فيقال: إنهم بدّلوا بعدك، أي لم يموتوا على ظاهر ما فارقتهم عليه. قال عياض وغيره: وعلى هذا فيذهب عنهم الغرّة والتحجيل، ويطفأ نورهم. وقيل: لا يلزم أن تكون عليهم السيما، بل يناديهم؛ لما كان يعرف من إسلامهم. وقيل: هم أصحاب الكبائر، والبدع الذين ماتوا على الإسلام، وعلى هذا فلا يقطع بدخول هؤلاء النار؛ لجواز أن يُذادوا عن الحوض أوّلا؛ عقوبة لهم، ثم يرحموا، ولا يمتنع أن يكون لهم غرّة، وتحجيل، فعرفهم بالسيما، سواء كانوا في زمنه أو بعده. ورجّح عياض، والباجيّ، وغيرهما ما قال قبيصة، راوي الخبر أنهم من ارتدّ بعد ﷺ ، ولا يلزم من معرفته لهم أن يكون عليهم السيما؛ لأنها كرامة، يظهر بها عمل المسلم، والمرتدّ قد حبط عمله، فقد يكون عرفهم بأعيانهم، لا بصفاتهم، باعتبار ما كانوا عليه قبل ارتدادهم، ولا يبعد أن يدخل في ذلك أيضًا من كان في زمنه من المنافقين. وقد ثبت في حديث الشفاعة في "الصحيح": "وتبقى هذه الأمة، فيها منافقوها"، فدلّ على أنهم يُحشرون مع المؤمنين، فيعرف أعيانهم، ولو لم تكن لهم تلك السيما، فمن عرف صورته ناداه، مستصحبًا لحاله التي فارقه عليها في الدنيا.
وأما دخول أصحاب البدع في ذلك، فاستُبعد؛ لتعبيره في الخبر بقوله: "أصحابي"، وأصحاب البدع إنما حدثوا بعده. وأجيب بحمل الصحبة على المعنى الأعمّ. واستُبعد أيضًا أنه لا يقال للمسلم، ولو كان مبتدعًا: "سُحْقًا". وأجيب بأنه لا يمتنع أن يقال ذلك لمن علم أنه قُضي عليه بالتعذيب على معصية، ثم ينجو بالشفاعة، فيكون قوله: "سحقًا" تسليما لأمر اللَّه، مع بقاء الرجاء، وكذا القول في أصحاب الكبائر.
وقال البيضاويّ: ليس قوله: "مرتدّين" نصّا في كونهم ارتدّوا عن الإسلام، بل يحتمل ذلك، ويحتمل أن يراد أنهم عصاة المؤمنين المرتدّون عن الاستقامة، يبدّلون الأعمال الصالحة بالسيئة انتهى.
وقد أخرج أبو يعلى بسند حسن، عن أبي سعيد ﵁: "سمعت رسول اللَّه ﷺ فذكر حديثًا، فقال-: "يا أيها الناس إني فرطكم على الحوض، فإذا جئتم قال رجل: يا رسول اللَّه أنا فلان ابن فلان، وقال آخر: أنا فلان ابن فلان ابن فلان، فأقول: أما النسب، فقد عرفته، ولعلكم أحدثتم بعدي، وارتددتم". ولأحمد، والبزّار نحوه من حديث جابر ﵁. ذكره في "الفتح" (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما تقدّم من تفسير قبيصة -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-
стр. 11097
أولى بحمل الحديث عليه؛ لكونه راوي الخبر، كما رجحه عياض، والباجيّ -رحمهما اللَّه تعالى-، لكن لا يبعد أن يدخل فيهم كل من كان على شاكلتهم في كلّ عصر، ومصر، من أصحاب الانحرافات التي تخالف هديه ﷺ .
اللَّهم ارزقنا التمسّك بسنّة نبيك ﷺ ،، اللَّهمّ أحينا عليها، وأمتنا عليها، وابعثنا عليها، واجعلنا من خيار أهلها أحياء وأمواتًا، برحمتك يا أرحم الراحمين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ١١٩/ ٢٠٨٧ و ١١٨/ ٢٠٨١ و ٢٠٨٢ - وفي "الكبرى" ١١٩/ ٢٢١٤ و ١١٨/ ٢٢٠٨ و ٢٢٠٩. وأخرجه (خ) ٣٣٤٩ و ٣٤٤٧ و ٤٦٢٥ و ٤٦٢٦ و ٤٧٤٠ و ٨٥٢٤ و ٦٥٢٥ و ٦٥٢٦ (م) ٢٨٦٠ (ت) ٢٤٢٣ و ٣١٦٧ (أحمد) ١٩١٦ و ١٩٥١ و ٢٠٢٨ و ٢٠٩٧ و ٢٢٨١ (الدارمي) ٢٠٨٨ و ١٨٧٠. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو بيان أول من يُكسى يوم القيامة، وهو خليل اللَّه تعالى إبراهيم ﵇. ومنها: إثبات الحشر في القيامة. ومنها: بيان شدّة الأمر في ذلك اليوم، حيث إن الخلائق يحشرون عُرَاة، حُفّاة، غُرْلاً. ومنها: بيان عظمة قدرة اللَّه تعالى، حيث إنه يعيد الخلق كما بدأه على الصفة التي بدأهم عليها في الدنيا. ومنها: إثبات معجزة للنبي ﷺ حيث إنه أعلمه اللَّه تعالى بما سيقع من بعض أصحابه، من الإدبار على أعقابهم، وقد تقدم أنهم قليلون، وأن غالبهم من جفاة الأعراب، ولم يُعرف ذلك لأفاضل الصحابة ﵃. ومنها: أنه لا ينبغي للإنسان أن يتساهل في الابتداع في الدين، وإن كان شيئا يسيرًا، لأنه يضرّ بدينه، لأن الدين قد أكمله اللَّه تعالى، فجميع أنواع المحدثات تنافيه، فالإحداث في الدين مهما كان نوعه من أخطر مهالك الإنسان، فيجب الحذر منه. ومنها: أن الذي ينفع الإنسان هو لزوم سنة النبي ﷺ وهديه، فمن لم يتبعه ﷺ لا تنفعه صحبته، ولا معرفته، بل إذا عرف انحرافه عن سنته تبرّأ منه، وقال له: "سُحْقًا سُحْقًا"، ولا يَرِد حوضه، بل يُذاد عنه، ويطرد، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨]، "اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا، وعذاب الآخرة". توفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، إنك أنت أرحم الراحمين. واللَّه تعالى
стр. 11098
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١٢٠ - فِي التَّعْزِيَةِ
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: غرض المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- بهذا الباب بيان مشروعية التعزية على المصيبة.
و"التعزية": مصدر عزّى يُعزّي: إذا قال: أحسن اللَّه عزَاءَك، أي رزقك الصبر الحسن. والعَزَاء، مثل سلام، اسم من ذلك، مثل سلّم سلامًا، وكلّم كلامًا، وتعزّى هو: تصبّر، وشعاره أن يقول: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. أفاده الفيّوميّ. والله تعالى أعلم بالصواب.
٢٠٨٨ - أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ زَيْدٍ -وَهُوَ ابْنُ أَبِي الزَّرْقَاءِ- قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَيْسَرَةَ, قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ قُرَّةَ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ , إِذَا جَلَسَ يَجْلِسُ إِلَيْهِ نَفَرٌ, مِنْ أَصْحَابِهِ, وَفِيهِمْ رَجُلٌ, لَهُ ابْنٌ صَغِيرٌ, يَأْتِيهِ, مِنْ خَلْفِ ظَهْرِهِ, فَيُقْعِدُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ, فَهَلَكَ, فَامْتَنَعَ الرَّجُلُ, أَنْ يَحْضُرَ الْحَلْقَةَ, لِذِكْرِ ابْنِهِ, فَحَزِنَ عَلَيْهِ, فَفَقَدَهُ النَّبِيُّ ﷺ , فَقَالَ: «مَا لِي, لَا أَرَى فُلَانًا؟». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ, بُنَيَّهُ الَّذِي رَأَيْتَهُ هَلَكَ, فَلَقِيَهُ النَّبِيُّ ﷺ , فَسَأَلَهُ عَنْ بُنَيِّهِ, فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ هَلَكَ, فَعَزَّاهُ عَلَيْهِ, ثُمَّ قَالَ: «يَا فُلَانُ, أَيُّمَا كَانَ أَحَبُّ إِلَيْكَ, أَنْ تَمَتَّعَ بِهِ عُمْرَكَ, أَوْ لَا تَأْتِى غَدًا إِلَى بَابٍ, مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ, إِلاَّ وَجَدْتَهُ قَدْ سَبَقَكَ إِلَيْهِ, يَفْتَحُهُ لَكَ؟» , قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ, بَلْ يَسْبِقُنِي إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ, فَيَفْتَحُهَا لِي, لَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ, قَالَ: «فَذَاكَ لَكَ».
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هارون بن زيد بن أبي الزَّرْقَاء) التّغْلبيّ، أبو محمد الموصليّ، نزيل الرَّمْلَة، صدوق [١٠] ٥٠/ ٨٥١.
٢ - (أبوه) زيد بن أبي الزرقاء يزيدَ الموصليّ، نزيل الرملة، أبو محمد، ثقة [٩] ٥٠/ ٨٥١.
٣ - (خالد بن ميسرة) الطُّفَاويّ، أبو حاتم البصريّ العطّار، صالح الحديث [٧]. روى عن معاوية بن قرّة، وعطاء الخراسانيّ. وعنه زيد بن أبي الزرقاء، وأبو عامر
стр. 11099
العقديّ، ومعن بن عيسى القزّاز، ومُعاذ بن هانىء، وغيرهم. قال ابن عديّ: هو عندي صدوق، فإني لم أر له حديثًا منكرًا. وذكره ابن حبّان في "الثقات". انفرد به أبو داود، والمصنّف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٤ - (معاوية بن قُرّة) بن إياس، أبو إياس البصريّ، ثقة عالم [٣] ٢٢/ ١٨٧٠.
٥ - (أبوه) قرّة بن إياس بن هلال بن رياب المزنيّ، صحابيّ نزل البصرة ﵁ ٢٢/ ١٨٧٠. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم موثقون. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير هارون وأبيه فموصِلِيَّانِ، ثم رَمْلِيّان. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن قرة بن إياس المزنيّ ﵁ أنه (قال: كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ ، إِذَا جَلَسَ يَجْلِسُ إِلَيْهِ نَفَرٌ) بفتحتين: جماعة من الرجال، من ثلاثة إلى عشرة، وقيل: إلى سبعة، ولا يقال: نفر فيما زاد على العشرة (مِنْ أَصْحَابهِ) متعلّق بصفة لـ"نفر" (وَفِيهِمْ رَجُلٌ) لم أر من سمّاه (لَهُ ابْنٌ صَغِيرٌ، يَأْتِيهِ، مِنْ خَلْفِ ظَهْرِهِ) أي يأتي ذلك الصغير أباه من ورائه (فَيُقْعِدُهُ) بضم حرف المضارعة، من الإقعاد (بَيْنَ يَدَيْهِ) أي يجلسه الرجل أمامه (فَهَلَكَ) أي مات ذلك الصغير (فَامْتَنَعَ الرَّجُلُ، أَنْ يَحْضُرَ الْحَلْقَةَ) أي ترك والد ذلك الصغير الميت حضور حلقة النبيّ ﷺ (لِذِكْرِ ابْنِهِ) يحتمل أن يكون المعنى أنه ترك الحضور لأجل اشتغال قلبه بابنه، وشدة حزنه عليه. ويحتمل أنه ترك الحضور؛ لخوفه أن يتجدّد حزنه إذا حضر تلك الحلقة، حيث يتذكر مكان ابنه الميت. واللَّه تعالى أعلم (فَحَزِنَ عَلَيْهِ) عطف على "امتنع"، من عطف السبب على المسبب (فَفَقَدَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ: "مَالِي، لَا أَرَى فُلَانًا؟ "، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بُنَيُّهُ) بضم الموحّدة، وفتح النون تصغير ابن، أي ابنُهُ الصغير وهو مرفوع على الابتداء، وخبره جملة "هلك" (الَّذِي رَأَيتَهُ هَلَكَ) أي مات، يعنون أن سبب غيبته عن مجلسه ﷺ موت ولده (فَلَقِيَهُ النَّبِيُّ، فَسَأَلَهُ عَنْ بُنَيِّهِ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ هَلَكَ، فَعَزَّاهُ عَلَيْهِ) أي دعا له: بأن يحسن اللَّه عَزَاءه، أي يرزقه الصبر على مصيبته.
وهذا محلّ الترجمة، لأنه يدلّ على استحباب التعزية عند المصيبة (ثُمَّ قَالَ: "يَا فُلَانُ، أَيُّمَا كَانَ أَحَبُّ إِلَيْكَ) "أيّ" استفهامية مبتدأ، مضاف إلى "ما" الموصولة، وجملة "كان" صلتها. ويحتمل أن تكون "كان" زائدة، و"أحبّ" بالرفع صلة "ما" حذف منه صدر الصلة، وتقديره: هو أحبّ إليك (أَنْ تَمَتَّعَ بِهِ) بحذف إحدى التاءين، وأصله تتمتّع
стр. 11100
والمصدر المؤول بدل من "أيّ" (عُمُرَكَ) أي مدة حياتك بأن يطول عمره معك (أَوْ لَا تَأْتِيَ) بتقدير "أن" المصدرية بدلالة ما قبلها عليها (غَدًا إِلَى بَابٍ، مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، إِلَّا وَجَدْتَهُ قَدْ سَبَقَكَ إِلَيْهِ) أي إلى الباب (يَفْتَحُهُ لَكَ؟) في محل نصب على الحال، أي حال كونه فاتحًا لك (قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، بَلْ يَسْبقُنِي إِلَى بَاب الْجَنَّةِ، فَيَفْتَحُهَا) أي الجنّة (لِي، لَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ) اللام لام الابتداء (قَالَ) ﷺ (فَذَاكَ لَكَ) أي كونه يسبقك إلى باب الجنة، فيفتحه لك ثابت لك. وفي رواية أحمد: "فقال رجل يا رسول اللَّه! له خاصّة، أم لكلنا؟ قال: "بل لكلكم". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث قرة بن إياس المزني - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
وهو من أفراد المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، لم يخرجه من أصحاب الأصول غيره، أخرجه هنا -١٢٠/ ٢٥٨٨ و ٢٢/ ١٨٧٠ - وفي "الكبرى" ٢٢/ ١٩٩٧. وأخرجه (أحمد) ١٥١٦٨ و ١٩٨٥٢. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو مشروعية التعزية في المصيبة. ومنها: فضل موت الولد الصغير، وأنه يكون سببا في دخول والديه الجنّة. ومنها: استحباب إحضار الأولاد الصغار مجالس العلم والذكر. ومنها: ما كان عليه النبي ﷺ من مكارم الأخلاق، وحسن المعاشرة، حيث كان يتفقّد أصحابه، إذا غابوا عن مجلسه، فكان كما وصفه اللَّه تعالى بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]. ومنها: أنه ينبغي للعاقل أن يختار نعيم الآخرة على نعيم الدنيا، فيصبر على فقد أحب الأشياء، من الأولاد، وغيرهم؛ احتسابا، وإيثارًا للأجر العظيم المرتّب عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: في مذاهب العلماء في حكم التعزية:
قال الموفّق ابن قُدَامة -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- عند قول الخرقيّ: ويستحبّ تعزية أهل الميت: ما خلاصته: لا نعلم في هذه المسألة خلافا، إلا أن الثوريّ قال: لا تستحبّ التعزية بعد الدفن؛ لأنه خاتمة أمره. قال: ويستحبّ تعزية جميع أهل المصيبة، كبارهم، وصغارهم، ويخصّ خيارَهم، والمنظورَ إليه من بينهم؛ ليستنّ به غيره، وذا الضعف منهم عن تحمل
стр. 11101
المصيبة؛ لحاجته إليها، ولا يعزّي الرجلُ الأجنبيُّ شوابّ النساء؛ مخافة الفتنة.
قال: ولا نعلم في التعزية شيئا محدودًا، إلا أنه يُروَى أن النبيّ ﷺ عزّى رجلا، فقال: "رحمك اللَّه، وآجرك". رواه الإمام أحمد (١). وعزّى أحمد أبا طالب، فوقف على باب المسجد، فقال: أعظم اللَّه أجركم، وأحسن عزاءكم. انتهى المقصود من كلام ابن قدامة -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (٢).
وذكر النووي قريبًا مما ذكره ابن قدامة، وقال: وأما وقت التعزية، فقال أصحابنا: هو من حين الموت إلى حين الدفن، وبعد الدفن إلى ثلاثة أيام. قال الشيخ أبو محمد الجوينيّ: وهذه المدة للتقريب، لا للتحديد. قال أصحابنا: وتكره التعزية بعد الثلاثة؛ لأن المقصود منها تسكين قلب المصاب، والغالب سكونه بعد الثلاثة، فلا يجدّد له الحزن، هذا هو الصحيح المعروف، وجزم السرخسي في "الأمالي" بأنه يعزّى قبل الدفن، وبعده في رجوعه إلى منزله، ولا يعزى بعد وصوله منزله. وحكى إمام الحرمين وجها أن لا أمد للتعزية، بل يبقى بعد ثلاثة أيام، وإن طال الزمان؛ لأن الغرض الدعاء، والحمل على الصبر، والنهي عن الجزع، وذلك يحصل مع طول الزمان، وبهذا الوجه قطع أبو العباس بن القاصّ في "التلخيص"، وأنكره عليه القفال في "شرحه"، وغيره من الأصحاب، والمذهب أنه يعزّى، ولا يعزى بعد ثلاثة، وبه قطع الجمهور، قال المتولي وغيره: إلا إذا كان أحدهما غائبًا، فلم يحضر الدفن إلا بعد الثلاثة، فإنه يعزيه. انتهى المقصود من كلام النووي -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (٣).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما قاله إمام الحرمين -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- هو الصواب، لأنه لم يثبت دليل في التحديد بوقت معين.
والحاصل أن التعزية مستحبّة، لحديث الباب، ولكن لم يثبت في فضل من عزّى ثواب معين؛ لأن الأحاديث الواردة في ذلك لا تصحّ.
فمنها: ما أخرجه ابن ماجه عن عبد اللَّه بن محمد بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جدّه، عن النبيّ ﷺ ، قال: "ما من مؤمن يُعزّي أخاه بمصيبة، إلا كساه اللَّه من حُلَل الكرامة يوم القيامة". وفي إسناده قيس أبو عمارة الفارسيّ، قال البخاريّ: فيه نظر. وذكره العقيلي في "الضعفاء"، وأورد له حديثين، أحدهما هذا،
стр. 11102
وقال: لا يُتابع عليهما.
ومنها: ما أخرجه الترمذيّ، وابن ماجه عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ ، قال: "من عزى مصابًا، فله مثل أجره". وفيه انقطاع، وإنما وصله علي بن عاصم، وأنكروا عليه ذلك، وله شواهد، كلها أشدّ ضعفا منه (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة:
أحسن ما يُعزّى به المصاب ما أخرجه الشيخان، وغيرهما عن أسامة بن زيد ﵄، قال: أرسَلَت إحدى بنات النبي ﷺ إليه تدعوه، وتخبره أن صبيّا لها، أو ابنا في الموت، فقال للرسول: "ارجع، فأخبرها أن للَّه ما أخذ، وله ما أعطى، وكلّ شيء عنده بأجل مسمّى، فمرها، فلتصبر، ولتحتسب".
فينبغي لمن أراد التعزية أن يعزي به اقتداء بالنبيّ ﷺ . وأما ما يُذكر في كتب الفقهاء من صِيَغ التعزية المختلفة، مثل قولهم: يستحب أن يدعو للمصاب وللميت، فيقول: أعظم اللَّه أجرك، وأحسن عزاءك. وإن عزْى مسلما بكافر قال: أعظم اللَّه أجرك، وأحسن عزاءك، وإن عزى كافرا بمسلم قال: أحسن اللَّه عزاءك، وغفر لميتك، وإن عزى كافرا بكافر قال: أخلف اللَّه عليك، ولا نقص عددك.
فليس له دليل في المرفوع، بل هو من استحساناتهم، ولا سيما الأخير، فإنه، وإن عللوه بأن فيه تكثيرا للْجِزْيَة، فلا ينبغي أن يُدعَى به، لأن فيه دعاء ببقاء الكافر، ودوام كفره، كما قاله النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-.
وكذا ما استحبه بعضهم من التعزية بما عزّى به الخضر (٢) عند موت النبيّ ﷺ ، وهو ما رواه الشافعي في "مسنده" عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جدّه، قال: لما توفي رسول اللَّه ﷺ وجاءت التعزية، سمعوا قائلا يقول: "إن في اللَّه عزاء من كلّ مصيبة، وخلفا من كلّ هالك، ودركًا من كل فائت، فبالله، فثقوا، وإياه فارجوا،، فإن المصاب من حرم الثواب".
فلا يثبت، لأن في سنده القاسم بن عبد اللَّه بن عمر، وقد كذبه أحمد، ويحيى،
стр. 11103
وقال أحمد أيضا: كان يضع الحديث. وروه الحاكم في "مستدركه" عن أنس ﵁ وزاد: فقال أبو بكر، وعمر: "هذا الخضر"، وفي إسناده عباد بن عبد الصمد، وهو ضعيف جدًا.
[تنبيه]: قال الشافعيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "الأمّ": وأكره المآتم، وهي الجماعة، وإن لم يكن لهم بكاء؛ فإن ذلك مما يجدّد الحزن، ويكلّف المؤنة انتهى.
وقال صاحب "المهذّب": ويكره الجلوس للتعزية؛ لأن ذلك محدث، والمحدث بدعة انتهى.
قال النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: ما حاصله: معنى الجلوس لها أن يجتمع أهل الميت في بيت، فيقصدهم من أراد التعزية، بل ينبغي لهم أن ينصرفوا في حوائجهم، فمن صادفهم عزّاهم، ولا فرق بين الرجال، والنساء في كراهة الجلوس لها. انتهى بتصرف (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: إن أراد صاحب "المهذب" بقوله: "محدث" أن الجلوس على الكيفية التي اعتادها الناس عند المصيبة، من اجتماعهم عند صاحب العزاء، وأكلهم الطعام، ونحو ذلك، وتكرار ذلك ثلاثة أيام، أو أكثر على حسب عادات الناس، وربما اشتمل اجتماعهم على منكرات، من اختلاط الرجال بالنساء، ونحو ذلك، مما يأباه الشرع الشريف، فهذا حقّ، لا شكّ فيه.
وإن أراد أن مطلق الجلوس محدث، فغير صحيح؛ لأنه ثبت الجلوس عن النبي ﷺ ، فقد أخرج الشيخان، وغيرهما عن عائشة ﵂، قالت: لما جاء النبي ﷺ قتل ابن حارثة، وجعفر، وابن رواحة ﵃ جلس يُعرف فيه الحزن .... " الحديث. وقد ترجم الإمام البخاريّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- لهذا الحديث بقوله: "باب من جلس عند المصيبة، يعرف فيه الحزن" انتهى.
والحاصل أن الجلوس للمصيبة مشروع إذا كان بوقار وسكينة، وليس فيه شيء من المنكرات، بل حتى يخفّ عنه الحزن. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
стр. 11104
١٢١ - نَوْعٌ آخَرُ
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أن غرض المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- من هذا بيان أن حديث أبي هريرة ﵁ المذكور هنا مما له تعلّق بأبواب الجنائز، فهو نوع من أنواعها، وليس المراد أنه نوع من الباب الذي قبله؛ إذ ليس فيه ذكر للتعزية أصلاً.
والحاصل أنه يستفاد من الحديث المذكور حكم من الأحكام المتعلّقة بالجنائز، وهو استحباب طلب الدفن بالأرض المقدّسة، فصنيعه -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- هذا قريب من صنيع الإمام البخاريّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، في "صحيحه"، حيث قال: "باب من أحبّ الدّفنَ في الأرض المقدًسة، أو نحوها". واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٠٨٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ, عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ, عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: "أُرْسِلَ مَلَكُ الْمَوْتِ, إِلَى مُوسَى ﵇, فَلَمَّا جَاءَهُ صَكَّهُ, فَفَقَأَ عَيْنَهُ, فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ, فَقَالَ: أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ, لَا يُرِيدُ الْمَوْتَ, فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ عَيْنَهُ, وَقَالَ: ارْجِعْ إِلَيْهِ, فَقُلْ لَهُ: يَضَعُ يَدَهُ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ, فَلَهُ بِكُلِّ مَا غَطَّتْ يَدُهُ, بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَةٌ, قَالَ: أَيْ رَبِّ, ثُمَّ مَهْ, قَالَ: الْمَوْتُ. قَالَ: فَالآنَ, فَسَأَلَ اللَّهَ , أَنْ يُدْنِيَهُ مِنَ الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ, رَمْيَةً بِحَجَرٍ".
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّ, لأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ, إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ, تَحْتَ الْكَثِيبِ الأَحْمَرِ».
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن رافع) القشيريّ النيسابوريّ، ثقة عابد [١١] ٩٢/ ١١٤.
٢ - (عبد الرزّاق) بن همّام بن نافع الحميريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقة حافظ شهير، عمي في آخره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] ٦١/ ٧٧.
٣ - (معمر) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقة ثبت فاضل، من كبار [٧] ١٠/ ١٠.
٤ - (ابن طاووس) عبد اللَّه، أبو محمد اليمانيّ، ثقة فاضل عابد [٦] ٤٩/ ٩٥٨.
٥ - (طاووس) بن كيسان الْحِمْيَريّ مولاهم، الفارسيّ، أبو عبد الرحمن اليمانيّ، يقال: اسمه ذكوان، وطاوس لقبه، ثقة فقيه فاضل [٣] ٢٧/ ٣١.
٦ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 11105
لطائف هذا الاسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل باليمنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وفيه أبو هريرة ﵁ رأس المكثرين من الرواية. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنه (قَالَ) كذا عند المصنف موقوفًا، وكذا أورده البخاريّ في "الجنائز" عن محمود بن غيلان، عن عبد الرزّاق، موقوفا، وكذا في "أحاديث الأنبياء"، ثم قال: وعن معمر، عن همام بن منبّه، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ نحوه، وقد ساقه مسلم من طريق معمر بالسندين كذلك. قاله في "الفتح" (١).
وقال في موضع آخر أورده موقوفًا من طريق طاوس، عنه، ثم عقّبه برواية همام عنه مرفوعًا، وهذا هو المشهور عن عبد الرزاق، وقد رفع محمد بن يحيى عنه رواية طاووس أيضًا، أخرجه الإسماعيليّ انتهى (٢).
فثبت بهذا أن الحديث صح عن أبي هريرة ﵁ موقوفًا، ومرفوعا، إلا أن الموقوف في مثل هذا له حكم المرفوع، لأنه لا مجال للرأي فيه. واللَّه تعالى أعلم.
(أُرْسِلَ مَلَكُ الْمَوْتِ) قال الحافظ ابن كثير -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: لم يصرّح باسم ملك الموت في القرآن، ولا في الأحاديث الصحاح انتهى (٣). وقال السيوطيّ ﵀ تعالى: لم يرد تسميتُهُ في حديث مرفوع، وورد عن وهب منبّه أن اسمه عزرائيل. رواه أبو الشيخ في "العظمة" انتهى (٤) (إِلَى مُوسَى ﵇، فَلَمَّا جَاءَهُ صَكَّهُ) أي ضربه على عينه. وفي رواية همّام، عن أبي هريرة، عند أحمد، ومسلم: "جاء ملك الموت إلى موسى، فقال: أجب ربّك، فلطم موسى عين ملك الموت، ففقأها". وفي رواية عمّار ابن أبي عمّار، عن أبي هريرة، عند أحمد، والطبريّ: "كان ملك الموت يأتي الناس عيانا، فأتى موسى، فلطمه، ففقأ عينه" (فَفَقَأَ عَيْنَهُ) بالهمز: أي شقّها (فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ، فَقَالَ: أَرْسلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ، لَا يُرِيدُ الْمَوْتَ) زاد في رواية همام: وقد فقأ عيني، فردّ اللَّه عليه عينه". وفي رواية عمّار: "فقال: يا ربّ، عبدك موسى، فقأ عيني، ولولا كرامته
стр. 11106
عليك، لشققت عليه"، وسيأتي الجواب عن استشكال من استشكل بأنه كيف جاز لموسى أن يفقأ عين ملك الموت في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى.
(فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ عَيْنَهُ، وَقَالَ: ارْجِعْ إِلَيْهِ، فَقُلْ لَهُ: يَضَعُ يَدَهُ) وفي رواية: "فقل له: الحياةَ تريد؟ فإن كنت تريد الحياة، فضع يدك" (عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ) "المتن": بفتح الميم، وسكون المثناة: هو الظهر. وقيل: مكتنف الصّلْب بين العَصَب واللحم، وفي رواية: "على جلد ثور". و"الثور": بفتح المثلثة، وسكون الواو: الذكر من البقر، والأنثى ثورة، والجمع ثِيرَان، وأثوارٌ، وثِيَرَةٌ، مثالُ عِنَبَة. قاله في "المصباح" (فَلَهُ بِكُلِّ مَا غَطَّتْ يَدُهُ، بِكُلِّ شَعْرَة سَنَةٌ) الجارّ والمجرور بدل من الجار والمجرور الأول (قَالَ: أَيّ رَبِّ) "أَي" بفتح الهمزة، وسكون الياء: حرف نداء (ثُمَّ مَهْ) "ثمّ" بضم المثلثة، وتشديد الميم: حرف عطف، و"مه": هي "ما" الاستفهامية، لَمّا وُقف عليها زادوا عليها هاء السكت، أي ثُمّ ماذا يكون، أحياة، أم موت؟ (قَالَ) اللَّه تعالى (الْمَوْتُ) وفي رواية البخاريّ: "ثم الموت" (قَالَ) موسى ﵇ (فَالْآنَ) أي أريده الآن، و"الآن " ظرف زمان، للوقت الحاضر الذي أنت فيه، ولزم دخول الألف واللام، وليس ذلك للتعريف؛ لأن التعريف تمييز للمشتركات، وليس لهذا ما يَشرَكه في معناه. قال ابن السرّاج: ليس هو آنَ وآنَ حتى يدخل عليه الألف واللام للتعريف، بل وُضع مع الألف واللام للوقت الحاضر، مثلُ "الثُّرَيّا"، و"الذي"، ونحو ذلك.
قال القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وهذا يدلّ على أن موسى ﵇ لما خيّره اللَّه بين الحياة والموت، اختار الموت شوقًا للقاء اللَّه ، واستعجالاً لما له عند اللَّه، من الثواب والخير، واستراحة من الدنيا المكدرة، وهذا كما خُيّر نبيّنا ﷺ عند موته، فقال: "اللَّهم الرفيقَ الأعلى". انتهى (١).
(فَسَأَلَ اللَهَ ، أَنْ يُدْنِيَهُ) أي يقرّبه (مِنَ الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ) هي بيت المقدس (رَمْيَة بِحَجَرٍ) وفي نسخة: "رمية الحجر"، وهو منصوب أنه ظرف مكان: أي مقدار رَمْية بحجر.
قال القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وإنما سأل موسى ﵇ ذلك تبرّكا بالكون في تلك البقعة، وليدفن مع من فيها من الأنبياء، والأولياء؛ ولأنها أرض المحشر، على ما قيل انتهى.
وقال بعض العلماء: وإنما سأل الإدناء، ولم يسأل نفس بيت المقدس؛ لأنه خاف
стр. 11107
أن يكون قبره مشهورًا عندهم، فيفتتن به الناس انتهى (١).
وقال في "الفتح": قوله: "رمية بحجر": أي قدر رمية حجر، أي أدنني من مكان إلى الأرض المقدّسة هذا القَدْرَ، أو أدنني إليها حتى يكون بيني وبينها هذا القدر. قال في "الفتح": وهذا الثاني أظهر، وعليه شرح ابن بطّال وغيره، وأما الأول، وإن رجحه بعضهم، فليس بجيّد، إذ لو كان كذلك لطلب الدنوّ أكثر من ذلك.
ويحتمل أن يكون سرّ ذلك أن اللَّه لما منع بني إسرائيل من دخول بيت المقدس، وتركهم في التيه أربعين سنة، إلى أن أفناهم الموت، فلم يدخل الأرض المقدّسة مع يوشع إلا أولادهم، ولم يدخلها معه أحد، ممن امتنع أوّلا أن يدخلها، ومات هارون، ثم موسى ﵉ قبل فتح الأرض المقدّسة على الصحيح، فكان موسى لما لم يتهيّأ له دخولها لغلبة الجبارين عليها، ولا يمكن نبشه بعد ذلك ليُنقَل إليها، طلب القرب منها؛ لأن ما قارب الشيء يعطى حكمه.
وقيل: إنما طلب موسى الدنوّ؛ لأن النبيّ يُدفن حيث يموت، ولا يُنقل. وفيه نظر؛ لأن موسى قد نَقَلَ يوسف ﵉ معه، لما خرج من مصر. وهذا كله على الاحتمال الثاني. واللَّه أعلم انتهى (٢).
(قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّ") بفتح المثلثة: اسم إشارة يُشار به إلى المكان البعيد: أي هنالك (لأَرَيْتُكُم قَبرَهُ، إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ) وفي رواية للبخاريّ: "من جانب الطريق" (تَحْتَ الْكَثِيبِ الأَحْمَرِ") وفي رواية للبخاريّ: "عند الكثيب الأحمر". و"الكّثِيب" بفتح الكاف، وبالمثلّثة، آخره موحّدة، بوزن عَظيم: الرمل المجتمع. وقيل: الكثيب" قطعة من الرمل مستطيلة، محدودبة، سمي بذلك؛ لأنه انصبّ في مكان، فاجتمع فيه.
وزعم ابن حبّان أن قبر موسى ﵇ بمدين، بين المدينة وبيت المقدس. وتعقّبه الضياء بأن أرض مدين ليست قريبة من المدينة، ولا من بيت المقدس.
وزاد في رواية عمار بن أبي عمار، عن أبي هريرة ﵁ عند أحمد (٣): "فشمه شمة، فقبض روحه، وكان يأتي الناس خُفْيَة". يعني بعد ذلك. ويقال: إنه أتاه بتُفّاحة من الجنّة، فشمها، فمات. وذكر السُّدّيّ في "تفسيره" أن موسى لما دنت وفاته مشى هو ويوشع بن نون، فجاءت ريح سوداء، فظنّ يوشع أنها الساعة، فالتزم موسى، فانسلّ
стр. 11108
موسى من تحت القيمص، فأقبل يوشع بالقميص. وعن وهب بن منبّه: أن الملائكة تولوا دفنه، والصلاة عليه، وأنه عاش مائة وعشرين سنة. ذكره في "الفتح" (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ١٢١/ ٢٠٨٩. وأخرجه (خ) ١٣٣٩ و ٣٤٠٧ (م) ٢٣٧٢ (أحمد) ٧٥٩٠ و ٢٧٣٨٩ و ٨٤٠٢ و ١٠٥٢١. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- على الوجه الذي قرّرته أولَ الباب، وهو استحباب الدفن بالأرض المقدسة، وكما بوّب له الإمام البخاريّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، في "صحيحه"، فقال: "باب من أحبّ الدفن في الأرض المقدّسة، أو نحوها".
قال الزين ابن المنيّر: المراد بقوله: "أو نحوها" بقيّة ما تشدّ إليه الرحال، من الحرمين. وكذلك ما يمكن من مدافن الأنبياء، وقبور الشهداء، والأولياء؛ تيمنا بالجوار، وتعرّضًا للرحمة النازلة عليهم؛ اقتداء بموسى ﵇ انتهى.
قال: وهذا بناء على أن المطلوب القرب من الأنبياء الذين دُفنوا ببيت المقدس، وهو الذي رجحه عياض. وقال المهلّب: إنما طلب ذلك؛ ليقرب عليه المشي إلى المحشر، وتسقط عنه المشقّة الحاصلة لمن بعد عنه انتهى (٢).
ومنها: أن الملك يتمثّل بصورة الإنسان، وقد جاء ذلك في عدّة أحاديث.
ومنها: أنه استُدِلَّ بقوله: "فله بكل شعرة سنة" على أن الذي بقي من الدنيا كثير جدّا؛ لأن عدد الشعر الذي تغطيه اليد قدر المدة التي بين موسى، وبعثة نبيّنا ﷺ مرتين، أو أكثر.
ومنها: أن قبر موسى ﵇ غير معروف، قال بعضهم: وليس في قبور الأنبياء ما هو محقق سوى قبر نبينا ﷺ . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: قال الإمام ابن خزيمة -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث، وقالوا: إن كان موسى عرفه -يعني ملك الموت- فقد استخفّ به، وإن لم
стр. 11109
يعرفه، فكيف لم يقتصّ له من فقء عينه؟.
والجواب أن اللَّه لم يبعث ملك الموت لموسى، وهو يريد قبض روحه حينئذ، وإنما بعثه إليه اختبارا، وإنما لطم موسى ملك الموت؛ لأنه رآه آدميّا، دخل داره بغير إذنه، ولم يعلم أنه ملك الموت، وقد أباح الشارع فقء عين الناظر في دار المسلم بغير إذنه.
وقد جاءت الملائكة إلى إبراهيم، وإلى لوط في صورة آدميين، فلم يعرفاهم ابتداء، ولو عرفهم إبراهيم، لما قدّم لهم المأكول، ولو عرفهم لوط لما خاف عليهم من قومه.
وعلى تقدير أن يكون عرفه، فمن أين لهذا المبتاع مشروعية القصاص بين الملائكة والبشر؟ ثم من أين له أن ملك الموت طلب القصاص من موسى، فلم يقتصّ له؟.
ولخّص الخطّابيّ كلام ابن خزيمة، وزاد فيه أن موسى دفعه عن نفسه؛ لما رُكِّبَ فيه من الحدّة، وأن اللَّه ردّ عين الملك؛ ليعلم موسى أنه جاءه من عند اللَّه؛ فلهذا استسلم حينئذ.
وقال النوويّ: لا يمتنع أن يأذن لموسى في هذه اللطمة امتحانًا للملوم.
وقال غيره: إنما لطمه؛ لأنه جاء لقبض روحه من قبل أن يخبره؛ لما ثبت أنه لم يُقبض نبيّ حتى يُخيّر؛ فلهذا لما أخبره في المرّة الثانية أذعن.
قيل: وهذا أولى الأقوال بالصواب. وفيه نظر؛ لأنه يعود أصل السؤال، فيقال: لم أقدم ملك الموت على قبض نبيّ اللَّه، وأخلّ بالشرط؟ فيعود الجواب أن ذلك وقع امتحانًا.
وزعم بعضهم أن معنى "فَقَأَ عينه" أي أبطل حجته. وهو مردود بقوله في نفس الحديث "فردّ اللَّه عينه"، وبقوله: "لطمه لطمة"، وغير ذلك من قرائن السياق.
وقال ابن قتيبة: إنما فقأ موسى العين التي هي تخييل، وتمثيل، وليست عينا حقيقة، ومعنى "ردّ اللَّه عينه ": أي أعاده إلى خلقته الحقيقية. وقيل: على ظاهره، ورد اللَّه إلى ملك الموت عينه البشرية؛ ليرجع إلى موسى على كمال الصورة، فيكون ذلك أقوى في اعتباره. وهذا هو المعتمد.
وجوّز ابن عقيل أن يكون موسى أذن له أن يفعل ذلك بملك الموت، وأمر ملك الموت بالصبر على ذلك، كما أمر موسى بالصبر على ما يصنع الخضر انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أرجح التاويلات عندي ما قاله الإمام ابن خزيمة، ونقل عن غيره من المتقدمين، -رحمهم اللَّه تعالى-:
стр. 11110
وحاصله: أن موسى ﵇ لم يعلم أنه ملك الموت، بل ظنه آدميا قصد نفسه، فدافعه عنها، فأدت المدافعة إلى فقء عينه، لا أنه قصدها بالفقء، وهذا الجواب اختاره المازريّ، والقاضي عياض، -رحمهم اللَّه تعالى- كما ذكره النووي في "شرح مسلم"، قالوا: وليس في الحديث تصريح بأنه فقء عينه.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قولهم: ليس في الحديث الخ فيه نظر، فقد صُرّح في رواية المصنّف بقوله: "ففقأ عينه". فتبصّر.
قال: فإن قيل: فقد اعترف موسى حين جاءه ثانيًا بأنه ملك الموت، فالجواب أنه أتاه في المرة الثانية بعلامة، علم بها أنه ملك الموت، فاستسلم، بخلاف المرّة الأولى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وأما ما ذكره القرطبيّ من الاعتراض على هذا القول، بأن موسى لو لم يعرف ملك الموت لما صدق قول الملك: "يا رب أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت".
فالجواب عنه: أن الملك قال ذلك ظنّا منه أن موسى ﵇ عرفه، ثم لم يستجب له، لا أنه عرفه حقيقة، ثم صكّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة: أنه استُدِلّ بهذا الحديث على جواز الزيادة في العمر، وهذا الاستدلال واضح، وهو الصواب من القولين في المسألة.
قال شيخ الإسلام ابن تيميّة -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وأما نقص العمر وزيادته، فمن الناس من يقول: إنه لا يجوز بحال، ويَحمِل ما ورد على زيادة البركة. والصواب أن يحصل نقص وزيادة عما كُتب في صحف الملائكة، وأما علم اللَّه تعالى القديم فلا يتغيّر، وأما اللوح المحفوظ، فهل يُغير ما فيه؟ على قولين، وعلى هذا يتفق ما ورد في هذا الباب من النصوص انتهى كلامه -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو كلام نفيس جدًّا (٢).
وقد حقق المسألة العلامة الشوكاني -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وكتب فيه رسالة مفيدة جدّا، ورجح القول بأن العمر يزيد، وينقص حقيقةً، أحببت إيرادها هنا تتميما للفائدة ونشرًا للفائدة: قال -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-:
اعلم: أنه قد طال الكلام من أهل العلم على ما يظهر في بادئ الرأي من التعارض بين هذه الآيات الشريفة، وهي قوله : ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ [المنافقون: ١١]، وقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [النحل: ٦١] وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٤٥]. فقد قيل:
стр. 11111
إنها معارضة لقوله : ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩]، وقوله : ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الأنعام: ٢].
فذهب الجمهور إلى أن العمر لا يزيد، ولا ينقص؛ استدلالاً بالآيات المتقدّمة، والأحاديث الصحيحة، كحديث ابن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "إن أحدكم يُجمع خلقه في أربعين يومًا، ثم يكون عَلَقَة مثل ذلك، ثم يكون مُضْغَة مثل ذلك، ثم يبعث اللَّه ملكا، ويؤمر بأربع كلمات، ويقال له، اكتب عمله، ورزقه، وأجله، وشقيّ، أو سعيد". وهو في "الصحيحين" وغيرهما، وما ورد في معناه من الأحاديث الصحيحة.
وأجابوا عن قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩]. إن المعنى يمحو ما يشاء، من الشرائع، والفرائض بنسخه، ويبدله، ويثبت ما يشاء، فلا ينسخه، وجملة الناسخ والمنسوخ عنده في أم الكتاب.
ولا يخفى أن هذا تخصيص لعموم الآية لغير مخصّص، وأيضا: يقال لهم: إن القلم قد جرى بما هو كائن إلى يوم القيامة، كما في الأحاديث الصحيحة، ومن جملة ذلك الشرائع، والفرائض، فهي مثل العمر، إذا جاز فيها المحو والإثبات جاز في العمر المحو والإثبات.
وقيل: المراد محو ما في ديوان الحفظة مما ليس بحسنة، ولا سيئة؛ لأنه مأمورون بكتب كل ما ينطق به الإنسان. ويجاب عنه بمثل الجواب الأول.
وقيل: يغفر اللَّه ما يشاء من ذنوب عباده، ويترك ما يشاء، فلا يغفره. ويجاب عنه بمثل الجواب السابق.
وقيل: يمحو ما يشاء من القرون، كقوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ﴾ [يس: ٣١]، وكقوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ [المؤمنون: ٣١]، فيمحو قرنا، ويثبت قرنا. ويجاب عنه بمثل ما تقدّم.
وقيل: هو الذي يعمل بطاعة اللَّه ما يعمل، ثم يعمل بمعصيته، فيموت على ضلالة، فهذا الذي يمحو اللَّه، والذي يكتبه الرجل يعمل بمعصية اللَّه، ثم يتوب، فيمحو اللَّه من ديوان السيآت، ويثبته في ديوان الحسنات.
وقيل: يمحو ما يشاء يعني الدنيا، ويثبت الآخرة. وقيل: غير ذلك.
وكل هذه الأقوال دعاوي مجرّدة، ولا شك أن آية المحو والإثبات عامّة لكلّ ما يشاؤه سبحانه، فلا يجوز تخصيصها إلا لمخصص، وإلا كان من التقوّل على اللَّه بما لم يقل، وقد توعّد اللَّه سبحانه على ذلك، وقرنه بالشرك، فقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ
стр. 11112
مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣].
وأجابوا على قوله تعالى: ﴿مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [فاطر: ١١]. بأن المراد بالمعمّر طويل العمر، والمراد بالناقص قصير العمر.
وفي هذا نظر؛ لأن الضمير في قوله: ﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ يعود إلى قوله ﴿مِنْ مُعَمَّرٍ﴾. والمعنى على هذا: وما يعمر من معمر، ولا ينقص من عمر ذلك المعمر إلا في كتاب. هذا ظاهر معنى النظم القرآنيّ، وأما التأويل المذكور، فإنما يتمّ على إرجاع الضمير المذكور إلى غير ما هو المرجع في الآية، وذلك لا وجود له في النظم.
وقيل: إن معنى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ﴾ ما يستقبله من عمر، ومعنى ﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ ما قد مضى. وهذا أيضًا خلاف الظاهر، وأن هذا ليس نقصا من نفس العمر، والنقص يقابل الزيادة، وههنا جعله مقابلا للبقيّة من العمر، وليس ذلك بصحيح.
وقيل: المعنى ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ﴾ من بلغ من الهرم، ﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ من عمر آخر غير الذي بلغ من الهرم. ويجاب عنه بما تقدّم. وقيل: المعمر من بلغ عمره ستين سنة، والمنقوص من عمره من يموت قبل الستين. وقيل: غير ذلك، من التأويلات التي يردّها اللفظ، ويدفعها.
وأجابوا عن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ بأن المراد بالأجل الأول الهرم، والثاني الوفاة. وقيل: الأول ما قد نقص من عمر كلّ أحد. والثاني ما بقي من عمر كلّ أحد. وقيل: الأول أجل الموت، والثاني أجل الحياة في الآخرة. وقيل: المراد بالأول ما بين خلق الإنسان إلى موته، والثاني ما بين موته إلى بعثه. وقيل: غير ذلك، مما فيه مخالفة للنظم القرآنيّ.
وذهب جمع من أهل العلم إلى أن العمر يزيد، وينقص، واستدلوا بالآيات المتقدّمة، فإن المحو والإثبات عامان، يتناولان العمر، والرزق، أو السعادة، والشقاوة، وغير ذلك. وقد ثبت عن جماعة من السلف، من الصحابة ومن بعدهم أنهم كانوا يقولون في أدعيتهم: اللَّهم إن كنت كتبتني في أهل السعادة، فأثبتني فيهم، وإن كنت كتبتني في أهل الشقاوة فامحني، وأثبتني في أهل السعادة. ولم يأت القائلون بمنع زيادة العمر ونقصانه، ونحو ذلك بما يخصص هذا العموم، وهكذا تدلّ على هذا المعنى الآية الثانية، فإن معناها أنه لا يطول عمر إنسان، ولا ينقص إلا وهو في كتاب، أي لوح المحفوظ، وهكذا يدلّ قوله : ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ أن للإنسان أجلين، يقضي اللَّه له بما يشاء منهما، من زيادة، أو نقص، ويدلّ على هذا
стр. 11113
أيضًا ما في "الصحيحين"، وغيرهما، عن جماعة من الصحابة، عن النبي ﷺ أن صلة الرحم تزيد في العمر. وفي لفظ في "الصحيحين ": "من أحبّ أن يبسط له في رزقه، وأن يُنسأ له في أثره، فليصل رحمه". وفي لفظ: "من أحبّ أن يمدّ اللَّه في عمره وأجله، ويبسط له في رزقه، فليتق اللَّه، وليصل رحمه". وفي لفظ: "صلة الرحم، وحسن الخلق يعمّران الديار، ويزيدان من الأعمار".
ومن أعظم الأدلة ما ورد في الكتاب العزيز من الأمر بالدعاء؛ لقوله : ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]، وقوله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢] وقوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]، وقوله: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢]. والأحاديث المشتملة على الأمر بالدعاء متواترة، وفيها: إن الدعاء يدفع البلاء، ويردّ القضاء، وفيها: أن الدعاء هو العبادة، وفيها: الاستعاذة من سوء القضاء، كما ثبت عنه ﷺ في "الصحيح" أنه قال: "اللَّهم إني أعوذ بك من سوء القضاء"، كما ثبت عنه ﷺ أنه قال: "وقني شرّ ما قضيت".
فإذا كان الدعاء لا يفيد شيئًا، وأنه ليس للإنسان إلا ما قد سبق في القضاء الأزليّ، لكان أمره بالدعاء لغوًا، لا فائدة فيه، وكذلك وعده بالإجابة للعباد الداعين، وهكذا تكون استعاذة النبيّ ﷺ لغوًا لا فائدة فيها، وهكذا يكون ما ثبت في الأحاديث المتواترة المشتملة على الأمر بالدعاء، وأنه عبادة لغوًا، لا فائدة فيها، وهكذا يكون قوله ﷺ : "وقني شرّ ما قضيت" لغوًا، لا فائدة فيه، وهكذا يكون أمره ﷺ بالتداوي، وأن اللَّه ما أنزل من داء، إلا وله دواء لغوًا لا فائدة فيه، مع ثبوت الأمر بالتداوي في "الصحيح" عنه ﷺ .
فإن قلت: فعلى ما يحمل ما تقدّم من الآيات القاضية بأن الأجل لا يتقدم، ولا يتأخّر، ومن ذلك قوله : ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾؟.
قلت: قد أجاب عن ذلك بعض السلف، وتبعه الخلف، بأن هذه الآية مختضة بالأجل إذا حضر، فإنه لا يتقدّم، ولا يتأخّر عند حضوره.
ويؤيد هذا أنها مقيدة بذلك، فإنه قال: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾، ومثل هذا التقييد المذكور في هذه الآية قوله : ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾، وقوله : ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ﴾، فقد أمكن الجمع بحمل هذه الآيات على هذا المعنى، فماذا حضر الأجل لم يتقدّم، ولم يتأخر، وفي غير هذه الحالة يجوز أن يؤخّره
стр. 11114
اللَّه بالدعاء، أو بصلة الرحم، أو بفعل الخير. ويجوز أن يقدم لمن عمل شرّا، أو قطع ما أمر اللَّه به أن يوصل، وانتهك محارم اللَّه .
فإن قلت: فعلى ما يحمِل قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد: ٢٢] وقوله: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: ٥١]، وكذلك معنى ما ورد في هذا المعنى؟
قلت: هذه أوّلاً معارضة بمثلها، مثل قوله : ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]، ومثل ذلك ما ثبت في الحديث الصحيح القدسيّ: "يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد اللَّه، ومن وجد غير ذلك، فلا يلومنّ إلا نفسه".
وثانيًا: بإمكان الجمع بحمل مثل قوله: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾، وقوله : ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ على عدم التسبب من العبد بأسباب الخير من الدعاء، وسائر أفعال الخير، وحمل ما ورد فيما يخالف ذلك على وقوع التسبب بأسباب الشرّ المقضية لأمان المكروه (١)، ووقوعه على العبد.
وهكذا يكون الجمع بين الأحاديث الواردة لسبق القضاء، وأنه فرغ من تقدير الأجل، والرزق، والسعادة، والشقاة، وبين الأحاديث الواردة في صلة الرحم بأنها تزيد في العمر، وكذلك سائر أعمال الخير، وكذلك الدعاء.
فتحمل أحاديث الفراغ من القضاء على عدم تسبب العبد بأسباب الخير والشرّ، وتحمل الأحاديث الأخرى على أنه قد وقع من العبد التسبب بأسباب الخير، من الدعاء، والعمل الصالح، وصلة الرحم، أو التسبب بأسباب الشرّ.
فإن قلت: قد تقرر بالأدلّة من الكتاب بأن علمه أزليّ، وأنه قد سبق في كلّ شيء، ولا يصحّ أن يقدّر وقوع غير ما قد علمه، وإلا انقلب العلم جهلاً، وذلك لا يجوز إجماعًا.
قلت: علمه سابق أزليّ، وقد علم ما يكون قبل أن يكون، ولا خلاف بين أهل الحقّ من هذه الحيثية، ولكنه غلا قوم، فأبطلوا فائدة ما ثبت في الكتاب والسنة من الإرشاد إلى الدعاء، وأنه يردّ القضاء، وما ورد في الاستعاذة منه ﷺ من سوء القضاء، وما ورد من أنه يصاب العبد بذنبه، وبما كسبت يده، ونحو ذلك، مما جاءت به الأدلة الصحيحة، وجعلوه مخالفا لسبق العلم، ورتبوا عليه أنه يلزم انقلاب العلم جهلاً،
стр. 11115
والأمر أوسع من هذا، والذي جاءنا بسبق العلم، وأزليته هو الذي جاءنا بالأمر بالدعاء، والأمر بالدواء، وعرَّفَنا بأن صلة الرحم، تزيد في العمر، وأن الأعمال الصالحة تزيد أيضًا، وأن أعمال الشرّ تمحقه، وأن العبد يصاب بذنبه، كما يصل إلى الخير، ويندفع عنه الشرّ بكسب الخير، والتلبّس بأسبابه، فإعمال بعض ما ورد في الكتاب والسنّة، وإهمال البعض الآخر، ليس كما ينبغي، فإن الكلّ ثابت عن اللَّه ، وعن رسول اللَّه ﷺ ، والكلّ شريعة واضحة، وطريق مستقيمة، والجمع ممكن بما لا إهمال فيه لشيء من الأدلّة.
وبيانه أن اللَّه تعالى كما علم أن العبد يكون له في العمر كذا، ومن الرزق كذا، وهو من أهل السعادة، أو الشقاوة، قد علم أنه إذا وصل رحمه زاد له في الأجل كذا، وبسط له من الرزق كذا، وصار في أهل السعادة بعد أن كان في أهل الشقاوة، أو صار في أهل الشقاوة بعد أن كان في أهل السعادة، وهكذا قد علم ما ينقصه للعبد، كما علم أنه إذا دعاه، واستغاث به، والتجأ إليه عنه الشرّ (١)، ودفع عنه المكروه، وليس في ذلك خلف، ولا مخالفة لسبق العلم، بل فيه تقييد المسببات بأسبابها، كما قدّر الشبع والرّيّ بالأكل والشرب، وقدّر الولد بالوطء، وقدر حصول الزرع بالبذر، فهل يقول عاقل بأن ربط المسببات بأسبابها يقتضي خلاف العلم السابق، أو يُنافيه بوجه من الوجوه.
ولو قال قائل: أنا لا آكل، ولا أشرب، بل أنتظر القضاء، فإن قدر اللَّه ذلك كان، وإن لم يقدّره لم يكن، أو قال: أنا لا أجامع زوجتي، أو أَمَتِي ليحصل منهما الذرية، بل إن قدر اللَّه ذلك كان، وإن لم يقدره لم يكن، لكان هذا مخالفا لما عليه رسل اللَّه، وما جاءت به كتبه، وما كان عليه صلحاء الأمة، وعلماؤها، بل يكون مخالفًا لما عليه هذا النوع الإنسانيّ، من أبينا آدم إلى الآن، بل يكون مخالفا لما عليه جميع الحيوانات في البرّ والبحر، فكيف ينكر وصول العبد بدعائه، أو بعمله الصالح، فإن هذا من الأسباب التي ربط اللَّه مسبباتها، وعلمها قبل أن تكون، فعلمه على كل تقدير أزليّ في المسببات على حصول أسبابها. ولم يعد العاد (٢) من أمثال هذه الآيات القرآنية، وما ورد موردها من الأحاديث النبوة.
وهل ينكر هؤلاء الغلاة مثل هذا، أو يجعلونه مخالفا لسبق العلم، مباينا لأزليته؟.
فإن قالوا: نعم، فقد أنكروا ما في كتاب اللَّه من فاتحته إلى خاتمته، وما في السنة المطهرة من أولها إلى آخرها، بل أنكروا أحكام الدنيا والآخرة جميعًا؛ لأنها كلها
стр. 11116
مسببات مترتبة على أسبابها، وجزاآت معلقة بشروطها، ومن بلغ إلى هذا في الغباوة، وعدم تعقّل الحجة لم يستحق المناظرة، ولا ينبغي معه الكلام فيما يتعلّق بالدين، بل ينبغي إلزامه بإهمال أسباب ما فيه صلاح معاشه، وأمر دنياه حتى يغشى عن غلفته، ويستيقظ من نومته، ويرجع عن ضلالته وجهالته.
ثم يقال لهم: هذه الأدعية الثابتة عن رسول اللَّه ﷺ في دواوين الإسلام، وما يلحق بها من كتب السنة المطهرة، قد علم كلّ من له علم أنها كثيرة جدًّا، بحيث لا يحيط بأكثرها إلا مؤلف بسيط، ومصنّف حافل، وفيها تارة استجلاب الخير، وفي أخرى استدفاع الشرّ، وتارة متعلّقة بامور الدنيا، وتارة بأمور الآخرة، ومن ذلك تعليمه ﷺ لأمته ما يدعون به في صلاتهم، وعقب صلواتهم، وفي صباحهم، ومسائهم، وفي ليلهم، ونهارهم، وعند نزول الشدائد، وعند حصول نعم اللَّه إليهم، هل كان هذا منه ﷺ لفائدة عائدة عليه، وعلى أمته بالخير، جالبة لما فيه مصلحة، دافعة لما فيه مفسدة.
فإن قالوا: نعم، قلنا: فحينئذ لا خلاف بيننا وبينكم، فإن هذا الاعتراف يدفع عنا، وعنكم مَعَرَّة الاختلاف، ويُريحنا من التطويل في الكلام على ما أوردتموه.
وإن قالوا: ليس ذلك لفائدة عائدة عليه، وعلى أمته بالخير، جالبة لما فيه مصلحة، دافعة لما فيه مفسدة، فهم أجهل من دوائهم (١)، وليس للمحاجة لهم فائدة، ولا في المناظرة معهم نفع.
يا عجباه كلّ العجب، أَمَا بلغهم ما كان عليه أمر رسول اللَّه ﷺ ، وهو يعمل من أول نبوّته إلى أن قبضه اللَّه إليه من الدعاء لربه، والإلحاح عليه، ورفع يديه عند الدعاء حتى يبدو بياض إبطيه، وحتى يسقط رداؤه، كما وقع منه في يوم بدر، فهل يقول عاقل، فضلا عن عالم: إن هذا الدعاء منه (٢) فعله رسول اللَّه ﷺ ، وهو يعلم أنه لا فائدة فيه، ولا انتفاع به، ومعلوم أنه ﷺ أعلم بربه، وبقضائه وقدره، وبأزليته، وسبق علمه بما يكون في بريته، فلو كان الدعاء منه، ومن أمته لا يفيد شيئًا، ولا ينفع نفعًا لم يفعله، ولا أرشد الناس إليه، ولا أمرهم به، فإن ذلك نوع من العبث الذي ينزّه كل عاقل، فضلًا عن خير البشر، وسيد ولد آدم عنه، لِمَ لَمْ يقل لهم: إذا كان القضاء واقعًا لا محالة، فإنه لا يدفعه شيء من الدعاء، والالتجاء، والإلحاح، والاستغاثة؟ فكيف لم يتأدب رسول اللَّه ﷺ مع ربّه؟، فإنه قد صحّ عنه أنه استعاذ باللَّه من سوء القضاء، كما عرّفناك، وقال: "وقني شرّ ما قضيت"، فكيف يقول هؤلاء الغلاة في
стр. 11117
الجواب عن هذا؟ أو على أيّ محمل يحملونه.
ثم ليت شعري علام يحملون أمره لعباده بدعائه، بقوله: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ثم عقب ذلك بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ أي من دعائي، كما صرّح بذلك أكثر أئمة التفسير. فكيف أمر عباده أولاً، ثم يجعل تركه استكبارًا منهم، ثم يُرغّبهم في الدعاء، ويخبرهم أنه قريب من الداعي، مجيب لدعوته بقوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾، ثم يقول معنونا لكلمه الكريم بحرف يدلّ على الاستفهام الإنكاريّ، والتقريع والتوبيخ: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾، ثم يأمرهم بسؤاله من فضله بقوله: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾.
فإن قالوا: إن هذا الدعاء الذي أمرنا اللَّه به، وأرشدنا إليه، وجعل تركه استكبارًا، وتوعّد عليه بدخول النار مع الذّلّ، ورغّب عباده إلى دعائه، وعرّفهم أنه قريب، وأنه يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، وأنكر عليهم أن يعتقدوا أن غيره يجيب المضطرّ إذا دعاه، ويكشف ما تنزل به من السوء، وأمرهم أن يسألوه وصله، ويطلبوا ما عنده من الخيرات، كلّ ذلك لا فائدة فيه للعبد، وأنه لا ينال إلا ما قد جرى به القضاء، وسبق به العلم، فقد نسبوا إلى الربّ ما لا يجوز عليه،، ولا يحلّ نسبته إليه، فإنه لا يأمر العبد إلا بما فيه فائدة يُعتدّ بها، ولا يرغبه بما لا يحصل به الخير، ولا يرهّبه إلا عما يكون به عليه الضير، ولا يَعِده إلا ما هو حقّ يترتب عليه فائدة، فهو صادق الوعد، ولا يُخلف الميعاد، ولا يأمرهم بسؤاله فضله، إلا وهناك فائدة تحصل بالدعاء، ويكون لسببه الفضل عليهم، ورفع ما هم فيه من الضرّ، وكشف ما حلّ بهم من السوء، هذا معلوم لا يشكّ فيه إلا من لم يعقل حُجَج اللَّه، ولا يفهم كلامه، ولا يدري بخير ولا شرّ، ولا نفع ولا ضرّ، ومن بلغ به الجهل إلى هذه الغاية، فهو حقيق بأن لا يُخاطب، وقَمِين بأن لا يناظَر، فإن هذا المسكين المتخبّط في جهله، المتقلب في ضلالته قد وقع فيما هو أعظم خطرا من هذا، وأكثر ضررا منه.
وهكذا ما شرعه اللَّه لعباده من الشرائع على لسان أنبيائه، وأنزل بها كتبه، يقال فيه مثل هذا، فإنه إذا كان ما قد حصل في سابق علمه كائنًا، سواء بعث اللَّه إلى عباده رسله، وأنزل إليهم كتبه، أو لم يفعل، كان ذلك عبثًا يتعالى الربّ عنه، وُينزّه عن أن ينسب إليه.
فان قالوا: إن اللَّه قد سبق علمه بكلّ ذلك، ولكنه قيّده بقيود، وشرطه بشروط، وعلّقه بأسباب، فعلم مثلاً أن الكافر يُسلم، ويدخل في الدين بعد دعائه إلى
стр. 11118
الإسلام، أو مقاتلته على ذلك، وأن العباد يعمل منهم من يعمل بما يَعِدهم اللَّه به بعد بعثه رسله، وإنزال كتبه عليهم.
قلنا لهم: فعليكم أن تقولوا هكذا في الدعاء، وفي أعمال الخير، وفي صلة الرحم، ولا نطلب منكم إلا هذا، ولا نريد غيره، وحينئذ قد دخلتم إلى الوفاق من طريق قريبة، فعلام هذا الجدال الطويل العريض، واللجاج الكبير الكثير، فإنا نقول: إن اللَّه قد علم في سابق علمه أن فلانًا يطول عمره إذا وصل رحمه، وأن فلانا يحصل له من الخير كذا، أو يقع عنه من الشرّ كذا، إذا دعا ربّه، وأن هذه المسببات مترتبة على حصول أسبابها، وهذه المشروطات مقيّدة بحصول شروطها، وحينئذ فارجعوا إلى ما قدمنا ذكره من الجمع بين ما تقدّم من الأدلّة، واستريحوا من التعب، فإنه لم يبق بيننا وبينكم خلاف من هذه الحيثية.
وقد كان الصحابة، مثل عمر بن الخطاب، وعبد اللَّه بن مسعود، وأبي وائل، وعبدالفه بن عمر الذين كانوا يدعون اللَّه بأن يجعلهم في أهل السعادة، إن كانوا قد كتبوا من أهل الشقاوة كما قدمنا، وهم أعلم باللَّه ، وما يجب له، وبجوز عليه. وقال كعب الأحبار حين طُعن عمر، وحضرته الوفاة: واللَّه لو دعا عمر أن يؤخّر أجله، لأخره، فقيل له: إن اللَّه يقول: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ فقال: هذا إذا حضر الأجل، فأما قبل ذلك، فيجوز أن يزداد، وأن ينقص.
ومن شكّ في شيء من هذا، فليطالع الكتب الصحيحة في أخبار الصالحين، كـ "حلية أبي نعيم"، و"صفوة الصفوة" لابن الجوزيّ، و"رسالة القشيريّ"، فإنه يجد من هذا القبيل ما ينشرح له صدره، ويثلج (١) به قلبه.
بل كل إنسان إذا حقّق حال نفسه، ونظر في دعائه لربه عند عروض الشدائد، وإجابته له، وتفريجه عنه يجد ما يغنيه عن البحث عن حال غيره، إذا كان من المعتبرين المفكّرين، وهذا نبيّ اللَّه عيسى ابن مريم ﵉ كان يحيى الموتى بإذن اللَّه، ويشفي المرضى بدعائه، وهذا معلوم حسبما أخبرنا اللَّه سبحانه في كتابه الكريم، وفي الإنجيل من القصص المتضمنة لإحياء الموتى، وشفي المرضى بدعائه، ما يعرفه من اطلع عليه.
وبالجملة فهؤلاء الغلاة الذين قالوا: إنه لا يقع من اللَّه إلا ما قد سبق به العلم، وان
стр. 11119
ذلك لا يتحوّل، ولا يتبدل، ولا يؤثّر فيه دعاء، ولا عمل صالح، فقد خالفوا ما قدمنا من آيات كتاب اللَّه العزيز، ومن الأحاديث النبويّة الصحيحة، من غير ملجيء إلى ذلك، فقد أمكن الجمع على ما قدمناه، وهو متعيّن، وتقديم الجمع على الترجيح متفق عليه، وهو الحقّ.
وقالوا: إن اللَّه لا يعلم بالجزئيات، إلا عند وقوعها تعالى عن ذلك، وهذا قول باطل، يخالف كتاب اللَّه، وسنة رسول اللَّه ﷺ ، وإجماع المسلمين، وقد تبرّأ من مقالة معبد هذه، وأصحابه من أدركهم من الصحابة، منهم ابن عمر، كما ثبت ذلك في "الصحيح" (١).
وقد غلط من نسب مقالتهم إلى المعتزلة، فإنه لم يقل بها أحد منهم قط، وكتبهم مصرّحة بهذا، ناطقة به، ولا حاجة لنا إلى نقل مقالات الرجال، فقد قدمنا من أدلة الكتاب والسنن، والجمع بينهما ما يكفي المنصف، وُيريحه من الأبحاث الطويلة العريضة الواقعة في هذه المسائل، ومن الإلزامات التي ألزم بها بعض القائلين البعض الآخر، ودين اللَّه سبحانه بين المفرّط والغالي، وفي هذا القدر كفاية لمن له هداية، واللَّه وليّ التوفيق. تمّت. انتهى الرسالة.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي حققه الإمام الشوكانيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، من أن الصواب قول من قال: إن العمر يزيد، وينقص، وتقدم عن شيخ الإسلام ابن تيميّة -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- قوله: إنه الصواب، هو الحقّ عندي؛ لموافقته لظواهر الكتاب والسنن الصحيحة، كما سبق تقريره في كلام الشوكانيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-.
خاتمة: مما يدلّ على زبادة العمر ونقصه، ويؤيّد القول الراجح الذي ذكرناه: ما أخرجه الإمام الترمذيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "جامعه"، وصححه -وهو كما قال- فقال:
٣٠٧٦ - حدثنا عبد بن حميد، حدثنا أبو نعيم، حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لما خلق اللَّه آدم، مسح ظهره، فسقط من ظهره كل نسمة، هو خالقها من ذريته، إلى يوم القيامة، وجعل بين عيني كل إنسان منهم وَبِيصا من نور، ثم عرضهم على آدم، فقال: أي رب من هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذريتك، فرأى رجلا منهم، فأعجبه وبيص ما بين عينيه، فقال: أي رب من هذا؟ فقال: هذا رجل من آخر الأمم، من ذريتك، يقال له: داود، فقال: رب كم جعلت عمره؟ قال: ستين سنة، قال: أي رب، زده من عمري أربعين سنة، فلما
стр. 11120
قضي عمر آدم، جاءه ملك الموت، فقال: أولم يبق من عمري أربعون سنة؟ قال: أولم تعطها ابنك داود؟ قال: فجحد آدم، فجحدت ذريته، ونسي آدم، فنسيت ذريته، وخَطِئ آدم، فخطئت ذريته".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وقد روي من غير وجه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ . وقال أيضًا:
٣٣٦٨ - حدثنا محمد بن بشار، حدثنا صفوان بن عيسى، حدثنا الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لما خلق اللَّه آدم، ونفخ فيه الروح عطس، فقال: الحمد للَّه، فحمد اللَّه بإذنه، فقال له ربه: يرحمك اللَّه يا آدم، اذهب إلى أولئك الملائكة، إلى ملأ منهم، جُلُوس، فقل: السلام عليكم، قالوا: وعليك السلام ورحمة اللَّه، ثم رجع إلى ربه، فقال: إن هذه تحيتك، وتحية بَنِيك بينهم، فقال اللَّه له، ويداه مقبوضتان: اختر أيهما شئت، قال: اخترت يمين ربي، وكلتا يدي ربي يمين مباركة، ثم بسطها، فإذا فيها آدم وذريته، فقال: أي رب ما هؤلاء؟ فقال: هؤلاء ذريتك، فإذا كل إنسان، مكتوب عمره بين عينيه، فإذا فيهم، رجل أضوؤهم"، أو "من أضوئهم، قال: يا رب من هذا؟ قال: هذا ابنك داود، قد كتبت له عمر أربعين سنة، قال: يا رب زده في عمره، قال: ذاك الذي كتبت له، قال: أي رب، فإني قد جعلت له من عمري ستين سنة، قال: أنت وذاك، قال: ثم أسكن الجنة ما شاء اللَّه، ثم أهبط منها، فكان آدم يعد لنفسه، قال: فأتاه ملك الموت، فقال له آدم: قد عجلت، قد كُتب لي ألفُ سنة، قال: بلى، ولكنك جعلت لابنك داود ستين سنة، فجحد، فجحدت ذريته، ونسي فنسيت ذريته، قال: فمن يومئذ أمر بالكتاب والشهود".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، غريب من هذا الوجه، وقد روي من غير وجه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، من رواية زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ . انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 11121
٢١ - (كِتَابُ الصِّيَامِ (١))
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قدم المصنّف رحمه تعالى "كتاب الصيام" على الزكاة؛ نظرًا لكونه عبادة بدنيّة، فناسب أن يتلو "كتاب الصلاة"، ولأنه في حديث طلحة ابن عبيد اللَّه ﵁ المذكور في الباب ذُكِر بعد الصلاة، وقبل الزكاة، ثم أتبعه "كتاب الزكاة"، لكونها عبادة مالية محضة، ثم ختمه "بكتاب الحجّ" لكونه مركبا منهما.
وخالف هذا الترتيب في "الكبرى" فذكر الزكاة بعد الصلاة، ثم الصوم، ثم المناسك، لكنه أدخل بين الصوم والمناسك "كتاب المحاربين ". واللَّه تعالى أعلم.
وقال السنديّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "شرحه": ما نصّه: المشهور بينهم تقديم الزكاة على الصوم، وذكرها في جنب الصلاة، والواقع في كثير من نسخ النسائيّ تقديم الصوم، فمن قدّم، فقد راعى قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ١١٠]، ومن قدّم الصوم فلعله راعى أول حديث في الباب، ففيه تقديم الصوم على الزكاة، وذكره في جنب الصوم، ومع ذلك لا يخلو عن مناسبة معنويّة، من حيث إن كلاّ من الصلاة والصوم عبادة بدنيّة؛ بخلاف الزكاة، فإنها عبادة مالية. واللَّه تعالى أعلم انتهى (٢).
و"الصيام" مصدر "صام"، كـ "الصوم"، يقال: صام يصُوم صَوْمًا، وصِيامًا. قيل: هو مطلق الإمساك في اللغة، ثم استُعمل في الشرع في إمساك مخصوص. وقال أبو عبيدة: كل مُمسِك عن طعام، أو كلام، أو سير، فهو صائم، قال النابغة الذُّبْيانيّ [من البسيط]:
خَيل صِيَامٌ وَخَيلٌ غَيْرُ صَائِمَةٍ … تَحْتَ الْعَجَاجِ وَأُخْرَى تَعْلُكُ اللُّجُمَا (٣)
يعني بالصائمة الممسكة عن السير. قاله ابن فارس. وقيل: الممسكة عن الاعتلاف، أي القائمة على غير عَلَف، وقيل: الممسكة عن الصَّهِيل. ورجل صائم، وصَوَّامٌ -بالفتح- مبالغة، وقوم صُوَّامٌ، وصُيَّمٌ، وَصَوْمٌ على لفظ الواحد، وصِيَام. انتهى من "المصباح" بزيادة من غيره.
وقال في "التهذيب": الصوم في اللغة: الإمساك عن الشيء، والترك له، وقيل للصائم: صائم؛ لإمساكه عن الْمَطعَم، والْمَشْرَب، والْمَنكَح. وقيل: للصامت صائم؛ لإمساكه عن الكلام، وقيل للفرس: صائم؛ لإمساكه عن العَلَف مع قيامه.
стр. 11122
وقال في "الفتح": والصوم، والصيام في اللغة: الإمساك، وفي الشرع: إمساك مخصوص، في زمن مخصوص، عن شيء مخصوص، بشرائط مخصوصة. انتهى. وقال النووي: إمساك مخصوص، في زمن مخصوص، من شخص مخصوص بشرطه انتهى.
وقال الراغب الأصفهاني: الصوم في الأصل: الإمساك عن الفعل، مَطعمًا كان، أو كلامًا، أو مشيًا؛ ولذلك قيل للفرس الممسك عن السير، أو العلف: صائم. وقيل للريح الراكدة: صوم، ولاستواء النهار: صوم؛ تصوّرًا لوقوف الشمس في كبد السماء، ولذلك قيل: قام قائم الظهيرة، ومَصَامُ الفرس، ومَصَامَتُهُ: موقفه. والصوم في الشرع: إمساك المكلّف بالنية من الخيط الأبيض، إلى الخيط الأسود عن تناول الأطيبين، والاستمناء، والاستقاء انتهى (١).
قال اليبيّ: فهو وصف سلبيّ، وإطلاق العمل عليه تجوّز. وقيل: هو إمساك عن المفطرات حقيقةً، أو حكمًا، في وقت مخصوص، من شخص مخصوص مع النيّة.
وقال الأمير الصنعانيّ: الصوم في الشرع إمساك مخصوص، وهو الإمساك عن الأكل والشرب، والجماع، وغيرهما، مما ورد به الشرع، في النهار، على الوجه المشروع، ويتبع ذلك الإمساك عن اللغو، والرفّث، وغيرهما، من الكلام المحرّم، والمكروه؛ لورود الأحاديث بالنهي عنها في الصوم، زيادة على غيره، في وقت مخصوص، بشروط مخصوصة، تفصّلها الأحاديث انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذه التعاريف كلها متقاربة المعنى، وأخصرها، أنه إمساك مخصوص، من شخص مخصوص، في زمن مخصوص، عن شيء مخصوص بشرائطه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
…
١ - (بَابُ وُجُوبِ الصِّيَامِ)
أي هذا باب في ذكر الأحاديث الدّالّة على فرضية الصوم، فالوجوب هنا معناه: الفرض، والحنفية، وإن خالفوا الجمهور، ففرقوا بينهما في بعض المواضع، فقالوا: الفرض ما ثبت بدليل قطعيّ، والواجب ما ثبت بدليل ظنّيّ، إلا أنهم لا يخالفون هنا، فتنبّه.
[تنبيهات]:
(الأول): قال أبو محمد ابن قدامة -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وجوب صوم رمضان بالكتاب، والسنة، والإجماع؛ أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ
стр. 11123
كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٣ - ١٨٥]. وأما السنة فقول النبي ﷺ : "بني الإسلام على خمس … " الحديث، وذكر منها صوم رمضان. متفق عليه. وعن طلحة بن عبيد اللَّه أن أعرابيًا جاء إلى النبي ﷺ ثائر الرأس، فقال: يا رسول اللَّه أخبرني ماذا فرض اللَّه علي من الصيام؟ قال: "شهر رمضان"، قال: هل علي غيره؟ قال: "لا إلا أن تطوع شيئًا … " الحديث متفق عليه. وأجمع المسلمون على وجوب صيام شهر رمضان. انتهى كلام ابن قدامة باختصار "المغني" جـ ٤ ص ٣٢٣ - ٣٢٤.
(الثاني): فُرِضَ صوم رمضان في السنة الثانية من الهجرة، يوم الاثنين، لليلتين خلتا من شعبان (١)، وهو ثابت بالكتاب والسنة، والإجماع، فمن جحد فرضيته، فقد كفر.
(الثالث): حكمة مشروعية الصوم كونه موجبًا لسكون النفس، وكسر سَوْرتها في الفضول المتعلّقة بجميع الجوارح، من العين، واللسان، والأذن، والفرج، فبالصوم تضعف حركتها في محسوساتها، وكونه موجبًا للرحمة والعطف على المساكين، فإن الإنسان إذا ذاق ألم الجوع في وقت، تذكر حال المساكين في سائر الأوقات، فيسارع إلى الإحسان إليهم لدفع ألم الجوع عنهم، فينال بذلك حسن الجزاء من اللَّه تعالى.
قال الزرقاني -رحمه اللَّه تعالى-: شُرع الصيام لفوائد، أعظمها كسر النفس، وقهر الشيطان، فالشبع نهر في النفس يرده الشيطان، والجوع نهر في الروح ترده الملائكة.
ومنها: أن الغنيّ يعرف قدر نعمة اللَّه عليه بإقداره على ما منع منه كثيرًا من الفقراء، من فضول الطعام، والشراب، والنكاح، فإنه بامتناعه من ذلك في وقت مخصوص، وحصول المشقّة له بذلك يتذكّر به من مُنِع ذلك على الإطلاق، فيوجب ذلك شكر نعمة اللَّه عليه بالغنى، ويدعوه إلى رحمة أخيه المحتاج، ومواساته بما يمكن من ذلك انتهى (٢).
(الرابع): نُقِل عن بعض الصوفيّة أن آدم لما تاب من أكل الشجرة تأخر قبول توبته لما بقي في جسده من تلك الأكلة ثلاثين يومًا، فلما صفا جسده منها تيب عليه، ففرض على ذرّيّته
стр. 11124
صيام ثلاثين يومًا. انتهى. وهذا مما لا دليل عليه، فقد قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- بعد ذكره: هذا يحتاج إلى ثبوت السند فيه إلى من يُقبل قوله في ذلك، وهيهات وجدان ذلك انتهى. (١) واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
٢٠٩٠ - (أَخْبَرَنَا (٢) عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ -وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سُهَيْلٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ, أَنَّ أَعْرَابِيًّا, جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , ثَائِرَ الرَّأْسِ, فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, أَخْبِرْنِي مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ؟ قَالَ: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ, إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ شَيْئًا» , قَالَ: أَخْبِرْنِي بِمَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الصِّيَامِ؟ قَالَ: «صِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ, إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ شَيْئًا» , قَالَ: أَخْبِرْنِي بِمَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الزَّكَاةِ؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَرَائِعِ الإِسْلَامِ, فَقَالَ: وَالَّذِي أَكْرَمَكَ, لَا أَتَطَوَّعُ شَيْئًا, وَلَا أَنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ شَيْئًا, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ» , أَوْ «دَخَلَ الْجَنَّةَ إِنْ صَدَقَ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عليّ بن حُجْر) السعديّ المروزيّ، ثقة حافظ، من صغار [٩] ١٣/ ١٣.
٢ - (إسماعيل بن جعفر) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق القارىء المدنيّ، ثقة ثبت [٨] ١٦/ ١٧.
٣ - (أبو سهيل) نافع بن مالك بن أبي عامر الأصبحيّ التيميّ، أبو سُهيل المدنيّ، ثقة [٤] ٤/ ٤٥٨.
[تنبيه]: وقع في نسخة "أبو سهل" مكبّرًا، وهو تصحيف فاحش، فتنبّه.
٤ - (أبوه) مالك بن أبي عامر الأصبحيّ -وهو جدّ الإمام مالك بن أنس- ثقة [٢] ٤/ ٤٥٨.
٥ - (طلحة بن عبيد اللَّه) بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرّة التيميّ، أبو محمد المدنيّ، أحد العشرة الصحابيّ المشهور، استشهد يوم الجمل سنة (٣٦) وهو ابن (٦٣) وتقدّم في ٤/ ٤٥٨. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فمروزيّ، (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، عن حَلِيفه، فإن مالك بن أبي عامر حليف لطلحة بن عبيد اللَّه، كما بينه الحافظ في "الفتح" (٣). ومنها: أن طلحة
стр. 11125
- ﵁ أحد العشرة المبشرين بالجنة ﵃ واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ) ﵁ (أنَّ أَعْرَابيًا) أي رجلا ساكن البادية، وفي الرواية المتقدمة ٤/ ٤٥٨ - "جاء رجل إلى رسول اللَّهَ ﷺ من أهل نجد". قيل: هو ضمام بن ثعلبة، وقيل: غيره (جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثَائِرَ الرَّأْسِ) بالنصب على الحال، ويحتمل الرفع على أنه خبر لمحذوف، أي هو ثائر الرأس. والمراد أن شعره متفرّق من ترك الرَّفَاهية، ففيه إشارة إلى قرب عهده بالوفادة، وأوقع اسم الرأس على الشعر إما مبالغةً، أو لأن الشعر منه ينبت (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ؟ قَالَ: "الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ") يحتمل أن يكون بالنصب على تقدير فعل دلّ عليه السؤال، أي فرض عليك الصلواتِ الخمسَ، ويحتمل أن يكون بالرفع على أنه خبر لمحذوف، أي المفروض عليك الصلواتُ الخمسُ، أو مبتدأ حُذف خبره، أي الصلوات الخمس مفروضة عليك. (إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ شَيئًا) "تطوع" بتشديد الطاء، والواو، وأصله تتطوّع بتاءين، فأدغمت إحداهما في الأخرى، ويجوز تخفيف الطاء على حذف إحداهما (قَالَ: أَخْبرْنِي بِمَا (١) افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الصِّيَام؟ قَالَ: صِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ) إعرابه كسابقه (إلَّا أنْ تَطَوَّعَ شَيئًا"، قَالَ: أَخْبِرْنِي بِمَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الزَّكَاةِ، فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَرَائِعِ الإِسْلَامِ) وفي الرواية المتقدّمة: "وذكر رسول اللَّه ﷺ الزكاة". فتضمنت هذه الرواية أن في القصّة أشياء أُجملت، منها بيان نُصُب الزكاة؛ فإنها لم تفسّر في الرواية، وكذا أسماء الصلوات، وكأن السبب فيه شهرة ذلك عندهم، أو القصد من القصّة بيان أن المتمسّك بالفرائض ناج، وإن لم يفعلِ النوافل. أفاده في "الفتح" (فَقَالَ: وَالَّذِي أَكْرَمَكَ) فيه جواز الحلف في الأمر المهمّ (لَا أَتَطَوَّعُ شَيئًا، ولَا أَنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ شَيئًا، فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ"، أوْ) للشكّ من الراوي (دَخَلَ الْجَنَّةَ إِنْ صَدَقَ") وفي رواية لمسلم: "أفلح، وأبيه إن صدق"، أو "دخل الجنّة، وأبيه، إن صدق". والجمع بينه، وبين النهي عن الحلف بالآباء أنه كان قبل النهي. وقيل: إنها كلمة جارية على اللسان، لا يُقصد بها الحلف. وقيل: غير ذلك، مما تقدّم الكلام عليه مستوفى في كتاب الصلاة.
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدّم للمصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في "كتاب الصلاة" - ٤/ ٤٥٨ - "باب كم فرضت في اليوم والليلة"، وتقدّم شرحه هناك مستوفًى، وكذا الكلام على مسائله، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم
стр. 11126
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٠٩١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ, عَنْ ثَابِتٍ, عَنْ أَنَسٍ, قَالَ: نُهِينَا فِي الْقُرْآنِ, أَنْ نَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ شَيْءٍ, فَكَانَ يُعْجِبُنَا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ الْعَاقِلُ, مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ, فَيَسْأَلَهُ, فَجَاءَ رَجُلٌ, مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ, فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ, أَتَانَا رَسُولُكَ, فَأَخْبَرَنَا أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَكَ, قَالَ: «صَدَقَ» , قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ قَالَ: «اللَّهُ» , قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ الأَرْضَ؟ قَالَ: «اللَّهُ» , قَالَ: فَمَنْ نَصَبَ فِيهَا الْجِبَالَ؟ قَالَ: «اللَّهُ» , قَالَ: فَمَنْ جَعَلَ فِيهَا الْمَنَافِعَ؟ قَالَ: «اللَّهُ» , قَالَ: فَبِالَّذِي خَلَقَ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ, وَنَصَبَ فِيهَا الْجِبَالَ, وَجَعَلَ فِيهَا الْمَنَافِعَ, آللَّهُ أَرْسَلَكَ؟ قَالَ: «نَعَمْ» , قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ, أَنَّ عَلَيْنَا خَمْسَ صَلَوَاتٍ, فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ, قَالَ: «صَدَقَ» , قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ, آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: «نَعَمْ» , قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ, أَنَّ عَلَيْنَا زَكَاةَ أَمْوَالِنَا, قَالَ: «صَدَقَ» , قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ, آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: «نَعَمْ» , قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ, أَنَّ عَلَيْنَا صَوْمَ شَهْرِ رَمَضَانَ, فِي كُلِّ سَنَةٍ, قَالَ: «صَدَقَ» , قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ, آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: «نَعَمْ». قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ, أَنَّ عَلَيْنَا الْحَجَّ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً, قَالَ: «صَدَقَ» , قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ, آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ , قَالَ: «نَعَمْ». قَالَ: فَوَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ, لَا أَزِيدَنَّ عَلَيْهِنَّ شَيْئًا, وَلَا أَنْقُصُ, فَلَمَّا وَلَّى, قَالَ: النَّبِيُّ ﷺ : «لَئِنْ صَدَقَ, لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (محمد بن مَعْمَر) بن رِبْعِيّ القيسيّ البصريّ البَحْرانيّ، صدوق، من كبار [١١] ٢/ ١٣٧٠.
٢ - (أبو عامر العَقَديّ) عبد الملك بن عَمْرو القيسيّ البصريّ، ثقة [٩] ٢/ ٣٢٧.
٣ - (سليمان بن المغيرة) القيسيّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقة [٧] ٥٣/ ٦١٦.
٤ - (ثابت) بن أسلم البنانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقة عابد [٤] ٤٥/ ٥٣.
٥ - (أنس) بن مالك أبو حمزة الصحابيّ الجليل ﵁ ٦/ ٦. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. ومنها: أنه مسلسل بالبصريين، ومنها: أن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستة الذين رووا عنهم بلا واسطة، ومنها: أن ثابتا البنانيّ ممن لازم أنسًا ﵁ أربعين سنة ومنها: أن أنسًا ﵁ أحد المكثرين السبعة، وآخر من مات من الصحابة ﵁ بالبصرة. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 11127
شرح الحديث
(عَنْ أَنَسٍ) ﵁، أنه (قَالَ: نُهينَا فِي الْقُرْآنِ) يعني قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ الآية (أَنْ نَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ شَيْءٍ) أي غير ضروريّ؛ لما فيه من احتمال أن يكون من تلك الأشياء (فَكَانَ يُعْجبُنَا أنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ الْعَاقِلُ) أي لكونه أعرف بكيفيّة السؤال، وآدابه، والمهمِّ منه، وحسنِ الَمراجعة، فإن هذه من أسباب عظم الانتفاع بالجواب (مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ) أي لكونه لم يبلغه النهي عن السؤال، ولأن أهل البادية هم الأعراب، ويغلب فيهم الجهل، والجفاء، ولهذا جاء في الحديث: "من بدا جفا" (١).
والبادية، والبَدْوُ بمعنّى، وهو ما عدا الحاضرة، والعمران، والنسبة إليها بدويّ، والبِدَاوة: الإقامة بالبادية، وهي بكسر الباء عند جمهور أهل اللغة. وقال أبو زيد: هي بفتح الباء. قال ثعلب: لا أعرف البداوة بالفتح إلا عن أبي زيد. ذكره النووي (٢).
(فَيَسْأَلَهُ) بالنصب عطفًا على "يجيء". وزاد في رواية مسلم: "ونحن نسمع". وزاد أبو عوانة في "صحيحه": "وكانوا أجرأ على ذلك منّا". يعني أن الصحابة واقفون عند النهي، وأولئك يُعذَرون بالجهل.
وإنما تمنّوه عاقلًا؛ ليكون عارفًا بما يسأل عنه. وظهر عقل ضمام في تقديمه الاعتذار بين يدي مسألته؛ لظنه أنه لا يصل إلى مقصوده إلا بتلك المخاطبة، وسأله عمن خَلَق الأرض، ونصب الجبال إلى آخر ما سأل، ثم أقسم عليه به أن يَصْدُقَه عما يسأل عنه، وكرّر القسم في كلّ مسألة تأكيدًا، وتقريرًا للأمر، ثم صرّح بالتصديق، فكلّ ذلك دليل على حسن تصرّفه، وتمكن عقله، ولهذا قال عمر ﵁ في رواية أبي هريرة ﵁: ما رأيت أحدًا أحسن مسألة، ولا أوجز من ضمام". أفاده في "الفتح" (٣) (فَجَاءَ رَجُلٌ، مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ) هو ضمام بن ثعلبة، أخو بني سعد بن بكر، كما بُيّن في الرواية التالية.
قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: قدم على رسول اللَّه ﷺ سنة تسع. قاله أبو عبيد. وقيل: سنة سبع. وقال محمد بن حبيب: سنة خمس، وهو أبعدها؛ لأن فرض الحجّ لم يكن نزل إذ ذاك. انتهى (٤).
стр. 11128
(فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ) قال العلماء: لعلّ هذا كان قبل النهي عن مخاطبته ﷺ باسمه قبل نزول قول اللَّه : ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: آية ٦٣] على أحد التفسيرين، أي لا تقولوا: يا محمد، بل يا رسول اللَّه، يا نبيّ اللَّه. ويحتمل أن يكون بعد نزول الآية، ولم تبلغ الآية هذا القائلَ. قاله النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-.
(أَتَانَا رَسُولُكَ، فَأَخْبَرَنَا أَنَّكَ تَزْعُمُ) قال النووي -رحمه اللَّه تعالى-: قوله: زَعَم، وتَزْعُم مع تصديق رسول اللَّه ﷺ إياه، دليل على أن زعم ليس مخصوصًا بالكذب، والقولِ المشكوك فيه، بل يكون أيضًا في القول المحقق، والصدق الذي لا شك فيه. وقد جاء من هذا كثير في الأحاديث. وعن النبي ﷺ ، قال: "زعم جبريل" كذا. وقد أكثر سيبويه، وهو إمام العربية في كتابه الذي هو إمام كتب العربية من قوله: زعم الخليل، زعم أبو الخطّاب، يريد بذلك القول المحقّق. وقد نقل ذلك جماعة من أهل اللغة، وغيرهم، ونقله أبو عمر الزاهد في "شرح الفصيح"، عن شيخه أبي العباس ثعلب، عن العلماء باللغة، من الكوفيين والبصريين. واللَّه أعلم. انتهى (١).
(أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَكَ، قَالَ) ﷺ ("صَدَقَ") أي ذلك الرسول (قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ قَالَ: "اللَّهُ"، قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ الأَرْضَ؟ قَالَ: "اللَّهُ"، قَالَ: فَمَنْ نَصَبَ فِيهَا الْجِبَالَ؟، قَالَ: "اللَّهُ"، قَالَ: فَمَنْ جَعَلَ فِيهَا المَنَافِعَ؟ قَالَ: "اللَّهُ"، قَالَ: فَبِالَّذِي خَلَقَ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ) الباء فيه للقسم، أي أقسمت بالذي خلق السماء، والأرض الخ، وإنما قال ذلك زيادة في التوثيق والتثبيت؛ كما يؤتى بالتأكيد لذلك، ويقع ذلك في أمر يهُتَمّ بشأنه، ولم يقل ذلك لإثبات النبوّة بالحلف، فإن الحلف لا يكفي في ثبوتها، ومعجزاته ﷺ كانت مشهورة، معلومة، فهي ثابتة بتلك المعجزات. قاله السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: فإن الحلف لا يكفي الخ، فيه نظر، إذ لا مانع من أن يكتفي بعض الناس بالحلف عن طلب المعجزات. واللَّه تعالى أعلم.
(وَنَصَبَ فِيهَا الْجبَالَ، وَجَعَلَ فِيهَا المَنَافِعَ، آللَّهُ أَرْسَلَكَ؟) بمدّ الهمزة للاستفهام؛ كما في قوله تعالى: ﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ الآية [يونس: ٥٩] (قَالَ: "نَعَمْ"، قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ، أَنَّ عَلَينَا خَمْسَ صَلَوَاتٍ) بنصب "خمسَ" على أنه اسم "أنّ"، والجار والمجرور خبرها مقدمًا على اسمها (فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ) فيه دلالة على عدم وجوب الوتر، وعليه الجمهور، وهو الحقّ، وخالف فيَ ذلك الحنفية، فقالوا بوجوب الوتر، وقد تقدَّم الردُّ عليهم في بابه فلا تغفل. (قَالَ: "صَدَقَ"، قَالَ: فَبالَّذِي أَرْسَلَكَ، آللَّهُ أَمَرَكَ بَهذَا؟، قَالَ: "نَعَمْ"، قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ، أَنَّ عَلَينَا زَكَاةَ أَمْوَاَلِنَا) ولفظ "الكبرى" "صدقة أموالنا". ولفظ مسلم "زكاة في أموالنا" (قَالَ: "صَدَقَ"، قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ،
стр. 11129
آللَّهُ أَمَرَكَ بَهِذَا؟، قَالَ: "نَعَم"، قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ، أَنَّ عَلَينَا صَوْمَ شَهْرِ رَمَضَانَ، فِي كُلِّ سَنَةٍ، قَالَ: "صَدَقَ") هذا محلّ الشاهد لترجمة المصنّف، حيث إنه يدلّ على وجوب الصيام (قَالَ: فَبالَّذِي أَرْسَلَكَ، آللَّهُ أَمَرَكَ بَهِذَا؟، قَالَ: "نَعَمْ"، قَالَ: وَزَعمَ رَسُولُكَ، أَنَّ عَلَينَا الْحَجَّ من استَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) "من" اسم موصول في محلّ جرّ بدل من الضمير المجرور، أي على من استطاع منا إليه سبيلًا.
ثبت في هذه الرواية ذكر الحجّ عند المصنّف، وكذا هو في "صحيح مسلم"، ولم تثبت في رواية شريك الآتية، وكذا ثبتت في حديث أبي هريرة الآتي، وحديث ابن عباس، كما قاله في "الفتح".
فهذه الروايات كلها تدلّ على بطلان قول ابن التين: إنما لم يذكر الحجّ لأنه لم يكن فُرِض، قال الحافظ: وكأن الحامل له على ذلك ما جزم به الواقديّ، ومحمد بن حبيب أن قدوم ضمام سنة خمس، فيكون قبل فرض الحج، لكنه غَلَطٌ من أوجه:
[أحدها]: أن في رواية مسلم أن قدومه كان بعد نزول النهي في القرآن عن سؤال الرسول ﷺ ، وآية النهي في المائدة، ونزولها متأخر جدًّا.
[ثانيها]: أن إرسال الرسل إلى الدعاء إلى الإسلام، إنما كان ابتداؤه بعد الحديبية، ومعظمه بعد فتح مكة.
[ثالثها]: أن في القصة أن قومه أوفدوه، وإنما كان معظم الوفود بعد فتح مكة.
[رابعها]: في حديث ابن عباس ﵄ أن قومه أطاعوه، ودخلوا في الإسلام بعد رجوعه إليهم، ولم يدخل بنو سعد -وهو ابن بكر بن هوازن- في الإسلام إلا بعد وقعة حنين، وكانت في شوال سنة تسع. وبه جزم ابن إسحاق، وأبو عبيدة، وغيرهما انتهى (١).
(قَالَ: "صَدَقَ"، قَالَ: فَبالَّذِي أَرْسَلَكَ، آللَّهُ أَمَرَكَ بهَذَا؟، قَالَ: "نَعَمْ") قال صاحب "التحرير" -رحمه اللَّه تعالى-. هذا من حسن سؤال هذا الرجل، وملاحة سياقته وترتيبه، فإنه سأل أوّلًا عن صانع المخلوقات من هو؟، ثم أقسم عليه به أن يَصدُقَه في كونه رسولًا للصانع، ثم لما وقف على رسالته، وعلمها أقسم عليه بحقّ مرسله، وهذا ترتيب يفتقر إلى عقل رَصِين، ثم إن هذه الأَيمان جرت للتأكيد، وتقريرِ الأمر؛ لا لافتقاره إليها، كما أقسم اللَّه تعالى على أشياء كثيرة انتهى.
(قَالَ: فَوَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لَا أَزِيدَنَّ) بنون التوكيد المشددة، وفيه تأكيد جواب
стр. 11130
القسم المنفيّ بالنون، على حدّ قول الشاعر [من البسيط]:
تَاللَّهِ لَا يُحْمَدَنَّ الْمَرْءُ مُجْتَنِبَا … فِعْلَ الْكرَامِ وَلَوْ فَاقَ الْوَرَى حَسَبَا
وهو قليل. بل قيل: إنه شاذٌ، أو ضرورة. وفي نسخة، وهو الذي في "الكبرى" "لا أزيد" بدون توكيد، وهو المشهور رواية، ولغة. واللَّه تعالى أعلم.
(عَلَيْهِنَّ شَيْئًا، وَلَا أَنْقُصُ) وفي نسخة: "ولا أنتقص".
فإن قيل: فكيف أقرّه على حلفه، وقد ورد النكير على من حلف أن لا يفعل خيرًا؟ أجيب: بأن ذلك مختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، وهذا جار على الأصل بأنه لا إثم على غير تارك الفرائض، وقيل: غير ذلك (١).
(فَلَمَّا وَلَّى، قالَ النَّبِيُّ ﷺ : (لَئِنْ صَدَقَ، لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ") أي إن صدق في دعواه قبول الإسلام، وحلفه على التزامه ليكونن جزاؤه الجنة، بمقتضى الوعد السابق، حيث قال اللَّه تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ الآية [التوبة: ٧٢]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أنس ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ١/ ٢٠٩١ و ٢٠٩٢ و ٢٠٩٣ - وفي "الكبرى" ١/ ٢٤٠١ و ٢٤٠٢ و٢٤٠٣ وأخرجه (خ) ٦١ (م) ١٣ (د) ٤١١ (ت) ٥٦٢ (ق) ١٣٩٢ (أحمد) ٢٢٥٨ (الدارمي) ٦٤٨. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو وجوب الصيام (ومنها): أن صوم رمضان يتكرّر كلَّ سنة (ومنها): أن الصلوات الخمس متكرّرة في كلّ يوم وليلة، لقوله: "في كل يوم وليلة".
(ومنها): ما قاله الشيخ أبو عمرو بن الصلاح -رحمه اللَّه تعالى-: فيه دلالة لصحّة ما ذهب إليه أئمة العلماء، من أن العوامّ المقلدين مؤمنون، وأنه يُكتَفَى منهم بمجرّد اعتقاد الحقّ جزمًا، من غير شك وتزلزل؛ خلافًا لمن أنكر ذلك من المعتزلة، وذلك أنه ﷺ
стр. 11131
قرر ضمامًا على ما اعتمد عليه في تعريف رسالته، وصدقه، ومجرّد إخباره إياه بذلك، ولم ينكر عليه ذلك، ولا قال: يجب عليك معرفة ذلك بالنظر في معجزاتي، والاستدلال بالأدلّة القطعيّة انتهى.
وقال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: ويُستفاد من هذا الحديث أن الشرع إنما طلب من المكلفين التصديق الجازم بالحقّ كيفما حصل، وبأيّ وجه ثبت، ولم يقصرهم في ذلك على النظر في دلالة معيّنة، ولا معجزة، ولا غيرها، بل كلّ من حصل له اليقين بصدقه بمشاهدة وجهه، أو بالنظر في معجزته، أو بتحليفه، أو بقرينة لاحت له، كان من المؤمنين، وكان من جملة عباد اللَّه المخلصين، لكن دلالات المعجزات هي الخاصّة بالأنبياء، والطرق العامّة للعقلاء انتهى (١) ..
(ومنها): العمل بخبر الواحد (ومنها): أن من صَدَق في إسلامه، والتزم أداء ما أُمر به دخل الجنّة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسأله الرابعة): اختَلَفوا، هل كان ضمام بن ثعلبة ﵁ مسلمًا قبل مجيئه، وإنما أتى مستثبتًا من النبي ﷺ ، أم أنه أنشأ الإيمان بعد حضوره؟:
والأول اختيار الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى-، فاحتجّ به على مسألة صحّة العرض على العالم، وترجم عليه، فقال: "باب القراءة والعرض على العالم". ورجحه القاضي عياض، فقال: والظاهر أن الرجل لم يأت إلا بعد إسلامه، وإنما جاء مستثبتًا، ومشافها للنبيّ ﷺ . انتهى.
فقوله - كما في الرواية الآتية -: "آمنت بما جئت به" إخبار بإيمانه قبل ذلك، وأنه إنما حضر بعد إسلامه، مستثبتًا من الرسول ﷺ ما أخبره به رسوله إليهم؛ لأنه قال: "فإن رسولك زعم"، وفي حديث ابن عباس عند الطبرانيّ: "أتتنا كتبك، وأتتنا رسلك". واستبط منه الحاكم أصل طلب علوّ الإسناد؛ لأنه سمع ذلك من الرسول، وآمن، وصدّق، ولكنه أراد أن يسمع ذلك من رسول اللَّه ﷺ مشافهة.
والثاني: هو الذي رجحه القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-، فقال في "المفهم": وقد فهم البخاريّ من هذا الحديث أن الرجل قد كان أسلم على يدي رسول رسول اللَّه ﷺ حين جاءهم، وصحّ إيمانه، وحفظ شرائعه، ثم جاء يَعْرِضها على النبيّ ﷺ ؛ ألا ترى البخاريّ كيف بوّب على هذا: "باب القراءة والعرض على المحدث"؟ وكأن البخاريّ أخذ هذا المعنى من قول الرجل في آخر الحديث: "آمنت بما جئت به، وأنا رسول من
стр. 11132
ورائي من قومي". وفيه نظر. وأما مساق مسلم، فظاهره أن الرجل لم ينشرح صدره للإسلام بعدُ، وأنه بقيت في قلبه منازعات، وشكوك، فجاء مجيء الباحث المستثبت، ألا تراه يقول: يا محمد، أتانا رسولك، فزعم لنا أنك تزعم أن اللَّه أرسلك، فإن الزعم قول لا يوثق به. قاله ابن السكّيت وغيره.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: في قوله: "فإن الزعم قول لا يوثق به" نظر؛ لأن هذا ليس متفقا عليه بين أهل اللغة، بل الزعم يطلق على القول المحقّق أيضًا، كما تقدّم نقله عن أبي عمر الزاهد في "شرح فصيح شيخه ثعلب"، وأكثر سيبويه من قوله: "زعم الخليل" في مقام الاحتجاج. واللَّه تعالى أعلم.
قال: غيرَ أنّ هذا الرجل كان كامل العقل، وقد كان نظر بعقله في المخلوقات، فدله ذلك على أن لها خالقًا خلقها، ألا ترى أنه استفهم النبيّ ﷺ عن خالق المخلوقات استفهام تقرير للقاعدة التي لا يصحّ العلم بالرسول إلا بعد حصولها، وهي التي تفيد العلم بالمرسل، ثم إنه لما وافقه على ما شهد به العقل، وأن اللَّه تعالى هو المنفرد بخلق هذه المخلوقات أقسم عليه، وسأل به، هل أرسله؟.
ثم إن الرجل استمرّ على أسئلته إلى أن حصل على طَلِبَتَهِ (١) فانشرح صدره للإسلام، وزاحت عنه الشكوك والأوهام، وذلك ببركة مشاهدته أنوارَ رسول اللَّه ﷺ ، فلقد كان كثير من العقلاء يحصل لهم العلم بصحّة رسالته بنفس رؤيته، ومشاهدته، قبل النظر في معجزته، كما قال أبو ذرّ ﵁: "فلما رأيته علمت أن وجهه ليس بوجه كذّاب"، حتى قال بعضهم [من البسيط]:
لَوْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ آيَاتٌ مُبَيِّنَةٌ … لَكَانَ مَنْظَرُهُ يُنْبِيكَ بِالْخَبَرِ
والحاصل من حال هذا السائل أنه حصل له العلم بصدق رسول اللَّه ﷺ ، وبصحّة رسالته، لمجموع قرائن، لا تتعيّن إحداها، ولا تنحصر أعدادها.
وقد روى ابن عباس ﵄ حديث ضمام هذا بأكمل من هذا، وقال فيه ما يدلّ على أن ضمامًا إنما أسلم بعد أن أجابه رسول اللَّه ﷺ عن أسئلته المتقدّمة، فلما أن فرغ قال ضمام: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمدًا رسول اللَّه، وسأؤدّي هذه الفرائض، وأجتنب ما نهيتني عنه، ثم لا أزيد، ولا أنقُص. فقال رسول اللَّه ﷺ : "إن يصدق ذو العقيصتين (٢) يدخل الجنّة"، ثم قدم ضمام على أهله، فعرض عليهم الإسلام، فما
стр. 11133
أمسى ذلك اليوم في حاضره من رجل، ولا امرأة إلا مسلمًا. قال ابن عباس: فما سمعنا بوافد قط كان أفضل من ضمام. انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي حققه القرطبيّ ﵀ من أن إسلام ضمام كان بعد هذه الأسئلة هو الذي يظهر لي؛ لأن سياق الحديث ظاهر فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٠٩٢ - (أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ, عَنِ اللَّيْثِ, عَنْ سَعِيدٍ, عَنْ شَرِيكِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ, أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ, يَقُولُ: بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ فِي الْمَسْجِدِ, جَاءَ رَجُلٌ, عَلَى جَمَلٍ, فَأَنَاخَهُ فِي الْمَسْجِدِ, ثُمَّ عَقَلَهُ, فَقَالَ لَهُمْ: أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ؟ , وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ , مُتَّكِئٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ, قُلْنَا لَهُ: هَذَا الرَّجُلُ الأَبْيَضُ الْمُتَّكِئُ, فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ, يَا ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ, فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «قَدْ أَجَبْتُكَ» , فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي سَائِلُكَ, يَا مُحَمَّدُ, فَمُشَدِّدٌ عَلَيْكَ فِي الْمَسْأَلَةِ, فَلَا تَجِدَنَّ فِي نَفْسِكَ, قَالَ: «سَلْ مَا بَدَا لَكَ». فَقَالَ الرَّجُلُ: نَشَدْتُكَ بِرَبِّكَ, وَرَبِّ مَنْ قَبْلَكَ, آللَّهُ أَرْسَلَكَ إِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ؟ , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اللَّهُمَّ نَعَمْ» , قَالَ: فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ, آللَّهُ أَمَرَكَ, أَنْ تُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ, فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ؟ , قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اللَّهُمَّ نَعَمْ» , قَالَ: فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ, آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تَصُومَ هَذَا الشَّهْرَ مِنَ السَّنَةِ؟ , قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اللَّهُمَّ نَعَمْ» , قَالَ: فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ, آللَّهُ أَمَرَكَ, أَنْ تَأْخُذَ هَذِهِ الصَّدَقَةَ, مِنْ أَغْنِيَائِنَا, فَتَقْسِمَهَا عَلَى فُقَرَائِنَا؟ , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اللَّهُمَّ نَعَمْ» , فَقَالَ الرَّجُلُ: آمَنْتُ بِمَا جِئْتَ بِهِ, وَأَنَا رَسُولُ مَنْ وَرَائِي, مِنْ قَوْمِي, وَأَنَا ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ, أَخُو بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ. خَالَفَهُ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عيسى بن حمّاد) بن مسلم التُّجيبيّ، أبو موسى المصريّ، لقبه زُغبَة، وهو لقب أبيه أيضًا، ثقة [١٠] ١٣٥/ ٢١١.
٢ - (الليث) بن سعد الإمام الحجة الفقيه المصريّ [٧] ٣١/ ٣٥.
٣ - (سعيد) بن أبي سعيد كيسان المقبريّ، أبو سَعْد المدنيّ، ثقة، تغيّر قبل موته بأربع سنين مات في حدود ١٢٠ - [٣] ٩٥/ ١١٧.
٤ - (شريك بن أبي نَمِر) هو: ابن عبد اللَّه، نُسب لجده، أبو عبد اللَّه المدنيّ، صدوق يخطىء مات في حدود ١٤٠ [٥] ٥٢/ ١٢٩٠.
٥ - (أنس بن مالك) ﵁ المذكور قبله. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 11134
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف ﵀، وأنه مسلسل بالمدنيين من سعيد، والباقيان مصريان، وأن فيه روايةَ تابعي، عن تابعيّ، وهو من رواية الأكابر عن الأصاغر، فإن سعيدا المقبريّ أكبر من شريك بن أبي نمر من الطبقة الثالثة، وهو من الخامسة، ولا ينافي هذا ما في "الفتح"، ونصّه: فيه رواية الأقران، قال: لأن سعيدًا وشريكا تابعيان، من درجة واحدة، وهما مدنيان انتهى. لأنه جعلهما من درجة واحدة؛ نظرا لكونهما تابعيين، وما هنا بالنظر لتفاوت مراتب التابعين فيما بينهم، فافهم. وفيه أنس ﵁ أحد المكثرين السبعة، وآخر من مات من الصحابة بالبصرة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ شَرِيكِ) بن عبد اللَّه (ابْنِ أَبِي نَمِرٍ) بفتح النون، وكسر الميم، لا يعرف اسمه، ذكره ابن سعد في الصحابة، وأخرج له ابن السكن حديثًا، وأغفله ابن الأثير؛ تبعًا لأصوله. قاله في "الفتح" (١).
(أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) ﵁ (يَقُولُ: بَينَا نَحْنُ جُلُوسٌ فِي الْمَسْجدِ) أي مسجد رسول اللَّه ﷺ (جَاءَ رَجُلٌ، عَلَى جَمَلٍ، فَأَنَاخَهُ فِي المَسْجِدِ) استنبط منه ابن بطَال وغيره طهارة أبوال الإبل، وأرواثها، إذ لا يؤمن ذلك منه مدّة كونه في المسجد، ولم ينكره النبيّ ﷺ . قال في "الفتح": ودلالته غير واضحة، وإنما فيه مجرّد احتمال، ويدفعه رواية أبي نُعيم: "أقبل على بعير له حتى أتى المسجد، فأناخه، ثم عقله، فدخل المسجد"، فهذا السياق يدلّ على أنه ما دخل به المسجد، وأصرح منه رواية ابن عباس، عند أحمد، والحاكم، ولفظها: "فأناخ بعيره على باب المسجد، فعقله، ثم دخل"، فعلى هذا في رواية أنس مجاز الحذف، والتقدير: فأناخه في ساحة المسجد، أو نحو ذلك انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: القول بطهارة أبوال الإبل، وأرواثها هو الصواب، فقد دلّ على ذلك خبر العرنيين المشهور، وقد تقدّم تحقيق ذلك في "أبواب الطهارة" - ١٩١/ ٣٠٥ - "باب بول ما يؤكل لحمه"، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
(ثُمَّ عَقَلَهُ) بتخفيف القاف: أي شدّ حبلًا على ساق الجمل بعد أن ثَنَى ركبته (فَقَالَ لَهُمْ: أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ؟، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، مُتَّكِئٌ بَينَ ظَهْرَانَيْهِمْ) فيه جواز اتكاء الإمام بين أتباعه، وفيه ما كان عليه رسول اللَّه ﷺ من التواضع، وترك التكبّر، لقوله: "بين ظهرانيهم"، وهي بفتح النون: أي بينهم، وزيد لفظ الظهر ليدلّ على أن ظهرًا منهم قُدّامه، وظهرًا منهم وراءه،
стр. 11135
فهو محفوف بهم من جانبيه، والألف والنون فيه للتأكيد. قاله صاحب "الفائق".
(قُلْنَا لَهُ: هَذَا الرَّجُلُ الْأَبْيَضُ) أي المشرب بحمرة، كما في الرواية الآتية من طريق الحارث بن عُمير بلفظ "الأمغر"، أي بالغين المعجمة، قال حمزة بن الحارث: هو الأبيض المشرب بحمرة، ويؤيده ما ثبت في صفته ﷺ أنه لم يكن أبيض، ولا آدم، أي لم يكن أبيض صِرْفًا. (الْمُتَّكِئُ، فَقَالَ: لَهُ الرَّجُلُ: يَا ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) نسبه لجدّه؛ لكونه مشهورًا بين العرب، وأما أبوه ﷺ فقد مات، وهو شابٌ، فلم يشتهر بين الناس اشتهار جدّه.
وكان ﷺ ينتسب إلى جدّه، كقوله:
أنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ … أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ
(فَقَالَ: لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قَدْ أَجَبْتُكَ") أي سمعتك، والمراد إنشاء الإجابة، أو نزّل تقريره للصحابة في الإعلام عنه منزلة النطق. وقد قيل: إنما لم يقل له: نعم؛ لأنه لم يخاطبه بما يليق بمنزلته من التعظيم، لا سيّما مع قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ الآية [النور: ٦٣]. والعذرُ عنه، إن قلنا: إنه قدم مسلما أنه لم يبلغه النهي، وكانت فيه بقية من جفاء الأعراب، وقد ظهرت بعد ذلك في قوله: "فمشدّد عليك في المسألة"، وفي قوله: "وزعم رسولك أنك تزعم".
(فَقَالَ الرَّجُلُ) وفي نسخة "فقاله له الرجل" (إِنِّي سَائِلُكَ، يَا مُحَمَّدُ، فَمُشَدِّدٌ) وفي نسخة "فمشتدٌ (عَلَيكَ فِي الْمَسأَلَةِ، فَلَا تجَدَنَّ فِي نَفْسِكَ) بنون التوكيد المشدّدة، وفي رواية البخاريّ: "فلا تجدْ"، أي لا تغضب. ومادّة "وجد" متّحدة الماضي والمضارع مختلفة المصادر، بحسب اختلاف المعاني، يقال في الغضب مَوْجِدة، وفي المطلوب: وُجُودًا، وفي الضالّة: وُجْدانًا، وفي الحبّ وَجْدًا -بالفتح-، وفي المال: وُجْدًا - بالضمّ، وفي الغنى: جِدَةً -بكسر الجيم، وتخفيف الدال المفتوحة- على الأشهر في جميع ذلك، وقالوا أيضًا في المكتوب: وِجَادةً، وهي مولّدة.
(قَالَ: "سَلْ مَا بَدَا لَكَ"، فَقَالَ: الرَّجُلُ: نَشَدْتُكَ بِرَبِّكَ) أي سألتك به، قال الفيّوميّ: نَشَدتك اللَّهَ، وباللَّه، أنشُدُك -من باب قتل-: ذكّرتك به، واستعطفتك، أو سألتك به مُقسِمًا عليك. انتهى.
وقال ابن الأثير: يقال: نشدتك اللَّهَ، وأنشدُك اللَّه، وباللَّه، وناشدتك اللَّهَ، وباللَّه: أي سألتك، وأقسمت عليك. ونشدته نِشْدة، ونشدانًا، ومناشدةً، وتعديته إلى مفعولين، إما لأنه بمنزلة: دعوت، حيث قالوا: نشدتك اللَّهَ، وباللَّه، كما قالوا: دعوت زيدًا، وبزيد، أو لأنهم ضمّنوه معنى: ذكّرتُ، فأما أنشدتك باللَّه، فخطأ انتهى (١).