← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 10921–10960 · переход к 10926.

стр. 10921

المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٩٩/ ٢٠٣٠ - وفي "الكبرى" ٩٩/ ٢١٥٧. وأخرجه (م) ٢٢٣٩ (د) ٣٢١٩ (أحمد) ٢٣٤٣٩. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: دلّ حديث فضالة ﵁ عنه هذا أن المشروع تسوية القبر، لا تسنيمه، وفيه حلاف بين أهل العلم: قال في "الفتح": عند شرح ما أخرجه البخاريّ من طريق أبي بكر بن عياش، عن سفيان التمار أنه حدثه، "أنه رأى قبر النبيّ ﷺ مسنّما": ما نصّه: قوله: "مسنّمًا" أي مرتفعًا، زاد أبو نعيم في "المستخرج": "وقبر أبي بكر، وعمر كذلك". واستدلّ به على أن المستحبّ تسنيم القبور، وهو قول أبي حنفية، ومالك، وأحمد، والمزنيّ، وكثير من الشافعية، وادعى القاضي حسين اتفاق الأصحاب عليه. وتعقّب بأن جماعة من قدماء الشافعيّة استحبّوا التسطيح، كما نصّ عليه الشافعيّ، وبه جزم الماورديّ، وآخرون. وقول سفيان التمّار لا حجة فيه، كما قال البيهقيّ؛ لاحتمال أن قبر النبيّ ﷺ لم يكن في الأول مسنّمًا، فقد روى أبو داود، والحاكم من طريق القاسم ابن محمد بن أبي بكر، قال: "دخلتُ على عائشة ﵄، فقلت: يا أمه اكشفي لي عن قبر رسول اللَّه ﷺ ، وصاحبيه، فكشفت له عن ثلاثة قبور، لا مشرفة، ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العَرْصَة (١) الحمراء"، زاد الحاكم: "فرأيت رسول اللَّه ﷺ مقدّمًا، وأبا بكر رأسه بين كتفي النبيّ ﷺ ، وعمر رأسه عند رجلي النبي ﷺ . وهذا كان في خلافة معاوية ﵁ فكأنها كانت في الأول مسطّحة، ثم لما بُني جدار القبر في إمارة عمر بن عبدالعزيز على المدينة من قِبَلِ الوليد بن عبد الملك صيّروها مرتفعة. وقد روى أبو بكر الآجريّ في "كتاب صفة قبر النبي ﷺ " من طريق إسحاق بن عيسى ابن بنت داود بن أبي هند، عن غُنيم بن بسطام المدينيّ، قال: رأيت قبر النبي ﷺ في إمارة عمر بن عبدالعزيز، فرأيته مرتفعًا، نحوًا من أربع أصابع، ورأيت قبر أبي بكر وراء قبره، ورأيت قبر عمر وراء قبر أبي بكر أسفل منه. ثم الاختلاف في ذلك في أيهما أفضل، لا في أصل الجواز، ورجّح المزنيّ التسنيم من حيث المعنى بأن السطيح يشبه ما يُصنع للجلوس، بخلاف المسنّم، ورجحه ابن قُدامة بأنه يشبه أبنية أهل الدنيا، وهو من شعار أهل الباع، فكان التسنيم أولى. ويرجّح التسطيح ما رواه مسلم من حديث فَضَالة بن عُبيد أنه أمر بقبر فسويّ، ثم قال: "سمعت

стр. 10922

رسول اللَّه ﷺ يأمر بتسويتها" انتهى ما في "الفتح" (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الصواب أن التسطيح هو المتعيّن، لحديث فضالة ﵁ المذكور في الباب، وأما ما حكاه سفيان التمّار، فلا حجة فيه؛ لما تقدّم في كلام البيهقيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعمِ الوكيل. ٢٠٣١ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ حَبِيبٍ, عَنْ أَبِي وَائِلٍ, عَنْ أَبِي الْهَيَّاجِ, قَالَ: قَالَ: عَلِيٌّ ﵁: "أَلَا أَبْعَثُكَ, عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , لَا تَدَعَنَّ قَبْرًا مُشْرِفًا, إِلاَّ سَوَّيْتَهُ, وَلَا صُورَةً فِي بَيْتٍ, إِلاَّ طَمَسْتَهَا". رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عمرو بن عليّ) الفلّاس الصيرفيّ، أبو حفص البصريّ الحافظ الثبت [١٠] ٤/ ٤. ٢ - (يحيى) بن سعيد القطان، أبو سعيد الإمام الثبت الحجة [٩] ٤/ ٤. ٣ - (سفيان) بن سعيد الثوريّ الإمام الثبت الحجة الفقيه [٧] ٣٣/ ٣٧. ٤ - (حبيب) بن أبي ثابت، أبو يحيى الكوفيّ، ثقة فقيه جليل، كثير الإرسال والتدليس [٣] ١٢١/ ١٧٠. ٥ - (أبو وائل) شقيق بن سلمة الأسديّ الكوفيّ، ثقة مخضرم [٢] ٢/ ٢. ٦ - (أبو الْهيّاج) الأسديّ، حيّان بن حُصين الكوفيّ، ثقة [٣]. روى عن عليّ، وعمار. وعنه ابناه: جرير، ومنصور، وأبو ائل، والشعبيّ. قال العجلي: تابعي ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن عبد البرّ: كان كاتب عمّار. روى له مسلم، وأبو داود، والمصنف، وله ذكر في الترمذيّ، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٧ - (عليّ) بن أبي طالب ﵁ ٧٤/ ٩١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين من سفيان، وشيخُهُ، ويحى بصريان. (ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستة بلا واسطة. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ مخضرم. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 10923

شرح الحديث (عَنْ أَبِي الْهَيَّاجِ) بفتح الهاء، وتشديد الياء المثناة من تحت، وآخره جيم، قال السيوطِيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: ليس له في الكتب إلا هذا الحديث انتهى (١) (قَالَ: قَالَ: عَليٌّ ﵁: "ألَا") أداة استفتاح، وتنبيه (أَبْعَثُكَ) أي أرسلك (عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أي إلى مثل الذي أرسلني إليه ﷺ (لَا تَدَعَنَّ) بنون التوكيد المشدّدة، أي لا تتركنّ، وهذه الجملة بيان لما بعث به عليّ ﵁ أبا الهيّاج، ولفظ مسلم: "أن لا تدع"، وعليه تكون الجملة بيانا لما بعث به النبي ﷺ عليا ﵁، و"أن" مصدرية، و"لا" نافية، فيكون خبرًا لمبتدإ محذوف، أي هو عدم تركي الخ. ويحتمل أن تكون "أن" تفسيرية، و"لا" ناهية (قَبْرًا مُشْرِفًا) اسم فاعل، من الإشراف، وهو الارتفاع، أي مرتفعًا عن الأرض. قال السنديّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: قيل: المراد هو الذي بُني عليه حتى ارتفع، دون الذي أُعلم عليه بالرمل، والحصى، والحجر؛ ليعرف، فلا يوطأ، ولا فائدة في البناء عليه، فلذلك نُهي عنه. وذهب كثير إلى أن الارتفاع المأمور إزالته ليس هو التسنيم على وجه يُعلم أنه قبر، والظاهر أن التسوية لا تُناسب التسنيم انتهى (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الصواب أن معنى التسوية هو التسطيح، وهو غير التسنيم، فلا يُشرع التسنيم، لأنه مما لا يدلّ عليه دليل. واللَّه تعالى أعلم. (إِلَّا سَوَّيْتَهُ) أي ألصقته بالأرض، قال النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: فيه أن السنّة أن القبر لا يُرفع على الأرض رفعًا كثيرًا، ولا يُسنّم، بل يُرفع نحو شبر، ويسطّح، وهذا مذهب الشافعيّ، ومن وافقه، ونقل القاضي عياض عن أكثر العلماء أن الأفضل عندهم تسويتها، وهو مذهب مالك انتهى (٣). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ظاهر الحديث على ما قاله القاضي عياض -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وأما التسنيم، وكذا رفعه نحو شبر فمما لا دليل عليه، كما تقدم. واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: قال في "المنهل العذب المورود": واتفق العلماء على استحباب رفع القبر نحو شبر؛ ليُعلم أنه قبر، فيتوقى، وُيترحّم على صاحبه، إلا أن يكون مسلما في دار الحرب، فيُخفى قبره مخافة أن يَتعرّض له الكفّار بالأذى انتهى (٤). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: دعوى اتفاق العلماء على استحباب رفع القبر شبرًا

стр. 10924

غير صحيحة؛ لما تقدّم من أن التسطيح هو قول مالك، وأكثر العلماء، فأين الاتفاق المزعوم؟ واستدلاله بما أخرجه سعيد بن منصور، والبيهقي، من رواية جعفر بن محمد، عن أبيه، "أن رسول اللَّه ﷺ رشّ على قبر ابنه إبراهيم، ووضع عليه حصباء، ورفعه شبرًا"، غير صحيح، لأنه مرسل، فلا يصلح لردّ ما صحّ عنه ﷺ من حديث عليّ ﵁ هذا، وحديث فضالة ﵁ المتقدم. وأما قوله: ليعلم أنه قبر الخ، فليس ذلك مما يبيح المحظور، من رفعه من الأرض، لأن كونه قبرًا يعلم من طريق آخر مأذون فيه شرعًا، وهو وضع الحجر عليه حتى يُعلم أنه قبر، كما وضع النبيّ ﷺ على قبر عثمان بن مظعون ﵁، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. (وَلَا صُورَةً) أي صورة ذي روح (فِي بَيْتٍ) الظاهر أن ذكر البيت ليس قيدًا، فما كان خارج البيت مثله (إِلاَّ طَمَسْتَهَا") أي محوتها، أو غَيَّرْتَها من هيئتها، بقطع رأسها، أو نحو ذلك. ولفظ مسلم: "ألا تدع تمثالا إلا طمسته". قال القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: والتِّمْثَال: مثال صورة ما فيه روح، وهو يعمّ ما كان متجسّدًا، وما كان مصوّرًا في رقم، أو نقش، لا سيّما وقد روي "صورة" مكان "تمثال". وقيل: إن المراد به هنا ما كان له شخص وجسد، دون ما كان في ثوب، أو حائط منقوشًا. قال: وطمسها: تغييرها، وذلك يكون بقطع رؤوسها، وتغيير وجوهها، وغير ذلك، مما يذهبها. انتهى كلام القرطبي -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحقّ تعميم طمس جميع أنواع الصور، فلا يستثنى منها شيء؛ لعموم النصوص الواردة في النهي عن اتخاذها، والأمر بتغييرها، وأن إبقاءها منكر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث عليّ ﵁ هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ٩٩/ ٢٠٣١ - وفي "الكبرى" ٩٩/ ٢١٥٧. وأخرجه (م) ٢٢٤٠ و ٢٢٤١ (د) ٣٢١٨ (ت) ١٠٤٩ (أحمد) ٦٥٩ و ٦٨٥ و ٧٤٣ و ٨٨٣ و ٨٩١ و ١٠٦٧ و ١١٧٩ و ١٢٤٣ و ١٢٨٦. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 10925

المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما بوّب له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو الأمر بتسوية القبور إذا كانت مرتفعة. ومنها: شدة اعتناء النبي ﷺ بإزالة المنكرات. ومنها: إزالة المنكر باليد، كما قال النبي ﷺ : "من رأى منكم منكرًا، فليغيّره بيده، فإن لم يستطع، فبلسانه، فان لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان". رواه مسلم. ومنها: عدم جواز رفع القبر عن وجه الأرض. ومنها: وجوب محو صور ذوات الأرواح، أو تغييرها عن هيئتها، واللَّه تعالى أعلم. المسألة الرابعة: قال العلامة الشوكانيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: عند شرح حديث الباب: ما نصّه: فيه أن السنة أن القبر لا يُرفع رفعًا كثيرًا، من غير فرق بين من كان فاضلًا، ومن كان غير فاضل. والظاهر أن رفع القبور زيادة على القدر المأذون فيه محرّم، وقد صرّح بذلك أصحاب أحمد، وجماعة من أصحاب الشافعيّ، ومالك، والقول بأنه غير محظور؛ لوقوعه من السلف والخلف بلا نكير -كما قال الإمام يحيى، والمهديّ في "الغيث"- لا يصحّ؛ لأن غاية ما فيه أنهم سكتوا عن ذلك، والسكوت لا يكون دليلاً، إذا كان في الأمور الظنّيّة، وتحريم رفع القبور ظنّيّ. ومِنْ رَفْعِ القبور الداخل تحت الحديث دخولا أوّليّا الْقُبَبُ، والْمَشَاهد المعمورة على القبور، وأيضًا هو من اتخاذ القبور مساجد، وقد لعن النبيّ ﷺ فاعل ذلك، وكم قد سَرَى عن تشييد أبنية القبور، وتحسينها، من مفاسد يَبكِي لها الإسلام، منها اعتقاد الجهلة لها كاعتقاد الكفّار للأصنام، وعظم ذلك، فظنّوا أنها قادرة على جلب النفع، ودفع الضرّ، فجعلوها مقصدًا لطلب قضاء الحوائج، وملجأ لنجاح المطالب، وسألوا منها ما يسأله العباد من ربّهم، وشدّوا إليها الرحال، وتمسّحوا بها، واستغاثوا. وبالجملة إنهم لم يَدَعُوا شيئا، مما كانت الجاهلية تفعله بالأصنام إلا فعلوه، فإنا للَّه، وإنا إليه راجعون. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: بل زاد هؤلاء على ما كان عليه أهل الجاهلية، فإنهم كانوا يعبدون الأصنام ويدعونها في الرخاء، فإذا أصابتهم شدة أخلصوا التوحيد للَّه تعالى، والتجأوا إليه، وتركوها، كما قال اللَّه تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]، وأما هؤلاء فالرخاء والشدة عندهم سواء، فلا يزالون يقولون في جميع أحوالهم: يا سيدي فلان أغثنا، أنقذنا مما نحن فيه، فانا للَّه، وإنا إليه راجعون.

стр. 10926

قال: ومع هذا المنكر الشنيع، والكفر الفظيع لا نجد مَن يغضب للَّه، ويَغَار، حميّة للدين الحنيف، لا عالمًا، ولا متعلمًا، ولا أميرًا، ولا وزيرًا، ولا ملكًا. وقد تواردت إلينا من الأخبار ما لا يُشكّ معه أن كثيرًا، من هؤلاء القبوريين (١)، أو أكثرهم إذا توجهتْ عليه يمين من جهة خصمه حلف باللَّه فاجرًا، فإذا قيل له بعد ذلك: احلف بشيخك، ومعتقدك الوليّ الفلانيّ تلعثم، وتلكّأ، وأبى، واعترف بالحقّ. وهذا من أبين الأدلّة الدالّة على أن شركهم قد بلغ فوق شرك من قال: إنه تعالى ثاني اثنين، أو ثالث ثلاثة. فيا علماء الدين، ويا ملوك المسلمين، أيّ رَزْءٍ للإسلام أشدّ من الكفر؟، وأيّ بلاء لهذا الدين أضرّ عليه من عبادة غير اللَّه؟ وأيّ مصيبة يُصاب بها المسلمون تعدل هذه المصيبة؟، وأيّ منكر يجب إنكاره، إن لم يكن إنكار الشرك البيّن واجبًا؟. لَقَدْ أَسْمَعْتَ لَوْ نَادَيْتَ حَيًّا … وَلَكِنْ لَا حَيَاةَ لِمَنْ تُنَادِي وَلَوْ نَارًا نَفَخْتَ بَهِا أَضَاءَتْ … وَلَكِنْ أَنْتَ تَنْفُخُ فِي رَمَادِ انتهى كلام العلامة الشوكانيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، ولقد أحسن، وأجاد، وأفهم، وأفاد، فجزاه اللَّه تعالى على هذا التذكير العظيم وإنكار هذا المنكر الجسيم خير الجزاء، إنه بعباده عليم، وبالمؤمنين رؤوف رحيم. ؤالفه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٠٠ - زِيارَةُ الْقُبُورِ قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الزيارة" -بكسر الزاي، وتخفيف الياء-: معناه القَصْدُ، يقال: زاره، زِيارةً، وزَوْرًا -بالفتح-: قصده، فهو زائرٌ، وزَوْرٌ -بفتح، فسكون-، وقَوم زَوْرٌ أيضًا، وزُوّارٌ، مثلُ سافرٍ، وسَفْرِ، وسُفّار، ونسوةٌ زَوْرٌ أيضًا، وزُوَّرٌ، وزائراتٌ،

стр. 10927

والْمَزَار -بفتح الميم- يكون مصدرًا، وموضعُ الزيارة، والزِّيَارةُ في الْعُرْف قَصْدُ المزور؛ إكرامًا له، واستئناسًا به. أفاده في "المصباح" واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٠٣٢ - أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ, عَنِ ابْنِ فُضَيْلٍ, عَنْ أَبِي سِنَانٍ, عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ, فَزُورُوهَا, وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ, فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ, وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ النَّبِيذِ, إِلاَّ فِي سِقَاءٍ, فَاشْرَبُوا فِي الأَسْقِيَةِ كُلِّهَا, وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا». رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن آدم) بن سليمان الجهنيّ، صدوق [١٠] ٩٣/ ١١٥. ٢ - (ابن فضيل) هو: محمد بن فُضيل بن غَزْوان الضبّيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، صدوق عارف، رمي بالتشيّع [٩] ١٨/ ٧٩٩. ٣ - (أبو سنان) الشيبانيّ الأكبر، ضِرَار -بكسر أوله، مخفّف الراء- ابن مُرّة، الكوفيّ، ثقة ثبت [٦]. قال ابن المدينيّ، عن يحيى القطّان: كان ثقة. وقال أبو طالب، عن أحمد: كوفيّ ثبت. وقال أبو حاتم: ثقة لا بأس به. وقال النسائيّ: كوفيّ ثقة. وقال العجليّ: ثقة ثبت في الحديث، مبرّز، صاحب سنّة، وهو في عداد الشيوخ، ليس بكثير الحديث. وقال ابن يونس، عن أبي بكر بن عيّاش: حدثنا أبو سنان ضِرَار بن مُرّة، وكان من خيار الناس. وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا، حَفَر قبره قبل موته بخمس عشرة سنة، وكان يأتيه، فيختم فيه القرآن. ونقل ابن خلفون، عن ابن نُمير، أنه وثقه. وقال يعقوب بن سفيان: كان خيارًا ثقة. وفي موضع آخر: ثقة ثقة. وقال الدارقطنيّ: كوفيّ ثقة فاضل. وقال ابن عبد البرّ: أجمعوا على أنه ثقة ثبت. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: مات سنة (١٣٢) وكذا أرّخه يعقوب بن سفيان، وخليفة، وابن قانع. روى له البخاريّ في "الأدب المفرد" وأبو داود في "المراسيل"، والباقون، سوى ابن ماجه، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا الحديث، وأعاده في "الأشربة" برقم (٥٦٥٤)، و ٢٢١٣ حديث: "الصوم لي، وأنا أجزي به .. " الحديث، و ٥٤٤٤ حديث: "كان يتعوّذ من أربع .. " الحديث. [تنبيه]: وقع في بعض النسخ: "ابن سنان" بدل "أبي سنان"، وهو غلط فاحش، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه آخر]: ولهم أبو سنان الشيبانيّ الأصغر، وهو سعيد بن سِنَان الْبُرْجُميّ الكوفيّ، نزيل الريّ، صدوق له أوهام، وهو أيضًا من الطبقة [٦] وتقدّم في ١١/ ١٦٢٣.

стр. 10928

٤ - (مُحارب بن دِثَار) السّدوسيّ الكوفيّ القاضي، ثقة إمام زاهد [٤] ١٦/ ٦٥٢. ٥ - (عبد اللَّه بن بُريدة) بن الحصيب الأسلميّ، أبو سهل المروزيّ القاضي، ثقة [٣] ٢٠/ ١٣٩٩. ٦ - (أبوه) بُريدة بن الحُصَيب أبو سهل الأسلميّ الصحابيّ المشهور ﵁ ١٠/ ١٣٣. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو وأبو داود. (ومنها): أن شيخه مصّيصيّ، وبريدة وولده مروزيان، والباقون كوفيون. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، والابن عن أبيه. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ) بُريدة بن الحصيب ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) ولفظ الرواية التالية: "أنه كان في مجلسٍ فيه رسول اللَّه ﷺ فقال: "إني كنت نهيتكم أن تأكلوا لحوم الأضاحي … " ("نَهَيتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ) قيل: سبب النهي عن زيارة القبور في أول الأمر أنهم كانوا حديث عهد بالجاهليّة، وقريب عهد بعبادة الأوثان، ودعاء الأصنام، فنهوا عن زيارة القبور، خشية أن يقولوا، أو يفعلوا عندها ما كانوا يعتادونه في الجاهلية، وخوفا من أن يكون ذلك ذريعة لعبادة أهل القبور (١). واللَّه تعالى أعلم. (فَزُورُوهَا) وفي الرواية التالية: "فمن أراد أن يزورها، فليزرها، ولا تقولوا: هُجْرًا". بضم، فسكون: أي ما لا ينبغي من الكلام، ولفظ الرواية الآتية في "الأضاحي"-٣٦/ ٤٤٢٩ - من طريق زُبيد بن الحارث، عن محارب: "فزروها ولْتَزدكم زيارتها خيرًا"، و ٣٦/ ٤٤٣٠ - من طريق الزبير بن عديّ، عن ابن بُريدة: "ومن أراد زيارة القبور، فإنها تذكر الآخرة". وللحاكم من حديث أنس ﵁: "وتُرِقّ القلبَ، وتُدمِع العين، فلا تقولوا هُجْرًا"، وله من حديث ابن مسعود ﵁: "فإنها تزهد في الدنيا". ولمسلم من حديث أبي هريرة ﵁، مرفوعًا: "زُرُوا القبور، فإنها تذكّر الموت". وفي قوله: "ومن أراد زيارة القبور الخ" بيان أن الأمر في زيارتها للاستحباب، لا

стр. 10929

للوجوب، لأنه علّقه بالإرادة، ففيه الردّ على بعض من قال: إن زيارتها واجبة -كابن حزم- مستدلّا بلفظ الأمر، حيث إنه للوجوب. واللَّه تعالى أعلم. وقال النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: هذا من الأحاديث التي تَجمَع بين الناسخ والمنسوخ، وهو صريح في نسخ نهي الرجال عن زيارتها، وأجمعوا على أن زيارتها سنّة، وأما النساء ففيهنّ خلاف لأصحابنا انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: سيأتي أن الراجح هو الجواز للنساء أيضًا؛ لقوة دليله. واللَّه تعالى أعلم. (وَنَهَيتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ) أي عن أكل لحومها (فَوْقَ ثَلَاَثةِ أَيَّامٍ، فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ) ولفظ الرواية التَالية: "فكلوا، وأطعموا، وادخروا، ما بدا لكم". وسبب نهيه ﷺ عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام، هو ما سيأتي للمصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "كتاب الأضاحي" برقم ٤٤٣١ - من طريق عمرة، عن عائشة، ﵂ قالت: دَفَّت دَافّة من أهل البادية، حضرةَ الأضحى، فقال رسول اللَّه ﷺ : "كلوا، وادخروا ثلاثا، فلما كان بعد ذلك، قالوا: يا رسول اللَّه، إن الناس كانوا ينتفعون من أضاحيهم، يُجَمِّلُون منها الوَدَكَ، ويتخذون منها الأسقية، قال: وما ذاك؟ قال: الذي نهيت من إمساك لحوم الأضاحي، قال: "إنما نهيت للدافّة التي دَفّت، كلوا، وادخروا، وتصدقوا". والدّافّة بتشديد الفاء: الجماعة التي تسير سيرًا ليّنًا، وسيأتي تمام ما يتعلّق به هناك، إن شاء اللَّه تعالى (وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ النَّبِيذِ) فعيل بمعنى مفعول، يقال: نَبَذْته نَبْذًا، من باب ضرب: ألقيتُهُ، فهو منبوذ، وصبيّ منبوذ: مطروح، ومنه سمي النبيذ؛ لأنه يُنبَذ، أي يُترك حتى يشتدّ. قاله في "المصباح". والمعنى نهيتكم عن شرب النبيذ، في الظروف (إِلَّا) حالة كونه (فِي سِقَاءٍ) أي قِرْبَة. ولفظ الرواية التالية: "وذكرت لكم أن لا تنتبذوا في الظروف: الدبّاء، والمزفّت، والنقير، والحنتم" (فَاشْرَبُوا فِي الْأَسْقِيَةِ كُلِّهَا) ولفظ، "الكبرى": "في الأوعية كلها"، وهو بوزن "الأسقية" ومعناها. قال السنديّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: أي الظروف، وإلا لا يصحّ المقابلة انتهى (وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا") ولفظ الرواية التالية: "انتبذوا فيما رأيتم، واجتنبوا كلّ مسكر".

стр. 10930

يعني أن الانتباذ في جميع الظروف جائز، وانما المنهيّ عنه هو شرب المسكر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث بريدة ﵁ هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ١٠٠/ ٢٠٣٢ و ٢٠٣٣ و ٤٤٢٩/ ٣٦ و٤٤٣٠ و٤٠/ ٥٦٥١ و ٥٦٥٢ و ٥٦٥٣ و ٥٦٥٤ و ٥٦٥٥ و ٤٨/ ٥٦٧٨ - وفي "الكبرى" ١٠٠ و ٢١٥٩ و ٢١٦٠ و ٣٧/ ٤٥١٨ و ٤٥١٩. وأخرجه (م) ٢٢٥٧ و ٢٢٥٨ و ٥٠٨٦ و ٥٠٨٧ و ٥١٧٥ و ٥١٧٦ و ٥١٧٧ (د) ٣٦٩٨ (ت) ١٠٥٤ و ١٥١٠ و ١٨٦٩ (ق) ٣٤٠٥. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما بوّب له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو إباحة زيارة القبور، ونسخه بعد أن كان منهيّا عنه، بشرط أن لا يقولوا منكرا من القول، وأن لا يفعلوا فعلاً منكرا أيضًا. ومنها: نسخ النهي عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام، وسيأتي تمام الكلام عليه في موضعه، إن شاء اللَّه تعالى. ومنها: نسخ النهي عن الانتباذ، إلا في الأسقية، وإباحته في كلّ وعاء، بشرط الاتقاء عن شرب المسكر، وسيأتي تمام الكلام فيه أيضًا في موضعه، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: في أقوال أهل العلم في حكم زيارة القبور: قال الإمام الترمذيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "جامعه" بعد أن أخرج حديث الباب: ما نصّه: والعمل على هذا عند أهل العلم، لا يرون بزيارة القبور بأسًا، وهو قول ابن المبارك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق. وقال أيضًا بعد أن أخرج حديث أبي هريرة ﵁: "أن رسول اللَّه ﷺ لعنَ زَوّارات القبور". ما نصه: وقد رأى بعض أهل العلم أن هذا كان قبل أن يرخّص النبيّ ﷺ في زيارة القبور، فلما رخّص دخل في رخصته الرجال والنساء. وقال بعضهم: إنما كره زيارة القبور للنساء، لقلة صبرهنّ، وكثرة جزعهنّ انتهى كلام الترمذيّ ﵀ تعالى (١). وقال العلامة القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: قوله: "فزروها" نصّ في النسخ للمنع

стр. 10931

المتقدّم، لكن اختلف العلماء، هل هذا النسخ عامّ للرجال وللنساء، أم هو خاصّ للرجال، دون النساء، والأول أظهر. وقد دلّ على صحة ذلك أنه ﷺ قد رأى امرأة تبكي عند قبر، فلم يُنكر عليها الزيارة، وإنما أنكر عليها البكاء. وقال أيضًا عند قوله: "فإنها تذكّر الموت": ما نصّه: وتَذَكُّر الموت يحتاج إليه الرجال والنساء، على أن أصحّ ما في نهي النساء عن زيارة القبور ما خرّجه الترمذيّ، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ "لعن زَوَّارات القبور"، صححه الترمذيّ على أن في إسناده عُمَر بن أبي سلمة، وهو ضعيف عندهم. ثم إن هذا اللعن إنما هو للمكثرات من الزيارة، لأن زوّارات للمبالغة، ويمكن أن يقال: إن النساء إنما يُمنعن من إكثار الزيارة؛ لما يؤدي إليه الإكثار من تضييع حقوق الزوج، والتبرّج، والشهرة، والتشبّه بمن يلازم القبور لتعظيمها، ولِمَا يُخاف عليها من الصُّرَاخ، وغير ذلك من المفاسد، وعلى هذا يُفرّق بين الزائرات، والزّوّارت، والصحيح نسخ المنع عن الرجال والنساء، كما تقدّم، واللَّه تعالى أعلم انتهى كلام القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، هو الحقّ؛ لقوة دليله، كما سيأتي تحقيقه قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى. وقال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "الفتح": قال النوويّ تبعًا للعبدريّ، والحازميّ، وغيرهما: اتفقوا على أن زيارة القبور للرجال جائزة، كذا أطلقوا، وفيه نظر، لأن ابن أبي شيبة وغيره روى عن ابن سيرين، وإبراهيم النخعيّ، والشعبيّ الكراهة مطلقًا، حتى قال الشعبيّ: لولا نهي النبي ﷺ لزرت قبر ابنتي. فلعلّ من أطلق أراد بالاتفاق ما استقرّ عليه الأمر بعد هؤلاء، وكأن هؤلاء لم يبلغهم الناسخ، واللَّه أعلم. ومقابل هذا قول ابن حزم: إن زيارة القبور واجبة، ولو مرّة واحدة في العمر، لورود الأمر به. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تقدّم أن الصواب كون الأمر للاستحباب؛ لصحة قوله ﷺ في رواية المصنّف: "فمن أراد أن يزور فليزر"، ولعلّ ابن حزم لم يستحضر هذه الرواية حينما قال بالوجوب، واللَّه تعالى أعلم. قال: واختُلف في النساء، فقيل: دخلن في عموم الإذن، وهو قول الأكثر، ومحلّه ما إذا أُمِنت الفتنة، ويؤيد الجواز حديث الباب -يعني حديث أنس ﵁ الذي أورده البخاريّ مستدلاًّ على مشروعية زيارة القبور، فقال في "صحيحه":

стр. 10932

١٢٨٣ - حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا ثابت، عن أنس بن مالك ﵁، قال: مَرّ النبي ﷺ ، بامرأة تبكي عند قبر، فقال: "اتقي اللَّه، واصبري"، قالت: إليك عني، فإنك لم تصب بمصيبتي، ولم تعرفه، فقيل لها: إنه النبي ﷺ ، فأتت بابَ النبي ﷺ ، فلم تجد عنده بَوّابِين، فقالت: لم أعرفك، فقال: "إنما الصبر، عند الصدمة الأولى". وموضع الدلالة منه أنه ﷺ لم ينكر على المرأة قعودها عند القبر، وتقريرُهُ ﷺ حجة. وممن حمل الإذن على عمومه للرجال والنساء عائشة ﵂، فروى الحاكم من طريق ابن أبي مليكة، أنه رآها زارت قبر أخيها عبد الرحمن، فقيل لها: أليس قد نهى النبي ﷺ عن ذلك؟ قالت: نعم، كان نهى، ثم أمر بزيارتها. وقيل: الإذن خاصّ بالرجال، ولا يجوز للنساء زيارة القبور، وبه جزم الشيخ أبو إسحاق في "المهذّب"، واستدلّ بحديث عبد اللَّه بن عمرو الذي تقدم للمصنف في ٢٧/ ١٨٨٠ - عن عبد اللَّه بن عمرو، قال: بينما نحن نسير مع رسول اللَّه ﷺ ، إذ بصر بامرأة … " الحديث، وفيه: قال لها: "ما أخرجك من بيتك، يا فاطمة"، قالت: أتيت أهل هذا الميت، فترحمت إليهم، وعزيتهم بميتهم، قال: "لعلك بلغت معهم الكُدَى؟ " قالت: معاذ اللَّه أن أكون بلغتها، وقد سمعتك تذكر في ذلك ما تذكر، فقال لها: "لو بلغتها معهم، ما رأيت الجنة، حتى يراها جد أبيك". لكن الحديث ضعيف كما تقدّم. وبحديث: "لعن اللَّه زَوّارات القبور"، أخرجه الترمذيّ، وصححه من حديث أبي هريرة، وله شاهد من حديث ابن عباس، ومن حديث حسان بن ثابت. قال: واختلف من قال بالكراهة في حقّهنّ، هل هي كراهة تحريم، أو تنزيه؟. انتهى كلام الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الراجح في هذه المسألة هو ما عليه أكثر أهل العلم، من أن زيارة القبور جائزة للرجال والنساء؛ لصحّة الأحاديث بذلك: فمنها: حديث الباب، فإن الخطاب، وإن كان للذكور، إلا أنه يشمل النساء بدليل الأحاديث الأخرى. ومئها: حديث عائشة ﵂ الذي أخرجه مسلم، من حديثها الطويل، وفيه: أنها قالت: قلت: كيف أقول لهم يا رسول اللَّه؟: قال: "قولي: السلام على أهل الديار، من المؤمنين، والمسلمين، ويرحم اللَّه المستقدمين منا، والمستأخرين، وإنا إن شاء اللَّه بكم للاحقون". فإنه ﷺ علمها ما يُشرَع قوله عند زيارة القبور، ولم يمنعها من

стр. 10933

الزيارة، فدلّ على جوازه للنساء. ومنها: ما أخرجه الحاكم بإسناد صحيح من طريق أبي التيّاح يزيد بن حميد، عن عبد اللَّه بن أبي مليكة: "أن عائشة ﵂ أقبلت ذات يوم من المقابر، فقلت لها: يا أم المؤمنين، من أين أقبلت؟ قالت من قبر أخي عبد الرحمن بن أبي بكر، فقلت لها: أليس كان رسول اللَّه ﷺ نهى عن زيارة القبور؟ قالت: نعم كان نهى، ثمّ أمر بزيارتها" (١). ومنها: حديث أنس ﵁ عند البخاريّ، وقد تقدّم قريبًا، فإنه ﷺ لم ينكر عليها زيارتها للقبر، وإنما أنكر عليها البكاء، وعدمَ الصبر، ولذلك استدلّ به الإمام البخاريّ على جواز زيارة القبور، ولم يذكر من الأحاديث الدالّة على الجواز في "باب زيارة القبور" غيره، قال الحافظ في "الفتح": وكأنه لم تثبت على شرطه الأحاديث المصرّحة بالجواز. والحاصل أن هذه الأحاديث الصحاح تدلّ دلالة واضحة على جواز زيارة القبور للنساء. ولم يأت المانعون بحجة تُعارض هذه الأحاديث الصحاح، فكلّ ما استدلّوا به من الأحاديث لا يخلو من كلام. فمنها: حديث أبي هريرة ﵁ الذي تقدم: "أنه ﷺ لعن زَوّرات القبور"، فهو وإن صححه الترمذيّ، إلا أن في سنده عُمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، والأكثرون على تضعيفه. ومنها: حديث حسان بن ثابت ﵁، أخرجه أحمد، وابن ماجه، واللفظ له: "لعن رسول اللَّه ﷺ زوّارات القبور". وفي سنده عبد الرحمن بن بَهْمان، لم يرو عنه غير عبد اللَّه بن عثمان بن خُثيم، وقال ابن المدينيّ: لا يعرف، ووثقه بعضهم. ومنها: حديث ابن عباس ﵄، أخرجه أبو داود، والمصنف، كما سيأتي قريبًا، وابن ماجه، بلفظ: "لعن رسول اللَّه ﷺ زائرات القبور، والمتخذين عليها السرج". وفي سنده أبو صالح باذان، أو باذام، مولى أم هانىء ضعفوه، ومنهم من كذّبه. فهذه الأحاديث، وإن قيل: إنها يتقوّى بعضها ببعض، لكنها لا تعارض الأحاديث السابقة الصحيحة، لأمور: أحدهما: رجحان تلك عليها، من حيث الصحّة. الثاني: أن الظاهر كون النبي ﷺ قالها قبل النسخ، كما بينته عائشة - رضي اللَّه تعالى - عنها، لما سألها ابن أبي مليكة، كما تقدّم. الثالث: أنها محمولة على ما إذا كانت زيارتهنّ مشتملة على محظور، من النياحة،

стр. 10934

والجزع، وتجديد الحزن، أو من التبرّج، والتزين الذي يتسبب للفتنة. وقد تقدّم عن القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، أن اللعن المذكور في الحديث إنما هو للمكثرات من الزيارة، لما تقتضيه الصيغة من المبالغة، ولعل السبب ما يُفضي إليه ذلك من تضييع حق الزوج والتبرّج، وما ينشأ من الصياح، وقد يقال: إذا أُمن جميع ذلك فلا مانع من الإذن لهن، لأن تذكر الموت يحتاج إليه الرجال والنساء انتهى. قال الشوكاني -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وهذا الكلام هو الذي ينبغي اعتماده في الجمع بين أحاديث الباب المتعارضة في الظاهر انتهى (١). والحاصل أن الصواب جواز زيارة القبور للنساء، لكن بشرط أن يكنّ ملتزمات ما أوجب الشرع عليهنّ عند الخروج إلى المساجد، ونحوها، بأن يكنّ محتجبات، غير متطيبات، وغير مُظهرات زينتهنّ، وغير قاصدات للمحظور المذكور، من النياحة، بل لمجرّد السلام، والدعاء للميت، وتذكر الآخرة، والاعتبار بأصحاب القبور، كما بيّن النبي ﷺ ذلك حينما أمر بزيارتها، بقوله: "إنها تذكر الآخرة"، وقوله: "تزهد في الدنيا"، و"تُرِقّ القلب، وتُدمع العين"، وأشار ﷺ إلى اجتناب المحظورات بقوله: "فلا تقولوا هُجرا". واللَّه أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٠٣٣ - أَخْبَرَنَا (٢) مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ, عَنْ أَبِي فَرْوَةَ, عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ سُبَيْعٍ, حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ, أَنَّهُ كَانَ فِي مَجْلِسٍ, فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , فَقَالَ: «إِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ, أَنْ تَأْكُلُوا لُحُومَ الأَضَاحِيِّ, إِلاَّ ثَلَاثًا, فَكُلُوا, وَأَطْعِمُوا, وَادَّخِرُوا, مَا بَدَا لَكُمْ, وَذَكَرْتُ لَكُمْ, أَنْ لَا تَنْتَبِذُوا فِي الظُّرُوفِ: الدُّبَّاءِ, وَالْمُزَفَّتِ, وَالنَّقِيرِ, وَالْحَنْتَمِ, انْتَبِذُوا فِيمَا رَأَيْتُمْ, وَاجْتَنِبُوا كُلَّ مُسْكِرٍ, وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ, فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَزُورَ, فَلْيَزُرْ, وَلَا تَقُولُوا هُجْرًا». رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن قُدامه) بن أعين الهاشميّ مولاهم، المصّيصيّ، ثقة [١٠] ١٩/ ٥٢٨. ٢ - (جرير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبيّ الكوفيّ، نزيل الرَّيّ، ثقة ثبت [٨] ٢/ ٢. ٣ - (أبو فَرْوة) الأكبر عروة بن الحارث الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقة [٥]. قال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له

стр. 10935

الجماعة سوى الترمذيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط: هذا و ٤٩٩٣ حديث: "الإسلام أن تعبد اللَّه، ولا تشرك به شيئًا". [تنبيه]: ولهم أبو فروة الأصغر، وهو مسلم بن سالم النَّهْديّ الكوفيّ، صدوق من [٦] , له في هذا الكتاب حديث واحد، وهو حديث: "لا تشربوا في إناء الذهب والفضّة .. ". ٤ - (المغيرة بن سُبيع) -بمهملة، وموحّدة، مصغّرًا- العجليّ، ثقة [٥]. قال العجليّ: تابعيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له الترمذيّ، والمصنف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. والباقيان تقدّما في السند الماضي، وكذا شرح الحديث، والكلام على مسائله، وباللَّه تعالى التوفيق. وقوله: "ما بدا لكم" بلا همز: أي ما ظهر لكم. وقوله: "الظروف" جمع ظرف، كفلس وفلوس: بمعنى الوعاء. وقوله: "أن لا تنتبذوا": الانتباذ هو أن يجعل في الماء حبات من تمر، أو زبيب، أو نحو هما، ليحلو، ويُشرَب. وقوله: "الدبّاء" بالجرّ بدل من "الظروف"، أو عطف بيان له، وهو بضم الدال، وتشديد الموحدة، وبالمدّ: القرع اليابس، أي الوعاء منه. وقوله: "المزفّت" بضم الميم، وفتح الزاي، وتشديد الفاء، آخره مثناة فوقية: هو المطليّ بالزفت، وهو القار، وقيل: نوع من القار. وقوله: "النّقير" بالنون المفتوحة، وبالقاف: جِذع يُنقر وسطه. وقوله: "الحنتم": بحاء مهملة مفتوحة، ثم نون ساكنة، ثم تاء مثناة من فوق، ثم ميم، الواحدة حنتمة، واختُلِف في تفسيرها، فقيل: إنها جِرَار خضر، وهو قول الأكثرين، وهو الأصحّ، وقيل: إنها الجرار كلها، وقيل: جرار يؤتى بها من مصر مُقَيَّرات الأجواف. وقيل: جرار أعناقها في جنوبها، يجلب فيها الخمر من مصر. وقيل: جرار أفواهها في جنوبها، يجلب فيها الخمر من الطائف. وقيل: جرار كانت تعمل من طين وشعر ودم. قال النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وإنما خصت هذه الأربع بالنهي، لأنه يسرع إليه الإسكار فيها، فيصير حراما نجسًا، وتبطل ماليته، فنُهي عنه، لما فيه من إتلاف المال، ولأنه ربما شربه بعد إسكاره من لم يطلع عليه، ولم يُنهَ عن الانتباذ في أسقية الأدم، بل أُذن فيها؛ لأنها لرقتها لا يَخفَى فيها المسكر، بل إذا صار مسكرًا شقها غالبًا. انتهى (١). وقوله: "هُجْرًا" بضم الهاء، وسكون الجيم: أي كلاما فاحشًا، فإنه ينافي المطلوب

стр. 10936

من الزيارة الذي هو التذكير. وفي "النهاية": أي فُحْشًا، يقال: أهجر في منطقه، يُهجِرُ إهجارًا: إذا أفحش، وكذلك إذا أكثر الكلام فيما لا ينبغي، والاسم الْهُجْرُ بالضمّ، وهَجَرَ يَهْجُرُ، هَجْرًا بالفتح: إذا خل في كلامه، وإذا هَذَى انتهى (١). والحديث صحيح، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٠١ - زِيَارَةُ قَبْرِ الْمُشْرِكِ ٢٠٣٤ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ, عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ, عَنْ أَبِي حَازِمٍ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: زَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْرَ أُمِّهِ, فَبَكَى, وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ, وَقَالَ: «اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي , فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا, فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي, وَاسْتَأْذَنْتُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا, فَأَذِنَ لِي, فَزُورُوا الْقُبُورَ, فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ الْمَوْتَ». رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قتيبة) بن سعيد أبو رجاء البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١. ٢ - (محمد بن عُبيد) بن أبي أميّة الطنافسيّ الكوفيّ، ثقة حافظ [٩] ٤٨/ ١٧٣٥. ٣ - (يزيد بن كيسان) اليشكريّ الكوفيّ، صدوق يخطىء [٣] ١٧١/ ٢٧٠. ٤ - (أبو حازم) سلمان الأشجعيّ الكوفيّ، ثقة [٣] ١١٠/ ١٤٩. ٥ - (أبو هريرة) ﵁ ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فبغلانيّ، والصحابيّ، فمدنيّ. (ومنها): أن أبا هريرة ﵁، رَأْسُ المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 10937

شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنه (قَالَ: زَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْرَ أُمِّهِ) أي بالأبواء، بين مكة والمدينة، وذلك عام الفتح، قال القاضي عياض -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: سبب زيارته ﷺ قبرها أنه قصد الموعظة والذكرى بمشاهدة قبرها، ويؤيده قوله ﷺ في آخر الحديث: "فزروا القبور، فإنها تذكر الموت". وقيل: زيارته ﷺ قبرها مع أنها كافرة تعليم منه للأمة حقوق الوالدين، والأقارب، فإنه لم يترك قضاء حقها مع كفرها (فَبَكَى) قال القاضي: بكاؤه ﷺ على ما فاتها من إدراكه، والإيمان به. وقيل: على عذابها. وفيه دليل على جواز البكاء عند حضور المقابر (وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ، وَقَالَ: "اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي ، فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا) قال القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: يحتمل أن يكون هذا الاستئذان قبل نزول قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ الآية [التوبة:١١٣]. وِيحتمل أن يكون بعد ذلك؛ وارتجى خصوصية أمه بذلك، واللَّه تعالى أعلم، وهذا التأويل الثاني أولى انتهى (١). (فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي) بالبناء للمفعول، وفي نسخة: "فلم يأذن لي" بالبناء للفاعل. قال ابن الملك -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: لأنها كافرة، والاستغفار للكافرين لا يجوز؛ لأن اللَّه لا يغفر لهم أبدًا. وقال النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- فيه النهي عن الاستغفار للكفّار. وقال الشوكانيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: فيه دليل على عدمِ جواز الاستغفار لمن مات على غير مدة الإسلام. (وَاسْتَأذَنْتُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا، فَأَذِنَ لِي) بصيغة المجهول، مراعاة لقوله: "فلم يؤذن لي "، ويجوز أن يكون بصيغة المبنيّ للفاعل (فَزُورُوا الْقُبُورَ، فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ الْمَوْتَ") أي وذكر الموت يزهّد في الدنيا، ويرغّب في العقبى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٠١/ ٢٥٣٤ - وفي "الكبرى" ١٠١/ ٢١٦١ - وأخرجه (م) ٢٢٥٥ و ٢٢٥٦ (د) ٣٢٣٤ (ق) ١٥٦٩ و ١٥٧٢ (أحمد) ٩٣٩٥. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده:

стр. 10938

منها: ما بوّب له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو جواز زيارة قبر المشرك. ومنها: أن فيه دلالةً على جواز زيارة المشركين في الحياة، وقبورهم بعد الوفاة؛ لأنه إذا جازت زيارتهم بعد الوفاة، وقد انقطع الأمل في إسلامهم ففي الحياة أولى؛ لأنه يمكن أن يُدعَوْا إلى الإسلام، ويشرح لهم محاسنه، وتكشف شبهاتهم، ويرغّبون في الدخول فيه، فيُرجَى بذلك إنقاذهم من النار، وقد ثبت في الصحيح أن غلاما يهوديّا كان يخدم النبيّ ﷺ ، فمرض، فعاده النبيّ ﷺ ، ودعاه إلى الإسلام، فأسلم. ومنها: جواز البكاء عند حضور المقابر. ومنها: النهي عن الاستغفار للمشركين، ومنها: تأكيد بِرِّ الوالدين، وأن إسلامهما ليس شرطًا في وجوب بِرّهما، بل يلزم برّهما ولو كانا مشركين، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ الآية [لقمان: ١٥]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: قال صاحب "المرعاة شرح المرقاة": الحديث بظاهره يدلّ على أن أمه ﷺ ماتت على غير الإسلام، وهو مذهب جمهور العلماء في شأن أبويه ﷺ ، وقد ترجم النسائيّ، وابن ماجه لهذا الحديث: "باب زيارة قبر المشرك". قال السنديّ في حاشية النسائيّ: كأنه أخذ ما ذَكَرَ في الترجمة من المنع عن الاستغفار، أو من مجرّد أنه الظاهر على مقتضى وجودها في وقت الجاهليّة، لا من قوله: "فبكى، وأبكى"، إذ لا يلزم من البكاء عند الحضور في ذلك المحلّ العذاب، أو الكفر، بل يمكن تحققه مع النجاة، والإسلام أيضًا، لكن من يقول بنجاة الوالدين لهم ثلاث مسالك في ذلك: مَسلَكُ أنهما ما بلغتهما الدعوة، ولا عذاب على من لم تبلغه الدعوة، لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] فلعلّ من سلك هذا المسلك يقول في تأويل الحديث: إن الاستغفار فرع تصوّر الذنب لهم، وذلك في أوان التكليف، ولا يُعقل ذلك فيمن لم تبلغه الدعوة، فلا حاجة إلى الاستغفار لهم، فيمكن أنه ما شُرع الاستغفار إلا لأهل الدعوة، لا لغيرهم، وإن كانوا ناجين. وأما من يقول بأنهما أُحييا له ﷺ ، فآمنا به، فيَحمِل هذا الحديث على أنه كان قبل الإحياء. وأما من يقول بأنه تعالى يوفقهما للخير عند الامتحان يوم القيامة، فهو يقول: بمنع الاستغفار لهما قطعًا، فلا حاجة له إلى تأويل، فاتضح وجه الحديث على جميع المسالك، واللَّه تعالى أعلم انتهى كلام السنديّ (١). قال صاحب "المرعاة ": ولا يخفى ما في الوجوه الثلاثة من الضعف، لأن حديث

стр. 10939

إحياء أبويه ﷺ ضعيف جدًّا حتى حكم عليه بعض الأئمة بالوضع، كالدارقطنيّ، والجوزقانيّ، وابن الجوزيّ، وابن دحية، وصرّح بضعفه فقط غير واحد، كابن شاهين، والخطيب، وابن عساكر، والسهيليّ، والمحبّ الطبريّ، وابن سيّد الناس، وقد اعترف بضعفه السيوطيّ أيضًا، حيث قال: وروى ابن شاهين حديثا مسندًا في ذلك، لكن الحديث مضعّف. وأما الآية الكريمة: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ﴾ فهي مكيّة، وزيارته ﷺ لقبر أمه كانت عام الفتح، وقيل: عام الحديبية، سنة ستّ من الهجرة. وقيل: الآية في حقّ الأمم السالفة السابقة خاصّة. وقيل: المنفيّ فيها عذاب الاستئصال في الدنيا، لا عذاب الآخرة. وقيل: المراد: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ﴾ في الأعمال التي لا سبيل إلى معرفتها إلا بعد مجيء الشرع، من أنواع العبادات والحدود. وأما القول بأنه تعالى يوفّقهما للخير عند الامتحان يوم القيامة، فهي دعوى مجرّدة، من غير برهان، فلا يُلتفت إليه. قال النوويّ في شرحِ حديث أنس ﵁: أن رجلا قال: يا رسول اللَّه أين أبي؟ قال: "في النار"، قال: فلما قَفَّى دعاه، فقال: "إن أبي وأباك في النار": ما نصّه: فيه أن من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان، فهو من أهل النار، وليس هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة، فإن هؤلاء قد بلغتهم دعوة إبراهيم، وغيره من الأنبياء، صلوات اللَّه وسلامه عليهم انتهى كلام النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. وهذا يدلّ على أن النوويّ يكتفي في وجوب الإيمان على كلّ أحد ببلوغه دعوة من قبله من الرسل، وإن لم يكن مرسلا إليه، وإلى هذا ذهب الْحَلِيميّ، كما صرّح به في "منهاجه". وقال القاري: الجمهور على أن والديه ﷺ ماتا كافرين، وهذا الحديث أصحّ ما ورد في حَقِّهما. وقول ابن حجر -يعني الهيتمي-: وحديث إحيائهما حتى آمنا به، ثم توفيا حديث صحيح، وممن صححه الإمام القرطبيّ، والحافظ ابن ناصر الدين (١). فعلى

стр. 10940

تقدير صحته لا يصلح أن يكون معارضًا لحديث مسلم، مع أن الحفاظ طعنوا فيه. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قول ابن حجر: حديث صحيح، غير صحيح، وكذا نسبته التصحيح إلى القرطبيّ، وابن ناصر الدين غير صحيحة أيضًا، فقد ذكر السيوطيّ مَن مال إلى القول بإحيائهما، وإيمانهما من العلماء الخطيبَ، والسهيليّ، والقرطبيّ، والمحب الطبريّ، والعلامة ناصر الدين ابن المنيّر، وغيرهم، وذكر استدلالهم بالحديث المذكور، ثم قال هذا الحديث ضعيف باتفاق المحدثين، بل قيل: إنه موضوع الى آخر كلامه، والسيوطيّ من أشدّ من حاول في إثبات النجاة لهما، ولكن عمدته في ذلك عموم الآيات، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ﴾ الآية، وغيرها، والأدلة العقلية، فلو كان أحد من حفاظ الحديث قال بصحة هذا الحديث لذكره، ونصره، وهو مع شدة بحثه للأدلة في المسألة لم يستطع إلى أن يصححه بكل ما أوتيه من العلم، وإنما دافع عن القول بوضعه فقط، ولم يبرهن على ذلك. وبالجملة، فالحديث ما صححه عالم له عناية بالحديث، وإنما صححه من يعتمد على الرؤيا المنامية، والطرف الكشفية، التي لم يأذن اللَّه تعالى بها التشريع، وإنما غايتها إن كانت صحيحة أن يُستأنس بها في تثبيت ما ثبت شرعًا، لا في إثبات ما أبطله علماء الحديث، وغيرهم ممن أوجب اللَّه تعالى اتباعهم على الأمة، وجعلهم مرجعا لها في المعضلات، حيث قال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. وقال القاري: ومنعوا جوازه أيضًا بأن إيمان اليأس غير مقبول إجماعًا، كما يدلّ عليه الكتاب والسنّة، وبان الإيمان المطلوب من المكلّف إنما هو الإيمان الغيبيّ، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ الآية [الأنعام: ٢٨]. وهذا الحديث الصحيح صريح أيضًا في ردّ ما تشبث به بعضهم بأنهما كانا من أهل الفترة، ولا عذاب عليهم، مع اختلاف في المسألة (١). قال صاحب "المرعاة": واعلم أن هذه المسألة كثر النزاع والخلاف بين العلماء فيها، فمنهم من نصّ على عدم نجاة الوالدين، كما رأيت في كلام النوويّ، والقاري، وقد بسط الكلام في ذلك القاري في "شرح الفقه الأكبر"، وفي رسالة مستقلّة له. ومنهم من شهد لهما بالنجاة، كالسيوطيّ، وقد ألّف في هذه المسألة سبع رسائل (٢)، بسط الكلام فيها، وذكر الأدلة من الجانبين، من شاء رجع إليها، والأسلم، والأحوط عندي هو

стр. 10941

التوقّف، والسكوت انتهى كلام صاحب "المرعاة" (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي الأولى، والأسلم الوقوف مع النصوص الصحيحة، كحديث الباب، وحديث مسلم المذكور: "إن أبي وأباك في النار"، مع عدم التوسع والخوض بزيادة ما ليس في النصوص، وأما تصحيح حديث إحياء أبوي النبيّ ﷺ ، كما قال ابن حجر الهيتميّ فمما لا يُلتفت إليه، فإن جلّ الحفّاظ من المحدثين على أنه موضوع، كما أشرت إليه فيما تقدّم. ثم إن هذه المسألة ما رأيت للمتقدّمين فيها كلاما، بل إنما أثارها، وتنازع فيها، وخاض غَمْرَتهَا المتأخرون، من أمثال السيوطي، ومن سار على دَرْبه فما وَسِع الأولين من السكوت، وعدم الخوض، وترك التنازع، والتخاصم هو الصواب لمن كان حريصًا على دينه، فلو كان في هذا الخوض خير لكان المتقدّمون أسبق إليه، وأحرص من المتأخرين عليه، فسلوك سبيلهم فيه السلامة في الدنيا والآخرة، فالواجب الوقوف على ما صحّ عن رسول اللَّه ﷺ ، وعدم التوسّع، ونصبِ الخلاف فيما وراءه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٠٢ - النَّهْيُ عَنِ الاسْتِغْفَارِ لِلْمُشْرِكِينَ ٢٠٣٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ -وَهُوَ ابْنُ ثَوْرٍ- عَنْ مَعْمَرٍ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ, دَخَلَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ , وَعِنْدَهُ أَبُو جَهْلٍ, وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ, فَقَالَ: أَيْ عَمِّ, قُلْ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ, كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا, عِنْدَ اللَّهِ , فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ, وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ, أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ, فَلَمْ يَزَالَا يُكَلِّمَانِهِ, حَتَّى كَانَ آخِرُ شَيْءٍ, كَلَّمَهُمْ بِهِ, عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ, فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ, مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ, فَنَزَلَتْ ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] وَنَزَلَتْ ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦].

стр. 10942

رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن عبد الأعلى) الصنعانيّ البصريّ، ثقة [١٠] ٥/ ٥. ٢ - (محمد بن ثَوْر) الصنعانيّ، أبو عبد اللَّه العابد، ثقة [٩]. قال الحسين بن الحسن الرازيّ، عن ابن معين: ثقة، وكذا قال النسائيّ. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي: ما حالُ ابن ثور؟ قال: الفضل، والعبادة، والصدق، قلت: عبد اللَّه بن معاذ أحبّ إليك، أو ابن ثور؟ قال ابن ثور أحبّ إليّ. قال: وسألت أبا زرعة، عن ابن ثور، وهشام بن يوسف، وعبد الرزاق؟ فقال: ابن ثور أفضلهم. وقال البخاريّ: قال لي إبراهيم بن موسى: قال لنا عبد الرزاق: محمد بن ثور صوّام قوّام، كذا قال. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: مات سنة (١٩٠) أو قبلها بقليل، أو بعدها بقليل. روى له أبو داود، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب خمسة أحاديث. ٣ - (معمر) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقة ثبت فاضل، من كبار [٧] ١٠/ ١٠. ٤ - (الزهريّ) محمد بن مسلم الإمام الثبت الحجة [٤] ١/ ١. ٥ - (سعيد بن المسيّب) أحد العلماء الأثبات والفقهاء الكبار من كبار [٣] ٩/ ٩. ٦ - (أبوه) المسيّب بن حزن -بفتح المهملة، وسكون الزاي- ابن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم المخزوميّ القرشيّ، أبو سعيد، له ولأبيه حَزْن صحبة، روى عن النبيّ ﷺ ، وعن أبيه، وأبي سفيان بن حرب. وعنه ابنه سعيد. قال ابن لهيعة، عن بُكير بن الأشجّ، عن سعيد: كان المسيب تاجرًا، فذكر قصّة. قال الحافظ: وزعم الواقديّ، ومصعب الزبيريّ أنه من مسلمة الفتح، ولم يصنعا شيئًا، فقد ثبت في "الصحيح" أنه شهد الحديبية. وقال ابن يونس: قدم المسيب مصر لغزو إفريقية، سنة (٢٧). وفي "الثقات" لابن حبّان في التابعين: المسيّب بن حزن، فإن كان أراد هذا فقد وَهِمَ وَهَمًا قبيحًا. وعَدَّه الأزديّ وغيره فيمن لم يرو عنه إلا واحد، روى له البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، والمصنّف، وله عنده هذا الحديث فقط. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله رجال الصحيح، غير محمد بن ثور كما سبق آنفًا. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. (ومنها): أن فيه من لم يرو عنه إلا واحد، وهو المسيّب، فإنه لم يرو عنه غير ابنه سعيد، كما مرّ آنفًا، قال النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وهو حديث اتفق البخاريّ، ومسلم على إخراجه في "صحيحيهما" من رواية سعيد بن المسيب، عن أبيه، عن رسول اللَّه ﷺ ،

стр. 10943

ولم يروه عن المسيب إلا ابنه سعيد، كذا قاله الحفّاظ، وفيه ردّ على الحاكم أبي عبد اللَّه بن البيَّعِ الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في قوله: لم يخرج البخاريّ، ولا مسلم -رحمهما اللَّه تعالى- عَن أحد ممن لم يرو عنه إلا راو واحد، ولعله أراد من غير الصحابة. واللَّه أعلم انتهى (١). (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ) بكسر الياء المشدّدة على الأرجح، ومنهم من يفتحها، كما قال السيوطيّ في "ألفية الحديث": كُلُّ مُسَيَّبِ فَبِالْفَتْحِ سِوَى … أَبِي سَعِيدِ فَلِوَجْهَيْنِ حَوَى والفتح هو الذي اشتهر على الألسنة، وكان سعيد يكره ذلك، ولذا رجحنا الكسر (عَنْ أَبِيهِ) المسيب بن حَزْن ﵄ (قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ) واسم أبي طالب عبد مناف، قال النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: المراد قربت وفاته، وحضرت دلائلها، وذلك قبل المعاينة والنزع، ولو كان في حال المعاينة والنزع لما نفعه الإيمان لقول اللَّه تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ: إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء: ١٨] ويدلّ على أنه قبل المعاينة محاورته للنبيّ ﷺ ، ومع كفار قريش. قال القاضي عياض -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وقد رأيت بعض المتكلمين على هذا الحديث جعل الحضور هنا على حقيقة الاحتضار، وأن النبيّ ﷺ رجا بقوله ذلك حينئذ أن تناله الرحمة ببركته ﷺ ، قال القاضي -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وليس هذا بصحيح؛ لما قدّمناه انتهى (٢). وقال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-بعد أن نقل نحو ما تقدّم عن النوويّ-: ويحتمل أن يكون انتهى إلى تلك الحالة، لكن رجا النبيّ ﷺ أنه إذا أقرّ بالتوحيد، ولو في تلك الحالة أن ذلك ينفعه، بخصوصه، وتسوغ شفاعته ﷺ لمكانه منه، ولهذا قال: "أجادل لك بها، وأشفع لك"، وسيأتي بيانه. ويؤيد الخصوصيّة أنه بعد أن امتنع من الإقرار بالتوحيد، وقال: هو على ملّة عبدالمطلب، ومات على ذلك أن النبيّ ﷺ لم يترك الشفاعة له، بل شفع له حتى خفف عنه العذاب بالنسبة لغيره، وكان ذلك من الخصائص في حقّه. (دَخَلَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ ، وَعِنْدَهُ أَبُو جَهْلٍ) عمرو بن هشام، والجملة في محلّ نصب

стр. 10944

على الحال، وفي رواية للبخاريّ: "فوجد عنده أبا جهل … " (وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ) قال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: يحتمل أن يكون المسيّب حضر هذه القصّة، فإن المذكورَينِ من بني مخزوم، وهو من بني مخزوم أيضًا، وكان الثلاثة يومئذ كفارًا، فمات أبو جهل على كفره، وأسلم الآخران. وأما قول بعض الشرّاح: هذا الحديث من مراسيل الصحابة، فمردود؛ لأنه استدلّ بأن المسيّب على قول مصعب من مسلمة الفتح، وعلى قول العسكريّ ممن بايع تحت الشجرة، قال: فأيًّا ما كان، فلم يشهد وفاة أبي طالب؛ لأنه توفي هو وخديجة في أيام متقاربة، في عام واحد، وللنبيّ ﷺ يومئذ نحو الخمسين انتهى. ووجه الرّدّ أنه لا يلزم من كون المسيب تأخر إسلامه أن لا يشهد وفاة أبي طالب، كما شهدها عبد اللَّه بن أبي أميّة، وهو يومئذ كافر، ثم أسلم بعد ذلك، والعجب من هذا القائل، كيف يعزو كون المسيب كان ممن بايع تحت الشجرة إلى العسكريّ، ويغفل عن كون ذلك ثابتا في هذا الصحيح الذي شرحه، كما مرّ في "المغازي" واضحًا انتهى. (فَقَالَ: "أَيْ عَمِّ) "أيْ" -بفتح الهمزة، وتخفيف المثنّاة التحتانيّة- حرف لنداء البعيد، أو كالبعيد، كالنائم، والساهي، كما عدّها ابن مالك -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "الخلاصة" بقوله: وَلِلْمُنَادَى النَّاءِ أَوْ كَالنَّاءِ يَا … وَأَيْ وَآ ثُمَّ أَيَا كَذَا هَيَا و"عمّ" منادى مضاف إلى ياء المتكلم، يجوز فيه إثبات الياء، وحذفها، ثم يجوز فيه ستة أوجه، كما أشار ابن مالك إلى الخمسة بقوله: وَاجْعَلْ مُنَادًى صَحَّ إِن يُضَفْ لِيَا … كَعَبْدِ عَبدِي عَبْدَ عَبْدَا عَبْدِيَا والسادس ضمه، تشبيهًا له بالنكرة المقصودة. (قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، كَلِمَةً) بالنصب على البدل من "لا إله إلا اللَّه"، أو منصوب على الاختصاص، ويجوز الرفع على أنه خبر لمبتدإ محذوف، أي هي كلمة (أُحَاجُّ) بتشديد الجيم، من المحاجّة، وهي مفاعلة من الْحُجّة، والجيم مفتوحة بالجزم على أنه جواب الأمر، والتقدير إن تقل أحاجّ، ويجوز الرفع على أنه خبر لمبتدإ محذوف، وفي رواية للبخاريّ، من طريق صالح بن كيسان، عن الزهريّ: "أشهد"، بدل "أحاجّ"، وفي رواية مجاهد عند الطبريّ: "أجادل عند اللَّه بها"، زاد الطبريّ من طريق سفيان بن حسين، عن الزهريّ، قال: "أي عمّ، إنك أعظم الناس عليّ حقا، وأحسنهم عندي يدًا، فقل: كلمة تجب لي بها الشفاعة فيك يوم القيامة". (لَكَ بِهَا، عِنْدَ اللَّهِ ) الجارّان، والظرف متعلقات بـ "أُحاجّ" (فَقَالَ لَهُ أَبُو

стр. 10945

جَهْل، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ، أَتَرْغَبُ) أي تُعرض (عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَمْ يَزَالَا يُكَلِّمَانِهِ) وفي رواية للبخاريّ: "فلم يزل رسول اللَّه ﷺ يَعْرِضها عليه، ويعيدانه بتلك المقالة … "، وفي رواية لمسلم: "فلم يزل رسول اللَّه ﷺ يَعرضها عليه، ويعيدان له بتلك المقالة"، والمراد قول أبي جهل، ورفيقه له: "أترغب عن ملة عبد المطّلب" (حَتَّى كَانَ آخِرُ شَيْءٍ، كَلَّمَهُمْ بِهِ) أي كلّم به الحاضرين لديه (عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) خبر لمحذوف، أي هو على ملة عبد المطلب، وفي رواية للبخاريّ: "هو على ملة عبد المطّلب"، وأراد بذلك نفسه، ويحتمل أن يكون قال: "أنا"، فغيّرها الراوي آَنفَةً أن يحكي كلام أبي طالب، استقباحًا للفظ المذكور؛ وهي من التصرّفات الحسنة. ووقع في رواية مجاهد، قال: "يا ابن أخي ملة الأشياخ"، ووقع في حديث أبي حازم، عن أبي هريرة عند مسلم، والترمذيّ، والطبريّ: "قال: لولا أن تعيّرني قريش، يقولون: ما حمله عليه إلا جزع الموت لأقررت بها عينك"، وفي رواية الشعبيّ عند الطبريّ: "قال: لولا أن يكون عليك عار، لم أبال أن أفعل". زاد في رواية البخاريّ: "وأبى أن يقول: لا إله إلا اللَّه"، وهو تأكيد من الراوي في نفي وقوع ذلك من أبي طالب، وكأنه استند في ذلك إلى عدم سماعه ذلك منه في تلك الحال، وهذا القدر هو الذي يمكن اطلاعه عليه، ويحتمل أن يكون أطلعه النبي ﷺ على ذلك. قال النوويّ: وكانت وفاة أبي طالب بمكة قبل الهجرة بقليل. قال ابن فارس: مات أبو طالب، ولرسول اللَّه ﷺ تسع وأربعون سنة، وثمانية أشهر، وأحد عشر يومًا، وتوفيت خديجة، أم المؤمنين ﵂ بعد موت أبي طالب بثلاثة أيام انتهى. (قَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ، مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ) بصيغة المتكلم المبنيّ للمفعول، من النهي، أي مدة عدم نهي اللَّه تعالى إياي عن الاستغفار لك. قال الزين ابن الْمُنَيِّر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: ليس المراد طلب المغفرة العامة، والمسامحة بذنب الشرك، وإنما المراد تخفيف العذاب عنه، كما جاء مبيّنًا في حديث آخر. قال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وهذه غلفة شديدة منه، فإن الشفاعة لأبي طالب في تخفيف العذاب لم تُردّ، وطلبُها لم يُنْهَ عنه، وإنما وقع النهي عن طلب المغفرة العامّة، وإنما ساغ ذلك للنبيّ ﷺ ، اقتداءً بإبراهيم في ذلك، ثم ورد نسخ ذلك، كما سيأتي واضحًا انتهى (١). (فَنَزَلَتْ ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣]) أي

стр. 10946

ما ينبغي لهم ذلك، وهو خبر بمعنى النهي، هكذا وقع في هذه الرواية، وروى الطبري، من طريق شِبْل، عن عمرو بن دينار، قال: قال النبيّ ﷺ : "استغفر إبراهيم لأبيه، وهو مشرك، فلا أزال أستغفر لأبي طالب حتى ينهاني ربي"، فقال أصحابه: لنستغفرنّ لآبائنا، كما استغفر نبينا لعمه، فنزلت. وهذا فيه إشكال؛ لأن وفاة أبي طالب كانت بمكة قبل الهجرة، اتفاقًا، وقد ثبت أن النبيّ ﷺ أتى قبر أمه لما اعتمر، فاستأذن ربّه أن يستغفر لها، فنزلت هذه الآية، والأصل عدم تكرّر النزول. وقد أخرج الحاكم، وابن أبي حاتم، من طريق أيوب بن هانئ عن مسروق، عن ابن مسعود ﵁، قال: خرج رسول اللَّه ﷺ يوما إلى المقابر، فاتبعناه، فجاء حتى جلس إلى قبر منها، فناجاه طويلاً، ثم بكى، فبكينا لبكائه، فقال: "إن القبر الذي جلست عنده قبر أمي، واستأذنت ربي في الدعاء لها، فلم يأذن لي، فأنزل عليّ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾. وأخرج أحمد من حديث ابن بريدة، عن أبيه نحوه، وفيه: "نزل بنا، ونحن معه، قريب من ألف راكب"، ولم يذكر نزول الآية. وفي رواية الطبريّ من هذا الوجه: "لما قدم مكة أتى رسم قبر"، ومن طريق فضيل بن مرزوق، عن عطيّة: "لما قدم مكة وقف على قبر أمه، حتى سخنت عليه الشمس، رجاء أن يؤذن له، فيستغفر لها، فنزلت". وللطبرانيّ من طريق عبد اللَّه بن كيسان، عن عكرمة، عن ابن عباس نحو حديث ابن مسعود، وفيه: "لما هبط من ثنيّة عسفان"، وفيه نزول الآية في ذلك. قال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: فهذه طرق يعضد بعضها بعضًا، وفيها دلالة على تأخير نزل الآية عن وفاة أبي طالب، ويؤيده أيضًا أنه ﷺ قال يوم أحد بعد أن شجّ وجهه: "رب اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون"، لكن يحتمل في هذا أن يكون الاستغفار خاصّا بالأحياء، وليس البحث فيه، ويحتمل أن يكون نزول الآية تأخر، وإن كان سببها تقدّم، ويكون لنزولها سببان، متقدّم، وهو أمر أبي طالب، ومتأخر، وهو أمر آمنة، ويؤيد تأخير النزول ما تقدّم في تفسير براءة من استغفاره ﷺ للمنافقين، حتى نزل النهي عن ذلك، فإن ذلك يقتضي تأخير النزول، وإن تقدّم السبب، ويشير إلى ذلك أيضًا قوله في حديث الباب: "وأنزل اللَّه في أبي طالب: ﴿إنَّكّ لَا تهدِى مَنْ أَجبْتَ﴾ "؛ لأنه يشعر بأن الآية الأولى نزلت في أبي طالب، وفي غيره، والثانية نزلت فيه وحده. ويؤيّد تعدد السبب ما أخرج أحمد من طريق أبي إسحاق، عن أبي الخليل، عن عليّ ﵁، قال: سمعت رجلاً يستغفر لوالديه، وهما مشركان، فذكرت ذلك للنبيّ ﷺ ، فأنزل اللَّه: ﴿مَا

стр. 10947

كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ الآية. وروى الطبريّ من طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: وقال المؤمنون: ألا نستغفر لآبائنا، كما استغفر إبراهيم لأبيه؟، فنزلت. ومن طريق قتادة، قال: ذكرنا له أن رجالاً، فذكر نحوه انتهى كلام الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (١). (وَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾) [القصص: ٥٦] قال النووي ﵀ تعالى: أجمع المفسّرون على أنها نزلت في أبي طالب، وكذا نقل إجماعهم على هذا الزجاج وغيره، وهي عامّة، فإنه لا يَهدي، ولا يُضلّ إلا اللَّه تعالى. وقال القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي﴾ الخ أي لا تقدر على توفيق من أراد اللَّه خذلانه، وكشف ذلك بأن الهداية الحقيقية هي خلق القدرة على الطاعة، وقبولها، وليس ذلك إلا للَّه تعالى، والهداية التي تصحّ نسبتها لغير اللَّه تعالى بوجهٍ مّا هي الإرشاد والدلالة، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] أي ترشد، وتبيّن، كما قال تعالى: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [الشورى: ٤٨] وقال: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]. قال: وما ذكرناه هو مذهب أهل السنة والجماعة، وهو الذي تدلّ عليه البراهين القاطعة انتهى. (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسأدة الأولى: في درجته: حديث المسيب بن حَزْن - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٠٢/ ٢٠٣٥ - وفي "الكبرى" ١٠٢/ ٢١٦٢ - وفي "التفسير" ١١٢٣٠ "سورة التوبة" و ١١٣٨٣ "سورة القصص". وأخرجه (خ) ١٣٦٠ و ٣٨٨٤ و ٤٦٧٥ و ٤٧٧٢ (م) ١٣١ (أحمد) ١٣٢ و ١١٦٢. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما بوّب له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو النهي عن الاستغفار للمشركين. ومنها: جواز زيارة قبر المشرك. ومنها: جواز البكاء عند القبر. ومنها: أن من لم يعمل خيرا قط، إذا ختم عمره بشهادة أن لا إله إلا اللَّه حكم بإسلامه، وأجريت عليه أحكام

стр. 10948

المسلمين، فإن قارن نطق لسانه عقد قلبه نفعه ذلك عند اللَّه تعالى، بشرط أن لا يكون وصل إلى حدّ انقطاع الأمل من الحياة، وعجز عن فهم الخطاب، وردّ الجواب، وهو وقت المعاينة، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ: إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء: ١٨] (١). ومنها: أن الذي ينفع الإنسان عمله، لا نسبه، فإذا كان غير متبع للإسلام، فلا تنفعه شفاعة الشافعين. ومنها: جواز الحلف من غير استحلاف، حيث قال النبي ﷺ : "لأستغفرنّ لك"، وفي رواية مسلم: "أما واللَّه لأستغفرنّ لك"، قال النوويّ: وكأن الحلف هنا لتوكيد العزم على الاستغفار، وتطييبًا لنفس أبي طالب انتهى. ومنها: أن الهداية بمعنى التوفيق للخيرات، وكذا الضلال من اللَّه تعالى، ولا يقدر على ذلك أحد من الخلق، لا نبيّ مرسل، ولا ملك مقرّب، فهو الذي يَهدي من يشاء، وُيضلّ من يشاء، ولقد أحسن من قال، وأجاد في المقال: أَضَلَّ مَنْ شَاءَ وَمَنْ شَاءَ هَدَى … مَا بِيَدِ الْعَبْدِ ضَلَالٌ وَهُدَى واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٠٣٦ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ, عَنْ سُفْيَانَ, عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ, عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ, عَنْ عَلِيٍّ, قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلاً, يَسْتَغْفِرُ لأَبَوَيْهِ, وَهُمَا مُشْرِكَانِ, فَقُلْتُ: أَتَسْتَغْفِرُ لَهُمَا, وَهُمَا مُشْرِكَانِ, فَقَالَ: أَوَلَمْ يَسْتَغْفِرْ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ؟ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ , فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ, فَنَزَلَتْ: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤]). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إسحاق بن منصور) الكَوْسَج المروزي، ثقة ثبت [١١] ٧٢/ ٨٨. ٢ - (عبد الرحمن) بن مهديّ الحافظ الثبت الناقد البصريّ [٩] ٤٢/ ٤٩. ٣ - (سفيان بن سعيد) الثوريّ الكوفيّ الإمام الثبت الحجة [٧] ٣٣/ ٣٧. ٤ - (أبو إسحاق) عمرو بن عبد اللَّه السبيعيّ الكوفيّ العابد الثبت يدلس، واختلط بآخره [٣] ٣٨/ ٤٢. ٥ - (أبو الخليل) عبد اللَّه بن الخديل، ويقال: ابن أبي الخديل، ويقال: عبد اللَّه بن الخليل بن أبي الخليل الحضرميّ الكوفيّ، مقبول [٢]. روى عن عمر، وعليّ، وابن عباس، وزيد بن أرقم. وعنه أبو إسحاق السبيعيّ،

стр. 10949

والشعبي، والأعمش، وإسماعيل بن رجاء. ذكره ابن حبّان في "الثقات"، وفرق بين عبد اللَّه بن الخديل الحضرميّ، روى عن زيد بن أرقم، وعنه الشعبيّ، وبين عبد اللَّه بن أبي الخليل، سمع عليا قوله، روى عنه أبو إسحاق، وكذا فرق بينهما البخاريّ، فقال في الراوي عن زيد بن أرقم: لا يُتابع عليه، وقال ابن سعد: كان قليل الحديث. روى له الأربعة، وله عند المصنف برقم ٢٠٣٦ و ٣٤٨٨ و٣٤٩٠. ٦ - (علي) بن أبي طالب ﵁ ٧٤/ ٩١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير أبي الخليل. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَلِيٍّ) ﵁، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا، يَسْتَغْفِرُ لِأَبَوَيْهِ، وَهُمَا مُشْرِكَانِ) جملة في محلّ نصب، أي والحال أنهما ماتا مشركين (فَقُلْتُ: أَتَسْتَغْفِرُ لَهُمَا، وَهُمَا مُشْرِكَانِ؟) أي والشرك ينافي حصول المغفرة (فَقَالَ: أَوَ لَمْ يَسْتَغْفِرْ إِبرَاهِيمُ لِأَبِيهِ؟) أي وهو مشرك (فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا﴾ [التوبة: ١١٤]) أي مع الآية السابقة، وفي رواية أحمد من طريق وكيع، عن سفيان: "فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ إلى آخر الآيتين". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث علي ﵁ هذا حسن. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٠٢/ ٢٠٣٦ - وفي "الكبرى" ١٠٢/ ٢١٦٣. وأخرجه (ت) ٣١٠١ (أحمد) ٧٧٣ و ١٠٨٨. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلت، وإليه أنيب".

стр. 10950

١٠٣ - الأَمْرُ بِالاسْتِغْفَارِ لِلْمُؤْمِنِينَ ٢٠٣٧ - أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ (١): حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ, عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ, أَنَّهُ سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ, يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ تُحَدِّثُ, قَالَتْ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ عَنِّي, وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قُلْنَا: بَلَى. قَالَتْ: لَمَّا كَانَتْ لَيْلَتِي, الَّتِي هُوَ عِنْدِي -تَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ انْقَلَبَ, فَوَضَعَ نَعْلَيْهِ, عِنْدَ رِجْلَيْهِ, وَبَسَطَ طَرَفَ إِزَارِهِ عَلَى فِرَاشِهِ, فَلَمْ يَلْبَثْ, إِلاَّ رَيْثَمَا ظَنَّ أَنِّي قَدْ رَقَدْتُ, ثُمَّ انْتَعَلَ رُوَيْدًا, وَأَخَذَ رِدَاءَهُ رُوَيْدًا, ثُمَّ فَتَحَ الْبَابَ رُوَيْدًا, وَخَرَجَ رُوَيْدًا, وَجَعَلْتُ دِرْعِي فِي رَأْسِي, وَاخْتَمَرْتُ, وَتَقَنَّعْتُ إِزَارِي, وَانْطَلَقْتُ فِي إِثْرِهِ, حَتَّى جَاءَ الْبَقِيعَ, فَرَفَعَ يَدَيْهِ, ثَلَاثَ مَرَّاتٍ, فَأَطَالَ, ثُمَّ انْحَرَفَ, فَانْحَرَفْتُ, فَأَسْرَعَ, فَأَسْرَعْتُ, فَهَرْوَلَ, فَهَرْوَلْتُ, فَأَحْضَرَ, فَأَحْضَرْتُ, وَسَبَقْتُهُ, فَدَخَلْتُ, فَلَيْسَ إِلاَّ أَنِ اضْطَجَعْتُ, فَدَخَلَ, فَقَالَ: «مَا لَكِ يَا عَائِشَةُ, حَشْيَا, رَابِيَةً؟» , قَالَتْ: لَا, قَالَ: «لَتُخْبِرِنِّي, أَوْ لَيُخْبِرَنِّي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ» , قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي, فَأَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ, قَالَ: «فَأَنْتِ السَّوَادُ الَّذِي رَأَيْتُ أَمَامِي؟». قَالَتْ: نَعَمْ, فَلَهَزَنِي فِي صَدْرِي لَهْزَةً, أَوْجَعَتْنِي, ثُمَّ قَالَ: «أَظَنَنْتِ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْكِ, وَرَسُولُهُ؟» , قُلْتُ, مَهْمَا يَكْتُمُ النَّاسُ, فَقَدْ عَلِمَهُ اللَّهُ, قَالَ: «فَإِنَّ جِبْرِيلَ, أَتَانِي حِينَ رَأَيْتِ, وَلَمْ يَدْخُلْ عَلَيَّ, وَقَدْ وَضَعْتِ ثِيَابَكِ, فَنَادَانِي, فَأَخْفَى مِنْكِ, فَأَجَبْتُهُ, فَأَخْفَيْتُهُ مِنْكِ, فَظَنَنْتُ أَنْ قَدْ رَقَدْتِ, وَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَكِ, وَخَشِيتُ أَنْ تَسْتَوْحِشِي, فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَ الْبَقِيعَ, فَأَسْتَغْفِرَ لَهُمْ». قُلْتُ: كَيْفَ أَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ , قَالَ: «قُولِي: السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ, مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ, يَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا, وَالْمُسْتَأْخِرِينَ, وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ». رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عبد اللَّه بن أبي مليكة) هو عبد اللَّه بن عبيد اللَّه بن أبي مُليكة زُهير بن عبد اللَّه، نسب لجدّه المكيّ، ثقة فقيه [٣] ١٠١/ ١٣٢. ٢ - (محمد بن قيس بن مَخْرَمة) بن المطّلب بن عبد مناف المطّلبيّ، يقال: له رؤية، ثقة [٢]. قال أبو داود. ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وذكر العسكريّ أنه أدرك النبيّ

стр. 10951

- ﷺ ، وهو صغير. روى له مسلم، وأبو داود في "المراسيل"، والترمذيّ، والمصنّف، له عنده هذا الحديث فقط، كرّره ثلاث مرّات برقم ٢٠٣٧ و ٣٩٦٣ و ٣٩٦٤. والباقون تقدّموا قريبًا، وحجاج: هو ابن محمد الأعور. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح غير شيخه، فإنه من أفراده، وهو ثقة. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ جُرَيْجِ) أنه (قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) هو منسوب إلى جدّه، كما مرّ آنفًا (أَنَّهُ سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ يقول: سَمِعْتُ عَائِشَةَ) ﵄. وفي رواية مسلم: "أنه قال يومًا: ألا أحدّثكم عنّي، وعن أمّي؟، قال: فظننا أنه يريد أمه التي ولدته، قال: قالت عائشة .... " (تحدِّثُ، قَالَتْ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ عَنِّي، وَعَنِ النَّبِيَّ ﷺ ) أي عن قصتي التي جرت لي معه ﷺ (قُلْنَا: بَلَى، قَالَتْ: لَمَّا كَانَتْ لَيلَتِي) وفي نسخة: "لما كان ليلتي". و"كان" هنا تامّة، فلا تحتاج إلى خبر، أي لما جاءت، وحضرت ليلتي (الَّتِي هُوَ عِنْدِي) ولفظ مسلم: "التي كان النبيّ ﷺ فيها عندي" (-تَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ انْقَلَبَ) أي تحوّل عن فراشه الذي اضطجع عليه. وقال السنديّ: أي رجع من صلاة العشاء (فَوَضَعَ نَعْلَيهِ، عِنْدَ رِجْلَيْهِ) أي ليمكنه الانتعال عند قيامه للخروج (وَبَسَطَ طَرَفَ إِزَارِهِ عَلَى فِراشِهِ) زاد في رواية مسلم: "فاضطجع" (فَلَمْ يَلْبَثْ) أي لم يتأخر في مكانه (إِلَّا رَيْثَمَا) بفتح الراء، وإسكان الياء، وبعدها ثاء مثلثة: أي قدر ما (ظَنَّ أَنِّي قَدْ رَقَدْتُ) أي نِمْت (ثُمَّ انْتَعَلَ رُوَيْدًا،) أي مترفّقًا متمهّلاً؟ لئلا ينَبّهها، وهو مصدر في موضع الحال. قاله القرطبيّ (وَأَخَذَ رِدَاءهُ رُوَيْدًا، ثُمَّ فَتَحَ الْبَابَ رُوَيْدًا، وَخَرَجَ رُوَيْدًا) زاد في روايته في "عشرة النساء"، وهو في مسلم أيضًا: "ثم أجافه رويدًا"، أي أغلق الباب بلف؟ لئلَا تعلم بخروجه، وبقائها في الليل وحدها، فتستوحش، وتُذعَر (وَجَعَلْتُ) وفي رواية مسلم: "فجعلت" بالفاء (دِرْعِي) أي قميصي (فِي رَأْسِي، وَاخْتَمَرْتُ) أي لبست الخمار، وهو بكسر الخاء المعجمة: ثوب تُغطي به المرأة رأسها، والجمع خُمُرٌ، مثل كتاب، وكُتُب، قاله في "المصباح" (وَتَقَنَّعْتُ إِزَارِي) أي جعلت إزاري قِنَاعًا، والظاهر أنها تلففت به فوق خمارها. وقال النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: قولها: "وتقنّعت إزاري"، هكذا هو في الأصول

стр. 10952

"إزاري" بغير باء في أوله، وكأنه بمعنى لبست إزِاري، فلهذا عُدّي بنفسه انتهى. (وَانْطَلَقْتُ فِي إِثْرِهِ) أي بعده، يقال: تبعتُهُ في أثَرِهِ -بفتحتين- وِإثْرِه -بكسر الهمزة، وسكون المثلُثة-: أي تبعته عن قرب. أفاده في "المصباح". والذي حملها على خروجها خلفه، ومتابعتها لما صنعه الغيرة، ظنّت أنه خرج إلى بعض أزواجه (حَتَّى جَاءَ الْبَقِيعَ) بفتح الموحّدة، كسر القاف، هو في الأصل المكان المتّسع، ويقال: الموضع الذي فيه شجر، والمراد هنا البقيع المعروف بالمدينة النبوية، وهو مقبرة أهلها، ويقال له: بقيعِ الغرقد، والغَرْقد: هو شجر الْعَوْسَج، كان فيه ذلك الشجر، وزال، فبقي الاسم (فرَفَعَ يَدَيْهِ، ثَلَاثَ مَرَّاتِ) أي دعا ثلاث مرّات، رافعا يديه (فَأَطَالَ، ثُمَّ انْحَرَتَ) أي مال، راجعا إلى بيته (فَانْحَرَفْتُ، فَأَسْرَعَ، فَأَسْرَعْتُ، فَهَرْوَلَ) يقال: هَرْوَل هَرْولةً: أسرع في مشيه، دون الْخَبَب، ولهذا يقال: هو بين المشي والْعَدْو، وجعل جماعة الواو أصلًا. قاله في "المصباح". وهو أشدّ من الإسراع (فَهَرْوَلْتُ، فَأَحْضَرَ، فَأَحْضَرْتُ) بالحاء المهملة، والضاد المعجمة، من الإحضار، وهو العَدْوُ، ومثله الْحُضْر بالضمّ، أي عدا، فعدوت، يقال: عدا في مشيه عَدْوًا، من باب قال: قارب الهرولة، وهو دون الْجَرْيِ. قاله في "المصباح". أي زاد في الإسراع أشدّ من الذي قبله، فازددت أنا فيه (وَسَبَقْتُهُ، فَدَخَلْتُ، فَلَيْسَ إِلَّا أَنِ اضْطَجَعْتُ) أي ليس شيء بعد دخول البيت إلا اضطجاعي، وقال السنديّ: أي فليس بعد الدخول منّي إلا الاضطجاع، فالمذكور اسم "ليس"، وخبرها محذوف انتهى (فَدَخَلَ، فَقَالَ: "مَا لَكِ يَا عَائِشَةُ) وفي روايته في "عشرة النساء"، وهو في مسلم: "يا عائش" بالترخيم، ويجوز فيه فتح الشين، يسمى لغة من ينتظر الحرف، وضمها، ويسمى لغة من لا ينتظر الحرف، وهما وجهان جاريان في كل المرخمات، كما قال في "الخلاصة": وَاِنْ نَوَيْتَ بَعْدَ حَذْفِ مَا حُذِفْ … فَالْبَاقِيَ استَعْمِلْ بِمَا فِيهِ أُلِفْ وَاجْعَلْهُ إِنْ لَمْ تَنْوِ مَخذُوفًا كَمَا … لَو كَانَ بِالآخِرِ وَضْعًا تُمِّمَا فَقُلْ عَلَى الأَوَّلِ فِي ثَمُودَ يَا … ثَمُو وَيَا ثَمِي عَلَى الثَّانِي بِيَا (حَشْيَا) منصوب على الحال، وهو بفتح الحاء المهملة، وإسكان الشين المعجمة، مقصورًا: أي مرتفعة النَّفَس، متواترته، كما يحصل للمسرع في المشي. وقال النوويّ: معناه: وقد وقع عليكِ الْحَشَا، وهو الربو، والتهيّج، الذي يَعرِض للمسرع في مشيه، والْمُحْتَدِّ في كلامه، من ارتفاع النفس، وتواتره، يقال: امرأة حَشْيا، وحَشْيَةٌ، ورجل حَشْيَان، وحَشِ، قيل: أصله من أصاب الربو حشاه انتهى. (رَابِيَةً") أي مرتفعة البطن (قَالَتْ: لَا) ولمسلم: "قلت: لا شيء" (قَالَ: "لَتُخبِرِنِّي) بفتح اللام وهي اللام الموطئة

стр. 10953

للقسم، أي واللَّه لتُخبرنيّ بما صنعت، وقال السنديّ: بفتح لام، ونون ثقيلة، مضارع للواحدة المخاطبة، من الإخبار، فتكسر الراء هنا، وتفتح في الثاني انتهى (أَوْ لَيُخْبرَنِّي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ") أي يوحي إليّ بذلك (قُلْتُ) وفي نسخة: "قالت" (يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأبِيِ أَنْتَ وَأُمِّي) مَتعلق بمحذوف، أي أفديك بأبي وأمي، فلما حذف الفعل انفصل الضمير، أو "أنت" مبتدأ، والجار والمجرور متعلّق بالخبر المقدّر، أي مَفْديٌّ بأبي وأمِي (فَأَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ، قَالَ: "فَأَنْتِ السَّوَادُ) أي الشخص (الَّذِي) وفي نسخة: "التي" (رَأَيْتُ أمَامِي؟ "، قَالَتْ: نَعَمْ، فَلَهَزَنِي فِي صَدْرِي لَهْزَةً) بفتح الهاء، والزاي المعجمة، وفي رواية لمسلم: "فلهدني" بالدال المهملة، وهما متقاربان، قال النوويّ: قال أهل اللغة: لَهَدَه، ولَهَّدَه -بتخفيف الهاء، وتشديدها: أي دفعه. ولَهَزَه: إذا ضربه بجُمْع كفه في صدره. ويقرب منهما لَكَزَه، وَوَكَزَه انتهى (١) وهذا كان تأديبا لها من سوء الظّنّ (أَوْجَعَتْنِي، ثُمَّ قَالَ: أَظَنَنْتِ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْكِ، وَرَسُولُهُ؟) ﷺ أي أن يظلماك، يقال: حاف يَحيف، حَيْفًا: جار، وظلم، فهو حائف، وجمعه حَافَةٌ، وحُيَّفٌ. أفاده في "المصباح". وقال السنديّ: أي بأن يَدخُل الرسول في نوبتك على غيرك، وذكر "اللَّه" لتعظيم الرسول، والدلالةِ على أن الرسول لا يمكن أن يفعل بدون إذن من اللَّه تعالى، فلو كان منه جور لكان بإذن اللَّه تعالى له فيه، وهذا غير ممكن. وفيه دلالة على أن القَسْم عليه واجب، إذ لا يكون تركه جورًا إلا إذا كان واجبًا انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحق أن القسم ليس واجبًا عليه، وسيأتي تحقيقه في محله إن شاء اللَّه تعالى. (قُلْتُ) وفي نسخة: "قالت" (مَهْمَا يَكْتُمِ النَّاسُ) "مهما" شرطية، ولذا جزم الفعل بعدها، وجوابها قوله (فَقَدْ عَلِمَهُ اللَّهُ) ولمسلم" مهما يكتم الناس يعلمه اللَّه". قال النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: هكذا هو في جميع الأصول، وهو صحيح، وكأنها لما قالت: مهما يكتم الناس، يعلمه اللَّه" صدّقت نفسها، فقالت: نعم (قَالَ: "فَإِنَّ جبْرِيلَ) ﵇ (أَتَانِي حِينَ رَأَيْتِ) مفعوله محذوف، أي ما صنعته من وضع ردائي، فمَا بعده (وَلَمْ يَدْخُلْ عَلَيَّ، وَقَدْ وَضَعْتِ ثِيَابَكِ) بكسر التاء لخطاب المرأة، والجملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، والرابط الواو (فَنَادَانِي، فَأَخْفَى مِنْكِ) أي لئلا تفزع، وتنزعج (فَأَجَبْتُهُ، فَأَخْفَيْتُهُ مِنْكِ، فَظَنَنْتُ أَنْ قَدْ رَقَدْتِ) أي إنما فعلت كذلك لظني نومك (وَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَكِ، وَخَشِيتُ أَنْ تَسْتَوْحِشِي) من عطف العلة على المعلول، أي إنما كرهت إيقاظك، خشيةً من استيحاشك (فَأَمَرَنِي أَنْ آتيَ البَقِيعَ) على حذف مضاف، كما يدلّ عليه ما بعده، أي أهل البقيع (فَأَسْتَغفِرَ لَهُمْ) وفي رواية مسلم: "فقال: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع، فتستغفر لهم".

стр. 10954

قال القرطبيّ: يدلّ على أنه دعا لأهل البقيع، واستغفر، وأن هذا هو الذي عبّر عنه في الرواية الأخرى: "يصلي"، وقد قيل: إنه صلى عليهم صلاته على الجنازة، ويؤيّد هذا القول أنه قد جاء في حديث مالك: "فأصلي عليهم". ثم الذي يقول بهذا يرى أن ذلك خاصّ بالنبيّ ﷺ ، والأول أظهر، وهذا محتمل انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الاحتمال الثاني بعيد جدًا، ومما يبعده قولها: "ثم رفع يديه ثلاث مرار"، فالصواب أنه استغفر، ودعا لهم. واللَّه تعالى أعلم. (قُلْتُ: كَيْفَ أَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟) ولمسلم: "كيف أقول لهم"، والمراد أهل القبور مطلقًا، لا خصوص أهل البقيع، أي كيف أقول من الذكر والدعاء عند زيارة القبور؟ (قَالَ: "قُولِي: السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ) أي القبور، تشبيهًا للقبر بالدار في كونه مسكنًا (مِنَ الْمُؤمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ) قال القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: هذا يدلّ على أن السلام على الموتى كالسلام على الأحياء؛ خلافا لمن قال: إن تحية الميت: عليك السلام، بتقديم عليك، تمسكًا بما رُوي أن النبيّ ﷺ سلم رجل عليه، فقال: عليك السلام يا رسول اللَّه، فقال: "لا تقل: عليك السلام؛ فإن عليك السلام تحيّة الموتى" (٢)، وهذا لا حجة فيه؛ لأنه ﷺ إنما كره منه أن يبدأ بعليك السلام؛ لأنه كذلك كانت تحية الجاهلية للموتى، كما قال شاعرهم: عَلَيْكَ سَلَامُ اللَّهِ قَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ … وَرَحْمَتُهُ مَا شَاءَ أَنْ يَتَرَحَّمَا ومقصوده ﷺ أن سلام المؤمنين على الأحياء والموتى مخالف لما كانت الجاهليّة تفعله، وتقوله، واللَّه أعلم انتهى (٣). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحديث الذي أشار إليه أخرجه أحمد، وأبو داود في "سننه" والترمذيّ، وصححه، والنسائيّ، وصححه الحاكم، عن أبي تميمة الْهُجَيميّ، عن أبي جُرَيّ -بالجيم، والراء، مصغرًا- قال: أتيت رسول اللَّه ﷺ ، فقلت: عليك السلام يا رسول اللَّه، قال: "لا تقل: عليك السلام، فإن عليك السلام تحيّة الموتى". وقد اعترض الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، كون البيت المذكور من شعر أهل الجاهلية، فإن قيس بن عاصم صحابيّ مشهور، عاش بعد النبيّ ﷺ ، والمرثية المذكورة لمسلم معروف، قالها لما مات قيس، ومثله ما أخرج ابن سعد وغيره أن الجنّ رثوا عمر بن الخطاب بأبيات، منها:

стр. 10955

عَلَيكَ سَّلَامٌ مِنْ أَمِيرٍ وَبَارَكَتْ … يَدُ اللَّهِ فِي ذَاكَ الأَدِيمِ الْمُمَزَّقِ وقال ابن العربيّ في السلام على أهل البقيع: لا يعارض النهي في حديث أبي جُرَيّ؛ لاحتمال أن يكون اللَّه أحياهم لنبيّه ﷺ ، فسلم عليهم سلام الأحياء، كذا قال. قال الحافظ: ويردّه حديث عائشة المذكور (١). وقال النوويّ: فيه ترجيح لقول من قال في قوله: "سلام عليكم دار قوم مؤمنين": إن معناه أهل دار قوم مؤمنين، وفيه أن المسلم والمؤمن قد يكونان بمعنى واحد، وعطف أحدهما على الآخر؛ لاختلاف اللفظ، وهو بمعنى قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥ - ٣٦] ولا يجوز أن يكون المراد بالمسلم في هذا الحديث غير المؤمن؛ لأن المؤمن إن كان منافقًا لا يجوز السلام عليه، والترحّم انتهى (٢). (يَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنّا) أي المتقدّمين إلى الآخرة، فالسين والتاء فيه، وفي "المستاخرين ليستا للطلب، بل زائدتان للتوكيد (وَالْمُسْتَأْخِرِينَ) أي المتأخرين في الدنيا، وهم الأحياء، ففيه الدعاء بالرحمة للأحياء والأموات (وَإنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ") اختُلف في إتيانه بالاستثناء مع أن الموت لا شكّ فيه على أقوال: "أحدها"، وهو أظهرها: أنه ليس للشكّ، وإنما هو للتبرّك، وامتثال أمر اللَّه له بقوله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤]. قال الحافظ أبو عمر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: الاستثناء قد يكون في الواجب، لا شكّا، كقوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الفتح: ٢٧]، ولا يُضاف الشك إلى اللَّه تعالى. "والثاني": أنه عادة المتكلّم، يُحسّن به كلامَهُ. "والثالث": أنه عائد إلى اللحوق في هذا المكان، والموتِ بالمدينة. "والرابع": أن "إن" بمعنى "إذ". "والخامس": أنه راجع إلى استصحاب الإيمان لمن معه. "والسادس": أنه كان معه من يظنّ بهم النفاق، فعاد الاستثناء إليهم. وحكى الحافظ أبو عمر أنه عائد إلى معنى "مؤمنين"، أي لاحقون في حال إيمان؛ لأن الفتنة لا يأمنها أحد، ألا ترى قول إبراهيم ﵇: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] وقول يوسف ﵇: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١]، ولأن نبينا ﷺ كان يقول:

стр. 10956

"اللَّهم اقبضني إليك غير مفتون". واستبعد الأبّيّ الثالث بقوله ﷺ للأنصار: "المحيا محياكم، والممات مماتكم". قال: إلا أن يكون قال ذلك قبلُ. انتهى. وقال النووي -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- بعد ذكر الأقوال الأربعة الأُوَل: ما نصّه: وقيل: أقوال أُخَر ضعيفة جدًّا، تركتها لضعفها، وعدم الحاجة إليها، منها قول من قال: الاستثناء منقطع، راجع إلى استصحاب الإيمان. وقول من قال: كان معه ﷺ مؤمنون حقيقة، وآخرون يظنّ بهم النفاق، فعاد الاستثناء إليهم، وهذان القولان، وإن كانا مشهورين، فهما خطأ ظاهر انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: القول الراجح عندي هو الأول، فالاستثناء للتبرّك، وقد ذكرتُ هذه الأقوال في "كتاب الوضوء" ١١٠/ ١٥٠ - باب "حلية المؤمن"، ولكن أعدتها هنا، تذكيرًا؛ لطول العهد بها، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٠٣/ ٢٠٣٧ و ٢٠٣٩ وفي "الكبرى" ١٠٣/ ٢١٦٤ وفي باب "الغيرة" من "عشرة النساء" ٨٩١١ و ٨٩١٢. أخرجه هناك أوّلا عن سليمان بن داود، عن ابن وهب، عن ابن جريج، عن عبد اللَّه ابن كثير، عن محمد بن قيس، وساقه، ثم قال: خالفه حجاج، فقال: عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن محمد بن قيس، فساقه بسند الباب، ولفظِهِ، ثم قال: قال أبو عبد الرحمن: رواية عاصم (١)، عن عبد اللَّه بن عامر بن ربيعة، عن عائشة على غير هذا اللفظ، قالت: فقدته من الليل، فتبعته، فإذا هو بالبقيع، قال: "سلام عليكم دار قوم مؤمنين، أنتم لنا فرط، وإنا لاحقون، اللَّهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم". قالت: ثم التفت إليّ، فقال: "ويحها، لو تستطيع ما فعلت" انتهى (٢). وأخرجه (م) ٢٢٥٣ (ت) ٧٣٩ (ق) ١٣٨٩ (أحمد) ٢٤٢٨٠ و ٢٤٩٤٣ و ٢٥٣٢٧ و ٢٥٤٨٧. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 10957

المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو الأمر بالاستغفار للمؤمنين. ومنها: مشروعية القَسْم بين الزوجات في المبيت، وغيره. ومنها: ما جُبلت عليه النساء، من الغيرة. ومنها: حسن أخلاق النبيّ ﷺ ، ورأفته بأهل بيته، حيث إنه لم يفعل ما يُدخل على عائشة الوحشة، بل تلطّف في الخروج. ومنها: كون الملائكة لا تدخل بيتا، فيه امرأة وضعت ثيابها. ومنها: رأفة اللَّه تعالى، ورحمته بأهل البقيع حيث أمر نبيه ﷺ أن يستغفر لهم. ومنها: جواز ترخيم الاسم، إذا لم يكن فيه إيذاء للمرخّم. ومنها: مشروعية تأديب الزوج زوجته بالضرب باليد ونحوه، ولو أوجعها ذلك. ومنها: أن رسول اللَّه ﷺ لا يظلم أحدًا، لأن اللَّه يكرمه بالوحي، ويرشده إلى ما هو الصواب، فلا يقع في الحيف والظلم. ومنها: استحباب إطالة الدعاء، وتكريره، ورفع اليدين فيه. ومنها: أن دعاء القائم أكمل من دعاء الجالس في القبور. ومنها: جواز زيارة القبور للنساء، وقد تقدّم تمام البحث في ذلك قريبًا. ومنها: استدلّ بعضهم بقوله: "أن يحيف اللَّه عليك، ورسوله" على أن القَسْم واجب على النبيّ ﷺ ، لكن الراجح من أقوال أهل العلم في ذلك عدم وجوب القسم عليه ﷺ ، لقوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ الآية [الأحزاب: ٥١]، ولكنه ﷺ كان يَقسِم لكريم أخلاقه، وحسن عشرته ﷺ . ومنها: استحباب هذا الدعاء في زيارة القبور. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٠٣٨ - أَخْبَرَنِي (١) مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ -وَاللَّفْظُ لَهُ- عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ, قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ, عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ, عَنْ أُمِّهِ, أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ, تَقُولُ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , ذَاتَ لَيْلَةٍ, فَلَبِسَ ثِيَابَهُ, ثُمَّ خَرَجَ, قَالَتْ: فَأَمَرْتُ (٢) جَارِيَتِي, بَرِيرَةَ, تَتْبَعُهُ, فَتَبِعَتْهُ, حَتَّى جَاءَ الْبَقِيعَ, فَوَقَفَ فِي أَدْنَاهُ, مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقِفَ, ثُمَّ انْصَرَفَ, فَسَبَقَتْهُ بَرِيرَةُ, فَأَخْبَرَتْنِي فَلَمْ أَذْكُرْ لَهُ شَيْئًا, حَتَّى أَصْبَحْتُ, ثُمَّ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ, فَقَالَ: «إِنِّي بُعِثْتُ إِلَى أَهْلِ الْبَقِيعِ, لأُصَلِّىَ عَلَيْهِمْ». رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (محمد بن سلمة) المراديّ المصريّ، ثقة ثبت [١١] ١٩/ ٢٠. ٢ - (الحارث بن مسكين) القاضي المصريّ، ثقة فقيه [١٠] ٩/ ٩.

стр. 10958

٣ - (ابن القاسم) عبد الرحمن الْعُتَقيّ المصريّ، ثقة فقيه، من كبار [١٠] ١٩/ ٢٠. ٤ - (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة الفقيه الثبت الحجة [٧] ٧/ ٧. ٥ - (علقمة بن أبي علقمة) بلال المدنيّ، مولى عائشة، وهو علقمة بن أم علقمة، واسمها مرجانة، ثقة علاّمة [٥]. قال ابن معين، وأبو داود، والنسائيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، لا بأس به. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال: مات في آخر خلافة أبي جعفر، وقد روى عن أنس أحرفًا، فلا أدري أدلّسها، أو سمعها منه. وقال ابن سعد: مات في خلافة المنصور، وله أحاديث صالحة، وكان له كُتَّاب يُعلّم النحو، والعربيّة، والعروض. وقال ابن عبد البرّ: كان ثقة مأمونًا، واسم أمه مَرْجانة. روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث. ٦ - (أم علقمة) اسمها مَرْجانة، مقبولة [٣]. روت عن معاوية، وعائشة. وعنها ابنها علقمة. قال العجليّ: مدنيّة، تابعية، ثقة. وذكرها ابن حبّان في "الثقات". علّق لها البخاريّ في "الصحيح"، وأخرج لها في "الأدب المفرد"، وأبو داود، والترمذيّ، والمصنف، ولها عنده في هذا الكتاب حديثان فقط: هذا، و ٢٩١٢ حديث: "إذا أردت دخول البيت فصلي ههنا .. ". ٧ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂ ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رواته كلهم رواة الصحيح، غير شيخه الحارث، وأم علقمة. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنين، من مالك. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ) اسم أبيه بلال (عَنْ أُمِّهِ) مَرْجانة، وتكنى بابنها، تابعية ثقة، وهي مولاة عائشة بلا خلاف (١) (أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ، تَقُولُ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَلَبِسَ ثِيَابَهُ، ثُمَّ خَرَجَ، قَالَتْ: فَأَمَرْتُ جَارِيَتِي، بَرِيرَةَ) -بموحدة مفتوحة، وراءين، بينهما تحتانيّة ساكنة، ثم هاء- صحابية مشهورة، عاشت إلى زمن يزيد بن معاوية (تَتْبَعُهُ) يحتمل أن تكون عائشة ﵂ فعلت ذلك مراعاة لأحواله ﷺ ، ويحتمل

стр. 10959

أن يكون مخافة أن يأتي بعض حُجَر نسائه، والأول أظهر، لأنه لم يعنفها هنا، كما عنفها فيما تقدّم. واللَّه تعالى أعلم (فَتَبِعَتْهُ، حَتَّى جَاءَ الْبَقِيعَ، فَوَقَفَ فِي أَدْنَاهُ) أي أقرب جهاته إلى بيته (مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقِفَ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَسَبَقَتْهُ بَرِيرَةُ، فَأخبَرَتْنِي) أي بما فعل في البقيع، من الدعاء والاستغفار لهم (فَلَمْ أَذْكُرْ لَهُ شَيئًا، حَتَّى أَصْبَحْتُ، ثُمَّ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: "إِنِّي بُعِثْتُ إِلَى أَهْلِ الْبَقِيعِ، لِأُصلِّيَ عَلَيْهِمْ") أي لأدعو، وأستغفر لهم. هذا محل استدلال المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- لترجمته، "الأمر بالاستغفار للمؤمنين"، ووجهه أن المراد بالصلاة هو الاستغفار، وهذا هو المعنى الظاهر الذي يؤيده حديث عائشة السابق ﵂، وغيره، واللَّه تعالى أعلم. وقال الحافظ أبو عمر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: يحتمل أن تكون الصلاة ههنا الدعاء، فإن كان ذلك، ففيه دليل على أن زيارة القبور، والدعاء لأهلها عندها أفضل، وأرجى لقبول الدعاء، فكأنه أُمر أن يستغفر لهم، ويدعو بالرحمة، كما قيل له: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [سورة محمد: ١٩]. ويحتمل أن تكون الصلاة ههنا الصلاة على الموتى، فإن كان ذلك فهو خصوص لهم، فإجماع المسلمين على أنه لا يصلِّي أحد على قبر مرتين، ولا يصلي أحد على قبر مَن لم يُصلَّ عليه إلا أن يكون بحِدْثَان ذلك، وأكثر ما قالوا في ذلك ستة أشهر. ويحتمل أن يكون هذا ليعلمهم بالصلاة منه عليهم؛ لأنه ربما دُفن من لم يصلّ عليه؛ كالمسكينة ومثلها؛ ليكون مساويا بينهم في الصلاة عليهم، ولا يؤثر بعضهم بذلك ليتمّ عدله فيهم؛ لأن صلاته على من صلى عليه رحمة، وبركة، ورفعة. ومن هذا المعنى قسم صلاة الخوف بالطائفتين، ولم يقدّم أحدًا من أصحابه، يصلي بالطائفة الأخرى؛ ليشملهم عدله، ولا يؤثر بعضهم لنفسه. وقد قيل: إن خروجه للبقيع للصلاة على أهله كان كالمودّع للأحياء والأموات. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن الاحتمال الأول هو الظاهر، كما هو رأي المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، كما ذكرته قريبًا، فإنه يؤيّده حديث عائشة ﵂ الذي قبل هذا، فالمراد بالصلاة هنا هو الدعاء، والاستغفار لهم. واللَّه تعالى أعلم. قال: وقوله: "إني بعثت إلى أهل البقيع لآصلي عليهم"، فهو عندي كلام خرج مخرج العموم، ومعناه الخصوص، كانه قال: بُعثت إلى البقيع لأصلي على من لم أصل عليه من أصحابي ليعمّهم بذلك. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله أبو عمر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، فيه نظر،

стр. 10960

بل الظاهر أن الصلاة هنا هي الاستغفار، وأنها للجميع. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة ﵂ هذا صحيح. فإن قلت: في سنده أم علقمة، ولم تسمّ، فكيف يصح؟ قلت: أم علقمة اسمها مرجانة، مولاة عائشة ﵂، تابعيّة، ثقة، وقد تقدّم ذكر من وثقها، فلا يضرّ عدم تسميتها هنا، واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٢٠١/ ٢٠٣٧ - وفي "الكبرى" ١٠٣/ ٢١٦٥. وأخرجه مالك في "الموطإ" ٥٧٣. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو الأمر بالاستغفار للمؤمنين. ومنها: أن فيه بيان فضيلة بريرة ﵂، حيث كانت تخدم رسول اللَّه ﷺ ، وهي مولاة لعائشة ﵂. ومنها: جواز الاستخدام بعد العتق، وأنه لا يمنع من الاستخدام، لكن برضا المعتق. ومنها: جواز الاستخدام بالليل، وذلك فيما هو خفيف، أو فيه طاعة للَّه . ومنهات ما كانوا عليه من مراعاة أحوال رسول اللَّه ﷺ ليلًا ونهارًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٠٣٩ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ, قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ -وَهُوَ ابْنُ أَبِي نَمِرٍ- عَنْ عَطَاءٍ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , كُلَّمَا كَانَتْ لَيْلَتُهَا, مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , يَخْرُجُ فِي آخِرِ اللَّيْلِ, إِلَى الْبَقِيعِ, فَيَقُولُ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ, دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ, وَإِنَّا وَإِيَّاكُمْ, مُتَوَاعِدُونَ غَدًا, أَوْ مُوَاكِلُونَ, وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ, اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأَهْلِ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ». رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عليّ بن حُجْر) المروزيّ، ثقة حافظ، من صغار [٩] ١٣/ ١٣. ٢ - (إسماعيل) بن جعفر بن أبي كثير المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة ثبت [٨] ١٦/ ١٧. ٣٩ (شريك بن عبد اللَّه بن أبي نمر) أبو عبد اللَّه المدنيّ، صدوق يخطىء [٥] ٥٢/ ١٢٩٠. ٤ - (عطاء) بن يسار الهلاليّ، أبو محمد المدنيّ، مولى ميمونة، ثقة فاضل، صاحب مواعظ وعبادة، من صغار [٣] ٦٤/ ٨٠.
следующие страницы →