← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 11026–11065 · переход к 11031.

стр. 11026

على أن ذلك قد ورد في أرواح المؤمنين مطلقًا، رواه النسائيّ، من حديث كعب بن مالك ﵁، عن رسول اللَّه ﷺ ، قال: "إنما نسمة المؤمن طائر في شجر الجنة، حتى يبعثه اللَّه إلى جسده يوم القيامة". ورواه ابن ماجه بلفظ: "إن أرواح المؤمنين في طير خضر، يعلُقُ بشجر الجنة". وهو عند الترمذيّ بلفظ: "إن أرواح الشهداء". انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٠٧١ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا الْمُعْتَمِرُ, قَالَ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ اللَّهِ, يُحَدِّثُ عَنْ نَافِعٍ,, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «يُعْرَضُ عَلَى أَحَدِكُمْ, إِذَا مَاتَ, مَقْعَدُهُ مِنَ الْغَدَاةِ, وَالْعَشِيِّ, فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ, فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ, قِيلَ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق ثان لحديث ابن عمر ﵄، متفق عليه، وهو أنزل من سابقه، بدرجة، وتقدم الكلام عليه في الذي قبله. و"إسحاق بن إبراهيم": هو ابن راهويه. و"المعتمر": هو ابن سليمان. و"عبيد اللَّه": هو ابن عمر العمريّ. وقوله: "من الغداة". "من" بمعنى "في"، فإنها تأتي بمعناها، كما بيّنه الرضيّ، أي في الغداة والعشيّ. وقوله: "فإن كان من أهل النار الخ" فيه اختصار، تبيّنه الرواية السابقة، واللاحقة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٠٧٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ, وَاللَّفْظُ لَهُ, عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ, حَدَّثَنِي مَالِكٌ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ, عُرِضَ عَلَى مَقْعَدِهِ, بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ, إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ, فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ, وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ, فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ, فَيُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ, حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ, يَوْمَ الْقِيَامَةِ». قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق ثالث لحديث ابن عمر ﵄، متفق عليه، وهو خماسيّ، كسابقه، والكلام عليه كسابقه. و"ابن القاسم": هو عبد الرحمن بن القاسم الْعُتَقيّ الفقيه الثبت المصريّ، تلميذ الإمام مالك -رحمهما اللَّه تعالى-. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 11027

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١١٧ - أَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هكذا في "الكبرى" أيضًا، ووقع في بعض نسخ "المجتبى" زيادة: "وغيرهم". اعلم: أن المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، أورد في هذا الباب ثمانية أحاديث، ومطابقة الحديث الأول للترجمة واضحة، حيث بين أن أرواح المؤمنين منعمة في الجنة، وأما الحديث الثاني، والثالث، والرابع فمطابقتها على هذه النسخة واضحة، من حيث إنها تدلّ على أن أرواح الكفّار معذّبة، خلاف أرواح المؤمنين، وأما على النسخة الأولى، فيكون من حذف الواو مع ما عطفت، أي "وغيرهم"، وأما بقية الأحاديث، فالظاهر كونها من أحاديث الباب التالي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٠٧٣ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, عَنْ مَالِكٍ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ, أَنَّهُ أَخْبَرَهُ, أَنَّ أَبَاهُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ, كَانَ يُحَدِّثُ, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «إِنَّمَا نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ, طَائِرٌ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ, حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ , إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». رجال هذا الإسناد: خمسة، مشهورون، تقدّموا، غير مرّة: ١ - (عبد الرحمن بن كعب) بن مالك الأنصاريّ، أبو الخطاب المدنيّ، ثقة، من كبار التابعين، ويقال: وُلد في عهد النبيّ ﷺ [٢] ٣٨/ ٧٣١. ٢ - (كعب بن مالك) بن أبي كعب الأنصاريّ السَّلَميّ المدني الصحابيّ المشهور، وهو أحد الثلاثة الذين خُلِّفوا ﵁ ٣٨/ ٧٣١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ، وفيه رواية الابن عن أبيه، ورواية تابعيّ، عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 11028

شرح الحديث (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ) أي أنّ عبدَ الرحمن أخبر ابنَ شهاب. [تنبيه]: قال الحافظ أبو عمر ابن عبد البرّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: في رواية مالك هذه بيان سماع الزهريّ لهذا الحديث من عبد الرحمن بن كعب بن مالك، وكذلك رواه يونس، عن الزهريّ، قال: سمعت عبد الرحمن بن كعب بن مالك، يحدّث، عن أبيه. وكذلك رواه الأوزاعيّ، عن الزهريّ، حدثني عبد الرحمن بن كعب. ورواه محمد بن إسحاق، عن الحارث بن فُضيل، عن الزهريّ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه. فاتفق مالك، ويونس بن يزيد، والأوزاعيّ، والحارث ابن فُضيل على رواية هذا الحديث، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه. ورواه شُعيب بن أبي حمزة، ومحمد ابن أخي الزهريّ، وصالح بن كيسان، عن الزهريّ، عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب بن مالك، عن كعب بن مالك. فاتفق هؤلاء على أن جعلوا الحديث لعبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن جدّه كعب بن مالك. وذكره إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب، أنه بلغه أن كعب بن مالك كان يحدّث. وذكر أبو اليمان: حدثنا شعيب، عن الزهريّ، قال: أخبرني عبد الرحمن بن عبد اللَّه ابن كعب، أن كعب بن مالك كان يحدّث أن رسول اللَّه ﷺ ، مثل حديث مالك سواءً. ورواه معمر، وعُقيل، وعمرو بن دينار، عن الزهريّ، عن ابن كعب، لم يقولوا: عبد اللَّه، ولا عبد الرحمن. ذكره عبد الرزّاق، عن معمر، وذكره الليث، عن عُقيل، وذكره ابن عُيينة، عن عمرو بن دينار، عن الزهريّ، كلهم عن ابن كعب بن مالك، في حديث "نسمة المؤمن"، كلّ هذا. وقال محمدُ بن يحيى -يعني الذُّهليّ-: المحفوظ عندنا -واللَّه أعلم- هذا، وهو الذي يشبه حديث صالح بن كيسان، وشعيب، وابن أخي ابن شهاب. قال أبو عمر: لا وجه عندي لما قاله محمد بن يحيى، من ذلك، ولا دليل عليه، واتفاق مالك، ويونس بن يزيد، والأوزاعيّ، ومحمد بن إسحاق أولى بالصواب، والنفس إلى قولهم، وروايتهم أسكن، وهم من الحفظ، والإتقان بحيث لا يقاس بهم

стр. 11029

من خالف في هذا الحديث. وباللَّه تعالى التوفيق. انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحاصل أن الحديث موصولاً صحيح، ولا يضرّه كونه منقطعا عند هؤلاء؛ لأن الذين وصلوه ليسوا بدون الذين رووه منقطعًا، بل هم أعلى منهم، كما قال أبو عمر، فإن مالكًا مقدّم على غيره في الزهريّ. واللَّه تعالى أعلم. (أَنَّ أَبّاهُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ) ﵁ (كانَ يُحَدِّثُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "إِنَّمَا نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ) بفتحتين: أي روحه. قال أبو عمر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: النسمة ههنا الروح، يدلّ على ذلك قوله ﷺ في الحديث نفسه: "حتى يرجعه اللَّه إلى جسده، يوم القيامة". وقيل: النسمة: الروح والنفس، والبدن، وأصل هذه اللفظة -أعني النسمة- الإنسان بعينه، وإنما قيل للروح نسمة -اللَّه أعلم- لأن حياة الإنسان بروحه، وإذا فارقه عُدم، أو صار كالمعدوم. والدليل على أن النسمة الإنسان قوله ﷺ : "من أعتق نسمة مؤمنة … ". وقول عليّ ﵁: "والذي فَلَق الحبّة، وبرأ النسمة … ". وقول الشاعر [من المتقارب]: بِأَعْظَمَ مِنْكَ تُقًى (٢) فِي الحِسَابِ … إِذَا النَّسَمَاتُ نَفَضْنَ الْغُبَارَا يعني إذا بعث الناس من قبورهم يوم القيامة. وقال الخليل بن أحمد: النسمة الإنسان، قال: والنسمة نفس الروح، والنسيم هبوب الريح. انتهى (٣). قال الشيخ عز الدين ابن عبد السلام: هذا العموم محمول على المجاهدين انتهى. وقال القرطبيّ: هذا الحديث ونحوه محمول على الشهداء، وأما غيرهم، فتارة تكون في السماء، لا في الجّنة، وتارة تكون على أفنية القبور، قال: ولا يتعجل الأكل، والنعيم لأحد إلا للشهيد في سبيل اللَّه، بإجماع من الأمة، حكاه القاضي أبو بكر بن العربيّ في "شرح الترمذيّ"، وغير الشهداء بخلاف هذا الوصف، إنما يُملأ عليه قبره، وُيفسح له فيه انتهى. وقال السيوطي في "شرحه": وقد ورد التصريح بأن هذا الحديث في الشهداء في

стр. 11030

بعض طرقه عند الطبرانيّ (١)، فأخرج من طريق سفيان بن عُيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن شهاب، عن ابن كعب بن مالك، عن أبيه، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أرواح الشهداء في طير خضر، تعلق حيث شاءت". انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي الأولى أن تحمل رواية مالك هذه على أرواح جميع المؤمنين غير الشهداء، ورواية سفيان بن عيينة على أرواح الشهداء، فرواية سفيان، غير رواية مالك، بل هي رواية مستقلّة حدث فيها كعب بن مالك ﵁، عن النبيّ ﷺ عن أرواح الشهداء، كما ثبت في حديث ابن عباس، وأبي سعيد الخدريّ ﵃ في أرواح الشهداء، كما سيأتي، ولا غرابة في أن يحدث صحابيّ واحد حديثين مختلفين، سمعهما من النبي ﷺ ، والدليل على ذلك اختلاف ألفاظهما، فلفظ حديث مالك: "إنما نسمة المؤمن طائر، يعدق في الجنّة حتى يبعثه اللَّه إلى جسده يوم القيامة"، ودفظ ابن عيينة: "إن أرواح الشهداء في طير خضر، تعلق من ثمر الجنة". والحاصل أن الحديثين صحيحان، أحدهما بَيَّنَ كون روح المؤمن طيرًا تعلق في الجنة، والآخر بَيَّنَ أن أرواح الشهداء تكون في جوف طير خضر تعلق في الجنة، وتأوي إلى قناديل معلّقة بالعرش، فهم متيمِّزون عن سائر المؤمنين. وسيأتي تمام هذا البحث في المسألة الثالثة، إن شاء اللَّه تعالى. (طَائِرٌ) ظاهر أن الروح يتشكّل، ويتمثل بأمر اللَّه تعالى طائرًا، كتمثل الملك بشرًا. وقيل: يحتمل أن المراد أن الروح يدخل في بدن طائر، كما في روايات أخرى، وقد عرفت أن هذا في الشهداء، فالأول هو الصواب. قال السيوطيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "حاشية سنن أبي داود": إذا فسّرنا الحديث بأن الروح تتشكّل طيرًا، فالأشبه أن ذلك في القدرة على الطيران فقط، لا في صورة الخلقة، لأن شكل الإنسان أفضل الأشكال. قال السنديّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: هذا إذا كان الروح الإنسانيّ له شكل في نفسه، ويكون على شكل الإنسان، وأما إذا كان في نفسه لا شكل له، بل يكون مجرّدًا، وأراد اللَّه تعالى أن يتشكّل ذلك المجرّد؛ لحكمة مّا، فلا يبعد أن يتشكّل أوّل الأمر على شكل الطائر، وأما على الثاني، فقد أورد عليه الشيخ علم الدين العراقيّ أنه لا يخلو، إما أن يحصل للطير الحياة بتلك الأرواح، أوّلا، والأول عين ما تقوله التناسخيّة،

стр. 11031

والثاني مجرّد حبس للأرواح، وتسجين. وأجاب السبكيّ باختيار الثاني، ومنع كونه حبسًا، وتسجينًا؛ لجواز أن يقدّر اللَّه تعالى في تلك الأجواف، من السرور، والنعيم ما لا يجده في الفضاء الواسع (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله السبكي -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- حسن جدًّا. واللَّه تعالى أعلم. (فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ) هكذا نسخ "المجتبى"، ووقع في "الكبرى"، وشرح السنديّ: "تعلق في شجر الجنة". قال السنديّ: هكذا في بعض النسخ بثبوت قوله: "تعلق"، وسقط في بعضها، وهو بضمّ اللام، وقيل: أو بفتحها (٢)، ومعناه تأكل، وترعى انتهى (٣) وقال الحافظ أبو عمر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وقوله: "تعلق في شجر الجنّة"، يروى بفتح اللام، وهو الأكثر، ويروى بضم اللام، والمعنى واحد، وهو الأكل، والرَّعْيُ، يقول: تأكل من ثمار الجنّة، وتسرح بين أشجارها، والعلوقة، والعلوق: الأكل، والرعي، تقول العرب: ما ذاق اليوم عُلوقًا، أي طعامًا، قال الربيع بن زياد، يصف الخيل: [من الكامل]: وَمُجَنَّبَاتٍ لَا يَذُقْنَ عُلُوقَةَ … يَمْصَعْنَ بِالْمُهْرَاتِ والأَمْهَارِ يعني ما يرعين، ولا يذقن شيئا. وقال الأعشى [من الخفيف]: وَفَلَاةٍ كَأَنَها ظَهْرُ تُرْسِ … لَيْسَ فِيهَا إِلَّا الرَّجِيعَ عَلَاقُ (٤) (حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ ، إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ") وفي "الكبرى" حتى يرجعه اللَّه إلى جسده يوم يبعثه". وذكر الضمير مع أنه يعود إلى "نسمة"، باعتبار معنى "طائر". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث كعب بن مالك ﵁ هذاصحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١١٧/ ٢٥٧٣ - وفي "الكبرى، ١١٧/ ٢٢٠٠. وأخرجه (ت) ١٦٤١ (ق) ١٤٤٩ و ٤٢٧١ (أحمد) ١٥٣٤٩ و١٥٣٦٠ و ١٥٣٦٥ و ٢٦٦٢٥ (الموطأ) ٥٦٦. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 11032

المسألة الثالثة: في ذكر أقوال أهل العلم في معنى هذا الحديث: قال الحافظ أبو عمر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: واختدف العلماء في معنى هذا الحديث، فقال قائلون منهم: أرواح المؤمنين عند اللَّه في الجنّة، شهداءَ كانوا، أم غير شهداء، إذا لم يحبسهم عن الجنّة كبيرة، ولا دَين، وتلقّاهم ربهم بالعفو عنهم، والرحمة لهم. قال: واحتجوا بأن هذا الحديث لم يخصّ فيه شهيدًا من غير شهيد. واحتجّوا أيضًا بما روي عن أبي هريرة ﵁ أن أرواح الأبرار في علّيّين، وأرواح الفجّار في سجّين، وعن عبد اللَّه بن عمرو مثل ذلك. قال أبو عمر: وهذا قول يُعارضه من السنّة ما لا مدفع في صحّة نقله، وهو قوله: "إذا مات أحدكم عُرض عليه مقعده بالغداة، والعشيّ، إن كان من أهل الجنة، فمن أهل الجنّة، وإن كان من أهل النار، فمن أهل النار، يقال له: هذا مقعدك حتى يبعثك اللَّه إليه يوم القيامة". وقال آخرون: إنما معنى هذا الحديث في الشهداء، دون غيرهم؛ لأن القرآن، والسنة إنما يدلاّن على ذلك: أما القرآن، فقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآية [آل عمران: ١٦٩ - ١٧٠]. وأما الآثار، فذكر حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ طريق بقيّ بن مخلد، مرفوعًا: "الشهداء يغدون، ويروحون، ثم يكون مأماهم إلى قناديل معلّقة بالعرش، فيقول لهم الربّ تبارك، وتعالى: هل تعلمون كرامة أفضل من كرامة أُكرمتموها؟ فيقولون: لا، غيرَ أنا ودِدنا أنك أعدت أرواحنا في أجسادنا حتى نقاتل مرة أخرى، فنقتل في سبيلك". رواه عن هناد، عن إسماعيل بن المختار، عن المختار، عن عطيّة العوفي، عنه. وفيه عطيّة، وهو كثير الخطأ والتدليس. ثم ساق حديث ابن عباس ﵄، من طريق سعيد بن جبير، عنه، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لما أصيب إخوانكم بأحد، جعل اللَّه أرواحهم، في جوف طير خضر، ترد أنهار الجنة، تأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل، من ذهب، معلقة في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم، ومشربهم، ومقيلهم، قالوا: من يبلغ إخواننا عنا، أنا أحياء في الجنة نرزق، لئلا يزهدوا في الجهاد، ولا ينكُلُوا عند الحرب، فقال اللَّه سبحانه: أنا أبلغهم عنكم، قال: فأنزل اللَّه: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ﴾ إلى آخر الآية رواه أحمد، وأبو داود بإسناد صحيح. ثم ذكر حديث الأعمش، عن عبد اللَّه بن مرة، عن مسروق، قال: سألنا عبد اللَّه ﵁ عن هذه الآية: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ

стр. 11033

يُرْزَقُونَ﴾ قال: أما إنا قد سألنا عن ذلك؟ فقال: "أرواحهم في جوف طير، خضر، لها قناديل، معلقة بالعرش، تَسرَح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطّلع إليهم ربهم اطّلاعة، فقال: هل تشتهون شيئا؟ قالوا: أي شيء نشتهي؟ ونحن نسرح من الجنة، حيث شئنا، ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا، من أن يُسألوا، قالوا: يا رب نريد أن ترد أرواحنا، في أجسادنا، حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا". رواه مسلم في "صحيحه". ثم ساق من طريق بقيّ بن مخلد، حدثنا يحيى بن عبد الحميد، حدثنا ابن عيينة، عن عبيد اللَّه بن أبي يزيد، سمع ابن عباس يقول: "أرواح الشهداء تجول في أجواف طير خضر تعلق في ثمر الجنة". ومن طريق أبي عاصم النبيل، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن عبد اللَّه ابن عمرو: "أرواح الشهداء، في طير كالزرازير (١)، يتعارفون، ويرزقون من ثمر الجنّة". قال أبو عمر: هذه الآثار كلها تدلّ على أنهم الشهداء، دون غيرهم، وفي بعضها "في صورة طير"، وفي بعضها: "في أجواف طير"، وفي بعضها "كطير"، قال": والذي يشبه عندي -واللَّه أعلم- أن يكون القول قول من قال: "كطير"، أو "صور طير"، لمطابقته لحديثنا المذكور -يعني حديث كعب بن مالك- وليس هذا موضع نظر، ولا قياس؛ لأن القياس إنما يكون فيما يسوغ فيه الاجتهاد، ولا مدخل للاجتهاد في هذا الباب، وإنما نسلّم فيه لما صحّ من الخبر عمن يجب التسليم له. قال: أبو عمر: فعلى هذا التأويل، كأنه ﷺ قال: إنما نسمة المؤمن من الشهداء طائر، يعلق في شجر الجنّة. انتهى كلام أبي عمر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- باختصار (٢). قال الإمام شمس الدين ابن القيّم -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: لا تنافي بين قوله ﷺ : "نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنّة"، وبين قوله: "إن أحدكم إذا مات عُرض عليه مقعده بالغداة والعشيّ، إن كان من أهل الجنّة، فمن أهل الجنّة، وإن كان من أهل النار، فمن أهل النار". وهذا الخطاب يتناول الميت على فراشه، والشهيدَ، كما أن قوله: "نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنّة"، يتناول الشهيد وغيره، ومع كونه يُعرض عليه مقعده بالغداة والعشيّ، تَرِدُ روحه أنهار الجنّة، وتأكل من ثمارها.

стр. 11034

وأما المقعد الخاصّ به، والبيت الذي أعدّ له، فإنه إنما يدخله يوم القيامة، ويدلّ عليه أن منازل الشهداء، ودورهم، وقصورهم التي أعدّ اللَّه لهم ليست هي تلك القناديل التي تأوي إليها أرواحهم في البرزخ قطعًا، فهم يرون منازلهم، ومقاعدهم من الجنة، ويكون مستقرّهم في تلك القناديل المعلّقة بالعرش، فإن الدخول التامّ الكامل إنما يكون يوم القيامة، ودخول الأرواح الجنة في البرزخ أمر دون ذلك. ونظير هذا أهل الشقاء تُعرض أرواحهم على النار غدوّا وعشيا، فإذا كان يوم القيامة دخلوا منازلهم، ومقاعدهم التي كانوا يُعرضون عليها في البرزخ، فتنعم الأرواح بالجنة في البرزخ شيء، وتنعمها مع الأبدان يوم القيامة بها شيء آخر، فغذاء الروح من الجنّة في البرزخ دون غذائها مع بدنها يوم البعث، ولهذا قال: "تعلق في شجر الجنّة"، أي تأكل الْعُلْقة، وتمام الأكل والشرب، واللبس، والتمتع، فإنما يكون إذا رُدّت إلى أجسادها يوم القيامة، فظهر أنه لا يعارض هذا القولَ من السنن شيء، وإنما تعاضده السنّة، وتوافقه. وأما قول من قال: إن حديث كعب في الشهداء، دون غيرهم، فتخصيص، ليس في اللفظ ما يدلّ عليه، وهو محلّ اللفظ العامّ على أقلّ مسمياته، فإن الشهداء بالنسبة إلى عموم المؤمنين، قليل جدًّا والنبي ﷺ علّق هذا الجزاء بوصف الإيمان، فهو المقتضي له، ولم يُعلّقه بوصف الشهادة، ألا ترى أن الحكم الذي اختصّ بالشهداء علّق بوصف الشهادة، كقوله فيما أخرجه أحمد، والترمذيّ، وابن ماجه، واللفظ لأحمد من حديث المقدام بن معديكرب ﵁: قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن للشهيد عند اللَّه ، ست خصال، أن يُغفر له في أول دَفعة من دمه، ويُرى مقعده من الجنة، ويحلى حلة الإيمان، ويزوج من الحور العين، ويجار من عذاب القبر، ويأمن يوم الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتةُ منه خير من الدنيا، وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة، من الحور العين، ويشفع في سبعين إنسانا من أقاربه" (١). قال: فلما كان هذا يختصّ بالشهيد، قال: "إن للشهيد"، ولم يقل: إن للمؤمن. وكذلك ما أخرجه أحمد بإسناد صحيح، من حديث قيس الجُذَاميّ، -رجل كانت له صحبة- قال: قال النبي ﷺ : "يعطى الشهيد ست خصال، عند أول قطرة من دمه، يكفر عنه كل خطيئة، ويرى مقعده من الجنة، ويزوج من الحور العين، ويُؤَمَّن من

стр. 11035

الفزع الأكبر، ومن عذاب القبر، ويحلى حلة الإيمان" (١). قال: وأما ما علّق فيه الجزاء بالإيمان، فإنه يتناول كلّ مؤمن، شهيدًا كان، أو غير شهيد. وأما النصوص، والآثار التي ذُكرت في رزق الشهداء، وكون أرواحهم في الجنّة، فكلّها حقّ، وهي لا تدلّ على انتفاء دخول أرواح المؤمنين الجنّة، ولا سيّما للصدّيقين الذين هم أفضل من الشهداء، بلا نزاع بين الناس، فيقال لهؤلاء: ما تقولون، أرواح الصدّيقين، هل هي في الجنّة، أم لا؟، فإن قالوا: إنها في الجنة -لا يسوغ لهم غير هذا القول- فثبت أن هذه النصوص لا تدلّ على اختصاص أرواح الشهداء بذلك، وإن قالوا: ليست في الجنّة، لزمهم من ذلك أن تكون أرواح سادات الصحابة، كأبي بكر الصديق، وأبي بن كعب، وعبد اللَّه بن مسعود، وأبي الدرداء، وحذيفة بن اليمان، وأشباههم ﵃ ليست في الجنة، وأرواح شهداء زماننا في الجنّة، وهذا معلوم البطلان؛ ضرورة. فإن قيل: فإذا كان هذا الحكم لا يختصّ بالشهداء، فما الموجب لتخصيصهم بالذكر في هذه النصوص؟. قلت: التنبيه على فضل الشهادة، وعلوّ درجتها، وأن هذا مضمون لأهلها، ولا بدّ، وأن لهم منه أوفر نصيب، فنصيبهم من هذا النعيم في البرزخ أكمل من نصيب غيرهم، من الأموات على فراشهم، وإن كان الميت على فراشه أعلى درجة منهم، فله نعيم يختصّ به، لا يشاركه فيه من هو دونه. ويدلّ على هذا أن اللَّه جعل أرواح الشهداء، في أجواف طير خُضْر، فإنهم لما بذلوا أنفسهم للَّه، حتى أتلفها أعداؤه فيه، أعاضهم منها في البرزخ أبدانا خيرًا منها تكون فيها إلى يوم القيامة، ويكون نعيمها بواسطة تلك الأبدان أكمل من نعيم الأرواح المجرّدة عنها، ولهذا كانت نسمة المؤمن في صورة طير، أو كطير، ونسمة الشهيد في جوف طير، وتأمّل لفظ الحديثين، فإنه قال: "نسمة المؤمن طير"، فهذا يعمّ الشهيد وغيره، ثم خصّ الشهيد بأن قال: "هي في جوف طير"، ومعلوم أنها إذا كانت في جوف طير صدق عليها أنها طير، فصلوات اللَّه، وسلامه على من يصدّق كلامه بعضه بعضًا، ويدلّ على أنه حقّ، من عند اللَّه. وهذا الجمع أحسن من جمع أبي عمر، وترجيحه رواية من روى "أرواحهم كطير خضر"، بل الروايتان حقّ، وصواب، فهي كطير خضر، وفي أجواف طير خضر انتهى كلام العلامة ابن القيم -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (٢).

стр. 11036

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله ابن القيّم -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في مستقرّ الأرواح: اعلم: أنه قد فصّل هذه المسألة الإمامُ ابن قيم الجوزية -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في كتابه النافعِ: "الروح"، وسرد الأقوال، وذكر أدلة كل قول، وناقشها، وبيّن ما لها، وما عليها، أحببت ذكر المهمّ منه، تكميلاً للفائدة، فدونك خلاصته: قال -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: هذه مسألة عظيمة، تكلّم الناس فيها، واختلفوا فيها، وهي إنما تُتَلقّى من السمع فقط، واختلف في ذلك: فقال قائلون: أرواح المؤمنين عند اللَّه في الجنّة شهداء كانوا، أم غير شهداء، إذا لم يحبسهم عن الجنة كبيرة، ولا دَين، وتلقّاهم ربهم بالعفو عنهم، والرحمة لهم، وهذا مذهب أبي هريرة، وعبد اللَّه بن عمر ﵃. وقالت طائفة: هم بفناء الجنة على بابها، يأتيهم، من رَوحها، ونعيمها، ورزقها. وقالت طائفة: الأرواح على أفنية قبورها. وقال مالك: بلغني أن الروح مرسلة، حيث شاءت. وقال الإمام أحمد في رواية ابنه عبد اللَّه: أرواح الكفّار في النار، وأرواح المؤمنين في الجنة. وقال أبو عبد اللَّه ابن منده: وقالت طائفة، من الصحابة، والتابعين: أرواح المؤمنين عند اللَّه ، ولم يزيدوا على ذلك، قال: روي عن جماعة من الصحابة والتابعين أن أرواح المؤمنين بالجابية، وأرواح الكفّار ببرهوت، بئر بحضرموت. وقال صفوان بن عمرو: سألت عامر بن عبد اللَّه، أبا اليمان: هل لأنفس المؤمنين مجتمع؟ فقال: إن الأرض التي يقول اللَّه تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] قال: هي الأرض التي يجتمع إليها أرواح المؤمنين حتى يكون البعث. وقالوا: هي الأرض التي يورثها اللَّه المؤمنين في الدنيا. وقال كعب: أرواح المؤمنين في عليّين، في السماء السابعة، وأرواح الكفار في سجّين في الأرض السابعة تحت جند إبليس. وقالت طائفة: أروح المؤمنين ببئر زمزم، وأرواح الكفّار ببئر برهوت. وقال سلمان الفارسي: أرواح المؤمنين في برزخ من الأرض، تذهب حيث شاءت، وأرواح الكفّار في سجّين، وفي لفظ عنه: نسمة المؤمن تذهب في الأرض حيث شاءت. وقالت طائفة: أرواح المؤمنين عن يمين آدم، وأرواح الكفار عن شماله. وقالت طائفة أخرى، منهم ابن حزم: مستقرّها حيث كانت قبل خلق أجسادها، قال: والذي نقول به في مستقرّ الأرواح هو ما قاله اللَّه ، ونبيّه ﷺ لا نتعدّاه، فهو البرهان الواضح، وهو أن اللَّه -

стр. 11037

قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ الآية [الأعراف: ١١]. فصحّ أن اللَّه تعالى خلق الأرواح جملة، وكذلك أخبر ﷺ "أن الأرواح جنود مجنّدة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف". وأخذ اللَّه عهدها، وشهادتها له بالربوبيّة، وهي مخلوقة، مصوّرة، عاقلة، قبل أن يأمر الملائكة بالسجود لآدم، وقبل أن يدخلها في الأجساد، والأجساد يومئذ تراب، وماء، ثم أقرّها حيث شاء، هو البرزخ الذي ترجع إليه عند الموت، ثم لا تزال يبعث منها الجملة بعد الجملة، فينفخها في الأجساد المتولّدة من المنيّ، إلى أن قال: فصحّ أن الأرواح أجساد حاملة لأعراضها من التعارف، والتناكر، وأنها عارفة مميّزة، فيبدوهم اللَّه في الدنيا، كما يشاء، ثم يتوفّاهم، فترجع إلى البرزخ الذي رآها فيه رسول اللَّه ﷺ ليلة أُسري به عند سماء الدنيا، أرواح أهل السعادة عن يمين آدم، وأرواح أهل الشقاوة عن يساره، وذلك عند منقطع العناصر، ويعجّل أرواح الأنبياء، والشهداء إلى الجنّة. قال: وقد ذكر محمد بن نصر المروزيّ، عن إسحاق بن راهويه أنه ذكر هذا الذي قلنا بعينه، قال: وعلى هذا أجمع أهل العلم. قال ابن حزم: وهو قول جميع أهل الإسلام، قال: وهذا قول اللَّه تعالى: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٨ - ١٤]، وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ إلى آخرها [الواقعة: ٨٨ - ٨٩]، فلا تزال الأرواح هنالك حتى يتمّ عدد الأرواح كلها بنفخها في الأجساد، ثم برجوعها إلى البرزخ، فتقوم الساعة، ويُعيد اللَّه الأرواح إلى أجسادها ثانية، وهي الحياة الثانية، يُحاسب الخلق، فريق في الجنّة، وفريق في السعير انتهى. وقال أبو عمر ابن عبد البرّ: أرواح الشهداء في الجنة، وأرواح عامة المؤمنين على أفنية قبورهم. وقال ابن المبارك، عن ابن جُريج، فيما قُرئ عليه، عن مجاهد: ليس هي في الجنة، ولكن يأكلون من ثمارها، ويجدون ريحها. وذكر معاوية بن صالح، عن سعيد بن سُويد، أنه سأل ابن شهاب، عن أرواح المؤمنين؟ فقال: بلغني أن أرواح الشهداء كطير خُضْر، معلقة بالعرش، تغدو، وتروح إلى رياض الجنّة، تأتي ربها في كلّ يوم، تسلّم عليه.

стр. 11038

وقال أبو عمر ابن عبد البرّ في شرح حديث ابن عمر: "إن أحدكم إذا مات عُرض عليه مقعده بالغداة، والعشيّ .... " الحديث. قال: وقد استدلّ به من ذهب إلى أن الأرواح على أفنية القبور، وهو أصحّ ما ذهب إليه في ذلك، واللَّه أعلم؛ لأن الأحاديث بذلك أحسن مجيئا، وأثبت نقلاً من غيرها. قال: والمعنى عندي أنها قد تكون على أفنية قبورها، لا على أنها تلزم، ولا تفارق أفنية القبور، كما قال مالك -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: أنه بلغه أن الأرواح تَسرَح حيث شاءت. قال: وعن مجاهد أنه قال: الأرواح على أفنية القبور سبعة أيام من يوم دفن الميت، لا تفارق ذلك، واللَّه أعلم. وقالت فرقة: مستقرّها العدم المحض، وهذا قول من يقول: إن النفس عرض، من أعراض البدن، كحياته، وإدراكه، فتعدم بموت البدن، كما تعدم سائر الأعراض المشروطة بحياته. وهذا قول مخالف لنصوص القرآن والسنة، وإجماع الصحابة، والتابعين. وقالت فرقة: مستقرّها بعد الموت أرواح أُخَر، تناسب أخلاقها، وصفاتها التي اكتسبتها في حيال حياتها، فتصير كل روح إلى بدن حيوان يشاكل تلك الأرواح، فتصير النفس السَّبُعِيّة إلى أبدان السباع، والكلبية إلى أبدان الكلاب، والبهيمية إلى أبدان البهائم، والدنيّة، والسفليّة إلى أبدان الحشرات. وهذا قول المتناسخة، منكري المعاد، وهو قول خارج عن أقوال أهل الإسلام كلهم. ثم ذكر الإمام ابن القيم -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: أدلة هذه الأقوال، وما لها، وعليها، بما لا تجده في كتاب غير كتابه هذا. ثم قال: فإن قيل: فقد ذكرتم أقوال الناس في مستقرّ الأرواح، ومأخذهم، فما هو الراجح من هذه الأقوال حتى نعتقده؟ قيل: الأرواح متفاوتة في مستقرّها في البرزخ أعظمَ تفاوت: فمنها: أرواح في أعلى علّيّين، في الملأ الأعلى، وهي أرواح الأنبياء، صلوات اللَّه، وسلامه عليهم، وهم متفاوتون في منازلهم، كما رآهم النبي ﷺ ليلة الإسراء. ومنها: أرواح في حواصل طير خضر، تسرح في الجنّة حيث شاءت، وهي أرواح بعض الشهداء، لا جميعهم، بل من الشهداء من تُحبس روحه عن دخول الجنة لدَيْنٍ عليه، أو غيره، كما في "المسند"، عن محمد بن عبد اللَّه بن جحش، أن رجلا جاء إلى النبيّ ﷺ ، فقال: يا رسول اللَّه، مالي إن قتلتُ في سبيل اللَّه؟ قال: "الجنة"، فلما ولى قال: "إلا الدين، سارني به جبريل آنفًا". ومنهم: من يكون محبوسًا على باب الجنّة، كما في الحديث الآخر: "رأيت صاحبكم محبوسًا على باب الجنّة".

стр. 11039

ومنهم: من يكون محبوسا في قبره، كحديث صاحب الشملة التي غَلّها، ثم استشهد، فقال الناس: هنيئا له الجنّة، فقال النبيّ ﷺ : "والذي نفسي بيده إن الشملة التي غلها لتشتعل عليه نارًا في قبره". ومنهم: من يكون مَقرّه باب الجنّة، كما في حديث ابن عباس: "الشهداء على بارق نهر الجنة، في قبة خضراء، يخرج عليهم رزقهم من الجنّة بكرةً وعشيّة". رواه أحمد. وهذا بخلاف جعفر بن أبي طالب، حيث أبدله اللَّه من يديه جناحين يطير بهما في الجنّة حيث شاء. ومنهم: من يكون محبوسًا في الأرض، لم تَعْلُ روحه إلى الملأ الأعلى، فإنها كانت روحا سفلية أرضيّة، فإن الأنفس الأرضيّة لا تُجامع الأنفس السماوية، كما تجامعها في الدنيا، والنفس التي لم تكتسب في الدنيا معرفة ربها، ومحبته، وذكره، والأنس به، والتقرّب إليه، بل هي أرضيّة سفليّة، لا تكون بعد المفارقة لبدنها إلا هناك، كما أن النفس العلوية التي كانت في الدنيا عاكفة على محبة اللَّه، وذكره، والتقرّب إليه، والأنس به، تكون بعد المفارقة مع الأرواح العلوية المناسبة لها، فالمرء مع من أحبّ، في البرزخ، ويوم القيامة، واللَّه تعالى يزوّج النفوس بعضها ببعض في البرزخ، ويوم المعاد، كما تقدّم في الحديث: "ويجعل روحه -يعني المؤمن- مع النسيم الطيّب". أي الأرواح الطيّبة المشاكلة، فالروح بعد المفارقة تلحق بأشكالها، وإخوانها، وأصحاب عملها، فتكون معهم هناك. ومنها: أرواح تكون في تنّور، الزناةُ، والزواني. وأرواح في نهر الدم تسبح فيه، وتُلقم الحجارة، فليس للأرواح سعيدِها، وشقيِّها مستقرّ واحد، بل روح في أعلى عليين، وروح أرضية سفلية، لا تصعد عن الأرض. وأنت إذا تأملت السنن، والآثار، في هذا الباب، وكان لك بها فضل اعتناء، عرفت حجة ذلك، ولا تظنّ أن بين الآثار الصحيحة في هذا الباب تعارضًا، فإنها كلها حقّ، يصدّق بعضها بعضًا، لكن الشأن في فهمها، ومعرفة النفس، وأحكامها، وأن لها شأنا غير شأن البدن، وأنها مع كونها في الجنّة فهي في السماء، وتنفعل بفِنَاء القبر، وبالبدن فيه، وهي أسرع شيء حركة، وانتقالاً، وصعودًا، وهبوطًا، وأنها تنقسم إلى مرسلة، ومحبوسة، وعلويّة، وسُفليّة، ولها بعد المفارقة صحة، ومرض، ولذّة، ونعيم، وألم أعظم مما كان لها حال اتصالها بالبدن بكثير، فهنالك الحبس، والألم، والعذاب، والمرض، والحسرة، وهنالك اللذّة، والراحة، والنعيم، والإطلاق، وما أشبه حالها في هذا البدن بحال ولد في بطن أمه، وحالها بعد المفارقة بحاله بعد خروجه من البطن إلى هذه الدار.

стр. 11040

فلهذه الأنفس أربع دُور، كلّ دار أعظم من التي قبلها: الدار الأولى: في بطن الأم، وذلك الحصر، والضيق، والغمّ، والظلمات الثلاث. والدار الثانية: هي الدار التي نشأت فيها، وألفتها، واكتسبت فيها الخير والشرّ، أسباب السعادة والشقاوة. والدار الثالثة: دار البرزخ، وهي أوسع من هذه الدار، وأعظم، بل نسبتها إليها كنسبة هذه الدار إلى الأولى. والدار الرابعة: دار القرار، وهي الجنة، أو النار، فلا دار بعدها، واللَّه ينقلها في هذه الدار طبقًا بعد طبق، حتى يبلغها الدار التي لا يصلح لها غيرها، ولا يليق بها سواها، وهي التي خُلقت لها، وهُيّئت للعمل الموصل إليها، ولها في كلّ دار من هذه الدور حكم، وشأن، غير شأن الدار الأخرى، فتبارك اللَّه، فاطرها، ومنشوّها، ومميتها، ومحييها، ومسعدها، ومشقيها الذي فاوت بينها في درجات سعادتها، وشقاوتها، كما فاوت بينها في مراتب علومها، وأعمالها، وقواها، وأخلاقها. فمن عرفها كما ينبغي شهد أن لا إله إلا اللَّه، وحده، لا شريك له، له الملك كله، وله الحمد كله، وبيده الخير كله، وإليه يرجع الأمر كله، وله القوّة كلها، والقدرة كلها، والعزّ كله، والحكمة كلها، والكمال المطلق من جميع الوجوه، وعرف بمعرفة نفسه صدقَ أنبيائه، ورسله، وأن الذي جاءوا به هو الحقّ الذي تشهد به العقول، وتقرّ به الفِطَرُ، وما خالفه فهو الباطل، وباللَّه التوفيق انتهى كلام ابن القيّم -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو كلام نفيس وبحث أنيس. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الخامسة: في اختلاف أهل العلم في حكم انتفاع الأموات بعمل الأحياء: قد حقّق هذا الموضوع الإمام ابن القيّم -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- أيضًا، وطوّل النفَسَ في تحقيقه، ودونك مختصره: قال -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: هل تنتفع أرواح الموتى بشيء من سَعْي الأحياء أم لا؟. وَالجواب: أنها تنتفع من سعي الأحياء بأمرين مجمع عليهما بين أهل السنة من الفقهاء، وأهل الحديث، والتفسير: أحدهما: ما تسبب إليه الميت في حياته. والثاني: دعاء المسلمين، واستغفارهم له، والصدقة، والحجّ على نزاع ما الذي يصل من ثوابه، هل ثواب الإنفاق، أو ثواب العمل؟. فعند الجمهور يصل ثواب العمل نفسه، وعند بعض الحنفيّة إنما يصل ثواب الإنفاق.

стр. 11041

واختلفوا في العبادة البدنيّة؛ كالصوم، والصلاة، وقراءة القرآن، والذكر، فمذهب الإمام أحمد، وجمهور السلف وصولها، وهو قول بعض أصحاب أبي حنيفة، نصّ على هذا الإمام أحمد في رواية محمد بن يحيى الكحال، قال: قيل لأبي عبد اللَّه: الرجل يعمل الشيء من الخير، من صلاة، أو صدقة، أو غير ذلك، فيجعل نصفه لأبيه، أو لأمه؟ قال: أرجو، أو قال: الميت يصل إليه كل شيء، من صدقة، أو غيرها. وقال أيضًا: اقرأ آية الكرسيّ ثلاث مرّات، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وقل: اللَّهمّ إن فضله لأهل المقابر. والمشهور من مذهب الشافعيّ، ومالك أن ذلك لا يصل. وذهب بعض أهل البدع، من أهل الكلام أنه لا يصل إلى الميت شيء البتة، لا دعاء، ولا غيره. (فالدليل على انتفاعه بما تسبب إليه في حياته): ما رواه مسلم في "صحيحه" من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له"، فاستثناء هذه الثلاث من عمله يدلّ على أنها منه، فإنه هو الذي تسبب إليها. وفي "سنن ابن ماجه"، من حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن مما يَلحَق المؤمن من عمله، وحسناته بعد موته علمًا علّمه ونشره، أو ولدًا صالحًا تركه، أو مصحفًا ورّثه، أو مسجدًا بناه، أو بيتًا لابن السبيل بناه، أو نهرًا أكراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحّته وحياته، تلحقه من بعد موته". وفي "صحيح مسلم" أيضًا من حديث جرير بن عبد اللَّه، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من سنّ في الإسلام سنّة حسنة، فله أجرها، وأجر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سنّ في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء". وهذا المعنى روي عن النبيّ ﷺ من عدّة وجوه، صحاح، وحسان. وفي "المسند": عن حذيفة ﵁ قال: سأل رجل على عهد رسول اللَّه ﷺ ، فأمسك القوم، ثم إن رجلاً أعطاه، فأعطى القوم، فقال النبيّ ﷺ : "من سنّ خيرًا، فاستُنّ به، كان له أجره، ومن أجور من تبعه، غير منتقص من أجورهم شيئًا، ومن سنّ شرّا، فاستُنّ به، كان عليه وزره، ومن أوزار من تبعه، غير منتقص من أوزارهم شيئًا". وقد دلّ على هذا قوله ﷺ : "لا تُقتَل نفسٌ ظلمًا، إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها؛ لأنه أوّل من سنّ القتل"، فإذا كان هذا في العذاب والعقاب، ففي الفضل والثواب أولى، وأحرى.

стр. 11042

قال: والدليل على انتفاعه بغير ما تسبب فيه القرآن، والسنّة، والإجماع، وقواعد الشرع: أما القرآن، فقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: آية ١٠]. فأثنى اللَّه سبحانه عليهم باستغفارهم للمؤمنين قبلهم، فدلّ على انتفاعهم باستغفار الأحياء. وقد يمكن أن يقال: إنما انتفعوا باستغفارهم لأنهم سنّوا لهم الإيمان بسبقهم إليه، فلما اتبعوهم فيه كانوا كالمستنين في حصوله لهم، لكن قد دلّ على انتفاع الميت بالدعاء إجماع الأمة على الدعاء له في صلاة الجنازة. وفي "السنن" من حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا صليتم على الميت، فأخلصوا له الدعاء". وفي "صحيح مسلم" من حديث عوف بن مالك ﵁ قال: صلى رسول اللَّه ﷺ على جنازة، فحفظت من دعائه، وهو يقول: "اللَّهم اغفر له، وارحمه، وعافه، واعف عنه، وأكرم نزله، وأوسع مدخله، واغسله بالماء، والثلج، والبرد، ونقّه من الخطايا كما نقّيت الثوب الأبيض من الدنس"، وأبدله دارًا خيرًا من داره، وأهلاً خيرًا من أهله، وزوجًا خيرًا من زوجه، وأدخله الجنّة، وأعذه من عذاب القبر، وعذاب النار". وفي "السنن" عن واثلة بن الأسقع ﵁ قال: صلى رسول اللَّه ﷺ على رجل من المسلمين، فسمعته، يقول: "اللَّهم إن فلان ابن فلان في ذمّتك، وحبل جوارك، فقه من فتنة القبر، وعذاب النار، وأنت أهل الوفاء، والحقّ، فاغفر له، وارحمه، إنك أنت الغفور الرحيم" (١). وهذا كثير في الأحاديث، بل هو المقصود بالصلاة على الميت، وكذلك الدعاء له بعد الدفن. وفي "السنن" من حديث عثمان بن عفّان ﵁ قال: كان النبيّ ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه، فقال: "استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت، فإنه الآن يُسأل". وكذلك الدعاء لهم عند زيارة قبورهم، كما في "صحيح مسلم" من حديث بريدة بن الحصيب ﵁ قال: كان رسول اللَّه ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقولوا: "السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين، والمسلمين، وإنا إن شاء اللَّه بكم لاحقون، نسأل اللَّه لنا، ولكم العافية". وفي "صحيح مسلم" أيضًا أن عائشة ﵂، سألت رسول اللَّه ﷺ كيف تقول، إذا

стр. 11043

استغفرت لأهل القبور؟ قال: "قولى: السلام على أهل الديار من المؤمنين، والمسلمين، ويرحم اللَّه المستقدمين منّا، والمستأخرين، وإنا إن شاء اللَّه بكم لاحقون ". وفي "صحيحه" عنها أيضًا: أن رسول اللَّه ﷺ خرج في ليلتها من آخر الليل إلى البقيع، فقال: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون، غدًا مؤجّلون، وإنا إن شاء اللَّه بكم لاحقون، اللَّهم اغفر لأهل بقيع الغرقد". ودعاء النبيّ ﷺ للأموات فعلاً، وتعليمًا، ودعاء الصحابة، والتابعين؛ عصرًا بعد عصر أكثر من أن يذكر، وأشهر من أن ينكر. وقد جاء أن اللَّه يرفع درجة العبد في الجنّة، فيقول: أَنَّى لي هذا؟ فيقال: بدعاء ولدك لك. قال: وأما وصول ثواب الصدقة، ففي "الصحيحين" عن عائشة ﵂، أن رجلا أتى النبيّ ﷺ ، فقال: يا رسول اللَّه إن أمي افتُلِتت نفسها، ولم توص، وأظنّها لو تكلّمت تصدّقت، أفلها أجر إن تصدّقت عنها؟ قال: "نعم". وفي "صحيح البخاريّ" عن عبد اللَّه بن عباس ﵄ أن سعد بن عبادة توفّيت أمه، وهو غائب عنها، فأتى النبيّ ﷺ ، فقال: يا رسول اللَّه، إن أمي توفّيت، وأنا غائب عنها، فهل ينفعها إن تصدقت عنها؟ قال: "نعم"، قال: فإني أشهدك أن حائطي الْمِخْرَاف صدقة عنها. وفي "صحيح مسلم" عن أبي هريرة ﵁ أن رجلاً قال للنبيّ ﷺ ، إن أبي مات، وترك مالاً، ولم يوص، فهل يكفي عنه أن أتصدّق عنه؟ قال: "نعم". وفي "السنن"، و"مسند أحمد" عن سعد ابن عبادة ﵁ أنه قال: يا رسول اللَّه إن أم سعد ماتت، فأيّ الصدقة أفضل؟ قال: "الماء"، فحفر بئرًا، وقال: هذه لأم سعد. وعن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص أن العاص ابن وائل نذر في الجاهلية أن ينحر مائة، وأن هشام بن العاص نحر حصّته خمسين، وأن عمرًا سأل النبيّ ﷺ عن ذلك؟ فقال: "أما أبوك فلو أقرّ بالتوحيد، فصُمتَ، وتصدّقت عنه نفعه ذلك". رواه الإمام أحمد بسند حسن. قال: وأما وصول ثواب الصوم، ففي "الصحيحين" عن عائشة ﵂: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من مات، وعليه صيام صام عنه وليّه". وفي "الصحيحين" أيضًا عن ابن عباس ﵄، قال: جاء رجل إلى النبيّ ﷺ ، فقال: يا رسول اللَّه، إن أمي ماتت، وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟، قال: "نعم، فدَينُ اللَّه أحقّ أن يُقضى". وفي رواية: جاءت امرأة إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقالت: يا رسول اللَّه، إن أمي ماتت، وعليها صوم نذر أفأصوم عنها؟ قال: أفرأيت لو كان على أبيك دين، فقضيته، أكان يؤدي عنه؟ "، قال: نعم، قال: "فصومي عن أمك". وهذا اللفظ للبخاري وحده تعليقًا. وعن

стр. 11044

بريدة ﵁ قال: بينما أنا جالس عند رسول اللَّه ﷺ إذ أتته امرأة، فقالت: إني تصدّقت على أمي بجارية، وإنها ماتت، فقال: "وجب أجرك، وردها عليك الميراث"، فقالت: يا رسول اللَّه إنه كان عليها صوم شهر، أفأصوم عنها؟ قال: "صومي عنها"، قالت: إنها لم تحجّ قط، أفأحج عنها؟ قال: "حجي عنها". رواه مسلم، وفي لفظ: "شهرين". وعن ابن عباس ﵄ أن امرأة ركبت البحر، فنذرت إن نجاها اللَّه أن تصوم شهرًا، فنجاها اللَّه، فلم تصم حتى ماتت، فجاءت بنتها، أو أختها إلى رسول اللَّه ﷺ ، فأمرها أن تصوم عنها. رواه أهل السنن، والإمام أحمد. وكذلك رُوي عنه ﷺ وصول ثواب بدل الصوم، وهو الإطعام. ففي السنن عن ابن عمر ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من مات، وعليه صيام شهر، فليطعم عنه لكلّ يوم مسكين". رواه الترمذيّ، وابن ماجه، قال الترمذيّ، ولا نعرفه، مرفوعا إلا من هذا الوجه (١)، والصحيح عن ابن عمر ﵄ من قوله موقوفًا. وفي سنن أبي داود عن ابن عباس ﵄، قال: "إذا مرض الرجل في رمضان، ولم يصم أطعم عنه، ولم يكن عنه قضاء، وإن نذر قضى عنه وليّه". قال: وأما وصول ثواب الحجّ، ففي "صحيح البخاري" عن ابن عباس ﵄ أن امرأة من جُهينة جاءت إلى النبيّ ﷺ ، فقالت: إن أمي نذرت أن تحجّ، فلم تحجّ حتى ماتت، أفأحجّ عنها؟ قال: "حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين، أكنت قاضيته؟، اقضوا اللَّه، فاللَّه أحقّ بالقضاء". وقد تقدّم حديث بُريدة، وفيه أن أمي لم تحجّ، أفأحج عنها؟ قال: "حجي عنها". وعن ابن عباس ﵄ قال: إنَّ امرأة سنان بن سلمة الجهنيّ سألت رسول اللَّه ﷺ أن أمها ماتت، ولم تحجّ، أفيجزىء أن تحج عنها؟ قال: "نعم، لو كان على أمها دين، فقضته عنها ألم يجزىء عنها؟ ". رواه النسائيّ. وروى أيضًا عن ابن عباس ﵄ أن امرأة سألت النبيّ ﷺ عن ابنها مات، ولم يحجّ، قال: "حجي عن ابنك". وروى أيضًا عنه، قال: قال رجل: يا نبيّ اللَّه إن أبي مات، ولم يحجّ، أفأحج عنه؟ قال: "أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيه؟ " قال: نعم، قال: "فدين اللَّه أحقّ". وأجمع المسلمون على أن قضاء الدين يسقطه من ذمته، ولو كان من أجنبيّ، أو غير تركته. وقد دلّ عليه حديث أبي قتادة حيث ضَمِنَ الدينارين عن الميت، فلما قضاهما قال له النبيّ ﷺ : "الآن بردت جلدته".

стр. 11045

وأجعوا على أن الحيّ إذا كان له في ذمة الميت حقّ من الحقوق، فأحله منه أنه ينفعه، ويبرأ منه كما يسقط من ذمة الحيّ. فإذا سقط من ذمة الحيّ بالنصّ، والإجماع مع إمكان أدائه له بنفسه، ولو لم يرض به، بل رده، فسقوطه من ذمة الميت بالإبراء حيث لا يمكن من أدائه أولى وأحرى، وإذا انتفع بالإبراء والإسقاط، فكذلك ينتفع بالهبة والإهداء، ولا فرق بينهما، فإن ثواب العمل حقّ المهدي الواهب، فإذا جعله للميت انتقل إليه، كما أن ما على الميت من الحقوق من الدين وغيره، وهو محض حقّ الحيّ، فإذا أبرأه وصل الإبراء إليه، وسقط من ذمته، فكلاهما حقّ للحيّ، فأي نصّ، أو قياس، أو قاعدة من قواعد الشرع يوجب وصول أحدهما، ويمنع وصول الآخر. هذه النصوص متظاهرة على وصول ثواب الأعمال إلى الميت إذا فعلها الحيّ عنه، وهذا محض القياس، فإن الثواب حقّ العامل، فإذا وهبه لأخيه المسلم لم يمنع من ذلك كما لم يمنع من هبة ماله في حياته، وإبرائه له من بعد موته. وقد نبّه النبيّ ﷺ بوصول ثواب الصوم الذي هو مجرد ترك، ونيّة تقوم بالقلب لا يطّلع عليه إلا اللَّه، وليس بعمل الجوارح على وصول ثواب القراءة التي هي عمل باللسان تسمعه الأذن، وتراه العين بطريق الأولى. ويوضحه أن الصوم نية محضة، وكفّ النفس عن المفطرات، وقد أوصل اللَّه ثوابه إلى الميت، فكيف بالقراءة التي هي عمل ونيّة، بل لا تفتقر إلى النية، فوصول ثواب الصوم إلى الميت فيه تنبيه على وصول سائر الأعمال. والعبادات قسمان: مالية، وبدنيّة، وقد نبه الشارع بوصول ثواب الصدقة على وصول ثواب سائر العبادات المالية، ونبه بوصول ثواب الصوم على وصول سائر العبادات البدنية، وأخبر بوصول ثواب الحجّ المركّب من المالية والبدنيّة، فالأنواع الثلاثة ثابتة بالنصّ والاعتبار. وباللَّه التوفيق. انتهى المقصود من كلام ابن القيم -رحمه اللَّه تعالى- (١). وهذا الذي قرره ابن القيم -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- من وصول ثواب جميع أعمال البر إلى الميت هو الذي رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، فقد سئل عن قراءة أهل الميت، والتسبيح، والتحميد، والتهليل، والتكبير، هل تصل إذا أهديت إلى الميت؟ فأجاب: بأنه يصل إلى الميت قراءة أهله، وتسبيحهم، وتكبيرهم، وسائر ذكر اللَّه تعالى، إذا أهدوه إليه (٢).

стр. 11046

وقال أيضًا: وأما القراءة، والصدقة، وغيرهما من أعمال البرّ، فلا نزاع بين علماء السنة والجماعة في وصول ثواب العبادات المالية، كالصدقة، والعتق، كما يصل أيضا الدعاء، والاستغفار، والصلاة عليه صلاة الجنازة، والدعاء عند قبره. وتنازعوا في وصول الأعمال البدنيّة، كالصوم والصلاة، والقراءة، والصواب أن الجميع يصل إليه. انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي رجحه الإمامان: ابن تيمية وابن القيم -رحمهما اللَّه تعالى- من وصول ثواب جميع الأعمال إلى الميت هو الصواب عندي، إلا أني متوقف في قراءة القرآن والتسبيح والتكبير ونحوها؛ لعدم ورود النصّ بذلك، فإن الصحابة ﵃ كانوا أحرص الناس على الخير، وكان القرآن أعظم شيء عندهم، فما كانوا يقرءونه للأموات، ولا سألوا النبي ﷺ عنه. ولا أرشدهم هو إليه، فهذا كله مما يحمل على التوقف. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: أقوى ما استدلّ به المانعون عن انتفاع الميت بعمل غيره مطلقًا قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] وقد أجاب المحققون عن الآية بأجوبة: فقيل: المراد بالإنسان الكافر، وقيل: إن الآية إخبار بشرع من قبلنا. وقيل: اللام بمعنى "على"، أي وليس على الإنسان إلا ما سعى. وقيل: في الكلام حذف تقديره: وأن ليس للإنسان إلا ما سعى، أو سُعي له. وقيل: الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ الآية [الطور: ٢١]. وقيل: المراد بالإنسان ههنا الحيّ، دون الميت. وقالت طائفة أخرى، وهو جواب أبي الوفاء بن عقيل، قال: الجواب الجيّد عندي أن يقال: الإنسان بسعيه، وحسن عشرته اكتسب الأصدقاء، وأَولَدَ الأولاد، ونكح الأزواج، وأسدى الخير، وتودّد إلى الناس، فترحموا عليه، وأهدوا له العبادات، وكان ذلك أثر سعيه. كما قال ﷺ : "إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه". ويدلّ عليه قوله في الحديث الآخر: "إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث: علم يُنتفع به من بعده، وصدقة جارية عليه، أو ولد صالح يدعو له". قال ابن القيّم -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: هذا جواب متوسط، يحتاج إلى تمام، فإن العبد بإيمانه، وطاعته للَّه ورسوله قد سعى في انتفاعه بعمل إخوانه المؤمنين مع عمله كما ينتفع بعملهم في الحياة مع عمله، فإن المؤمنين ينتفع بعضهم بعمل بعض في الأعمال التي يشتركون فيها، كالصلاة في جماعة، فإن كل واحد منهم تضاعف صلاته إلى سبعة وعشرين ضعفا لمشاركة غيره له في الصلاة، فعمل غيره كان سببا لزيادة أجره كما أن

стр. 11047

عمله سبب لزيادة أجر الآخر، بل قد قيل: إن الصلاة يضاعف ثوابها بعدد المصلين، وكذلك اشتراكهم في الجهاد، والحجّ، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والتعاون على البرّ والتقوى، وقد قال النبيّ ﷺ : "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضًا، وشبّك بين أصابعه". ومعلوم أن هذا بأمور الدين أولى منه بأمور الدنيا، فدخول المسلم مع جملة المسلمين في عقد الإسلام من أعظم الأسباب في وصول نفع كل من المسلمين إلى صاحبه في حياته، وبعد مماته، ودعوة المسلمين تحيط من ورائهم. وقد أخبر اللَّه عن حملة العرش، ومن حولهم أنهم يستغفرون للمؤمنين، ويدعون لهم، وأخبر عن دعاء رسله، واستغفارهم للمؤمنين، كنوح، وإبراهيم، ومحمد صلى اللَّه عليهم وسلم، فالعبد بإيمانه قد تسبب إلى وصول هذا الدعاء إليه، فكأنه من سعيه. يوضّحه أن اللَّه جعل الإيمان سببا لانتفاع صاحبه بدعاء إخوانه من المؤمنين، وسعيهم، فإذا أتى به، فقد سعى في السبب الذي يوصل إليه، وقد دلّ على ذلك قول النبيّ ﷺ لعمرو بن العاص: "إن أباك لو كان أقرّ بالتوحيد نفعه ذلك"، يعني العتق الذي فعل عنه بعد موته، فلو أتى بالسبب لكان قد سعى في عمل يوصل إليه ثواب العتق. وهذه طريقة حسنةٌ جدًا. وقالت طائفة أخرى: القرآن لم ينف انتفاع الرجل بسعي غيره، وإنما نفى ملكه لغير سعيه، وبين الأمرين من الفرق ما لا يخفى، فأخبر تعالى أنه لا يملك إلا سعيه، وأما سعي غيره فهو ملك لساعيه، فإن شاء أن يبذله لغيره، وإن شاء أن يبقيه لنفسه، وهو سبحانه لم يقل: لا ينتفع إلا بما سعى، وهذا القول اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه اللَّه تعالى-، ورجحه. فقد قال -كما في مجموع الفتاوى-: وأما الآية فللناس عنها أجوبة متعدّدة، كما قيل: إنها تختصّ بشرع من قبلنا. وقيل: إنها مخصوصة. وقيل: إنها منسوخة. وقيل: إنها تنال السعي (١) مباشرة، وسببًا، والإيمان من سعيه الذي تسبب فيه. ولا يحتاج إلى شيء من ذلك، بل ظاهر الآية حقّ، لا يخالف بقية النصوص، فإنه قال: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]، وهذا حقّ، فإنه إنما يستحقّ سعيه، فهو الذي يملكه، وسيتحقّه، كما أنه إنما يملك من المكاسب ما اكتسبه هو، وأما سعي غيره فهو

стр. 11048

حقّ، وملك الذلك الغير، لا له، لكن هذا لا يمنع أن ينتفع بسعي غيره، كما ينتفع الرجل بكسب غيره انتهى (١). وقال أيضًا: وأما احتجاج بعضهم بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] فيقال له: قد ثبت بالسنة المتواترة، وإجماع الأمة أنه يصلى عليه، ويُدعى له، ويستغفر له، وهذا من سعي غيره، وكذلك قد ثبت ما سلف من أنه ينتفع بالصدقة عنه، والعتق، وهو من سعي غيره، وما كان من جوابهم في موارد الإجماع فهو جواب الباقين في مواقع النزاع انتهى (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله شيخ الإسلام -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- حسنٌ جدًّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٠٧٤ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ, وَهُوَ ابْنُ الْمُغِيرَةِ, قَالَ: حَدَّثَنَا ثَابِتٌ, عَنْ أَنَسٍ, قَالَ: كُنَّا مَعَ عُمَرَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ, أَخَذَ يُحَدِّثُنَا, عَنْ أَهْلِ بَدْرٍ, فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , لَيُرِينَا مَصَارِعَهُمْ بِالأَمْسِ, قَالَ: «هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ, إِنْ شَاءَ اللَّهُ غَدًا». قَالَ عُمَرُ: وَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ, مَا أَخْطَئُوا تِيكَ, فَجُعِلُوا فِي بِئْرٍ, فَأَتَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ , فَنَادَى: «يَا فُلَانُ بْنَ فُلَانٍ, يَا فُلَانُ بْنَ فُلَانٍ, هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا, فَإِنِّي وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي اللَّهُ حَقًّا» , فَقَالَ عُمَرُ: تُكَلِّمُ أَجْسَادًا لَا أَرْوَاحَ فِيهَا؟ فَقَالَ: «مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ». رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عمرو بن علي) الفلاس الصيرفي، أبو حفص البصري، ثقة ثبت [١٠] ٤/ ٤. ٢ - (يحيى) بن سعيد القطان، أبو سعيد البصري ثقة ثبت حجة [٩] ٤/ ٤. ٣ - (سليمان بن المغيرة) القيسيُّ مولاهم، أبو سعيد البصري، ثقة [٧] ٥٣/ ٦١٦. ٤ - (ثابت) بن أسلم البناني، أبو محمد البصري، ثقة عابد [٤] ٤٥/ ٥٣. ٥ - (أنس) بن مالك الصحابي الجليل ﵁ ٦/ ٦، واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، وأن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستة الذين يروون عنهم بلا واسطة، وفيه أنس ﵁ أحد المكثرين السبعة، من الصحابة ﵃، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 11049

شرح الحديث (عَنْ أَنَسٍ) ﵁، أنه (قَالَ: كُنَّا مَعَ عُمَرَ) ﵁ (بَينَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، أَخَذَ) أي شرع، وبدأ (يُحَدِّثُنَا، عَنْ أَهْلِ بَدْرٍ) أي شأن كفّار قريش الذين قُتلوا في معركة بدر الكبرى. وقد ساق البخاريّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- هذه القصّة من حديث أنس ﵁ مطوّلاً، فقال: ٣٩٧٦ - حدثني عبد اللَّه بن محمد، سمع روح بن عبادة، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، قال: ذكر لنا أنس بن مالك، عن أبي طلحة، أن نبي اللَّه ﷺ ، أمر يوم بدر، بأربعة وعشرين رجلا، من صناديد قريش، فقُذِفُوا في طَوِيّ، من أطواء بدر (١)، خَبِيثٍ مُخبِثٍ، وكان إذا ظهر على قوم، أقام بالعرصة، ثلاث ليال، فلما كان ببدر اليوم الثالث، أَمر براحلته، فشُدَّ عليها رحلها، ثم مشى، واتبعه أصحابه، وقالوا: ما نُرَى ينطلق إلا لبعض حاجته، حتى قام على شَفَة الرَّكِيّ (٢)، فجعل يناديهم بأسمائهم، وأسماء آبائهم، يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، أيسركم، أنكم أطعتم اللَّه ورسوله، فإنا قد وجدنا، ما وعدنا ربنا حقا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا، قال: فقال عمر: يا رسول اللَّه، ما تكلم من أجساد، لا أرواح لها، فقال رسول اللَّه ﷺ : "والذي نفس محمد بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم". قال قتادة: أحياهم اللَّه، حتى أسمعهم قوله، توبيخا، وتصغيرا، ونقيمة، وحسرة، وندما. انتهى (٣). (فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، لَيُرِينَا) بفتح اللام، وهي لام الابتداء التي تقع بعد "إنّ" المكسورة الهمزة، كما قال ابن مالك -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "خلاصته": يوَبَعْدَ ذَاتِ الْكَسْرِ تَصْحَبُ الْخَبَرْ … لَامُ ابْتِدَاءٍ نَحْوُ إِنِّي لَوَزَرْ (مَصَارِعَهُمْ) جمع مَصْرَع، كمَقْعَد: محلّ الصَّرْع، أي الرح على الأرض، والمراد هنا مواضع قتلهم، أي المواضع التي قُتلوا فيها، والضمير للكفار (بِالْأَمْسِ) أي أمس يوم القتل، يعني اليوم الذي قبل يوم قتلهم (قَالَ: "هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ غَدًا"، قَالَ: عُمَرُ) بن الخطّاب ﷺ (وَالَّذِي بَعَثَهُ بِالحَقِّ) أي أرسل النبيّ ﷺ ، وهو اللَّه

стр. 11050

(مَا أَخْطَئؤوا تِيكَ) اسم إشارة للمؤنثة البعيدة، أي تلك المواضع التي أشار إليها النبيّ ﷺ أنها مصارعهم (فَجُعِلُوا فِي بِئْرٍ) بالبناء للمفعول، وفي رواية مسلم، من طريق حماد ابن سلمة، عن ثابت: "ثم أَمَرَ بهم فسُحِبُوا فأُلْقُوا في قليب بدر" (فَأَتَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَنَادَى: "يَا فُلَانُ ابْنَ فُلَانِ، يَا فُلَانُ ابْنَ فُلَانٍ) برفع "فلان" الأول؛ لأنه نكرة مقصودة، وأما لفظة "ابن" فمنصوبة لا غير؛ لكونها مضافة، وقد أشار ابن مالك إلى هذا في "الخلاصة" حيث قال: وَنَحْوَ "زَيْدٍ" ضُمَّ وَافْتَحَنَّ مِنْ … نَحْوِ "أَزَيْدَ بْنَ سَعِيدٍ لَا تَهِنْ" وَالضَّمُّ إِنْ لَمْ يَلِ الابْنُ عَلَمَا … أَوْ يَلِ الابْنَ عَلَمٌ قَدْ حُتِمَا (هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا) أي من الذلّ، والهوان، والكآبة، والخيبة، والخسران، والعذاب الأليم، حيث قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران: ١٢]. وفي رواية حميد التالية، عن أنس ﵁، قال: سمع المسلمون من الليل ببئر بدر، ورسول اللَّه ﷺ قائم، ينادي: "يا أبا جهل بن هشام، ويا شيبة بن ربيعة، ويا عُتبة بن ربيعة، ويا أميّة بن خلف". وأخرجه ابن إسحاق، وأحمد، وغيرهما، وكذا وقع عند أحمد، ومسلم، من طريق ثابت، عن أنس، فسمّى الأربعة، لكن قدّم، وأخّر، وسياقه أتم، قال في أوله: "تركتهم ثلاثة أيام حتى جيّفوا"، فذكره، وفيه من الزيادة: "فسمع عمر صوته، فقال: يا رسول اللَّه، أتناديهم بعد ثلاث، وهل يسمعون، ويقول اللَّه تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠]، فقال: "والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، لكن لا يستطيعون أن يُجيبوا". قال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وفي بعضه نظر، لأن أميّة بن خلف لم يكن في القليب؛ لأنه كان ضخما، فانتفخ، فأَلقَوا عليه من الحجارة، والتراب ما غيّبه. وقد أخرج ذلك ابن إسحاق من حديث عائشة ﵂، لكن يُجمع بينهما بأنه كان قريبًا من القليب، فنودي فيمن نودي؛ لكونه كان من جملة رؤسائهم. ومن رؤساء قريش، ممن يصحّ إلحاقه بمن سُمّي، من بني عبد شمس بن عبد مناف: عبيدة، والعاص، والد أحيحة، وسعيد بن العاص بن أُميّة، وحنظلة بن أبي سفيان، والوليد ابن عتبة بن ربيعة. ومن بني نوفل بن عبد مناف: الحارث بن عامر بن نوفل، وطُعيمة بن عديّ. ومن سائر قريش: نوفل بن خُويلد بن أسد، وزمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد، وأخوه عقيل، والعاصي بن هشام، أخو أبي جهل، وأبو قيس بن الوليد، أخو خالد، ونُبيه، ومنبّه ابنا الحجّاج السهميّ، وعليّ بن أميّة بن خلَف، وعمرو بن عثمان، عم طلحة أحد

стр. 11051

العشرة، ومسعود بن أبي أمية، أخو أم سلمة، وقيس بن الفاكه بن المغيرة، والأسود بن عبد الأسود، أخو أبي سلمة، وأبو العاص بن قيس بن عديّ السهميّ، وأُميمة بن رفاعة بن أبي رفاعة. فهؤلاء العشرون، تنضم إلى الأربعة، فتكمل العدّة. ومن جملة مخاطبتهم ما ذكره ابن إسحاق: حدثني بعض أهل العلم أنه ﷺ قال: يا أهل القليب بئس عشيرة النبيّ ﷺ كنتم، كذّبتموني، وصدّقني الناس … " الحديث (١). (فَإِنِّي وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي اللَّهُ) وفي نسخة: "ربي" (حَقًّا") أي من النصر، والفتح، والعزّ، والتمكين في الأرض، حيث قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١] وقال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [سورة المجادلة: ٢١]، وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ الآية [سورة النور: ٥٥]، (فَقَالَ عُمَرُ) بن الخطاب ﵁ (تكَلَّمُ) من التكليم (أَجْسَادًا لَا أَرْوَاحَ فِيهَا؟ فَقَالَ) ﷺ (مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ) زاد في الرواية التالية: "ولكنهم لا يستطيعون أن يُجيبوا". أي لستم أنتم باكثر منهم سماعًا لما أقول، يعني أنهم يسمعون كسماعكم، ولكنهم لا يستطيعون الإجابة، كاستطاعتكم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١١٧/ ٢٠٧٤ و ٢٠٧٥ - وفي "الكبرى" ١١٧/ ٢٢٠١ و ٢٢٠٢ وأخرجه (م) ٢٨٧٣ و ٢٨٧٥ (د) ٢٦٨١ (أحمد) ١٨٣ و ١١٦٠٩ و ١٢٠٦٢ و ١٢٤٦٣ و ١٢٨٨٣ و ١٣٢٩٢ و١٣٦٥٠. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: مئها: أن فيه معجزة للنبيّ ﷺ ، حيث أخبر بمصارع المشركين، فوقع ما أخبر به كما أخبر به. ومنها: إنجاز اللَّه ما وعده نبيّه ﷺ والمؤمنين من النصر. ومنها: سماع الموتى لكلام الأحياء ومنها: إثبات عذاب القبر. ومنها: استفهام التابع متبوعه إذا لم يظهر له وجه ما فعله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

стр. 11052

٢٠٧٥ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ, عَنْ حُمَيْدٍ, عَنْ أَنَسٍ, قَالَ: سَمِعَ الْمُسْلِمُونَ, مِنَ اللَّيْلِ بِبِئْرِ بَدْرٍ, وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ , قَائِمٌ يُنَادِي: «يَا أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ, وَيَا شَيْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ, وَيَا عُتْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ, وَيَا أُمَيَّةُ بْنَ خَلَفٍ, هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا, فَإِنِّي وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا» وقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ, أَوَتُنَادِي قَوْمًا قَدْ جَيَّفُوا؟ , فَقَالَ:: «مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ, لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ, وَلَكِنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُجِيبُوا». قال الجامع عفا اللَّه تعَالى عنه: هذا طريق آخر لحديث أنس ﵁، وهو حديث صحيح. و"عبد اللَّه": هو ابن المبارك. و"حميد": هو الطويل. وقوله: "من الليل" أي في الليل، فـ "من" بمعنى "في"، وقوله: "ببئر بدر" متعلّق بـ "سمع"، والإضافة بمعنى "في". وقوله: "يا أبا جهل الخ" مقول لقول مقدّر، حال من فاعل "ينادي"، أي قائلاً: يا أبا جهل الخ. وقوله: "قد جيّفوا" بتشديد الياء، وبناء الفعل للفاعل، أي صاروا جُثَثًا منتنة، يقال: جافَتِ الجيفةُ، تَجِيف: أنتنت، كَجَيَّفَت، واجتَافَتْ، قاله في "القاموس"، وفي "المصباح ": والجيفة بكسر الجيم: الميتة، من الدوابّ، والمواشي، إذا أنتنت، والجمع جِيَف، مثل سدرة، وسِدَر، سميت بذلك؛ لتغير ما في جوفها انتهى. وتمام شرح الحديث، والكلام على مسائله تقدما في الذي قبله، وباللَّه تعالى التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٠٧٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدَةُ, عَنْ هِشَامٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , وَقَفَ عَلَى قَلِيبِ بَدْرٍ, فَقَالَ: "هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ ", قَالَ: "إِنَّهُمْ لَيَسْمَعُونَ الآنَ, مَا أَقُولُ لَهُمْ» , فَذُكِرَ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ, فَقَالَتْ: وَهَلَ ابْنُ عُمَرَ, إِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّهُمُ الآنَ يَعْلَمُونَ, أَنَّ الَّذِي كُنْتُ أَقُولُ لَهُمْ هُوَ الْحَقُّ» , ثُمَّ قَرَأَتْ قَوْلَهُ: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ حَتَّى قَرَأَتِ الآيَةَ [النمل: ٨٠]. رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (محمد بن آدم) الجهني المصيصي، صدوق [١٠] ٩٣/ ١١٥. ٢ - (عبدة) بن سليمان الكلابي أبو محمد الكوفي، ثقة ثبت من صغار [٨] ٧/ ٣٣٩ ٣ - (هشام) بن عروة، أبو المنذر المدني، ثقة فقيه، ربما دلّس [٥] ٤٩/ ٦١. ٤ - (أبوه) عروة بن الزبير الفقيه المدني، ثقة ثبت [٣] ٤٠/ ٤٤. ٥ - (ابن عمر) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٢/ ١٢. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه فَتَفَرَّدَ به هو وأبو داود. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن

стр. 11053

أبيه، وتابعي، عن تابعي وفيه ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - من المكثرين السبعة، والعبادلة الأربعة. واللَّه تعالى أعلم شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، وَقَفَ عَلَى قَلِيبِ بَدْرٍ) بفتح القاف، وكسر اللام: البئر، وهو مذكّر، قال الأزهريّ: القَلِيب عند العرب البئر العاديّة القديمة، مطويّةً، كانت، أو غير مطويّة، والجمع قُلُبٌ، مثلُ بَرِيد وبُرُد. قاله في "المصباح" (فَقَالَ:: "هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟) أي من العذاب (قَالَ: "إِنَّهُمْ لَيَسْمَعُونَ الآنَ) أي في الوقت الحاضر (مَا أَقُولُ لَهُمْ) أي من التوحيد، وشرائع الإسلام (فَذُكرَ ذَلِكَ) أي ما قاله ابن عمر ﵄، مما نقله عن النبيّ ﷺ (لِعَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى - عنها (فَقَالَتْ: وَهِلَ ابْنُ عُمَرَ) بفتح الواو، وكسر الهاء، يقال: وَهِلِ عن الشيء، وفيه، من باب تَعِب: إذا غلِطَ فيه. وأما وَهَلَ إليه، بفتح الهاء، من باب وَعَد: إذا ذهب وَهْمُهُ إليه، وهو يريد غيره، فلا يناسب هنا. واللَّه تعالى أعلم (إِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّهُمُ الْآنَ يَعْلَمُونَ، أَنَّ الَّذِي كُنْتُ أَقُولُ لَهُمْ، هُوَ الحَقُّ) تعني بذلك نفي سماع الموتى كلام الأحياء، ولذا استدلت بالآية، كما قال (ثُمَّ قَرَأَتْ قَوْلَهُ: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ حَتَّى قَرَأَتِ الْآيَةَ) أي حتى قرأت الآية المذكورة بتمامها. قال في "الفتح": وهذا مصير من عائشة إلى ردّ رواية ابن عمر المذكورة، وقد خالفها الجمهور في ذلك، وقبلوا حديث ابن عمر؛ لموافقة من رواه غيره عليه. وأما استدلالها بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ فقالوا: معناها لا تُسمِعهم سماعًا ينفعهم، أو لا تُسمعهم إلا أن يشاء اللَّه. وقال السهيليّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: عائشة ﵂ لم تحضر قول النبيّ ﷺ ، فغيرها ممن حضر أحفظ للفظ النبيّ ﷺ ، وقد قالوا له: يا رسول اللَّه أتخاطب قومًا قد جَيَّفُوا؟، فقال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم. قال: واذا جاز أن يكونوا في تلك الحال عالمين جاز أن يكونوا سامعين، إما بآذان رؤوسهم، كما هو قول الجمهور، أو بآذان الروح على رأي من يوجّه السؤال إلى الروح، من غير رجوع إلى الجسد. قال: وأما الآية، فإنها كقوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْي﴾ [الزخرف: ٤٠]: أي إن اللَّه هو الذي يسمع، ويهدي انتهى. قال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وقوله: إنها لم تحضر صحيح، لكن لا يقدح ذلك في روايتها؛ لأنه مرسل صحابيّ، وهو محمول على أنها سمعت ذلك ممن حضره، أو من النبيّ ﷺ بعدُ، ولو كان ذلك قادحًا في روايتها لقدح في رواية ابن عمر، فإنه لم يحضر

стр. 11054

أيضًا. ولا مانع أن يكون النبيّ ﷺ قال اللفظين معًا، فإنه لا تعارض بينهما. وقال ابن التين -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: لا معارضة بين حديث ابن عمر ﵄، والآية؛ لأن الموتى لا يسمعون بلا شكّ، لكن إذا أرد اللَّه إسماع ما ليس من شأنه السماع لم يمتنع، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ الآية [الأحزاب: ٧٢]، وقوله: ﴿فَقَالَ: لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ الآية [فصّلت: ١١]. وقال البيهقيّ: العلم لا يمنع من السمع، والجواب عن الآية أنه لا يُسمعهم، وهم موتى، ولكن اللَّه أحياهم حتى سمعوا، كما قال قتادة. ولم ينفرد عمر، ولا ابنه بحكاية ذلك، بل وافقهما أبو طلحة، وللطبرانيّ من حديث ابن مسعود مثله، بإسناد صحيح. ومن حديث عبد اللَّه بن سِيدان نحوه، وفيه: قالوا: يا رسول اللَّه، وهل يسمعون؟ قال: يسمعون كما تسمعون، ولكن لا يجيبون". وفي حديث ابن مسعود: "ولكنهم اليوم لا يُجيبون". ومن الغريب أن في المغازي لابن إسحاق روايةِ يونس بن بُكير بإسناد جيّد عن عائشة مثلُ حديث أبي طلحة، وفيه: "ما أنتم بأسمع لما أقول منهم"، وأخرجه أحمد بإسناد حسن، فإن كان محفوظًا، فكأنها رجعت عن الإنكار لَمَّا ثبت عندها من رواية هؤلاء الصحابة؛ لكونها لم تشهد القصّة. وقال الإسماعيلي: كان عند عائشة من الفهم، والذكاء، وكثرة الرواية، والغوص على غوامض العلم ما لا مزيد عليه، لكن لا سبيل إلى ردّ رواية الثقة إلا بنصّ مثله، يدلّ على نسخه، أو تخصيصه، أو استحالته، فكيف، والجمع بين الذي أنكرته، وأثبته غيرها ممكن؛ لأن قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ لا ينافي قوله ﷺ : "إنهم الآن يسمعون "، لأن الإسماع هو إبلاغ الصوت من المسمع في أذن السامع، فاللَّه تعالى هو الذي أسمعهم بأن أبلغهم صوت نبيّه ﷺ بذلك. وأما جوابها بأنه إنما قال: إنهم ليعلمون، فإن كانت سمعت ذلك، فلا ينافي رواية "يسمعون"، بل يؤيدها. وقد اختلف أهل التأويل في المراد بالموتى في الآية المذكورة، وكذلك في المراد بـ "مَنْ في القبور"، فحملته عائشة على الحقيقة، وجعلته أصلاً احتاجت معه إلى تأويل قوله: "ما أنتم بأسمع لما أقول منهم"، وهذا قول الأكثر. وقيل: هو مجاز، والمراد بالموتى، وبمن في القبور الكفّار، شُبّهوا بالموتى، وهم أحياء، والمعنى من هم في حال الموتى، أو في حال من سكن القبر، وعلى هذا لا يبقى في الآية دليل على ما نفته عائشة ﵂. واللَّه تعالى أعلم. انتهى ما في "الفتح" بتصرّف (١). واللَّه تعالى أعلم

стр. 11055

بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١١٧/ ٢٠٧٦ - وفي "الكبرى" ١١٧/ ٢٢٥٣. وأخرجه (خ) ١٣٧٠ و ٣٩٨ و ٤٠٢٦ (م) ٩٣٢ (أحمد) ٤٨٤٩ و ٤٩٣٨ و ٦١١٠. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: دل هذا الحديث على أن الموتى يسمعون كلام الأحياء، وأنكرت ذلك عائشة ﵂، محتجّة بآية: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، وقد عرفت جواب أهل العلم عن هذه الآية، فالحقّ أنهم يسمعون كلامهم سماعًا حقيقيّا. وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- هل يسمع الميت كلام زائره؟ فأجاب قائلاً: نعم يسمع الميت في الجملة، كما ثبت في "الصحيحين" عن النبيّ ﷺ أنه قال: "يسمع خفق نعالهم حين يولون عنه". وثبت عن النبيّ ﷺ أنه ترك قتلى بدر ثلاثا، ثم أتاهم، فقال: يا أبا جهل بن هشام .... الحديث، وفيه: "والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا". قال: وقد ثبت في "الصحيحين" من غير وجه أنه ﷺ كان يأمر بالسلام على أهل القبور، ويقول: "قولوا: السلام عليكم أهل الديار .... الحديث. قال: فهذا خطاب لهم، وإنما يُخاطب من يسمع. ورَوَى ابن عبد البرّ عن النبيّ ﷺ أنه قال: "ما من رجل يمرّ بقبر رجل كان يعرفه في الدنيا، فيسلم عليه إلا ردّ اللَّه عليه روحه حتى يردّ ﵇". قال: وفي "السنن" أنه ﷺ قال: أكثروا من الصلاة عليّ يوم الجمعة، وليلة الجمعة، فإن صلاتكم معروضة عليّ .... " الحديث. قال: فهذه النصوص، وأمثالها تبيّن أن الميت يسمع في الجملة كلام الحيّ، ولا يجب أن يكون السمع له دائمًا، بل قد يسمع في حال دون حال، كما قد يَعرض للحيّ، فإنه قد يسمع أحيانًا خطاب من يخاطبه، وقد لا يسمع لعارض يَعرِض له، وهذا السمع سمع إدراك، ليس يترتّب عليه جزاء، ولا هو السمع المنفيّ بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، فإن المراد بذلك سمع القبول والامتثال، فإن اللَّه جعل الكافر كالميت الذي لا يستجيب لمن دعاه، وكالبهائم التي تسمع الصوت، ولا تفقه المعنى، فالميت، وإن سمع الكلام، وفقه المعنى، فإنه لا يمكنه إجابة الداعي، ولا امتثال ما أُمِر به، ونُهي عنه، فلا ينتفع بالأمر والنهي، وكذلك الكافر لا ينتفع بالأمر والنهي، وإن سمع الخطاب، وفهم المعنى، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ الآية [الأنفال: ٢٣]. انتهى كلام شيخ

стр. 11056

الإسلام -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- باختصار (١). وهو كلام نفيس جدًّا. وسئل أيضًا عن الأحياء إذا زاروا الأموات، هل يعلمون بزيارتهم؟ وهل يعلمون بالميت إذا مات من قرابتهم، أو غيره؟. فأجاب: الحمد للَّه، نعم قد جاءت الآثار بتلاقيهم، وتساؤلهم، وعرض أعمال الأحياء على الأموات، كما روى ابن المبارك عن أبي أيوب الأنصاريّ، قال: "إذا قُبضت نفس المؤمن تلقاها الرحمة (٢) من عباد اللَّه، كما يتلقون البشير في الدنيا، فيقبلون عليه، ويسألونه، فيقول بعضهم لبعض: أَنظِروا أخاكم يستريح، فإنه كان في كرب شديد، قال: فيقبلون عليه، ويسألونه ما فعل فلان، وما فعلت فلانة، هل تزوّجت" الحديث. وأما علم الميت بالحيّ إذا زاره، وسلم عليه، ففي حديث ابن عباس، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما من أحد يمرّ بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا، فيسلم عليه، إلا عرفه، وردّ ﵇ ". قال ابن المبارك: ثبت ذلك عن النبيّ ﷺ . وصححه عبد الحقّ صاحب "الأحكام". وأما ما أخبر اللَّه به من حياة الشهيد، ورزقه. وما جاء في الحديث الصحيح، من دخول أرواحهم الجنّة، فذهب طوائف إلى أن ذلك مختصّ بهم دون الصدّيقين، وغيرهم، والصحيح الذي عليه الأئمة، وجماهير أهل السنة أن الحياة، والرزق، ودخول الأرواح الجنة ليس مختصّا بالشهيد، كما دلت على ذلك النصوص الثابتة، ويختصّ الشهيد (٣) بالذكر؛ لكون الظانّ يظنّ أنه يموت، فينكل عن الجهاد، فأخبر بذلك ليزول المانع من الإقدام على الجهاد والشهادة، كما نهي عن قتل الأولاد خشية الإملاق؛ لأنه هو الواقع، وإن كان قتلهم لا يجوز مع عدم خشية الإملاق انتهى كلامه -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (٤) وهو بحث نفيس جدًّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٠٧٧ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, عَنْ مَالِكٍ, وَمُغِيرَةَ, عَنْ أَبِي الزِّنَادِ, عَنِ الأَعْرَجِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كُلُّ بَنِي آدَمَ" -وَفِي حَدِيثِ مُغِيرَةَ- كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَأْكُلُهُ التُّرَابُ, إِلاَّ عَجْبَ الذَّنَبِ, مِنْهُ خُلِقَ, وَفِيهِ يُرَكَّبُ». رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفيُّ، أبو رجاء البغلاني، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١. ٢ - (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة الحجة الثبت [٧] ٧/ ٧.

стр. 11057

٣ - (مغيرة) بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه الحِزَاميُّ المدني، لقبه قُصّيّ، ثقة، له غرائب [٧] ١٠/ ١٨٣٥. ٤ - (أبو الزناد) عبد اللَّه بن ذكوان، القرشي، أبو عبد الرحمن المدني، ثقة فقيه [٥] ٧/ ٧. ٥ - (الأعرج) عبد الرحمن بن هُزمُز، أبو داود المدني، ثقة ثبت [٣] ٧/ ٧. ٦ - (أبو هريرة) الدَّوسي - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين إلا شيخه، فبغلاني. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. ومنها: أن فيه أبا هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كُلُّ بَنِي آدَمَ") أي جميع أجزائه، وأعضائه، قال السنديّ: والقضية جزئيّة بالنظر إلى أفراد ابن آدم، ضرورة أن اللَّه حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء انتهى. وسيأتي تمام الكلام على هذا في المسألة الثالثة، إن شاء اللَّه تعالى (وَفِي حَدِيثِ مُغِيرَةَ- كُلُّ ابْنِ آدَمَ) يعني أن لفظ رواية مالك بن أنس -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- "كلّ بني آدم" بلفظ الجمع، ولفظ مغيرة بن عبد الرحمن "كل ابن آدم" بلفظ الإفراد. والحديث أخرجه الشيخان من رواية الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ بلفظ: "ليس من الإنسان شيء إلّا يبلى، إلا عظمًا واحدًا، وهو عجب الذنب، ومنه يُركّب الخلق يوم القيامة"، وفي لفظ للبخاريّ: "يَبْلَى كلُّ شيء من الإنسان، إلا عجبَ ذنبه، فيه يُركّب الخلق". أورده في أثناء حديث. (يَأْكُلُهُ التُّرَابُ) قال وليّ الدين -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: يحتمل أن تُعدَم أجزاؤه بالكليّة. ويحتمل أنها باقية، لكن زالت أعراضها المعهودة، وقد جوّز إمام الحرمين في "الإرشاد" كلا الأمرين عقلاً، قال: ولم يدلّ قاطع سمعيّ على نفي أحدهما، فلا يبعد أن تصير أجسام العباد على صفة أجسام التراب، ثم تعاد بتركيبها إلى ما عُهد، ولا يُحيل أن يعدم منها شيء، ثم يعاد انتهى (١) (إِلَّا عَجْبَ الذَّنَبِ) "إلا" استثنائيّة، كما هو مذهب الجمهور، فالمعنى أن عجب الذنب لا يبلى، ولا يأكله التراب. وقيل: "إلا" عاطفة،

стр. 11058

بمعنى الواو، والمعنى عليه أن عجب الذنب يبلى أيضًا، وهو قول ضعيف، سيأتى الردُّ عليه في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى. "وعَجْبُ الذّنَب": بفتح العين المهملة، وحَكَى صاحب "المحكم" ضمها أيضًا، وإسكان الجيم، وآخره باء موحدة، ويقال له: "عَجْمُ الذنب" بالميم أيضًا، وفي عينه الوجهان، وحكى في "المحكم" عن اللحيانيّ، أن الميم بدل من الباء، قال في "المشارق": رواه بعض رواة القعنبيّ في "الموطإ"، وهو العظم اللطيف الذي في أسفل الصلب، وأعلى ما بين الأليتين، وهو رأس العصعص، وهو مكان رأس الذنب، من ذوات الأربع، من الحيوان، وكانه لهذا أضيف إلى الذنَبِ. وروى أبو بكر بن أبي داود في "كتاب البعث والنشور" من حديث أبي سعيد، أنه قيل: وما هو يا رسول اللَّه؟ قال: "مثل حبّة خردل، منه تنشأون". وعزاه أبو العباس القرطبيّ لـ"كتاب البعث" لابن أبي الدنيا، وهذا يدلّ على صغره جدًّا. قاله وليّ الدين -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (١). وقال في "الفتح": قال ابن الجوزيّ: قال ابن عقيل: للَّه في هذا سرّ، لا يعلمه إلا اللَّه، لأن من يُظهِر الوجود من العدم لا يحتاج إلى شيء يَبنِي عليه. ويحتمل أن يكون ذلك علامة للملائكة على إحياء كلّ إنسان بجوهره، ولا يحصل العلم للملائكة بذلك إلا بإبقاء عظم كلّ شخص؛ ليعلم أنه ربما أراد بذلك إعادة الأرواح إلى تلك الأعيان التي هي جزء منها، ولولا إبقاء شيء منها لجوّزت الملائكة أن الإعادة إلى أمثال الأجساد، لا إلى نفس الأجساد. انتهى. وقال السنديّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وظاهر الحديث أنه -يعني عجب الذنب- يبقى، قيل: هو عظم لطيف، هو أول ما يخلق من الآدميّ، ويبقى منه؛ ليعاد تركيب الخلق عليه، وهذا هو الموافق لما روى ابن أبي الدنيا عن أبي سعيد الخدريّ ﵁، قيل: يا رسول اللَّه، وما هو؟، قال: "مثل حبة خردل". وقال المظهريّ: أراد طول بقائه، لا أنه لا يبلى أصلًا؛ لأنه خلاف المحسوس. وقيل: أمر العَجَب عَجَبٌ، فإنه آخر ما يَخلُقُ، وأول ما يُخلَقُ، الأول بفتح الياء، أي يصير خَلَقًا، والثاني بضمها انتهى (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي نقله السنديّ عن المظهريّ، من أن عجب الذنب يبلى قول مخالف للحديث الصحيح الذي معنا، حيث بين أنه لا يبلى، فلا يُلفت إليه. واللَّه تعالى أعلم. (مِنْهُ خُلِقَ) أي أنَّ أول ما خُلِقَ من الإنسان هو (وَفِيهِ يُرَكَّبُ) أي إن اللَّه يبقيه إلى أن يُرَكّب الخلق منه تارة أخرى، يعني أنه يعيد خلقه في الآخرة من عجب

стр. 11059

ذنبه، كما أنشأ خلقه منه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١١٧/ ٢٠٧٧ - وفي "الكبرى" ١١٧/ ٢٢٠٤. وأخرجه (خ) ٤٨١٤ و ٤٩٣٥ (م) ٢٩٥٥ (د) ٤٧٤٣ (ق) ٤٢٦٦ (أحمد) ٨٠٨٤ و ٩٢٤٤ و ١٠٠٩٩ (الموطأ) ٥٦٥. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: قال الحافظ وليّ الدين -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: كون ابن آدم يأكله التراب عامّ مخصوص، فإن الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -، لا تبلى أجسامهم الكريمة، وقد قال النبيّ - صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -: "إن اللَّه حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء". واستثنى ابن عبد البرّ معهم الشهداء، قال: وحسبك ما جاء في شهداء أحد، وغيرهم، ثم ذكر حديث جابر لما نَقَلَ أباه في خلافة معاوية حين أراد إجراء العين التي في أسفل أُحُد، وقوله: "فأخرجناهم رطابًا، يتسنّون، فأصابت الْمِسْحَاة أصبع رجل منهم، فتقطّر الدم". واقتصر القاضي عياض على قوله: وكثير من الشهداء، فدلّ على أنه يرى أن بعض الشهداء قد تأكل الأرض جسده، ولعله أشار بذلك إلى المبطون، ونحوه، من الملحقين بالشهداء. وضمّ أبو العباس القرطبيّ إلى الصنفين المؤذّن المحتسب، لقوله ﷺ : "المؤذّن المحتسب كالمتشحّط في دمه، وإن مات لم يدود في قبره" (١). قال: وظاهر هذا أن الأرض لا تأكل أجساد المؤذّنين المحتسبين، فللحديث إذًا تأويلان: أحدهما: قال ابن عبد البر: كأنه قال: كلّ من تأكله الأرض، فإنه لا تأكل منه عجب الذنب، قال: وإذا جاز أن لا تأكل الأرض عجب الذنب جاز أن لا تأكل الشهداء. الثاني: قال القاضي عياض: يريد أن جميع الإنسان مما تأكله الأرض، وإن كانت لا تأكل أجسامًا كثيرةً، كالأنبياء، وكثير من الشهداء. انتهى (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي صحّ لدينا ممن لا يبلى جسده هم الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -، وأما الشهداء، فليس عليه دليل مرفوع يُستَنَد إليه، وإنما صحّ بما أخبر به جابر من خبر أبيه، ومَن دفن معه، ونحو ذلك، ولا يستبعد أن يكرم اللَّه تعالى الشهداء بذلك.

стр. 11060

بل قد يحصل لغيرهم من أهل الصلاح، والتقوى، فقد سمعتُ أخبارًا ممن لا أشك في كونهم ثقات أنهم وجدوا بعض أهل العلم، والصلاح، والزهد في قبورهم، كيوم موتهم. ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة: ١٠٥]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: استدل جمهور أهل العلم بظاهر قوله: "إلا عجب الذنب" على أنّ عجب الذنب لا يبلى، ولا تأكله الأرض، بل يبقى على حاله، وإن بلي جميع جسد الميت، وخالف في ذلك المزنيّ، فقال: إن عجب الذنب يبلى أيضًا، فلم يجعل "إلّا" للاستثناء، بل هي عاطفة، كالواو، فكأنه قال: وعجب الذنب، وقد حُكي إثبات هذا المعنى لـ "إلا" عن الأخفش، والفرّاء، وأبي عبيدة، وأنكره الجمهور، وأوّلوا ما استدلّوا به، ويردّه في هذا الموضع كونه عقّب ذلك بقوله: "منه خُلق، وفيه يركّب"، أي أنه أول ما يُخلَقُ من الآدميّ، وهو الذي يبقى منه ليعاد تركيب الخلق عليه، فلو ساوى عجب الذنب غيره في البلاء لم يبق لهذا الكلام محلّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب (١). المسألة الخامسة: ظاهر هذا الحديث أن عجب الذنب أول مخلوق من الآدميّ، وروي عن سلمان ﵁ أنه قال: "أول ما خلق اللَّه من آدم رأسه، فجعل ينظر، وهو يُخلَق". ذكره ابن عبد البرّ بإسناد منقطع، فلم يصحّ هذا، ولو صحّ عنه، فاتباع الحديث أولى، وقد يقال: لا منافاة بينهما؛ لأن الحديث في ابن آدم، والأثر عن سلمان ﵁ في آدم نفسه، فيمكن أن يكون أول مخلوق من آدم رأسه، ومن بنيه عجب الذنب. ويحتمل أن يكون أول مخلوق من آدم عجب الذنب كبنيه، ويكون معنى كلام سلمان إن صحّ عنه أن أول ما نفخ فيه الروح من آدم رأسه، ويوافق ذلك قول ابن جريج: يقولون: إن أول ما نُفخ في يافوخ آدم. أفاده ولي الدين -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (٢) وهو بحث نفيس. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٠٧٨ - أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ, عَنْ أَبِي الزِّنَادِ, عَنِ الأَعْرَجِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , «قَالَ اللَّهُ : كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ, وَلَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي لَهُ, أَنْ يُكَذِّبَنِي, وَشَتَمَنِي ابْنُ آدَمَ, وَلَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَشْتِمَنِي, أَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ, فَقَوْلُهُ: إِنِّي لَا أُعِيدُهُ, كَمَا بَدَأْتُهُ, وَلَيْسَ آخِرُ الْخَلْقِ بِأَعَزَّ عَلَيَّ مِنْ أَوَّلِهِ, وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ, فَقَوْلُهُ: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا, وَأَنَا اللَّهُ الأَحَدُ الصَّمَدُ, لَمْ أَلِدْ, وَلَمْ أُولَدْ, وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفُوًا أَحَدٌ».

стр. 11061

رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (اليبيع بن سليمان) المرادي المصري، صاحب الشافعي، ثقة [١١] ٩٥/ ٣١١. ٢ - (شعيب بن الليث) بن سعد، أبو عبد الملك المصري، ثقة فقيه نيل، من كبار [١٠] ١٢٠/ ١٦٦. ٣ - (الليث) بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي، أبو الحارث المصري ثقة ثبت فقيه مشهور [٧] ٣١/ ٣٥. ٤ - (ابن عجلان) هو: محمد القرشي مولاهم المدني صدوق، اختلت عليه أحاديث أبي هريرة [٥] ٣٦/ ٤٠. والباقون تقدموا في السند الماضي واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سباعيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه فإنه من رجال الأربعة. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين إلى الليث، وبعده مدنييون، وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، وفيه أبو هريرة ﵁ رأس المكثرين من الرواية. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - أنه (قَالَ: عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، "قَالَ: اللَّهُ : كَذَّبَني ابْنُ آدَمَ) من التكذيب، أي أنكر ما أخبرت به من البعث، وأنكر قدرتي عليه. وفي رواية أحمد: "كذّبني عبدي". والمراد به بعض بني آدم، وهم من أنكر البعث، من العرب، وغيرهم من عُبّاد الأوثان، والدهريّة، ومن ادعى أن للَّه تعالى ولدًا، من العرب أيضًا، ومن اليهود، والنصارى. (وَلَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي لَهُ) أي ما كان يستقيم، وما يجوز له، قال الفيّوميّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: واستعمال ماضيه مهجور، وقد عَدّوا "ينبغي" من الأفعال التي لا تتصرّف، فلا يقال: "انبغى"، وقيل في توجيهه: إن انبغى مطاوع "بَغَى"، ولا يستعمل انفعل في المطاوعة، إلا إذا كان فيه علاجٌ، وانفعال، مثلُ كسرته، فانكسر، وكما لا يقال: طلبته، فانطلب، وقصدته، فانقصد، لا يقال: بغيته، فانبغى؛ لأنه لا علاج فيه، وأجازه بعضهم، وحكي عن الكسائيّ أنه سمعه من العرب، وما ينبغي أن يكون كذا، أي ما يستقيم، أو ما يحسن. انتهى (١). (أَنْ يُكَذِّبَني، وَشَتَمَنِي ابْنُ آدَمَ) من باب ضرب، وقتل: أي سبني، والشتم: هو الوصف بما يقتضي النقص، ولا شكّ أن دعوى الولد للَّه، يستلزم الإمكان المستدعي للحدوث،

стр. 11062

وذلك غاية النقص في حقّ الباري (وَلَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَشْتِمَنِي، أَمَّا يكْذِيبُهُ إِيَّايَ، فَقَوْلُهُ: إِنِّي لَا أُعِيدُهُ، كَمَا بَدَأْتُهُ) وفي رواية أحمد: "فأما تكذيبه إياي أن يقول: فليُعِدْنَا كما بَدَأَنَا"، قال في "الفتح": وهي من شواهد ورود صيغة افعَلْ بمعنى التكذيب انتهى (١). وقال وليّ الدين: لفظه طلب، ومعناه التكذيب، كما قال أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الفارسيّ، من قدماء الشافعيّة، فيما ذكره العبّادي في "طبقاته" في قوله: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣] إن صيغة افعل للتكذيب. انتهى (٢). (وَلَيْسَ آخِرُ الْخَلْقِ بِأَعَزَّ عَلَيَّ) أي بأثقل عليّ (مِنْ أَوَّلِهِ) يعني أن إعادة الخلق، وهو بعثه بعد موته يوم القيامة، ليس بأشقّ على اللَّه من بداية خلقه من العدم، بل الكل سواء، يوجد بكلمة "كن"، وهذا بالنظر إليه تعالى، وأما بالنظر إلى عقولهم، وعادتهم، فآخر الخلق أسهل من أوله، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [الروم: ٢٧]، فلا وجه للتكذيب أصلًا (وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ) أي ذكرُهُ أسوأ كلام، وأشنعه في حقّي، وإن كانت الشناعة موجودة في الأول أيضًا بنسبة الكذب إلى إخباره، والعجز إليه، تعالى اللَّه عن ذلك علوّا كبيرًا، لكنها دون الشناعة في هذا، ويظهر ذلك إذا نظر الناظر إلى كيفية تحصيل الولد، والمباشرة بأسبابه، مع النظر إلى غاية نزاهته تعالى، ولذلك قال تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ [مريم: ٩٠ - ٩١] واللَّه تعالى أعلم (٣). (فَقَوْلُهُ: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا) القائلون بذلك هم من قال من اليهود: عزيرٌ ابن اللَّه، ومن قال من النصارى: المسيح ابن اللَّه، ومن قال من العرب: الملائكة بنات اللَّه، تعالى اللَّه عما يقول الظالمون علوّا كبيرًا. (وَأَنا اللَّهُ الْأَحَدُ الصَّمَدُ) وفي "الكبرى": "وأنا اللَّه أحد، اللَّه الصمد". قال البخاريّ في "صحيحه": العرب تسمي أشرافها الصمد. وقال أبو وائل: هو السيدّ الذي انتهى سؤدده انتهى. وقال أبو عبيدة: الصمد السيد الذي يُصمد إليه ليس فوقه أحد، فعلى هذا هو فَعَلٌ- بفتحتين- بمعنى مفعول، ومن ذلك قول الشاعر: [من الطويل]: أَلَا بَكَّرَ النَّاعِي بِخَيْرِ بَنِي أَسَدْ … بِعَمْرِو بْنِ مَسْعُودٍ وَبِالسَّيِّدِ الصَّمَدْ (٤) وقال الحافظ ابن كثير في "تفسيره": قال عكرمة، عن ابن عباس ﵄: يعني الذي يصمد إليه الخلائق في حوائجهم، ومسائلهم. وقال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس:

стр. 11063

هو السيّد الذي قد كمل في سؤدده، والشريف الذي قد كمل في شرفه، والعظيم الذي قد كمل في عظمته، والحليم الذي قد كمل في حلمه، والعليم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمته، وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد، وهو اللَّه سبحانه، هذه صفته، لا تنبغي إلا له، ليس له كفء، وليس كمثله شيء سبحان اللَّه الواحد القهار. وقال الأعمش، عن سفيان، عن أبى وائل: الصمد السيّد الذي انتهى سؤدده. رواه عاصم، عن أبي وائل، عن ابن مسعود. وقال مالك، عن زيد بن أسلم: الصمد السيد. وقال الحسن، وقتادة: هو الباقي بعد خلقه. وقال الربيع بن أنس: هو الذي لم يلد، ولم يولد، كأنه جعل ما بعده تفسيرًا له، وهو قوله: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٣]، وهو تفسير جيّد. وقال ابن مسعود، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، ومجاهد، وعبد اللَّه بن بريدة، وعكرمة أيضًا، وسعيد ابن جبير، وعطاء بن أبي رباح، وعطيّة العَوْفيّ، والضحّاك، والسدّيّ: الصمد الذي لا جوف له. وقال سفيان، عن منصور، عن مجاهد: الصمد المصمت الذي لا جوف له. وقال الشعبيّ: هو الذي لا يأكل العام، ولا يشرب الشراب. وقال عبد اللَّه بن بريدة أيضًا: الصمد نور يتلألأ. رَوَى ذلك كله، وحكاه ابن أبي حاتم، والبيهقيّ، والطبراني، وكذا أبو جعفر ابن جرير ساق أكثر ذلك بأسانيده. وقال الحافظ أبو القاسم الطبرانيّ في "كتاب السنة" له بعد إيراده كثيرًا، من هذه الأقوال في تفسير الصمد: وكل هذه صحيحة، وهي صفات ربنا ، هو الذي يُصمَد إليه في الحوائج، وهو الذي قد انتهى سؤدده، وهو الصمد الذي لا جوف له، ولا يأكل، ولا يشرب، وهو الباقي بعد خلقه. وقال البيهقيّ نحو ذلك انتهى (١). (لَمْ أَلِدْ) أي لأنه لا يجانس حتى يكون له من جنسه صاحبة، فيتوالدا، وقد دلّ على هذا المعنى قوله تعالى: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٠١] (وَلَمْ أُولَدْ) أي لأن كل مولود مُحدَث، وهو قديم، لا أوّل لوجوده ("وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفُوًا أحَدٌ") يعني أنه لم يماثله أحد، ولم يشاكله، أو المراد نفي الكفاءة في النكاح، نفيًا للصاحبة، والأول أولى، لأن سياق الكلام لنفي المكافأة عن ذاته ، وهذا المعنى مَصَبّه، ومركزه هذا الرف، فلذا قدم (٢). وقرئ ﴿كُفُؤا﴾ بضم الكاف، والفاء، وهي قراءة الأكثرين، وقرأ حفص بضم الفاء، وفتح الواو، من غير همز، وقرأ حمزة بإسكان الفاء، مع الهمزة في الوصل، فإذا وقف أبدل الهمزة واوًا مفتوحة، اتباعًا للخطّ، والقياس أن تلقى حركتها على الفاء، وقرىء في غير المشهور بكسر الكاف، وإسكان الفاء (٣). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه

стр. 11064

المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا أخرجه البخاريّ. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١١٧/ ٢٠٧٨ - وفي "الكبرى" ١١٧/ ٢٢٠٥. وأخرجه (خ) ٣١٩٣ و ٤٩٧٤ و ٤٩٧٥ (أحمد) ٢٧٤٤ و ٨٨٧٠. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: وجوب الإيمان بالبعث، وأن إنكاره يكون تكذيبًا للَّه . ومنها: وجوب تنزيه اللَّه تعالى عن أن يتّخذ ولدًا، وأن اعتقاد خلافه يكون شتما له، تعالى اللَّه عما يقول الظالمون علوّا كبيرًا. ومنها: أن اللَّه تعالى متصف بأنه الأحد، الصمد، الذي لم يدد، ولم يولد، ودم يكن له كفوا أحد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٠٧٩ - أَخْبَرَنَا كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ, عَنِ الزُّبَيْدِيِّ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَقُولُ: «أَسْرَفَ عَبْدٌ عَلَى نَفْسِهِ, حَتَّى حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ, قَالَ لأَهْلِهِ: إِذَا أَنَا مُتُّ, فَأَحْرِقُونِي, ثُمَّ اسْحَقُونِي, ثُمَّ اذْرُونِي فِي الرِّيحِ, فِي الْبَحْرِ, فَوَاللَّهِ, لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيَّ, لَيُعَذِّبَنِّي عَذَابًا, لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا, مِنْ خَلْقِهِ, قَالَ: فَفَعَلَ أَهْلُهُ ذَلِكَ, قَالَ اللَّهُ , لِكُلِّ شَيْءٍ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا: أَدِّ مَا أَخَذْتَ, فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ, قَالَ اللَّهُ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ, قَالَ: خَشْيَتُكَ, فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ». رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (كثير بن عُبيد) بن نُمير الْمَذْحِجِيّ، أبو الحسن الحمصيّ، ثقة [١٠] ٥/ ٤٨٦. ٢ - (محمد بن حرب) الْخَوْلانيّ الحمصيّ الأبرش، ثقة [٩] ١٢٢/ ١٧٢. ٣ - (الزُّبَيديّ) محمد بن الوليد، أبو الهذيل الحمصيّ القاضي، ثقة ثبت [٧] ٤٥/ ٥٦. ٤ - (حميد بن عبد الرحمن) بن عوف الزهريّ، المدنيّ، ثقة [٢] ٣٢/ ٧٢٥. والباقيان تقدّما قريبًا. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم

стр. 11065

رجال الصحيح، غير شيخه. (ومئها): أنه مسلسل بالحمصيين إلى الزهري، ومنه مدنيون. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) ذكر الحافظ أبو عمر ﵀ تعالى أن أكثر رواة "الموطإ" رفعوا هذا الحديث، ووقفه القعنبيّ، ومصعب الزبيريّ، على أبي هريرة. قال وليّ الدين: والمراد وقف لفظه، وأما حكمه فهو الرفع؛ لأنه لا يقال مثله، من قبل الرأي، فهو مرفوع على كلّ حال انتهى. (يَقُولُ: "أَسْرَفَ عَبْدٌ عَلَى نَفْسِهِ) وفي حديث حذيفة ﵁ الآتي بعد هذا: "كان رجل ممن كان قبلكم يسيء الظنّ بعمله"، وللبخاريّ من حديث أبي مسعود: أن هذا الرجل كان نبّاشًا. وفي رواية للطبراني: بينما حذيفة، وأبو مسعود جالسين، فقال أحدهما: سمعت رسول اللَّه ﷺ ، يقول: "إن رجلا من بني إسرائيل، كان ينبش القبور" (١). ولمسلم: "لم يعمل حسنة قط". ولأحمد، من حديث ابن مسعود: "أنه لم يعمل شيئًا قط إلا التوحيد" (٢). وظاهر قوله: أنه لم يعمل خيرا قط، أنه لم يكن موحدًا؛ لأن التوحيد أعظم الخير، لكن إخباره بأنه فعل هذا من خشية اللَّه تعالى يدلّ على توحيده، وكيف يخشى اللَّه من لا يعرفه، بل يدلّ على علمه؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ الآية [فاطر: ٢٨]، وقد رفعت رواية أحمد المذكورة هذا الإشكال، حيث استثنت من الخير التوحيد. قال الحافظ ابن عبد البرّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: هذه اللفظة ترفع الإشكال في إيمان هذا الرجل، والأصول كلها تعضدها، والنظر يوجبها؛ لأنه محال أن يُغفر للذين يموتون،
следующие страницы →