← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 11061–11100 · переход к 11066.

стр. 11061

رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (اليبيع بن سليمان) المرادي المصري، صاحب الشافعي، ثقة [١١] ٩٥/ ٣١١. ٢ - (شعيب بن الليث) بن سعد، أبو عبد الملك المصري، ثقة فقيه نيل، من كبار [١٠] ١٢٠/ ١٦٦. ٣ - (الليث) بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي، أبو الحارث المصري ثقة ثبت فقيه مشهور [٧] ٣١/ ٣٥. ٤ - (ابن عجلان) هو: محمد القرشي مولاهم المدني صدوق، اختلت عليه أحاديث أبي هريرة [٥] ٣٦/ ٤٠. والباقون تقدموا في السند الماضي واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سباعيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه فإنه من رجال الأربعة. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين إلى الليث، وبعده مدنييون، وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، وفيه أبو هريرة ﵁ رأس المكثرين من الرواية. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - أنه (قَالَ: عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، "قَالَ: اللَّهُ : كَذَّبَني ابْنُ آدَمَ) من التكذيب، أي أنكر ما أخبرت به من البعث، وأنكر قدرتي عليه. وفي رواية أحمد: "كذّبني عبدي". والمراد به بعض بني آدم، وهم من أنكر البعث، من العرب، وغيرهم من عُبّاد الأوثان، والدهريّة، ومن ادعى أن للَّه تعالى ولدًا، من العرب أيضًا، ومن اليهود، والنصارى. (وَلَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي لَهُ) أي ما كان يستقيم، وما يجوز له، قال الفيّوميّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: واستعمال ماضيه مهجور، وقد عَدّوا "ينبغي" من الأفعال التي لا تتصرّف، فلا يقال: "انبغى"، وقيل في توجيهه: إن انبغى مطاوع "بَغَى"، ولا يستعمل انفعل في المطاوعة، إلا إذا كان فيه علاجٌ، وانفعال، مثلُ كسرته، فانكسر، وكما لا يقال: طلبته، فانطلب، وقصدته، فانقصد، لا يقال: بغيته، فانبغى؛ لأنه لا علاج فيه، وأجازه بعضهم، وحكي عن الكسائيّ أنه سمعه من العرب، وما ينبغي أن يكون كذا، أي ما يستقيم، أو ما يحسن. انتهى (١). (أَنْ يُكَذِّبَني، وَشَتَمَنِي ابْنُ آدَمَ) من باب ضرب، وقتل: أي سبني، والشتم: هو الوصف بما يقتضي النقص، ولا شكّ أن دعوى الولد للَّه، يستلزم الإمكان المستدعي للحدوث،

стр. 11062

وذلك غاية النقص في حقّ الباري (وَلَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَشْتِمَنِي، أَمَّا يكْذِيبُهُ إِيَّايَ، فَقَوْلُهُ: إِنِّي لَا أُعِيدُهُ، كَمَا بَدَأْتُهُ) وفي رواية أحمد: "فأما تكذيبه إياي أن يقول: فليُعِدْنَا كما بَدَأَنَا"، قال في "الفتح": وهي من شواهد ورود صيغة افعَلْ بمعنى التكذيب انتهى (١). وقال وليّ الدين: لفظه طلب، ومعناه التكذيب، كما قال أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الفارسيّ، من قدماء الشافعيّة، فيما ذكره العبّادي في "طبقاته" في قوله: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣] إن صيغة افعل للتكذيب. انتهى (٢). (وَلَيْسَ آخِرُ الْخَلْقِ بِأَعَزَّ عَلَيَّ) أي بأثقل عليّ (مِنْ أَوَّلِهِ) يعني أن إعادة الخلق، وهو بعثه بعد موته يوم القيامة، ليس بأشقّ على اللَّه من بداية خلقه من العدم، بل الكل سواء، يوجد بكلمة "كن"، وهذا بالنظر إليه تعالى، وأما بالنظر إلى عقولهم، وعادتهم، فآخر الخلق أسهل من أوله، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [الروم: ٢٧]، فلا وجه للتكذيب أصلًا (وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ) أي ذكرُهُ أسوأ كلام، وأشنعه في حقّي، وإن كانت الشناعة موجودة في الأول أيضًا بنسبة الكذب إلى إخباره، والعجز إليه، تعالى اللَّه عن ذلك علوّا كبيرًا، لكنها دون الشناعة في هذا، ويظهر ذلك إذا نظر الناظر إلى كيفية تحصيل الولد، والمباشرة بأسبابه، مع النظر إلى غاية نزاهته تعالى، ولذلك قال تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ [مريم: ٩٠ - ٩١] واللَّه تعالى أعلم (٣). (فَقَوْلُهُ: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا) القائلون بذلك هم من قال من اليهود: عزيرٌ ابن اللَّه، ومن قال من النصارى: المسيح ابن اللَّه، ومن قال من العرب: الملائكة بنات اللَّه، تعالى اللَّه عما يقول الظالمون علوّا كبيرًا. (وَأَنا اللَّهُ الْأَحَدُ الصَّمَدُ) وفي "الكبرى": "وأنا اللَّه أحد، اللَّه الصمد". قال البخاريّ في "صحيحه": العرب تسمي أشرافها الصمد. وقال أبو وائل: هو السيدّ الذي انتهى سؤدده انتهى. وقال أبو عبيدة: الصمد السيد الذي يُصمد إليه ليس فوقه أحد، فعلى هذا هو فَعَلٌ- بفتحتين- بمعنى مفعول، ومن ذلك قول الشاعر: [من الطويل]: أَلَا بَكَّرَ النَّاعِي بِخَيْرِ بَنِي أَسَدْ … بِعَمْرِو بْنِ مَسْعُودٍ وَبِالسَّيِّدِ الصَّمَدْ (٤) وقال الحافظ ابن كثير في "تفسيره": قال عكرمة، عن ابن عباس ﵄: يعني الذي يصمد إليه الخلائق في حوائجهم، ومسائلهم. وقال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس:

стр. 11063

هو السيّد الذي قد كمل في سؤدده، والشريف الذي قد كمل في شرفه، والعظيم الذي قد كمل في عظمته، والحليم الذي قد كمل في حلمه، والعليم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمته، وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد، وهو اللَّه سبحانه، هذه صفته، لا تنبغي إلا له، ليس له كفء، وليس كمثله شيء سبحان اللَّه الواحد القهار. وقال الأعمش، عن سفيان، عن أبى وائل: الصمد السيّد الذي انتهى سؤدده. رواه عاصم، عن أبي وائل، عن ابن مسعود. وقال مالك، عن زيد بن أسلم: الصمد السيد. وقال الحسن، وقتادة: هو الباقي بعد خلقه. وقال الربيع بن أنس: هو الذي لم يلد، ولم يولد، كأنه جعل ما بعده تفسيرًا له، وهو قوله: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٣]، وهو تفسير جيّد. وقال ابن مسعود، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، ومجاهد، وعبد اللَّه بن بريدة، وعكرمة أيضًا، وسعيد ابن جبير، وعطاء بن أبي رباح، وعطيّة العَوْفيّ، والضحّاك، والسدّيّ: الصمد الذي لا جوف له. وقال سفيان، عن منصور، عن مجاهد: الصمد المصمت الذي لا جوف له. وقال الشعبيّ: هو الذي لا يأكل العام، ولا يشرب الشراب. وقال عبد اللَّه بن بريدة أيضًا: الصمد نور يتلألأ. رَوَى ذلك كله، وحكاه ابن أبي حاتم، والبيهقيّ، والطبراني، وكذا أبو جعفر ابن جرير ساق أكثر ذلك بأسانيده. وقال الحافظ أبو القاسم الطبرانيّ في "كتاب السنة" له بعد إيراده كثيرًا، من هذه الأقوال في تفسير الصمد: وكل هذه صحيحة، وهي صفات ربنا ، هو الذي يُصمَد إليه في الحوائج، وهو الذي قد انتهى سؤدده، وهو الصمد الذي لا جوف له، ولا يأكل، ولا يشرب، وهو الباقي بعد خلقه. وقال البيهقيّ نحو ذلك انتهى (١). (لَمْ أَلِدْ) أي لأنه لا يجانس حتى يكون له من جنسه صاحبة، فيتوالدا، وقد دلّ على هذا المعنى قوله تعالى: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٠١] (وَلَمْ أُولَدْ) أي لأن كل مولود مُحدَث، وهو قديم، لا أوّل لوجوده ("وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفُوًا أحَدٌ") يعني أنه لم يماثله أحد، ولم يشاكله، أو المراد نفي الكفاءة في النكاح، نفيًا للصاحبة، والأول أولى، لأن سياق الكلام لنفي المكافأة عن ذاته ، وهذا المعنى مَصَبّه، ومركزه هذا الرف، فلذا قدم (٢). وقرئ ﴿كُفُؤا﴾ بضم الكاف، والفاء، وهي قراءة الأكثرين، وقرأ حفص بضم الفاء، وفتح الواو، من غير همز، وقرأ حمزة بإسكان الفاء، مع الهمزة في الوصل، فإذا وقف أبدل الهمزة واوًا مفتوحة، اتباعًا للخطّ، والقياس أن تلقى حركتها على الفاء، وقرىء في غير المشهور بكسر الكاف، وإسكان الفاء (٣). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه

стр. 11064

المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا أخرجه البخاريّ. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١١٧/ ٢٠٧٨ - وفي "الكبرى" ١١٧/ ٢٢٠٥. وأخرجه (خ) ٣١٩٣ و ٤٩٧٤ و ٤٩٧٥ (أحمد) ٢٧٤٤ و ٨٨٧٠. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: وجوب الإيمان بالبعث، وأن إنكاره يكون تكذيبًا للَّه . ومنها: وجوب تنزيه اللَّه تعالى عن أن يتّخذ ولدًا، وأن اعتقاد خلافه يكون شتما له، تعالى اللَّه عما يقول الظالمون علوّا كبيرًا. ومنها: أن اللَّه تعالى متصف بأنه الأحد، الصمد، الذي لم يدد، ولم يولد، ودم يكن له كفوا أحد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٠٧٩ - أَخْبَرَنَا كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ, عَنِ الزُّبَيْدِيِّ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَقُولُ: «أَسْرَفَ عَبْدٌ عَلَى نَفْسِهِ, حَتَّى حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ, قَالَ لأَهْلِهِ: إِذَا أَنَا مُتُّ, فَأَحْرِقُونِي, ثُمَّ اسْحَقُونِي, ثُمَّ اذْرُونِي فِي الرِّيحِ, فِي الْبَحْرِ, فَوَاللَّهِ, لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيَّ, لَيُعَذِّبَنِّي عَذَابًا, لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا, مِنْ خَلْقِهِ, قَالَ: فَفَعَلَ أَهْلُهُ ذَلِكَ, قَالَ اللَّهُ , لِكُلِّ شَيْءٍ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا: أَدِّ مَا أَخَذْتَ, فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ, قَالَ اللَّهُ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ, قَالَ: خَشْيَتُكَ, فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ». رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (كثير بن عُبيد) بن نُمير الْمَذْحِجِيّ، أبو الحسن الحمصيّ، ثقة [١٠] ٥/ ٤٨٦. ٢ - (محمد بن حرب) الْخَوْلانيّ الحمصيّ الأبرش، ثقة [٩] ١٢٢/ ١٧٢. ٣ - (الزُّبَيديّ) محمد بن الوليد، أبو الهذيل الحمصيّ القاضي، ثقة ثبت [٧] ٤٥/ ٥٦. ٤ - (حميد بن عبد الرحمن) بن عوف الزهريّ، المدنيّ، ثقة [٢] ٣٢/ ٧٢٥. والباقيان تقدّما قريبًا. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم

стр. 11065

رجال الصحيح، غير شيخه. (ومئها): أنه مسلسل بالحمصيين إلى الزهري، ومنه مدنيون. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) ذكر الحافظ أبو عمر ﵀ تعالى أن أكثر رواة "الموطإ" رفعوا هذا الحديث، ووقفه القعنبيّ، ومصعب الزبيريّ، على أبي هريرة. قال وليّ الدين: والمراد وقف لفظه، وأما حكمه فهو الرفع؛ لأنه لا يقال مثله، من قبل الرأي، فهو مرفوع على كلّ حال انتهى. (يَقُولُ: "أَسْرَفَ عَبْدٌ عَلَى نَفْسِهِ) وفي حديث حذيفة ﵁ الآتي بعد هذا: "كان رجل ممن كان قبلكم يسيء الظنّ بعمله"، وللبخاريّ من حديث أبي مسعود: أن هذا الرجل كان نبّاشًا. وفي رواية للطبراني: بينما حذيفة، وأبو مسعود جالسين، فقال أحدهما: سمعت رسول اللَّه ﷺ ، يقول: "إن رجلا من بني إسرائيل، كان ينبش القبور" (١). ولمسلم: "لم يعمل حسنة قط". ولأحمد، من حديث ابن مسعود: "أنه لم يعمل شيئًا قط إلا التوحيد" (٢). وظاهر قوله: أنه لم يعمل خيرا قط، أنه لم يكن موحدًا؛ لأن التوحيد أعظم الخير، لكن إخباره بأنه فعل هذا من خشية اللَّه تعالى يدلّ على توحيده، وكيف يخشى اللَّه من لا يعرفه، بل يدلّ على علمه؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ الآية [فاطر: ٢٨]، وقد رفعت رواية أحمد المذكورة هذا الإشكال، حيث استثنت من الخير التوحيد. قال الحافظ ابن عبد البرّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: هذه اللفظة ترفع الإشكال في إيمان هذا الرجل، والأصول كلها تعضدها، والنظر يوجبها؛ لأنه محال أن يُغفر للذين يموتون،

стр. 11066

وهم كفّار، لأن اللَّه قد أخبر أنه لا يغفر أن يُشرك به، وقال: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] فمن لم ينته عن شركه، ومات على كفره، لم يك مغفورا له، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء: ١٨]. قال: وهذا سائغ في لسان العرب أن يؤتى بلفظ الكلّ، والمراد البعض، فتقول العرب: لم يفعل كذا قطّ، يريد الأكثر من فعله. ألا ترى إلى قوله ﷺ : "لا يضع عصاه عن عاتقه" يريد أن الضرب للنساء كان منه كثيرًا، لا أنّ عصاه كانت ليلاً ونهارًا على عاتقه. انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث ابن مسعود ﵁ الذي أخرجه أحمد، رجاله ثقات. واللَّه تعالى أعلم. (حَتَّى حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ) ظرف للقول الذي بعده، لا للإسراف المتقدّم، وفي "الكبرى": "فحين حضرته الوفاة قال لأهله … "، وفي حديث حذيفة التالي: "فلما حضرته الوفاة قال لأهله … " (قَالَ: لِأَهْلِهِ: إِذَا أَنَا مُتُّ) بكسر الميم، وضمها، من مات يَمَاتُ، كخاف يخاف، ومات يموت، كقال يقول. وفي حديث أبي سعيد ﵁ عند البخاريّ: "أن رجلاً كان قبلكم رَغَسَه (١) اللَّه مالاً، فقال لبنيه لما حُضِر: أيَّ أَبٍ كنت لكم؟ قالوا: خير أب، قال: فإني لم أعمل خيرًا قط، فإذا أنا متّ … ". ولهَ من حديث حذيفة ﵁: "إن رجلاً حضره الموت، لما أيس من الحياة أوصى أهله: إذا أنا متّ، فاجمعوا لي حطبًا كثيرًا، ثم أَوْرُوا نارًا، حتى إذا أكلت لحمي، وخلصت إلى عظمي، فخذوها، فاطحنوها، فذرّوني في اليمّ، في يوم حارّ … ". (فَأَحْرِقُونِي، ثُمَّ اسْحَقُونِي) بفتح الحاء المهملة، أمر من سحق يسحق، كمنع يمنع، قيل: روي "اسحكوني"، واسهكوني"، والكل بمعنى واحد، وهو الدّقّ والطحن (ثُمَّ اذْرُوْنِي) بالذال المعجمة، ويجوز في همزه الوصل والقطع، يقال: ذرتْهُ الريحُ، وأذرتْهُ، تذرُوه، وتذرِيه: إذا أَطارته، ومنه تذرية العام. كذا ذكر في "المشارق"، و"النهاية": ذريت، وأذريت، بمعنىً. وقال في "الصحاح": ذريته: طيّرته، وأذهبته، وذَرَت الريحُ الترابَ، وغيره تذروه ذَرْوًا، وذَرْيًا: أي سَفَتْهُ، ومنه قولهم: ذَرَى الناسُ الحنطةَ، ثم قال: وأذريت الشيءَ: إذا ألقيته كإلقائك الحبّ للزرع، وطعنَهُ، فأذراه عن

стр. 11067

ظهر دابّته: أي ألقاه انتهى. وذكر في "المحكم" نحوه، وهذا يقتضي الفرق بين الثلاثيّ، والرباعيّ، وأن ما يُلقَى في غير محلّ معيّن، يستعمل فيه الثلاثيّ، كما في هذا الحديث، وما يُلقَى في محلّ معيّن يُستعمل فيه الرباعيّ. قاله الحافظ وليّ الدين -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (١). (فِي الرِّيحِ، فِي الْبَحْرِ) الجار الأول متعلّق بالفعل قبله، والثاني متعلق بحال مقدّر من "الريح"، أي حال كون ذلك الريح كائنا في البحر، وإنما لم يتعلّق بما تعلّق به ما قبله؛ لئلا يتعلق حرفا جرّ بلفظ ومعنى واحد بفعل واحد، وهو ممنوع، كما هو معروف في محله. وفي حديث أبي سعيد: "في يوم عاصف"، أي عاصف ريحه. وفي رواية مسلم: "في ريح عاصف". وإنما أمرهم بهذا لتتفرّق أجزؤه، بحيث لا يكون هناك سبيل إلى جمعها في ظنّه، كما بَيَّنَ ذلك بقوله: (فَوَاللَّهِ، لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيَّ) من باب نصر، وضرب، وفرِحَ، يقال: قدرتُ على الشيء: إذا قَوِيتَ عليه، وتمكنتَ منه، والاسم القدرة. قال السنديّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: ما معناه: يحتمل أنه رأى أن جمعه يكون مستحيلًا، والقدرة لا تتعلّق بالمستحيل، فلذلك قال: "فوالله لئن قَدَر اللَّه"، فلا يلزم أنه نَفَى القدرة، فصار بذلك كافرًا، فكيف يُغفر له؟، وذلك أنه ما نفى القدرة على ممكن، وإنما فرض غيرَ المستحيل مستحيلاً فيما لم يثبت عنده أنه ممكن من الدين بالضرورة، والكفر هو الأول، لا الثاني. ويحتمل أن شدّة الخوف طيّرت عقله، فما التفت إلى ما يقول، وما يفعل، وأنه هل ينفعه، أم لا؟، كما هو المشاهد في الواقع في مهلكة، فإنه قد يتمسّك بأدنى شيء؛ لاحتمال أنه لعله ينفعه، فهو فيما قال، وفعل في حكم المجنون. وأجاب بعضهم بأن هذا رجل لم تبلغه الدعوة، وهذا بعيد. واللَّه تعالى أعلم انتهى (٢). وسيأتي هذا البحث مستوفًى في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى. (لَيُعَذِّبَنِّي) جواب القسم، والفعل مبنيّ على الفتح لاتصال نون التوكيد به (عذابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا، مِنْ خَلْقِهِ، قَالَ: فَفَعَلَ أَهْلُهُ ذَلِكَ) أي جميع ما أوصاهم به (قَالَ: اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءِ أَخَذَ مِنْهُ شيْئًا) أي من أجزاء هذا الميت (أَدِّ) فعل أمر من التأدية (مَا أَخَذْتَ) وفي رواية البخاريّ: "فأمر اللَّه الأرض، فقال: اجمعي ما فيك منه، ففعلت … ". (فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ) "إذا فُجائيّة، أي ففاجأ قيامه، وفيه سرعة اجتماع أجزائه، وفي حديث سلمان ﵁ عند أبي عوانة في "صحيحه": "فقال اللَّه له: كن، فكان كأسرع من طرفة العين". قال في "الفتح": وهذا جميعه -كما قال ابن عقيل-: إخبار عما سيقع له يوم القيامة،

стр. 11068

وليس كما قال بعضهم: إنه خاطب روحه، فإن ذلك لا يناسب قوله: "فجمعه اللَّه"؛ لأن التحريق، والتفريق، إنما وقع على الجسد، وهو الذي يُجمع، ويعاد عند البعث انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله في "الفتح" نقلاً عن ابن عقيل من أنه إخبار عما سيقع إلخ فيه نظر لا يخفى؛ إذ سياق الحديث يأباه، وهذا الذي نفاه من الوقوع قبل ذلك ليس ببعيد، ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾. فتبصّر. واللَّه تعالى أعلم. (قَالَ: اللَّهُ : مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟) أي أيُّ شيء حملك على هذه الوصيّة الجائرة؟ (قَالَ) ذلك الرجل (خَشْيَتُكَ) مرفوع على أنه فاعل لمقدّر، يدلّ عليه السؤال، كما أشار إلى ذلك ابن مالك -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "خلاصته"، حيث قال: وَيَرْفَعُ الْفَاعِلَ فِعْلٌ أُضْمِرَا … كَمِثْلِ "زَيْدٌ" فِي جَوَابِ "مَنْ قَرَا" أي حملني على ذلك خشيتك. وفي رواية "مخافتك" (فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ") وفي حديث أبي سعيد ﵁: "فتلقّاه برحمته". قال الحافظ وليّ الدين -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: إن قلت: في "الصحيحين" من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، عن اللَّه تعالى: "أنا عند ظنّ عبدي بي"، وهذا قد ظنّ بربه تعذيبه، وعدم المغفرة له، فكيف غفر له؟. قلت: قد اختلفوا في معنى هذا الحديث، فقيل: المراد به الرجاء، وتأميل العفو. وقيل: معناه بالغفران له إذا استغفر، والقبول له إذا تاب، والإجابة إذا دعا، والكفاية إذا طلب الكفاية. فإن قلنا بالثاني، فالجمع واضح؛ لأن هذا قد ندم على ما فَرَطَ منه، ولولا ندمه لما أمر أن يُفعل به ذلك، فكان تائبًا، فقبلت توبته، وغُفر له. وإن قلنا بالأوّل، فقد حكى القاضي عياض، والنوويّ في "شرح مسلم" أنه قيل: إنما أوصى بذلك تحقيرًا لنفسه، وعقوبة لها؛ لعصيانها، وإسرافها، رجاء أن -يرحمه اللَّه تعالى-، فهو حينئذ قد رجا العفو، وأمّله، فكان اللَّه عند ظنّه به، فعفا عنه، وهذا بعيد من قوله: "إن قدر اللَّه عليّ"، إن لم يؤوّله بما تقدّم، واللَّه تعالى أعلم. انتهى (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله القاضي عياض، والنووي -رحمهما اللَّه تعالى- جواب سليم، وتوجيه مستقيم، وبه يزول الإشكال. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متفق عليه.

стр. 11069

المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١١٧/ ٢٠٧٩ - وفي "الكبرى" - ١١٧/ ٢٢٠٦. وأخرجه (خ) ٣٤٨١ و ٧٥٠٦ (م) ٢٧٥٦ (ق) ٤٢٥٥ (أحمد) ٧٥٩١ و ٧٩٨٠ (الموطأ) ٥٦٨. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: إثبات البعث بعد الموت، وإن تفرقت الأجزاء، وتلاشت. ومنها: عظمة قدرة اللَّه تعالى. ومنها: فضيلة الخوف من اللَّه تعالى، وغلبتها على العبد، وأنها من مقامات الإيمان، وأركان الإسلام، وبها انتفع هذا المسرف، وحصلت له المغفرة. ومنها: أنه لا ضرر على العبد في غلبة الخوف، وإن كانت بقرب الوفاة، وإن كان المطلوب من العبد في تلك الحالة أن يُحسن ظنه بربّه، لما أخرجه مسلم في "صحيحه" عن جابر بن عبد اللَّه الأنصاري ﵄، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ ، قبل موته بثلاثة أيام، يقول: "لا يموتنّ أحدكم، إلا وهو يحسن الظن باللَّه ". ومنها: أنه يدلّ على أن خوف العبد من ذنبه، ليس كراهية للقاء اللَّه تعالى؛ لأن الخائف من ذنبه يطلب أن يكون مصيره إلى الدار الآخرة على وجه مرضيّ، يقربه إلى اللَّه، فكره حالة نفسه التي هو عليها، ولم يكره لقاء اللَّه تعالى مطلقا، بل أحبّ لقاءه على غير تلك الحالة. قاله وليّ الدين -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. ومنها: أن الأعمال بالنيّات، والمقاصد، فإن اللَّه تعالى لم ينظر إلى هذا العمل، بل إلى القصد، فقال له: "لم فعلت هذا؟، ولما كان الحامل عليه الخشية، كان سبب المغفرة، ولو حمل عليه سبب آخر فاسد، لكان الأمر بخلاف ذلك، فيما يظهر، واللَّه تعالى أعلم. ومنها: أن فيه بيانَ سعة رحمة اللَّه تعالى، ومغفرته، وأن المسرف على نفسه لا ييأس من ذلك، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣]. وقد قيل: إن هذه الآية أرجى آية في كتاب اللَّه تعالى. القَهم اغفر لنا ذنوبنا، وكفّر عنّا سيّآتنا، وأدخلنا الجنّة برحمتك يا أرحم الراحمين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: أنه استشكل قوله: "لئن قدر اللَّه عليّ، ليعذّبنّي" لأن ظاهره نفي قدرة اللَّه تعالى على إحيائه، وإعادته، والشاكّ في قدرة اللَّه تعالى كافر، مع أن الحديث يدلّ على إسلامه من وجهين: أحدهما: إخباره بأنه إنما فعل هذا من خشية اللَّه تعالى، والكافر لا يخشى اللَّه تعالى. الثاني: إخباره ﷺ بأن اللَّه تعالى غفر له، والكافر لا يغفر له، مع ما انضمّ إلى ذلك

стр. 11070

من الرواية التي في "مسند أحمد" الصريحة في أنه كان موحّدًا، فاختلف العلماء في تأويله: فقالت طائفة: لا يصحّ حمله على ظاهره؛ لما ذكرناه، فيكون له تأويلان: أحدهما: أن معناه لئن قدر اللَّه عليّ العذاب، أي قضاه، يقال منه: قَدَرَ -بالتخفيف- وقَدَّر -بالتشديد- بمعنى واحد. الثاني: أن "قدَرَ" بمعنى ضَيّق، فقوله: "لئن قدر اللَّه عليّ"، أي لئن ضيّق اللَّه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر: ١٦]، وهو أحد الأقوال في قوله تعالى: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. وقال الآخرون: اللفظ على ظاهره، وذكروا له تأويلات: أحدها: أن هذا الرجل قال هذا الكلام، وهو غير ضابط لكلامه، ولا قاصد لحقيقة معناه، ومعتقد لها، بل قاله في حالةٍ غلب عليه فيها الدّهْشُ، والخوف، والجزَع الشديد، بحيث ذهب تيقّظه، وتدبّره، ما يقوله، فصار في معنى الغافل، والناسي، وهذه الحالة لا يؤاخذ فيها، وهو نحو قول القائل الآخر الذي غلب عليه الفرَح حين وجد راحلته: "أنت عبدي، وأنا ربّك"، فلم يُكفر بذلك، للدهش، والغلبة، والسهو. وقد ورد في غير "الصحيحين": "فلعلي أضلّ اللَّه"، أي أغيب عنه، وهذا يدلّ على أن قوله: "لئن قدر اللَّه" على ظاهره، كما ذكرنا. الثاني: أن هذا من مجاز كلام العرب، وبديع استعمالها، يسمّونه مزج الشكّ باليقين، وسماه بعضهم تجاهل العارف، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]، فصورته صورة شكّ، والمراد به اليقين. الثالث: أن غاية ما فيه أن هذا رجل جهل صفة من صفات اللَّه تعالى، وقد اختلف العلماء في تكفير جاهل الصفة، فممن كفّره بذلك محمد بن جرير الطبريّ، وقاله الشيخ أبو الحسن الأشعريّ أوّلًا. وقال آخرون: لا يكقر بجهل الصفة، ولا يخرج به عن اسم الإيمان، بخلاف جحدها، وإليه رجع أبو الحسن الأشعريّ، وعليه استقرّ قوله، قال: لأنه لم يعتقد ذلك اعتقادًا نقطع بصوابه، ويراه دينا وشرعًا، وإنما يكفر من اعتقد أن مقالته حقّ؛ قال هؤلاء: ولو سئل الناس عن الصفات، لوجد العالم بها قليلاً. وحكاه ابن عبد البرّ عن المتقدّمين، من العلماء، ومن سلك سبيلهم، من المتاخرين، واستدلّ عليه بأن عمر، وعمران بن حُصين، وجماعة من الصحابة، سألوا رسول اللَّه ﷺ عن القدَر، ومعلوم أنهم إنما سألوه عن ذلك، وهم جاهلون به، وغير جائز عند أحد من المسلمين أن يكونوا بسؤالهم عن ذلك كافرين انتهى.

стр. 11071

الرابع: أنه كان في زمن فترة، حين ينفع مجرّد التوحيد، ولا تكليف قبل ورود الشرع على المذهب الصحيح، لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. الخامس: أنه يجوز أنه كان متمسّكًا بشريعة فيها جواز العفو عن الكافر، وإن كان ذلك غير جائز في شرعنا، فإنه من مجوّزات العقول عند أهل السنة، وإنما منعناه في شرعنا بالشرع، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ اللآية [النساء: ١١٦]. وغير ذلك من الأدلّة. واللَّه تعالى أعلم. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يترجّح عندي القول بأنه تكلم بهذا الكلام في حال شدة خوفه، فعذره اللَّه تعالى في خطئه بسبب ذلك، كما عذر من أخطأ في شدة الفرح بقوله: "اللَّهم أنت عبدي، وأنا ربّك". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الخامسة: قال الحافظ وليّ الدين -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: إن قلت: ظاهر حال هذا الرجل أنه وقع في كبيرة، وهو اليأس من رحمة اللَّه، وكان هذا خاتمة أمره، فكيف كانت هذه الكبيرة سبب المغفرة؟. قلت: إن صرفنا اللفظ عن ظاهره، بحمل "قَدَرَ" على "قضى"، أو "ضيّق"، فليس فيه اليأس من رحمة اللَّه، فإنه يرجو الرحمة بتقدير أن لا يقضي عليه بالعذاب، أو لا يضيّق عليه على اختلاف القولين. وإن أخذناه على ظاهره، فالجواب عن هذا أن شدّة الخوف اصطلمته، وأذهلته، حتى خرج عن حدّ التكليف، فنفعه خوفه، ونَجّاه مع التوحيد، ولم يضرّه يأسه؛ لأنه حصل له في حالة انقطع عنه فيها التكليف، وبتقدير أنه لم يصل إلى حالة أخرجته عن حيز المكلّفين، فالخوف الحاصل له كفّر عنه سيّئته التي هي اليأس من رحمة اللَّه، بل كفر عنه سيئآته التي كان يرتكبها طول عمره، وقد يشتمل الفعل الواحد على طاعة من وجه، ومعصية من وجه، فربما غلبت الطاعة، فكفّرت المعصية، وربما غلبت المعصية، فأحبطت ثواب الطاعة، وفي هذا المحلّ غلبت الطاعة، فكفّرت المعصية. وعن الشيخ عزّ الدين ابن عبد السلام أنه قال فيمن سمع بآلة محرّمة، فأحدثت له أحوالاً صالحة، يحصل له إثم السماع المحرّم، وثواب الأعمال الصالحة، فإن غلب الثواب ربح، وإن غلب الإثم خسر، وإن استويا تكافأ. هذا معناه. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي ذكره وليّ الدين من كلام الشيخ عز الدين ابن عبدالسلام، غير صحيح، فإن السماع المحرّم لا تحصل منه أحوال صالحة، وإن

стр. 11072

تخيّل صاحبه ذلك، وادعاه، فإن الأحوال الصالحة، إنما تحصل بطاعة اللَّه تعالى، وأما المحرّمات، فلا يحصل بها إلا الأحوال الشيطانية، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. قال: وروى الإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى- في "مسنده"، وغيرُهُ بإسناد جيّد، عن ابن عمر ﵄: أن رسول اللَّه ﷺ قال لرجل: "فعلتَ كذا وكذا"، قال: لا، والذي لا إله إلا هو، يا رسول اللَّه، ما فعلت، فقال: "بلى، ولكن غُفر لك بالإخلاص". وروي هذا المعنى أيضّا من حديث ابن عباس، وأنس، وابن الزبير ﵃ انتهى كلام وليّ الدين -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٠٨٠ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ, عَنْ مَنْصُورٍ, عَنْ رِبْعِيٍّ, عَنْ حُذَيْفَةَ, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «كَانَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ, يُسِيءُ الظَّنَّ (٢) بِعَمَلِهِ, فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ, قَالَ لأَهْلِهِ: إِذَا أَنَا مُتُّ, فَأَحْرِقُونِي, ثُمَّ اطْحَنُونِي, ثُمَّ اذْرُونِي فِي الْبَحْرِ, فَإِنَّ اللَّهَ إِنْ يَقْدِرْ عَلَيَّ, لَمْ يَغْفِرْ لِي. قَالَ: فَأَمَرَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ, فَتَلَقَّتْ رُوحَهُ, قَالَ لَهُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ, قَالَ: يَا رَبِّ, مَا فَعَلْتُ إِلاَّ مِنْ مَخَافَتِكَ, فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ». "إسحاق بن إبراهيم": هو ابن راهويه. و"جرير": هو ابن عبد الحميد. و"منصور": هو ابن المعتمر. و"ربعيّ: هو ابن حِرَاش، أبو مريم العبسيّ الكوفيّ الثقة العابد المخضرم. و"حُذيفة": هو ابن اليمان ﵄. والحديث أخرجه المصنّف هنا -١١٧/ ٢٠٨٠ وفي "الكبرى" ١١٧/ ٢٢٠٧. وأخرجه (خ) ٣٤٧٩ و ٦٤٨٠ (أحمد) ٢٢٧٤٢ و ٢٢٨٤٣ و ٢٢٩٥٣. وشرحه يعلم مما قبله. واللَّه تعالى وليّ التوفيق. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١١٨ - الْبَعْثُ قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: المراد بالبعث هو المعاد الجسمانيّ في الآخرة. وقد ترجم الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- بقوله: "باب الحشر". قال القرطبيّ

стр. 11073

-رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: الحشر الجمع، وهو أربعة: حشران في الدنيا، وحشران في الآخرة، فاللذان في الدنيا: أحدهما: المذكور في سورة الحشر في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ [الحشر: ٢]. والثاني: الحشر المذكور في أشراط الساعة الذي أخرجه مسلم، من حديث حُذيفة ابن أَسِيد، رفعه: "إن الساعة لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات"، فذكرها. وفي حديث ابن عمر عند أحمد، وأبي يعلى: "تخرج نار قبل يوم القيامة من حضر موت، فتسوق الناس" الحديث، وفيه "فما تأمرنا؟ قال: عليكم بالشام". وفي لفظ آخر "ذلك نار تخرج من قَعْرِ عَدَن، تُرَحِّل الناس إلى المحشر". وفي حديث أنس في مسائل عبد اللَّه بن سلام لما أسلم "أما أول أشراط الساعة، فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب". وفي حديث عبد اللَّه بن عمرو عند الحاكم، رفعه: "تُبْعَث نار على أهل المشرق، فتحشرهم إلى المغرب، تَبِيت معهم حيث باتوا، وتَقِيل معهم حيث قالوا، ويكون لها ما سقط منهم، وتخلّف، تسوقهم سوق الجمل الكسير". قال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وقد أشكل الجمع بين هذه الأخبار، وظهر لي في وجه الجمع أن كونها تخرج من قعر عدن، لا ينافي حشر الناس من المشرق إلى المغرب، وذلك أن ابتداء خروجها من قعر عدن، فإذا خرجت انتشرت في الأرض كلها. والمراد بقوله: "تحشر الناس من المشرق إلى المغرب" إرادة تعميم الحشر، لا خصوص المشرق والمغرب، أو أنها بعد الانتشار أول ما تحشر أهل المشرق، ويؤيد ذلك أن ابتداء الفتن دائمًا من المشرق، وأما جعل الغاية إلى المغرب، فلأن الشام بالنسبة إلى المشرق مغرب. ويحتمل أن تكون النار في حديث أنس كناية عن الفتن المنتشرة التي أثارت الشرّ العظيم، والتهبت كما تلتهب النار، وكان ابتداؤها من قبل المشرق حتى خرب معظمه، وانحشر الناس من جهة المشرق إلى الشام، ومصر، وهما من جهة المغرب، كما شوهد ذلك مرارًا من المغل من عهد جنكيز خان، ومن بعده، والنار التي في الحديث الآخر على حقيقتها. واللَّه أعلم. والحشر الثالث: حشر الأموات من قبورهم، وغيرها بعد البعث جميعا إلى الموقف، قال اللَّه تعالى: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧]. والرابع: حشرهم إلى الجنّة، أو النار انتهى ملخصًا بزيادات. قال الحافظ: الأول ليس حشرًا مستقلّا، فإن المراد حشر كلّ موجود يومئذ، والأول

стр. 11074

إنما وقع لفرقة مخصوصة، وقد وقع نظيره مرارًا، تخرج طائفة من بلدها بغير اختيارها إلى جهة الشام، كما وقع لبني أميّة أولَ ما تولّى ابن الزبير الخلافة، فأخرجهم من المدينة إلى جهة الشام، ولم يَعُدّ ذلك أحدٌ حشرًا انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٠٨١ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ,,, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ عَمْرٍو, عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ, يَقُولُ: «إِنَّكُمْ مُلَاقُو اللَّهِ , حُفَاةً عُرَاةً, غُرْلاً». قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متفق عليه، وسيأتي مطولاً في الباب التالي، ويأتي شرحه هناك، إن شاء اللَّه تعالى. و"سفيان": هو ابن عيينة. و"عمرو": هو ابن دينار. وقوله: "حُفاة" بضم، ففتح، جمع حاف، وهو الذي يمشي بلا نعل، ولا خفّ. وقوله: "عُراة" بضم، ففتح، جمع عار، وهو الذي لا ثوب عليه. وقوله: "غُرلًا" بضم، فسكون، جمع أغرل، وهو الأقلف، أي غير مختونين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٠٨٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, عَنْ سُفْيَانَ, قَالَ: حَدَّثَنِي الْمُغِيرَةُ بْنُ النُّعْمَانِ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ, عُرَاةً, غُرْلاً, وَأَوَّلُ الْخَلَائِقِ, يُكْسَى إِبْرَاهِيمُ ﵇, ثُمَّ قَرَأَ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾». قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث، متفق عليه، وسيأتي البحث عنه أيضًا في الباب التالي، إن شاء اللَّه تعالى. و"يحيى": هو ابن سعيد القطّان. و"سفيان": هو الثوريّ. و"المغيرة بن النعمان": هو النخعيّ الكوفيّ، ثقة [٦]. وثقه ابن معين، وأبو داود، وأبو حاتم، والعجليّ، ويعقوب بن سفيان، وابن حبّان. وقال أبو حاتم مرة: صالح. روى له الجماعة، سوى ابن ماجه. وله في هذا الكتاب حديثان فقط هذا وأعاده في (٢٠٨٧)، و (٤٠٠٠) وأعاده في (٤٨٦٤). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٠٨٣ - أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ, قَالَ: أَخْبَرَنِي الزُّبَيْدِيُّ, قَالَ: أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ, عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «يُبْعَثُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ, حُفَاةً, عُرَاةً, غُرْلاً» , فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَكَيْفَ بِالْعَوْرَاتِ؟ قَالَ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧].

стр. 11075

رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عمرو بن عثمان) بن سعيد بن كثير بن دينار القرشيّ مولاهم، أبو حفص الحمصيّ، صدوق [١٠] ٢١/ ٥٣٥. ٢ - (بقية) بن الوليد بن صائد بن كعب الكَلَاعيّ، أبو يُحمِد الحمصيّ، صدوق، كثير التدليس عن الضعفاء [٨] ٤٥/ ٥٥. ٣ - (الزبيديّ) محمد بن الوليد، أبو الهذيل الحمصيّ القاضي الثقة الثبت [٧] ٤٥/ ٥٦. ٤ - (الزهريّ) محمد بن مسلم الإمام الحجة المشهور [٤] ١/ ١. ٥ - (عروة) بن الزبير بن العوّام الأسديّ المدنيّ الفقيه الثبت [٣] ٤٠/ ٤٤. ٦ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂ ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، وسيأتي الكلام على بقية، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): أنه مسلسل بالحمصيين، إلى الزهري، ومنه مدنيون. (ومنها): أن فيه رواية تابعيٍّ عن تابعي، وفيه أحد الفقهاء السبعة، وفيه عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ) ولابن ماجه: "قلت: يا رسول اللَّه، كيف يحشر الناس يوم القيامة؟، قال: حُفاة، عراة" (يُبْعَثُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ووقع في حديث عبد اللَّه بن أُنيس، عند أحمد، والحاكم، بلفظ: "يُحشر العباد -وأومأ بيده نحو الشام- عراة، حفاة، غرلا، بهما -بضم الموحدة، وسكون الهاء- قلنا: وما بهمًا؟ قال: ليس معهم شيء" (حُفَاةً) بضم المهملة، وتخفيف الفاء- جمع حاف، أي بلا خفّ، ولا نعل (عُرَاةً) بضم المهملة، وتخفيف الراء- جمع عار، وهو الذي لا ثوب عليه (غُرْلاً) - بضم المعجمة، وسكون الراء- جمع أغرل، وهو الأقلف وزنًا ومعنى، وهو الذي لم يُختن، أي يحشرون كما خلقوا، لا يفقد منهم شيء (فَقَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂ (فَكَيفَ بالْعَوْرَاتِ؟) وفي الرواية التالية: "قلت: الرجال والنساء، ينظر بعضهم إلى بعض؟ " (قَالَ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾) أي حال يَشغَلُه عن النظر إلى غيره، فضلاً عن العورة. وفي الرواية التالية: "قال: إن الأمر أشدّ من أن يهُمّهم ذلك". قال في "الفتح":

стр. 11076

"يهمهم" بضم أوله، وكسر الهاء، من الرباعيّ، يقال: أهمه الأمر. وجوز ابن التين فتح أوله، وضمّ ثانيه، من همّه الشيء: إذا آذاه، والأول أولى. ووقع عند مسلم: "قال: يا عائش الأمر أشدّ من أن ينظر بعضهم إلى بعض". وفي رواية له: "قلت: يا رسول اللَّه، فما نستحيي؟ قال: يا عائشة الأمر أهمّ من أن ينظر بعضهم إلى بعض". وللترمذي، والحاكم: "قرأت عائشة: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ الآية [الأنعام: ٩٤]، فقالت: وا سوأتاه، الرجال والنساء يُحشرون جميعًا، ينظر بعضهم إلى سوأة بعض؟ فقال: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ﴾ الآية، وزاد: ولا ينظر الرجال إلى النساء، ولا النساء إلى الرجال، شُغِل بعضهم عن بعض" انتهى مختصرًا (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا متفق عليه. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: فإن قيل: كيف يصحّ، وفيه بقية، وهو معروف بالتدليس عن الضعفاء، وكان أيضًا معروفا بتدليس التسوية؟. أجيب: إنه لم ينفرد بهذا الحديث، بل تابعه عليه غيره، كما هو في "الصحيحين"، وغيرهما. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ١١٨/ ٢٠٨٣ و ٢٠٨٤ - وفي "الكبرى" ١١٨/ ٢٢١٠ و ٢٢١١. وأخرجه (خ) ٦٥٢٧ (م) ٢٨٥٩ (ق) ٤٢٧٦ (أحمد) ٢٣٧٤٤ و ٢٤٠٦٧. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو إثبات البعث بعد الموت. ومنها: أن فيه بيان معنى قوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، وذلك أن الناس يبعثون حُفَاةً، ليس لهم خفّ، ولا نعل، عُرَاة، ليس لهم لباس تستر العورات، غُرْلاً، ليسوا مختونين. ومنها: بيان شدّة هول ذلك اليوم، حيث إن بعضهم لا يشعر بانكشاف عورته، ولا عورة غيره، بل هو مشغول بشأن نفسه، ومهتمّ بها، أينجو من النار، أم لا؟ ومنها: أن فيه حجة للقول الراجح: إن النساء يدخلن في خطاب الرجال، فإن قوله: "إنكم تحُشرون" خطاب للذكور، ولكنه شامل للنساء أيضًا، فإن

стр. 11077

عائشة من أهل اللغة، فهمت من هذا الخطاب دخول النساء، فقالت: الرجال، والنساء، ينظر بعضهم إلى بعض"، وأقرّها النبيّ ﷺ على فهمها ذلك، ولكن بيّن لها أن هناك مانعًا من هذا النظر، وهو اشتغال كل أحد بنفسه، وهذا الاستدلال قويّ جدًا، وتؤيده الآية المذكورة، حيث إنها بلفظ الذكور، ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: قال شارح "العقيدة الطحاوية" -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- عند قول الطحاويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: "ونؤمن بالبعث": ما مختصره: الإيمان بالمعاد مما دلّ عليه الكتاب والسنّة، والعقل، والفطرة السليمة، فأخبر اللَّه عنه في كتابه العزيز، وأقام الدليلَ عليه، وردّ على منكريه في غالب سور القرآن، وذلك أن الأنبياء ﵈ كلهم متفقون على الإيمان باللَّه، فإن الإقرار بالربّ عامّ في بني آدم، وهو فطريّ، كلهم يقرّ بالربّ إلا من عاند، كفرعون، بخلاف الإيمان باليوم الآخر، فإن منكريه كثيرون، ومحمد ﷺ لما كان خاتم الأنبياء، وكان قد بعث هو والساعة كهاتين، وكان هو الحاشر المُقَفَّى بَيَّنَ تفصيل الآخرة بيانًا لا يوجد في شيء من كتب الأنبياء، ولهذا ظنّ طائفة من المتفلسفة ونحوهم أنه لم يفصح بمعاد الأبدان إلا محمد ﷺ ، وجعلوا هذه حجة لهم في أنه من باب التخييل، والخطاب الجمهوريّ. والقرآن بيّن معاد النفس عند الموت، ومعاد البدن عند القيامة الكبرى في غير موضع، وهؤلاء ينكرون القيامة الكبرى، وينكرون معاد الأبدان، ويقول من يقول منهم: إنه لم يخبر به إلا محمد ﷺ على طريق التخييل، وهذا كذب، فإن القيامة الكبرى هي معروفة عند الأنبياء، من آدم إلى نوح، إلى إبراهيم، وموسى، وعيسى، وغيرهم ﵈. ثم ذكر الآيات التي أثبتت المعاد، وبيّن وجه إثباتها أتمّ تبيين، إلى أن قال: والقائلون بأن الأجسام مركبة من الجواهر المفردة، لهم في المعاد خبط، واضطراب، وهم فيه على قولين: منهم من يقول: تعدم الجواهر، ثم تعاد، ومنهم من يقول: تفرّق الأجزاء، ثم تجمع، فأُورِد عليهم الإنسان الذي يأكله حيوان، وذلك الحيوان أكله إنسان، فإن أعيدت تلك الأجزاء من هذا، لم تُعَد من هذا، وأورد عليهم أن الإنسان يتحلل دائما، فماذا الذي يعاد؟ أهو الذي كان وقت الموت؟ فإن قيل بذلك لزم أن يعاد على صورة ضعيفة، وهو خلاف ما جاءت به النصوص، وإن كان غير ذلك، فليس بعض الأبدان بأولى من بعض، فادعى بعضهم أن في الانسان أجزاء أصليّة، لا تتحلل، ولا يكون فيها شيء من ذلك الحيوان الذي أكله الثاني، والعقلاء يعلمون أن بدن الإنسان نفسه كله

стр. 11078

يتحلّل، ليس فيه شيء باق، فصار ما ذكروه في المعاد مما قوّى شبهة المتفلسفة في إنكار معاد الأبدان. والقول الذي عليه السلف، وجمهور العقلاء: أن الأجسام تنقلب من حال إلى حال، فتستحيل ترابًا، ثم ينشئها اللَّه نشأة أخرى، كما استحال في النشأة الأولى، فإنه كان نطفة، ثم صار عَلَقَة، ثم صار مضغة، ثم صار عظاما ولحما، ثم أنشاه خلقا سَويّا، كذلك الإعادة، يعيده اللَّه تعالى بعد أن يبلى كله إلا عجب الذنب، كما ثبت في "الصحيح " عن النبيّ ﷺ ، أنه قال: "كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب، منه خلق، ومنه يركب". وفي حديث آخر: "إن السماء تُمطر مطرًا كمنيّ الرجال، ينبتون في القبور، كما ينبت النبات" (١). فالنشأتان نوعان تحت جنس، يتفقان، ويتماثلان من وجه، ويفترقان، ويتنوعان من وجه، والمعاد هو الأول بعينه، وإن كان بين لوازم الإعادة، ولوازم البداءة فرقٌ، فعجب الذنب هو الذي يبقى، وأما سائره، فيستحيل، فيعاد من المادة التي استحال إليها، ومعلوم أن من رأى شخصًا، وهو صغير، ثم رآه، وقد صار شيخًا، علم أن هذا هو ذاك، مع أنه دائما في تحلل، واستحالة، وكذلك سائر الحيوان والنبات، فمن رأى شجرة، وهي صغيرة، ثم رآها كبيرة، قال: هذه تلك، وليست صفة تلك النشأة الثانية مماثلة لصفة هذه النشأة، حتى يقال: إن الصفات هي الْمُغَيَّرة، لا سيما أهل الجنة إذا دخلوها، فإنهم يدخلونها على صورة آدم، طوله ستون ذراعًا، كما ثبت في "الصحيحين" وغيرهما، وروي أن عرضه سبعة أذرع، وتلك نشأة باقية، غير معرّضة للآفات، وهذه النشأة فانية، معرّضة للآفات انتهى ما كتبه شارح "الطحاوية" باختصار (٢)، وهو بحث نفيس جدًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٠٨٤ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو يُونُسَ الْقُشَيْرِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ, عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ, عَنْ عَائِشَةَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ, حُفَاةً, عُرَاةً» , قُلْتُ: الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ, يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ؟ قَالَ: «إِنَّ الأَمْرَ أَشَدُّ, مِنْ أَنْ يُهِمَّهُمْ ذَلِكَ». قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق آخر لحديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، وهو متفق عليه، وقد سبق تمام البحث فيه في الحديث الماضي.

стр. 11079

و"عمرو بن عليّ": هو الفلاّس. و"يحيى": هو القطّان. و"أبو يونس القُشيريّ": هو حاتم بن أبي صَغِيرة واسمه مسلم، جدُّهُ لأمه، وقيل: زوج أمه، بصريّ، ثقة [٦] ٦٦/ ١٨٠٠. و"ابن أبي مليكة": هو عبد اللَّه بن عُبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن أبي مليكة زهير بن عبد اللَّه المكيّ، ثقة فقيه [٣] ١٠١/ ١٣٢. و"القاسم بن محمد": هو حفيد أبي بكر الصدّيق ﵁، أبو عبد الرحمن المدني الفقيه الثبت، من كبار [٣] ١٢٠/ ١٦٦. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٠٨٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبُ (١) بْنُ خَالِدٍ أَبُو بَكْرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ, عَلَى ثَلَاثِ طَرَائِقَ, رَاغِبِينَ, رَاهِبِينَ, اثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ, وَثَلَاثَةٌ عَلَى بَعِيرٍ, وَأَرْبَعَةٌ عَلَى بَعِيرٍ, وَعَشْرَةٌ عَلَى بَعِيرٍ, وَتَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمُ النَّارُ, تَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا, وَتَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا, وَتُصْبِحُ مَعَهُمْ حَيْثُ أَصْبَحُوا, وَتُمْسِي مَعَهُمْ حَيْثُ أَمْسَوْا». رجال هذا الإسناد ستة: ١ - (محمد بن عبد اللَّه بن المبارك) المخرّميّ، أبو جعفر البغداديّ، ثقة حافظ [١١] ٤٣/ ٥٠. ٢ - (أبو هشام) المغيرة بن سلمة المخزومي البصري، ثقة ثبت، من صغار [٩] ٢٨/ ٨١٥. ٣ - (وُهيب بن خالد، أبو بكر) الباهلي مولاهم البصري، ثقة ثبت لكنه تغير قليلًا بآخره [٧] ٢١/ ٤٢٧. ٤ - (ابن طاوس) هو: عبد اللَّه اليماني، أبو محمد، ثقة فاضل عابد [٦] ١١/ ٥١٤. ٥ - (أبوه) طاوس بن كيسان الحميري مولاهم، أبو عبد الرحمن اليماني، ثقة فقيه فاظل [٣] ٢٧/ ٣١. ٦ - (أبو هريرة) ﵁ ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-.

стр. 11080

ومنها: أن فيه رواية الراوي عن أبيه. ومنها: أن فيه أبا هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يُحْشَرُ النَّاسُ) ببناء الفعل للمفعول (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ظاهره أنه حشر الآخرة، لكن أكثر أهل العلم على أنه حشر في الدنيا، وهو آخر أشراط الساعة، وهذا هو المناسب لما يأتي من قوله: "تقيل معهم إذا قالوا، وتبيت معهم إذا باتوا الخ"، فالأولى أن يحمل قوله: "يوم القيامة" على معنى قرب يوم القيامة، من إعطاء ما قرب إلى الشيء حكم ذلك الشيء، وسيأتي تمام البحث في ذلك في المسألة الثالثة، إن شاء اللَّه تعالى. (عَلَى ثَلَاثِ طَرَائِقَ) وفي رواية لمسلم: "على ثلاثة طرائق"، و"الطرائق" جمع طريق، وهي تذكّر، وتؤنّث، فيجوز تذكير العدد معه، وتأنيثه بالاعتبارين (رَاغِبِينَ، رَاهِبِينَ) وللبخاريّ: "وراهبين" بواو العطف، وعلى الروايتين فهي الطريقة الأَولى (اثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ، وَثَلَاثَة عَلَى بَعِيرٍ، وَأَرْبَعَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَعَشْرَةٌ عَلَى بَعِيرٍ) وفي رواية البخاريّ الأولى بالواو، والبواقي بلا عاطف، وفي رواية مسلم، والإسماعيليّ بالواو في الجميع، وعلى كلّ، فهذه هي الطريقة الثانية (وَتَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمُ النَّارُ) ببناء الفعل للفاعل، و"بقيتهم" بالنصب مفعول مقدّم، و"النار" فاعل مؤخّر. قال في "الفتح": هذه هي النار المذكورة في حديث حُذيفة بن أَسِيد -بفتح الهمزة-. عند مسلم في حديث فيه ذكر الآيات الكائنة قبل قيام الساعة، كطلوع الشمس من مغربها، ففيه: "وآخر ذلك نار تخرج من قعر عدن، تُرَحِّل الناس لا، وفي رواية له: "تَطْرُدُ الناس إلى حشرهم". (تَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا) أي تستريح معهم إذا استراحوا، والقيلولة النوم نصف النهار، يقال: قال يَقيل قَيلاً، من باب باع، وقَيْلُولةً: إذا نام نصف النهار (وَتَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا، وَتُصْبحُ مَعَهُمْ حَيْثُ أَصْبَحُوا، وَتُمْسِي مَعَهُمْ حَيْثُ أَمْسَوْا") فيه إشارة إلى ملازمة النار لهم إلى أن يصلوا إلى مكان الحشر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 11081

مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجِه هنا -١١٨/ ٢٠٨٥ - وفي "الكبرى" ١١٨/ ٢٢١٢. وأخرجه (خ) ٦٥٢٢ (م) ٢٨٦١. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في اختلاف أهل العلم في المراد بالحشر المذكور في هذا الحديث: قال الخطابيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: هذا الحشر يكون قبل قيام الساعة، تحشر الناسَ الأحياءَ إلى الشام، وأما الحشر من القبور إلى الموقف، فهو على خلاف هذه الصورة، من الركوب على الإبل، والتعاقب عليها، وإنما هو على ما ورد في حديث ابن عباس ﵄ في الباب: "حفاة، عراة، مشاة". قال وقوله: "واثنان على بعير، وثلاثة على بعير الخ" يريد أنهم يعتقبون البعير الواحد، يركب بعضٌ، ويمشي بعض. قال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وإنما لم يذكر الخمسة، والستّة، إلى العشرة، إيجازًا، واكتفاء بما ذكر من الأعداد، مع أن الاعتقاب ليس مجزوما به، ولا مانع أن يجعل اللَّه في البعير ما يقوى به على حمل العشرة. ومال الْحَلِيميّ إلى أن هذا الحشر يكون عند الخروج من القبور. وجزم به الغزاليّ. وقال الإسماعيليّ: ظاهر حديث أبي هريرة يخالف حديث ابن عباس ﵃ المذكور بعدُ أنهم يحشرون حُفَاة، عُرَاة، مُشَاة. قال: ويجمع بينهما بأن الحشر يعبّر به عن النشر؛ لاتصاله به، وهو إخراج الخلق من القبور حفاة، عراة، فيساقون، ويجمعون إلى الموقف للحساب، فحينئذ يحشر المتقون رُكبانًا على الإبل. وجمع غيره بأنهم يخرجون من القبور بالوصف الذي في حديث ابن عباس، ثم يفترق حالهم من ثَمّ إلى الموقف على ما في حديث أبي هريرة، ويؤيده حديث أبي ذرّ الآتي بعد هذا. وصوّب عياض ما ذهب إليه الخطابيّ، وقوّاه بحديث حذيفة بن أسِيد، وبقوله في آخر حديث الباب: "تقيل معهم، وتبيت، وتصبح، وتمسي"، فإن هذه الأوصاف مختصّة بالدنيا.

стр. 11082

وقال بعض شرّاح "المصابيح" (١): حمله على الحشر من القبور أقوى من أوجه: أحدها: أن الحشر إذا أطلق في عرف الشرع إنما يراد به الحشر من القبور، ما لم يخصّه دليل. ثانيها: أن هذا التقسيم المذكور في الخبر لا يستقيم في الحشر إلى أرض الشام؛ لأن المهاجر لا بدّ أن يكون راغبًا، أو راهبًا، أو جامعًا بين الصفتين، فأما أن يكون راغبًا راهبًا فقط، وتكون هذه طريقة واحدة، لا ثاني لها من جنسها فلا. ثالثها: حشر البقيّة على ما ذكر، وإلجاء النار لهم إلى تلك الجهة، وملازمتها حتى لا تفارقهم قول لم يرد به التوقيف، وليس لنا أن نحكم بتسليط النار في الدنيا على أهل الشقاوة في هذه الدار من غير توقيف. رابعها: أن الحديث يفسر بعضه بعضًا، وقد وقع في الحسان من حديث أبي هريرة ﵁: "يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف". وأخرجه البيهقيّ من وجه آخر عن عليّ بن زيد، عن أوس بن أبي أوس، عن أبي هريرة، بلفظ: "ثلاثًا على الدوابّ، وثلاثا يَنسِلُون على أقدامهم، وثلاثا على وجوههم". قال: ونرى هذا التقسيم الذي وقع في هذا الحديث نظير التقسيم الذي في تفسير الواقعة في قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾ الآيات. فقوله: "راغبين راهبين" يريد به عوامّ المؤمنين، وهم من خَلَطَ عملاً صالحًا، وآخر سيّئا، فيتردّدون بين الخوف والرجاء، يخافون عاقبة سيئآتهم، ويرجون رحمة اللَّه بإيمانهم، وهؤلآء أصحاب الميمنة. وقوله: "واثنان على بعير الخ" يريد به السابقين، وهم أفاضل المؤمنين، يُحشرون ركبانًا. وقوله: "وتَحشر بقيتهم النار" يريد به أصحاب المشأمة، وركوب السابقين في الحديث يحتمل الحمل دفعة واحدة، تنبيهًا على أن البعير المذكور يكون من بدائع فطرة اللَّه تعالى حتى يقوى على ما لا يقوى عليه غيره من الْبِعْرَان. ويحتمل أن يراد به التعاقب. قال الخطابيّ: إنما سكت عن الواحد إشارة إلى أنه يكون لمن فوقهم في المرتبة، كالأنبياء؛ ليقع الامتياز بين النبيّ ومن دونه من السابقين في الراكب؛ كما وقع في المراتب انتهى مُلَخّصًا. وتعقّبه الطيبيّ، ورجّح ما ذهب إليه الخطابيّ. وأجاب عن الأول: بأن الدليل ثابت، فقد ورد في عدّة أحاديث وقوع الحشر في

стр. 11083

الدنيا إلى جهة الشام، وذكر حديث حذيفة بن أسيد الذي نبّهت عليه قبل، وحديث معاولة بن حَيْدَة، جدّ بَهْز بن حكيم، رفعه "إنكم محشورون، ونحا بيده نحو الشام رجالا، وركبانًا، وتُجرّون على وجوهكم". أخرجه الترمذيّ، والنسائيّ، وسنده قويّ، وحديث "ستكون هجرة بعد هجرة، وينحاز الناس إلى مهاجر إبراهيم ﵇، ولا يبقى في الأرض إلا شرارها، تلفظهم أَرَضُوهم، وتحشرهم النار مع القردة، والخنازير، تبيت معهم إذا باتوا، وتَقيل معهم إذا قالوا". أخرجه أحمد، وسنده لا بأس به. وأخرج عبدالرزاق، عن النعمان بن المنذر، عن وهب بن منبّه، قال: قال اللَّه تعالى لصخرة بيت المقدس: "لأضعنّ عليك عرشي، ولأحشُرنّ عليك خلقي". وفي تفسير ابن عيينة، عن ابن عباس: من شكّ أن المحشر ههنا -يعني الشام- فليقرأ أول سورة الحشر، قال لهم رسول اللَّه ﷺ يومئذ: "اخرجوا"، قالوا: إلى أين؟ قال: "إلى أرض المحشر". وحديث "ستخرج نار من حضرموت، تحشر الناس"، قالوا: فما تأمرنا يا رسول اللَّه؟ قال: "عليكم بالشام". ثم حكى خلافا، هل المراد بالنار نار على الحقيقة، أو هو كناية عن الفتنة الشديدة؛ كما يقال: نار الحرب لشدة ما يقع في الحرب، قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ الآية [المائدة: ٦٤]، وعلى كلّ حال، فليس المراد بالنار في هذه الأحاديث نار الآخرة، ولو أريد المعنى الذي زعمه المعترض لقيل: تحُشَر بيقتُهُم إلى النار، وقد أضاف الحشر إلى النار؛ لكونها هي التي تحشرهم، وتختطف من تخلّف منهم؛ كما ورد في حديث أبي هريرة من رواية عليّ بن زيد، عند أحمد، وغيره؛ وعلى تقدير أن تكون النار كناية عن الفتنة، فنسبة الحشر إليها سببيّة؛ كأنها تفشوا في كلّ جهة، وتكون في جهة الشام أخفّ منها في غيرها، فكلّ من عرف ازديادها في الجهة التي هو فيها أحبّ التحوّل منها إلى المكان الذي ليست فيه شديدة، فتتوفّر الدواعي على الرحيل إلى الشام، ولا يمتنع اجتماع الأمرين، وإطلاق النار على الحقيقة التي تخرج من قعر عدن، وعلى المجازية، وهي الفتنة، إذ لا تنافي بينهما، ويؤيد الحمل على الحقيقة ظاهر الحديث الأخير. والجواب عن الاعتراض الثاني: أن التقسيم المذكور في آيات "سورة الواقعة" لا يستلزم أن يكون هو التقسيم المذكور في الحديث، فإن الذي في الحديث ورد على القصد من الخلاص من الفتنة، فمن اغتنم الفرصة سار على فسحة من الظهر، ويسرة

стр. 11084

في الزاد، راغبًا فيما يستقبله، راهبا فيما يستدبره، وهؤلاء هم الصنف الأول في الحديث، ومن توانى حتى قلّ الظهر، وضاق عن أن يسعهم لركوبهم اشتركوا، وركبوا عقبةً، فيحصل اشتراك الاثنين في البعير الواحد، وكذا الثلاثة، ويمكنهم كل من الأمرين، وأما الأربعة في الواحد، فالظاهر من حالهم التعاقب، وقد يمكنهم إذا كانوا خفافا، أو أطفالاً، وأما العشرة فبالتعاقب، وسكت عما فوقها إشارة إلى أنها المنتهى في ذلك، وعما بينها وبين الأربعة؛ إيجارًا واختصارًا، وهؤلاء هم الصنف الثاني في الحديث. وأما الصنف الثالث فعبّر عنه بقوله: "وتحشر بقيتهم النار" إشارةً إلى أنهم عجزوا عن تحصيل ما يركبونه، ولم يقع في الحديث بيان حالهم، بل يحتمل أنهم يمشون، أو يسحبون، فرارًا من النار التي تحشرهم، ويؤيد ذلك ما وقع في آخر حديث أبي ذرّ الذي تقدمت الإشارة إليه في كلام المعترض، وفيه أنهم سألوا عن السبب في مشي المذكورين، فقال: "يلقي اللَّه الآفة على الظهر، حتى لا يبقى ذات ظهر، حتى إن الرجل ليعطي الحديقة المعجبة بالشارف ذات القتب" أي يشتري الناقة المسنّة لأجل كونها تحمله على القتب بالبستان الكريم لهوان العقار الذي عزم على الرحيل عنه، وعزّة الظهر الذي يوصله إلى مقصوده، وهذا لائق بأحوال الدنيا، ومؤكّد لما ذهب إليه الخطابيّ، ويتنزّل على وفق حديث الباب -يعني من "المصابيح" -، وهو أن قوله: "فوج طاعمين كاسين راكبين" موافق لقوله: "راغبين راهبين". وقوله: "وفوج يمشون" موافق للصنف الذين يتعاقبون على البعير، فإن صفة المشي لازمة لهم، وأما الصنف الذين تحشرهم النار، فهم الذين تسحبهم الملائكة. والجواب عن الاعتراض الثالث: أنه تبيّن من شواهد الحديث أنه ليس المراد بالنار نار الآخرة، وإنما هي نار تخرج في الدنيا، أنذر النبي ﷺ بخروجها، وذكر كيفية ما تفعل في الأحاديث المذكورة. والجواب عن الاعتراض الرابع: أن حديث أبي هريرة من رواية عليّ بن زيد مع ضعفه لا يخالف حديث الباب؛ لأنه موافق لحديث أبي ذرّ في لفظه، وقد تبيّن من حديث أبي ذرّ ما دلّ على أنه في الدنيا، لا بعد البعث في الحشر إلى الموقف، إذ لا حديقة هناك، ولا آفة تُلقَى على الظهر حتى يَعِزّ، ويقلّ. ووقع في حديث علي بن زيد المذكور عند أحمد أنهم يتقون بوجوههم كلّ حدب وشوك، وقد سبق أن أرض الموقف

стр. 11085

أرض مستوية، لا عوج فيها، ولا أكمة، ولا حدب، ولا شوك. وأشار الطيبيّ إلى أن الأولى أن الحديث الذي من رواية عليّ بن زيد على من يُحشر من الموقف إلى مكان الاستقرار من الجنّة، أو النار، ويكون المراد بالركبان السابقين المتقين، وهم المراد بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم: ٨٥]: أي ركبانا. وأخرج الطبريّ عن عليّ في تفسير هذه الآية، فقال: "أَمَا واللَّه ما يحشر الوفد على أرجلهم، ولا يساقون سوقًا، ولكن يُؤتَون بِنُوق لم تر الخلائق مثلها، عليها رحال الذهب، وأزمتها الزبرجد، فيركبون عليها حتى يضربوا أبواب الجنة". والمراد سوق ركائبهم، إسراعا بهم إلى دار الكرامة؛ كما يُفعل في العادة بمن يُشرف، ويُكرم من الوافدين على الملوك، قال: ويستبعد أن يقال: يجيء وفد اللَّه عشرة على بعير جميعًا، أو متعاقبين، وعلى هذا فقد روى أبو هريرة حال المحشورين عند انقراض الدنيا إلى جهة أرض المحشر، وهم ثلاثة أصناف، وحال المحشورين في الأخرى إلى محلّ الاستقرار. انتهى كلام الطيبيّ عن جواب المعترض، ملخّصا موضّحًا بزيادات فيه. قال الحافظ: لكن تقدّم مما قررته أن حديث أبي هريرة من رواية علي بن زيد ليس في المحشورين من الموقف إلى محلّ الاستقرار. ثم ختم كلامه بأن قال: هذا ما سنح لي على سبيل الاجتهاد، ثم رأيت في "صحيح البخاريّ" في "باب الحشر": "يحشر الناس يوم القيامة على ثلاث طرائق"، فعلمت من ذلك أن الذي ذهب إليه الإمام التوربشتيّ هو الحقّ الذي لا محيد عنه. قال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: ولم أقف في شيء من طرق الحديث الذي أخرجه البخاريّ على لفظ "يوم القيامة"، لا في "صحيحه"، ولا في غيره، وكذا هو عند مسلم، والإسماعيليّ، وغيرهما ليس فيه "يوم القيامة". نعم ثبت لفظ "يوم القيامة" في حديث أبي ذرّ، المنبّه عليه قبلُ. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله الحافظ من أنه ليس لفظ "يوم القيامة" في طرق حديث أبي هريرة، بل في حديث أبي ذرّ غير صحيح؛ لأنه ثابت في حديث أبي هريرة ﵁، في رواية المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في هذا الباب، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. قال: وهو مؤول بأن المراد بذلك أن يوم القيامة يعقب ذلك، فيكون من مجاز المجاورة، ويتعيّن ذلك، لما وقع فيه أن الظهر يقلّ لما يلقى عليه من الآفة، وأن الرجل

стр. 11086

يشتري الشارف الواحد بالحديقة المعجبة، فإنه ظاهر جدّا في أنه من أحوال الدنيا، لا بعد الموت. وقد روى البيهقيّ في حديث الباب احتمالين، فقال: قوله: "راغبين" يحتمل أن يكون إشارة إلى الأبرار. وقوله: "راهبين" إشارة إلى المخلطين الذين هم بين الخوف والرجاء، والذين تحشرهم النار هم الكفار. وتعقّب بأنه حذف ذكرَ قوله: "واثنان على بعير الخ". وأجيب بأن الرغبة والرهبة صفتان للصنفين: الأبرار والمخلين، وكلاهما يحشر اثنان على بعير الخ. قال: ويحتمل أن يكون ذلك في وقت حشرهم إلى الجنة بعد الفراغ، ثم قال بعد إيراد حديث أبي ذرّ: يحتمل أن يكون المراد بالفوج الأول الأبرار، وبالفوج الثاني الذين خلوا، فيكونون مشاة، والأبرار ركبانًا، وقد يكون بعض الكفّار أعيا من بعض، فأولئك يسحبون على وجوههم، ومن دونهم يمشون، ويسعون مع من شاء اللَّه من الفسّاق وقت حشرهم إلى الموقف. وأما الظهر فلعلّ المراد به ما يحييه اللَّه بعد الموت من الدوابّ، فيركبها الأبرار، ومن شاء اللَّه، ويلقي اللَّه الآفة في بقيتها حتى يبقى جماعة من المخلطين بلا ظهر. قال الحافظ: ولا يخفى ضعف هذا التأويل مع قوله في بقية الحديث: "حتى إن الرجل ليعطي الحديقة المعجبة بالشارف "، ومن أين يكون للذين يبعثون بعد الموت عراة، حفاة، حدائق حتى يدفعوها في الشوارف؟ فالراجح ما تقدّم، وكذا يبعده غاية البعد أن يحتاج من يساق من الموقف إلى الجنة إلى التعاقب على الأبعرة، فرجح أن ذلك إنما يكون قبل المبعث. واللَّه أعلم انتهى كلام الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو حسنٌ جدّا. وحاصله أن الراجح حمل الحديث على الحشر الذي يكون قبل قيام الساعة، عند قربها، فيُحشر الناس إلى الشام على هذه الصفات المختلفة، من كونهم راغبين، راهبين، الخ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٠٨٦ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ جُمَيْعٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الطُّفَيْلِ, عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ, عَنْ أَبِي ذَرٍّ, قَالَ: إِنَّ الصَّادِقَ الْمَصْدُوقَ, ﷺ حَدَّثَنِي: «أَنَّ النَّاسَ يُحْشَرُونَ ثَلَاثَةَ أَفْوَاجٍ: فَوْجٌ رَاكِبِينَ, طَاعِمِينَ, كَاسِينَ, وَفَوْجٌ تَسْحَبُهُمُ الْمَلَائِكَةُ, عَلَى وُجُوهِهِمْ, وَتَحْشُرُهُمُ النَّارُ, وَفَوْجٌ يَمْشُونَ, وَيَسْعَوْنَ, يُلْقِى اللَّهُ الآفَةَ عَلَى الظَّهْرِ, فَلَا يَبْقَى حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَتَكُونُ لَهُ الْحَدِيقَةُ, يُعْطِيهَا بِذَاتِ الْقَتَبِ, لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا».

стр. 11087

رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (الوليد بن جُميع) هو ابن عبد اللَّه بن جميع -نسب إلى جدّه - الزهريّ المكيّ، نزيل الكوفة، صدوق يهم، ورمي بالتشيّع [٥]. قال أحمد، وأبو داود: ليس به بأس. وقال ابن معين، والعجليّ: ثقة. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال عمرو بن عليّ: كان يحيى ابن سعيد لا يحدثنا عنه، فلما كان قبل موته بقليل حدثنا عنه. وقال ابن سعد: كان ثقة، له أحاديث. وقال البزار: احتملوا حديثه، وكان فيه تشيّع. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وذكره أيضا في "الضعفاء"، وقال: ينفرد عن الأثبات بما لا يشبه حديث الثقات، فلما فحش ذلك منه بطل الاحتجاج به. وقال العقيليّ: في حديثه اضطراب. وقال الحاكم: لو لم يخرج له مسلم لكان أولى. روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والباقون سوى ابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٢ - (أبو الطفيل) عامر بن واثلة بن عبد اللَّه الليثي الصحابيّ ﵁ -٤٢/ ٥٨٧. ٣ - (حُذيفة بن أَسِيد) -بفتح الهمزة، وكسر الراء - ويقال: ابن أميّة بن أَسيد الغفاريّ، أبو سَرِيحة -بمهملتين مفتوحة الأولى- صحابيّ شهد الحديبية، وقيل: إنه بايع تحت الشجرة. روى عن النبيّ ﷺ ، وعن أبي بكر، وعليّ، وأبي ذرّ. وعنه أبو الفيل، والشعبيّ، ومعبد بن خالد، وغيرهم. مات سنة (٤٢) وصلى عليه زيد بن أرقم. روى له الجماعة، سوى البخاريّ، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٤ - (أبو ذرّ) جندب بن جنادة الصحابي المشهور - رضي اللَّه تعالى عنه - ٢٠٣/ ٣٢٢. وعمرو بن علي الفلّاس. ويحيى القطان، تقدّما قريبًا. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الاسناد: منها: أنه من سداسيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه ثلاثة من الصحابة - رضي اللَّه تعالى عنهم - يروي بعضهم عن بعض. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) ﵁ أنه (قَالَ) وفي رواية أحمد: "عن حذيفة بن أَسِيد، قال: قام أبو ذر، فقال: يا بني غفار، قولوا، ولا تختلفوا، فإن الصادق المصدوق حدثني … " (إِنَّ الصَّادِقَ) أي الذي ليس في حديثه كذب (الْمَصْدُوقَ) أي الذي أخبره اللَّه بالصدق،

стр. 11088

يقال: صدَقني فلان بتخفيف الفاء: أي قال لي الصدقَ. أفاده في "اللسان". وفي "المجمع": "الصادق" من صَدَق في قوله، وتحرّاه في فعله، و"المصدوق" من صَدَقَه غيره. أي صَدَقَه جبريل فيما أخبره به، أو مُصَدَّق من عند الناس انتهى (١) ( ﷺ حَدَّثَنِي: "أَنَّ النَّاسَ يُحْشَرُونَ) قال الطيبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: المراد بالحشر هنا ما في قوله ﷺ : "أول أشراط الساعة نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب"، وقوله: "ستخرج نار من نحو حضرموت، تحشر الناس"، قلنا: يا رسول اللَّه، فما تأمرنا؟، قال: "عليكم بالشام" انتهى (٢) (ثَلَاَثةَ أَفْوَاجٍ) جمع فوج، كثوب وأثواب: هم الجماعة من الناس (فَوْج) قال أبو البقاء -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: "فوج" الأول بالجرّ على البدل مما قبله، و"راكبين" نعت له، ويجوز أن يروى "فوجٌ" بالرفع، أي يُحشر منهم فوج، وتكون "راكبين" حالاً، وأما "فوج" الثاني، والثالث، فالرفع فيه أقرب، من رفع الأول؛ لأنه ليس هناك مجرور يقوّي جرّه انتهى. (رَاكبينَ، طَاعِمِينَ، كاسِينَ) قال الطيبيّ: -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: هو عبارة عن كونهم مُرْهَفين؛ لإعدادهم ما يبلغهم إلى القصد، من الزاد، والراحلة (وَفَوْجٍ تَسْحَبُهُمُ المَلَائِكَةُ) أي تجرّهم (عَلَى وُجُوهِهِمْ) هو إما على حقيقته، وإما كناية عن كمال هوانهم وذلهم، والأول أظهر لدلالة السِّبَاق واللِّحَاق عليه. قاله القاري (وَتحشُرُهُمُ النَّارُ) برفع "النار" على الفاعلية، أي تسوقهم النار إلى المحشر. ووقع في "المشكاة" "وتحشر النار". فقال القاري: بنصب "النار" في أصل السيّد، وأكثر النسخ، وفي نسخة برفعها، وفي نسخة صحيحة "وتحشرهم النار" بالضمير، مع نصب النار على نزع الخافض، أي إليها، ومع رفعها على الفاعلية. وقال الطيبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: أي تحشر الملائكة لهم النار، وتلزمهم إياها، حتى لا تفارقهم أين باتوا، وأين قالوا، وأصبحوا، ويصحّ أن ترفع "النار" أي وتحشرهم النار انتهى. ولفظ أحمد: "وتحشرهم إلى النار" بزيادة "إلى"، وعلى هذا فالفاعل هم الملائكة، أي تسوقهم الملائكة إلى النار ليلزموها، ولا يفارقوها، كما قال الطيبيّ (وَفَوْجٌ يَمْشُونَ، وَيَسْعَوْنَ) من السعي، أي يَجْرُون في الأرض من شدّة المشي، ولا يمشون بسكينة وراحة (يُلْقِي اللَّهُ الْآفَةَ) أي آفة الموت (عَلَى الظَّهْرِ) أي الإبل التي تركب، من إطلاق الجزء وإرادة الكلّ، وإنما خصّ الظهر لأنه محل الركوب. واللَّه تعالى أعلم. وفي رواية أحمد: "وفوج يمشون، ويسعون، وفوج تسحبهم الملائكة على

стр. 11089

وجوههم، فقال قائل منهم: هذان قد عرفناهما، فما بال الذين يمشون ويسعون؟ قال: يلقي اللَّه الآفة على الظهر، حتى لا يبقى ظهر". فقوله هنا: "يلقي اللَّه الخ" جواب لسؤال مقدّر، كما بينته رواية أحمد المذكورة، فكأن سائلا سأل، فقال: ما بال هؤلا يمشون، ولا يركبون؟، فأجاب بقوله: "يلقي اللَّه الخ". (فَلَا يَبْقَى) أي لا يوجد ظهر لاستئصال الآفة له (حَتَّى اِنَّ الرَّجُلَ لَتَكُونُ لَهُ الْحَدِيقَةُ) زاد في "الكبرى" "العظيمة"، وفي رواية أحمد "الحديقة المعجبة". و"الحديقة" بفتح المهملة: البستان، يكون عليه حائط، فَعيلة، بمعنى مفعولة؛ لأن الحائط أحدق بها، أي أحاط، ثم توسّعوا حتى أطلقوا الحديقة على البستان، وإن كان بغير حائط، والجمع حدائق. قاله في "المصباح" (يُعْطِيهَا بِذَاتِ الْقَتَبِ) أي عوضًا، وبدلاً عن الناقة التي يركب عليها بالقَتَب، وهو بفتحتين، جمعه أقتاب، مثل سبب وأسباب، وهو للجمل كالإكاف لغيره. أفاده في "المصباح". وفي "اللسان": القِتْب - أي بالكسر- والقَتَبَ -أي بفتحتين-: إكاف البعير، وقد يؤنّث، والتذكير أعمّ، ولذلك أنثوا التصغير، فقالوا: قُتيبة انتهى. (لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا) أي لا يستطيع، ولا يتمكّن من شراء ذات القتب. يعني أنه يريد أن يشتري بالحديقة العظيمة، أو الحسنة ناقةً يركبها، فلا يجد من يبيعها له، لعدمها بسبب الآفة التي استئألت الجمل. وهذا صريح في أن المراد بالحشر المذكور في هذا الحديث ليس حشر القيامة، وإنما في الدنيا، قبل الآخرة، كما تقدم تقريره. لكن الذي يظهر من صنيع المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، أنه حمل هذا الحديث، وحديث أبي هريرة الذي قبله على حشر الآخرة، فلذا أورده تحت ترجمة باب "البعث"، اللَّهم إلا إذا أراد بالبعث مطلق الحشر الذي يشمل الآتي قبل القيامة، وبعدها، فيكون حديث ابن عباس، وعائشة ﵃ لما بعد قيام الساعة، وحديث أبي هريرة، وأبي ذرّ ﵄ لما قبله، فليُتَأمّل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث أبي ذرّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيحٌ. فإن قلت: فيه الوليد بن عبد اللَّه بن جمُيع، وقد تكلم فيه ابن حبّان، والعقيليّ، والحاكم. قلت: نعم تكلم فيه هؤلاء، لكن لا يلتفت إلى كلامهم، لأمور: الأول: تناقض العجليّ، وابن حبّان، فإنهما وثقاه مرّة، وضعفاه مرّة. الثاني: أنه قد قوّاه من هو أعلم منهم، وأرسخ في الجرح والتعديل، فقد قال أحمد،

стр. 11090

وأبو داود: ليس به بأس. ووثقه ابن معين. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، فيقدم تقوية هؤلاء على جرحهم. الثالث: أنه يشهد له حديث أبي هريرة ﵁ المذكور قبله. والحاصل أن الحديث صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١١٩ - ذِكْرُ أَوَّلِ مَنْ يُكْسَى ٢٠٨٧ - أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ, قَالَ: أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ, وَوَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ, وَأَبُو دَاوُدَ, عَنْ شُعْبَةَ, عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ النُّعْمَانِ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْمَوْعِظَةِ, فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ, إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إِلَى اللَّهِ , عُرَاةً» -قَالَ أَبُو دَاوُدَ-: «حُفَاةً غُرْلاً» -وَقَالَ وَكِيعٌ, وَوَهْبٌ- "عُرَاةً, غُرْلاً, كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ", قَالَ: أَوَّلُ مَنْ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ, إِبْرَاهِيمُ ﵇, وَإِنَّهُ سَيُؤْتَى» -قَالَ أَبُو دَاوُدَ-: «يُجَاءُ» -وَقَالَ وَهْبٌ, وَوَكِيعٌ-: «سَيُؤْتَى بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِى, فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ, فَأَقُولُ رَبِّ أَصْحَابِي, فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي, مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ, فَأَقُولُ, كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآيَةَ [المائدة:١١٧ - ١١٨] , فَيُقَالُ: إِنَّ هَؤُلَاءِ, لَمْ يَزَالُوا مُدْبِرِينَ» -قَالَ أَبُو دَاوُدَ-: «مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ, مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ». رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (محمود بن غيلان) أبو أحمد المروزيّ، نزيل بغداد، ثقة [١٠] ٣٣/ ٣٧. [تنبيه]: وقع في النسخ النسخ المطبوعة: "محمد" بدل محمود، وهو غلط، والصواب ما في الهندية: "محمود"، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. ٢ - (وكيع) بن الجرّاح، الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقة ثبت [٩] ٢٥/ ٢٥. ٣ - (وهب بن جرير) بن حازم بن زيد، أبو عبد اللَّه الأزديّ البصريّ، ثقة [٩] ١٩٦/ ١١٧٨. ٤ - (أبو داود) الطيالسيّ سليمان بن داود بن الجارود البصريّ، ثقة حافظ [٩] ١٣/ ٣٤٣.

стр. 11091

٥ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة المشهور [٧] ٢٤/ ٢٦. ٦ - (المغيرة بن النعمان) النخعيّ الكوفيّ، ثقة [٦] تقدّم في الباب الماضي. ٧ - (سعيد بن جبير) الأسديّ مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٢٨/ ٤٣٦. ٨ - (ابن عباس) عبد اللَّه الحبر البحر ﵄ ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - حبر الأمة وبحرها، وأحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) وفي الرواية السابقة: "سمعت رسول اللَّه ﷺ يخطب على المنبر" (بِالْمَوْعِظَةِ) اسم من وَعَظَه يَعِظه وَعْظًا وعِظَة: إذا أمره بالطاعة، ووصّاه بها، وعليه قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾ الآية [سبأ: ٤٦]. أي أوصيكم، وآمركم، فاتّعَظَ: أي ائتمر، وكفّ نفسه. أفاده الفيّوميّ. (فَقَالَ: "يَا أَيُّها النَّاسُ، إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إِلَى اللَّهِ ، عُرَاةً) أي غير لابسين ثيابًا تستر عوراتكم (قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حُفَاةً، غُرْلاً) بضم المعجمة، وسكون الراء، جمع أغرل، وهو الأقلف، وزنًا ومعنى، وهو من بقيت غُرلته، وهي الجلدة التي يقطعها الخاتن من الذكر. [فائدة]: قال أبو هلال العسكريّ: لا تلتقي اللام مع الراء في كلمة إلا في أربع: "أرل": اسم جبل، و، "ورل": اسم حيوان معروف. و"حرل": ضرب من الحجارة. و"الْغُرْلَة". واستُدرِك عليه كلمتان: "هرل": ولد الزوجة. و"برل": الدِّيكُ الذي يستدير بعنقه. قال ابن عبد البرّ: يحشر الآدميّ عاريا ولكلّ من الأعضاء ما كان له يوم ولد، فمن قُطع منه شيء يردّ حتى الأقلف. وقال أبو الوفاء بن عَقِيل: حشفة الأقلف موقاة بالْقُلْفَة، فتكون أرقّ، فلما أزالو تلك القطعة في الدنيا أعادها اللَّه تعالى ليذيقها من حلاوة فضله انتهى. (١)

стр. 11092

(وَقَالَ وَكِيعٌ، وَوَهبٌ: "عُرَاةً، غُرْلاً) يعني أنه اختلف شيوخ محمود بن غيلان، فقال أبو داود الطيالسيّ: "حفاة، غُرلا" بتقديم "حفاة" على "عراة"، وقال وكيع بن الجرّاح، ووهب ابن خالد: "عراة حفاة" بالعكس، وهذا من باب الإخبار بما وقع من صيغ الأداء، والاحتياط في المحافظة على ألفاظ الشيوخ، وإلا فلا اختلاف هنا من حيث المعنى في التقديم والتأخير. واللَّه تعالى أعلم. قال البيهقيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وقع في حديث أبي سعيد -يعني الذي أخرجه أبو داود، وصححه ابن حبّان أنه لما حضره الموت دعا بثياب جُدُد، فلبسها، وقال: سمعت النبيّ ﷺ يقول: "إن الميت يُبعث في ثيابه التي يموت فيها". ويجمع بينهما بأن بعضهم يُحشر عاريًا، وبعضهم كاسيًا، أو يحشرون كلهم عراة، ثم يكسى الأنبياء، فأول من يُكسَى إبراهيم ﵊، أو يخرجون من القبور بالثياب التي ماتوا فيها، ثم تتناثر عنهم عند ابتداء الحشر، فيحشرون عُراة، ثم يكون أولى من يكسى إبراهيم ﵇. وحمل بعضهم حديث أبي سعيد على الشهداء؛ لأنهم الذين أمر أن يُزَمَّلُوا في ثيابهم، ويدفنوا فيها، فيحتمل أن يكون أبو سعيد سمعه في الشهيد، فحمله على العموم. وممن حمله على عمومه معاذ بن جبل ﵁، فأخرج ابن أبي الدنيا بسند حسن، عن عمرو بن الأسود، قال: دفنّا أم معاذ بن جبل، فأمر بها، فكفنت في ثياب جدد، وقال: "أحسنوا أكفان موتاكم، فإنهم يحشرون فيها". قال: وحمله بعض أهل العلم علج العمل، وإطلاق الثياب على العمل وقع في مثل قوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ الآية [الأعراف: ٢٦]، وقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدّثّر: ٤] على أحد الأقوال، وهو قول قتادة، قال: معناه وعملك فأخلصه. ويؤكّد ذلك حديث جابر ﵁ رفعه: "يبعث كلّ عبد على ما مات عليه"، أخرجه مسلم، وحديث فَضَالة بن عُبيد: "من مات على مرتبة من هذه المراتب، بُعِث عليها يوم القيامة … " الحديث، أخرجه أحمد. ورجّح القرطبيّ الحمل على ظاهر الخبر، ويتأيّد بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ الآية [الأنعام: ٩٤]، وقوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ الآية [الأعراف: ٢٩]، وإلى ذلك الإشارة في حديث الباب بذكر قوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ الآية [الأنبياء: ١٠٤] عقب قوله: "حفاة، عراة". قال: فيحمل ما دلّ عليه حديث أبي سعيد على الشهداء؛ لأنهم يدفنون بثيابهم، فيبعثون فيها تمييزًا لهم عن غيرهم.

стр. 11093

وقد نقله ابن عبد البرّ عن أكثر العلماء، ومن حيث النظر، فإن الملابس في الدنيا أموال، ولا مال في الآخرة، مما كان في الدنيا، ولأن الذي يقي النفس مما تكره في الآخرة ثواب بحسن عملها، أو رحمة مبتدأة من اللَّه، وأما ملابس الدنيا، فلا تغني عنها شيئًا. قاله الْحَلِيميّ. وذهب الغزاليّ إلى ظاهر حديث أبي سعيد، وأورده بزيادة -قال الحافظ-: لم أجد لها أصلاً، وهي: فإن أمتي تحشر في أكفانها، وساثر الأمم عراة. قال القرطبيّ: إن ثبت حمل على الشهداء من أمته حتى لا تتناقض الأخبار انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي الأولى في الجمع قول من قال: إنهم يخرجون من قبورهم بثيابهم التي ماتوا فيها، ثم تتناثر عنهم عند ابتداء الحشر، فيحشرون عراة، ثم يكون إبراهيم ﵇ أول من يُكسَى، ثم يُكسون بعد ذلك، وهذا أقرب في الجمع بين هذه الأخبار. واللَّه تعالى أعلم. ("كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ") ووقع في حديث أم سلمة ﵁ عند ابن أبي الدنيا: "يحشر الناس حفاة، عراة، كما بُدِئوا". (قَالَ: "أَوَّلُ مَنْ يُكْسَى) وفي الرواية السابقة: "وأول الخلائق يكسى" (يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِبْرَاهِيمُ ﵇) قال القرطبيّ في "شرح مسلم": يجوز أن يراد بالخلائق مَن عدا نبينا ﷺ ، فلم يدخل في عموم خطابه نفسه. وتعقّبه تلميذه القرطبيّ أيضًا في "التذكرة"، فقال: هذا حسنٌ لولا ما جاء من حديث عليّ ﵁ يعني الذي أخرجه ابن المبارك في "الزهد" من طريق عبد اللَّه بن الحارث، عن عليّ ﵁، قال: "أول من يكسى يوم القيامة خليل اللَّه ﵇ قبطيتين، ثم يكسى محمد ﷺ حلة حبرة عن يمين العرش". قال الحافظ: كذا أورده مختصرًا موقوفا، وأخرجه أبو يعلى مطوّلاً مرفوعًا، وأخرج البيهقيّ من طريق ابن عباس نحو حديث الباب، وزاد: "أول من يكسى من الجنة إبراهيم، يكسى حلة من الجنة، ويؤتى بكرسيّ، فيطرح عن يمين العرش، ثم يؤتى بي، فأُكسى حلة من الجنة، لا يقوم لها البشر، ثم يؤتى بكرسيّ، فيطرح على ساق العرش، وهو عن يمين العرش". وفي مرسل عبيد بن عمير، عند جعفر الفريابيّ: "يحشر الناس حفاة عراة، فيقول اللَّه تعالى: ألا أرى خليلي عريانا؟ فيكسى إبراهيم ثوبا أبيض، فهو أول من يكسى". وقد أخرج ابن منده من حديث حَيدَة -بفتح المهملة، وسكون التحتانيّة- رفعه، قال: "أول من يكسى إبراهيم، يقول اللَّه: اكسوا خليلي؛ ليعلم الناس اليوم فضله عليهم".

стр. 11094

قيل: الحكمة في كون إبراهيم أول من يكسى أنه جرّد حين ألقي في النار. وقيل: لأنه أول من سن التستر بالسراويل. وقيل: إنه لم يكن في الأرض أخوف للَّه منه، فعجلت له الكسوة أمانًا له؛ ليطمئنّ قلبه. وهذا اختيار الحليميّ، والأول اختيار القرطبيّ. ولا يلزم من تخصيص إبراهيم ﵇ بأنه أول من يكسى أن يكون أفضل من نبينا محمد ﷺ مطلقًا، لأن المفضول قد يمتاز بشيء، يُخصّ به، ولا يلزم منه الفضيلة المطلقة. قال الحافظ: يحتمل أن يكون نبينا ﷺ خرج من قبره في ثيابه التي مات فيها، والحلّة التي يكساها حينئذ، من حلل الجنة خلعة الكرامة بقرينة إجلاسه على الكرسيّ عند ساق العرش، فتكون أولية إبراهيم في الكسوة بالنسبة لبقية الخلق. انتهى. وأجاب الحليميّ بأنه يكسى أولا، ثم يكسى نبينا ﷺ على ظاهر الخبر، لكن حلة نبينا ﷺ أعلى، وأكمل، فتجبر نفاستها ما فات من الأولية، واللَّه أعلم انتهى (١). [تنبيه]: قال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وقد ثبت لإبراهيم ﵇ أوّليّات أخرى كثيرة: منها أنه أول من ضاف الضيف، وقصّ الشارب، واختتن، ورأى الشيب، وغير ذلك، وقد أتيت على ذلك بأدلته في كتابي "إقامة الدلائل على معرفة الأوائل" انتهى (٢). (وَإِنَّهُ سَيُؤْتَى) بالبناء للمفعول (قَالَ أَبو دَاوُدَ: "يُجَاءُ" -وَقَالَ وَهْبٌ، وَوَكِيعٌ-: "سَيُؤْتَى بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي، فَيُؤْخَذُ بهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ) أي إلى جهة النار، ووقع ذلك في حديث أبي هريرة ﵁ عند البخاريّ من طريق عطاء بن يسار، عنه، ولفظه: "فإذا زمرة، حتى إذا عرفتهم، خرج رجل من بيني وبينهم، فقال: هلمّ، فقلت: إلى أين؟ قال: إلى النار … " الحديث. وبين في حديث أنس ﵁ الموضع، ولفظه: ليردنّ عليّ ناس، من أصحابي الحوض، حتى إذا عرفتهم اختُلِجوا دوني … " الحديث. وفي حديث سهل: "ليردَنّ عليّ أقوام أعرفهم، ويعرفونني، ثم يحال بيني وبينهم". وفي حديث أبي هريرة عند مسلم: "ليُذادَنّ رجال عن حوضي، كما يُذاد البعير الضّالّ، أناديهمِ: ألا هلمّ". (فَأقُولُ: رَبِّ أَصْحَابِي) وفي رواية أحمد: "فلأقولنّ" وفي رواية للبخاريّ: "أصيحابي" بالتصغير، وهو خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هؤلاء (فَيُقَالُ) وفي رواية

стр. 11095

البخاريّ: "فيقول اللَّه (إِنَّكَ لَا تَدْرِي، مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ) وفي حديث أبي هريرة عند البخاريّ الذي تقدّم الإشارة إليه: "إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى"، وزاد في رواية سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة أيضًا: "فيقول: إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، فيقال: إنهم قد بدّلوا بعدك، فاقول: سُحْقًا سحقًا". أي بُعْدًا بعدًا، والتأكيد للمبالغة. وفي حديث أبي سعيد عند البخاريّ أيضًا: "فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقًا لمن غير بعدي". وزاد في رواية عطاء بن يسار: "فلا أراه يَخلُص منهم إلا مثل هَمَل النعَم (١). ولأحمد، والطبرانيّ، من حديث أبي بكر ﵁، رفعه: "ليردنّ عليّ الحوض رجال ممن صحبني، ورآني". وسنده حسن. وللطبرانيّ من حديث أبي الدرداء ﵁ نحوه، وزاد: "فقلت: يا رسول اللَّه، ادع اللَّه أن لا يجعلني منهم، قال: لست منهم". وسنده حسن. (فَأقُولُ، كَمَا قَالَ: الْعَبْدُ الصَّالِحُ) يعني عيسى ابن مريم ﵉ ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الْآيَةَ، فَيُقَالُ: إِنَّ هَؤُلَاءِ، لَمْ يَزَالُوا مُدْبِرِينَ" قَالَ: أَبُو دَاوُد: "مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابهِمْ، مُنْذُ فَارَقْتَهُم") قال في "الفتح": قال الفربريّ: ذُكِر عن أبي عبد الله البخاريّ، عن قبيصة، قال: هم الذين ارتدوا على عهد أبي بكر، فقاتلهم أبو بكر. يعني حتى قُتلوا، وماتوا على الكفر. وقد وصله الإسماعيليّ من وجه آخر عن قبيصة. وقال الخطابيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: لم يرتدّ من الصحابة أحد، وإنما ارتدّ قوم من جُفَاة الأعراب، ممن لا نُصْرة له في الدين، وذلك لا يوجب قدحا في الصحابة المشهورين، ويدلّ قوله: "أصيحابي" بالتصغير على قلة عددهم. وقال غيره: قيل: هو على ظاهره من الكفر، والمراد بأمتي أمة الدعوة، لا أمة الإجابة، ورُجّح بقوله في حديث أبي هريرة ﵁: "فأقول: بُعدًا لهم، وسحقًا"، ويؤيده كونهم خفي عليه حالهم، ولو كانوا من أمة الإجابة لعرف حالهم بكون أعمالهم تُعرض عليه. قال الحافظ: وهذا يردّه قوله في حديث أنس ﵁: "حتى إذا عرفتهم"، وكذا في حديث أبي هريرة ﵁. وقال ابن التين: يحتمل أن يكونوا منافقين، أو مرتكبي الكبائر. وقيل: هم قوم من جفاة الأعراب، دخلوا في الإسلام، رغبة، ورهبة. وقال الداوديّ: لا يمتنع دخول أصحاب الكبائر، والبدع في ذلك. وقال النوويّ: قيل: هم المنافقون، والمرتدّون، فيجوز أن يحشروا بالغرّة والتحجيل؛ لكونهم من جملة الأمة، فيناديهم من أجل السيما التي عليهم،

стр. 11096

فيقال: إنهم بدّلوا بعدك، أي لم يموتوا على ظاهر ما فارقتهم عليه. قال عياض وغيره: وعلى هذا فيذهب عنهم الغرّة والتحجيل، ويطفأ نورهم. وقيل: لا يلزم أن تكون عليهم السيما، بل يناديهم؛ لما كان يعرف من إسلامهم. وقيل: هم أصحاب الكبائر، والبدع الذين ماتوا على الإسلام، وعلى هذا فلا يقطع بدخول هؤلاء النار؛ لجواز أن يُذادوا عن الحوض أوّلا؛ عقوبة لهم، ثم يرحموا، ولا يمتنع أن يكون لهم غرّة، وتحجيل، فعرفهم بالسيما، سواء كانوا في زمنه أو بعده. ورجّح عياض، والباجيّ، وغيرهما ما قال قبيصة، راوي الخبر أنهم من ارتدّ بعد ﷺ ، ولا يلزم من معرفته لهم أن يكون عليهم السيما؛ لأنها كرامة، يظهر بها عمل المسلم، والمرتدّ قد حبط عمله، فقد يكون عرفهم بأعيانهم، لا بصفاتهم، باعتبار ما كانوا عليه قبل ارتدادهم، ولا يبعد أن يدخل في ذلك أيضًا من كان في زمنه من المنافقين. وقد ثبت في حديث الشفاعة في "الصحيح": "وتبقى هذه الأمة، فيها منافقوها"، فدلّ على أنهم يُحشرون مع المؤمنين، فيعرف أعيانهم، ولو لم تكن لهم تلك السيما، فمن عرف صورته ناداه، مستصحبًا لحاله التي فارقه عليها في الدنيا. وأما دخول أصحاب البدع في ذلك، فاستُبعد؛ لتعبيره في الخبر بقوله: "أصحابي"، وأصحاب البدع إنما حدثوا بعده. وأجيب بحمل الصحبة على المعنى الأعمّ. واستُبعد أيضًا أنه لا يقال للمسلم، ولو كان مبتدعًا: "سُحْقًا". وأجيب بأنه لا يمتنع أن يقال ذلك لمن علم أنه قُضي عليه بالتعذيب على معصية، ثم ينجو بالشفاعة، فيكون قوله: "سحقًا" تسليما لأمر اللَّه، مع بقاء الرجاء، وكذا القول في أصحاب الكبائر. وقال البيضاويّ: ليس قوله: "مرتدّين" نصّا في كونهم ارتدّوا عن الإسلام، بل يحتمل ذلك، ويحتمل أن يراد أنهم عصاة المؤمنين المرتدّون عن الاستقامة، يبدّلون الأعمال الصالحة بالسيئة انتهى. وقد أخرج أبو يعلى بسند حسن، عن أبي سعيد ﵁: "سمعت رسول اللَّه ﷺ فذكر حديثًا، فقال-: "يا أيها الناس إني فرطكم على الحوض، فإذا جئتم قال رجل: يا رسول اللَّه أنا فلان ابن فلان، وقال آخر: أنا فلان ابن فلان ابن فلان، فأقول: أما النسب، فقد عرفته، ولعلكم أحدثتم بعدي، وارتددتم". ولأحمد، والبزّار نحوه من حديث جابر ﵁. ذكره في "الفتح" (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما تقدّم من تفسير قبيصة -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-

стр. 11097

أولى بحمل الحديث عليه؛ لكونه راوي الخبر، كما رجحه عياض، والباجيّ -رحمهما اللَّه تعالى-، لكن لا يبعد أن يدخل فيهم كل من كان على شاكلتهم في كلّ عصر، ومصر، من أصحاب الانحرافات التي تخالف هديه ﷺ . اللَّهم ارزقنا التمسّك بسنّة نبيك ﷺ ،، اللَّهمّ أحينا عليها، وأمتنا عليها، وابعثنا عليها، واجعلنا من خيار أهلها أحياء وأمواتًا، برحمتك يا أرحم الراحمين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ١١٩/ ٢٠٨٧ و ١١٨/ ٢٠٨١ و ٢٠٨٢ - وفي "الكبرى" ١١٩/ ٢٢١٤ و ١١٨/ ٢٢٠٨ و ٢٢٠٩. وأخرجه (خ) ٣٣٤٩ و ٣٤٤٧ و ٤٦٢٥ و ٤٦٢٦ و ٤٧٤٠ و ٨٥٢٤ و ٦٥٢٥ و ٦٥٢٦ (م) ٢٨٦٠ (ت) ٢٤٢٣ و ٣١٦٧ (أحمد) ١٩١٦ و ١٩٥١ و ٢٠٢٨ و ٢٠٩٧ و ٢٢٨١ (الدارمي) ٢٠٨٨ و ١٨٧٠. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو بيان أول من يُكسى يوم القيامة، وهو خليل اللَّه تعالى إبراهيم ﵇. ومنها: إثبات الحشر في القيامة. ومنها: بيان شدّة الأمر في ذلك اليوم، حيث إن الخلائق يحشرون عُرَاة، حُفّاة، غُرْلاً. ومنها: بيان عظمة قدرة اللَّه تعالى، حيث إنه يعيد الخلق كما بدأه على الصفة التي بدأهم عليها في الدنيا. ومنها: إثبات معجزة للنبي ﷺ حيث إنه أعلمه اللَّه تعالى بما سيقع من بعض أصحابه، من الإدبار على أعقابهم، وقد تقدم أنهم قليلون، وأن غالبهم من جفاة الأعراب، ولم يُعرف ذلك لأفاضل الصحابة ﵃. ومنها: أنه لا ينبغي للإنسان أن يتساهل في الابتداع في الدين، وإن كان شيئا يسيرًا، لأنه يضرّ بدينه، لأن الدين قد أكمله اللَّه تعالى، فجميع أنواع المحدثات تنافيه، فالإحداث في الدين مهما كان نوعه من أخطر مهالك الإنسان، فيجب الحذر منه. ومنها: أن الذي ينفع الإنسان هو لزوم سنة النبي ﷺ وهديه، فمن لم يتبعه ﷺ لا تنفعه صحبته، ولا معرفته، بل إذا عرف انحرافه عن سنته تبرّأ منه، وقال له: "سُحْقًا سُحْقًا"، ولا يَرِد حوضه، بل يُذاد عنه، ويطرد، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨]، "اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا، وعذاب الآخرة". توفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، إنك أنت أرحم الراحمين. واللَّه تعالى

стр. 11098

أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٢٠ - فِي التَّعْزِيَةِ قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: غرض المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- بهذا الباب بيان مشروعية التعزية على المصيبة. و"التعزية": مصدر عزّى يُعزّي: إذا قال: أحسن اللَّه عزَاءَك، أي رزقك الصبر الحسن. والعَزَاء، مثل سلام، اسم من ذلك، مثل سلّم سلامًا، وكلّم كلامًا، وتعزّى هو: تصبّر، وشعاره أن يقول: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. أفاده الفيّوميّ. والله تعالى أعلم بالصواب. ٢٠٨٨ - أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ زَيْدٍ -وَهُوَ ابْنُ أَبِي الزَّرْقَاءِ- قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَيْسَرَةَ, قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ قُرَّةَ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ , إِذَا جَلَسَ يَجْلِسُ إِلَيْهِ نَفَرٌ, مِنْ أَصْحَابِهِ, وَفِيهِمْ رَجُلٌ, لَهُ ابْنٌ صَغِيرٌ, يَأْتِيهِ, مِنْ خَلْفِ ظَهْرِهِ, فَيُقْعِدُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ, فَهَلَكَ, فَامْتَنَعَ الرَّجُلُ, أَنْ يَحْضُرَ الْحَلْقَةَ, لِذِكْرِ ابْنِهِ, فَحَزِنَ عَلَيْهِ, فَفَقَدَهُ النَّبِيُّ ﷺ , فَقَالَ: «مَا لِي, لَا أَرَى فُلَانًا؟». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ, بُنَيَّهُ الَّذِي رَأَيْتَهُ هَلَكَ, فَلَقِيَهُ النَّبِيُّ ﷺ , فَسَأَلَهُ عَنْ بُنَيِّهِ, فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ هَلَكَ, فَعَزَّاهُ عَلَيْهِ, ثُمَّ قَالَ: «يَا فُلَانُ, أَيُّمَا كَانَ أَحَبُّ إِلَيْكَ, أَنْ تَمَتَّعَ بِهِ عُمْرَكَ, أَوْ لَا تَأْتِى غَدًا إِلَى بَابٍ, مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ, إِلاَّ وَجَدْتَهُ قَدْ سَبَقَكَ إِلَيْهِ, يَفْتَحُهُ لَكَ؟» , قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ, بَلْ يَسْبِقُنِي إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ, فَيَفْتَحُهَا لِي, لَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ, قَالَ: «فَذَاكَ لَكَ». رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (هارون بن زيد بن أبي الزَّرْقَاء) التّغْلبيّ، أبو محمد الموصليّ، نزيل الرَّمْلَة، صدوق [١٠] ٥٠/ ٨٥١. ٢ - (أبوه) زيد بن أبي الزرقاء يزيدَ الموصليّ، نزيل الرملة، أبو محمد، ثقة [٩] ٥٠/ ٨٥١. ٣ - (خالد بن ميسرة) الطُّفَاويّ، أبو حاتم البصريّ العطّار، صالح الحديث [٧]. روى عن معاوية بن قرّة، وعطاء الخراسانيّ. وعنه زيد بن أبي الزرقاء، وأبو عامر

стр. 11099

العقديّ، ومعن بن عيسى القزّاز، ومُعاذ بن هانىء، وغيرهم. قال ابن عديّ: هو عندي صدوق، فإني لم أر له حديثًا منكرًا. وذكره ابن حبّان في "الثقات". انفرد به أبو داود، والمصنّف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٤ - (معاوية بن قُرّة) بن إياس، أبو إياس البصريّ، ثقة عالم [٣] ٢٢/ ١٨٧٠. ٥ - (أبوه) قرّة بن إياس بن هلال بن رياب المزنيّ، صحابيّ نزل البصرة ﵁ ٢٢/ ١٨٧٠. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم موثقون. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير هارون وأبيه فموصِلِيَّانِ، ثم رَمْلِيّان. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث عن قرة بن إياس المزنيّ ﵁ أنه (قال: كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ ، إِذَا جَلَسَ يَجْلِسُ إِلَيْهِ نَفَرٌ) بفتحتين: جماعة من الرجال، من ثلاثة إلى عشرة، وقيل: إلى سبعة، ولا يقال: نفر فيما زاد على العشرة (مِنْ أَصْحَابهِ) متعلّق بصفة لـ"نفر" (وَفِيهِمْ رَجُلٌ) لم أر من سمّاه (لَهُ ابْنٌ صَغِيرٌ، يَأْتِيهِ، مِنْ خَلْفِ ظَهْرِهِ) أي يأتي ذلك الصغير أباه من ورائه (فَيُقْعِدُهُ) بضم حرف المضارعة، من الإقعاد (بَيْنَ يَدَيْهِ) أي يجلسه الرجل أمامه (فَهَلَكَ) أي مات ذلك الصغير (فَامْتَنَعَ الرَّجُلُ، أَنْ يَحْضُرَ الْحَلْقَةَ) أي ترك والد ذلك الصغير الميت حضور حلقة النبيّ ﷺ (لِذِكْرِ ابْنِهِ) يحتمل أن يكون المعنى أنه ترك الحضور لأجل اشتغال قلبه بابنه، وشدة حزنه عليه. ويحتمل أنه ترك الحضور؛ لخوفه أن يتجدّد حزنه إذا حضر تلك الحلقة، حيث يتذكر مكان ابنه الميت. واللَّه تعالى أعلم (فَحَزِنَ عَلَيْهِ) عطف على "امتنع"، من عطف السبب على المسبب (فَفَقَدَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ: "مَالِي، لَا أَرَى فُلَانًا؟ "، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بُنَيُّهُ) بضم الموحّدة، وفتح النون تصغير ابن، أي ابنُهُ الصغير وهو مرفوع على الابتداء، وخبره جملة "هلك" (الَّذِي رَأَيتَهُ هَلَكَ) أي مات، يعنون أن سبب غيبته عن مجلسه ﷺ موت ولده (فَلَقِيَهُ النَّبِيُّ، فَسَأَلَهُ عَنْ بُنَيِّهِ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ هَلَكَ، فَعَزَّاهُ عَلَيْهِ) أي دعا له: بأن يحسن اللَّه عَزَاءه، أي يرزقه الصبر على مصيبته. وهذا محلّ الترجمة، لأنه يدلّ على استحباب التعزية عند المصيبة (ثُمَّ قَالَ: "يَا فُلَانُ، أَيُّمَا كَانَ أَحَبُّ إِلَيْكَ) "أيّ" استفهامية مبتدأ، مضاف إلى "ما" الموصولة، وجملة "كان" صلتها. ويحتمل أن تكون "كان" زائدة، و"أحبّ" بالرفع صلة "ما" حذف منه صدر الصلة، وتقديره: هو أحبّ إليك (أَنْ تَمَتَّعَ بِهِ) بحذف إحدى التاءين، وأصله تتمتّع

стр. 11100

والمصدر المؤول بدل من "أيّ" (عُمُرَكَ) أي مدة حياتك بأن يطول عمره معك (أَوْ لَا تَأْتِيَ) بتقدير "أن" المصدرية بدلالة ما قبلها عليها (غَدًا إِلَى بَابٍ، مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، إِلَّا وَجَدْتَهُ قَدْ سَبَقَكَ إِلَيْهِ) أي إلى الباب (يَفْتَحُهُ لَكَ؟) في محل نصب على الحال، أي حال كونه فاتحًا لك (قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، بَلْ يَسْبقُنِي إِلَى بَاب الْجَنَّةِ، فَيَفْتَحُهَا) أي الجنّة (لِي، لَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ) اللام لام الابتداء (قَالَ) ﷺ (فَذَاكَ لَكَ) أي كونه يسبقك إلى باب الجنة، فيفتحه لك ثابت لك. وفي رواية أحمد: "فقال رجل يا رسول اللَّه! له خاصّة، أم لكلنا؟ قال: "بل لكلكم". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث قرة بن إياس المزني - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: وهو من أفراد المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، لم يخرجه من أصحاب الأصول غيره، أخرجه هنا -١٢٠/ ٢٥٨٨ و ٢٢/ ١٨٧٠ - وفي "الكبرى" ٢٢/ ١٩٩٧. وأخرجه (أحمد) ١٥١٦٨ و ١٩٨٥٢. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو مشروعية التعزية في المصيبة. ومنها: فضل موت الولد الصغير، وأنه يكون سببا في دخول والديه الجنّة. ومنها: استحباب إحضار الأولاد الصغار مجالس العلم والذكر. ومنها: ما كان عليه النبي ﷺ من مكارم الأخلاق، وحسن المعاشرة، حيث كان يتفقّد أصحابه، إذا غابوا عن مجلسه، فكان كما وصفه اللَّه تعالى بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]. ومنها: أنه ينبغي للعاقل أن يختار نعيم الآخرة على نعيم الدنيا، فيصبر على فقد أحب الأشياء، من الأولاد، وغيرهم؛ احتسابا، وإيثارًا للأجر العظيم المرتّب عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: في مذاهب العلماء في حكم التعزية: قال الموفّق ابن قُدَامة -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- عند قول الخرقيّ: ويستحبّ تعزية أهل الميت: ما خلاصته: لا نعلم في هذه المسألة خلافا، إلا أن الثوريّ قال: لا تستحبّ التعزية بعد الدفن؛ لأنه خاتمة أمره. قال: ويستحبّ تعزية جميع أهل المصيبة، كبارهم، وصغارهم، ويخصّ خيارَهم، والمنظورَ إليه من بينهم؛ ليستنّ به غيره، وذا الضعف منهم عن تحمل
следующие страницы →