٤. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وأنه مسلسل بالمصريين، سوى شيخه، فبغلانيّ، وأنه أصح أسانيد عقبة بن عامر - رضي اللَّه تعالى عنه -، وأن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، يزيد، عن أبي الخير، وأن أبا الخير مشهور بكنيته. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عُقْبَةَ) بن عامر - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، خَرَجَ يَوْمًا، فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدِ، صَلَاَتهُ عَلَى المَيِّتِ) أي مثل صلاته، زاد البخاريّ في "غزوة أُحُد"، من طريق حيوة بن شُريح، عن يزيد: "بعد ثمان سنين، كالموَدِّع للأحياء والأموات"، وزاد فيه: "فكانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول اللَّه ﷺ ". وكانت أحد في شوّال سنة ثلاث،
стр. 10729
ومات ﷺ في ربيع الأول سنة إحدى عشرة، فعلى هذا فقوله: "بعد ثمان سنين" تجوّز على طريق جبر الكسر، وإلا فهي سبع سنين، ودون النصف.
وهذا محلّ استدلال المصنّف ﵀ على الترجمة، ففيه مشروعية الصلاة على الشهداء، ويؤيّد كون الصلاة على حقيقتها قوله: "صلاتَهُ على الميت"، فلا يصحّ تأويل الصلاة بالدعاء، كما تقدّم (ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى المِنْبَرِ، فَقَالَ: "إِنِّي فَرَطٌ لَكُمْ) وفي بعض النسخ: "فرطكم". قال أهل اللغة: الفَرَط -بفتح الفاء، والراء- والفارط هو الذي يتقدّم رُوّادَ الماء، ليُصلح لهم الحياض، والدَّلاء، ونحوها، من أمور الاستسقاء، فمعنى قوله ﷺ : "إني فَرَط لكم" أي سابقكم إلى الحوض كالمهيّء لهم، ولهذا قال في رواية البخاريّ: "وإن موعدكم الحوض"، ولهذا المعنى ذكره في رواية أخرى، فقال: "إني واللَّه لأنظر إلى حوضي الآن"، وفيه إشارة إلى قرب وفاته ﷺ ، وتقدّمه أصحابَهُ.
(وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ") هو موافق لقوله تعالى: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، ولقوله تعالى: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣].
زاد في رواية البخاريّ: "وإني واللَّه لأنظر إلى حوضي الآن، وإني قد أعطيت مفاتيح خزائن الأرض، أو مفاتيح الأرض، وإني واللَّه ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكني أخاف عليكم أن تنافسوا فيها".
وقوده: "وإني واللَّه" فيه الحلف لتأكيد الخبر، وتعظيمه. وقوده: "لأنظر إلى حوضي الآن" هو على ظاهره، وكأنه كُشف له عنه في تلك الحالة.
وفيه إثبات حوضه ﷺ ، وأنه حوض حقيقيّ على ظاهره، مخلوق، موجودٌ اليومَ، وهو كذلك عند أهل السنّة والجماعة، لا يتأولونه، ويجعلون الإيمان به فرضّا، وأحاديثه قد بلغت التواتر. قال القاضي عياض ﵀ بعد الإشارة إلى كثير منها: وفي بعض هذا ما يقتضي كون الحديث متواترًا، وقد عرفت أنه في رواية مسلم: "وأن عرضه كما بين أيلة إلى الجحفة"، وفي رواية "بين ناحتيه كما بين جَرْباء وأذرح"، وفي رواية: "عرضه مثل طوله، ما بين عمان إلى المدينة"، وفي رواية: "من مقامي إلى عمان"، وفي رواية: "قدر حوضي ما بين أيلة، وصنعاء اليمن"، وفي رواية: "ما بين ناحيتي حوضي كما بين صنعاء والمدينة"، وفي رواية: "حوضي مسيرة شهر، وزواياه سواء"، وكلّ هذه الروايات في "الصحيح"، قال القاضي عياض: وهذا الاختلاف في قدر عرض الحوض ليس موجبا للاضطراب، فإنه لم يأت في حديث واحد، بل في أحاديث مختلفة الرواة، عن جماعة من الصحابة، سمعوها في مواطن مختلفة، ضربها النبي ﷺ في كلّ منها مثلاً لبُعد أقطار الحوض، وسعته، وقَرَّبَ ذلك من الأفهام ببعد ما بين البلاد
стр. 10730
المذكورة، لا على التقدير الموضوع للتحديد، بل للإعلام بعظم بعد المسافة، فبهذا تجتمع الروايات. وقال النوويّ بعد حكايته: وليس في القليل من هذه المسافات منع الكثير، فالكثير ثابت على ظاهر الحديث، ولا معارضة، واللَّه أعلم انتهى (١).
وقوله: "وإني قد أعطيت مفاتيح خزائن الأرض"، أو "مفاتيح الأرض"، هكذا الرواية، وكأنه شكّ من بعض الرواة في اللفظ المقول، وأشار ﷺ بذلك إلى ما فُتح على أمته من الملك والخزائن.
وقوله: "وإني واللَّه ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي" أي على مجموعكم، لأن ذلك قد وقع من البعض، أعاذنا اللَّه تعالى منه.
وقوله: "ولكني أخاف عليكم أن تنافسوا فيها" أي في خزائن الأرض المتقدم ذكرها، ويحتمل أن يعود الضمير على الدنيا، وإن لم يتقدّم ذكرها صريحا، ويدلّ لذلك قوله في رواية مسلم: "ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها" (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث عقبة بن عامر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متفق عليه:
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ٦١/ ١٩٥٤ - وفي "الكبرى" ٦١/ ٢٠٨١. وأخرجه (خ) ١٣٤٤ و ٣٥٩٦ و ٤٠٤٢ و ٤٠٨٥ و٦٥٩٠ (م) ٢٢٩٦ (د) ٣٢٢٣ (أحمد) ١٦٨٩٣ و ١٦٩٤٦ و ١٦٩٤٩. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده (٣):
منها: ما ترجم له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو مشروعية الصلاة على الشهداء، وقد استوفينا بحثه في شرح الحديث السابق. ومنها: بيان فضل هذه الأمة، حيث كان نبيهاء ﷺ فَرَطا لها، يتقدّمها، وينتظرها على حوضه الشريف، فلها البشرى العظيمة. ومنها: أنه ﷺ سيشهد على أمته في الآخرة بما عملت. ومنها: ما قاله وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: إن في هذا الحديث معجزات للنبيّ ﷺ ، فإن معناه الإخبارُ بأن أمته تملك خزائن الأرض، وقد وقع ذلك، وأنها لا ترتدّ جملة، وقد عصمهم اللَّه تعالى من ذلك،
وأنها تتنافس في الدنيا، وتقتتل عليها، وقد وقع ذلك، عصمنا اللَّه تعالى منه آمين. قاله
стр. 10731
في "الطرح" (١).
وقال في "الفتح": وفيه إنذار بما سيقع، فوقع كما قال ﷺ ، وقد فتحت عليهم الفتوح بَعْدُ، وآل الأمر إلى أن تحاسدوا، وتقاتلوا، ووقع ما هو المشاهد المحسوس لكلّ أحد مما شهد بمصداق خبره ﷺ ، ووقع من ذلك في هذا الحديث إخباره بأنه فرط، أي سابقهم، وكان كذلك، وأن أصحابه لا يشركون بعده، فكان كذلك، ووقع ما أنذر به من التنافس في الدنيا، وقد ثبت معنى ذلك فيما أخرجه البخاريّ من حديث عمرو بن عوف، مرفوعًا: "ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا، كما بُسطت على من كان قبلكم، فتتنافسوها، كما تنافسوها، وتلهيكم كما ألهتهم"، وفي حديث أبي سعيد عند البخاريّ أيضًا: "إن أكثر ما أخاف عليكم ما يخرج اللَّه لكم من بركات الأرض … " الحديث، فوقع كما أخبر به، وفتحت عديهم الفتوح الكثيرة، وصُبّت عليهم الدنيا صبّا (٢). واللَّه أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٦٢ - تَرْكُ الصَّلَاةِ عَلَيهِمْ
١٩٥٥ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ, أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ, أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ, فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ, ثُمَّ يَقُولُ: «أَيُّهُمَا (٣) أَكْثَرُ, أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟ , فَإِذَا أُشِيرَ إِلَى أَحَدِهِمَا, قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ, قَالَ: «أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ» , وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ (٤) , فِي دِمَائِهِمْ وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ, وَلَمْ يُغَسَّلُوا.
رجال هذا الاسناد: خمسة، تقدّموا قريبًا، سوى:
١ - (عبدالرحمن بن كعب بن مالك) الأنصاريّ، أبو الخطّاب المدنيّ، ثقة، من كبار
стр. 10732
التابعين، ويقال: وُلد في عهد النبي ﷺ ٣٨/ ٧٣١.
٢ - (جابر بن عبد اللَّه) بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السلميّ ﵄ ٣١/ ٣٥.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): من خماسيات المصنّف ﵀، وأنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخه، فبغلانيّ، والليث، فمصريّ، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه جابر بن عبد اللَّه صحابي ابن صحابيّ ﵄، وهو أحد المكثرين السبعة، روى (١١٧٠). واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، أَن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ) كذا يقول الليث، عن ابن شهاب، قال المصنّف في "الكبرى": لا أعلم أحدًا من ثقات أصحاب ابن شهاب تابع الليث على ذلك، ثم ساقه من طريق عبد اللَّه بن المبارك، عن معمر، عن ابن شهاب، عن عبد اللَّه بن ثعلبة، فذكر الحديث مختصرًا. قال الحافظ: وكذا أخرجه أحمد من طريق محمد بن إسحاق، والطبرانيّ من طريق عبدالرحمن بن إسحاق، وعمرِو بنِ الحارث، كلهم عن ابن شهاب، عن عبد اللَّه بن ثعدبة، وعبد اللَّه له رؤية، فحديثه من حيث السماع مرسل، وقد رواه عبد الرزّاق، عن معمر، فزاد فيه جابرًا، وهو مما يقوّي اختيار البخاريّ، فإن ابن شهاب صاحب حديث، فيحمل على أن الحديث عنده عن شيخين، ولا سيّما أن في رواية عبدالرحمن بن كعب ما ليس في رواية عبد اللَّه بن ثعلبة.
وعلى ابن شهاب فيه اختلاف آخر، رواه أسامة بن زيد الليثيّ عنه، عن أنس، أخرجه أبو داود، والترمذيّ، وأسامة سَيِّء الحفظ، وقد حكى الترمذيّ في "العلل" عن البخاريّ أن أسامة غَلِط في إسناده، وأخرجه البيهقيّ من طريق عبدالرحمن بن عبد العزيز الأنصاريّ، عن ابن شهاب، فقال: "عن عبدالرحمن بن كعب، عن أبيه"، وابنُ عبد العزيز ضعيف، وقد أخطأ في قوله: "عن أبيه".
وقد ذكر البخاريّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- فيه اختلافا آخر، فقال بعد إخراجه من طريق ابن المبارك، عن الليث: ما نصّه: قال ابن المبارك: وأخبرنا الأوزاعيّ، عن الزهريّ، عن جابر بن عبد اللَّه ﵄، قال: كان رسول اللَّه ﷺ يقول لقتلى أحد: "أيُّ هؤلاء أكثر أخذًا للقران؟ "، فإذا أشير له إلى رجل قدّمه في اللحد قبل صاحبه -وقال جابر-: فكفّن أبي وعمي في نَمِرَة واحدة.
وقال سليمان بن كثير: حدثني الزهريّ، حدثني من سمع جابرًا ﵁ انتهى ما ذكره
стр. 10733
البخاريّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (١).
قال في "الفتح": قوله: "وقال سليمان بن كثير الخ" هو موصول في "الزهريات" للذهليّ، وفي رواية سليمان المذكور إبهام شيخ الزهريّ، قال الدارقطنيّ في "التتبّع": اضطرب فيه الزهريّ. وأجيب بمنع الاضطراب، لأن الحاصل من الاختلاف فيه على الثقات أن الزهريّ حمله عن شيخين، وأما إبهام سليمان لشيخ الزهريّ، وحذف الأوزاعيّ له، فلا يؤثّر في رواية من سمّاه، لأن الحجّة لمن ضبط، وزاد، إذا كان ثقة، لا سيما إذا كان حافظا، وأما رواية أسامة، وعبدالعزيز، فلا تقدح في الرواية الصحيحة لضعفهما، وقد بينّا أن البخاريّ صرّح بغلط أسامة فيه انتهى (٢).
(أَخْبَرَهُ أَن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، كَانَ يَجمَعُ بَينَ الرَّجُلَيْنِ، مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ) جمع قتيل، وإضافته إلى "أحد" بمعنى "في" (فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ) أي من الكفن، للضرورة، ولا يلزم منه تلاقي بشرتهما، إذ يمكن حيلولتهما بَنحو إذخر، ويحتمل أن الثوب كان طويلاً، فقطعه بينهما نصفين، وكفّن كلّ واحد على حياله، ويؤيّد الأول، بل يُعيّنه قول جابر في تمام الحديث عند البخاريّ: "فكفّن أبي وعمّي في نمرة واحدة".
وقال المظهريّ في "شرح المصابيح": قوله: "في ثوب واحد" أي في قبر واحد، إذ لا يجوز تجريدهما في ثوب واحد، بحيث تتلاقى بشرتاهما.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تأويل المظهريّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- فيه نظر لا يخفى، إذ هو بعيد عن سياق الحديث، بل يبطله قول جابر ﵁ في آخر الحديث: "فكفّن أبي وعمّي في نمرة واحدة"، وكذا قول بعضهم: معناه أنه قطّع الثوب الواحد باثنين، فكفّن كلّ واحد بقطعة بعيدٌ أيضًا.
بل الصواب أن يحمل على أن تكفين الاثنين كان في ثوب واحد، كما هو ظاهر الحديث، وهو محمول على الضرورة، فتأمل بإنصاف، ولا تتحيّر بالاعتساف.
(ثُمَّ يَقُولُ: " أَيُّهمَا) وفي نسخة: "أيهم" (أَكْثَرُ، أَخْذًا) منصوب على التمييز (لِلقُرْآنِ) متعلق بـ "أخذًا"، وفي رواية الترمذيّ: "أيهم أكثر حفظًا للقرآن" (فَإِذَا أُشِيرَ إِلَى أَحَدِهِمَا، قَدَّمَهُ) أي ذلك الأحدَ المشارَ إليه (فِي اللَّحْدِ) بفتح اللام، وسكون المهملة: هو الشَّقُّ في عرض القبر في جانب القبلة، وسمي لحدًا لأنه يُشقّ في ناحية من القبر، مائلًا عن وسطه قدر ما يوضع الميت في جهة القبلة، والإلحاد لغة الميل.
وفي حديث عبد اللَّه بن ثعلبة، عند ابن إسحاق، فكان يقول: "انظروا أكثر هؤلاء
стр. 10734
جمعًا للقرآن، فاجعلوه أمامَ أصحابه، وذكر ابن إسحاق ممن دُفن جميعًا عبد اللَّه بن جحش، وخاله حمزة بن عبد المطلب، ومن وجه آخرها أنه أمر بدفن عمرو بن الْجَمُوح، وعبد اللَّه بن عمرو، والد جابر انتهى (١)
(قَالَ) ﷺ (أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ) الظاهر أن "على" بمعنى اللام، أي أنا أشهد لهم بأنهم بذلوا أرواحهم، وتركوا حياتهم للَّه تعالى (وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ فِي دِمَائِهِمْ) وفي نسخة: "بدمائهم" (وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ) قال في "الفتح": هو مضبوط في روايتنا بفتح اللام، وهو اللائق بقوله بعد ذلك: "ولم يُغسَّلُوا"، وفي رواية للبخاري من وجه آخر: "ولم يصلِّ عليهم، ولم يغسلهم"، وهذه بكسر اللام، والمعنى: ولم يفعل ذلك بنفسه، ولا بأمره. وهذا محلّ الترجمة، حيث صرّح بأنه ﷺ لم يصلّ عليهم، فدلّ على ترك الصلاة على الشهداء.
قال الحافظ: وقد أجاب بعض الحنفيّة عنه بأنه ناف، وغيره مثبت. وأجيب بأن الإثبات مقدّم على النفي غير المحصور، وأما نفي الشيء المحصور إذا كان راويه حافظًا، فإنه يترجّح على الإثبات، إذا كان راويه ضعيفًا، كالحديث الذي فيه إثبات الصلاة على الشهيد.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: في هذا الكلام نظر لا يخفى؛ لأنه قد سبق أن حديث عقبة بن عامر، وحديث شدّاد بن الهاد صحيحان، فكيف يطلق القول بالضعف؟ اللَّهم إلا إذا أراد الحديث المتعلّق بصلاته على حمزة وغيره يوم أحد، فإنها ضعاف، كما سبق بيانه.
قال: وعلى تقدير التسليم، فالأحاديث التي فيها ذلك إنما هي في قصّة حمزة، فيحتمل أن يكون ذلك مما خُصّ به حمزة من الفضل. وأجيب بأن الخصائص لا تثبت بالاحتمال. ويجاب بأنه يوقف الاستدلال.
قالوا: ويمكن الجمع بأنه لم يصلّ عليهم ذلك اليوم، كما قال جابر، ثم صلى عليهم في ثاني يوم، كما قال غيره انتهى (٢).
(وَلَمْ يُغَسَّلُوا) بالبناء للمفعول، من التغسيل، أو الغَسْل،
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تقدّم البحث في الصلاة على الشهداء، وغسلهم مُستوفًى في الباب الماضي، فراجعه تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 10735
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث جابر بن عبد اللَّه ﵄ هذا أخرجه البخاريّ.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٦٢/ ١٩٥٥ وفي، "الكبرى" ٦٢/ ٢٠٨٢. وأخرجه (خ) ١٣٤٣ و١٣٤٥ و ١٣٤٦ و ١٣٤٨ و ١٣٥٣ و٤٠٨٠ (د) ٣١٣٨ (ت) ١٠٣٦ (ق) ١٥١٤ (أحمد) ١٣٧٧٧. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو جواز ترك الصلاة على الشهداء الذين قُتلوا في معركة حرب الكفّار. ومنها: عدم مشروعية غسلهم. ومنها: جواز تكفين الرجلين في ثوب واحد للضرورة. ومنها: جواز الجمع بين الرجلين، فصاعدًا في لحد واحد للضرورة أيضًا، ففي رواية عبد الرزّاق: "كان يَدْفِن الرجلين، والثلاثة في قبر واحد". ورَوَى أبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ (١)، بأسانيد صحيحة، من حديث هشام بن عامر الأنصاريّ، قال: جاءت الأنصار إلى رسول اللَّه ﷺ يوم أحد، فقالوا: أصابنا قَرْح، وجَهْد، فكيف تأمرنا؟ قال: "احفروا، وأوسعوا، واجعلوا الرجلين، والثلاثة في قبر … " الحديث. ومثله في ذلك المرأتان، والثلاث.
ومنها: أنه يقدّم الأكثر أخذًا للقرآن على غيره، لفضيلة القرآن، كنظيره في الإمامة في الحياة. قيل: ويقاس عليه سائرُ جهات الفضل، إذا جمعوا في اللحد.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: في هذا القياس نظر، إذ لم يسأل النبي ﷺ من جهات الفضل غير القرآن، مع أنه يوجد في الصحابة فاضل ومفضول في خصال متعدّدة، غير حفظ القرآن. فتأمل.
ومنها: إظهار تشريف الشهداء، حيث يشهد لهم النبي ﷺ عند اللَّه تعالى شهادة خاصّة، وذلك تعظيمًا لشؤونهم، وإلا فالأمور كلها معلومة للَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
стр. 10736
٦٣ - بَابُ تَرْكِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَرْجُومِ
١٩٥٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى, وَنُوحُ بْنُ حَبِيبٍ, قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, أَنَّ رَجُلاً مِنْ أَسْلَمَ, جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ , فَاعْتَرَفَ بِالزِّنَا, فَأَعْرَضَ عَنْهُ, ثُمَّ اعْتَرَفَ, فَأَعْرَضَ عَنْهُ, ثُمَّ اعْتَرَفَ, فَأَعْرَضَ عَنْهُ, حَتَّى شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ, أَرْبَعَ مَرَّاتٍ, فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَبِكَ جُنُونٌ؟» , قَالَ: لَا. قَالَ: «أَحْصَنْتَ؟». قَالَ: نَعَمْ, فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ , فَرُجِمَ, فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ, فَرَّ, فَأُدْرِكَ, فَرُجِمَ, فَمَاتَ, فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : خَيْرًا, وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ.
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (محمد بن يحيى) بن عبد اللَّه بن خالد بن فارس الذُّهْليّ النيسابوريّ، ثقة حافظ جليل [١١] ١٩٦/ ٣١٤.
٢ - (نوح بن حبيب) أبو محمد الْقُومَسِيّ، ثقة سنيّ [١٠] ٧٩/ ١٠١٠.
٣ - (عبد الرّزّاق) بن هقام بن نافع، أبو بكر الصنعانيّ، ثقة حافظ مصنّفٌ شهير، عمي في آخره عمره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] ٦١/ ٧٧.
٤ - (مَعْمَر) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عُروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقة ثبت فاضل، من كبار [٧] ١٠/ ١٠.
٥ - (أبو سلمة بن عبدالرحمن) بن عوف الزهريّ المدني، ثقة فقيه [٣] ١/ ١.
والباقيات تقدما في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سُداسيات المصنّف ﵀. وأن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أحد الفقهاء السبعة، على بعض الأقوال، وفيه أحد المكثرين السبعة، من الصحابة، وفيه شيخان للمصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبدِ اللَّهِ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ) أي من بني أسلم القبيلةِ المشهورة، واسم هذا الرجل ماعز بن مالك، وفي رواية جابر بن سمرة عند مسلم: "رأيت ماعز بن مالك الأسلميّ حين جيء به رسول اللَّه ﷺ … " الحديث،
стр. 10737
وفيه: "رجل قصير، أعضل، ليس عليه رداء"، وفي لفظ "ذو عَضَلات". بفتح المهملة، ثم المعجمة، جمع عضلة: هو ما اجتمع من اللحم في أعلى باطن الساق.
(جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَاعْتَرَفَ بِالزِّنَا) أي أقرّ على نفسه أنه زنى، وفي حديث أبي هريرة ﵁ عند البخاريّ: "أتى رسول اللَّه ﷺ رجل من الناس، وهو في المسجد، فناداه، يا رسول اللَّه، إني زنيت، يريد نفسه … " الحديث (فَأَعْرَضَ عَنْهُ) يقال: أعرضتُ عنه: أضربتُ، وولّيت عنه، وحقيقته جعل الهمزة للصيرورة، أي أخذتُ عُرضًا، أي جانبًا غيرَ الجانب الذي هو فيه (١) أي حوّل النبي ﷺ وجهَه إلى جهة أخرى، كراهيةً لما قاله، وسترًا عليه. وفي حديث بُريدة عند مسلم (٢): "قال: ويحك، ارجع، فاستغفر اللَّه، وتب إليه "، فرجع غير بعيد: "فقال: يا رسول اللَّه طهّرني"، وفي لفظ: "فلما كان من الغد أتاه"، ووقع في مرسل سعيد بن المسيّب عند مالك، والنسائيّ (٣)، من رواية يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن سعيد: "أن رجلًا من أسلم قال لأبي بكر الصدّيق: إن الآخر زنى، قال: فتب إلى اللَّه، واستتر بستر اللَّه، ثم أتى عمر كذلك، فأتى رسول اللَّه ﷺ ، فأعرض عنه ثلاث مرار، حتى إذا أكثر عليه بعث إلى أهله … ".
(ثُمَّ اعْتَرَفَ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ اعْتَرَفَ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ) وفي حديث أبي هريرة المذكور: "فأعرض عنه النبي ﷺ ، فتنحّى لشقّ وجهه الذي أعرض قِبَلَه، فقال: يا رسول اللَّه إني زنيت، فأعرض عنه، فجاء لشقّ وجه النبي ﷺ الذي أعرض عنه … " الحديث (حَتَّى شَهِدَ عَلَى نَفسِهِ، أَرْبَعَ مَرَّاتٍ) وفي حديث أبي هريرة "حتى ردّد على نفسه أربع مرات، فلما شهد على نفسه أربع شهادات"، وفي رواية بُريدة المذكورة: "حتى إذا كانت الرابعة، قال: فيم أطهّرك؟ ". ووقع في رواية لمسلم: "فردّه مرتين"، وفي أخرى: "مرتين، أو ثلاثا"، قال شعبة: قال سماك: فذكرته لسعيد بن جبير، فقال: إنه ردّه أربع مرّات. ووقع عند مسلم أيضًا: "فاعترف بالزنا ثلاث مرّات".
ووجه الجمع بينها -كما قال في "الفتح"- أن تُحمَل رواية "مرتين"، على أنه اعترف مرتين في يوم، ومرتين في يوم آخر، لما يُشعر به قول بريدة: "فلما كان من الغد"، فاقتصر الراوي على أحدهما، أو مراده اعترف مرتين في يومين، فيكون من ضرب اثنين في اثنين.
стр. 10738
وقد وقع عند أبي داود من طريق إسرائيل، عن سماك بن حرب، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عبّاس ﵄: "جاء ما عز بن مالك إلى النبي ﷺ ، فاعترف بالزنا مرتين، فطرده، ثم جاء، فاعترف بالزنا مرتين" (١).
وأما رواية الثلاث، فكان المراد الاقتصار على المرّات التي ردّه فيها، وأما الرابعة، فإنه لم يردّه، بل استثبت فيه، وسأله عن عقله. لكن وقع في حديث أبي هريرة ﵁ عند أبي داود (٢)، من طريق عبدالرحمن بن الصامت ما يدلّ على أن الاستثبات فيه إنما وقع بعد الرابعة، ولفظه: "جاء الأسلميّ، فشهد على نفسه أنه أصاب امرأةً حرامًا أربع مرّات، كلّ ذلك يُعرض عنه رسول اللَّه ﷺ ، فأقبل في الخامسة، فقال: "تدري ما الزاني" إلى آخره، والمراد بالخامسة الصفة التي وقعت منه عند السؤال والاستثبات، لأن صفة الإعراض وقعت أربع مرّات، وصفة الإقبال للسؤال وقع بعدها انتهى (٣).
(فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَبِكَ جُنُونٌ؟، قَالَ: لَا) وفي حديث بُريدة: "فسأل أبه جنون؟ فأُخبر بأنه ليس بمجنون"، وفي لفظ: "فأرسل إلى قومه، فقالوا: ما نعلمه إلا وَفِيَّ العقل، من صالحينا"، وفي حديث أبي سعيد: "ثم سأل قومه؟ فقالوا: ما نعلم به بأسًا، إلا أنه أصاب شيئًا، يَرى أنه لا يُخرجه منه إلا أن يُقام فيه الحدّ للَّه"، وفي مرسل سعيد ابن المسيّب: "بَعَث إلى أهله، فقال: أيشتكي؟ أبه جنّة؟ فقالوا: يا رسول اللَّه إنه لصحيح" (٤).
ويجمع بينها بأنه سأله، ثم سأل عنه احتياطًا، فإن فائدة سؤاله أنه لو ادعى الجنون لكان في ذلك دفعٌ لإقامة الحدّ عليه، حتى يظهر خلاف دعواه، فلما أجاب بأنه لا جنون به، سأل عنه، لاحتمال أن يكون كذلك، ولا يُعتدّ بقوله.
وعند أبي داود، من طريق نُعيم بن هَزَّال، قال: "كان ماعز بن مالك يتيمًا في حجر أبي، فأصاب جارية من الحيّ، فقال له أبي: ائت رسول اللَّه ﷺ ، فأخبره بما صنعت، لعله يستغفر لك، ورجا أن يكون له مخرج … "، فذكر الحديث.
وقال القاضي عياض -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: فائدة سؤاله "أبك جنون" سترٌ لحاله، واستبعاد أن يُلحّ عاقل بالاعتراف بما يقتضي إهلاكه، ولعلّه يرجع عن قوله، أو لأنه
стр. 10739
سمعه وحده، أو ليتمّ إقراره أربعًا عند من يشترطه، وأما سؤاله قومه عنه بعد ذلك، فمبالغة في الاستثبات. وتَعَقّب بعض الشرّاح قوله: "أو لأنه سمعه وحده" بأنه كلام ساقط، لأنه وقع في نفس الخبر أن ذلك كان بمحضر الصحابة في المسجد.
قال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وُيردّ بوجه آخر، وهو أن انفراده ﷺ بسماع إقرار المقرّ كاف في الحكم عليه بعلمه اتفاقًا، إذ لا ينطق عن الهوى، بخلاف غيره، ففيه احتمال انتهى (١). (قَالَ: أَحْصَنْتَ؟) أي تزوّجت، هذا معناه هنا جزما، لافتراق الحكم في حدّ من تزوّج، ومن لم يتزوّج.
[تنبيهات]:
الأول: المحصَن بفتح الصاد المهملة، من الإحصان، ويأتي بمعنى العفّة، والتزويج، والإسلام، والحريّة، لأن كلّا منها يمنع المكلّف من عمل الفاحشة، قال ابن القطاع: رجل مُحصِنٌ -بكسر الصاد- على القياس، وبفتحها على غير القياس.
قال الحافظ: ويمكن تخريجه على القياس، وهو أن المراد هنا من له زوجة عقد عليها، ودخل بها، وأصابها، فكان الذي زوّجها له، أو حمله على التزويج بها، ولو كانت نفسَهُ أحصنه، أي جعله في حصن من العفّة، أو مَنَعَه من عمل الفاحشة.
وقال الراغب: يقال للمتزوّجة مُحصَنة، أي أن زوجها أحصنها، ويقال: امرأة مُحصِنٌ بالكسر، إذا تصوّر حصنها من نفسها، وبالفتح إذا تصوّر حصنها من غيرها انتهى.
الثاني: قال ابن المنذر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: أجمعوا على أنه لا يكون الإحصان بالنكاح الفاسد، ولا الشبهة، وخالفهم أبو ثور، فقال: يكون محصنًا، واحتجّ بأن النكاح الفاسد يُعطى أحكام الصحيح في تقرير المهر، ووجوب العدّة، ولحوق الولد، وتحريم الربيبة. وأجيب بعموم "ادرؤوا الحدود".
قال: وأجمعوا على أنه لا يكون بمجرّد العقد محصنًا، واختلفوا إذا دخل بها، وادعى أنه لم يصبها، قال: حتى تقوم البيّنة، أو يوجد منه إقرار، أو يعلم له منها ولد، وعن بعض المالكيّة إذا زنى أحد الزوجين، واختلفا في الوطء لم يصدّق الزاني، ولو لم يمض لهما إلا ليلة، وأما قبل الزنا فلا يكون محصنًا، ولو أقام معها ما أقام.
واختلفوا إذا تزوّج الحرّ أمة، هل تحصنه؟ فقال الأكثر: نعم، وعن عطاء، والحسن، وقتادة، والثوريّ، والكوفيين، وأحمد، وإسحاق: لا. واختلفوا إذا تزوّج كتابيّة، فقال إبراهيم، وطاوس، والشعبيّ: لا تحصنه، وعن الحسن لا تحصنه حتى يطأها في
стр. 10740
الإسلام. أخرجهما ابن أبي شيبة. وعن جابر بن زيد، وابن المسيّب: تحصنه، وبه قال عطاء، وسعيد بن جبير. انتهى (١).
الثالث: قال ابن التين: محلّ مشروعية سؤال المقرّ بالزنا عن ذلك إذا كان لم يُعلم أنه تزوّج تزويجًا صحيحًا، ودخل بها، فأما إذا عُلم إحصانه، فلا يُسأل عن ذلك، ثم حكى عن المالكيّة تفصيلًا فيما إذا عُلم أنه تزوّج، ولم يسمع منه إقرارٌ بالدخول، فقيل: من أقام مع الزوجة ليلة واحدةً لم يُقبل إنكاره، وقيل: أكثر من ذلك، وهل يُحدّ حدّ الثيّب أو البكر؟ الثاني أرجح، وكذا إذا اعترف الزوج بالإصابة، ثم قال: إنما اعترفت بذلك لأملك الرجعة، أو اعترفت المرأة، ثم قالت: إنما فعلت ذلك لأستكمل الصداق، فإن كلّا منهما يُحدّ حدّ البكر انتهى. وعند غيرهم يُرفع الحدّ أصلًا. ونقل الطحاويّ عن أصحابهم أن من قال لآخر: يا زاني، فصدّقه أنه يُجلد القائل، ولا يُحدّ المصدّق، وقال زُفَر: بل يُحدّ. قال الحافظ: وهو قول الجمهور، ورجّح الطحاويّ قول زفر، واستدلّ بحديث الباب، وأن النبي ﷺ قال لماعز: "أحقّ ما بلغني عنك أنك زنيت؟ قال: نعم، فحدّ". قال: وباتفاقهم على أن من قال لآخر: عليك ألف، فقال: صدقتَ، أنه يلزمه المال انتهى. (٢)
(قَالَ: نَعَمْ) زاد في حديث بُريدة قبل هذا: "أشربت خمرًا؟، قال: لا"، وفيه: "فقام رجل، فاستنكهه، فلم يجد منه ريحًا"، وزاد في رواية ابن عباس ﵄ عند البخاريّ: "لعلّك قبّلتَ، أو غمزت -بمعجمة، وزاي- أو نظرت"، أي فأطلق على كلّ ذلك زنًا، ولكنه لا حدّ في ذلك، "قال: لا"، وفي حديث نُعيم: "فقال: هل ضاجعتها؟، قال: نعم، قال: فهل باشرتها؟، قال: نعم، قال: هل جامعتها؟ قال: نعم"، وفي حديث ابن عباس المذكور: "فقال: أنِكْتَها"، لا يَكنِي بفتح التحتانيّة، وسكون الكاف، من الكناية، أي أنه ذكر هذا اللفظ صريحًا، ولم يَكنِ عنه بلفظ آخر، كالجماع، ويحتمل أن يُجمع بأنه ذُكِر بعد ذكر الجماع لأن الجماع قد يُحمل على مجرّد الاجتماع. وفي حديث أبي هريرة المذكور: "أنِكْتَها؟، قال: نعم، قال: حتى دخل ذلك منك ذلك منها؟ قال: نعم، قال: كما يَغِيب الْمِرْوَد (٣) في الْمُكْحُلَة، والرِّشَاء في البئر؟ قال: نعم، قال: أتدري ما الزنا؟ قال: نعم، قال: أتيتُ منها حرامًا ما يأتي الرجل من امرأته حلالاً، قال: فما تريد بهذا القول؟ قال: تُطهّرني، فأَمَر به، فرُجِم". وقَبْلَه عند النسائيّ
стр. 10741
هنا: "هل أدخلته، وأخرجته؟ قال: نعم".
(فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ ) برجمه (فَرُجِمَ) بالبناء للمفعول، يقال: رَجمَتُهُ رَجْمًا، من باب قتل: ضَرَبته بالرَّجَم، وهو -بفتحتين-: الحِجَارة، والرَّجَمُ أيضًا القَبْر، سمي به لما يُجمَع عليه من الأحجار، والرُّجْمَة -بضم فسكون-: حِجَارةٌ مجموعة، والجمع رِجَامٌ، مثلُ بُرْمَة وبِرَام. أفاده في "المصباح".
زاد البخاريّ: قال ابن شهاب: فأخبرني من سمع جابر بن اللَّه: "فكنت فيمن رجمه، فرجمناه بالمصلَّى" انتهى. وقد صرّح يونس، ومعمر في روايتهما بأن المبهم هو أبو سلمة بن عبد الرحمن.
وفي رواية معمر: "فأَمَرَ به، فرُجِم بالمصلّى"، وفي حديث أبي سعيد: "فما أوثقناه، ولا حفرنا له"، قال: "فرميناه بالعظام، والْمَدَر، والْخَزَف" بفتح المعجمة، والزاي، وبالفاء، وهي الآنية التي تُتّخذ من الطين المشويّ، وكأن المراد ما تكسّر منها (فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ) بذال معجمة، وفتح اللام، بعدها قاف: أي أقلقته، قال أهل اللغة: الذّلَق بالتحريك الْقَلَق، وممن ذكره الجوهريّ، وقال في "النهاية": أذلقته بلغت منه الجهد حتى قَلِقَ، يقال: أذلقه الشيء أجهده. وقال النوويّ: معنى أذلقته الحجارة: أصابته بحَدّها، ومنه انذلق: إذا صار له حدّ يَقطَع انتهى.
(فَرَّ) من باب ضرب، ولفظ البخاريّ: "هرب"، وهو بمعنى فَرَّ، وفي رواية "جَمَز" بجيم، وميم مفتوحتين، ئم زاي: أي وَثَب مُسرعًا، وليس بالشديد الْعَدْوِ، بل كالقَفْز، وفي حديث أبي سعيد "فاشتدّ، وأسند لنا خلفه".
(فَأُدْرِكَ، فَرُجِمَ) ببناء الفعلين للمجهول، وللبخاريّ: "فأدركناه بالحرّة، فرجمناه" (فَمَاتَ) وفي رواية: "حتى مات"، وفي حديث أبي سعيد: "حتى أتى عُرْضَ الْحَرَّة (١) فرميناه بجلاميد الحرّة، حتى سكت"، وعند الترمذيّ من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة في قصّة ماعزٍ: "فلما وجد مسّ الحجارة فرّ، يشتدّ حتى مرّ برجل معه لَحْيُ جَمَل، فضربه به، وضربه الناس حتى مات"، وعند أبي داود، والنسائيّ (٢) من رواية يزيد بن نُعيم بن هَزَّال، عن أبيه في هذه القصّة: "فوجد مَسّ الحجارة، فخرج يشتدّ، فلقيه عبد اللَّه بن أُنيس، وقد عجز أصحابه، فنزع له بوظيف بعير (٣)، فرماه، فقتله". وهذا ظاهره
стр. 10742
يخالف ظاهر رواية أبي هريرة أنهم ضربوه معه، لكن يجمع بأن قوله في هذا: "فقتله"، أي كان سببًا في قتله. ووقع في رواية للطبرانيّ في هذه القصّة:، "فضَرَب ساقه، فصرعه، ورجموه حتى قتلوه ". وفي حديث أبي هريرة عند النسائيّ (١): "فانتهى إلى أصل شجرة، فتوسّد يمينه حتى قُتل "، وللنسائيّ من طريق أبي مالك، عن رجل من أصحاب رسول اللَّه ﷺ : "فذهبوا به إلى حائط، يبلُغ صدره، فذهب يَثِب، فرماه رجل، فأصاب أصل أذنه، فصرع، فقتله".
(فَقَال لَهُ النَّبِيُّ ﷺ خَيْرًا) أي ذكره بجميل، ووقع في حديث أبي سعيد عند مسلم: "فما استغفر له، ولا سبّه" (٢)، وفي حديث بُريدة: "فكان الناس فيه فرقتين: قائل يقول: لقد هلك، لقد أحاطت به خطيئته، وقائل يقول: ما توبةٌ أفضل من توبة ماعز، فلبثوا ثلاثًا، ثم جاء رسول اللَّه ﷺ ، فقال: استغفروا لماعز بن مالك"، وفي حديث بُريدة أيضًا: "لقد تاب توبةً لو قسمت على أمّة لوسعتهم"، وفي حديث أبي هريرة عند النسائيّ: "لقد رأيته بين أنهار الجنّة يتغَمَّس"، قال: يعني يتنعّم (٣). وفي حديث جابر عند أبي عوانة: "فقد رأيته يتخضخض في أنهار الجنّة"، وفي حديث اللَّجْلاج عند أبي داود، والنسائيّ (٤): "ولا تقل له: خبيث، لهو عند اللَّه أطيب من ريح المسك"، وفي حديث أبي الفيل عند الترمذيّ: "ولا تشتمه"، وفي حديث أبي ذرّ عند أحمد: "قد غُفر له، وأدخل الجنّة".
(وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ) هكذا رَوَى محمد بن يحيى الذهليّ، وجماعة، عن عبد الرزّاق، قالوا: "ولم يصلّ عليه"، وخالفهم محمود بن غَيْلان، عن عبد الرّزّاق، فقال: "وصلّى عليه".
قال المنذريّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "حاشية السنن": رواه ثمانية أنفس عن عبد الرّزّاق، فلم يذكروا قوله: "وصلّى عليه". قال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: قد أخرجه أحمد في "مسنده" عن عبدالرّزّاق، ومسلم عن إسحاق بن راهويه، وأبو داود عن محمد ابن المتوكّل العَسْقَلَانيّ، وابن حبّان من طريقه، زاد أبو داود: والحسن بن عليّ الخلاّل، والترمذيّ عن الحسن بن عليّ المذكور، والنسائيّ، وابن الجارود عن محمد ابن يحيى الذُّهْليّ، زاد النسائيّ: ومحمد بن رافع، ونوح بن حبيب (٥)، والإسماعيليّ،
стр. 10743
والدارقطنيّ من طريق أحمد بن منصور الرَّمَاديّ، زاد الإسماعيليّ: ومحمد بن عبد الملك بن زنجويه، وأخرجه أبو عوانة عن الدَّبَريّ، ومحمد بن سهل الصغانيّ، فهؤلاء أكثر من عشرة أنفس، خالفوا محمودًا، منهم من سكت عن الزيادة، ومنهم من صرّح بنفيها انتهى (١).
ووقع في "صحيح البخاريّ" في آخر رواية محمود بن غيلان: ما نصّه: ولم يقل يونس، وابن جريج، عن الزهريّ: "فصلّى عليه ". سئل أبو عبد اللَّه هل قوله: "فصلى عليه" يصحّ، أو لا؟ قال: رواه معمر، قيل له: هل رواه غير معمر؟ قال: لا. انتهى.
قال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: قوله: "وسئل أبو عبد اللَّه الخ" وقع هذا الكلام في رواية المستملي وحده عن الفربريّ، وأبو عبد اللَّه هو البخاريّ، وقد اعتُرض عليه في جزمه بأن معمرًا روى هذه الزيادة مع أن المنفرد بها إنما هو محمود بن غيلان، عن عبد الرّزّاق، وقد خالفه العدد الكثير من الحفّاظ، فصرّحوا بأنه لم يصلّ عليه، لكن ظهر لي أن البخاريّ قويت عنده رواية محمود بالشواهد، فقد أخرج عبد الرّزّاق أيضًا، وهو في السنن لأبي قرّة من وجه آخر، عن أبي أمامة بن سهل بن حُنيف في قصّة ماعز، قال: "فقيل: يا رسول اللَّه، أتصلي عليه؟، قال: لا، قال: فلما كان من الغد قال: صلّوا على صاحبكم، فصلى عليه رسول اللَّه ﷺ ، والناس".
فهذا الخبر يَجمع بين الاختلاف، فتُحمل رواية النفي على أنه لم يصلّ عليه حين رُجم، ورواية الإثبات على أنه ﷺ صلى عليه في اليوم الثاني.
وكذا طريق الجمع لما أخرجه أبو داود عن بُريدة ﵁: "أن النبي ﷺ لم يأمر بالصلاة على ماعز، ولم ينه عن الصلاة عليه"، ويتأيّد بما أخرجه مسلم من حديث عمران ابن حُصين ﵄ في قصّة الجُهَنيّة التي زنت، ورُجمت: "أن النبي ﷺ صلى عليها، فقال له عمر: أتصلي عليها، وقد زنت؟ فقال: لقد تابت توبةً، لو قُسمت بين سبعين لوسعتهم".
وحكى المنذريّ قول من حمل الصلاة في الخبر على الدعاء، ثم قال في قصّة الجهنيّة دلالة على توهين هذا الاحتمال، قال: وكذا أجاب النوويّ، فقال: إنه فاسد، لأن التأويل لا يُصار إليه إلا عند الاضطرار إليه، ولا اضطرار هنا.
وقال ابن العربيّ: لم يثبت أن النبيّ ﷺ صلى على ماعز، قال: وأجاب من منع عن صلاته على الغامديّة، لكونها عرفت حكم الحدّ، وماعز إنما جاء مستفهمًا، قال: وهو
стр. 10744
جواب واه. وقيل: لأنه قتده غضبًا للَّه، وصلاته رحمة، فتنافيا، قال: وهذا فاسد، لأن الغضب انتهى، قال: ومحلّ الرحمة باق.
والجواب المرضيّ أن الإمام حيث ترك الصلاة على المحدود كان رَدْعًا لغيره. قال الحافظ: وتمامه أن يقال: وحيث صلّى عليه يكون هناك قرينة، لا يُحتاج معها إلى الرح، فيختلف حينئذ باختلاف الأشخاص انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث جابر بن عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٦٣/ ١٩٥٦ - وفي "الكبرى" ٦٣/ ٢٠٨٣ وفي ٧١٧٤ و ٧١٧٥ و ٧١٧٦. وأخرجه (خ) ٥٢٧٠ و ٥٢٧٢ و ٦٨١٤ و ٦٨١٥ و ٦٨٢٠ و ٦٨٢٦ و ٧١٦٧ (م) ١٦٩١ (د) ٤٤٣٥ (ت) ١٤٢٩ (أحمد) ١٤٠٥٣ (الدارميّ) ٢٣١٥. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده (٢):
منها: ما بوّب له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو ترك الصلاة على المرجوم، وهذا يدلّ على أن رواية "وصلى عليه" غير صحيحة عنده (ومنها): أن فيه منقبةً عظيمةً لماعز ابن مالك ﷺ ، لأنه استمرّ على طلب إقامة الحدّ عليه، مع توبته، ليتمّ تطهيره، ولم يرجع عن إقراره مع أن الطبع البشريّ يقتضي أنه لا يستمرّ على الإقرار بما يقتضي إزهاق نفسه، فجاهد نفسه على ذلك، وقوي عليها، وأقرّ من غير اضطرار إلى إقامة ذلك عليه بالشهادة مع وضوح الطريق إلى سلامته من القتل بالتوبة، ولا يقال: لعلّه لم يعلم أن الحدّ بعد أن يُرفع للإمام يرتفع بالرجوع، لأنا نقول: كان له طريق أن يُبرز أمره في صورة الاستفتاء، فيعلم ما يخفى عليه من أحكام المسألة، ويَبني على ما يُجاب به، ويَعدل عن الإقرار إلى ذلك.
ومنها: أنه يستحب لمن وقع في معصية، ونَدِمَ أن يبادر إلى التوبة إلى اللَّه تعالى منها، ويستتر بستر اللَّه، ولا يذكر ذلك لأحد، وإن اتفق أنه أخبر لأحد، فيستحبّ أن يأمره بالتوبة، وسترِ ذلك عن الناس، ويستحبّ للمُخبَرِ أيضًا أن يستر ذلك عليه، ولا يفضحه، ولا يرفعه إلى الأمام، كما جرى لماعز مع أبي بكر وعمر ﵃، وقد أخرج
стр. 10745
قصته معهما في "الموطإ"، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيّب، مرسلةً، ووصله أبو داود وغيره من رواية يزيد بن نُعيم بن هَزّال، عن أبيه، وفي القصّة أن النبيّ ﷺ قال لِهَزّال: "لو سترته بثوبك لكان خيرًا لك"، وفي "الموطإ"، عن يحيى بن سعيد: ذكرت هذا الحديث في مجلس، فيه يزيد بن نُعيم، فقال: هزّال جدّي، وهذا الحديث حقّ.
قال الباجيّ ﵀: المعنى خيرًا لك مما أمرته به من إظهار أمره، وكان ستره بأن يأمره بالتوبة والكتمان، كما أمره أبو بكر وعمر، وذكر الثوب مبالغة، أي لو لم تجد السبيل إلى ستره إلا بردائك ممن علم أمره (١) كان أفضل مما أشرت به عليه من الإظهار.
وباستحباب الستر جزم الشافعيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، فقال: أُحِبّ لمن أصاب ذنبًا، فستره اللَّه عليه، أن يستر على نفسه ويتوب، واحتجّ بقصّة ماعز مع أبي بكر وعمر ﵃.
وقال ابن العربيّ ﵀: هذا كلّه في غير المجاهر، فاما إذا كان متظاهرًا بالفاحشة، مجاهرًا، فإني أحبّ مكاشفته به، لينزجر هو وغيره.
وقد استُشكِل استحباب الستر مع ما وقع من الثناء على ماعز، والغامديّة.
وأجاب الحافظ العراقيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "شرح الترمذيّ" بأن الغامديّة كان ظهر بها الحَبَلُ، مع كونها غير ذات زوج، فتعذّر الاستتار، للاطلاع على ما يُشعر بالفاحشة، ومن ثَمّ قيّد بعضهم ترجيح الاستتار حيث لا يكون هناك ما يشعر بضدّه، وإن وُجد فالرفع إلى الإمام ليقيم عليه الحدّ أفضل انتهى.
قال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: والذي يظهر أن الستر مستحبّ، والرفع لقصد المبالغة في التطهير أحبّ، والعلم عند اللَّه تعالى.
ومنها: التثبّت في إزهاق نفس المسلم، والمبالغة في صيانته لما وقع في هذه القصّة من ترديده، والإيماء إليه بالرجوع، والإشارة إلى قبول دعواه، إن ادّعى إكراهًا، أو نحو ذلك.
ومنها: مشروعيّة الإقرار بفعل الفاحشة عند الإمام، وفي المسجد، والتصريح فيه بما يُستحيى من التلفّظ به، من أنواع الرفَثِ في القول، من أجل الحاجة الملجئة لذلك.
ومنها: نداء الكبير بالصوت العالي. ومنها: إعراض الإمام عمن أقرّ بأمر محتمل
стр. 10746
لإقامة الحدّ، لاحتمال أن يفسّره بما لا يوجب حدًّا، أو يرجع، واستفساره عن شروط ذلك ليُرتّب عليه مقتضاه. ومنها: أن إقرار المجنون لاغ. ومنها: استحباب التعريض للمقرّ بأن يرجع، وأنه إذا رجع قُبل. قال ابن العربيّ ﵀: وجاء عن مالك ﵀ رواية أنه لا أثر لرجوعه، وحديث النبي ﷺ أحقّ أن يُتّبع.
ومنها: أنه استُدلّ به على اشتراط الإقرار بالزنا أربعًا لظاهر قوله: "فلما شهد على نفسه أربع شهادات"، فإن فيه إشعارًا بأن العدد هو العلّة في تأخير إقامة الحدّ عليه، وإلا لأمر برجمه في أول أمره، ولأن في حديث ابن عبّاس: "قال لماعز: قد شهدت على نفسك أربع شهادات، اذهبوا به، فارجموه"، ويؤيّده القياس على عدد شهود الزنا دون غيره، وهو قول الكوفيين، والراجح عند الحنابلة، وزاد ابن أبي ليلى، فاشترط أن تتعدّد مجالس الإقرار، وهي رواية عن أبي حنيفة، وتمسّكوا بصورة الواقعة، لكن الروايات فيها اختلفت.
قال الحافظ: والذي يظهر أن المجالس تعددت، لكن لا بعدد الإقرار، فأكثرُ ما نقل في ذلك أنه أقرّ مرتين، ثم عاد من الغد، فأقرّ مرّتين، كما تقدّم بيانه. وتأول الجمهور بأن ذلك وقع في قصّة ماعز، وهي واقعة حال، فجاز أن يكون لزيادة الاستثبات. ويؤيّد هذا الجواب ما تقدّم في سياق حديث أبي هريرة، وما وقع عند مسلم في قصّة الغامديّة، حيث قالت لما جاءت: "طهرني، فقال: ويحك ارجعي، فاستغفري، قالت: أراك تريد أن تردّني كما رددت ماعزّا، إنها حبلى من الزنا"، فلم يؤخّر إقامة الحدّ عليها إلا لكونها حبلى، فلما وضعت أمر برجمها، ولم يستفسرها مرّة أخرى، ولا اعتبر تكرير إقرارها، ولا تعدد المجالس، وكذا وقع في قصّة العَسِيف حيث قال: "واغدُ يا أُنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت، فارجمها، وفيه: "فغدا عليها، فاعترفت، فرجمها"، ولم يذكر تعدد الاعتراف، ولا المجالس. وأجابوا عن القياس المذكور بأن القتل لا يُقبل فيه إلا شاهدان، بخلاف سائر الأموال، فيقبل فيها شاهد وامرأتان، فكان قياس ذلك أن يُشترط الإقرار بالقتل مرّتين، وقد اتفقوا أنه يكفي فيه مرّة.
ومنها: أن الإمام لا يشترط أن يبدأ بالرجم فيمن أقرّ، وإن كان ذلك مستحبّا، لأن الإمام إذا بدأ مع كونه مأمورًا بالتثبّت، والاحتياط فيه، كان ذلك أدعى إلى الزجر عن التساهل في الحكم، وإلى الحضّ على التثبّت في الحكم، ولهذا يبدأ الشهود إذا ثبت الرجم بالبيّنة.
ومنها: جواز تفويض الإمام إقامة الحدّ لغيره. ومنها: أنه لا يشترط الحفر للمرجوم، لأنه لم يُذكر في حديث الباب، بل وقع التصريح في حديث أبي سعيد عند مسلم،
стр. 10747
فقال: "فما حفرنا له، ولا أوثقناه"، ولكن وقع في حديث بُريدة عنده: "فحُفر له حَفيرة".
ويمكن الجمع بأن المنفيّ حفيرة لا يمكنه الوثوب منها، والمثبت عكسه، أو أنهم في أول الأمر لم يحفروا له، ثمّ لما فرّ فأدركوه حفروا له حفيرة، فانتصب لهم فيها حتى فرغوا منه.
وعند الشافعية لا يحفر للرجل، وفي وجه يتخيّر الإمام، وهو أرجح، لثبوته في قصة ماعز، فالمثبت مقدّم على النافي، وقد جُمِع بينهما بما دلّ على وجود حَفْر في الجملة، وفي المرأة أوجه، ثالثها الأصحّ إن ثبت زناها بالبينة استُحبّ، لا بالإقرار، وعن الأئمة الثلاثة في المشهور عنهم لا يحفر، وقال أبو يوسف، وأبو ثور: يحفر للرجل والمرأة.
ومنها: جواز تلقين المقرّ بما يوجب الحدّ ما يدفع به عنه الحدّ، وأن الحدّ لا يجب إلا بالإقرار الصريح، ومن ثمّ شُرط على من شهد بالزنا أن يقول: رأيته أَوْلَجَ ذكره في فرجها، أو ما أشبه ذلك، ولا يكفى أن يقول: أشهد أنه زنى. وثبت عن جماعة من الصحابة تلقين المقرّ بالحدّ، ومنهم من خصّ التلقين بمن يُظنّ به أنه يجهل حكم الزنا، وهو قول أبي ثور، وعند المالكية يُستثنى تلقين المشتهر بانتهاك الحرمات، ويجوز تلقين من عداه، وليس ذلك بشرط.
ومنها: أن فيه تركَ سَجْن من اعترف بالزنا في مدّة الاستثبات، وفي الحامل حتى تضع، وقيل: إن المدينة لم يكن بها حينئذ سِجْن، وإنما كان يُسلّم كلّ جان لوليه. وقال ابن العربي: إنما لم يأمر بسجنه، ولا التوكيل به، لأن رجوعه مقبول، فلا فائدة في ذلك، مع جواز الإعراض عنه إذا رجع.
ومنها: وجوب رجم الْمُحصَن، وقد أجمع الصحابة، وأئمة الأمصار على أن المحصن إذا زنى عامدًا عالمًا مختارًا، فعليه الرجم، ودفع ذلك الخوارج، وبعض المعتزلة، واعتلّوا بأن الرجم لم يُذكر في القرآن، وحكاه ابن العربيّ عن طائفة من أهل المغرب لقيهم، وهم من بقايا الخوارج، واحتجّ الجمهور بأن النبي ﷺ رجم، وكذلك الأئمة بعده، وقال علي ﵁ بعد أن رجم امرأةً: "قد رجمتها بسنة رسول اللَّه ﷺ "، وثبت في "صحيح مسلم" عن عبادة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "خذوا عني، قد جعل اللَّه لهنّ سبيلاً، الثيّب بالثيّب الرجم .... ". وقد خطب عمر ﵁، فقال: "إن اللَّه بعث محمدا ﷺ بالحقّ، وأنزل عليه القرآن، فكان مما أنزل اللَّه آية الرجم .... " أخرجه البخاريّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-.
ومنها: أنه يؤخذ من قوله: "هل أحصنت" وجوب الاستفسار عن الحال التي تختلف
стр. 10748
الأحكام باختلافها. ومنها: أنه يؤخذ من قوله: "استنكهوه" أن إقرار السكران لا أثر له، والذين اعتبروه، قالوا: إن عقله زال بمعصية، ولا دلالة في قصّة ماعز، لاحتمال تقدّمها على تحريم الخمر، أو أن سكره وقع عن غير معصية.
ومنها: أن المقرّ بالزنا إذا أقرّ يُترك، فإن صرّح بالرجوع فذاك، وإلا اتُّبع ورُجِم.
وهو قول الشافعيّ، وأحمد، ودلالته من قصّة ماعز ظاهرة، وقد وقع في حديث نعيم بن هزّال: "هلا تركتموه، لعله يتوب، فيتوب اللَّه عليه". أخرجه أبو داود، وصححه الحاكم، وللترمذيّ نحوه من حديث أبي هريرة، وصححه الحاكم، وعند أبي داود من حديث بُريدة، قال: "كنا أصحابَ رسول اللَّه ﷺ ، نتحدّث أن ماعزًا، والغامديّة لو رجعا لم يطلبهما".
وعند المالكيّة في المشهور لا يُترك إذا هرب. وقيل: يشترط أن يؤخذ على الفور، فإن لم يؤخذ تُرك. وعن ابن عيينة: إن أخذ في الحال كُمِّل عليه الحدُّ، وإن أخذ بعد أيام تُرك. وعن أشهب إن ذَكَر عذرًا يُقبل ترك، وإلا فلا، ونقله القعنبيّ عن مالك، وحكى الكجيّ عنه قولين فيمن رجع إلى شبهة، ومنهم من قيّده بما بعد إقراره عند الحاكم، واحتجّوا بأن الذين رجموه حتى مات بعد أن هرب لم يُلزَمُوا بديته، فلو شُرع تَركُه لوجبت عليهم الدية. والجواب أنه لم يصرّح بالرجوع، ولم يقل أحد إن حدّ
الرجم يسقط بمجرّد الهروب، وقد عبّر في حديث بُريدة بقوله: "لعله يتوب".
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أرجح الأقوال عندي ما ذهب إليه الشافعيّ، وأحمد، من أنه إذا صرّح بالرجوع يُترك، لموافقته لظاهر قصّة ماعز ﵁ هذه، واللَّه تعالى أعلم.
ومنها: أنه استُدلّ به على الاكتفاء بالرجم في حدّ من أُحصن من غير جلد.
هكذا قيل، وفيه نظر؛ لأنه ثبت الجمع بين الرجم والجلد، كما سيأتي في محله، إن شاء اللَّه تعالى.
ومنها: أن من وُجد منه ريح الخمر وجب عليه الحدّ، للأمر باستنكاه ماعز بعد أن قال له: أشربت خمرًا؟ قال القرطبيّ: وهو قول مالك، والشافعيّ، كذا قال. وقال المازريّ: استدلّ به بعضهم على أن طلاق السكران لا يقع. وتعقّبه عياض بأنه لا يلزم من درء الحدّ به أنه لا يقع طلاقه، لوجود تهمته على ما يظهر من عدم العقل، قال: ولم يختلف في غير الطافح (١) أن طلاقه لازم، قال: ومذهبنا إلزامه بجميع أحكام الصحيح، لأنه أدخل ذلك على نفسه، وهو حقيقة مذهب الشافعيّ، واستُثني من أكره، ومن شرب ما ظنّ أنه غير مسكر، ووافقه بعض متاخري المالكيّة. وقال النوويّ: الصحيح عندنا
стр. 10749
صحّة إقرار السكران، ونفوذ أقواله فيما له، وعليه، قال: والسؤال عن شربه الخمر محمول عندنا على أنه لو كان سكران لم يُقَم عليه الحدّ، كذا أطلق، فأُلزِم التناقض، وليس كذلك، فإن مراده لم يقم عليه الحدّ لوجود الشبهة، كما تقدّم من كلام عياض.
ومن المذاهب الظريفة فيه قول الليث: يُعمل بأفعاله، ولا يُعمل بأقواله، لأنه يلتذّ بفعده، ويَشفِي غيظه، ولا يفقه أكثر ما يقول، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في حكم الصلاة على المرجوم، ونحوه ممن قتل في حدّ:
قال الإمام ابن المنذر ﵀ تعال: اختلفوا في الصلاة على من قُتل في حدّ، فروينا عن عليّ بن أبي طالب ﵁، أنه قال لأولياء شُرَاحَة الهمدانيّة المرجومة: اصنعوا بها ما تصنعون بموتاكم. وقال جابر بن عبد اللَّه ﵄: صلِّ على من قال: لا إله إلا اللَّه.
وممن رأى أن يُصلَّى على جميع من أصيب في حدّ الأوزاعيّ، والشافعيّ، وإسحاق، وقال عطاء في ولد الزنا إذا استهلّ، وأمِّه، والمتلاعنين، والذي يُقاد منه، وعلى المرجوم، والذي يزاحف، فيفرّ، فيقتل، وعلى الذي يموت موتةَ سوءٍ: لا أدع الصلاة على من قال: لا إله إلا اللَّه، قال: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣]، قال: فمن يعلم أن هؤلاء من أصحاب الجحيم؟. وقال عمرو مثل قول عطاء، وقال النخعيّ: لم يكونوا يَحجبون الصلاة على أحد من أهل القبلة. وقال الأوزاعيّ: يصلّى على المرجوم، وعلى المصلوب إذا أُرسل من خشبة. وقال الشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي في المرجوم: يُغسل، ويكفّن، ويصلَّى عليه.
وقال الشافعيّ: لا تترك الصلاة على أحد ممن صلى القبلة بَرّا كان أو فاجرًا.
وفيه قول ثان: كان الزهريّ، يقول: يصلَّى على الذي يقاد منه في حدّ، إلا من أُقِيد منه في رجم، وقال مالك في الرجل يُقتل قَوَدًا: لا يُصلّي عليه الإمام، ويصلي عليه أهله إن شاءوا، أو غيرهم، وقال أيضًا: من قتله الإمام على حدّ من الحدود فلا يصلّي الإمام عليه، وليصلّ عليه أهله. وقال أحمد في ولد الزنا، والذي يقاد منه في حدّ: يصلّى عليه، إلا أن الإمام لا يصلي على قاتل نفس، ولا على غالّ. وقال إسحاق: يصلّى على كلٍّ. وكان الحسن البصريّ، يقول: في امرأة ماتت في نفاسها من الزنا: لا
стр. 10750
يُصلَّى عليها، ولا على ولدها. وقال يعقوب: من قُتل من هؤلاء المحاربين، أو صُلب لم يصلّ عليه، وإن كان يدّعي الإسلام، وكذلك الفئة الباغية لا يصلّى على قتلاها، وكذلك قال النعمان.
وقال ابن المنذر أيضًا: واختلفوا في الصلاة على ولد الزنا، فقال أكثر أهل العلم: يصلّى عليه، كذلك قال عطاء، والزهريّ، والنخعيّ، ومالك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق. وكان قتادة يقول: لا يصلى عليه. واختُلف فيه عن ابن عمر، فقيل: إنه صلى عليه، ورُوي عنه أنه كان لا يصلي عليه.
واختلفوا في الصلاة على من قتل نفسه، فكان الحسن، والنخعيّ، وقتادة يرون الصلاة عليه. وقال الأوزاعيّ: لا يصلى عليه، وذكر أن عمر بن عبد العزيز لم يُصلّ عليه.
قال ابن المنذر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: سَنَّ رسول اللَّه ﷺ الصلاة على المسلمين، ولم يستثن منهم أحدًا، وقد دخل في جملتهم الأخيار والأشرار، ومن قُتل في حدّ، ولا نعلم خبرًا أوجب استثناء أحد ممن ذكرناهم، فيُصَلَّى على من قتل نفسه، وعلى من أصيب في أيّ حدّ أصيب فيه، وعلى شارب الخمر، وولد الزنا، لا يُستثنَى منهم إلا من استثناه النبي ﷺ من الشهداء الذين أكرمهم اللَّه بالشهادة، وقد ثبت أن نبيّ اللَّه ﷺ صلى على من أصيب في حدّ -يعني الغامدية الآتية قريبًا- انتهى كلام ابن المنذر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- باختصار (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله ابن المنذر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- حسنٌ جدًّا، إلا أن للإمام خاصّةً أن لا يصلي على من يَحِيف (٢)، وعلى من غَلّ، وعلى من عليه دين، وعلى من قتل نفسه، إن رأى ذلك، لأجل أن ينزجر الناس عن مثل أفعالهم، وسيأتي بيان أدلة كلّ ذلك في الأبواب التي سيذكرها المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- فيها قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصوب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…