← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 10956–10995 · переход к 10961.

стр. 10956

"اللَّهم اقبضني إليك غير مفتون". واستبعد الأبّيّ الثالث بقوله ﷺ للأنصار: "المحيا محياكم، والممات مماتكم". قال: إلا أن يكون قال ذلك قبلُ. انتهى. وقال النووي -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- بعد ذكر الأقوال الأربعة الأُوَل: ما نصّه: وقيل: أقوال أُخَر ضعيفة جدًّا، تركتها لضعفها، وعدم الحاجة إليها، منها قول من قال: الاستثناء منقطع، راجع إلى استصحاب الإيمان. وقول من قال: كان معه ﷺ مؤمنون حقيقة، وآخرون يظنّ بهم النفاق، فعاد الاستثناء إليهم، وهذان القولان، وإن كانا مشهورين، فهما خطأ ظاهر انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: القول الراجح عندي هو الأول، فالاستثناء للتبرّك، وقد ذكرتُ هذه الأقوال في "كتاب الوضوء" ١١٠/ ١٥٠ - باب "حلية المؤمن"، ولكن أعدتها هنا، تذكيرًا؛ لطول العهد بها، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٠٣/ ٢٠٣٧ و ٢٠٣٩ وفي "الكبرى" ١٠٣/ ٢١٦٤ وفي باب "الغيرة" من "عشرة النساء" ٨٩١١ و ٨٩١٢. أخرجه هناك أوّلا عن سليمان بن داود، عن ابن وهب، عن ابن جريج، عن عبد اللَّه ابن كثير، عن محمد بن قيس، وساقه، ثم قال: خالفه حجاج، فقال: عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن محمد بن قيس، فساقه بسند الباب، ولفظِهِ، ثم قال: قال أبو عبد الرحمن: رواية عاصم (١)، عن عبد اللَّه بن عامر بن ربيعة، عن عائشة على غير هذا اللفظ، قالت: فقدته من الليل، فتبعته، فإذا هو بالبقيع، قال: "سلام عليكم دار قوم مؤمنين، أنتم لنا فرط، وإنا لاحقون، اللَّهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم". قالت: ثم التفت إليّ، فقال: "ويحها، لو تستطيع ما فعلت" انتهى (٢). وأخرجه (م) ٢٢٥٣ (ت) ٧٣٩ (ق) ١٣٨٩ (أحمد) ٢٤٢٨٠ و ٢٤٩٤٣ و ٢٥٣٢٧ و ٢٥٤٨٧. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 10957

المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو الأمر بالاستغفار للمؤمنين. ومنها: مشروعية القَسْم بين الزوجات في المبيت، وغيره. ومنها: ما جُبلت عليه النساء، من الغيرة. ومنها: حسن أخلاق النبيّ ﷺ ، ورأفته بأهل بيته، حيث إنه لم يفعل ما يُدخل على عائشة الوحشة، بل تلطّف في الخروج. ومنها: كون الملائكة لا تدخل بيتا، فيه امرأة وضعت ثيابها. ومنها: رأفة اللَّه تعالى، ورحمته بأهل البقيع حيث أمر نبيه ﷺ أن يستغفر لهم. ومنها: جواز ترخيم الاسم، إذا لم يكن فيه إيذاء للمرخّم. ومنها: مشروعية تأديب الزوج زوجته بالضرب باليد ونحوه، ولو أوجعها ذلك. ومنها: أن رسول اللَّه ﷺ لا يظلم أحدًا، لأن اللَّه يكرمه بالوحي، ويرشده إلى ما هو الصواب، فلا يقع في الحيف والظلم. ومنها: استحباب إطالة الدعاء، وتكريره، ورفع اليدين فيه. ومنها: أن دعاء القائم أكمل من دعاء الجالس في القبور. ومنها: جواز زيارة القبور للنساء، وقد تقدّم تمام البحث في ذلك قريبًا. ومنها: استدلّ بعضهم بقوله: "أن يحيف اللَّه عليك، ورسوله" على أن القَسْم واجب على النبيّ ﷺ ، لكن الراجح من أقوال أهل العلم في ذلك عدم وجوب القسم عليه ﷺ ، لقوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ الآية [الأحزاب: ٥١]، ولكنه ﷺ كان يَقسِم لكريم أخلاقه، وحسن عشرته ﷺ . ومنها: استحباب هذا الدعاء في زيارة القبور. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٠٣٨ - أَخْبَرَنِي (١) مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ -وَاللَّفْظُ لَهُ- عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ, قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ, عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ, عَنْ أُمِّهِ, أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ, تَقُولُ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , ذَاتَ لَيْلَةٍ, فَلَبِسَ ثِيَابَهُ, ثُمَّ خَرَجَ, قَالَتْ: فَأَمَرْتُ (٢) جَارِيَتِي, بَرِيرَةَ, تَتْبَعُهُ, فَتَبِعَتْهُ, حَتَّى جَاءَ الْبَقِيعَ, فَوَقَفَ فِي أَدْنَاهُ, مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقِفَ, ثُمَّ انْصَرَفَ, فَسَبَقَتْهُ بَرِيرَةُ, فَأَخْبَرَتْنِي فَلَمْ أَذْكُرْ لَهُ شَيْئًا, حَتَّى أَصْبَحْتُ, ثُمَّ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ, فَقَالَ: «إِنِّي بُعِثْتُ إِلَى أَهْلِ الْبَقِيعِ, لأُصَلِّىَ عَلَيْهِمْ». رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (محمد بن سلمة) المراديّ المصريّ، ثقة ثبت [١١] ١٩/ ٢٠. ٢ - (الحارث بن مسكين) القاضي المصريّ، ثقة فقيه [١٠] ٩/ ٩.

стр. 10958

٣ - (ابن القاسم) عبد الرحمن الْعُتَقيّ المصريّ، ثقة فقيه، من كبار [١٠] ١٩/ ٢٠. ٤ - (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة الفقيه الثبت الحجة [٧] ٧/ ٧. ٥ - (علقمة بن أبي علقمة) بلال المدنيّ، مولى عائشة، وهو علقمة بن أم علقمة، واسمها مرجانة، ثقة علاّمة [٥]. قال ابن معين، وأبو داود، والنسائيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، لا بأس به. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال: مات في آخر خلافة أبي جعفر، وقد روى عن أنس أحرفًا، فلا أدري أدلّسها، أو سمعها منه. وقال ابن سعد: مات في خلافة المنصور، وله أحاديث صالحة، وكان له كُتَّاب يُعلّم النحو، والعربيّة، والعروض. وقال ابن عبد البرّ: كان ثقة مأمونًا، واسم أمه مَرْجانة. روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث. ٦ - (أم علقمة) اسمها مَرْجانة، مقبولة [٣]. روت عن معاوية، وعائشة. وعنها ابنها علقمة. قال العجليّ: مدنيّة، تابعية، ثقة. وذكرها ابن حبّان في "الثقات". علّق لها البخاريّ في "الصحيح"، وأخرج لها في "الأدب المفرد"، وأبو داود، والترمذيّ، والمصنف، ولها عنده في هذا الكتاب حديثان فقط: هذا، و ٢٩١٢ حديث: "إذا أردت دخول البيت فصلي ههنا .. ". ٧ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂ ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رواته كلهم رواة الصحيح، غير شيخه الحارث، وأم علقمة. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنين، من مالك. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ) اسم أبيه بلال (عَنْ أُمِّهِ) مَرْجانة، وتكنى بابنها، تابعية ثقة، وهي مولاة عائشة بلا خلاف (١) (أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ، تَقُولُ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَلَبِسَ ثِيَابَهُ، ثُمَّ خَرَجَ، قَالَتْ: فَأَمَرْتُ جَارِيَتِي، بَرِيرَةَ) -بموحدة مفتوحة، وراءين، بينهما تحتانيّة ساكنة، ثم هاء- صحابية مشهورة، عاشت إلى زمن يزيد بن معاوية (تَتْبَعُهُ) يحتمل أن تكون عائشة ﵂ فعلت ذلك مراعاة لأحواله ﷺ ، ويحتمل

стр. 10959

أن يكون مخافة أن يأتي بعض حُجَر نسائه، والأول أظهر، لأنه لم يعنفها هنا، كما عنفها فيما تقدّم. واللَّه تعالى أعلم (فَتَبِعَتْهُ، حَتَّى جَاءَ الْبَقِيعَ، فَوَقَفَ فِي أَدْنَاهُ) أي أقرب جهاته إلى بيته (مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقِفَ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَسَبَقَتْهُ بَرِيرَةُ، فَأخبَرَتْنِي) أي بما فعل في البقيع، من الدعاء والاستغفار لهم (فَلَمْ أَذْكُرْ لَهُ شَيئًا، حَتَّى أَصْبَحْتُ، ثُمَّ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: "إِنِّي بُعِثْتُ إِلَى أَهْلِ الْبَقِيعِ، لِأُصلِّيَ عَلَيْهِمْ") أي لأدعو، وأستغفر لهم. هذا محل استدلال المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- لترجمته، "الأمر بالاستغفار للمؤمنين"، ووجهه أن المراد بالصلاة هو الاستغفار، وهذا هو المعنى الظاهر الذي يؤيده حديث عائشة السابق ﵂، وغيره، واللَّه تعالى أعلم. وقال الحافظ أبو عمر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: يحتمل أن تكون الصلاة ههنا الدعاء، فإن كان ذلك، ففيه دليل على أن زيارة القبور، والدعاء لأهلها عندها أفضل، وأرجى لقبول الدعاء، فكأنه أُمر أن يستغفر لهم، ويدعو بالرحمة، كما قيل له: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [سورة محمد: ١٩]. ويحتمل أن تكون الصلاة ههنا الصلاة على الموتى، فإن كان ذلك فهو خصوص لهم، فإجماع المسلمين على أنه لا يصلِّي أحد على قبر مرتين، ولا يصلي أحد على قبر مَن لم يُصلَّ عليه إلا أن يكون بحِدْثَان ذلك، وأكثر ما قالوا في ذلك ستة أشهر. ويحتمل أن يكون هذا ليعلمهم بالصلاة منه عليهم؛ لأنه ربما دُفن من لم يصلّ عليه؛ كالمسكينة ومثلها؛ ليكون مساويا بينهم في الصلاة عليهم، ولا يؤثر بعضهم بذلك ليتمّ عدله فيهم؛ لأن صلاته على من صلى عليه رحمة، وبركة، ورفعة. ومن هذا المعنى قسم صلاة الخوف بالطائفتين، ولم يقدّم أحدًا من أصحابه، يصلي بالطائفة الأخرى؛ ليشملهم عدله، ولا يؤثر بعضهم لنفسه. وقد قيل: إن خروجه للبقيع للصلاة على أهله كان كالمودّع للأحياء والأموات. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن الاحتمال الأول هو الظاهر، كما هو رأي المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، كما ذكرته قريبًا، فإنه يؤيّده حديث عائشة ﵂ الذي قبل هذا، فالمراد بالصلاة هنا هو الدعاء، والاستغفار لهم. واللَّه تعالى أعلم. قال: وقوله: "إني بعثت إلى أهل البقيع لآصلي عليهم"، فهو عندي كلام خرج مخرج العموم، ومعناه الخصوص، كانه قال: بُعثت إلى البقيع لأصلي على من لم أصل عليه من أصحابي ليعمّهم بذلك. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله أبو عمر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، فيه نظر،

стр. 10960

بل الظاهر أن الصلاة هنا هي الاستغفار، وأنها للجميع. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة ﵂ هذا صحيح. فإن قلت: في سنده أم علقمة، ولم تسمّ، فكيف يصح؟ قلت: أم علقمة اسمها مرجانة، مولاة عائشة ﵂، تابعيّة، ثقة، وقد تقدّم ذكر من وثقها، فلا يضرّ عدم تسميتها هنا، واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٢٠١/ ٢٠٣٧ - وفي "الكبرى" ١٠٣/ ٢١٦٥. وأخرجه مالك في "الموطإ" ٥٧٣. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو الأمر بالاستغفار للمؤمنين. ومنها: أن فيه بيان فضيلة بريرة ﵂، حيث كانت تخدم رسول اللَّه ﷺ ، وهي مولاة لعائشة ﵂. ومنها: جواز الاستخدام بعد العتق، وأنه لا يمنع من الاستخدام، لكن برضا المعتق. ومنها: جواز الاستخدام بالليل، وذلك فيما هو خفيف، أو فيه طاعة للَّه . ومنهات ما كانوا عليه من مراعاة أحوال رسول اللَّه ﷺ ليلًا ونهارًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٠٣٩ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ, قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ -وَهُوَ ابْنُ أَبِي نَمِرٍ- عَنْ عَطَاءٍ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , كُلَّمَا كَانَتْ لَيْلَتُهَا, مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , يَخْرُجُ فِي آخِرِ اللَّيْلِ, إِلَى الْبَقِيعِ, فَيَقُولُ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ, دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ, وَإِنَّا وَإِيَّاكُمْ, مُتَوَاعِدُونَ غَدًا, أَوْ مُوَاكِلُونَ, وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ, اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأَهْلِ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ». رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عليّ بن حُجْر) المروزيّ، ثقة حافظ، من صغار [٩] ١٣/ ١٣. ٢ - (إسماعيل) بن جعفر بن أبي كثير المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة ثبت [٨] ١٦/ ١٧. ٣٩ (شريك بن عبد اللَّه بن أبي نمر) أبو عبد اللَّه المدنيّ، صدوق يخطىء [٥] ٥٢/ ١٢٩٠. ٤ - (عطاء) بن يسار الهلاليّ، أبو محمد المدنيّ، مولى ميمونة، ثقة فاضل، صاحب مواعظ وعبادة، من صغار [٣] ٦٤/ ٨٠.

стр. 10961

٥ - (عائشة) ﵂ ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه عائشة - رضي اللَّه تعالى - عنها من المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂، أنها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، كُلَّمَا كَانَتْ لَيْلَتُهَا) الظاهر أنه يخرج كلّ ليلة من ليالي عائشة ﵂، وقال السنديّ: أي في آخر عمره بعد حجة الوداع انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لم يذكر السنديّ مستنده في تحديد الوقت بكونه بعد حجة الوداع، فاللَّه تعالى أعلم (مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) الجارّ والمجرور متعلق بصفة لـ"ليلتها"، أو بحال منه. قال الطيبيّ "كلما" ظرف فيه معنى الشرط، والعموم، وجوابه قوله (يَخْرُجُ) وهو العامل فيه، وهذا حكاية معنى قول عائشة، لا لفظها، أي كان من عادته ﷺ أنه إذا بات عندها أن يخرج (فِي آخِرِ اللَّيْلِ، إِلَى الْبَقِيعِ) أي بقيع الغرقد، وفيه فضلية الدعاء آخر الليل، وفضيلة زيارة قبور البقيع. (فَيَقُولُ: "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ) "دار" منصوب على النداء، والتقدير يا أهل دار قوم، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، وقيل: منصوب على الاختصاص. قال صاحب "المطالع": ويجوز جرّه على البدل من الضمير في "عليكم". وقيل: الدار مقحم. وقال الخطابيّ: وفيه أن اسم الدار يقع على المقابر، قال: وهو صحيح، فإن الدار في اللغة يقع على الرَّبْع المسكون، وعلى الخراب غير المأهول انتهى (وَإِنَّا وَإِيَّاكُمْ، مُتَوَاعِدُونَ غَدًا) أي كلّ منا ومنكم وعد صاحبه حضور غد، أي يوم القيامة. قاله السنديّ (أَوْ مُوَاكِلُونَ) وفي نسخة: "ومتواكلون"، أي متكل بعضنا على بعض في الشفاعة والشهادة. واللَّه تعالى أعلم. قاله السنديّ أيضًا. ولفظ "الكبرى": "وإنا أو إياكم مُواعَدون غدًا، ومؤجلون". ولفظ مسلم: "وأتاكم ما توعدون غدًا، مؤجلون" (وإنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ) تقدم فائدة تقييده بالمشيئة قريبًا (اللَّهُمَّ اغفِرْ لِأَهْلِ بَقِيعِ الغَرْقَدِ") وهو موضع بظاهر المدينة، فيه قبور أهلها، قال في "النهاية": هو المكان المتسع، ولا يسمّى بقيعًا إلا وفيه شجر، أو أصولها، والغرقد شجر، والآن بقيت الإضافة، دون الشجر. وقال النوويّ: سمي بقيع

стр. 10962

الغرقد، لغرقد كان فيه، وهو ما عظم من العَوْسج (١) وفيه إطلاق الأهل على ساكن المكان، من حيّ وميت انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٠٣/ ٢٥٣٩ - وفي "الكبرى" ١٠٣/ ٢١٦٦. وأخرجه (م) ٢٢٥٢. وفوائد الحديث تقدّمت قريبًا، فلتراجَع. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٠٤٠ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ, عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ, عَنْ أَبِيهِ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , كَانَ إِذَا أَتَى عَلَى الْمَقَابِرِ, فَقَالَ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ, أَهْلَ الدِّيَارِ, مِنَ الْمُؤْمِنِينَ, وَالْمُسْلِمِينَ, وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ, أَنْتُمْ لَنَا فَرَطٌ, وَنَحْنُ لَكُمْ تَبَعٌ, أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ, لَنَا وَلَكُمْ». رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عبيد اللَّه بن سعيد) أبو قُدَامة السرخسيّ، ثقة مأمون سنيّ [١٠] ١٥/ ١٥. ٢ - (حرميّ بن عُمارة) بن أبي حفصة نابت بنون، وموحّدة، ثم مثناة، وقيل: ثابت كالجادّة، العَتَكيّ مولاهم، أبو رَوْح البصريّ، صدوق يهم [٩] ١٢٢/ ١٧٧. ٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة المشهور. ٤ - (ملقمة بن مرثد) -بفتح الميم، وسكون الراء، بعدها مثلّثة- الحضرميّ، أبو الحارث الكوفيّ، ثقة [٦] ١٠١/ ١٣٣. ٥ - (سليمان بن بُريدة) بن الحصيب الأسلميّ المروزيّ قاضيها، ثقة [٣] ١٠١/ ١٣٣. ٦ - (أبوه) بُرَيدة بن الحصيب ﵁ تقدّم قريبًا. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 10963

شرح الحديث (عَنْ سُلَيمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ,) بريدة بن الحصيب ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، كَانَ إِذَا أتى عَلَى الْمَقَابِرِ) ولفظ مسلم، من طريق سفيان الثوريّ، عن علقمة بن مرثد: "كان رسول اللَّه ﷺ يعلّمهم إذا خرجوا إلى المقابر … " (فَقَالَ: "السَّلَامُ عَلَيكُمْ، أَهْلَ الدِّيَارِ، مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَالْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، أَنْتُمْ لَنَا فَرَطٌ) بفتحتين: أي متقدّمون علينا إلى الدار الآخرة، وأصل الفرط هو المتقدّم في طلب الماء، يُهَيّء الدِّلَاء، والأَرْشاء، يقال: فَرَطَ القومَ فُرُوطًا، من باب قَعَد: إذا تقدّم لذلك، يستوي فيه الواحد، والجمع، يقال: رجلٌ فَرَطٌ، وقومٌ فَرَطٌ. أفاده في "المصباح". (وَنَحْنُ لَكُمْ تَبَعٌ) أي متبعون لكم، وآتون إلى الآخرة بعدكم، فـ"التبع" بفتحتين يستوي فيه الواحد، وغيره، يقال: تَبع زيد عمرًا، من باب تَعِبَ: مشى خلفه، أو مَرَّ به، فمضى معه، والمصلي تبع لإمامه، والناس تبعٌ له، ويكون واحدًا، وجمعًا، ويجوز جمعه على أتباع، مثلُ سبب وأسباب. قاله في "المصباح" (أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ) أي محوَ الذنوب عنا، يقال: عفا اللَّه عنك: أي محا ذنوبَك، وعفوتُ عن الحقّ: أسقطتُهُ، كأنك محوتَهُ عن الذي هو عليه، وعافاه اللَّه: محا عنه الأسقام. و"العافية": اسم منه، وهي مصدر جاءت على فاعلة، ومثله ناشئةُ الليل، بمعنى نُشُوء الليل، والخاتمةُ: بمعنى الختم، والعاقبة: بمعنى الْعُقُب، و ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢]. قاله الفيّوميّ (لَنَا وَلَكُمْ") متعلّق بـ "أسأل"، أو بالعافية، أو بمحذوف صفة لـ"العافية"، أو حال منه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث بريدة بن الحصيب: ﵁ هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٠٣/ ٢٠٤٠ - وفي "الكبرى" ١٠٣/ ٢١٦٧. وأخرجه (م) ٢٢٥٤ (ق) ١٥٤٧ (أحمد) ٢٢٤٧٦ و ٢٢٥٣٠. وأما فوائد الحديث، فقد تقدّمت قريبًا، فلا حاجة إلى إعادتها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٠٤١ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: لَمَّا مَاتَ النَّجَاشِيُّ, قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اسْتَغْفِرُوا لَهُ». قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدّم للمصنّف -رحمه

стр. 10964

اللَّه تعالى-، في باب "الصفوف على الجنازة " -٧٢/ ١٩٧١ - رواه هناك عن سُويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن مالك، عن ابن شهاب به، وتقدّم الكلام عليه هناك، أورده هنا استدلالاً على الأمر بالاستغفار للمؤمنين، واستدلاله به واضح، و"سفيان": هو ابن عيينة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٠٤٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ, قَالَ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ, قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي, عَنْ صَالِحٍ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ,, قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ, وَابْنُ الْمُسَيَّبِ, أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُمَا, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , نَعَى لَهُمُ النَّجَاشِيَّ, صَاحِبَ الْحَبَشَةِ, فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ, فَقَالَ: «اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُمْ». قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متفق عليه، وقد مرّ بيانه في الذي قبله. و"أبو داود": هو سليمان بن سيف الحرانيّ الثقة الحافظ [١١] ١٠٣/ ١٣٦ و"يعقوب بن إبراهيم": هو الزهريّ المدنيّ، ثم البغداديّ، ثقة فاضل [٩] ١٩٦/ ٣١٤. و"أبوه": هو: إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف المدني، نزيل بغداد، ثقة حجة [٨] ١٩٦/ ٣١٤. و"صالح": هو ابن كيسان المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٤] ١٩٦/ ٣١٤. [تنبيه]: وقع في نسخ "المجتبى" "عن أبي صالح"، وهو غلط فاحشٌ، والصواب "عن صالح"، وهو ابن كيسان، كما ذكرنا، وعلى الصواب وقع في "الكبرى". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٠٤ - التَّغْلِيظُ فِي اتخِّاذِ السُّرُجِ عَلَى الْقَبُورِ " السرُج" بضمتين: جمع سراج، وهو المصباح. قاله الفيّوميّ. ٢٠٤٣ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادَةَ, عَنْ أَبِي صَالِحٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: "لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , زَائِرَاتِ الْقُبُورِ, وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ, وَالسُّرُجَ". رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قتيبة) بن سعيد المذكور قريبًا.

стр. 10965

٢ - (عبد الوارث بن سعيد) البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٦/ ٦. ٣ - (محمد بن جُحَادة) -بضم الجيم، وتخفيف الحاء المهملة- الكوفيّ ثقة [٥] ٤٨/ ١٧٣٦. ٤ - (أبو صالح) باذام -بالذال المعجمة، ويقال: آخره نون- مولى أم هانىء بنت أبي طالب، ضعيف، مدلّس [٣]. قال ابن المدينيّ، عن القطان: لم أر أحدًا من أصحابنا تركه، وما سمعت أحدًا من الناس يقول فيه شيئًا. وقال أحمد: كان ابن مهديّ ترك حديث أبي صالح. وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ليس به بأس، وإذا روى عنه الكلبيّ، فليس بشيء. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، ولا يُحتجّ به. وقال النسائيّ: ليس بثقة. وقال ابن عديّ: عافة ما يرويه تفسير، وما أقلّ ما له من المسند، وفي ذلك التفسير ما لم يُتابعه عليه أهل التفسير، ولم أعلم أحدًا من المتقدّمين رضيه. وقال زكريا بن أبي زائدة: كان الشعبيّ يمرّ بأبي صالح، فيأخذ بأذنه، فيَهُزُّها، ويقول: ويلك، تفسّر القرآن، وأنت لا تحفظ القرآن. وقال ابن المدينيّ، عن القطان، عن الثوريّ، قال الكلبيّ: قال لي أبو صالح: كلّ ما حدثتك كذب. وقال العقيليّ: قال مغيرة: إنما كان أبو صالح يُعلّم الصبيان، وكان يضعّف تفسيره، وقال: كتب أصابها. ولما قال عبد الحقّ في "الأحكام": إن أبا صالح ضعيف جدًّا، أنكر عليه ذلك ابن القطان في كتابه، وقد قال الجوزقانيّ: إنه متروك. ونقل ابن الجوزيّ، عن الأزديّ أنه قال: كذّاب. وقال الجُوزجانيّ: كان يقال له: دروغْ زَنْ (١)، غير محمود. وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقويّ عندهم. وقال ابن حبّان: يحدث عن ابن عباس، ولم يسمع منه. ووثقه العجليّ وحده. روى له الأربعة. ٥ - (ابن عباس) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - أحد المكثرين السبعة، وأحد العبادلة الأربعة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: "لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، زَائِرَاتِ

стр. 10966

الْقُبُورِ) تقدّم الكلام عليه (وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ) أي الذين يبنون المساجد على القبور، وهذا يشمل البناء عليها، أو حولها، أو بينها، وما قاله السنديّ، مما حاصله: أن المراد من اتخاذ المساجد عليها أن يجعلها قبلة يسجد إليها كالوثن، وأما من اتخذ مسجدًا في جوار صالح، أو صلى في مقبرة من غير قصد التوجّه نحوه، فلا حرج فيه. فكلام باطل، فإن اليهود، والنصارى الذين أخبر رسول اللَّه ﷺ بلعنهم بقوله: "لعن اللَّه اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" ما أُتُوا في أول أمرهم إلا من هذا الباب، فإنهم كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح، بنوا عليه مسجدًا، وصوروا صورة ذلك الرجل، ليتذكروا عبادته، وصلاحه، ثم بعد فترة عبدوا تلك الصور. فمن يشاهد اليوم ما وقع في العالم الإسلاميّ من تعظيم القبور، واتخاذ الأولياء أربابا من دون اللَّه تعالى، بالتوجّه إليهم بالنداء، وطلب الحوائج منهم، وجلب النذور إليهم، لرأى العجب العجاب، مما يبكي له من له غَيرة على الدين، فلا حول، ولا قوّة إلا باللَّه، وأشدّ من ذلك سكوت أهل العلم عن هذا المنكر الفظيع، بل ربما استحسن بعضهم للعوام فعلهم ذلك، وشكر سعيهم فإنا للَّه، وإنا إليه راجعون. وقد تقدّم تمام البحث في ذلك في "كتاب المساجد"، باب "النهي عن اتخاذ القبور مساجد" -١٣/ ٧٠٣ - فراجعه تستفد (وَالسُّرُجَ") بضمتين: جمع سراج، كما تقدّم ضبطه في أول الباب. وإنما لُعِن من اتخذها؛ لأنه فيه تضييعًا للمال بلا نفع، ويشبه تعظيم القبور، كاتخاذها مساجد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا ضعيف، من أجل أبي صالح باذام، كما تقدم الكلام عليه قريبًا. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٠٤/ ٢٠٤٣ - وفي "الكبرى" - ١٠٤/ ٢١٧٠. وأخرجه (د) ٣٢٣٦ (ت) ٣٢٠ (ق) ١٥٧٥ (أحمد) ٢٠٣١ و ٢٥٩٨ و ٢٩٧٧ و ٣١٠٨. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 10967

١٠٥ - التَّشْدِيدُ فِي الْجُلُوسِ عَلَى الْقُبُورِ ٢٠٤٤ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ, عَنْ وَكِيعٍ, عَنْ سُفْيَانَ, عَنْ سُهَيْلٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ, حَتَّى تَحْرِقَ ثِيَابَهُ, خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ». رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن عبد اللَّه بن المبارك) الْمُخَرّميّ، أبو جعفر البغداديّ، ثقة حافظ [١١] ٤٣/ ٥٠. ٢ - (وكيع) بن الجرّاح بن مَلِيح، أبو سفيان الرُّؤَاسيّ الكوفيّ الحافظ الثبت [٩] ٢٣/ ٢٥. ٣ - (سفيان) بن سعيد الثوريّ الإمام المشهور تقدم قريبًا. ٤ - (سُهيل) بن أبي صالح المدنيّ، صدوق تغير بآخره [٦] ٣٢/ ٨٢٠. ٥ - (أبو صالح) ذكوان السمّان المدني، ثقة ثبت [٣] ٣٦/ ٤٠. ٦ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين إلى سفيان، ومن بعده مدنيون. (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ رَأسَ المكثرين من الرواية. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ) بفتح اللام، وهي لام الابتداء، والمصدر المؤول بعدها مبتدأ، وخبره قوله: "خير" (عَلَى جَمْرَةِ) -بفتح، فسكون-: القطعة الملتهبة من النار، والجمع جَمْر، مثلُ تمرة وتمر (حَتَّى تحُرِقَ) من الإحراق، يقال: أحرقتْهُ النارُ، إحراقًا، ويتعدّى بالحرف، فيقال: أحترقته بالنار، فهو مُحرَقٌ، وحَرِيق. قاله في "المصباح"، والضمير للجمرة (ثِيَابَهُ) بالنصب على المفعوليّة زاد في رواية مسلم: "فتخلُص إلى جلده". و"تخلص" بضم اللام: أي تصل. قال الطيبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: جعل الجلوس على القبر، وسِرَاية

стр. 10968

مضرّته إلى قلبه، وهو لا يشعُر بمنزلة سراية النار من الثوب إلى الجلد انتهى (خَيْرٌ لَهُ) أي أحسن، وأهون عليه (مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرِ") فيه أنه لا يجوز الجلوس على القبر مطلقًا، وأن المراد الجلوس على حقيقته، وليس كناية عن البول والغائط، كما قيل. وإلى التحريم ذهب الجمهور، قال النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: في هذا الحديث تحريم القعود، والمراد الجلوس عليه، هذا مذهب الشافعيّ، وجمهور العلماء -رحمهم اللَّه تعالى-، وقال أيضًا: والقعود عليه حرام، وكذا الاستناد إليه، والاتكاء عليه انتهى (١). وأما ما رواه الطحاويّ من طريق محمد بن كعب، عن أبي هريرة ﵁، مرفوعًا: "من جلس على قبر، يبول عليه، أو يتغوّط، فكأنما جلس على جمر"، فإسناده ضعيف. وما روي أن ابن عمر ﵄ كان يجلس على القبر يحمل على أنه لم يبلغه النهي (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٠٥/ ٢٠٤٤ - وفي "الكبرى" ١٠٥/ ٢١٧١. وأخرجه (م) ٢٢٤٥ و ٢٢٤٦ (د) ٣٢٢٨ (ق) ١٥٦٦ (أحمد) ٨٠٤٦ و ٨٨١١ و ٩٤٣٩ و ١٠٤٥١. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في أقوال أهل العلم في حكم الجلوس على القبر: قال الحافظ أبو عمر ابن عبد البرّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: الآثار مروية من طرق عن النبيّ ﷺ أنه نهى عن القعود على القبور، من حديث عقبة بن عامر، وجابر، وأبي هريرة، وغيرهم، ومن الرواة من يوقف حديث عقبة، وحديث أبي هريرة، ويجعله من حديثهما. وأما حديث جابر، فذكر عبد الرزاق، قال: حدثنا ابن جريج، قال: أخبرنا ابن الزبير أنه سمع جابر بن عبد اللَّه يقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ ينهى أن يقعد الرجل على القبر، ويُقصّص، أو يبنى عليه. وذكر أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا حفص، عن ابن جريج، عن جابر، قال: نهى رسول اللَّه ﷺ أن يُقعَد عليها. يعني القبور. وعن ابن مسعود ﵁: لأن أطأ على جمرة حتى تُطفأ أحبّ إليّ من أقعد على قبر. وعن أبي بكرة مثله سواءً. وعن أبي هريرة، قال: لأن يجلس أحدكم على جمرة، فتُحرق رداءه،

стр. 10969

ثم قميصه، ثم إزاره، حتى تخلُص إلى جلده أحبّ إليّ من أن يجلس على قبر. وروى الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، أن أبا الخير حدثه أن عقبة بن عامر قال: لأن أطأ على جمرة، أو على حدّ سيف حتى يخطف رجلي أحبّ إليّ من أن أمشي على مسلم، وما أبالي في القبور قضيت حاجتي، أو في السوق، والناس ينظرون. وقال مالك -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وإنما نهي عن القعود على القبور، فيما نُرى للمذاهب، يريد حاجة الإنسان. وحجته أن علي بن أبي طالب كان يتوسّد القبور، ويضطجع عليها. وروى أبو أمامة بن سهل بن حُنيف أن زيد بن ثابت ﵁ قال له: هلمّ يا ابن أخي إنما نَهَى رسولُ اللَّه ﷺ عن الجلوس على القبر لحدثِ بولٍ، أو غائط. انتهى كلام أبي عمر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، بتصرّف، واختصار (١). وقال النووي -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: المراد بالجلوس القعود عند الجمهور، وقال مالك: المراد بالقعود الحدث. وهو تأويل ضعيف، أو باطل انتهى. قال في "الفتح": وهو يوهم انفراد مالك بذلك، وكذا أوهمه كلام ابن الجوزيّ، حيث قال: جمهور الفقهاء على الكراهة، خلافًا لمالك. وصرّح النوويّ في "شرح المهذّب" بأن مذهب أبي حنيفة كالجمهور، وليس كذلك، بل مذهب أبي حنيفة، وأصحابه كقول مالك، كما نقله عنهم الطحاويّ، واحتجّ له بما أخرجه من طريق بكير ابن عبد اللَّه بن الأشجّ، أن نافعًا حدثه: أنّ عبد اللَّه بن عمر ﵄ كان يجلس على القبور. وأخرج عن عليّ نحوه. وعن زيد بن ثابت، مرفوعًا: "إنما نهى النبيّ ﷺ عن الجلوس على القبور لحدث غائط، أو بول". ورجال إسناده ثقات. ويؤيّد قول الجمهور ما أخرجه أحمد، من حديث عمرو بن حزم الأنصاريّ، مرفوعًا: "لا تقعدوا على القبور"، وفي رواية له، عنه: "رآني رسول اللَّه ﷺ ، وأنا متكئ على قبر، فقال: "لا تؤذ صاحب القبر". وإسناده صحيح (٢). وهو دالّ على أن المراد بالجلوس القعود على حقيقته. وردّ ابن حزم التأويل المتقدّم بأن لفظ حديث أبي هريرة ﵁: "لأن يجلس أحدكم على جمرة، فتُحرق ثيابه، فتخلُص إلى جلده … "، قال: وما عهدنا أحدًا يقعد على ثيابه للغائط، فدلّ على أن المراد القعود على حقيقته. وقال ابن بطّال: التأويل المذكور بعيد؛ لأن الحدث على القبر أقبح من أن يُكرَه، وإنما

стр. 10970

يُكره الجلوس المتعارف انتهى ما في "الفتح" (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما ذهب إليه الجمهور من تحريم الجلوس على القبور هو الصواب، للأحاديث الصحاح التي تقدّمت. وأما ما احتجّ به الذين قالوا إن المراد بالجلوس قضاء الحاجة عليها، كما نُقل عن مالك، وغيره، من الآثار التي رويت عن عليّ، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وأبي هريرة ﵃، فالجواب عنها، أن نقول: أما أثر عليّ ﵁ فضعيف، لأن في سنده مولى لآل علي ﵁، ولم يسمّ، وأما أثر ابن عمر ﵄، وإن كان صحيحًا، فلا يعارض الثابت عن رسول اللَّه ﷺ ، بل يحمل على أنه لم يبلغه النهي. وأما أثر زيد بن ثابت ﵁، وإن كان صحيحا، فلا يعارض الأحاديث الصحاح الصريحة بالنهي عن الجلوس، بل هو حديث آخر، سمعه زيد عن النبي ﷺ ، ينهى عن الجلوس لقضاء الحاجة، كما سمعه الآخرون ينهى عن مطلق الجلوس، فهذا هو وجه العمل بالحديثين، وإن سلكنا مسلك الترجيح، فالأحاديث الأخرى ترجّح عليه، لكونها أقوى منه، فقد أخرجها مسلم في "صحيحه"، من حديث أبي هريرة ﵁، ومن حديث أبي مَرْثَد الغنويّ ﵁، وصح أيضًا من حديث جابر ﵁، وورد أيضًا من حديث عمرو بن حزم ﵁، وهو الحديث الآتي للمصنّف بعد هذا، فهذه الأحاديث أرجح من حديث زيد بن ثابت ﵁، وأقوى، فترجّح عليه، لكن الجمع أولى، كما أسلفناه آنفًا. وأما أثر أبي هريرة ﵁ فضعيف، لأن في سنده محمد بن أبي حميد الأنصاريّ الزرقي المدنيّ، لقبه حماد، ضعيف، فالصحيح من حديث أبي هريرة ﵁ المرفوع، وهو النهي عن الجلوس. فتبيّن بهذا أن الصواب هو ما عليه الجمهور من المنع عن الجلوس على القبور مطلقًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٠٤٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ, عَنْ شُعَيْبٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, عَنِ ابْنِ أَبِي هِلَالٍ, عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ, عَنِ النَّضْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السَّلَمِيِّ, عَنْ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «لَا تَقْعُدُوا عَلَى الْقُبُورِ». رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (محمد بن عبد اللَّه بن عبد الحكم) المصريّ الفقيه، ثقة [١١] ١٢٠/ ١٦٦. ٢ - (شعيب) بن الليث الفَهْميّ، أبو عبد الملك المصريّ، ثقة فقيه نبيل، من كبار

стр. 10971

[١٠] ١٢٠/ ١٦٦ ٣ - (الليث) بن سعد الفهميّ، أبو الحارث المصريّ الإمام الفقيه الثبت الحجة [٧] ٣١/ ٣٥. ٤ - (خالد) بن يزيد الْجُمَحيّ، أبو عبد الرحيم المصريّ، ثقة فقيه [٦] ٤١/ ٦٨٦. ٥ - (ابن أبي هلال) هو سعيد بن أبي هلال الليثيّ مولاهم، أبو العلاء المصريّ، صدوق [٦] ٤١/ ٦٨٦. ٦ - (أبو بكر بن حزم) هو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاريّ النجّاريّ المدنيّ القاضي، اسمه وكنيته واحد، وقيل: يكنى أبا محمد، ثقة عابد [٥] ١١٨/ ١٦٣. ٧ - (النضر بن عبد اللَّه السلميّ) المدنيّ، مجهول، ويقال: عبد اللَّه بن النضر [٤]. روى عن ابن حزم حديث الباب فقط، وعن عمرو بن مُسَاحق المدنيّ. وعنه أبو بكر ابن محمد بن عمرو بن حزم. قال الذهبيّ: لا يُعرف. انفرد به المصنّف. ٨ - (عمرو بن حزم) بن زيد بن لَوْذَان بن حارثة بن زيد بن ثعلبة بن زيد مناة بن حبيب بن عبد حارثة بن مالك بن جُشَم بن الحارث بن الخزرج الأنصاريّ، أبو الضحّاك، وقيل: غير ذلك في نسبه. صحابيّ شهد الخندق، وهو ابن (١٥) سنة، واستعمله النبيّ ﷺ على أهل نجران، وهو ابن (١٨) سنة. قال خليفة: مات سنة (١) أو (٥٢) وقال سعيد بن عُفير: سنة (٥٣) وقال ابن إسحاق، وغيره: سنة (٣) وقال الحافظ أبو نعيم: توفي في خلافة عمر بن الخطاب ﵁، ويقال: بل توفي سنة (٥٤). روى له أبو داود في "المراسيل"، والمصنف، وابن ماجه، وله عند المصنّف حديثان فقط، هذا، وحديث: "كتب إلى أهل اليمن كتابًا .. " الحديث برقم ٤٨٥٥ و ٤٨٥٦. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث، ضعيف الإسناد؛ لجهالة النضر بن عبد اللَّه السلميّ، لكن متنه صحيح؛ لأنه يشهد له ما قبله، وغيره من الأحاديث التي ذكرناها في شرح الحديث الماضي. وشرحه واضح، وهو من أفراد المصنف ﵀ تعالى، أخرجه هنا -١٠٥/ ٢٠٤٥ - وفي "الكبرى" ١٠٥/ ٢١٧٢. وأخرجه (أحمد) ٢٧٩١٤. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 10972

١٠٦ - اتَخِّاذُ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ ٢٠٤٦ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ, عَنْ عَائِشَةَ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ قَوْمًا, اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ». رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عمرو بن عليّ) الفلاّس الصيرفيّ، أبو حفص البصريّ الحافظ الثبت [١٠] ٤/ ٤. ٢ - (خالد بن الحارث) الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ الحافظ الثبت [٨] ٤٢/ ٤٧. ٣ - (قتادة) بن دِعامة السدوسيّ البصريّ الحافظ الحجة [٤] ٣٠/ ٣٤. والباقون تقدّموا قريبًا. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، إلى سعيد (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. (ومنها): شيخه هو أحد مشايخ الأئمة الستة الذين رووا عنهم بلا واسطة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ) وفي حديث عائشة، وابن عبّاس ﵃ المتقدمين في- ١٣/ ٧٠٣ - قالا: لَمّا نُزل برسول اللَّه ﷺ طَفِق يَطرَح خَمِيصة له على وجهه، فإذا اغتمّ كشفها عن وجهه، قال: -وهو كذلك-: لعنة اللَّه على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (لَعَنَ اللَّهُ) اللعن معناه الطرد، والإبعاد عن الرحمة، أي أبعد اللَّه عن رحمته (قَوْمًا) هم اليهود والنصارى، كما بيّن في الرواية المذكورة (اتَخَّذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ") جملة مستأنفة، جواب سؤال مقدّر، فكأن سائلاً سأله عن سبب لعنهم، فأجابه بقوله: "اتخذوا". وزاد في "الكبرى" في "الوفاة": "يُحذّر ما صنعوا"، ونحوه عند الشيخين، وهو مستأنف من كلام الراوي، كأنه سئل عن حكمة ذكره ﷺ ذلك في تلك الحالة، فأجاب بأنه لتحذير أمته؛ لئلا تقع فيما وقعوا فيه، من تعظيم قبور الأنبياء، وإشراكهم باللَّه . [تنبيه]: ذكر البيضاويّ أنه لما كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور أنبيائهم؛

стр. 10973

تعظيما لشأنهم، ويجعلونها قبلة، يتوجهون في الصلاة نحوها، واتخذوها أوثانًا لعنهم، ومنع المسلمين من مثل ذلك، فاما من اتخذ مسجدًا في جوار صالح، وقصد التبرّك بالقرب منه، لا التعظيم له، ولا التوجه نحوه، فلا يدخل في ذلك الوعيد انتهى. ونقل هذا القول السيوطيّ، والسنديّ، وذكر في "الفتح" نحوه، وكلهم أقرّوه عليه، وهذا عجيب من مثل هؤلاء الأكابر، كيف جاز لهم إقرار مثل هذا القول الشنيع، المنابذ للسنة، والمعارض للنصوص الصريحة، وهل دخل على اليهود والنصارى هذا الضلال إلا من هذا الباب؟، فإن أول بداية ضلالهم هذا هو التبرّك بقبور أنبيائهم، وصالحيهم، فآل بهم الحال إلى أن عبدوهم، وقد وقع من كثير ممن يدعي الإسلام في كثير من بلدان الإسلام اليوم ما وقع منهم حذو النعل بالنعل، فمن يرى حال كثير من الناس فيما يفعلونه عند قبور الصالحين، من أنواع الشرك والضلالات لا يشك أنه عين ما وقع لليهود والنصارى في قبور أنبيائهم، فإنا للَّه، وإنا إليه راجعون. ومن الداهية العظمى سكوت أهل العلم عن بيان ذلك، بل بعضهم يشاركونهم فيه، ويزيّنون لهم، قبيح فعلهم، فإلى اللَّه المشتكى، ولا حول ولا قوّة إلا باللَّه العليّ العظيم. وهذا الحديث متفق عليه، وقد تقدّم في "كتاب المساجد" باب "النهي عن اتخاذ القبور مساجد" رقم ١٣/ ٧٠٣ - وتقدم تمام شرحه، وبيان ما يتعلّق به من المسائل هناك، فراجه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٠٤٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ, أَبُو يَحْيَى, صَاعِقَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ الْخُزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ, عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ, وَالنَّصَارَى, اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ». رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (محمد بن عبد الرحيم) بن أبي زُهير العَدَويّ، مولى آل عمر البغداديّ البزّاز، فارسيّ الأصل، أبو يحيى، المعروف بـ "صاعقة"، ثقة حافظ [١١]. قال ابن أبي حاتم: كتب عنه أبي بمكة، وسئل عنه؟ فقال: صدوق. وقال عبد اللَّه ابن أحمد، والنسائيّ: ثقة. وقال أحمد بن صاعد: حدثنا أبو يحيى الثقة العدل. وقال ابن عقدة، عن نصر بن أحمد الكنانيّ: كان من أصحاب الحديث المأمونين. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: كان صاحب حديث يحفظ. وقال محمد بن محمد بن داود الْكَرَجيّ: سمي صاعة؛ لأنه كان جيد الحفظ. وقال الخطيب: كان متقنًا، ضابطًا،

стр. 10974

عالمًا، حافظًا. ووثقه القرّاب، ومسلمة. وقال الدارقطنيّ: حافظ ثبت. وقال أبو بكر الخلال: عنده عن أبي عبد اللَّه مسائل حسان، لم يجيء بها غيره، وقيل له: صاعقة لجودة حفظه، وقيل: لغير ذلك. وقال محمد بن إسحاق السرّاج: محمد بن عبد الرحيم البزّاز مولى آل عمر، ثقة، قال لي: وُلِدتُ سنة (١٨٥) ومات في شعبان سنة (٢٥٥). روى له الجماعة، سوى مسلم، وابن ماجه. وفي "الزهرة": روى عنه البخاريّ (٣٦) حديثًا، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٢ - (أبو سلمة الْخُزَاعيّ) منصور بن سَلَمة بن عبد العزيز البغداديّ، ثقة ثبت حافظ، من كبار [١٠] ٨٧/ ١٣٤٤. ٣ - (يزيد بن الهاد) هو يزيد بن عبد اللَّه بن أسامة بن الهاد الليثيّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقة مُكثر [٥] ٧٣/ ٩٠. والباقون تقدّموا قريبًا، وكذا شرح الحديث يعلم مما سبق. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متفق عليه. أخرجه المصنّف هنا - ١٠٦/ ٢٠٤٧ - وفي "الكبرى" ١٠٦/ ٢١٧٣. وأخرجه (خ) ٤٣٧ (م) ٥٣٠ (د) ٣٢٢٧ (أحمد) ٧٧٦٧. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٠٧ - كَرَاهِيَةُ الْمَشْي بَيْنَ الْقُبُورِ فِي النِّعَالِ السِّبْتِيِّةِ قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: غرض المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بهذا الجمعُ بين حديث هذا الباب الدّالّ على النهي عن لبس النعال بين القبور، وحديث الباب التالي الدالّ على جوازه، بحمل النهي على خصوص النعال السبتيّة، والجواز على غيرها، وقد تبعه على هذا أبو محمد ابن حزم -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وسيأتي أن الأرجح هو القول بالنهي عن لبس النعال بين القبور مطلقًا، في المسألة الثالثة، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٠٤٨ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ, قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ, عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ شَيْبَانَ, وَكَانَ ثِقَةً, عَنْ خَالِدِ بْنِ سُمَيْرٍ, عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ, أَنَّ بَشِيرَ ابْنَ الْخَصَاصِيَّةِ,

стр. 10975

قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي, مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَمَرَّ عَلَى قُبُورِ الْمُسْلِمِينَ, فَقَالَ: «لَقَدْ سَبَقَ هَؤُلَاءِ شَرًّا كَثِيرًا» , ثُمَّ مَرَّ عَلَى قُبُورِ الْمُشْرِكِينَ, فَقَالَ: «لَقَدْ سَبَقَ هَؤُلَاءِ خَيْرًا كَثِيرًا» , فَحَانَتْ مِنْهُ الْتِفَاتَةٌ, فَرَأَى رَجُلاً, يَمْشِي بَيْنَ الْقُبُورِ, فِي نَعْلَيْهِ, فَقَالَ: «يَا صَاحِبَ السِّبْتِيَّتَيْنِ, أَلْقِهِمَا». رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (الأسود بن شَيبان) السدوسيّ، أبو شَيبان البصريّ، ثقة عابد [٦]. قال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال الأثرم، عن أحمد: ثقة. ووثقه النسائيّ في "التمييز". وقال العجليّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات" في الطبقة الرابعة. وقال محمد بن عوف: كان من عباد اللَّه الصالحين، كان يحجّ على ناقة له، ولا يتزوّد شيئًا، يشرب من لبنها حتى يرجع، ويرسلها ترعى. وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: مات سنة (١٦٥). روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والباقون، سوى الترمذيّ، له في هذا الكتاب ثلاية أحاديث فقط: هذا، و ٢٤٣٢ حديث: "صم يومًا من الشهر .. "، وأعاده برقم ٢٤٣٣ و ٥٥٥ حديث: "كلّ مسكر حرام .. ". [تنبيه]: قوله هنا: "وكان ثقة" يحتمل أن يكون من كلام وكيع، وهو الظاهر، ويحتمل أن يكون ممن دونه. واللَّه تعالى أعلم. ٢ - (خالد بن سُمير) -بالسين المهملة (١)، مصغّرًا- السدوسيّ البصريّ، صدوق يَهِم قليلاً [٣]. روى عن ابن عمر، وأنس، وعبد اللَّه بن رباح الأنصاريّ، وبَشِير بن نَهِيك، ومضارب بن حَزْن. وعنه الأسود بن شيبان. قال النسائيّ: ثقة. وقال العجليّ: بصريّ ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وذكر له ابن جرير الطبريّ، وابن عبد البرّ، والبيهقيّ حديثًا واحدًا أخطأ في لفظة منه، وهي قوله في الحديث: كنا في جيش الأمراء -يعني مؤتة- والنبيّ ﷺ لم يحضرها. روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، وأبو داود، والمصنّف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٣ - (بشير بن نَهيك) -بفتح أول الاسمين، وكسر ثانيهما -السدوسيّ، أبو الشعثاء البصريّ، ثقة [٣] ١٤١/ ١١٠٧. ٤ - (بَشير ابن الخصاصيّة) هو بشير بن مَعْبَد، وقيل: ابن زيد بن معبد بن ضَبَارَى بن سبع بن سدوس، وقيل: ابن شراحيل بن سبع السدوسيّ، المعروف بـ "ابن الْخَصَاصيّة"، وكان اسمه زَحْمًا، فسماه النبيّ ﷺ بشيرًا، نزل البصرة.

стр. 10976

وفرّق أبو حاتم بين ابن الخصاصية السدوسيّ، وبين بشير بن معبد الأسلميّ، وقال في الأسلميّ: روى عنه ابنه بشر، وجعلهما غيره واحدًا. وكذا فرق بينهما البخاريّ، وابن حبّان، وابن أبي خيثمة، وابن سعد، ويعقوب بن سفيان، وغيرهم. وجزم ابن عبد البرّ، وغيره أن الخصاصيّة أمه، وليس كذلك، بل هي إحدى جدّاته، وهي والدة جده الأعلى ضَبَارى بن سدوس، واسمها كبشة، ويقال: مارية بنت إلاءة بن عمرو بن كعب ابن الحارث بن الغطريف الأزديّ، حرر من أمره الرُّشاطيّ، وبرهن على ذلك. روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، وأبو داود، والمصنف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. وأما الباقيان فتقدّما قبل باب. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين من الأسود بن شيبان، وشيخه بغداديّ، ووكيع كوفيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ) بفتح الباء الموحّدة، وكسر الشين المعجمة، وبفتح النون، وكسر الهاء (أَنَّ بَشِيرَ ابْنَ الْخَصَاصِيّةِ) هو ابن معبد، وتقدم قريبًا الخلاف، هل الخصاصية أمه، أم جدته؟. وفي "سنن أبي داود": عن بشير، مولى رسول اللَّه ﷺ (١)، وكان اسمه في الجاهليّة زَحْمَ بن معبد، فهاجر إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقال: "ما اسمك؟ "، فقال: زحم، فقال: "بل أنت بشير … ". (قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي، مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) وفي رواية أبي داود: "بينما أنا أُماشي رسولَ اللَّه ﷺ ". وقد ساق الإمام أحمد -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- الحديث مطوّلا، فقال في "المسند": ٢٠٢٦٣ - حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا أسود بن شيبان، عن خالد بن سُمَير، عن بَشِير بن نهيك، عن بشير ابن الخصاصية، بشير رسول اللَّه ﷺ ، قال: كنت أُماشي رسول اللَّه ﷺ ، آخذا بيده، فقال لي: "يا ابن الخصاصية، ما أصبحت تَنقِم على اللَّه ﵎، أصبحتَ تماشي رسوله"، قال: أحسبه قال: "آخذا بيده"، قال: قلت:

стр. 10977

ما أصبحت أنقم على اللَّه شيئا، قد أعطاني اللَّه ﵎، كل خير، قال: فأتينا على قبور المشركين، فقال: "لقد سبق هؤلاء خيرا كثيرا"، ثلاث مرات " ثم أتينا على قبور المسلمين، فقال: "لقد أدرك هؤلاء خيرا كثيرا"، ثلاث مرات، يقولها، قال: فبَصَرَ برجل يمشي بين المقابر في نعليه، فقال: "ويحك، يا صاحب السبتيتين، ألق سبتيتيك"، مرتين، أو ثلاثا، فنظر الرجل، فلما رأى رسول اللَّه ﷺ ، خلع نعليه. حدثنا عبد الصمد، حدثنا الأسود، حدثنا خالد بن سمير، حدثنا بشير بن نهيك، قال: حدثني بشيرُ رسول اللَّه ﷺ وكان اسمه في الجاهلية زَحْمَ بن معبد- فهاجر إلى رسول اللَّه ﷺ ، فسأله، فقال: "ما اسمك؟ قال: زَحْمٌ قال: لا بل أنت بشير، فكان اسمَهُ، قال: بينا أنا أماشي رسول اللَّه ﷺ ، إذ قال: يا ابن الخصاصية، "ما أصبحت تنقم، على اللَّه ﵎، أصبحت تماشي رسول اللَّه ﷺ "، قال أبو شيبان -وهو الأسود بن شيبان-: أحسبه قال" "آخذا بيده"، فقلت: يا رسول اللَّه، بأبي وأمي، ما أنقم على اللَّه شيئا … " فذكر الحديث، وقال: "يا صاحب السبتيتين، ألق سبتيتيك … ". (فَمَرَّ عَلَى قُبُورِ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: "لَقَدْ سَبَقَ هَؤُلَاءِ شَرًّا كَثِيرًا) أي تقدّموا شرّا كثيرًا، وحادوا عنه، حتى جعلوه خلف ظهورهم، وفي رواية أبي داود: "لقد أدرك هؤلاء خيرًا كثيرًا" (ثُمَّ مَرَّ عَلَى قُبُورِ المُشرِكِينَ، فَقَالَ: "لَقَدْ سَبَقَ هَؤُلَاءِ خَيْرًا كَثِيرًا") أي تقدّموا على الخير، وجعلوه خلف ظهورهم. زاد في رواية أبي داود: "ثلاثا"، أي كرر الكلام ثلاث مرات (فَحَانَتْ مِنْهُ الْتِفَاتَةٌ) أي قرُبت منه التفاتة. وفي رواية أبي داود: "ثم حانت من رسول اللَّه ﷺ نظرةٌ" (فَرَأَى رَجُلًا) هو بشير الراوي، كما بُيِّنَ في رواية ابن حزم في "المحلى" من طريق سليمان بن حرب، عن الأسود بن شيبان، قال: بينما أنا أمشي بين المقابر، وعليّ نعلان، إذ ناداني رسول اللَّه ﷺ ، يا صاحب السبتيتين، يا صاحب السبتيتين، إذا كنت في مثل هذا المكان، فاخلع نعليك، قال: فخلعتهما". فتبيّن بهذه الرواية أن الرجل المبهم في رواية المصنّف هو بشير بن الخصاصية ﵁ نفسه. واللَّه تعالى أعلم. (يَمْشِي بَيْنَ الْقُبُورِ، فِي نَعْلَيْهِ) أي وهما سبتيتان (فَقَالَ: "يَا صَاحِبَ البْتِيَّتَيْنِ) وفي رواية أبي داود: "فقال: "يا صاحب السبتيّتين، ويحك ألق سبتيتيك". قال ابن منظور -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: السِّبْتُ بالكسر: كلّ جلد مدبوغ. وقيل: هو المدبوغ بالقَرَظ خاصّة؛ وخصّ بعضهم به جلود البقر، مدبوغة كانت، أم غير مدبوغة. ونعالٌ سِبْتِيّةٌ: لا شعر عليها. وقال الجوهريّ: السِّبْت بالكسر: جلود البقر المدبوغة

стр. 10978

بالقرظ، تحُذَى منه النعال السبتيّة. وقال الأصمعيّ: السِّبتُ الجلد المدبوغ، قال: فإن كان عليه شَعَرٌ، أو صوفٌ، أو وَبَرَ، فهو مُصْحَبٌ. وقال أبو عمرو: النعال السبتيّة: هي المدبوغة بالقَرَظ. وقال الأزهريّ: وحديث النبيّ ﷺ يدلّ على أن السِّبْت ما لا شعر عليه، وفي الحديث: "أن عُبيد ابن جُريج قال لابن عمر: رأيتك تَلبسُ النعال السبتيّة، فقال: رأيت النبيّ ﷺ يلبس النعال التي ليس عليها شعر، ويتوضأ فيها، فأنا أُحبّ أن ألبسها". قال: إنما اعترض عليه؛ لأنها نعال أهل النعمة والسَّعَة، قال الأزهريّ: كأنها سمّيت سبتيّة؛ لأن شعرها قد سُبِتَ عنها، أي حُلق، وأزيل بعلاج من الدباغ، معلومٍ عند دبّاغها. وقال ابن الأعرابيّ: سميت النعال المدبوغة سِبْتِيّةً (١)؛ لأنها انسبتت بالدباغ، أي لانت. وفي تسمية النعل المتخذة من السَّبْت سِبْتًا اتساعٌ، مثل قولهم: فلانٌ يلبس الصوف، والقطن، والإبرَيْسَمَ، أي الثياب المتخذة منها، ويروى سبتيّتين، على النسب. انتهى كلام ابن منظور -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- ببعض تصرف (٢). وقال في "الفتح": "السبتيّة": بكسر السين المهملة، وسكون الموحّدة: هي التي لا شعر فيها، مشتقّة من السَّبْت، وهي الحلق. قاله في "التهذيب". وقيل: السبت جلد البقر المدبوغ بالقَرَظ. وقيل: بالسَّبْت -بضم أوله- وهو نبت يُدبغ به. قاله صاحب "المنتهى". وقال الهَرَويّ: قيل لها: سبتيّة لأنها انسبتت بالدباغ: أي لانت به، يقال: رطبة منسبتة: أي ليّنة انتهى (٣). (أَلْقِهِمَا) أي ارم سبتيّتيك، زافي رواية أبي داود: "فنظر الرجل، فلما عرف رسول اللَّه ﷺ خلعهما، فرمى بهما". وإنما أمر ﷺ بخلعهما، احتراما للمقابر، ولذا قال الإمام أحمد، وصاحب الحاوي، من الشافعيّة: يكره المشي في المقابر بالنعل، مطلقًا، ويسنّ خلعه، إذا دخلها، إلا لضرورة، كخوف نجاسة، أو شوك، أو حرارة أرض. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث بشير ابن الخصاصية - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح (٤).

стр. 10979

المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٠٧/ ٢٠٤٨ - وفي "الكبرى" ١٠٧/ ٢١٧٥. وأخرجه (د) ٣٢٣٠ (ق) ١٥٦٨ (أحمد) ٢١٤٤٦ و ٢٠٢٦٠ و ٢٠٢٦٣. المسألة الثالثة: في اختلاف أهل العلم في حكم المشي بين القبور بالنعال: قال ابن قدامة -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "المغني": قال أحمد: إسناد حديث بشير ابن الخصاصية جيّد، أذهب إليه؛ إلا من علة. وتقدم أن صاحب الحاوي من الشافعية قال بمثله. وذهب المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- إلى أن النهي عن المشي بين القبور بالنعال خاصّ بالسبتيتين، فقط، جمعا بين حديث الباب، وحديث الباب التالي، وبنحو قوله هذا قال أبو محمد ابن حزم -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، فقال في كتابه "المحلّى": لا يحلّ لأحد أن يمشي بين القبور بنعلين سبتيّتين، وساق حديث الباب، من طريق المصنّف بلفظه، وساقه أيضًا من طريق سليمان بن حرب، عن الأسود بن شيبان، كما تقدم قال: "إذا كنت في مثل هذا المكان، فاخلع نعليك … ". قال: فإن قيل: هلّا منعتم من كل نعل؟ لعموم قوله: "فاخلع نعليك". قلنا: منع من ذلك وجهان: "أحدهما": أنه ﵇ إنما دعا صاحب السبتيّتين بنصّ كلامه، ثم أمره بخلع نعليه. "والثاني": ما حدثناه عبد اللَّه بن ربيع، ثم ساق بسنده حديث الباب التالي، من طريق المصنّف، قال: فهذا إخبار منه ﵇ بما يكون بعده، وأن الناس من المسلمين، سيلبسون النعال في مدافن الموتى إلى يوم القيامة، ولم ينه عنه، والأخبار لا تُنسخ أصلا، فصحّ إباحة لباس النعال في المقابر، ووجب استثناء السبتية منها لنصه ﵇ عليها انتهى (١). وذهب الجمهور إلى عدم كراهة لبس النعال مطلقًا، محتجّين بحدث أنس ﵁ الآتي في الباب التالي، وأجابوا عن حديث الباب بأنه إنما أمره بالخلع لاحتمال أن يكون بهما قَذَر، أو لاختياله بهما؛ لأن النعال السبتية إنما يلبسها أهل الترفه، والتنعّم، فأحبّ ﷺ أن يكون دخول المقابر على زيّ التواضع. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الأرجح عندي أن لا يُمشَى بين القبور بالنعال مطلقا، لعموم النصّ، وأما ما ذهب إليه المصنّف، وابن حزم من تخصيص السبتية، تعلّقًا بلفظ "يا صاحب السبتيتين"، فجعلا علة النهي كونهما سبتيتين، ففيه نظر لا يخفى؛ لأن

стр. 10980

الظاهر أن العلة كونهما نعلين، لا سبتيتين؛ لأنه ﷺ علق الأمر به، حيث قال: "فاخلع نعليك "، فهو أقرب علة مذكورة مع الحكم، فالعدول عنها إلى التعليل بالسبتية عدول إلى خلاف الظاهر، وما ذكره ابن حزم من الوجهين للمنع عن التعليل به، ففيه بُعدٌ. فتبصّر. وأما ما أوّل به الجمهور، من أن أمره ﷺ بالخلع لاحتمال أنه كان بهما قَذَر، فبعيد؛ لأنه ثبت عنه ﷺ أمره من رأى القذر في نعليه أن يمسح نعليه، ويصلي بهما، ولا يخلعهما، فكيف يأمره هنا بالخلع لذلك. وكذا قولهم: إنما أمره بذلك لاختياله، لأن النعال السبتية إنما يلبسها أهل الترفّه والتنعّم غير صحيح؛ لأنه ﷺ كان يلبس النعال السبتية، كما ثبت في "الصحيح" من حديث ابن عمر ﵄. وأما استدلالهم على جواز المشي بالنعال بين القبور مطلقًا بحديث أنس ﵁ الآتي في الباب التالي: "إنه ليسمع قرع نعالهم"، ففيه نظر لا يخفى أيضًا، إذ يبعده قوله: "وتولَّى عنه أصحابه"، إذ نصّ الحديث: "إذا وُضع الميت في قبره، وتولى عنه أصحابه، إنه ليسمع قرع نعالهم"، فظاهره كون لبسهم النعال عند توليهم عن دفنه، لا بين القبور، فلا يصلح الاستدلال به على الجواز. والحاصل أن الأرجح أن لا تُلبَس النعال مطلقًا بين القبور، إلا للضرورة، فأما إذا دعت ضرورة إلى ذلك، بأن كانت الأرض ذات شوك، أو حرارة، أو نحوهما فلا ينهى عنه، لقول اللَّه تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ الآية [الأنعام: ١١٩]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٠٨ - التَّسْهِيلُ فِي غَيْرِ السِّبْتِيَّةِ ٢٠٤٩ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ الْوَرَّاقُ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ, عَنْ سَعِيدٍ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ أَنَسٍ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ, وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ, إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ». رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أحمد بن أبي عبيد اللَّه) بشر السَّلِيميّ -بفتح المهملة، وكسر اللام- الأزديّ

стр. 10981

الورّاق، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقة [١٠]. قال النسائي: ثقة. وقال في موضع آخر: لا بأس به. مات بعد (٢٤). روى عنه الترمذيّ، والمصنف هذا الحديث فقط، وأعاده بعد باب. ٢ - (يزيد بن زُريع) أبو معاوية البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٥/ ٥. ٣ - (سعيد) بن أبي عروبة مهران، أبو النضر البصريّ، ثقة ثبت، يدلس، واختلط بآخره [٦] ٣٤/ ٣٨. ٤ - (قتادة) بن دعامة المذكور قبل باب. ٥ - (أنس) بن مالك ﵁ ٦/ ٦. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه كما سبق آنفًا. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه أنسًا ﵁ أحد المكثرين السبعة، وآخر من مات بالبصرة من الصحابة ﵃. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أنَسٍ) ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ) هذا الحديث اختصره المصنّف ﵀ تعالى، وسيأتي له في الباب التالي، والذي بعده بأتمّ من هذا، وقد ساقه مطوّلاً الإمام أحمد، وأبو داود، واللفظ له، فقال في "كتاب السنّة" من "سننه": ٤٧٥١ - حدثنا محمد بن سليمان الأنباري، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء الخَفَّاف، أبو نصر، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك، قال: إن نبي اللَّه ﷺ ، دخل نخلا لبني النجار، فسمع صوتا، ففزع، فقال: "مَن أصحاب هذه القبور؟ "، قالوا: يا رسول اللَّه، ناس ماتوا في الجاهلية، فقال: "تعوذوا باللَّه، من عذاب النار، ومن فتنة الدجال"، قالوا: ومم ذاك يا رسول اللَّه؟ قال: "إن المؤمن إذا وضع في قبره، أتاه ملك، فيقول له: "ما كنت تعبد؟ فإنِ اللَّهُ هداه، قال: كنت أعبد اللَّه، فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟، فيقول: هو عبد اللَّه ورسوله، فما يسأل عن شيء غيرها، فيُنطلَق به إلى بيت، كان له في النار، فيقال له: هذا بيتك، كان لك في النار، ولكن اللَّه عصمك، ورحمك، فأبدلك به بيتا في الجنة، فيقول: دعوني، حتى أذهب، فأبشر أهلي، فيقال له: اسكن، وإن الكافر، إذا وضع في قبره، أتاه ملك، فينتهره، فيقول له: ما كنت تعبد؟، فيقول: لا أدري، فيقال له: لا دريت، ولا تليت، فيقال له: فما

стр. 10982

كنت تقول في هذا الرجل؟، فيقول: كنت أقول: ما يقول الناس، فيضربه بمطراق، من حديد بين أذنيه، فيصيح صيحة، يسمعها الخلق، غير الثقلين". حدثنا محمد بن سليمان حدثنا عبد الوهاب بمثل هذا الإسناد نحوه قال: "إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه، إنه ليسمع قرع نعالهم، فيأتيه ملكان، فيقولان له … "، فذكر قريبًا من حديث الأول، قال فيه: "وأما الكافر، والمنافق، فيقولان له"، زاد المنافق، وقال: "يسمعها من وليه، غير الثقلين … ". (إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ) بالبناء للمفعول (فِي قَبْرِهِ، وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ) أي القوم الذين يتولّون دفنه (إِنَّهُ لَيَسْمَعُ) ظاهره أن هذه الجملة خبر "إن" الأولى، وجواب "إذا" دلّ عليه السابق واللاحق، لكن الذي تدلّ عليه الرواية الآتية، أن جواب "إذا" محذوف، أي "أتاه ملكان"، وموضع "إنه ليسمع الخ" نصب على الحال. وفي رواية البخاريّ: "حتى إنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان"، وفي رواية له: "وإنه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان" (قَرْعَ نِعَالِهِمْ") أي تصويتها، وفي حديث البراء ﵁ عند أحمد، وأبي داود، في أثناء حديث طويل: "وإنه ليسمع خَفْق نعالهم"، وخَفْقُ النعال: تصويتها، فهو بمعنى قرع النعال. وهذا محل استدلال المصنّف على ترجمته، لكن في استدلاله به نظر؛ لأنه لا يستلزم أن يكون قرع النعال على القبور، بل الظاهر أنه بعد توليهم عنه، وأصرح منه ما أخرجه البزّار، وابن حبان في "صحيحه" من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ : "إن الميت ليسمع خفق نعالهم، إذا ولّوا مدبرين"، وقد تقدم تمام البحث في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث سيأتي بأتمّ مما هنا في الباب التالي، والذي بعده، وسيأتي ذكر مسائده هناك، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٠٩ - الْمَسْأَلَةُ فِي الْقَبْرِ قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أراد به مسألة المسلم، بدليل الترجمة التالية، وقد صرّح به في "الكبرى"، فقال: "مسألة المسلم في القبر". واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

стр. 10983

٢٠٥٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ, وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ, قَالَا: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ, عَنْ شَيْبَانَ, عَنْ قَتَادَةَ, أَنْبَأَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ, قَالَ: قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ, وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ, إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ» -قَالَ-: «فَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ, فَيُقْعِدَانِهِ, فَيَقُولَانِ لَهُ, مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ , فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ, فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ, فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ, قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ, مَقْعَدًا مِنَ الْجَنَّةِ» , قَالَ: النَّبِيُّ ﷺ «فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا». رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن عبد اللَّه بن المبارك) المخرِّميّ المذكور قبل باب. ٢ - (إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق) الْجُوزَجَانيّ، نزيل دمشق، ثقة حافظ، رُمي بالنصب [١١] ١٢٢/ ١٧٤. ٣ - (يونس بن محمد) بن مسلم المؤدّب، أبو محمد البغداديّ، ثقة ثبت، من صغار [٩] ١٥/ ١٦٣٢. ٤ - (شيبان بن عبد الرحمن) التميميّ مولاهم، أبو معاوية النحويّ البصريّ، نزيل الكوفة، ثقة صاحب كتاب [٧] ١٣/ ٣٤٧. والباقيان تقدما في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعَامة السدوسيّ البصريّ، أنه قال (أَنْبَأَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) ﵁ (قَالَ: قَالَ: نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ، وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، إِنَّهُ لَيَسْمَعُ) وفي رواية للبخاريّ: "وإنه ليسمع قرِع نعالهم" بالواو. زاد في رواية مسلم: "إذا انصرفوا" (قَرْعَ نِعَالِهِمْ" -قَالَ:-: فَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ) وفي الرواية التالية: "أتاه ملكان"، زاد ابن حبّان، والترمذيّ، من طريق سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة ﵁: "أسودان، أزرقان، يقال لأحدهما المنكر، وللآخر النكير"، وفي رواية ابن حبّان: "يقال لهما: منكر ونكير"، زاد الطبرانيّ في "الأوسط" من طريق أخرى، عن أبي هريرة: "أعينهما مثل قِدْر النحاس، وأنيابهما مثل صياصي البقر (١)، وأصواتهما مثل الرعد"، ونحوه لعبد الرزاق،

стр. 10984

من مرسل عمرو بن دينار، وزاد: "يحفران بأنيابهما، ويطآن في أشعارهما، معهما مِرْزبة، لو اجتمع عليها أهل منى لم يُقلّوها". وأرود ابن الجوزيّ في "الموضوعات" حديثًا، فيه "أن فيهم رومان، وهو كبيرهم". وذكر بعض الفقهاء أن اسم اللذَينِ يسألان المذنب منكر ونكير، وأن اسم اللذَينِ يسالان المطيع مبشّر وبشير (١) (فَيُقْعِدَانِهِ) بضم الياء، من الإقعاد، زاد في حديث البراء، فتعاد روحه في جسده"، وزاد ابن حبّان من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁: "فإذا كان مؤمنًا، كانت الصلاة عند رأسه، والزكاة عن يمينه، والصوم عن شماله، وفعل المعروف من قبل رجليه، فيقال له: اجلس، فيجلس، وقد مثّلت له الشمس عند الغروب"، زاد ابن ماجه، من حديث البراء: "فيجلس، فيمسح عينيه، ويقول: دعوني أصلي". (فَيَقُولَانِ لَهُ، مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟) أي في الرجل المشهور بين أظهركم، ولا يلزم منه الحضور، وئركهما ما يشعر بالتعظيم؛ لئلا يصير تلقينا، وهو لا يناسب موضع الاختبار. قاله السنديّ. زاد في الرواية التالية: "محمد ﷺ "، وزاد أبو داود في أوده: "ما كنت تعبد؟، فإن هداه اللَّه، قال: كنت أعبد اللَّه، فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ "، ولأحمد من حديث عائشة ﵂: "ما هذا الرجل الذي كان فيكم". (فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ، فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ،) ولأحمد من حديث أبي سعيد ﵁. "فإن كان مؤمنا قال: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا عبده ورسوله، فيقال له: صدقت". زاد أبو داود: "فلا يسألانه عن شيء غيرهما"، وفي حديث أسماء بنت أبي بكر عند البخاريّ: "فأما المؤمن، أو الموقن، فيقول: محمد رسول اللَّه، جاءنا بالبينات والهدى، فأجبنا، وآمنّا، واتبعنا، فيقال له: نَمْ صالحا". وفي حديث أبي سعيد، عند سعيد بن منصور: "فيقال له: نَمْ نَوْمة العروس، فيكون في أحلى نومة نامها أحد، حتى يُبعث". وللترمذيّ في حديث أبي هريرة: "ويقال له: نم نومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحبّ أهله إليه، حتى يبعثه اللَّه من مضجعه ذلك". ولابن حبّان، وابن ماجه، من حديث أبي هريرة، وأحمد من حديث عائشة: "ويقال له: على اليقين كنت، وعليه متّ، وعليه تبعث إن شاء اللَّه". (فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَقعَدِكَ مِنَ النَّارِ، قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بهِ، مَقْعَدًا مِنَ الْجَنَّةِ") وفي رواية أبي داود: فيقال له: هذا بيتك كان في النار، ولكن اللَّهَ عصمك، ورحمك، فأبدلك به بيتًا في الجنّة، فيقول: دعوني حتى أذهب، فأبشّر أهلي، فيقال له:

стр. 10985

اسكت". وفي حديث أبي سعيد عند أحمد: "كان هذا منزلك لو كفرت بربك". ولابن ماجه من حديث أبي هريرة ﵁ بإسناد صحيح: "فيقال له: هل رأيت اللَّه؟ فيقول: ما ينبغي لأحد أن يرى اللَّه، فتُفرَج له فرجة قِبَل النار، فينظر إليها، يحطم بعضها بعضًا، فيقال له: انظر ما وقاك اللَّه". وفي رواية للبخاري عن أبي هريرة: "لا يدخل أحد الجنة إلا أُري مقعده من النار، لو أساء؛ ليزداد شكرًا"، وذكر عكسه (١) (قَالَ: النَّبِيُّ ﷺ : "فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا") أي يرى مقعده من النار، ومقعده من الجنة. [تنبيه]: ذكر في رواية البخاريّ من طريق سعيد بن أبي عروبة: ما نصه: "قال قتادة: وذكر لنا أنه يُفسح له في قبره"، قال في "الفتح": زاد مسلم من طريق شيبان، عن قتادة: "سبعون ذراعًا، ويُملأ خضرًا إلى يوم يبعثون". قال الحافظ: ولم أقف على هذه الزيادة موصولة من حديث قتادة. وفي حديث أبي سعيد، من وجه آخر عند أحمد: "ويُفسح له في قبره". وللترمذيّ، وابن حبان من حديث أبي هريرة: "فيفسح له في قبره سبعين ذراعا"، زاد ابن حبان "في سبعين ذراعًا". وله من وجه آخر عن أبي هريرة "ويرحب له في قبره سبعون ذراعا، وينوّر له كالقمر ليلة البدر". وفي حديث البراء الطويل: "فينادي مناد من السماء، أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وافتحوا له بابًا في الجنة، وألبسوه من الجنة، قال: فياتيه من رَوْحها، وطيبها، ويفسح له فيها مدّ بصره". زاد ابن حبّان من وجه آخر، عن أبي هريرة "فيزداد غِبْطةً وسرورًا، فيعاد الجلد إلى ما بدأ منه، وتجعل روحه في نسم طائر يَعْلُقُ (٢) في شجر الجنّة". وسيأتي للمصنف من حديث كعب بن مالك ﵁ عن رسول اللَّه ﷺ قال: "إنما نسمة المؤمن طائر في شجر الجنة، حتى يبعثه اللَّه إلى جسده يوم القيامة". وفي "صحيح مسلم" من حديث ابن مسعود ﵁: "أرواح الشهداء في جوف طير خُضْر، لها قناديل معلّقة بالعرش، تسرح في الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل … " الحديث. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: المسائل المتعلقة بهذا الحديث ستأتي إن شاء اللَّه تعالى في الباب التالي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". …

стр. 10986

١١٠ - مَسْأَلَةُ الْكَافِرِ ٢٠٥١ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ, عَنْ سَعِيدٍ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ أَنَسٍ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ, وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ, إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ, أَتَاهُ مَلَكَانِ, فَيُقْعِدَانِهِ, فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ, مُحَمَّدٍ؟ , فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ, فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ, فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ, قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ, مَقْعَدًا خَيْرًا مِنْهُ». قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا". وَأَمَّا الْكَافِرُ, أَوِ الْمُنَافِقُ, فَيُقَالُ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ , فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي, كُنْتُ أَقُولُ كَمَا يَقُولُ النَّاسُ, فَيُقَالُ لَهُ: لَا دَرَيْتَ, وَلَا تَلَيْتَ, ثُمَّ يُضْرَبُ ضَرْبَةً, بَيْنَ أُذُنَيْهِ, فَيَصِيحُ صَيْحَةً, يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ, غَيْرُ الثَّقَلَيْنِ». قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث تقدّم سندًا ومتنًا قبل باب، وتقدم شرحه، غير ما ترجم له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو الجزء الذي يتعلق بالكافر، فهذا موضع شرحه، فأقول: مستعينًا باللَّه تعالى: قوله (وَأمَّا الْكَافِرُ، أَوِ المُنَافِقُ) هكذا في رواية المصنّف بالشك، وهي رواية للبخاريّ أيضًا، وفي رواية له: "وأما الكافر، والمنافق" بواو العطف. وفي رواية أبي داود المتقدمة قبل باب: "وأن الكافر إذا وضع"، وكذا لابن حبّان من حديث أبي هريرة ﵁، وكذا في حديث البراء الطويل، وقد تقدم، وفي حديث أبي سعيد عند أحمد: "وإن كان كافرًا، أو منافقًا" بالشكّ، وله في حديث أسماء: "فإن كان فاجرًا، أو كافرًا"، وفي "الصحيحين" من حديثها: "وأما المنافق، أو المرتاب"، وفي حديث جابر عند عبد الرزاف، وحديث أبي هريرة عند الترمذيّ: "وأما المنافق"، وفي حديث عائشة عند أحمد، وأبي هريرة عند ابن ماجه: "وأما الرجل السوء". وللطبرانيّ من حديث أبي هريرة: "وإن كان من أهل الشكّ". قال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: فاختلفت هذه الروايات لفظًا، وهي مجتمعة على أن كُلًّا من الكافر والمنافق يُسأل، ففيه تعقّب على من زعم أن السؤال إنما يقع على من يدّعي الإيمان، إن محقّا، وإن مبطلًا، ومستندهم في ذلك ما رواه عبد الرزّاق من طريق عُبيد بن عُمير، أحد كبار التابعين، قال: "إنما يُفتن رجلان: مؤمن، ومنافق، وأما الكافر فلا يُسأل عن محمد ﷺ ، ولا يعرفه". وهذا موقوف، والأحاديث الناصّة على أن

стр. 10987

الكافر يُسأل مرفوعةٌ، مع كثرة طرقها الصحيحة، فهي أولى بالقبول. وجزم الترمذيّ الحكيم بأن الكافر يُسأل، واختلف في الطفل، غير المميّز، فجزم القرطبيّ في "التذكرة" بأنه يُسأل، وهو منقول عن الحنفية، وجزم غير واحد من الشافعيّة بأنه لا يسأل، ومن ثمّ قالوا: لا يُستحبّ أن يُلقّن. واختلف أيضًا في النبيّ، هل يسأل، وأما الملك، فلا أعرف أحدًا ذكره، والذي يظهر أنه لا يسأل؟ لأن السؤال يختصّ بمن شانه أن يُفتن. وقد مال ابن عبد البرّ إلى الأول، وقال: الآثار تدلّ على أن الفتنة لمن كان منسوبًا إلى أهل القبلة، وأما الكافر الجاحد، فلا يسأل عن دينه. وتعقّبه ابن القيّم في "كتاب الروح"، وقال: في الكتاب والسنّة دليل على أن السؤال للكافر والمسلم، قال اللَّه تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ الآية [سورة إبراهيم ﵇: ٢٧]، وفي حديث أنس ﵁ في البخاريّ: "وأما المنافق والكافر" بواو العطف. وفي حديث أبي سعيد: "فإن كان مؤمنا -فذكره، وفيه-: فيأتيه منكر ونكير … " الحديث، أخرجه أحمد هكذا، قال: وأما قول أبي عمر: فأما الكافر الجاحد، فليس ممن يُسال عن دينه. فجوابه أنه نفي بلا دليل، بل في الكتاب العزيز الدلالة على أن الكافر يسأل عن دينه، قال اللَّه تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦]، وقال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. قال الحافظ: لكن للنافي أن يقول: إن هذا السؤال يكون يوم القيامة انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تخصيص هذا السؤال بيوم القيامة مما لا دليل عليه، بل السؤال يكون في القبر، وفي القيامة، فالصواب ما قاله ابن القيّم -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. واللَّه تعالى أعلم. (فَيُقَالُ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟، فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي) وفي رواية أبي داود المتقدّمة: وإن الكافر إذا وُضع في قبره أتاه ملك، فينتهره، فيقول له: ما كنت تعبد؟ "، وفي أكثر الأحاديث: "فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ ". وفي حديث البراء المتقدّم: "فيقولان له: مَن ربّك؟، فيقول: هاه هاه، لا أدري، فيقولان له: ما دينك؟، فيقول هاه هاه، لا أدري، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري"، وهو أتمّ الأحاديث سياقًا. (كُنْتُ أَقُولُ: كَمَا يَقُولُ النَّاسُ) وفي رواية للبخاريّ: "كنت أقول: ما يقول الناس"، وفي حديث أسماء عنه: "سمعت الناس يقولون شيئًا، فقلته"، وكذا في أكثر الأحاديث.

стр. 10988

وأراد بذلك أنه كان مقلّدًا في دينه، فلم يكن منفردًا عنهم بمذهب، فلا اعتراض عليه حقّا، كان ما عليه، أو باطلاً. وفيه ذمّ التقليد في الاعتقاد، بل يجب أن يعتقد عالما جازمًا. (فَيُقَالُ لَهُ: لَا دَرَيْتَ) أي لا حققت بنفسك أمر الدين (وَلَا تَلَيْتَ) أي ولا تبعت مَن حقّق الأمر على وجهه. قيل: أصله: تلوت بالواو، بمعنى قرأت، إلا أنه قُلبت الواو للازدواج. وقال في "الفتح": قوله: "ولا تليت" كذا في أكثر الروايات بمثناة مفتوحة، بعدها لام مفتوحة، وتحتانيّة ساكنة. قال ثعلب: قوله: "تليت" أصله تلوت، أي لا فهمت، ولا قرأت القرآن، والمعنى لا دريت، ولا اتبعت من يدري، وإنما قاله بالياء لمؤاخاة "دريت". وقال ابن السّكّيت: قوله: "تليت" إتباع، ولا معنى لها. وقيل: صوابه: ولا ائتليت، بزيادة همزتين، قبل المثناة بوزن افتعلت، من قولهم: ما ألوت، أي ما استطعت، حُكِيَ ذلك عن الأصمعيّ، وبه جزم الخطّابيّ. وقال الفرّاء: أي قصرت، كأنه قيل له: لا دريت، ولا قصرت في طلب الدراية، ثم أنت لا تدري. وقال الأزهريّ: الألَوُ يكون بمعنى الجهد، وبمعنى التقصير، وبمعنى الاستطاعة. وحكى ابن قتيبة، عن يونس بن حبيب أن صواب الرواية "لا دريت، ولا أتليت" بزيادة ألف، وتسكين المثنّاة، كأنه يدعو عليه بأن لا يكون له من يتبعه، وهو من الإتلاء، يقال: ما أتلت إبلُهُ، أي لم تلد أولادًا يتبعونها. وقال: قول الأصمعيّ أشبه بالمعنى، أي لا دريت، ولا استطعت أن تدري. ووقع عند أحمد، من حديث أبي سعيد: "لا دريت، ولا اهتديت"، وفي مرسل عبيد بن عمير، عند عبد الرزاق: "لا دريت، ولا أفلحت". (ثُمَّ يُضْرَبُ) بالبناء للمفعول. زاد في رواية البخاريّ: "بمطارق من حديد". وفي حديث البراء "لو ضرب بها جبل لصار ترابا". وحديث أسماء: "ويسلّط عليه دابّة في قبره، معها سوط، ثمرته جمرة، مثل غرب البعير، تضربه ما شاء اللَّه، صمّاء، لا تسمع صوته، فترحمه". وزاد في أحاديث أبي سعيد، وأبي هريرة، وعائشة التي أشرنا إليها: "ثم يُفتح له باب إلى الجنة، فيقال له: هذا منزلك لو آمنت بربك، فأما إذ كفرت، فإن اللَّه أبدلك هذا، ويفتح له باب إلى النار". زاد في حديث أبي هريرة: "فيزداد حسرة، وثبورا، ويضيّق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه". وفي حديث البراء: "فينادي مناد من السماء: أفرشوه من النار، وألبسوه من النار، وافتحوا له بابًا إلى النار، فيأتيه من حرّها، وسَمُومها". (ضَرْبَةً، بَيْنَ أُذُنَيْهِ) أي على وجهه (فَيَصِيحُ صَيْحَةً، يَسْمَعُهَا مَن يَلِيهِ، غَيْرُ الثَّقَلَيْنِ")

стр. 10989

أي الإنس، والجنّ، قيل لهم: ذلك، كالثقل على وجه الأرض. وفي حديث البراء: "يسمعه من بين المشرق والمغرب". وفي حديث أبي سعيد، عند أحمد: "يسمعه خلق اللَّه كلهم غير الثقلين، وهذا يُدخل الحيوان والجماد، لكن يمكن أن يُخصّ منه الجماد، ويؤيده أن في حديث أبي هريرة عند البزّار: "يسمعه كلّ دابة إلا الثقلين". قال المهلّب: الحكمة في أن اللَّه يُسمع الجن قول الميت قدِّموني، ولا يُسمعهم صوته إذا عذّب، أن كلامه قبل الدفن متعلّق بأحكام الدنيا، وصوته إذا عذّب في القبر متعلّق بأحكام الآخرة، وقد أخفى اللَّه على المكلفين أحوال الآخرة، إلا من شاء اللَّه، إبقاءً عليهم، كما تقدم انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس ﵁ هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١١٠/ ٢٠٥١ - ١٠٨/ ٢٠٤٩ و ١٠٩/ ٢٠٥٠ وفي " الكبرى" ١٠٨/ ٢١٧٦ و ١٩/ ٢١٧٧ و ١١٠/ ٢١٧٨. وأخرجه (خ) ١٣٣٨ و ١٣٧٤ (م) ٢٨٧١ (د) ٣٢٣١ و ٤٧٥١ (أحمد) ١١٨٦ و ١٣٠٣٤. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فى فوائده: منها: ما بوّب له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو إثبات سؤال الكافر في القبر، وهذا القول هو الراجح، كما تقدّم قريبًا. ومنها: إثبات سؤال المؤمن في القبر، وهذا مما لا خلاف فيه. ومنها: إثبات سماع الميت قرع نعال من يدفنه، إذا انصرفوا من دفنه. ومنها: أن الذي يَسأل في القبر ملكان، اسم أحدهما منكر، واسم الآخر نكير. ومنها؟ أن سؤال القبر يكون عن التوحيد، ففيه بيان عظم شأن التوحيد. ومنها: أن من يُسال في قبره ينقسم إلى فسمين: مؤمن مخلص موفّق للإجابة، فيبشر برحمة اللَّه، وجنته، وغير مؤمن، فيَضِلّ عن الجواب، فيبشر بعذاب اللَّه، وسوء عاقبته، نسأل اللَّه تعالى أن يثبّتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا، وفي الآخرة، إنه بعباده لرؤوف رحيم. ومنها: أن فيه ذمّ التقليد في أمور الدين، ولا سيما باب العقائد؛ لمعاقبة من قال: "كنت أسمع الناس، يقولون شيئًا، فقلته"، فالواجب على المكلّف الاتباع، لا التقليد. وليُعلَم الفرق بين الاتباع والتقليد، فإن الأول الاقتداء عن جزم، ويقين، وهو الذي أمر اللَّه تعالى به من لا يعلم، فقال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، ومن علامته أن المتبع إذا بُيِّنَ له أن العالم الذي أفتاه قد أخطأ في هذه

стр. 10990

المسألة، يتركه، ويسأل من هو أعلم منه، وما هو الصواب فيها، فيتبعه، ولا يعاند. وأما التقليد فهو الأخذ بقول الغير، من غير معرفة دليله، بل هو مجرّد اتباع للرأي المحض، سواء أصاب، أو أخطأ، ومن علامته أنه يعتقد أن خطأه أفضل من صواب غيره، بدليل أنه إذا ذُكر له أن مقلّده مخطئ مخالف للنصوص في هذه المسألة لا يتراجع عنه، بل يتمادى، ويعارض النصوص بدعوى أن مُقلَّدَه أعلم من غيره بالنصوص، وهذه هي الطامّة الكبرى التي حلّت بالمسلمين بعد القرون المفضّلة، ومن العجب العُجاب أن ترى هذه الصفة فيمن ينتسب إلى العلم، بل ربما يدّعي معرفة الأحاديث، فإنا للَّه، وإنا إليه راجعون. ومنها: أن الميت يحيا في قبره للمسألة؛ خلافًا لمن ردّه، واحتجّ بقوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ الآية [غافر: ١١]، قال: فلو كان يحيا في قبره للزم أن يحيا ثلاث مرّات، ويموت ثلاثًا، وهذا خلاف النصّ. والجواب عنه أن المراد بالحياة في القبر للمسألة، ليست الحياة المستقرّة المعهودة في الدنيا التي تقوم فيها الروح بالبدن، وتدبيره، وتصرّفه، وتحتاج إلى ما يحتاج إليه الأحياء، بل هي مجرّد إعادة لفائدة الامتحان، الذي وردت به الأحاديث الصحيحة، فهي إعادة عارضة، كما حيي خلق لكثير من الأنبياء؛ لمسألتهم لهم عن أشياء، ثم عادوا موتى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: قال في "الفتح": ما حاصله: هل تختصّ مسألة القبر بهذه الأمة، أم وقعت على الأمم قبلها؟ ظاهر الأحاديث الأَوّلُ، وبه جزم الحكيم الترمذيّ، وقال: كانت الأمم قبل هذه الأمة، تأتيهم الرسل، فإن أطاعوا، فذاك، وإن أبوا اعتزلوهم، وعوجلوا بالعذاب، فلما أرسل اللَّه محمدًا ﷺ رحمة للعالمين أُمسك عنهم العذاب، وقُبل الإسلام ممن أظهره، سواء أسرّ الكفر، أولا، فلما ماتوا قيّض اللَّه لهم، فَتَّاني القبر؛ ليستخرج سرّهم بالسؤال، وليميّز اللَّه الخبيث من الطيب، ويُثَبِّت اللَّه الذين آمنوا، وُيضلّ اللَّه الظالمين انتهى. قال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: ويؤيّده حديث زيد بن ثابت، مرفوعًا: "إن هذه الأمة تُبتلى في قبورها … " الحديث. أخرجه مسلم. ومثله عند أحمد، عن أبي سعيد، في أثناء حديث. ويؤيده أيضًا قول الملكين: "ما تقول في هذا الرجل محمدٍ". وحديث عائشة عند أحمد أيضًا، بلفظ: "وأما فتنة القبر فبي تُفتتنون، وعنّي تسألون". وجنح ابن القيّم إلى الثاني، وقال: وليس في الأحاديث ما ينفي المسألة عمن تقدّم من الأمم، وإنما أخبر النبيّ ﷺ أمته بكيفية امتحانهم في القبور، لا أنه نفى ذلك عن

стр. 10991

غيرهم، قال: والذي يظهر أن كلّ نبيّ مع أمته كذلك، فتعذّب كفارهم في قبورهم، بعد سؤالهم، وإقامة الحجة عليهم، كما يُعذّبون في الآخرة بعد السؤال، وإقامة الحجة انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي القول الأوّل أرجح، لظواهر الأحاديث، وأَمَّا إثباته للأمم السابقة، فيحتاج إلى دليل خاصّ، وأما ثبوت العذاب لهم في القبر، وما بعده، فهذا مما لا ينكر، للنصوص الدالة عليه، كقوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]، لكن لا يلزم منه أن يكون هناك سؤال على الكيفية التي ثبتت لهذه الأمة، كما تقدّم بيانه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١١١ - مَنْ قَتَلَهُ بَطْنُهُ قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أراد به بيان فضل من مات بمرض بطنه، كالإسهال، ونحوه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٠٥٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, عَنْ شُعْبَةَ, قَالَ: أَخْبَرَنِي جَامِعُ بْنُ شَدَّادٍ, قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَسَارٍ, قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا, وَسُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ, وَخَالِدُ بْنُ عُرْفُطَةَ, فَذَكَرُوا أَنَّ رَجُلاً, تُوُفِّيَ مَاتَ بِبَطْنِهِ, فَإِذَا هُمَا يَشْتَهِيَانِ, أَنْ يَكُونَا شُهَدَاءَ جَنَازَتِهِ, فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلآخَرِ: أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ يَقْتُلْهُ بَطْنُهُ, فَلَنْ يُعَذَّبَ فِي قَبْرِهِ»؟ , فَقَالَ الآخَرُ: بَلَى. رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (جامع بن شدّاد) أبو صخرة المحاربيّ الكوفيّ، ثقة [٥] ١٠٨/ ١٤٥. ٢ - (عبد اللَّه بن يسار) الجهنيّ الكوفيّ، ثقة، من كبار [٣]. روى عن حذيفة، وعليّ، وسليمان بن صُرَد، وخالد بن عُرْفُطَة، وغيرهم. وعنه ابنه عمار، والأعمش، ومنصور، وجامع بن شدّاد، وغيرهم. قال النسائيّ: ثقة. وذكره

стр. 10992

ابن حبّان في "الثقات". روى له أبو داود، والمصنف، وله عنده حديثان فقط، هذا، و ٣٧٧٣ حديث: "فأمرهم النبيّ ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا .. " الحديث. ٣ - (سليمان بن صُرَد) -بضم المهملة، وفتح الراء- ابن الْجون الخزاعيّ، أبو مطرّف الكوفيّ، صحابيّ قُتل بعين الوردة سنة (٦٥) ١٥٨/ ٢٥٠. ٤ - (خالد بن عُرْفُطة) بن أبرهة، ويقال: أبرة بن سنان القُضاعيّ الْعُذريّ، صحابيّ، روى عن النبيّ ﷺ ، وعن عمر. وعنه أبو عثمان النهديّ، وأبو إسحاق السبيعيّ، وعبد اللَّه بن يسار الجهنيّ، وغيرهم. قال الطبرانيّ: كان خليفة سعد بن أبي وقّاص على الكوفة. وقال ابن أبي عاصم: مات سنة (٦١). قال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وذكر الدولابيّ أن المختار بن أبي عُبيد قتله بعد موت يزيد بن معاوية، فيكون ذلك بعد سنة (٦٤). واللَّه أعلم. روى له الترمذيّ، والمصنف حديث الباب فقط. و"محمد بن عبد الأعلى": هو الصنعانيّ البصريّ. و"خالد": هو ابن الحارث الهجيميّ البصريّ، و"شعبة": هو ابن الحجاج الإمام المشهور، وكلهم تقدّموا قريبًا. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة، ومن بعده كوفيون. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث عن عبد اللَّه بن يسار الجهني -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- أنه (قال: كُنْتُ جَالِسًا، وَسُلَيمَانُ بْنُ صُرَدٍ) بالرفع عطفا على الضمير؛ لوجود فاصل، كما قال ابن مالك -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "خلاصته": وَإِنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَّصِلْ … عَطَفْتَ فَاقصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ أَوْ فَاصِلً مَا وَبِلَا فَصْلٍ يَرِدْ … فِي النَّظمِ فَاشِيًا وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ ويحتمل أن ينصب على أنه مفعول معه، كما قال ابن مالك أيضًا: يُنْصَبُ تَالِي الوَاوِ مَفْعُولاً مَعَهْ … فِي نَحْوِ سِيرِي وَالطَّرِيقَ مُسْرِعَهْ بِمَا مِنَ الْفِعْلِ وَشِبْهِهِ سَبَقْ … ذَا النَّصْبُ لَا بِالْوَاوِ فِي الْقَوْلِ الأَحَقُّ

стр. 10993

ويؤيد هذا الوجه ما في "الكبرى" بلفظ: "مع سليمان بن صرد الخ". (وخَالِدُ بْنُ عُرْفُطَةَ) بضمّ العين المهملة، وسكون الراء، وضم الفاء، وإعرابه كسابقه (فَذَكَرُوا) أي ذكر القوم الحاضرون في المجلس (أَنَّ رَجُلًا، تُوُفِّيَ مَاتَ) بدل من "تُوفّى" (بِبَطْنِهِ) أي بسبب مرض بطنه (فَإِذَا هُمَا يَشْتَهِيَانِ) "إذا" فجائيّة، أي ففاجأ اشتهاؤهما (أَنْ يَكُونَا شَهِدَا جَنَازَتَهُ) بصيغة الماضي المسند لضمير الاثنين، ونصب "جنازته" على المفعولية، هكذا في النسخة "الهندية"، و"الكبرى"، ووقع في النسخ المطبوعة: "شُهداء جنازته"، بصيغة جمع شهيد، وإضافته إلى "جنازته"، والأول أوضح، وللثاني وجه أيضًا، وهو أن تقدّر "من"، أي من شهداء جنازته (فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلآخَرِ: أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ يَقْتُلْهُ) "من" شرطيّة، فلذا جزم فعل شرطها، ودخلت الفاء في جوابها، ويحتمل أن تكون موصولة، والفعل مرفوع، ودخلت الفاء في خبرها لشبهها بالشرطية (بَطْنُهُ) قال ابن الأثير -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: أي الذي يموت بمرض بطنه؛ كالاستسقاء، ونحوه انتهى (١). وقال القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "التذكرة": فيه قولان: أحدهما: أنه الذي يصيبه الذّرَب، وهو الإسهال، تقول العرب: أخذه البطن، إذا أصابه الداء، وذَرِب الجرحُ: إذا لم يقبل الدواء، وذربت معدته: فسدت. والثاني: أنه الاستسقاء، وهو أظهر القولين فيه؛ لأن العرب تنسب موته إلى بطنه، تقول: قتله بطنه، يعنون الداء الذي أصابه في جوفه، وصاحب الاستسقاء قلّ أن يموت إلا بالذّرب، فكأنه قد جمع الوصفين، وغيرهما من الأمراض، والوجود شاهد للميت بالبطن أن عقله لا يزال حاضرًا، وذهنه باقيًا إلى حين موته؛ ومثل ذلك صاحب السّلّ، إذ موت الآخر إنما يكون بالذرب، وليست حالة هؤلاء كحالة من يموت فجأة، أو يموت بالسام، والبرسام، والحمّيات المطبقة، أو القولنج، أو الحصاة، فتغيب عقولهم؛ لشدّة الآلام، ولزوم أدمِغَتهم، ولفساد أمزجتها، فإذا كان الحال هكذا، فالميت يموت، وذهنه حاضر، وهو عارف باللَّه انتهى (٢). (فَلَنْ يُعَذَّبَ) وفي نسخة: "لم يُعذب"، وفي أخرى: "فلم يعذّب"، وهذه الظاهر أنها غير صحيحة، لأن الجواب إذا كان منفيا بـ"لم" لا يحتاج إلى الربط بالفاء، اللَّهم إلا أن يقدر فيه مبتدأ، والجملة خبره، أي فهو لم يُعذّب. واللَّه أعلم "فِي قَبْرِهِ"؟) فيه فضل الموت بمرض البطن، حيث إنه يرفع عنه عذاب القبر. والظاهر أن المصنّف أراد بالعذاب فتنة القبر، حيث إنه أورد هذا الباب بعد سؤال القبر، ولم يورده بعد عذاب

стр. 10994

القبر الآتي. لكن الذي يظهر أن العذاب أخصّ من فتنة القبر، لأنه لا يلزم من الفتنة التعذيب بالنار مثلا. واللَّه تعالى أعلم. (فَقَالَ الْآخَرُ: بَلَى) أي قال ﷺ ذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث سليمان بن صُرَد، وخالد بن عُرْفُطَة ﵄ هذا صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١١١/ ٢٠٥٢ - وفي " الكبرى" ١١١/ ٢١٧٩. وأخرجه (ت) ١٠٦٤ (أحمد) ١٧٨٤٦. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١١٢ - الشَّهِيدُ قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "ال" فيه للجنس، والظاهر أن غرض المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- منه أن الشهيد مطلقًا لا يفتن في قبره، أما شهيد المعركة فظاهر، وأما بقية الشهداء فليس في الحديث ما يدلّ على أنهم لا يفتنون في قبورهم، وقياسهم على شهيد المعركة قياس مع الفارق، لأن النصّ بَيّنَ سبب رفع الفتنة عنه، بأن بارقة السيوف أغنت عن افتتانه في قبره، فليس بقيةُ الشهداء بهذا المعنى، إلا أن المبطون تقدّم في الباب الماضي أنه لا يعذّب في قبره، والتعذيب أخصّ من الفتنة. والحاصل أن عدم فتنة غير شهيد المعركة يحتاج إلى دليل صريح، واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٠٥٣ - أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ, عَنْ لَيْثِ بْنِ سَعْدٍ, عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ, أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ عَمْرٍو حَدَّثَهُ, عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ, عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّ رَجُلاً, قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, مَا بَالُ الْمُؤْمِنِينَ, يُفْتَنُونَ فِي قُبُورِهِمْ, إِلاَّ الشَّهِيدَ؟ , قَالَ: «كَفَى بِبَارِقَةِ السُّيُوفِ, عَلَى رَأْسِهِ فِتْنَةً».

стр. 10995

رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (إبراهيم بن الحسن) بن الهيثم الخثعميّ، أبو إسحاق المصّيصيّ، ثقة [١٠] ٥١/ ٦٤. ٢ - (حجاج) بن محمد الأعور المصّيصيّ، ثقة ثبت [٩] ٢٨/ ٣٢. ٣ - (الليث بن سعد) الإمام المصريّ الحجة المشهور [٧] ٣١/ ٣٥. ٤ - (معاوية بن صالح) بن حُدَير الحمصيّ، صدوق له أوهام [٧] ٥٠/ ٦٢. ٥ - (صفوان بن عمرو) بن هَرِم السَّكْسكِيُّ، أبو عمرو الحمصيّ، ثقة [٥]. قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: سألت يحيى بن معين، عنه؟ فأثنى عليه خيرًا. وقال عمرو بن عليّ: ثَبْتٌ في الحديث. وقال عليّ بن المدينيّ: كان عند يحيى القطّان أرفع من عبد الرحمن بن يزيد. وقال العجليّ، ودُحيم، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقة، زاد أبو حاتم: لا بأس به. وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونّا. وقال أبو زرعة الدمشقيّ: قلت لدحيم: من الثبتُ بحمص؟ قال: صفوان، وسمّى جماعة. وقال أبو حاتم: سمعت دُحَيمًا يقول: صفوان أكبر من حَرِيز، وقدّمه. وقال ابن خراش: كان ابن المبارك وغيره يوثّقه. وقال أبو اليمان، عن صفوان: أدركت من خلافة عبد الملك، وخرجنا في بعث سنة (٩٤). وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال النسائيّ في "التمييز": له حديث منكر في عمّار بن ياسر. وقال يزيد بن عبد ربه: مات سنة (١٥٥) وقال سليمان بن سلمة: مات سنة (٢٥٨). روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، وعلق له أثرًا في "الصحيح"، وروى له الباقون، وله عند المصنّف ثلاثة أحاديث فقط برقم ٢٠٥٣ و ٣١٤٢ و ٤٨٧٤. ٦ - (راشد بن سعد) الْمَقرَئيّ -بفتح الميم، وسكون القاف، وفتح الراء، بعدها همزة، ثم ياء النسب (١) ويقال: الْحُبْرَانيّ، الحمصيّ، ثقة كثير الإرسال [٣]. قال الأثرم، عن أحمد: لا بأس به. وقال الدارميّ، عن ابن معين: ثقة. وكذا قال أبو حاتم، والعجليّ، ويعقوب بن شيبة، والنسائيّ. وقال ابن المدينيّ، عن يحيى بن سعيد: هو أحبّ إليّ من مكحول. وقال المفضّل الغلّابيّ: من أثبت أهل الشام. وقال أبو حاتم، والحربيّ: لم يسمع من ثوبان. وقال الخلال، عن أحمد: لا ينبغي أن يكون سمع منه. وقال أبو زرعة: راشد بن سعد، عن سعد بن أبي وقّاص مرسل. قال
следующие страницы →