← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 10991–11030 · переход к 10996.

стр. 10991

غيرهم، قال: والذي يظهر أن كلّ نبيّ مع أمته كذلك، فتعذّب كفارهم في قبورهم، بعد سؤالهم، وإقامة الحجة عليهم، كما يُعذّبون في الآخرة بعد السؤال، وإقامة الحجة انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي القول الأوّل أرجح، لظواهر الأحاديث، وأَمَّا إثباته للأمم السابقة، فيحتاج إلى دليل خاصّ، وأما ثبوت العذاب لهم في القبر، وما بعده، فهذا مما لا ينكر، للنصوص الدالة عليه، كقوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]، لكن لا يلزم منه أن يكون هناك سؤال على الكيفية التي ثبتت لهذه الأمة، كما تقدّم بيانه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١١١ - مَنْ قَتَلَهُ بَطْنُهُ قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أراد به بيان فضل من مات بمرض بطنه، كالإسهال، ونحوه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٠٥٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, عَنْ شُعْبَةَ, قَالَ: أَخْبَرَنِي جَامِعُ بْنُ شَدَّادٍ, قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَسَارٍ, قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا, وَسُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ, وَخَالِدُ بْنُ عُرْفُطَةَ, فَذَكَرُوا أَنَّ رَجُلاً, تُوُفِّيَ مَاتَ بِبَطْنِهِ, فَإِذَا هُمَا يَشْتَهِيَانِ, أَنْ يَكُونَا شُهَدَاءَ جَنَازَتِهِ, فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلآخَرِ: أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ يَقْتُلْهُ بَطْنُهُ, فَلَنْ يُعَذَّبَ فِي قَبْرِهِ»؟ , فَقَالَ الآخَرُ: بَلَى. رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (جامع بن شدّاد) أبو صخرة المحاربيّ الكوفيّ، ثقة [٥] ١٠٨/ ١٤٥. ٢ - (عبد اللَّه بن يسار) الجهنيّ الكوفيّ، ثقة، من كبار [٣]. روى عن حذيفة، وعليّ، وسليمان بن صُرَد، وخالد بن عُرْفُطَة، وغيرهم. وعنه ابنه عمار، والأعمش، ومنصور، وجامع بن شدّاد، وغيرهم. قال النسائيّ: ثقة. وذكره

стр. 10992

ابن حبّان في "الثقات". روى له أبو داود، والمصنف، وله عنده حديثان فقط، هذا، و ٣٧٧٣ حديث: "فأمرهم النبيّ ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا .. " الحديث. ٣ - (سليمان بن صُرَد) -بضم المهملة، وفتح الراء- ابن الْجون الخزاعيّ، أبو مطرّف الكوفيّ، صحابيّ قُتل بعين الوردة سنة (٦٥) ١٥٨/ ٢٥٠. ٤ - (خالد بن عُرْفُطة) بن أبرهة، ويقال: أبرة بن سنان القُضاعيّ الْعُذريّ، صحابيّ، روى عن النبيّ ﷺ ، وعن عمر. وعنه أبو عثمان النهديّ، وأبو إسحاق السبيعيّ، وعبد اللَّه بن يسار الجهنيّ، وغيرهم. قال الطبرانيّ: كان خليفة سعد بن أبي وقّاص على الكوفة. وقال ابن أبي عاصم: مات سنة (٦١). قال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وذكر الدولابيّ أن المختار بن أبي عُبيد قتله بعد موت يزيد بن معاوية، فيكون ذلك بعد سنة (٦٤). واللَّه أعلم. روى له الترمذيّ، والمصنف حديث الباب فقط. و"محمد بن عبد الأعلى": هو الصنعانيّ البصريّ. و"خالد": هو ابن الحارث الهجيميّ البصريّ، و"شعبة": هو ابن الحجاج الإمام المشهور، وكلهم تقدّموا قريبًا. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة، ومن بعده كوفيون. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث عن عبد اللَّه بن يسار الجهني -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- أنه (قال: كُنْتُ جَالِسًا، وَسُلَيمَانُ بْنُ صُرَدٍ) بالرفع عطفا على الضمير؛ لوجود فاصل، كما قال ابن مالك -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "خلاصته": وَإِنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَّصِلْ … عَطَفْتَ فَاقصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ أَوْ فَاصِلً مَا وَبِلَا فَصْلٍ يَرِدْ … فِي النَّظمِ فَاشِيًا وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ ويحتمل أن ينصب على أنه مفعول معه، كما قال ابن مالك أيضًا: يُنْصَبُ تَالِي الوَاوِ مَفْعُولاً مَعَهْ … فِي نَحْوِ سِيرِي وَالطَّرِيقَ مُسْرِعَهْ بِمَا مِنَ الْفِعْلِ وَشِبْهِهِ سَبَقْ … ذَا النَّصْبُ لَا بِالْوَاوِ فِي الْقَوْلِ الأَحَقُّ

стр. 10993

ويؤيد هذا الوجه ما في "الكبرى" بلفظ: "مع سليمان بن صرد الخ". (وخَالِدُ بْنُ عُرْفُطَةَ) بضمّ العين المهملة، وسكون الراء، وضم الفاء، وإعرابه كسابقه (فَذَكَرُوا) أي ذكر القوم الحاضرون في المجلس (أَنَّ رَجُلًا، تُوُفِّيَ مَاتَ) بدل من "تُوفّى" (بِبَطْنِهِ) أي بسبب مرض بطنه (فَإِذَا هُمَا يَشْتَهِيَانِ) "إذا" فجائيّة، أي ففاجأ اشتهاؤهما (أَنْ يَكُونَا شَهِدَا جَنَازَتَهُ) بصيغة الماضي المسند لضمير الاثنين، ونصب "جنازته" على المفعولية، هكذا في النسخة "الهندية"، و"الكبرى"، ووقع في النسخ المطبوعة: "شُهداء جنازته"، بصيغة جمع شهيد، وإضافته إلى "جنازته"، والأول أوضح، وللثاني وجه أيضًا، وهو أن تقدّر "من"، أي من شهداء جنازته (فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلآخَرِ: أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ يَقْتُلْهُ) "من" شرطيّة، فلذا جزم فعل شرطها، ودخلت الفاء في جوابها، ويحتمل أن تكون موصولة، والفعل مرفوع، ودخلت الفاء في خبرها لشبهها بالشرطية (بَطْنُهُ) قال ابن الأثير -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: أي الذي يموت بمرض بطنه؛ كالاستسقاء، ونحوه انتهى (١). وقال القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "التذكرة": فيه قولان: أحدهما: أنه الذي يصيبه الذّرَب، وهو الإسهال، تقول العرب: أخذه البطن، إذا أصابه الداء، وذَرِب الجرحُ: إذا لم يقبل الدواء، وذربت معدته: فسدت. والثاني: أنه الاستسقاء، وهو أظهر القولين فيه؛ لأن العرب تنسب موته إلى بطنه، تقول: قتله بطنه، يعنون الداء الذي أصابه في جوفه، وصاحب الاستسقاء قلّ أن يموت إلا بالذّرب، فكأنه قد جمع الوصفين، وغيرهما من الأمراض، والوجود شاهد للميت بالبطن أن عقله لا يزال حاضرًا، وذهنه باقيًا إلى حين موته؛ ومثل ذلك صاحب السّلّ، إذ موت الآخر إنما يكون بالذرب، وليست حالة هؤلاء كحالة من يموت فجأة، أو يموت بالسام، والبرسام، والحمّيات المطبقة، أو القولنج، أو الحصاة، فتغيب عقولهم؛ لشدّة الآلام، ولزوم أدمِغَتهم، ولفساد أمزجتها، فإذا كان الحال هكذا، فالميت يموت، وذهنه حاضر، وهو عارف باللَّه انتهى (٢). (فَلَنْ يُعَذَّبَ) وفي نسخة: "لم يُعذب"، وفي أخرى: "فلم يعذّب"، وهذه الظاهر أنها غير صحيحة، لأن الجواب إذا كان منفيا بـ"لم" لا يحتاج إلى الربط بالفاء، اللَّهم إلا أن يقدر فيه مبتدأ، والجملة خبره، أي فهو لم يُعذّب. واللَّه أعلم "فِي قَبْرِهِ"؟) فيه فضل الموت بمرض البطن، حيث إنه يرفع عنه عذاب القبر. والظاهر أن المصنّف أراد بالعذاب فتنة القبر، حيث إنه أورد هذا الباب بعد سؤال القبر، ولم يورده بعد عذاب

стр. 10994

القبر الآتي. لكن الذي يظهر أن العذاب أخصّ من فتنة القبر، لأنه لا يلزم من الفتنة التعذيب بالنار مثلا. واللَّه تعالى أعلم. (فَقَالَ الْآخَرُ: بَلَى) أي قال ﷺ ذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث سليمان بن صُرَد، وخالد بن عُرْفُطَة ﵄ هذا صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١١١/ ٢٠٥٢ - وفي " الكبرى" ١١١/ ٢١٧٩. وأخرجه (ت) ١٠٦٤ (أحمد) ١٧٨٤٦. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١١٢ - الشَّهِيدُ قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "ال" فيه للجنس، والظاهر أن غرض المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- منه أن الشهيد مطلقًا لا يفتن في قبره، أما شهيد المعركة فظاهر، وأما بقية الشهداء فليس في الحديث ما يدلّ على أنهم لا يفتنون في قبورهم، وقياسهم على شهيد المعركة قياس مع الفارق، لأن النصّ بَيّنَ سبب رفع الفتنة عنه، بأن بارقة السيوف أغنت عن افتتانه في قبره، فليس بقيةُ الشهداء بهذا المعنى، إلا أن المبطون تقدّم في الباب الماضي أنه لا يعذّب في قبره، والتعذيب أخصّ من الفتنة. والحاصل أن عدم فتنة غير شهيد المعركة يحتاج إلى دليل صريح، واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٠٥٣ - أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ, عَنْ لَيْثِ بْنِ سَعْدٍ, عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ, أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ عَمْرٍو حَدَّثَهُ, عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ, عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّ رَجُلاً, قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, مَا بَالُ الْمُؤْمِنِينَ, يُفْتَنُونَ فِي قُبُورِهِمْ, إِلاَّ الشَّهِيدَ؟ , قَالَ: «كَفَى بِبَارِقَةِ السُّيُوفِ, عَلَى رَأْسِهِ فِتْنَةً».

стр. 10995

رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (إبراهيم بن الحسن) بن الهيثم الخثعميّ، أبو إسحاق المصّيصيّ، ثقة [١٠] ٥١/ ٦٤. ٢ - (حجاج) بن محمد الأعور المصّيصيّ، ثقة ثبت [٩] ٢٨/ ٣٢. ٣ - (الليث بن سعد) الإمام المصريّ الحجة المشهور [٧] ٣١/ ٣٥. ٤ - (معاوية بن صالح) بن حُدَير الحمصيّ، صدوق له أوهام [٧] ٥٠/ ٦٢. ٥ - (صفوان بن عمرو) بن هَرِم السَّكْسكِيُّ، أبو عمرو الحمصيّ، ثقة [٥]. قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: سألت يحيى بن معين، عنه؟ فأثنى عليه خيرًا. وقال عمرو بن عليّ: ثَبْتٌ في الحديث. وقال عليّ بن المدينيّ: كان عند يحيى القطّان أرفع من عبد الرحمن بن يزيد. وقال العجليّ، ودُحيم، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقة، زاد أبو حاتم: لا بأس به. وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونّا. وقال أبو زرعة الدمشقيّ: قلت لدحيم: من الثبتُ بحمص؟ قال: صفوان، وسمّى جماعة. وقال أبو حاتم: سمعت دُحَيمًا يقول: صفوان أكبر من حَرِيز، وقدّمه. وقال ابن خراش: كان ابن المبارك وغيره يوثّقه. وقال أبو اليمان، عن صفوان: أدركت من خلافة عبد الملك، وخرجنا في بعث سنة (٩٤). وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال النسائيّ في "التمييز": له حديث منكر في عمّار بن ياسر. وقال يزيد بن عبد ربه: مات سنة (١٥٥) وقال سليمان بن سلمة: مات سنة (٢٥٨). روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، وعلق له أثرًا في "الصحيح"، وروى له الباقون، وله عند المصنّف ثلاثة أحاديث فقط برقم ٢٠٥٣ و ٣١٤٢ و ٤٨٧٤. ٦ - (راشد بن سعد) الْمَقرَئيّ -بفتح الميم، وسكون القاف، وفتح الراء، بعدها همزة، ثم ياء النسب (١) ويقال: الْحُبْرَانيّ، الحمصيّ، ثقة كثير الإرسال [٣]. قال الأثرم، عن أحمد: لا بأس به. وقال الدارميّ، عن ابن معين: ثقة. وكذا قال أبو حاتم، والعجليّ، ويعقوب بن شيبة، والنسائيّ. وقال ابن المدينيّ، عن يحيى بن سعيد: هو أحبّ إليّ من مكحول. وقال المفضّل الغلّابيّ: من أثبت أهل الشام. وقال أبو حاتم، والحربيّ: لم يسمع من ثوبان. وقال الخلال، عن أحمد: لا ينبغي أن يكون سمع منه. وقال أبو زرعة: راشد بن سعد، عن سعد بن أبي وقّاص مرسل. قال

стр. 10996

الحافظ: وفي روايته عن أبي الدرداء نظر. وقال الدارقطنيّ: لا بأس به، إذا لم يحدّث عنه متروك. وقال ابن سعد: كان ثقة، مات سنة (١٠٨). وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة (١١٣) وكذا أرّخه أبو عبيد، وخليفة، والحربيّ، وابن قانع. وذكر الحاكم أن الدارقطنيّ ضعّفه. وكذا ضعّفه ابن حزم. وقد ذكر البخاريّ أنه شهد صفّين مع معاوية. روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، وله ذكر في "الجهاد" من "صحيحه"، وروى له الأربعة، وله عند المصنّف هذا الحديث فقط. ٧ - (رجل من أصحاب النبيّ ﷺ ) ﵁. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، وراشد. (ومنها): أن فيه رواية تابعين عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيَّ ﷺ ) لم يسمّ، لكن جهالة الصحابي لا تضرّ، لأنهم كلهم عدولَ ﵃ (أَنَّ رَجُلًا) لم أر من سمّاه (قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا بَالُ الْمُؤمِنِينَ، يُفْتَنُونَ فِي قُبُورِهِمْ) أي يمتحنون بسؤال الملكين لهم عن ربهم ، وعن نبيهم ﷺ (إِلَّا الشَّهِيدَ؟) معنى هذا أن هذا الصحابيّ سمع النبيّ ﷺ يقول: يفتن المؤمنون إلا الشهيد، فأراد أن يعلم سبب استثناء الشهيد عن المفتونين في قبورهم (قَالَ) ﷺ (كَفَى بِبَارِقَةِ السُّيُوفِ) من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي بالسيوف البارقة، من البروق، وهو اللمعان (عَلَى رَأْسِهِ فِتْنَةً") منصوب على التمييز، أي من حيث الفتنة. يعني أن ثباتهم عند السيوف البارقة فوق رؤوسهم، وبذلهم أرواحهم للَّه تعالى دليل على صدق إيمانهم، فلا حاجة إلى امتحانهم بالسؤال في قبورهم، إذ السؤال في القبر لاختبار صدق الإيمان، وكذبه، وهؤلاء ظهر صدقهم في الدنيا. واللَّه تعالى أعلم. وقال القرطبيّ في "التذكرة" نقلاً عن الترمذيّ الحكيم -رحمهما اللَّه تعالى-: معناه أنه لو كان في هؤلاء المقتولين نفاق كان إذا التقى الزحفان، وبرقت السيوف فرّوا؛ لأن من شأن المنافق الفرارَ، والرَّوَغَان عند ذلك، ومن شأن المؤمن البذل، والتسليم للَّه تعالى نفسًا، وهَيَجَان حميّة اللَّه، والتعصّب له، لإعلاء كلمته، فهذا قد أظهر صدق ما في ضميره، حيث برز للحرب والقتل؛ فلماذا يُعاد عليه السؤال في القبر؟. انتهى (١).

стр. 10997

قال القرطبيّ: وإذا كان الشهيد لا يُفتن، فالصدّيق أجلّ خَطَرًا، وأعظم أجرًا، فهو أحرى أن لا يُفتن؛ لأنه المقدّم ذكره في التنزيل على الشهداء، في قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ الآية [النساء: ٦٩]، قال: وقد جاء في المرابط الذي هو أقلّ مرتبة من الشهداء أن لا يُفتن فكيف بمن هو أعلى رتبة منه ومن الشهيد. انتهى. قال السيوطيّ: قد صرّح الحكيم الترمذيّ بأن الصدّيقين لا يُسألون، وعبارته: ثم قال تعالى: ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧] وتأويله عندنا -واللَّه أعلم- أن من مشيئته أن يرفع مرتبة أقوام من السؤال، وهم الصدّيقون، والشهداء. وما نقله القرطبيّ، عن الحكيم في توجيه حديث الشهيد يقتضي اختصاص ذلك بشهيد المعركة، لكن قضيّة أحاديث الرباط التعميم في كلّ شهيد، وقد جزم الحافظ ابن حجر في كتابه "بذل الماعون في فضل الطاعون" بأن الميت بالطعن لا يُسأل؛ لأنه نظير المقتول في المعركة، وبأن الصابر بالاعون محتسبًا يَعلَم أنه لا يُصيبه إلا ما كتب اللَّه له، إذا مات فيه بغير الطعن، لا يُفتن أيضًا؛ لأنه نظير المرابط. وقد قال الحكيم في توجيه حديث المرابط: إنه قد ربط نفسه، وسجنها، وصيّرها جيشًا في سبيل اللَّه؛ لمحاربة أعدائه، فإذا مات على هذا، فقد ظهر صدق ما في ضميره، فوُقِي فتنة القبر انتهى ما ذكره السيوطيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: في قياس غير الشهداء عليهم نظر لا يخفى؛ لأن هذا من الأمور الغيبية التي لا ينالها العقل، فلا يقبل فيها القياس، ولا يلزم من رفعة الدرجة أن لا يسألوا في قبورهم، فالأولى عدم الخوض في مثل هذا الباب إلا فيما جاءت فيه النصوص الصحيحة الصريحة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث رجل من أصحاب النبي ﷺ رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، أخرجه هنا -١١٢/ ٢٠٥٣ - وفي "الكبرى" ١١٢/ ٢١٨٠. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثانية: في فوائده:

стр. 10998

منها: بيان فضل الشهيد، حيث أكرمه اللَّه تعالى برفع فتنة القبر عنه. ومنها: إثبات فتنة المؤمنين في قبورهم. ومنها: فضل الصبر عند لقاء الأعداء في المعركة، وعدم الفرار منهم. ومنها: بيان سبب ما أكرم اللَّه تعالى به الشهيد برفع فتنة القبر عنه، وهو بذله نفسه، وصبره تحت بارقة السيوف. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٠٥٤ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, عَنِ التَّيْمِيِّ, عَنْ أَبِي عُثْمَانَ, عَنْ عَامِرِ بْنِ مَالِكٍ, عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ, قَالَ: الطَّاعُونُ, وَالْبَطُنُ, وَالْغَرَقُ (١) , وَالنُّفَسَاءُ, شَهَادَةٌ, قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ, مِرَارًا, وَرَفَعَهُ مَرَّةً إِلَى النَّبِيِّ ﷺ . رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عبيد اللَّه بن سعيد) أبو قُدامة السرخسيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (يحيى) بن سعيد القطان البصريّ الثبت الحجة المشهور [٩] ٤/ ٤. ٣ - (التيميّ) سليمان بن طَرْخان، أبو المعتمر البصريّ، ثقة عابد [٤] ٨٧/ ١٠٧. ٤ - (أبو عثمان) النَّهْديّ -بفتح، فسكون- عبد الرحمن بن ملّ -مثلث الميم، ومشدد اللام- مخضرم ثقة ثبت عابد، من كبار [٢] ١١/ ٦٤١. ٥ - (عامر بن مالك) البصريّ، مقبول [٣]. روى عن صفوان بن أمية، وعنه أبو عثمان النهديّ، ذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن المدينيّ: لا أعرفه، ولا أعلم روى عنه غير أبي عثمان. انفرد به المصنّف، روى له حديث الباب فقط. ٦ - (صفوان بن أميّة) بن خَلَف بن وهب بن حُذافة بن جُمَح القرشيّ الجُمَحيّ، أبو وهب، وقيل: أبو أميّة. قتل أبوه يوم بدر كافرًا، وأسلم هو بعد الفتح، وكان من المؤلفة، وشَهِد الْيَرْموك، روى عن النبيّ ﷺ ، وكان من أشراف قريش في الجاهلية والإسلام، وقيل: إنه مات أيام قتل عثمان، وقال المدائنيّ: مات سنة (٤١) وقال خليفة: سنة (٤٢). علّق له البخاريّ، وروى له الباقون، وله عند المصنف ثلاثة أحاديث فقط: هذا، و ٤١٧١ حديث: "لا هجرة بعد فتح مكة … "، وحديث قصة سارق ردائه، كرره خمس مرّات في "كتاب قطع السارق". واللَّه تعالى أعلم.

стр. 10999

لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير عامر بن مالك. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض. (ومنه): أن صحابيه من المقلين من الرواية، فليس له في الكتب الخمسة المشار إليها في ترجمته إلا ثمانية أحاديث، راجع "تحفة الأشراف" جـ٤ ص ١٨٧ - ١٩١. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ) ﵁، أنه (قَالَ: الطَّاعُونُ) هو -كما قال في "المصباح- الموت من الوباء، وجمعه الطواعين، وطُعِن الإنسان بالبناء للمفعول: أصابه الطاعون، فهو مطعون. وقال ابن الأثير: الطاعون: المرض العامّ، والوباء الذي يفسد له الهواء، فتفسد الأمزجة، والأبدان انتهى (١) (وَالْبَطْنُ) تقدم شرحه في الباب الماضي (وَالْغَرَقُ) أي الموت بسسب الماء، هكذا في النسخة "الهندية"، وهو الذي ذكره الحافظ المزّي -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، في "تحفة الأشراف" [ج ٤ ص ١٩١] وهو الذي في "الكبرى"، ووقع في النسخ المطبوعة من "المجتبى" بلفظ: "والمبطون، والغريق"، وعليها فيكون الكلام على حذف مضاف، أي موت المبطون، والغريق، كما يقدر في قوله (وَالنُّفَسَاءُ) أي موت المرأة النفساء، وهي التي ماتت بسبب الولادة. وقوله (شَهَادَةٌ) خبر "الطاعون"، وما عُطف عليه، على حذف مضاف، أي أسباب شهادة. (قَالَ) أي سليمان التيميّ (وَحَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ) أي النهديّ (مِرَارًا) أي تحديثا متكررًا (وَرَفَعَهُ مَرَّةً إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ) يعني أن أبا عثمان النهديّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- حدّث بهذا الحديث، عن صفوان ابن أمية ﵁ عدة مرّات موقوفًا عليه، وحدث به عنه مرةً، عن النبيّ ﷺ مرفوعًا. ولا تعارض بين رفع مثل هذا الحديث، ووقفه؛ لأن الموقوف في مثله له حكم الرفع؛ إذ لا يقال من قبل الرأي. واللَّه تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث صفوان بن أميّة ﵁ هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، أخرجه هنا -١١٢/ ٢٠٥٤ - وفي "الكبرى" ١١٢/ ٢١٨١. وأخرجه (أحمد) ١٤٨٧٧ و ١٤٨٨٣ و ٢٧٠٨٨ و ٢٧٠٩٤ (الدارمي) ٢٤١٣. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". …

стр. 11000

١١٣ - ضَمَّةُ القَبْرِ، وَضَغْطَتُهُ قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الضغطة" بفتح الضاد المعجمة، وسكون الغين المعجمة، قال في "المصباح": ضَغَطَه، ضَغْطًا، من باب نفِع: زَحَمَه إلى حائط، وعصَرَه، ومنه: ضغطة القبر؛ لأنه يَضِيق على الميت، والضُّغْطَة بالضمّ الشدّة انتهى. قيل: والمراد بضغطة القبر التقاء جانبيه على جسد الميت. وقال النسفيّ في "بحر الكلام": المؤمن المطيع لا يكون له عذاب القبر، ويكون له ضغطة القبر، فيجد هول ذلك، وخوفه؛ لما أنه تنعّم بنعمة اللَّه، ولم يشكر النعمة. ورَوى ابن أبي الدنيا عن محمد التيميّ قال: كان يقال (١): إن ضمة القبر إنما أصلها أنها أمهم، ومنها خُلقوا، فغابوا عنها الغيبة الويلة، فلما رُدّ إليها أولادها ضمّتهم ضمة الوالدة غاب عنها ولدها، ثم قَدِم عليها، فمَن كان للَّه مطيعًا ضمًته برأفة ورفق، ومن كان عاصيًا ضمّته بعنف سخطا منها عليه لربها انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٠٥٥ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَنْقَزِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «هَذَا الَّذِي تَحَرَّكَ لَهُ الْعَرْشُ, وَفُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ, وَشَهِدَهُ سَبْعُونَ أَلْفًا, مِنَ الْمَلَائِكَةِ, لَقَدْ ضُمَّ ضَمَّةً, ثُمَّ فُرِّجَ عَنْهُ». رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه الإمام الحجة [١٠] ٢/ ٢. ٢ - (عمرو بن محمد العَنْقَرْيّ) أبو سعيد الكوفيّ، ثقة [٩] ٦٠/ ١٧٨٢. ٣ - (ابن إدريس) هو: عبد اللَّه الأوديّ الكوفيّ، ثقة فقيه عابد [٨] ٨٥/ ١٠٢. ٤ - (عبيد اللَّه) بن عمر العمريّ المدني، ثقة ثبت [٥] ١٥/ ١٥. ٥ - (نافع) مولى ابن عمر المدني الفقيه، ثقة ثبت [٣] ١٢/ ١٢. ٦ - (ابن عمر) عبد اللَّه ﵄ ١٢/ ١٢. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعي. (ومنها): أن فيه ابن عمر -رضي اللَّه

стр. 11001

تعالى عنهما، أحد المكثرين السبعة، وأحد العبادلة الأربعة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (عَنْ رَسولِ اللَّهِ ﷺ ) أنه (قَالَ: هَذَا الَّذِي تَحَرَّكَ لَهُ الْعَرْشُ) زاد البيهقيّ في "كتاب عذاب القبر": يعني سعد بن معاذ، وزاد في "دلائل النبوّة": قال الحسن: "تحرك له العرش فَرَحًا بروحه" (وَفُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ) أي فرحا بقدومه أيضًا (وَشَهِدَهُ سَبعُونَ أَلْفًا، مِنَ الْمَلَاِئِكَةِ) أي لتشييع جنازته (لَقَدْ ضُمَّ) بالبناء للمفعول (ضَمَّةً، ثُمَّ فُرِّجَ عَنْهُ") وأخرج الإمام أحمد بسند صحيح من حديث جابر ﵁، مرفوعًا: "لَهَذا العبدُ الصالح، الذي تحرك له العرش، وفتحت له أبواب السماء، شُدِّدَ عليه، ففرج اللَّه عنه". وقال مرة: قال رسول اللَّه ﷺ ، لسعد، يوم مات، وهو يدفن … وأخرج أحمد، من حديث عائشة، عن النبيّ ﷺ ، قال: "إن للقبر ضغطة، لو كان أحد ناجيًا منها، لنجا منها سعد بن معاذ". ورجاله رجال الصحيح غير الراوي عن عائشة ﵂، فلم يسمّ. قال أبو القاسم السعديّ: لا ينجو من ضغطة القبر صالح، ولا طالح، غير أن الفرق بين المسلم والكافر فيها دوام الضغط للكافر، وحصول هذه الحالة للمؤمن في أول نزوله إلى قبره، ثم يعود إلى الانفساح له. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: يؤيده ما تقدّم في حديث البراء ﵁ الطويل عند إجابته لسؤال الملكين: "فينادي مناد من السماء، أن صدق عبدي، فأَفرِشوه من الجنة، وافتحوا له بابًا في الجنة، وألبسوه من الجنة، قال: فيأتيه من رَوْحها، وطيبها، ويفسح له فيها مدّ بصره". واللَّه تعالى أعلم. وقال الحكيم الترمذيّ: سبب هذا الضغط أنه ما من أحد إلا وقد ألمّ بذنبٍ ما، فتدركه هذه الضطغة جزاء لها، ثم تدركه الرحمة، وكذلك ضغطة سعد بن معاذ في التقصير من البول. قال السيوطيّ: يشير إلى ما أخرجه البيهقيّ، من طريق ابن إسحاق، حدثني أمية بن عبد اللَّه، أنه سأل بعض أهل سعد، ما بلغكم من قول رسول اللَّه ﷺ في هذا؟، فقالوا: ذُكر لنا أن رسول اللَّه ﷺ سئل عن ذلك؟ فقال: "كان يقصّر في بعض الطهور من البول". وقال ابن سعد في "طبقاته": أخبرني شبابة بن سوّار، أخبرني أبو معشر، عن سعيد المقبريّ، قال: لما دفن رسول اللَّه ﷺ سعدًا قال: "لو نجا أحد من ضغطة القبر لنجا سعد، ولقد ضُمّ ضمةً، اختلفت منها أضلاعه، من أثر البول". وأخرج البيهقيّ عن الحسن: أن النبيّ ﷺ قال حين دفن سعد بن معاذ: "إنه ضُمّ في القبر ضمّةً حتى

стр. 11002

صار مثل الشعرة، فدعوت اللَّه أن يرفعه عنه، وذلك بأنه كان لا يستبرئ من البول". قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذه الأحاديث كلها مراسيل، إلا أنه ربما يكون لمجموعها قوة، فتصلح لبيان سبب ضغطة سعد ﵁. واللَّه تعالى أعلم. قال الحكيم الترمذيّ: وأما الأنبياء، فلا يُعلم أن لهم في القبور ضمّة، ولا سؤالاً؛ لعصمتهم انتهى (١) واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث ابن عمر ﵄ هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، أخرجه هنا -١١٤/ ٢٠٥٧ - وفي "الكبرى" ١١٤/ ٢١٨٢. وأخرجه (أحمد) ١٤٠٩٦. وفي الحديث إثبات ضمة القبر، وضغطته، وفيه بيان عظم مرتبة سعد بن معاذ ﵁ عند اللَّه تعالى، حيث إنه تحرّك العرش لموته، وأن السماء فتحت لقدومه، وأنه شيعه سبعون ألفا، من الملائكة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١١٤ - عَذَابُ الْقَبْرِ قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: غرض المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بهذه الترجمة، وبما أورده تحتها من الأحاديث الردّ على من أنكر عذاب القبر. وقد ترجم الإمام البخاريّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "صحيحه" بقوله: "باب ما جاء في عذاب القبر". فقال في "الفتح": لم يتعرّض المصنف في الترجمة لكون عذاب القبر يقع على الروح فقط، أو عليها، وعلى الجسد، وفيه خلاف شهير عند المتكلّمين، وكأنه تركه لأن الأدلة التي يرضاها ليست قاطعة في أحد الأمرين، فلم يتقلّد الحكم في ذلك، واكتفى بإثبات وجوده، خلافًا لمن نفاه مطلقًا، من الخوارج، وبعض المعتزلة، كضِرَار بن عمرو، وبشر المريسيّ، ومن وافقهما، وخالفهم في ذلك أكثر المعتزلة، وجميع أهل

стр. 11003

السنّة، وغيرهم، وأكثروا من الاحتجاج له، وذهب بعض المعتزلة، كالجبّائيّ إلى أنه يقع على الكفّار دون المؤمنين، وبعض الأحاديث الآتية تردّ عليهم أيضًا انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٠٥٦ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ, عَنْ سُفْيَانَ, عَنْ أَبِيهِ,, عَنْ خَيْثَمَةَ, عَنِ الْبَرَاءِ, قَالَ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] قَالَ: نَزَلَتْ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ. رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إسحاق بن منصور) الكوسَج المروزيّ ثقة ثبت [١١] ٧٢/ ٨٨. ٢ - (عبد الرحمن) بن مهديّ البصريّ الثبت الحجة [٩] ٤٢/ ٤٩. ٣ - (سفيان) بن سعيد الثوريّ الكوفيّ الإمام الحجة المشهور [١٧] ٣٣/ ٣٧. ٤ - (أبوه) سعيد بن مسروق بن حبيب الثوريّ الكوفيّ والد سفيان الراوي عنه، ثقة [٦] ١٥٣/ ١١٢١. ٥ - (خيثمة) بن عبد الرحمن بن أبي سَبْرة -بفتح المهملة، وسكون الموحّدة- واسم أبي سبرة يزيد بن مالك بن عبد اللَّه بن ذؤيب، الجعفيّ الكوفيّ، ثقة، يرسل [٣]. قال ابن معين، والنسائيّ: ثقة. وقال العجليّ: كوفيّ، تابعيّ، ثقة، وكان رجلاً صالحًا، وكان سخيّا، ولم ينج من فتنة ابن الأشعث إلا هو، وإبراهيم النخعيّ. وقال مالك بن مِغْوَل، عن طلحة بن مصرّف: ما رأيت بالكوفة أحدًا أعجب إليّ منهما. قال البخاريّ: مات قبل أبي وائل. وقال غيره: مات بعد سنة (٨٠) وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وساق بسنده إلى نعيم بن أبي هند، قال: رأيت أبا وائل في جنازة خيثمة. روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط. ٦ - (البراء) بن عازب ﵄ ٨٦/ ١٠٥. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث بهذا السند صورته صورة الموقوف، لكن سيأتي في الحديث التالي مرفوعًا، وسيأتي شرحه هناك، إن شاء اللَّه تعالى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٠٥٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ, عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ, عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] قَالَ: نَزَلَتْ فِي

стр. 11004

عَذَابِ الْقَبْرِ, يُقَالُ لَهُ مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ, وَدِينِي دِينُ مُحَمَّدٍ ﷺ , فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]. رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن بشار) بُندار البصريّ الحافظ الثبت [١٠] ٢٤/ ٢٧. ٢ - (محمد) بن جعفر، غُندر البصريّ الحافظ الثقة [٩] ٢١/ ٢٢. ٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام المشهور تقدّم قريبًا. ٤ - (علقمة بن مَرْثَد) الحضرميّ، أبو الحارث الكوفيّ، ثقة [٦] ١٠٣/ ٢٠٤٠. ٥ - (سعد بن عُبيدة) السلميّ، أبو حمزة الكوفيّ، ثقة [٣] ٧٧/ ١٠٠٨. ٦ - (البراء بن عازب) - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٨٦/ ١٠٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى شبعة، ومن بعده كوفيون. (ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستة الذين رووا عنهم بلا واسطة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ) ﵄ (عَن النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] قَالَ) تأكيد لـ"قال" الأول، وقوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ﴾ الآية مبتدأ محكيّ، خبره جملة قوله: (نَزَلَتْ فِي عَذَاب الْقَبْرِ) أي هذه الآية نزلت في إثبات عذاب القبر، أي في السؤال في القبر، ولما كان السؤال يكون سببا للعذاب في الجملة، ولو في حقّ بعضٍ، عبّر عنه باسم العذاب، فالمراد بالتثبيت في الآخرة هو تثبيت المؤمن في القبر عند سؤال الملكين إياه. ثم بيّن كيفية السؤال، وتثبيت المؤمن عنده بقوله (يُقَالُ لَهُ) أي للمؤمن المفهوم من قوله: "الذين آمنوا" (مَنْ رَبُّكَ؟، فَيَقُولُ: رَبَّيَ اللَّهُ، وَدِينِي دِينُ مُحَمَّدٍ ﷺ ) وفي نسخة: "ونبيي محمد". أي ويسأل عن دينه، كما بيّن في رواية آخرى، فيقول: ديني دين محمد ﷺ . وفي رواية للبخاريّ: "قال: إذا أُقعِد المؤمن في قبره، أُتي، ثم شهد أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه" (فَذَلِكَ قَوْلُهُ) أي هذا الجواب هو معنى قوله تعالى (﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]) يعني أنه يُوَفِّقُه للإجابة المذكورة.

стр. 11005

قال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وقد اختصر سعد -يعني ابن عبيدة- وخيثمة -يعني ابن عبد الرحمن- هذا الحديث جدًّا، لكن أخرجه ابن مردويه من وجه آخر عن خيثمة، فزاد فيه: "إن كان صالحًا وُفّق، وإن كان لا خير فيه، وُجد أبله"، وفيه اختصار أيضًا، وقد رواه زاذان أبو عمر، عن البراء مطوّلاً، مبيّنًا، أخرجه أصحاب السنن، وصححه أبو عوانة، وغيره، وفيه من الزيادة في أوله: "استعيذوا باللَّه من عذاب القبر"، وفيه "فتُردّ روحه في جسده"، وفيه "فيأتيه ملكان، فيُجلسانه، فيقولان له: من ربّك؟، فيقول: ربي اللَّه، فيقولان له: ما دينك؟، فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول اللَّه، فيقولان له: وما يُدريك؟ فيقول: قرأت القرآن، كتابَ اللَّه، فآمنت به، وصدّقت، فذلك قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾، وفيه، "وأن الكافر تعاد روحه في جسده، فيأتيه ملكان، فيجلسانه، فيقولان له: من ربّك؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري … " الحديث انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تقدّم ذكر حديث البراء ﵁ بطوله من رواية أبي داود، في باب "التسهيل في غير السِّبتِيّة" ١٠٨/ ٢٠٤٠ - فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث البراء بن عازب - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١١٤/ ٢٠٥٦ و ٢٠٥٧ وفي "الكبرى" ١١٤/ ٢١٨٣ و ٢١٨٤. وأخرجه (خ) ١٣٦٩ و ٤٦٩٩ (م) ٢٨٧١ (د) ٤٧٥٠ (ت) ٣١٢٠ (ق) ٤٢٩٦. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما بوّب له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو إثبات عذاب القبر، ووجه ذلك أن الحديث كما تقدم فيه اختصار، وقد تقدم من طريق زاذان، عن البراء مطوّلاً، وفيه تعذيب الكافر عند عدم إجابته عن سؤال الملكين، ففيه إثبات عذاب القبر، أو من إطلاق السبب على المسبب، فإن في رواية المصنّف إثبات سؤال الملكين، وهو سبب لثبوت العذاب، لكن في بعض المسؤولين دون بعض. واللَّه تعالى أعلم. ومنها: بيان سبب نزول هذه الآية. ومنها: إثبات سؤال الملكين لكلّ مقبور. ومنها: رأفة اللَّه تعالى بعباده المؤمنين، حيث يُثَبِّتُهُم عند سؤال الملكين، مع أن جنسهم غير جنس بني آدم، ومع انفراد كلّ مسؤول عمن يستأنس به في مثل ذلك الموقف، وهذا

стр. 11006

فضل عظيم، ولف جسيم من اللَّه تعالى لعباده المؤمنين. ومنها: أنه يستفاد منه أهمية التوحيد، حيث إنه هو المسؤول عنه في أول منزل من منازل الآخرة، فينبغي للعبد أن يخلص في توحيده، ولا يدنسه بالمعاصي، ولا سيما المعاصي التي تؤدي إلى الشرك، وإن كان خفيا. نسأل اللَّه تعالى أن يحيينا على التوحيد، وأن يميتنا عليه، ويبعثنا عليه، إنه بعباده لرؤوف رحيم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: في أقوال أهل العلم في عذاب القبر: قال الحافظ وليّ الدين -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: ما حاصله: إثبات عذاب القبر مذهب أهل السنة، وقد تظاهرت عليه أدلّة الكتاب والسنّة، ولا يمتنع في العقل أن يعيد اللَّه تعالى الحياة في جزء من الجسد، ويعذّبه، وإذا لم يمنعه العقل، وورد به الشرع وجب قبوله، وقد خالف في ذلك الخوارج، ومعظم المعتزلة، وبعض المرجئة، ونفوا ذلك. ثم المعذب عند أهل السنة الجسد بعينه، أو بعضه، بعد إعادة الروح إليه، أو إلى جزء منه، وخالف محمد بن جرير الطبريّ، وعبد اللَّه بن كرام، وطائفة، فقالوا: لا يشترط إعادة الروح، قال أصحابنا: وهذا فاسد؛ لأن الألم، والإحساس، إنما يكون في الحيّ، قال أصحابنا: ولا يمنع من ذلك كون الميت قد تفرّقت أجزاؤه، كما نشاهد في العادة، أو أكلته السباع، أو حيتان البحر، أو نحو ذلك، فكما أن اللَّه تعالى يُعيده للحشر، وهو قادر على ذلك، فكذا يعيد الحياة إلى جزء منه، أو أجزاء، وإن أكلته السباع، والحيتان. فإن قيل: فنحن نشاهد الميت على حاله في قبره، فكيف يُسأل، ويُقعد، وُيضرَب بمطارق من حديد، ويعذّب، ولا يظهر له أثر؟. فالجواب: أن ذلك غير ممتنع، بل له نظير في العادة، وهو النائم، فإنه يجد لذّة، وآلامًا، لا نُحسّ نحن شيئًا منها، وكذا يجد اليقظان لذّةً، وألمًا لما يسمعه، أو يفكّر فيه، ولا يشاهد ذلك جليسه منه، وكذا كان جبريل ﵇ كان يأتي النبيّ ﷺ ، فيخبره بالوحي الكريم، ولا يدركه الحاضرون، وكلّ هذا واضح، ظاهر، جليّ انتهى كلام وليّ الدين -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تقدّم بيان الاختلاف في عذاب القبر في "أبواب الطهارة" -٢٧/ ٣١ - بأتم مما هنا، فراجعه، تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

стр. 11007

٢٠٥٨ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ, عَنْ حُمَيْدٍ, عَنْ أَنَسٍ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , سَمِعَ صَوْتًا, مِنْ قَبْرٍ, فَقَالَ: «مَتَى مَاتَ هَذَا؟». قَالُوا: مَاتَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ, فَسُرَّ بِذَلِكَ, وَقَالَ: «لَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا, لَدَعَوْتُ اللَّهَ, أَنْ يُسْمِعَكُمْ عَذَابَ الْقَبْرِ». رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (سُويد بن نصر) المروزيّ، ثقة [١٠] ٤٥/ ٥٥. ٢ - (عبد اللَّه) بن المبارك الإمام الحجة المروزيّ [٨] ٣٢/ ٣٦. ٣ - (حميد) بن أبي حميد الطويل البصريّ الثقة العابد [٥] ٨٧/ ١٠٨. ٤ - (أنس) بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه - ٦/ ٦. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من رباعيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو (١١٩) من رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه. (ومنها): أن شيخه وعبد اللَّه مروزيان، وحميدًا وأنسًا بصريان. (ومنها): أن فيه أنسًا ﵁ أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة ﵃ بالبصرة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَنَسٍ) بن مالك ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، سَمِعَ صَوْتًا، مِنْ قَبْرٍ) أي من ميت مدفون في قبر (فَقَالَ: "مَتَى مَاتَ هَذَا؟) أي صاحب القبر (قَالُوا: مَاتَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ) أي في الأيام التي قبل الإسلام (فَسُرَّ بِذَلِكَ) بالبناء للمفعول، من السرور، أي استبشر النبي ﷺ بكون ذلك المدفون ممن مات قبل الإسلام، حيث لم يكن من أمته. وقال السنديّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: والمراد أنه أزيل عنه ما لحقه من الغمّ والحزن باحتمال أن يكون الميت مؤمنًا معذّبًا في القبر. ويحتمل أن يقال: بجواز السرور بعذاب عدوّ اللَّه، من حيثية عداوته مع اللَّه تعالى انتهى (١). (وَقَالَ) ﷺ (لَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا) أي لولا خشية أن يفضي سماعكم إلى ترك أن يدفن بعضكم بعضًا (لَدَعَوْتُ اللَّهَ، أَنْ يُسْمِعَكُمْ) من الإسماع (عَذَابَ الْقَبْرِ) قال السنديّ - رحمه اللَّه تعالى -: أي الصوت الذي هو أثره، وإلا فالعذاب لا يسمع، واللَّه تعالى أعلم. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لا مانع من سماع العذاب نفسه، كما تقدم في حديث

стр. 11008

البراء ﵁: "فيُضرَب بمطارق من حديد، ضربة، فيصيح صيحة، يسمعها من يليه من الثقلين". فلا يُستغرب أن يُسمع ضربُهُم بالمطارق، كما تُسمع صيحته. واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: هذا الحديث قد رواه مسلم في "صحيحه" من حديث أبي سعيد الخدريّ، عن زبد بن ثابت، ﵄، مطوّلاً، فقال: ٢٨٦٧ - حدثنا يحيى بن أيوب، وأبو بكر بن أبي شيبة جميعا، عن ابن علية، قال ابن أيوب: حدثنا ابن علية، قال: وأخبرنا سعيد الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، عن زيد بن ثابت، قال أبو سعيد: ولم أشهده من النبي ﷺ ، ولكن حدثنيه زيد بن ثابت، قال: بينما النبي ﷺ ، في حائط لبني النجار، على بغلة له، ونحن معه، إذ حادت به، فكادت تلقيه، وإذا أَقْبُرٌ ستة، أو خمسة، أو أربعة، قال: كذا كان يقول الجريري، فقال: "من يعرف أصحاب هذه الأقبر؟ "، فقال رجل: أنا، قال: "فمتى مات هؤلاء؟ "، قال: ماتوا في الإشراك، فقال: "إن هذه الأمة تبتلى، في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا، لدعوت اللَّه أن يسمعكم، من عذاب القبر، الذي أسمع منه"، ثم أقبل علينا بوجهه، فقال: "تعوذوا باللَّه من عذاب النار"، قالوا: نعوذ باللَّه من عذاب النار، فقال: "تعوذوا باللَّه من عذاب القبر"، قالوا: نعوذ باللَّه من عذاب القبر، قال: "تعوذوا باللَّه من الفتن، ما ظهر منها وما بطن"، قالوا: نعوذ باللَّه من الفتن، ما ظهر منها وما بطن، قال: "تعوذوا باللَّه من فتنة الدجال"، قالوا: نعوذ باللَّه من فتنة الدجال انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ١١٤/ ٢٠٥٨ - وفي "الكبرى" ١١٤/ ٢١٨٥. وأخرجه (م) ٢٨٦٧ و ٢٨٦٨ (أحمد) ١١٧١٣ و ١٢١٤٣ و ١٣٤٧٦. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما بوّب له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو إثبات عذاب القبر. ومنها: أن فيه معجزة للنبيّ ﷺ ، حيث كان يسمع عذاب من يعذّب في قبره. ومنها: بيان لطف اللَّه تعالى بعباده، حيث أخفى عنهم عذاب القبر، مع أنه يسمعه سائر الحيوانات، وذلك رأفة بهم، وبمن يموت، إذ لولا ذلك لتعطل دفن الموتى، ولأهينت جُثث الأموات، وصارت كجُثث سائر البهائم. ومنها: بيان شدّة رأفة النبي ﷺ بأمته، حيث لم يدع اللَّه

стр. 11009

أن يسمعهم عذاب القبر؛ لما ذكره. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٠٥٩ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, عَنْ شُعْبَةَ, قَالَ: أَخْبَرَنِي عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ, عَنْ أَبِيهِ, عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ, عَنْ أَبِي أَيُّوبَ, قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ, فَسَمِعَ صَوْتًا, فَقَالَ: «يَهُودُ تُعَذَّبُ فِي قُبُورِهَا». رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عون بن أبي جحيفة) السُّوَائيّ الكوفيّ، ثقة [٤] ١٠٣/ ١٣٧. ٢ - (أبوه) أبو جُحَيفة وهب بن عبد اللَّه السُّوائيّ، ويقال: اسم أبيه وهب أيضًا، يقال له: وهب الخير، صحابيّ معروف، وصحب عليّا ﵄ ١٠٣/ ١٣٧. ٣ - (أبو أيوب) الأنصاريّ، خالد بن زيد بن كُليب، من كبار الصحابة ﵃، شهد بدرًا، ونزل عليه النبيّ ﷺ حين قَدِمَ المدينة، ومات غازيا بالروم، سنة (٥٠) أو بعدها ٢٠/ ٢٠. والباقون تقدّموا قريبًا. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة، ومن بعده كوفيون. (ومنها): أن فيه رواية ثلاثة من الصحابة بعضهم عن بعض، ورواية الابن عن أبيه. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي أَيُّوبَ) بهنى، أنه (قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ) ولفظ البخاريّ: "وقد وجبت الشمس"، وهو بمعنى غربت (فَسَمِعَ صَوْتًا) قال في "الفتح": قيل: يحتمل أن يكون صوت ملائكة العذاب، أو صوت اليهود المعذّبين، أو صوت وَقْع العذاب. قال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وقد وقع عند الطبرانيّ، من طريق عبد الجبّار بن العبّاس، عن عون، مفسّرًا، ولفظه:، "خرجتُ مع النبيّ ﷺ حين غربت الشمس، ومعي كوز، من ماء، فانطلق لحاجته، حتى جاء، فوضّأته، فقال: "أتسمع ما أسمع؟ "، قلت: اللَّه ورسوله أعلم، قال: "أسمع أصوات اليهود، يعذّبون في قبورهم" انتهى (١) (فَقَالَ: "يُهودُ تُعَذَّبُ فِي قُبُورِهَا") "يهود" خبر لمحذوف، أي هذه يهود،

стр. 11010

والجملة الفعلية في محلّ نصب على الحال، أو "يهود" مبتدأ، والجملة بعده خبره. قال الجوهريّ: اليهود قبيلة، والأصل اليهوديّون، فحذفت ياء الإضافة، مثل زنج، وزنجيّ، ثم عُرِّفَ على هذا الحدّ، فجمع على قياس شعير وشعيرة، ثم عُرِّفَ الجمع بالألف واللام، ولولا ذلك لم يجز دخول الألف واللام؛ لأنه معرفة مؤنث، فجرى مجرى القبيلة، وهو غير منصرف للعلمية والتأنيث. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١١٤/ ٢٠٥٩ - وفي "الكبرى" ١١٤/ ٢١٨٦ - . وأخرجه (خ) ١٣٧٥ (م) ٢٨٦٩ (أحمد) ٢٣٠٢٨ و ٣٣٠٤٣. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الئالثة: في فوائده: منها: ما بوّب له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو إثبات عذاب القبر. ومنها: إثبات معجزة للنبي ﷺ حيث إن اللَّه أطلعه على ما في عالم البرزخ، فأخبر بذلك. ومنها: أن اليهود تعذّب في قبرها قبل يوم القيامة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١١٥ - التَّعَوُّذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ٢٠٦٠ - أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ دُرُسْتَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْمَاعِيلَ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ, أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ, حَدَّثَهُ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ, وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ النَّارِ, وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا, وَالْمَمَاتِ, وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ». رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يحيى بن دُرُسْت) البصريّ، ثقة [١٠] ٢٣/ ٢٤.

стр. 11011

٢ - (أبو إسماعيل) القّنّاد، إبراهيم بن عبد الملك البصريّ، صدوق، في حفظه شيء [٧] ٢٣/ ٢٤. ٣ - (يحيى بن أبي كلثير) اليماميّ البصريّ، ثقة ثبت، مدلس [٥] ٢٣/ ٢٤. ٤ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن المدنيّ الفقيه، ثقة [٣] ١/ ١. ٥ - (أبو هريرة) ﵁ ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فتفرد به هو والترمذيُّ، وابن ماجه، وشيخ شيخه، فتفرد به هو والترمذُّي. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى يحيى، والباقيان مدنيان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، وفيه أبو سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وأبو هريرة ﵁ رأس المكثرين من الرواية. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أنَهُ كَانَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ) الإضافة بمعنى "في" أي من عذاب في القبر (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا، وَالمَمَاتِ) "المحيا" بالقصر مَفْعَل كـ"الممات"، والمراد الحياة، والموت، ويحتمل أن يريد زمان ذلك، ويريد بذلك محنة الدنيا، وما بعدها، ويحتمل أن يريد بذلك حالة الاحتضار، وحالة المسألة في القبر، وكأنه استعاذ من فتنة هذين المقامين، وسأل التثبيت فيهما. قاله القرطبيّ، وقد تقدّم أقوال تتعلق بتفسير هاتين الكلمتين في "كتاب الصلاة" [٦٤/ ١٣٠٩] فراجعه تستفد (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ") أي من الامتحان، والاختبار بسببه، وقد تقدّم تفسير المسيح الدجّال في شرح الحديث المذكور. والمراد بفتنته ما يظهر على يديه من الخوارق للعادات التي يُضلّ بها من ضعف إيمانه، كما اشتملت عليه الأحاديث الكثيرة التي بيّنت خروجه في آخر الزمان، وما يظهر معه من تلك الأمور، أعاذنا اللَّه تعالى من شرّ فتنبّه، بمنه، وكرمه آمين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١١٥/ ٢٠٦٠ و ٢٠٦١ و٥٥٠٥ و ٥٥٠٦ و ٥٥٠٨ و ٥٥٠٩ و٥٥١٠

стр. 11012

و ٥٥١١ و ٥٥١٣ و٥٥١٥ و ٥٥١٦ و ٥٥١٧ و ٥٥١٨ و ٥٥٢٠ وفي "الكبرى" ١١٥/ ٢١٨٧ و ٢١٨٨ و ٧٩٤٢ و ٧٩٤٣ و ٧٩٤٥ و ٧٩٤٦ و ٧٩٤٧ و ٧٩٤٨ و ٧٩٥٣ و ٧٩٥٤. وأخرجه (خ) ١٣٧٧ (م) ٥٨٨ (د) ٩٨٣ (أحمد) ٧١١٩٦ و ٧٢٩٠ و ٧٣٨٦ و ٧٦٠٠ و ٧٨١٠. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما بوّب له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو الأمر بالتعوّذ من عذاب القبر. ومنها: التعوّذ من عذاب النار. ومنها: التعوّذ من فتنة المحيا والممات. ومنها: التعوّذ من فتنة المسيح الدجّال. ومنها: أن فيه عَلَمًا من أعلام النبوّة، حيث إنه ﷺ أخبر بأنه سيأتي الدجال في آخر الزمان. ومنها: إثبات عذاب القبر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٠٦١ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَّادِ بْنِ الأَسْوَدِ بْنِ عَمْرٍو, عَنِ ابْنِ وَهْبٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ,, عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ,, قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , بَعْدَ ذَلِكَ, يَسْتَعِيذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ. رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عمرو بن سوّاد بن الأسود) أبو محمد المصريّ، ثقة [١١] ٤٥/ ٥٩٤. ٢ - (حميد بن عبد الرحمن) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقة [٣] ٣٢/ ٧٢٥. والباقون تقدّموا غير مرّة. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: شرح الحديث واضح. وقوله: "بعد ذلك" هكذا في رواية مسلم أيضًا، ولعل اسم الإشارة يعود إلى وقت الوحي إلى النبيّ ﷺ بفتنة القبر، كما سيأتي في حديث أسماء ﵂ التالي. والحديث أخرجه المصنّف هنا -١١٥/ ٢٠٦١ - وفي "الكبرى" ١١٥/ ٢١٨٨. وأخرجه (م) ١٢٤. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٠٦٢ - أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ, عَنِ ابْنِ وَهْبٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ, أَنَّهُ سَمِعَ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ, تَقُولُ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , فَذَكَرَ الْفِتْنَةَ, الَّتِي يُفْتَنُ بِهَا الْمَرْءُ فِي قَبْرِهِ, فَلَمَّا ذَكَرَ ذَلِكَ, ضَجَّ الْمُسْلِمُونَ ضَجَّةً, حَالَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ أَنْ أَفْهَمَ, كَلَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَلَمَّا سَكَنَتْ ضَجَّتُهُمْ, قُلْتُ لِرَجُلٍ قَرِيبٍ مِنِّي: أَيْ بَارَكَ اللَّهُ لَكَ, مَاذَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فِي آخِرِ قَوْلِهِ؟ , قَالَ: «قَدْ أُوحِىَ إِلَيَّ, أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ, قَرِيبًا مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ».

стр. 11013

رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (سليمان بن داود) بن حمّاد، أبو الربيع المصريّ، ثقة [١١] ٦٣/ ٧٩. ٢ - (عروة بن الزبير) بن العوّام المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ٤٠/ ٤٤. ٣ - (أسماء بنت أبي بكر) الصدّيق ﵄ -١٨٥/ ٢٩٣. والباقون تقدّموا قريبًا. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، سوى شيخه. (ومنها): أن الثلاثة الأولين مصريون، والباقون مدنيون. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، والابن عن أمه. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) أنه قال (أَخبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيرِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ) ﵄ (تَقُولُ: قَامً رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرَ الْفِتْنَةَ، الَّتِي) ووقع في نسخة: "الذي"، والظاهر أنه تصحيف (يُفْتَنُ بَهِا الْمَرْءُ فِي قَبْرِهِ) أي ذكر الامتحان الذي يمتحنه العبد في قبره، وهو سؤال الملكين. روى الامام أحمد في "كتاب الزهد"، وأبو نعيم في "الحلية"، عن طاوس، قال: "إن الموتى يُفتنون في قبورهم سبعًا، وكانوا يستحبّون أن يطعموا عنهم تلك الأيام". وروى ابن جريج في "مصنّفه" عن الحارث بن أبي الحارث، عن عبيد بن عمير، قال: يُفتن رجلان: مؤمن، ومنافق، فأما المؤمن، فيفتن سبعًا، وأما المنافق، فيفتن أربعين صباحًا". انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الأثران هكذا نقلهما السيوطيّ في شرحه، وهما موقوفان، وُيحتاج إلى النظر في أسانيدهما فاللَّه تعالى أعلم. (فَلَمَّا ذَكَرَ ذَلِكَ) أي فتنة المرء في قبره (ضَجَّ الْمُسْلِمُونَ ضَجَّةً) أي صاحوا صيحة (حَالَتْ بَيْني وَبَيْنَ أَنْ أَفْهَمَ، كَلَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) وجملة "حالت الخ" في محلّ نصب صفة لـ"صيحة"، أي صيحةً مانعةً من فهم كلام رسول اللَّه ﷺ (فَلَمَّا سَكَنَتْ) بالنون بعد الكاف، أي هدأت. وفي "الكبرى": "سكتت" بالتاء بعد الكاف، وهو قريب من معنى الأول (ضَجَّتُهُمْ، قُلْتُ لِرَجُلٍ قَرِيبٍ مِنِّي) وفي رواية فاطمة بنت المنذر، عن أسماء عند

стр. 11014

البخاريّ في "الجمعة": "لما قال: أما بعد، لغط نسوة من الأنصار، وأنها ذهبت لتسكتهن، فاستفهمت عائشة عما قال". قال الحافظ ﵀: يجمع بين مختلف الروايات أنها احتاجت إلى الاستفهام مرتين، وأنه لما حدثت فاطمةَ لم تبيّن لها الاستفهام الثاني. قال: ولم أقف على اسم الرجل الذي استفهمت منه عن ذلك إلى الآن. ولأحمد من طريق محمد بن المنكدر، عن أسماء، مرفوعًا: "إذا دخل الإنسان قبره، فإن كان مؤمنًا، احتَفَّ به عمله، فيأتيه الملك، فتردّه الصلاة، والصيام، فيناديه الملك: اجلس، فيجلس، فيقول: ما تقول في هذا الرجل محمد؟ قال: أشهد أنه رسول اللَّه، قال: على ذلك عشتَ، وعليه متّ، وعليه تُبعث … " الحديث. (أَيْ بَارَكَ اللَّهُ لَكَ) وفي "الكبرى": "أن بارك اللَّه فيك"، وإنما دعت له بالبركة؛ تبجيلاً له، وتمهيدًا لسؤالها، وهكذا ينبغي للسائل أن يقدّم قبل سؤاله ما يدلّ على تبجيل العالم، وتعظيمه، من الدعاء له، وندائه بما يُحبّ أن ينادى به. واللَّه تعالى أعلم. (مَاذَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :، فِي آخِرِ قَوْلِهِ؟ قَالَ) حذف منه أحد القولين، أي قال ذلك الرجل: قال رسول اللَّه ﷺ (قَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ، أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ) قال في "النهاية": يريد مسألة منكر ونكير، من الفتنة، وهي الامتحان، والاختبار انتهى (١). (قَرِيبًا مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ ") قال الكرمانيّ: وجه التشبيه بين الفتنتين الشدّة، والهول، والعموم انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أسماء بنت أبي بكر ﵄ هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١١٥/ ٢٥٦٣ - وفي "الكبرى" ١١٥/ ٢١٨٩. وأخرجه (خ) ٨٦ و ١٠٥٤ و ١٣٧٣ و ٧٢٨٧ (م) ٩٠٥ (أحمد) ٢٦٣٨٥ و ٢٦٤٥٢ (الموطأ) ٤٤٧. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٠٦٣ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ, عَنْ طَاوُسٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , كَانَ يُعَلِّمُهُمْ هَذَا الدُّعَاءَ, كَمَا يُعَلِّمُهُمُ السُّورَةَ, مِنَ الْقُرْآنِ,

стр. 11015

قُولُوا: «اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ, وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ, وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ, وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ». قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد تقدّموا غير مرّة، وشرح الحديث يعلم من شرح حديث أبي هريرة ﵁. والحديث أخرجه المصنّف هنا -١١٥/ ٢٠٦٣ و ٥٥١٢ - وفي "الكبرى" ١١٥/ ٢١٩٠. وأخرجه (م) ٥٩٠ (د) ٩٨٤ (ت) ٣٤٩٤ (ق) ٣٨٤٠ (أحمد) ٢١٦٩ و ٢٧٧٤ و ٢٨٣٤ (الموطأ) ٤٩٩. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٠٦٤ - أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ, عَنِ ابْنِ وَهْبٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ, أَنَّ عَائِشَةَ, قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , وَعِنْدِي امْرَأَةٌ مِنَ الْيَهُودِ, وَهِيَ تَقُولُ: إِنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ, فَارْتَاعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ «إِنَّمَا تُفْتَنُ يَهُودُ» , وَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَبِثْنَا لَيَالِيَ, ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّهُ أُوحِيَ إِلَيَّ, أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ». قَالَتْ عَائِشَةُ: فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدُ, يَسْتَعِيذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ. رجال هذا الإسناد: ستة، تقدموا كلهم قبل حديثين، وذكرت هناك لطائف الإسناد أيضًا، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث عن عائشة ﵂ أنها (قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَعِنْدِي امْرَأَةٌ، مِنَ الْيَهُودِ) وفي الرواية الآتية بعد حديث: "دخلت يهودية عليها، فاستوهبتها شيئًا، فوهبت لها عائشة … "، وفي الرواية التي بعدها: "قالت: دخلت عليّ عجوزتان من عجوز يهود المدينة، فقالتا: إن أهل القبور يعذبون في قبورهم … "، ولا تنافي بين الروايتين، إذ يمكن أن إحداهما تكلمت، وأقرّتها الأخرى على ذلك، فنسبت القول إليهما مجازًا، والإفراد يُحمل على المتكلّمة، أفاده الحافظ، وقال: لم أقف على اسم واحدة منهما. (وَهِيَ تَقُولُ: إِنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ، فَارْتَاعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) من الارتياع: وهو الفزع، والمراد أنه صار ذلك الكلام عنده بمنزلة خبر، لم يَسبِق له به علم، ويكون شنيعًا منكرًا، ثم ردّه بقوله: "إنما تُفتن اليهود الخ" بناءً على أنه ما أوحي إليه قبل ذلك، ومقتضى الظاهر أنه لو كان لأوحي إليه، فليس هذا من باب الإنكار بمجرد عدم الدليل، بل لقيام أمارةٍ مّا على العدم أيضًا، وفيه أنه يجوز إنكار ما لا يثبت إلا بدليل، إذا لم يقم

стр. 11016

عليه دليل، وظهر أمارةٌ مّا على عدمه، وإن كان حقّا، ولا إثم بإنكاره. قاله السنديّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (وَقَالَ: "إِنَّمَا تُفْتَنُ يَهُودُ) أي إنما تُفتن في قبورها يهود، لا المسلمون. وفي هذه الرواية أنكر النبيّ ﷺ على اليهودية، وفي الرواية السابقة -٦٤/ ١٣٠٨ - من رواية مسروق عن عائشة: "فقال: نعم عذاب القبر حقّ"، أقرّها على ما قالت، وبين الروايتين اختلاف. وأجاب النووي تبعا للحاويّ وغيره، بأنهما قصتان، فأنكر النبيّ ﷺ قول اليهودية في الأولى، ثم أُعلِمَ النبيُّ ﷺ بذلك، ولم يُعلِم عائشة، فجاءت اليهودية مرة أخرى، فذكرت لها ذلك، فأنكرت عليها مستندة إلى الإنكار الأول، فأعلمها النبيّ ﷺ بأن الوحي نزل بإثباته انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وبهذا يجاب أيضا ما سيأتي في قصة العجوزين أنه قال: "صدقتا الخ". وأصرح من رواية الباب في إنكار النبيّ ﷺ على اليهودية عذاب القبر، ما أخرجه الإمام أحمد بإسناد على شرط البخاريّ، عن سعيد، بن عمرو سعيد الأمويّ، عن عائشة، أن يهودية كانت تخدُمها، فلا تصنع عائشة إليها شيئا، من المعروف إلا قالت لها اليهودية، وقاك اللَّه عذاب القبر، قالت: فدخل رسول اللَّه ﷺ عليّ، فقلت: يا رسول اللَّه، هل للقبر عذاب، قبل يوم القيامة؟، قال: "لا، وعَمَّ ذاك؟ "، قالت: هذه اليهودية، لا نصنع إليها من المعروف شيئا، إلا قالت: وقاك اللَّه عذاب القبر، قال: "كذبت يهود، وهم على اللَّه كُذُبٌ، لا عذاب دون يوم القيامة"، قالت: ثم مكث بعد ذاك، ما شاء اللَّه أن يمكث، فخرج ذات يوم نصف النهار، مشتملا بثوبه، محمرة عيناه، وهو ينادي بأعلى صوته: "أيها الناس أظلتكم الفتن، كقطع الليل المظلم، أيها الناس لو تعلمون ما أعلم، لبكيتم كثيرا، وضحكتم قليلا، أيها الناس، استعيذوا باللَّه، من عذاب القبر، فإن عذاب القبر حق". قال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وفي هذا كله أنه ﷺ إنما علم بحكم عذاب القبر، إذ هو بالمدينة في آخر الأمر، كما تقدّم تاريخ صلاة الكسوف في موضعه. وقد استشكل ذلك بأن الآية المتقدّمة مكيّة، وهي قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية [إبراهيم: ٢٧]، وكذلك الآية الأخرى المتقدمة، وهي قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ الآية [غافر: ٤٦]. والجواب أن عذاب القبر إنما يؤخذ من الأولى بطريق المفهوم، من حقّ من لم يتّصف بالإيمان، وكذلك بالمنطوق في الأخرى في حقّ آل فرعون، وإن التحق بهم من كان في حكمهم من الكفار، فالذي أنكره النبيّ ﷺ إنما هو وقوع عذاب القبر على

стр. 11017

الموحّدين، ثم عَلِم ﷺ أن ذلك قد يقع على من يشاء اللَّه منهم، فجزم به، وحذّر منه، وبالغ في الاستعاذة منه، تعليمًا لأمته، وإرشادًا، فانتفى التعارض- بحمد اللَّه تعالى- انتهى (١). (وَقَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂ (فَلَبثْنَا لَيَالِيَ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّهُ أُوحِيَ إِلَيَّ) وفي "الكبرى": "هل شَعَرتِ أنه أَوحي إليّ (أَنَّكمْ) أيها المسلمون (تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ") أي كما تفتن اليهود في قبورها (قَالَتْ: عَائِشَةُ) ﵂ (فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدُ) أي بعد الواقعة المذكورة، وبعد أن أوحي إليه (يَسْتَعِيذُ مِنْ عَذَاب الْقَبْرِ) أي يطلب من اللَّه تعالى أي يعصمه من عذاب القبر، وهذا في حقّه ﷺ تعبّد لربه، وتعليم لأمته، لأنه معصوم من جميع أنواع العذاب، حيث إن اللَّه ﷺ غفر له ما تقدّم من ذنبه، وما تأخر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة ﵂ هذا متفقٌ عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١١٥ و ٢٠٦٤ و٢٠٥٥ و ٢٠٦٦ و ٢٠٦٧ و ٦٤/ ١٣٠٨ و ٥٥٠٤ - وفي "الكبرى" ١١٥/ ٢١٩١ و ٢١٩٢ و ٢١٩٣ و ٢١٩٤ و ٩٨/ ١٢٣١ وأخرجه (خ) ١٠٥٠ و ١٥٦ و ٢٣٦٦ (م) ٥٨٤ و ٥٨٦ (أحمد) ٢٣٧٤٧ و ٢٤٠٦١ و ٢٥٤٧٧ و ٢٥٥٧٤ و ٢٥٨٠١. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما بوّب له المصنّف، وهو إثبات عذاب القبر. ومنها: أن عذاب القبر ليس خاصًّا باليهود، بل يعم غيرها من الأمم. ومنها: مشروعية الاستعاذة من عذاب القبر. ومنها: ما كان عليه النبي ﷺ من شدّة الخوف من اللَّه تعالى، فكان يستعيذ به من عذاب القبر، وعذاب النار، مع أنه ﷺ غفر له ما تقدّم من ذنبه، وما تأخّر. ومنها: أنه ﷺ لا يعلم الغيب، إلا ما أطلعه اللَّه تعالى بالوحي، ولذا أنكر على اليهودية عذاب القبر؛ لأنه لم يوح إليه به في ذلك الوقت، ثم لما أوحي إليه به صدّقها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٠٦٥ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ يَحْيَى, عَنْ عَمْرَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , كَانَ يَسْتَعِيذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ, وَمِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ, وَقَالَ: «إِنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ».

стр. 11018

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق آخر لحديث عائشة ﵂، وهو حديث صحيح. و"سفيان": هو ابن عيينة. و"يحيى": هو ابن سعيد الأنصاريّ. و"عمرة": هي بنت عبد الرحمن الأنصارية. وتقدم تمام الكلام في الحديث الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٠٦٦ - أَخْبَرَنَا هَنَّادٌ, عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنْ شَقِيقٍ, عَنْ مَسْرُوقٍ, عَنْ عَائِشَةَ, دَخَلَتْ يَهُودِيَّةٌ عَلَيْهَا, فَاسْتَوْهَبَتْهَا شَيْئًا, فَوَهَبَتْ لَهَا عَائِشَةُ, فَقَالَتْ: أَجَارَكِ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ, قَالَتْ: عَائِشَةُ: فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ, حَتَّى جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ, فَقَالَ:: «إِنَّهُمْ لَيُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ, عَذَابًا تَسْمَعُهُ الْبَهَائِمُ». قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق آخر أيضًا لحديث عائشة ﵂ وهو صحيح أيضًا. فقولها: "دخلت يهودية عليها". قال السنديّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: الظاهر أن هذه الواقعة غير الأولى، وهي متأخرة عنها، فهذه الواقعة كانت بعد أن أوحي إليه، وأما قولها: "دخلت عليها عجوزتان الخ" فذاك عين هذه الواقعة، إلا أنه وقع الاقتصار على ذكر الواحدة أحيانًا، وجاء ذكرهما أخرى انتهى (١). وقولها: "أجارك اللَّه الخ": أي حفظك اللَّه تعالى. وقولها: قي فوقع في نفسي شيء": أي إنكار لما قالته. وقوله: "إنهم ليعذّبون الخ" هذا يحتمل أنه قاله قبل أن يوحى إليه، فالضمير لليهود، ويحتمل أن يكون لأهل القبور، قاله بعد ما أحي إليه ﷺ ، وهذا الاحتمال هو الذي أشار إليه السنديّ في كلامه المذكور آنفًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٠٦٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ, عَنْ مَنْصُورٍ, عَنْ أَبِي وَائِلٍ, عَنْ مَسْرُوقٍ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: دَخَلَتْ عَلَيَّ عَجُوزَتَانِ, مِنْ عُجُزِ يَهُودِ الْمَدِينَةِ, فَقَالَتَا: إِنَّ أَهْلَ الْقُبُورِ, يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ, فَكَذَّبْتُهُمَا, وَلَمْ أَنْعَمْ أَنْ أُصَدِّقَهُمَا, فَخَرَجَتَا, وَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِنَّ عَجُوزَتَيْنِ, مِنْ عُجُزِ يَهُودِ الْمَدِينَةِ, قَالَتَا: إِنَّ أَهْلَ الْقُبُورِ, يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ, قَالَ: «صَدَقَتَا, إِنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ عَذَابًا, تَسْمَعُهُ الْبَهَائِمُ كُلُّهَا» , فَمَا رَأَيْتُهُ صَلَّى صَلَاةً, إِلاَّ تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق آخر أيضًا لحديث عائشة ﵂ أخرجه البخاريّ. و "محمد ابن قدامة": هو المصيصيّ الثقة. و"جربر": هو ابن عبد الحميد. و"منصور": هو ابن المعتمر.

стр. 11019

وقولها: "دخلت علي عجوزتان" هكذا نسخ "المجتبى" "عجوزتان"، بتاء التأنيث، وفي "الكبرى": "عجوزان"، وهو الذي في "الصحيحين". وهو المشهور عند اللغويين، قال ابن السّكّيت: العَجُوز: المرأة المسنّة، ولا يؤنّث بالهاء. والأُولى أيضًا جائزة عند بعض اللغويين، فقد قال ابن الأنباريّ: ويقال أيضًا: عَجوزة بالهاء، لتحقيق التأنيث، وروي عن يونس أنه قال: سمعت العرب، تقول: عَجُوزة بالهاء. قاله في "المصباح". وقولها: "من عُجُز يهود المدينة" بضم العين المهملة، والجيم، بعدها زاي، جمع عجوز، مثل عمود، وعُمُد، ويجمع أيضًا على عجائز. وقوله: "ولم أُنعِم الخ" بضم الهمزة، من الإنعام، رباعيّا، يقال: أنعمت له بالألف: إذا قلتَ له: نعم، والمراد أنها لم تصدّقهما أوّلًا. يعني أنها لم تطب نفسها بذلك؛ لظهور كذب اليهود، وافترائهم في الدين، وتحريفهم الكتاب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١١٦ - وَضْعُ الْجَرِيدِ عَلَى الْقَبْرِ قال الجامع عفا اللُّه تعالى عنه: الظاهر أن المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- يرى مشروعية وضع الجريد على القبر، وقد تقدّم تمام البحث في هذا في "أبواب الطهارة" -٢٧/ ٣١ - ورجّحت هناك عدم المشروعية، وذكرت الأدلة على ذلك، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. ٢٠٦٨ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ, عَنْ مَنْصُورٍ, عَنْ مُجَاهِدٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحَائِطٍ, مِنْ حِيطَانِ مَكَّةَ, أَوِ الْمَدِينَةِ, سَمِعَ صَوْتَ إِنْسَانَيْنِ, يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يُعَذَّبَانِ, وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ» , ثُمَّ قَالَ: «بَلَى, كَانَ أَحَدُهُمَا, لَا يَسْتَبْرِئُ مِنْ بَوْلِهِ, وَكَانَ الآخَرُ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ» , ثُمَّ دَعَا بِجَرِيدَةٍ, فَكَسَرَهَا كِسْرَتَيْنِ, فَوَضَعَ عَلَى كُلِّ قَبْرٍ, مِنْهُمَا كِسْرَةً, فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟ , قَالَ: "لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا, مَا لَمْ يَيْبَسَا", أَوْ "أَنْ يَيْبَسَا". رجال هذا الإسناد: خمسة: تقدم الثلاثة الأولون في السند الماضي، وابن عباس تقدم في الباب الماضي،

стр. 11020

ومجاهد بن جبر تقدّم أيضًا غير مرة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ مُجَاهِدٍ,) بن جَبْر المكيّ الإمام الثقة الثبت (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄، وفي الرواية التالية أدخل بين مجاهد، وابن عباس طاوسًا، وكلاهما محفوظ، ولذا أخرج البخاريّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- الحديث بكلتا الريقين، كما تقدّم البحث عن ذلك في ٢٧/ ٣١ (قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بحَائِطٍ) أي ببستان (مِنْ حِيطَانِ مَكَّةَ، أَوِ الْمَدِينَةِ) هكذا في رواية البخاريّ أيضًا بالشكّ، قال الحافظ: والشكّ في قوله: "أو مكّة" من جرير. وفي "الأدب المفرد" له: "خرج النبيّ ﷺ من بعض حيطان المدينة". قال في "الفتح": فيحمل أن الحائط الذي خرج منه غير الحائط الذي مرّ به انتهى (سَمِعَ صَوْتَ إِنْسَانَيْنِ، يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كبِيرٍ) أي بسبب أمر كبير يشقّ عليهما تركه (ثُمَّ قَالَ: "بَلَى") أي إنه لكبير، وفي رواية: "وما يعذّبان في كبير، وإنه لكبير" (كَانَ أَحَدُهُمَا، لَا يَسْتَبْرِئُ مِنْ بَوْلِهِ) أي لا يتطهّر منه، وفي الرواية المتقدمة: "فكان لا يستنزه من بوله" (وَكَانَ الآخَرُ يَمْشِي بالنَّمِيمَةِ") أي يسعى بالفساد بين القوم، بأن ينقل لكل واحد منهم ما يقوله الآخر، من الشتم، والأذى (ثُمَّ دَعَا بِجَرِيدَةٍ) أي طلب من الصحابة أن يأتوه بجريدة. وهي فعلية بمعنى مفعولة، وهى واحدة الجريد، وهو سَعَفُ النخل، وإنما تسمّى جريدة إذا جُرِّدَ عنها خُوصها. قاله في "المصباح" (فَكَسَرَهَا كِسْرَتَينِ فَوَضَعَ عَلَى كُلِّ قَبْرٍ، مِنْهُمَا كِسْرَةً) وفي الرواية التالية: "ثم أخذ جريدة رطبة، فشقها نصفين، ثم غرز في كل قبر واحدة". وفي رواية عبد بن حميد: "ثم غرز عند رأس كلّ واحدة منهما قطعة" (فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟، قَالَ:؟ "لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا) أي يخفف العذاب عن المقبورين (مَا) مصدرية ظرفية (لَمْ يَيْبَسَا") أي مدة عدم جفاف العودين (أَوْ) للشكّ من الراوي (إِلَى أَنْ يَيْبَسَا) واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١١٦/ ٢٠٦٨ و ٢٠٦٩ و ٢٧/ ٣١ وفي "الكبرى" ١١٦/ ٢١٩٥ و ٢١٩٦. وأخرجه (خ) ٢١٦ و ٢١٨ و ١٣٦١ و ١٣٧٨ و ٦٠٥٢ و٦٠٥٥ (م) ٢٩٢ (د) ٢٠ (ت) ٧٠ (ق) ٣٤٧ (أحمد) ١٩٨١ (الدارمي) ٧٣٩. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 11021

وسائر ما يتعلّق بالحديث قد تقدّم في "الطهارة" -٢٧/ ٣١ - فارجع إليه تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٠٦٩ - أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ, فِي حَدِيثِهِ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنْ مُجَاهِدٍ,, عَنْ طَاوُسٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَبْرَيْنِ, فَقَالَ:: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ, وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ, أَمَّا أَحَدُهُمَا, فَكَانَ لَا يَسْتَبْرِئُ مِنْ بَوْلِهِ, وَأَمَّا الآخَرُ, فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ, ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً, فَشَقَّهَا نِصْفَيْنِ, ثُمَّ غَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً, فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ, لِمَ صَنَعْتَ هَذَا, فَقَالَ:: «لَعَلَّهُمَا أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا, مَا لَمْ يَيْبَسَا». قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق آخر لحديث ابن عباس ﵂، وقد خالف الأعمش منصورًا، فادخل طاوسًا بين مجاهد، وبين ابن عباس ﵄، وقد قدمنا أن كِلَا الطريقين صحيحان، ولذا أخرجهما الإمام البخاريّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "صحيحه"، واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: زاد في "الكبرى" بعد هذا الحديث: ما نصّه: قال أبو عبد الرحمن: بعض حروف أبى معاوية لم أفهمه، كما أردت انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أن مراده أنه لم يتبين له حينما سمع هذا الحديث من هناد بعض الحروف التي اشتمل عليها "أبو معاوية" يعني كلمة "أبى" وكلمة "معاوية" ويحتمل أن يكون المعنى أن بعض حروف الحديث من رواية أبي معاوية لم يتبينَ له حينما سمع من هناد، والاحتمال الأول أقرب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٠٧٠ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «أَلَا إِنَّ أَحَدَكُمْ, إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ, بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ, إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ, فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ, وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ, فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ, حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ, يَوْمَ الْقِيَامَةِ». قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: منا سبة حديث ابن عمر ﵄ للترجمة غير واضحة، فإنه ليس لوضع الجريدة على القبر فيه ذكر، ولعله سقط من النسّاخ ترجمة هذا الحديث، وقد ترجم الإمام البخاريّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "صحيحه" لهذا الحديث بقوله: "بابٌ الميتُ يُعرَض عليه مقعده بالغداة والعشيّ". واللَّه تعالى أعلم.

стр. 11022

ورجال هذا الاسناد: أربعة: ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي البغلاني ثقة, ثبت [١٠] ١/ ١. ٢ - (الليث) بن سعد الإمام المصري الحجه الثبت [٧] ٣١/ ٣٥. ٣ - (نافع) العدويّ مولى ابن عمر المدني الفقيه الثقة الثبت [٣] ١٢/ ١٢. ٤ - (ابن عمر) عبد اللَّه ﵄ ١٢/ ١٢. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من رباعيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو (١٢٠) من رباعيات الكتاب. ومنها: أنه فيه ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، ومن مشاهير الصحابة في الفتوى. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: "أَلَا) أداة استفتاح،. وتنبيه (إِنَّ أَحَدَكُمْ، إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ، بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ) قال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: فيه أن الميت يُعرَض عليه في قبره بالغداة والعشيّ مقعده من الجنّة، وفي هذا تنعيم لمن هو من أهل الجنّة، وتعذيب لمن هو من أهل النار بمعاينة ما أعدّ له، وانتظاره ذلك إلى اليوم الموعود، ويوافق هذا في أحد الشّقّين قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]. وقال ابن التين: يحتمل أن يريد بالغداة والعشيّ غداة واحدة، وعشيّة واحدة، يكون العرض فيها. ومعنى قوله: "حتى يبعثك اللَّه" أي لا تصل إليه إلى يوم البعث. ويحتمل أن يريد كلّ غداة، وكلّ عشيّ. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الاحتمال الثاني هو الأقرب، كما تؤيد الآية المذكورة أَحَد شقيه، فالشقّ الآخر مثله، فَيُعرَض على كل فريق مقعده كلّ غداة، وكلّ عشيّ، ولا يعارضه ما تقدّم من عرض المقعد عند السؤال، فذاك عرضٌ غير هذا. واللَّه تعالى أعلم. وقال أبو العباس القرطبيّ: ويجوز أن يكون هذا العرض على الروح وحدها، ويجوز أن يكون عليها مع جزء من البدن، واللَّه أعلم بحقيقة الحال. قال وليّ الدين: ظاهر الحديث عرض هذا على جملته، ولا مانع من إعادة الروح إلى الجسد، أو إلى البعض الذي يدرك منه حالة العرض.

стр. 11023

فإن قلت: وهل في القبر غداة وعشيّ، وليلٌ ونهار؟. قلت: المراد في وقت الغداة والعشيّ عند الأحياء، ويحتمل أن يمثّل له وقت الغداة والعشيّ في حال عرض المقعد عليه، وقد ورد في سؤال الملكين أنه يُمثّل له وقت صلاة العصر، ودنوّ الشمس للغروب. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الاستشكال من أصله فيه إشكال، فأين النصوص التي تنفي الغداة والعشيّ، والليل والنهار عن أهل القبور، حتى نستشكل؟ بل ظواهر النصوص على إثبات ذلك، فلا داعي إلى ردّ مثل هذا الاستشكال الذي لا ينبني على دليل صحيح. فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. قال: وحكى ابن بطال عن بعض أهل بلدهم أن معنى العرض هنا الإخبار بأن هذا موضع أعمالكم، والجزاء لها عند اللَّه تعالى، قال: وأريد بالتكرير بالغداة والعشيّ تذكارهم بذلك، قال: ولسنا نشكّ أن الأجساد بعد الموت، والمسألة هي في الذهاب، وأكل التراب لها، والفناء، ولا يُعرَض شيء على فان، فبان أن العرض الذي يدوم إلى يوم القيامة إنما هو على الروح خاصّة، وذلك أن الأرواح لا تفنى، وهي باقية إلى أن يصير العباد إلى الجنة، أو النار انتهى. قال وليّ الدين -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وما ذكره أولاً من أن معنى العرض هنا الإخبار قد يقتضي عدم معاينة المقعد حقيقةً، وهذا خلاف ظاهر اللفظ، ولا مانع من حمل الحديث، والآية كلى ظاهرهما، وإذا لم يَصرِف عن الظاهر صارف فالإيمان به واجبٌ، وما ذكره من أن العرض على الأرواح خاصّة هو أحد احتمالي القرطبيّ، وظاهر الحديث خلافه، واللَّه أعلم انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما دلّ عليه ظواهر النصوص هو الحق الذي يجب التمسك به، ولا ينبغي الالتفات إلى هذه الاحتمالات العقلية التي تخالف هذه الظواهر، فتبصّر بالإنصاف، ولا تَتَهَوَّرْ بتقليد ذوي الاعتساف. واللَّه تعالى أعلم. (إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ) اتحد فيه الشرط والجزاء لفظًا، ولا بدّ فيه من تقدير. قال التوربشتيّ: التقدير إن كان من أهل الجنّة، فمقعده، من مقاعد أهل الجنة يُعرض عليه. وقال الطيبيّ: الشرط والجزاء إذا اتحدا لفظًا دلّ على الفخامة، والمراد أنه يرى بعد البعث من كرامة اللَّه تعالى ما يُنسيه هذا المقعد انتهى. ووقع عند

стр. 11024

مسلم بلفظ: "إن كان من أهل الجنّة فالجنّة"، أي فالمعروض الجنّة (١). (وِإنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ) التقدير فيه كالتقدير في سابقه (حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ") وفي الرواية التالية: "حتى يبعثك اللَّه يوم القيامة"، بكاف الخطاب. وعند مسلم: "حتى يبعثك اللَّه إليه يوم القيامة". وحكى ابن عبد البرّ فيه الاختلاف بين أصحاب مالك، وأن الأكثر رووه كرواية البخاريّ-يعني حتى يبعثك اللَّه يوم القيامة- وأن ابن القاسم رواه كرواية مسلم، قال: والمعنى حتى يبعثك اللَّه إلى ذلك المقعد. ويحتمل أن يعود الضمير إلى اللَّه، فإلى اللَّه ترجع الأمور، والأول أظهر انتهى. قال الحافظ: ويؤيده رواية الزهريّ، عن سالم، عن أبيه، بلفظ: "ثم يقال: هذا مقعدك الذي تُبعث إليه يوم القيامة". أخرجه مسلم. وقد أخرج النسائيّ (٢) رواية ابن القاسم، لكن لفظه كلفظ البخاريّ انتهى (٣). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن عمر ﵄ هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١١٦/ ٢٠٧٠ و ٢٠٧١ و ٢٠٧٢ وفي "الكبرى" ١١٦/ ٢١٩٧ و ٢١٩٨ و ٢١٩٩. وأخرجه (خ) ١٣٧٩ و ٣٢٤ و ٦٥١٥ (م) ٢٨٦٦ (ت) ١٠٧٢ (ق) ٤٢٧٠ (أحمد) ٤٦٤٤ و ٥٠٩٨ و ٥٨٩٠ و ٦٠٢٣ (الموطأ) ٥٦٤. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: إثبات عذا القبر، لأن عرض مقعده من النار عليه نوع عظيم من العذاب. ومنها: أن الروح لا تفنى بفناء الجسد، لأن العرض لا يمكن إلا على الحيّ. قال القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: هذا الحديث، وما في معناه يدلّ على أن الموت ليس بعدم، وإنما هو انتقال من حال إلى حال، ومفارقة الروح للبدن. وقال بعضهم: ومما يدلّ على حياة الروح، وأنها لا تفنى قوله : ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ

стр. 11025

الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ الآية [الزمر: ٤١] (١). ومنها: أن ابن عبد البرّ استدلّ به على أن الروح على أفنية القبور. قال: والمعنى عندي أنها قد تكون على أفنية قبورها، لا أنها لا تفارق الأفنية، بل هي كما قال مالك: إنه بلغه أن الأرواح تسرح حيث شاءت انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: ما تقدّم من ذكر عرض المقعد على الميت في قبره واضح في الكافر، والمؤمن المخلص، أما المخلّط الذي له ذنوب هو مؤاخذ بها، غير معفوّ عنها، فماذا يُعرض عليه؟. قال وليّ الدين: الذي يظهر أن المعروض عليه مقعده من الجنة، وأما النار، فليس له بها مقعد مستقرّ، وإنما يدخلها لعارض، ليُنقّى، ويطهّر، ويُمحّص، ثم يدخل مقعده من الجنّة، نقيّا، مخلصًا. وذكر أبو العباس القرطبيّ في ذلك تردّدًا، فقال: وأما المؤمن المؤاخذ بذنوبه، فله مقعدان، مقعد في النار زمن تعذيبه، ومقعد في الجنّة بعد إخراجه، فهذا يقتضي أن يُعرضا عليه بالغداة والعشيّ، إلا إن قلنا: إنه أراد بأهل الجنّة كلّ من يدخلها، كيفما كان، فلا يحتاج إلى ذلك التفسير، واللَّه أعلم انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله القرطبيّ أخيرًا هو الأرجح، كما مال إليه وليّ الدين، كما مرّ آنفًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الخامسة: قال أبو العباس القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: هذا إخبار عن غير الشهداء، فإن أرواحهم في حواصل طير، تسرح في الجنّة، وتأكل من ثمارها. قال الحافظ وليّ الدين -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: هذا مبنيّ على أن عرض المقعد على الأرواح خاصّة، فلا يحتاج إلى عرضه عليها؛ لأنها في الجنة، وقد يقال: فائدة ذلك تبشيرها باستقرارها في الجنّة، مقترنة بجسدها في ذلك المحلّ المخصوص على التأبيد، وهذا قدر زائد على ما هي فيه، وأما إذا كان عرض المقعد على الأجساد، فلا مانع من أن الشهداء حينئذ كغيرهم، لأن الذي في الجنة إنما هو أرواحهم، وأما أجسادهم فهي في قبورهم، فتنعّم بعرض المقعد عليها بكرة وعشيّا.

стр. 11026

على أن ذلك قد ورد في أرواح المؤمنين مطلقًا، رواه النسائيّ، من حديث كعب بن مالك ﵁، عن رسول اللَّه ﷺ ، قال: "إنما نسمة المؤمن طائر في شجر الجنة، حتى يبعثه اللَّه إلى جسده يوم القيامة". ورواه ابن ماجه بلفظ: "إن أرواح المؤمنين في طير خضر، يعلُقُ بشجر الجنة". وهو عند الترمذيّ بلفظ: "إن أرواح الشهداء". انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٠٧١ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا الْمُعْتَمِرُ, قَالَ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ اللَّهِ, يُحَدِّثُ عَنْ نَافِعٍ,, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «يُعْرَضُ عَلَى أَحَدِكُمْ, إِذَا مَاتَ, مَقْعَدُهُ مِنَ الْغَدَاةِ, وَالْعَشِيِّ, فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ, فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ, قِيلَ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق ثان لحديث ابن عمر ﵄، متفق عليه، وهو أنزل من سابقه، بدرجة، وتقدم الكلام عليه في الذي قبله. و"إسحاق بن إبراهيم": هو ابن راهويه. و"المعتمر": هو ابن سليمان. و"عبيد اللَّه": هو ابن عمر العمريّ. وقوله: "من الغداة". "من" بمعنى "في"، فإنها تأتي بمعناها، كما بيّنه الرضيّ، أي في الغداة والعشيّ. وقوله: "فإن كان من أهل النار الخ" فيه اختصار، تبيّنه الرواية السابقة، واللاحقة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٠٧٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ, وَاللَّفْظُ لَهُ, عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ, حَدَّثَنِي مَالِكٌ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ, عُرِضَ عَلَى مَقْعَدِهِ, بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ, إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ, فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ, وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ, فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ, فَيُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ, حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ, يَوْمَ الْقِيَامَةِ». قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق ثالث لحديث ابن عمر ﵄، متفق عليه، وهو خماسيّ، كسابقه، والكلام عليه كسابقه. و"ابن القاسم": هو عبد الرحمن بن القاسم الْعُتَقيّ الفقيه الثبت المصريّ، تلميذ الإمام مالك -رحمهما اللَّه تعالى-. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 11027

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١١٧ - أَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هكذا في "الكبرى" أيضًا، ووقع في بعض نسخ "المجتبى" زيادة: "وغيرهم". اعلم: أن المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، أورد في هذا الباب ثمانية أحاديث، ومطابقة الحديث الأول للترجمة واضحة، حيث بين أن أرواح المؤمنين منعمة في الجنة، وأما الحديث الثاني، والثالث، والرابع فمطابقتها على هذه النسخة واضحة، من حيث إنها تدلّ على أن أرواح الكفّار معذّبة، خلاف أرواح المؤمنين، وأما على النسخة الأولى، فيكون من حذف الواو مع ما عطفت، أي "وغيرهم"، وأما بقية الأحاديث، فالظاهر كونها من أحاديث الباب التالي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٠٧٣ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, عَنْ مَالِكٍ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ, أَنَّهُ أَخْبَرَهُ, أَنَّ أَبَاهُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ, كَانَ يُحَدِّثُ, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «إِنَّمَا نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ, طَائِرٌ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ, حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ , إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». رجال هذا الإسناد: خمسة، مشهورون، تقدّموا، غير مرّة: ١ - (عبد الرحمن بن كعب) بن مالك الأنصاريّ، أبو الخطاب المدنيّ، ثقة، من كبار التابعين، ويقال: وُلد في عهد النبيّ ﷺ [٢] ٣٨/ ٧٣١. ٢ - (كعب بن مالك) بن أبي كعب الأنصاريّ السَّلَميّ المدني الصحابيّ المشهور، وهو أحد الثلاثة الذين خُلِّفوا ﵁ ٣٨/ ٧٣١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ، وفيه رواية الابن عن أبيه، ورواية تابعيّ، عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 11028

شرح الحديث (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ) أي أنّ عبدَ الرحمن أخبر ابنَ شهاب. [تنبيه]: قال الحافظ أبو عمر ابن عبد البرّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: في رواية مالك هذه بيان سماع الزهريّ لهذا الحديث من عبد الرحمن بن كعب بن مالك، وكذلك رواه يونس، عن الزهريّ، قال: سمعت عبد الرحمن بن كعب بن مالك، يحدّث، عن أبيه. وكذلك رواه الأوزاعيّ، عن الزهريّ، حدثني عبد الرحمن بن كعب. ورواه محمد بن إسحاق، عن الحارث بن فُضيل، عن الزهريّ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه. فاتفق مالك، ويونس بن يزيد، والأوزاعيّ، والحارث ابن فُضيل على رواية هذا الحديث، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه. ورواه شُعيب بن أبي حمزة، ومحمد ابن أخي الزهريّ، وصالح بن كيسان، عن الزهريّ، عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب بن مالك، عن كعب بن مالك. فاتفق هؤلاء على أن جعلوا الحديث لعبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن جدّه كعب بن مالك. وذكره إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب، أنه بلغه أن كعب بن مالك كان يحدّث. وذكر أبو اليمان: حدثنا شعيب، عن الزهريّ، قال: أخبرني عبد الرحمن بن عبد اللَّه ابن كعب، أن كعب بن مالك كان يحدّث أن رسول اللَّه ﷺ ، مثل حديث مالك سواءً. ورواه معمر، وعُقيل، وعمرو بن دينار، عن الزهريّ، عن ابن كعب، لم يقولوا: عبد اللَّه، ولا عبد الرحمن. ذكره عبد الرزّاق، عن معمر، وذكره الليث، عن عُقيل، وذكره ابن عُيينة، عن عمرو بن دينار، عن الزهريّ، كلهم عن ابن كعب بن مالك، في حديث "نسمة المؤمن"، كلّ هذا. وقال محمدُ بن يحيى -يعني الذُّهليّ-: المحفوظ عندنا -واللَّه أعلم- هذا، وهو الذي يشبه حديث صالح بن كيسان، وشعيب، وابن أخي ابن شهاب. قال أبو عمر: لا وجه عندي لما قاله محمد بن يحيى، من ذلك، ولا دليل عليه، واتفاق مالك، ويونس بن يزيد، والأوزاعيّ، ومحمد بن إسحاق أولى بالصواب، والنفس إلى قولهم، وروايتهم أسكن، وهم من الحفظ، والإتقان بحيث لا يقاس بهم

стр. 11029

من خالف في هذا الحديث. وباللَّه تعالى التوفيق. انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحاصل أن الحديث موصولاً صحيح، ولا يضرّه كونه منقطعا عند هؤلاء؛ لأن الذين وصلوه ليسوا بدون الذين رووه منقطعًا، بل هم أعلى منهم، كما قال أبو عمر، فإن مالكًا مقدّم على غيره في الزهريّ. واللَّه تعالى أعلم. (أَنَّ أَبّاهُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ) ﵁ (كانَ يُحَدِّثُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "إِنَّمَا نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ) بفتحتين: أي روحه. قال أبو عمر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: النسمة ههنا الروح، يدلّ على ذلك قوله ﷺ في الحديث نفسه: "حتى يرجعه اللَّه إلى جسده، يوم القيامة". وقيل: النسمة: الروح والنفس، والبدن، وأصل هذه اللفظة -أعني النسمة- الإنسان بعينه، وإنما قيل للروح نسمة -اللَّه أعلم- لأن حياة الإنسان بروحه، وإذا فارقه عُدم، أو صار كالمعدوم. والدليل على أن النسمة الإنسان قوله ﷺ : "من أعتق نسمة مؤمنة … ". وقول عليّ ﵁: "والذي فَلَق الحبّة، وبرأ النسمة … ". وقول الشاعر [من المتقارب]: بِأَعْظَمَ مِنْكَ تُقًى (٢) فِي الحِسَابِ … إِذَا النَّسَمَاتُ نَفَضْنَ الْغُبَارَا يعني إذا بعث الناس من قبورهم يوم القيامة. وقال الخليل بن أحمد: النسمة الإنسان، قال: والنسمة نفس الروح، والنسيم هبوب الريح. انتهى (٣). قال الشيخ عز الدين ابن عبد السلام: هذا العموم محمول على المجاهدين انتهى. وقال القرطبيّ: هذا الحديث ونحوه محمول على الشهداء، وأما غيرهم، فتارة تكون في السماء، لا في الجّنة، وتارة تكون على أفنية القبور، قال: ولا يتعجل الأكل، والنعيم لأحد إلا للشهيد في سبيل اللَّه، بإجماع من الأمة، حكاه القاضي أبو بكر بن العربيّ في "شرح الترمذيّ"، وغير الشهداء بخلاف هذا الوصف، إنما يُملأ عليه قبره، وُيفسح له فيه انتهى. وقال السيوطي في "شرحه": وقد ورد التصريح بأن هذا الحديث في الشهداء في

стр. 11030

بعض طرقه عند الطبرانيّ (١)، فأخرج من طريق سفيان بن عُيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن شهاب، عن ابن كعب بن مالك، عن أبيه، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أرواح الشهداء في طير خضر، تعلق حيث شاءت". انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي الأولى أن تحمل رواية مالك هذه على أرواح جميع المؤمنين غير الشهداء، ورواية سفيان بن عيينة على أرواح الشهداء، فرواية سفيان، غير رواية مالك، بل هي رواية مستقلّة حدث فيها كعب بن مالك ﵁، عن النبيّ ﷺ عن أرواح الشهداء، كما ثبت في حديث ابن عباس، وأبي سعيد الخدريّ ﵃ في أرواح الشهداء، كما سيأتي، ولا غرابة في أن يحدث صحابيّ واحد حديثين مختلفين، سمعهما من النبي ﷺ ، والدليل على ذلك اختلاف ألفاظهما، فلفظ حديث مالك: "إنما نسمة المؤمن طائر، يعدق في الجنّة حتى يبعثه اللَّه إلى جسده يوم القيامة"، ودفظ ابن عيينة: "إن أرواح الشهداء في طير خضر، تعلق من ثمر الجنة". والحاصل أن الحديثين صحيحان، أحدهما بَيَّنَ كون روح المؤمن طيرًا تعلق في الجنة، والآخر بَيَّنَ أن أرواح الشهداء تكون في جوف طير خضر تعلق في الجنة، وتأوي إلى قناديل معلّقة بالعرش، فهم متيمِّزون عن سائر المؤمنين. وسيأتي تمام هذا البحث في المسألة الثالثة، إن شاء اللَّه تعالى. (طَائِرٌ) ظاهر أن الروح يتشكّل، ويتمثل بأمر اللَّه تعالى طائرًا، كتمثل الملك بشرًا. وقيل: يحتمل أن المراد أن الروح يدخل في بدن طائر، كما في روايات أخرى، وقد عرفت أن هذا في الشهداء، فالأول هو الصواب. قال السيوطيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "حاشية سنن أبي داود": إذا فسّرنا الحديث بأن الروح تتشكّل طيرًا، فالأشبه أن ذلك في القدرة على الطيران فقط، لا في صورة الخلقة، لأن شكل الإنسان أفضل الأشكال. قال السنديّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: هذا إذا كان الروح الإنسانيّ له شكل في نفسه، ويكون على شكل الإنسان، وأما إذا كان في نفسه لا شكل له، بل يكون مجرّدًا، وأراد اللَّه تعالى أن يتشكّل ذلك المجرّد؛ لحكمة مّا، فلا يبعد أن يتشكّل أوّل الأمر على شكل الطائر، وأما على الثاني، فقد أورد عليه الشيخ علم الدين العراقيّ أنه لا يخلو، إما أن يحصل للطير الحياة بتلك الأرواح، أوّلا، والأول عين ما تقوله التناسخيّة،
следующие страницы →