قرر ضمامًا على ما اعتمد عليه في تعريف رسالته، وصدقه، ومجرّد إخباره إياه بذلك، ولم ينكر عليه ذلك، ولا قال: يجب عليك معرفة ذلك بالنظر في معجزاتي، والاستدلال بالأدلّة القطعيّة انتهى.
وقال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: ويُستفاد من هذا الحديث أن الشرع إنما طلب من المكلفين التصديق الجازم بالحقّ كيفما حصل، وبأيّ وجه ثبت، ولم يقصرهم في ذلك على النظر في دلالة معيّنة، ولا معجزة، ولا غيرها، بل كلّ من حصل له اليقين بصدقه بمشاهدة وجهه، أو بالنظر في معجزته، أو بتحليفه، أو بقرينة لاحت له، كان من المؤمنين، وكان من جملة عباد اللَّه المخلصين، لكن دلالات المعجزات هي الخاصّة بالأنبياء، والطرق العامّة للعقلاء انتهى (١) ..
(ومنها): العمل بخبر الواحد (ومنها): أن من صَدَق في إسلامه، والتزم أداء ما أُمر به دخل الجنّة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسأله الرابعة): اختَلَفوا، هل كان ضمام بن ثعلبة ﵁ مسلمًا قبل مجيئه، وإنما أتى مستثبتًا من النبي ﷺ ، أم أنه أنشأ الإيمان بعد حضوره؟:
والأول اختيار الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى-، فاحتجّ به على مسألة صحّة العرض على العالم، وترجم عليه، فقال: "باب القراءة والعرض على العالم". ورجحه القاضي عياض، فقال: والظاهر أن الرجل لم يأت إلا بعد إسلامه، وإنما جاء مستثبتًا، ومشافها للنبيّ ﷺ . انتهى.
فقوله - كما في الرواية الآتية -: "آمنت بما جئت به" إخبار بإيمانه قبل ذلك، وأنه إنما حضر بعد إسلامه، مستثبتًا من الرسول ﷺ ما أخبره به رسوله إليهم؛ لأنه قال: "فإن رسولك زعم"، وفي حديث ابن عباس عند الطبرانيّ: "أتتنا كتبك، وأتتنا رسلك". واستبط منه الحاكم أصل طلب علوّ الإسناد؛ لأنه سمع ذلك من الرسول، وآمن، وصدّق، ولكنه أراد أن يسمع ذلك من رسول اللَّه ﷺ مشافهة.
والثاني: هو الذي رجحه القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-، فقال في "المفهم": وقد فهم البخاريّ من هذا الحديث أن الرجل قد كان أسلم على يدي رسول رسول اللَّه ﷺ حين جاءهم، وصحّ إيمانه، وحفظ شرائعه، ثم جاء يَعْرِضها على النبيّ ﷺ ؛ ألا ترى البخاريّ كيف بوّب على هذا: "باب القراءة والعرض على المحدث"؟ وكأن البخاريّ أخذ هذا المعنى من قول الرجل في آخر الحديث: "آمنت بما جئت به، وأنا رسول من
стр. 11132
ورائي من قومي". وفيه نظر. وأما مساق مسلم، فظاهره أن الرجل لم ينشرح صدره للإسلام بعدُ، وأنه بقيت في قلبه منازعات، وشكوك، فجاء مجيء الباحث المستثبت، ألا تراه يقول: يا محمد، أتانا رسولك، فزعم لنا أنك تزعم أن اللَّه أرسلك، فإن الزعم قول لا يوثق به. قاله ابن السكّيت وغيره.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: في قوله: "فإن الزعم قول لا يوثق به" نظر؛ لأن هذا ليس متفقا عليه بين أهل اللغة، بل الزعم يطلق على القول المحقّق أيضًا، كما تقدّم نقله عن أبي عمر الزاهد في "شرح فصيح شيخه ثعلب"، وأكثر سيبويه من قوله: "زعم الخليل" في مقام الاحتجاج. واللَّه تعالى أعلم.
قال: غيرَ أنّ هذا الرجل كان كامل العقل، وقد كان نظر بعقله في المخلوقات، فدله ذلك على أن لها خالقًا خلقها، ألا ترى أنه استفهم النبيّ ﷺ عن خالق المخلوقات استفهام تقرير للقاعدة التي لا يصحّ العلم بالرسول إلا بعد حصولها، وهي التي تفيد العلم بالمرسل، ثم إنه لما وافقه على ما شهد به العقل، وأن اللَّه تعالى هو المنفرد بخلق هذه المخلوقات أقسم عليه، وسأل به، هل أرسله؟.
ثم إن الرجل استمرّ على أسئلته إلى أن حصل على طَلِبَتَهِ (١) فانشرح صدره للإسلام، وزاحت عنه الشكوك والأوهام، وذلك ببركة مشاهدته أنوارَ رسول اللَّه ﷺ ، فلقد كان كثير من العقلاء يحصل لهم العلم بصحّة رسالته بنفس رؤيته، ومشاهدته، قبل النظر في معجزته، كما قال أبو ذرّ ﵁: "فلما رأيته علمت أن وجهه ليس بوجه كذّاب"، حتى قال بعضهم [من البسيط]:
لَوْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ آيَاتٌ مُبَيِّنَةٌ … لَكَانَ مَنْظَرُهُ يُنْبِيكَ بِالْخَبَرِ
والحاصل من حال هذا السائل أنه حصل له العلم بصدق رسول اللَّه ﷺ ، وبصحّة رسالته، لمجموع قرائن، لا تتعيّن إحداها، ولا تنحصر أعدادها.
وقد روى ابن عباس ﵄ حديث ضمام هذا بأكمل من هذا، وقال فيه ما يدلّ على أن ضمامًا إنما أسلم بعد أن أجابه رسول اللَّه ﷺ عن أسئلته المتقدّمة، فلما أن فرغ قال ضمام: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمدًا رسول اللَّه، وسأؤدّي هذه الفرائض، وأجتنب ما نهيتني عنه، ثم لا أزيد، ولا أنقُص. فقال رسول اللَّه ﷺ : "إن يصدق ذو العقيصتين (٢) يدخل الجنّة"، ثم قدم ضمام على أهله، فعرض عليهم الإسلام، فما
стр. 11133
أمسى ذلك اليوم في حاضره من رجل، ولا امرأة إلا مسلمًا. قال ابن عباس: فما سمعنا بوافد قط كان أفضل من ضمام. انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي حققه القرطبيّ ﵀ من أن إسلام ضمام كان بعد هذه الأسئلة هو الذي يظهر لي؛ لأن سياق الحديث ظاهر فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٠٩٢ - (أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ, عَنِ اللَّيْثِ, عَنْ سَعِيدٍ, عَنْ شَرِيكِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ, أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ, يَقُولُ: بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ فِي الْمَسْجِدِ, جَاءَ رَجُلٌ, عَلَى جَمَلٍ, فَأَنَاخَهُ فِي الْمَسْجِدِ, ثُمَّ عَقَلَهُ, فَقَالَ لَهُمْ: أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ؟ , وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ , مُتَّكِئٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ, قُلْنَا لَهُ: هَذَا الرَّجُلُ الأَبْيَضُ الْمُتَّكِئُ, فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ, يَا ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ, فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «قَدْ أَجَبْتُكَ» , فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي سَائِلُكَ, يَا مُحَمَّدُ, فَمُشَدِّدٌ عَلَيْكَ فِي الْمَسْأَلَةِ, فَلَا تَجِدَنَّ فِي نَفْسِكَ, قَالَ: «سَلْ مَا بَدَا لَكَ». فَقَالَ الرَّجُلُ: نَشَدْتُكَ بِرَبِّكَ, وَرَبِّ مَنْ قَبْلَكَ, آللَّهُ أَرْسَلَكَ إِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ؟ , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اللَّهُمَّ نَعَمْ» , قَالَ: فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ, آللَّهُ أَمَرَكَ, أَنْ تُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ, فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ؟ , قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اللَّهُمَّ نَعَمْ» , قَالَ: فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ, آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تَصُومَ هَذَا الشَّهْرَ مِنَ السَّنَةِ؟ , قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اللَّهُمَّ نَعَمْ» , قَالَ: فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ, آللَّهُ أَمَرَكَ, أَنْ تَأْخُذَ هَذِهِ الصَّدَقَةَ, مِنْ أَغْنِيَائِنَا, فَتَقْسِمَهَا عَلَى فُقَرَائِنَا؟ , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اللَّهُمَّ نَعَمْ» , فَقَالَ الرَّجُلُ: آمَنْتُ بِمَا جِئْتَ بِهِ, وَأَنَا رَسُولُ مَنْ وَرَائِي, مِنْ قَوْمِي, وَأَنَا ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ, أَخُو بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ. خَالَفَهُ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عيسى بن حمّاد) بن مسلم التُّجيبيّ، أبو موسى المصريّ، لقبه زُغبَة، وهو لقب أبيه أيضًا، ثقة [١٠] ١٣٥/ ٢١١.
٢ - (الليث) بن سعد الإمام الحجة الفقيه المصريّ [٧] ٣١/ ٣٥.
٣ - (سعيد) بن أبي سعيد كيسان المقبريّ، أبو سَعْد المدنيّ، ثقة، تغيّر قبل موته بأربع سنين مات في حدود ١٢٠ - [٣] ٩٥/ ١١٧.
٤ - (شريك بن أبي نَمِر) هو: ابن عبد اللَّه، نُسب لجده، أبو عبد اللَّه المدنيّ، صدوق يخطىء مات في حدود ١٤٠ [٥] ٥٢/ ١٢٩٠.
٥ - (أنس بن مالك) ﵁ المذكور قبله. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 11134
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف ﵀، وأنه مسلسل بالمدنيين من سعيد، والباقيان مصريان، وأن فيه روايةَ تابعي، عن تابعيّ، وهو من رواية الأكابر عن الأصاغر، فإن سعيدا المقبريّ أكبر من شريك بن أبي نمر من الطبقة الثالثة، وهو من الخامسة، ولا ينافي هذا ما في "الفتح"، ونصّه: فيه رواية الأقران، قال: لأن سعيدًا وشريكا تابعيان، من درجة واحدة، وهما مدنيان انتهى. لأنه جعلهما من درجة واحدة؛ نظرا لكونهما تابعيين، وما هنا بالنظر لتفاوت مراتب التابعين فيما بينهم، فافهم. وفيه أنس ﵁ أحد المكثرين السبعة، وآخر من مات من الصحابة بالبصرة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ شَرِيكِ) بن عبد اللَّه (ابْنِ أَبِي نَمِرٍ) بفتح النون، وكسر الميم، لا يعرف اسمه، ذكره ابن سعد في الصحابة، وأخرج له ابن السكن حديثًا، وأغفله ابن الأثير؛ تبعًا لأصوله. قاله في "الفتح" (١).
(أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) ﵁ (يَقُولُ: بَينَا نَحْنُ جُلُوسٌ فِي الْمَسْجدِ) أي مسجد رسول اللَّه ﷺ (جَاءَ رَجُلٌ، عَلَى جَمَلٍ، فَأَنَاخَهُ فِي المَسْجِدِ) استنبط منه ابن بطَال وغيره طهارة أبوال الإبل، وأرواثها، إذ لا يؤمن ذلك منه مدّة كونه في المسجد، ولم ينكره النبيّ ﷺ . قال في "الفتح": ودلالته غير واضحة، وإنما فيه مجرّد احتمال، ويدفعه رواية أبي نُعيم: "أقبل على بعير له حتى أتى المسجد، فأناخه، ثم عقله، فدخل المسجد"، فهذا السياق يدلّ على أنه ما دخل به المسجد، وأصرح منه رواية ابن عباس، عند أحمد، والحاكم، ولفظها: "فأناخ بعيره على باب المسجد، فعقله، ثم دخل"، فعلى هذا في رواية أنس مجاز الحذف، والتقدير: فأناخه في ساحة المسجد، أو نحو ذلك انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: القول بطهارة أبوال الإبل، وأرواثها هو الصواب، فقد دلّ على ذلك خبر العرنيين المشهور، وقد تقدّم تحقيق ذلك في "أبواب الطهارة" - ١٩١/ ٣٠٥ - "باب بول ما يؤكل لحمه"، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
(ثُمَّ عَقَلَهُ) بتخفيف القاف: أي شدّ حبلًا على ساق الجمل بعد أن ثَنَى ركبته (فَقَالَ لَهُمْ: أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ؟، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، مُتَّكِئٌ بَينَ ظَهْرَانَيْهِمْ) فيه جواز اتكاء الإمام بين أتباعه، وفيه ما كان عليه رسول اللَّه ﷺ من التواضع، وترك التكبّر، لقوله: "بين ظهرانيهم"، وهي بفتح النون: أي بينهم، وزيد لفظ الظهر ليدلّ على أن ظهرًا منهم قُدّامه، وظهرًا منهم وراءه،
стр. 11135
فهو محفوف بهم من جانبيه، والألف والنون فيه للتأكيد. قاله صاحب "الفائق".
(قُلْنَا لَهُ: هَذَا الرَّجُلُ الْأَبْيَضُ) أي المشرب بحمرة، كما في الرواية الآتية من طريق الحارث بن عُمير بلفظ "الأمغر"، أي بالغين المعجمة، قال حمزة بن الحارث: هو الأبيض المشرب بحمرة، ويؤيده ما ثبت في صفته ﷺ أنه لم يكن أبيض، ولا آدم، أي لم يكن أبيض صِرْفًا. (الْمُتَّكِئُ، فَقَالَ: لَهُ الرَّجُلُ: يَا ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) نسبه لجدّه؛ لكونه مشهورًا بين العرب، وأما أبوه ﷺ فقد مات، وهو شابٌ، فلم يشتهر بين الناس اشتهار جدّه.
وكان ﷺ ينتسب إلى جدّه، كقوله:
أنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ … أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ
(فَقَالَ: لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قَدْ أَجَبْتُكَ") أي سمعتك، والمراد إنشاء الإجابة، أو نزّل تقريره للصحابة في الإعلام عنه منزلة النطق. وقد قيل: إنما لم يقل له: نعم؛ لأنه لم يخاطبه بما يليق بمنزلته من التعظيم، لا سيّما مع قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ الآية [النور: ٦٣]. والعذرُ عنه، إن قلنا: إنه قدم مسلما أنه لم يبلغه النهي، وكانت فيه بقية من جفاء الأعراب، وقد ظهرت بعد ذلك في قوله: "فمشدّد عليك في المسألة"، وفي قوله: "وزعم رسولك أنك تزعم".
(فَقَالَ الرَّجُلُ) وفي نسخة "فقاله له الرجل" (إِنِّي سَائِلُكَ، يَا مُحَمَّدُ، فَمُشَدِّدٌ) وفي نسخة "فمشتدٌ (عَلَيكَ فِي الْمَسأَلَةِ، فَلَا تجَدَنَّ فِي نَفْسِكَ) بنون التوكيد المشدّدة، وفي رواية البخاريّ: "فلا تجدْ"، أي لا تغضب. ومادّة "وجد" متّحدة الماضي والمضارع مختلفة المصادر، بحسب اختلاف المعاني، يقال في الغضب مَوْجِدة، وفي المطلوب: وُجُودًا، وفي الضالّة: وُجْدانًا، وفي الحبّ وَجْدًا -بالفتح-، وفي المال: وُجْدًا - بالضمّ، وفي الغنى: جِدَةً -بكسر الجيم، وتخفيف الدال المفتوحة- على الأشهر في جميع ذلك، وقالوا أيضًا في المكتوب: وِجَادةً، وهي مولّدة.
(قَالَ: "سَلْ مَا بَدَا لَكَ"، فَقَالَ: الرَّجُلُ: نَشَدْتُكَ بِرَبِّكَ) أي سألتك به، قال الفيّوميّ: نَشَدتك اللَّهَ، وباللَّه، أنشُدُك -من باب قتل-: ذكّرتك به، واستعطفتك، أو سألتك به مُقسِمًا عليك. انتهى.
وقال ابن الأثير: يقال: نشدتك اللَّهَ، وأنشدُك اللَّه، وباللَّه، وناشدتك اللَّهَ، وباللَّه: أي سألتك، وأقسمت عليك. ونشدته نِشْدة، ونشدانًا، ومناشدةً، وتعديته إلى مفعولين، إما لأنه بمنزلة: دعوت، حيث قالوا: نشدتك اللَّهَ، وباللَّه، كما قالوا: دعوت زيدًا، وبزيد، أو لأنهم ضمّنوه معنى: ذكّرتُ، فأما أنشدتك باللَّه، فخطأ انتهى (١).
стр. 11136
وفي الرواية التالية: "أنشدُك" بصيغة المضارع. وهو بفتح الهمزة، وضم المعجمة. قال البغويّ في "شرح السنّة": وهو رفع الصوت، والمعنى سألتك رافعا نشيدتي. انتهى. وقال الجوهريّ: نشدتك باللَّه: أي سألتك باللَّه، كأنك ذكّرته، فنَشَدَ: أي تذكّر انتهى (١).
(وَرَبِّ مَنْ قَبلَكَ، اللَّهُ) بالمدّ في المواضع كلها، والهمزة للاستفهام، كقوله تعالى: ﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ الآية (أَرْسَلَكَ إِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ؟، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ نَعَمْ") الجواب حصل بـ "نعم"، وإنما ذكر "اللَّهَمّ" تبرّكًا، وكأنه استشهد باللَّه في ذلك تأكيدًا لصدقه (قَالَ: فَأَنشُدُكَ اللَّهَ، اللَّهُ أَمَرَكَ، أَنْ تُصَلِّيَ) بتاء الخطاب فيه، وفيما بعده. ووقع عند البخاريّ في رواية الأصيليّ بالنون فيها. قال القاضي عياض: هو أوجه، ويؤيّده ما تقدّم في رواية ثابت، عن أنس، بلفظ: "أنّ علينا خمس صلوات في كلّ يوم وليلة". وتوجيه الأول أن كلّ ما وجب عليه وجب على أمته حتى يقوم دليل الاختصاص. أفاده في "الفتح" (الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ) وعند البخاريّ من رواية الكشميهني، والسرخسيّ: "الصلاة الخمس" بالإفراد على إرادة الجنس (فِي الْيَوْم وَاللَّيلَةِ؟، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ نَعَمْ"، قَالَ: فَأَنشُدُكَ اللَّهَ، آللَّهُ أَمَرَكَ، أَنْ تَصُوَمَ هَذَا الشهْرَ، مِنَ السَّنَةِ؟، قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ نَعَمْ"، قَالَ: فَأَنشُدُكَ اللَّهَ، آللَّهُ أَمَرَكَ، أَنْ تَأخُذَ هَذِهِ الصَّدَقَةَ) قال ابن التين: فيه دليل على أن المرأ لا يفرّق صدقته بنفسه. قال الحافظ: وفيه نظر (مِنْ أَغْنِيَائِنَا، فَتَقْسِمَهَا عَلَى فُقَرَائِنَا؟) هذا خرج مخرج الأغلب، لأنهم معظم أهل الصدقة، وإلا فمحلّ الصدقة هم الأصناف الثمانية المذكورون في آية الصدقة (فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ نَعَمْ"، فَقَالَ: الرَّجُلُ: آمَنْتُ بِمَا جِئْتَ بِهِ) يحتمل أن يكون إخبارًا، وهو اختيار البخاريّ، ورجحه القاضي عياض، وأنه حضر بعد إسلامه، مستثبتًا من الرسول ﷺ ما أخبر به رسوله إليهم. ويحتمل أن يكون قوله: "آمنت" إنشاء، ورجحه القرطبيّ؛ لقوله: "زعم"؛ قال: فإن الزعم القولُ الذي لا يوثق به، قاله ابن السكّيت. قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأن الزعم يطلق على المحقّق أيضًا، كما نقله أبو عمر الزاهد في شرح فصيح شيخه ثعلب، وأكثر سيبويه من قوله: "زعم الخليل" في مقام الاحتجاج. قال: وأما تبويب أبي داود عليه: "باب المشرك يدخل المسجد" فليس مصيرًا منه إلى أن ضمامًا قدم مشركًا، بل وجهه أنهم تركوا شخصًا قادمًا يدخل المسجد من غير استفصال.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وفيه نظر، بل الظاهر من صنيع أبي داود الميل إلى أن ضمامًا قدم، وهو مشرك. فتأمّل.
стр. 11137
وقال الكرمانيّ -رحمه اللَّه تعالى-: ومما يؤيد أنه لم يسأل عن دليل التوحيد، بل عن عموم الرسالة، وعن شرائع الإسلام، ولو كان إنشاء لكان طلب معجزة توجب له التصديق. انتهى.
وعكس هذا القرطبيّ، فاستدلّ به على صحّة إيمان المقلّد للرسول، ولو لم تظهر له معجزة، وكذا أشار إليه ابن الصلاح. قاله في "الفتح".
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يظهر لي أن ما قاله القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: أقرب إلى ظاهر قصّة ضمام ﵁ كما تقدّم ذلك. واللَّه تعالى أعلم.
(وَأَنَا رَسُولُ مَنْ وَرَائِي) "مَنْ" موصولة، و"رسول" مضاف إليها، ويجوز تنوينه، وكسر "مِنْ"، لكن لم تأت به الرواية. قاله في "الفتح" (مِنْ قَوْمِي) بيان لـ "من" الموصولة (وَأَنَا ضِمَامُ ابْنُ ثَعْلَبَةَ) بكسر الضاد المعجمة، وتخفيف الميم (أَخُو بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ) وعند الطبرانيّ، من رواية عكرمة، عن ابن عباس ﵄: "جاء رجل من بني سعد بن بكر إلى رسول اللَّه ﷺ -وكان مُسترضَعًا فيهم- فقال: أنا وافد قومي، ورسولهم". وعند أحمد، والحاكم: "بَعَثَتْ بنو سعد بن بكر ضمام بن ثعلبة وافدًا إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقدم علينا"، فذكر الحديث، فقول ابن عباس: "فقدم علينا" يدلّ على تأخر وفادته أيضًا؛ لأن ابن عباس إنما قدم المدينة بعد الفتح.
وزاد مسلم في آخر الحديث: قال: والذي بعثك بالحقّ لا أزيد عليهنّ، ولا أنتقص، فقال النبيّ ﷺ : "لئن صدق ليدخلنّ الجنّة".
ووقعت هذه الزيادة في حديث ابن عباس، وهي الحاملة لمن سَمّى المبهم في حديث طلحة، ضمام بن ثعلبة، كابن عبد البرّ وغيره.
ومال القرطبيّ إلى أنه غيره. ووقع في رواية عبيد اللَّه بن عمر، عن المقبريّ، عن أبي هريرة، من الزيادة في هذه القصّة أن ضمامًا قال بعد قوله: وأنا ضمام بن ثعلبة: فأما هذه الْهَنَاة، فوالله إن كثا لنتنزّه عنها في الجاهليّة -يعني الفواحش- فلما ولّى قال النبيّ ﷺ : "فقه الرجل". قال: وكان عمر بن الخطّاب يقول: ما رأيت أحسن مسألة، ولا أوجز من ضمام. ووقع في آخر حديث ابن عباس عند أبي داود: فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أنس بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه.
стр. 11138
(المسألة الثانية): في فوائده غير ما تقدّم:
(منها): العمل بخبر الواحد، ولا يقدح فيه مجيء ضمام مستثبتا -على ما قيل- لأنه قصد اللقاء والمشافهة، كما تقدّم عن الحاكم. وقد رجع ضمام إلى قومه وحده، فصدّقوه، وآمنوا، كما وقع في حديث ابن عباس. (ومنها): أن فيه نسبة الشخص إلى جدّه إذا كان أشهر من أبيه، ومنه قوله ﷺ : يوم حنين:
"أنا ابن عبد المطّلب"
(ومنها): أن فيه الاستحلاف على الأمر المحقّق؛ لزيادة التأكيد. وتمام الكلام على بقية مسائده تقدّم في الذي قبله، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله: (خَالَفَهُ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) يعني أنه خالف يعقوبُ بنُ إبراهيم بنِ سعد عيسى بنَ حماد زُغْبَةَ الروايَ عن الليث بن سعد، في إسناد هذا الحديث، فأدخل بين الليث، وسعيد المقبريّ واسطة، وهو محمد بن عجلان، وغيره، وهذا خطأ، والصواب رواية عيسى.
قال الحافظ في "الفتح" عند شرح قوله: "عن الليث، عن سعيد": ما نصّه: في رواية الإسماعيليّ، من طريق يونس بن محمد، عن الليث، حدثني سعيد، وكذا لابن منده من طريق ابن وهب، عن الليث.
قال: وفي هذا دليل على أن رواية النسائي من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن الليث، قال: حدثني محمد بن عَجْلان وغيره، عن سعيد موهومة، معدودة من المزيد في متصل الأسانيد، أو يحمل على أن الليث سمعه، عن سعيد بواسطة، ثم لقيه، فحدثه به. انتهى (١).
والحاصل أن الراجح رواية عيسى بن حماد، عن الليث، عن سعيد المقبريّ، بدون واسطة بين الليث وبين سعيد المقبريّ؛ لأنه وقع تصريح الليث بالتحديث عن سعيد المقبريّ، ولمتابعة يونس بن محمد، وابن وهب له في ذلك، فاتفاق الثلاثة، على إسقاط الواسطة يدلّ على وَهَم رواية يعقوب هذه، وأنها معدودة من المزيد في متصل الأسانيد، ولا سيمّا وقد صرح الأخيران بسماع الليث، عن سعيد. واللَّه تعالى أعلم. ثم بيّن رواية يعقوب بقوله:
٢٠٩٣ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ, مِنْ كِتَابِهِ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَمِّي, قَالَ:
стр. 11139
حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَجْلَانَ وَغَيْرُهُ, مِنْ إِخْوَانِنَا, عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ, عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ, أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ, يَقُولُ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , جُلُوسٌ فِي الْمَسْجِدِ, دَخَلَ رَجُلٌ, عَلَى جَمَلٍ, فَأَنَاخَهُ فِي الْمَسْجِدِ, ثُمَّ عَقَلَهُ, ثُمَّ قَالَ: أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ؟ , وَهُوَ مُتَّكِئٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ (١) , فَقُلْنَا لَهُ: هَذَا الرَّجُلُ الأَبْيَضُ الْمُتَّكِئُ, فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: يَا ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ, فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «قَدْ أَجَبْتُكَ» , قَالَ الرَّجُلُ: يَا مُحَمَّدُ, إِنِّي سَائِلُكَ, فَمُشَدِّدٌ عَلَيْكَ فِي الْمَسْأَلَةِ, قَالَ: سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ, قَالَ: أَنْشُدُكَ بِرَبِّكَ, وَرَبِّ مَنْ قَبْلَكَ, آللَّهُ أَرْسَلَكَ إِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ؟ , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اللَّهُمَّ نَعَمْ» , قَالَ: فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ, آللَّهُ أَمَرَكَ, أَنْ تَصُومَ هَذَا الشَّهْرَ, مِنَ السَّنَةِ؟ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اللَّهُمَّ نَعَمْ» , قَالَ: فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ, آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تَأْخُذَ هَذِهِ الصَّدَقَةَ؟ مِنْ أَغْنِيَائِنَا, فَتَقْسِمَهَا, عَلَى فُقَرَائِنَا؟ , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اللَّهُمَّ نَعَمْ» , فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي آمَنْتُ بِمَا جِئْتَ بِهِ, وَأَنَا رَسُولُ مَنْ وَرَائِي, مِنْ قَوْمِي, وَأَنَا ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ, أَخُو بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ. خَالَفَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متفق عليه، وقد مضى شرحه، وكذا الكلام على مسائله في الحديث الماضي، فليُرَاجع هناك.
و"عبيد اللَّه بن سعد بن إبراهيم": هو أبو الفضل البغداديّ، قاضي أصبهان، ثقة [١١] ١٧/ ٤٨٠. و"عمه": هو يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن ابن عوف، أبو يوسف المدني، نزيل بغداد، ثقة فاضل، من صغار [٩] ١٩٦/ ٣١٤. و"ابن عجلان": هو محمد المدنيّ، صدوق [٥] ٣٦/ ٤٠
وقوله: "من كتابه": يعني أنه أخبره مما كتبه عن عمه، لا من حفظه، والإخبار، أو التحديث من الكتاب فيه خلاف، والصحيح جوازه، إذا كان كتابه مصونا لديه. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (خَالَفَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ) يعني أنه خالف عبيد اللَّهُ بنُ عمر العمريّ الليثَ بنَ سعد في إسناد هذا الحديث، فجعله عن سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة ﵁، فأخطأ في ذلك، والراجح رواية الليث، عن سعيد، عن شريك بن عبد اللَّه، عن أنس ﵁، كما رجحها أبو حاتم، والدارقطنيّ.
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- في "الفتح" بعد ذكر الاختلاف المتقدّم: ما نصّه: وفيه
стр. 11140
اختلاف آخر، أخرجه النسائي، والبغويّ، من طريق الحارث بن عُمير، عن عُبيد اللَّه بن عمر، وذكره ابن منده من طريق الضحّاك بن عثمان كلاهما عن سعيد، عن أبي هريرة. ولم يقدح هذا الاختلاف فيه عند البخاريّ؛ لأن الليث أثبتهم في سعيد المقبريّ، مع احتمال أن يكون لسعيد فيه شيخان، لكن تترجّح رواية الليث بأن المقبريّ عن أبي هريرة جادّة مألوفة، فلا يَعدِل عنها إلى غيرها إلا من كان ضابطًا متثبّتًا، ومن ثمّ قال ابن أبي حاتم، عن أبيه: رواية الضحّاك وَهَمٌ. وقال الدارقطنيّ في "العدل": رواه عبيد اللَّه ابن عمر، وأخوه عبد اللَّه، والضحّاك بن عثمان، عن المقبريّ، عن أبي هريرة، وَوَهِمُوا فيه، والقول قول الليث.
أما مسلم فلم يُخرجه من هذا الوجه، بل أخرجه من طريق سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس.
وقد أشار البخاريّ إليها عقب طريق الليث. وما فرّ منه مسلم وقع في نظيره، فإن حماد بن سلمة أثبت الناس في ثابت، وقد روى هذا الحديث عن ثابت، فأرسله، ورجّح الدارقطني رواية حماد انتهى ما قاله في "الفتح" (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
ثم بين رواية عبيد اللَّه بن عمر بقوله:
٢٠٩٤ - (أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُمَارَةَ, حَمْزَةُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عُمَيْرٍ, قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي, يَذْكُرُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ , مَعَ أَصْحَابِهِ, جَاءَ رَجُلٌ, مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ, قَالَ: أَيُّكُمُ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ قَالُوا: هَذَا الأَمْغَرُ, الْمُرْتَفِقُ- قَالَ حَمْزَةُ: الأَمْغَرُ: الأَبْيَضُ, مُشْرَبٌ حُمْرَةً, فَقَالَ: إِنِّي سَائِلُكَ, فَمُشْتَدٌّ عَلَيْكَ فِي الْمَسْأَلَةِ, قَالَ: "سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ؟ ", قَالَ: أَسْأَلُكَ بِرَبِّكَ, وَرَبِّ مَنْ قَبْلَكَ, وَرَبِّ مَنْ بَعْدَكَ, آللَّهُ أَرْسَلَكَ؟ , قَالَ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ» , قَالَ: فَأَنْشُدُكَ بِهِ, آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تُصَلِّيَ خَمْسَ صَلَوَاتٍ, فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ؟ , قَالَ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ» , قَالَ: فَأَنْشُدُكَ بِهِ, آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْ أَمْوَالِ أَغْنِيَائِنَا, فَتَرُدَّهُ عَلَى فُقَرَائِنَا؟ , قَالَ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ» , قَالَ: فَأَنْشُدُكَ بِهِ, آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تَصُومَ هَذَا الشَّهْرَ, مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا؟ , قَالَ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ» , قَالَ: فَأَنْشُدُكَ بِهِ, آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ يَحُجَّ هَذَا الْبَيْتَ, مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً؟ , قَالَ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ» , قَالَ: فَإِنِّي آمَنْتُ, وَصَدَّقْتُ, وَأَنَا ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ).
стр. 11141
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أبو بكر بن عليّ) هو أحمد بن عليّ بن سعيد بن إبراهيم القرشيّ الأمويّ، المروزيّ قاضي دمشق، ثقة حافظ [١٢].
كان فاضلاً، له تصانيف، منها كتاب "العلم"، وكتاب "الجمعة"، و"مسند" أبي بكر، وعثمان، وعائشة، وغير ذلك، وكان مكثرًا شيوخًا، وحديثًا. وثقه النسائيّ، وقال في موضع آخر: لا بأس به. مات يوم الأربعاء، ودفن لخمس بقين من ذي الحجة، سنة ٢٩٢، وقد بلغ عمره (٩٠) سنة، أو دونها. انفرد به المصنّف، وله عنده ستة وعشرون حديثًا.
٢ - (إسحاق) بن أبي إسرائيل، واسمه إبراهيم بن كامَجْرا -بفتح الميم، وسكون الجيم- أبو يعقوب المروزيّ، نزيل بغداد، صدوق، تُكلِّم فيه لوقفه في القرآن، من كبار [١٠].
وثّقه ابن معين، وقال أيضًا: من ثقات المسلمين، ما كتب حديثًا قط عن أحد من الناس إلا ما خطّه هو في ألواحه أو كتابه. وقال أيضًا: ثقة مأمون، أثبت من القواريريّ، وأكيس، والقواريريّ صدوق، وليس هو مثل إسحاق. وقال أبو بكر المروزيّ: تركت حديث إسحاق بن أبي إسرائيل، فقال لي حُبيش بن مبشّر: لا تفعل، فإني رأيت مع يحيى بن معين جزءًا، فقلت له: يا أبا زكريا كتبت عن إسحاق؟ فقال: كتبت عنه سبعة وعشرين جزءا. وقال يعقوب بن شيبة: سُريج بن يونس شيخ صالح صدوق، وإسحاق بن أبي إسرائيل أثبت منه. وقال الدارقطنيّ: ثقة. وقال البغويّ: كان ثقة مأمونّا إلا أنه كان قليل العقل. وقال صالح جَزَرة: صدوق في الحديث، إلا أنه يقول: القرآن كلام اللَّه ويقف. وقال الساجيّ: تركوه لموضع الوقف، وكان صدوقًا. وقال أحمد: إسحاق بن أبي إسرائيل واقفيّ مشؤوم، إلا أنه صاحب حديث كيّس. وقال السرّاج: سمعته يقول: هؤلاء الصبيان يقولون: كلام اللَّه غير مخلوق، ألا قالوا: كلام اللَّه وسكتوا. وقال عثمان سعيد الدارميّ: سألت يحيى بن معين عنه؟ فقال: ثقة. قال عثمان: لم يكن أظهر الوقف حين سألت يحيى عنه، ويوم كتبنا عنه كان مستورًا. وقال عبدوس النيسابوريّ: كان حافظا جدّا، ولم يكن مثله في الحفظ والورع، وكان لقي المشايخ، فقيل: كان يتّهم بالوقف؟ قال: نعم اتهم، ولم يكن بمتّهم. وقال مصعب الزبيريّ: ناظرته، فقال: لم أقل على الشكّ، ولكنّي أسكت كما سكت القوم قبلي.
مات سنة (٢٤٥) وقيل: (٤٦) في شعبان. وكان مولده سنة (١٥١). أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، وأبو داود، والمصنّف، وله عنده هذا الحديث فقط.
стр. 11142
٣ - (أبو عُمارة حمزة بن الحارث بن عمير) العدويّ مولاهم البصريّ نزيل مكة، ثقة [١٠].
قال ابن سعد: كان ثقة، قليل الحديث. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: يروي المقاطيع. روى له المصنّف هذا الحديث فقط، وروى له ابن ماجه.
٤ - (أبوه) الحارث بن عُمير أبو عمير البصريّ نزيل مكّة، والد حمزة، وثقه الجمهور، وفي أحاديثه مناكير، ضعّفه بسببها الأزديّ، وابن حبّان، وغيرهما [٨].
وثقه ابن معين، وأبو حاتم، والنسائيّ، والعجليّ، والدارقطني. وقال حماد بن زيد: - ونظر إليه -: هذا من ثقات أصحاب أيوب. وقال أبو زرعة: ثقة رجل صالح.
وقال الأزديّ: ضعيف منكر الحديث. وقال الحاكم: روى عن حميد الطويل، وجعفر ابن محمد أحاديث موضوعة. ونقل ابن الجوزيّ، عن ابن خزيمة أنه قال: الحارث بن عُمير كذّاب. وقال ابن حبّان: كان ممن يروي عن الأثبات الأشياء الموضوعات.
علق عنه البخاريّ، وروى له الأربعة، له عند المصنف هذا الحديث فقط.
٥ - (عبيد اللَّه بن عمر) العمريّ المدنيّ الفقيه، ثقة ثبتٌ [٥] ١٥/ ١٥.
٦ - (سعيد بن أبي سعيد المقبري) تقدم قريبًا.
٧ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "المرتفق": أي المتّكىء على وسادة. وقوله: "قال حمزة: الأمغر الأبيض مشربٌ حمرة. الخ": هو حمزة بن الحارث بن عُمير. وقوله: "مشربٌ" خبر لمحذوف، أي هو مشرب. وقوله: "حمرة" مفعول ثان لـ "مشرب".
وقال ابن الأثير: الأمغر الأحمر، مأخوذ من المَغَرَة، وهو المَدَر الأحمر الذي تُصبغ به الثياب. وقيل: أراد بالأمغر الأبيض؛ لأنهم يسمّون الأبيض أحمر انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيح، وقد تقدّم شرحه مستوفى قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
стр. 11143
٢ - (بَابُ الْفَضْلِ وَالْجُودِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ)
٢٠٩٥ - (أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ, عَنِ ابْنِ وَهْبٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ, أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ, كَانَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , أَجْوَدَ النَّاسِ, وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ, حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ, وَكَانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ, مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ, فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ, قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ ﵇, أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ, مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (سليمان بن داود) الْمَهْريّ، أبو الربيع المصريّ، ابن أخي رِشدين بن سعد، ثقة [١١] ٦٣/ ٧٩ من أفراد المصنف، وأبي داود.
٢ - (ابن وهب) هو عبد اللَّه المصريّ الحافظ الثقة الفقيه [٩] ٩/ ٩.
٣ - (يونس) بن يزيد الأيليّ، ثقة ثبت [٧] ٩/ ٩.
٤ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الإمام الحجة الثقة الثبت [٤] ١/ ١.
٥ - (عُبَيدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ) المدني الفقيه الثقة الثبت [٣] ٤٥/ ٥٦.
٦ - (عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ) البحر الحبر - رضي اللَّه تعالى عنهما -. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن الثلاثة الأولين مصريون، والآخرون مدنيون. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه أحد الفقهاء السبعة عبيد اللَّه. (ومنها): أن فيه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - أحد المكثرين، وأحد العباددة الأربعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبدِ اللَّهِ بْن عُتْبَةَ) بن مسعود الهذليّ المذليّ، أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة (أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَاسِ) ﵄ (كَانَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَجْوَدَ النَّاسِ) كلام إضافيّ منصوب لأنه خبر "كان"، وقدّم ابن عباس هذه الجملة على ما بعدها، وإن كانت لا تتعلّق بالقرآن على سبيل الاحتراس من مفهوم ما بعدها. ومعنى "أجود الناس" أكثر الناس جُودًا، والجود الكرم، وهو من الصفات المحمودة. وقد
стр. 11144
أخرج الترمذيّ، من حديث سعد بن أبي وقّاص ﵁ رفعه: "إن اللَّه جواد يحبّ الجود … " الحديث. وفي سنده ضعف. وله من حديث أنس رفعه: "أنا أجود ولد آدم، وأجودهم بعدي رجل علم علمًا، فنشر علمه، ورجل جاد بنفسه في سبيل اللَّه". وفي سنده مقال. وفي "صحيح البخاريّ، من حديث أنس ﵁: "كان النبيّ ﷺ أشجع الناس، وأجود الناس … " الحديث.
(وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ) يجوز في "أجود" الرفع، والنصب، أما الرفع فهو أكثر الروايات، ووجهه أن يكون اسم "كان"، وخبرها محذوف وجوبًا؛ لسدّ الحال مسدّه، وهذا من المواضع التي يجب فيها حذف الخبر، وذلك فيما إذا كان المبتدأ مصدرًا، وبعده حال سدّت مسدّ الخبر، وهي لا تصلح أن تكون خبرًا، فيحذف الخبر وجوبًا لسد الحال مسدّه، نحو ضربي العبد مسيئًا، أي إذا كان مسيئا، ونحو: "أجود ما يكون في رمضان"، أي إذا كان في رمضان، ونحو قولك: أخطب ما يكون الأمير قائما، أي إذا كان قائمًا، وإلى ذلك أشار ابن مالك ﵀ في "خلاصته" حيث قال:
وَقَبْلَ حَالٍ لَا يَكُونُ خَبَرَا … عَنِ الَّذِي خَبَرُهُ قَدْ أُضْمِرَا
كضَرْبِيَ الْعَبْدَ مُسِيئًا وَأَتّمُّ … تَبيِينَ الْحَقَّ مَنُوطًا بِالْحِكَمْ
فلفظة "ما" مصدرية، و"يكون" صلتها، أي أجود أكوان الرسول ﷺ (فِي رَمَضَانَ) متعلق بحال محذوف واقع موقع الخبر الذي هو "حاصل"، أو "واقع" (حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ) منصوب على الظرفية، متعلق بحال من الضمير في "حاصل" المقدّر، فهو حال من حال، ويسمى بالحالين المتداخلين، والتقدير: كان أجود أكوانه ﷺ حاصلا إذا كان في رمضان، حال ملاقاة جبريل.
ويحتمل أن تكون "كان" شانيّة، فيها ضمير الشأن، و"أجود ما يكون" كلام إضافيّ مبتدأ، وخبره "في رمضان"، والتقدير: كان الشأن أجودُ أكوان الرسول ﷺ حاصلٌ في رمضان حين الملاقاة.
ويحمتل أن يكون الوقت فيه مقدّرًا، كما في مَقْدَم الحاجّ، والتقدير: كان أجود أوقات كونه، وقتُ كونه في رمضان، وإسناد الجود إلى أوقاته ﷺ على سبيل المبالغة، كإسناد الصوم إلى النهار في نحو: نهارُهُ صائم.
وأما النصب فعلى أنه خبر "كان". وتُعُقّب بأنه يلزم منه أن يكون خبرها اسمها. وأجيب بجعل اسم "كان" ضمير النبيّ ﷺ ، و"أجود" خبرها، والتقدير: كان رسول اللَّه ﷺ مدّة كونه في رمضان أجود منه في غيره.
قال النووي -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: الرفع أشهر، والنصب جائز. وذكر أنه سأل ابن مالك
стр. 11145
عنه؟ فخرّج الرفع من ثلاثة أوجه، والنصب من وجهين. وذكر ابن الحاجب في أماليه للرفع خمسة أوجه، توارد مع ابن مالك منها في وجهين، وزاد ثلاثة أوجه، ولم يُعرّج على النصب.
قال الحافظ: ويرجّح الرفع وروده بدون "كان" في رواية للبخاري في "كتاب الصوم" انتهى (١).
(وَكَانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ) أي يلقى الرسول ﷺ (فِي كُلِّ لَيْلَةٍ، مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ) من المدارسة، وهي الْمُقَارأة والمذاكرة، أي يقارئه، ويذاكره القرآن؛ تذكيرًا له، وتثبيتًا لحفظه.
قيل: الحكمة فيه أن مدارسة القرآن تجدّد له العهد بمزيد غنى النفس، والغنى سبب الْجُود، والجود في الشرع إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي، وهو أعمّ من الصدقة، وأيضًا فرمضان موسم الخيرات؛ لأن نعم اللَّه على عباده فيه زائدة على غيره، فكان النبيّ ﷺ يؤثر متابعة سنّة اللَّه في عباده، فبمجموع ما ذُكر من الوقت، والمنزول به، والنازل، والمذاكرة حصل المزيد في الجود، والعلم عند اللَّه تعالى. قاله في "الفتح".
(قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ ﵇، أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ) ولفظ البخاريّ: "فلرسول اللَّه ﷺ أجود بالخير … والفاء سببية، واللام للابتداء، زيدت على المبتدإ تأكيدًا، أو هي جواب قسم مقدّر (مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ) أي المطلقة، يعني أنه في الإسراع بالجود أسرع من الريح، وعبّر بالمرسلة؛ إشارة إلى دوام هبوبها بالرحمة، وإلى عموم النفع بجوده كما تعمّ الريح المرسلة جميع ما تَهُبّ عليه.
وقال الزين ابن المنيّر -رحمه اللَّه تعالى-: وجه التشبيه بين أجوديته ﷺ بالخير، وبين أجوديّة الريح المرسلة أن المراد بالريح ريح الرحمة التي يرسلها اللَّه تعالى لإنزال الغيث العامّ الذي يكون سببًا لإصابة الأرض الميتة، وغير الميتة، أي فيعمّ خيره، وبرّه ﷺ من هو بصفة الفقر والحاجة، ومن هو بصفة الغنى والكفاية أكثر مما يعمّ الغيث الناشئ عن الريح المرسلة انتهى (٢).
ووقع عند أحمد في آخر هذا الحديث: "لا يُسأل شيئا إلا أعطاه"، وثبتت هذه الزيادة في "الصحيح" من حديث جابر ﵁: "ما سئل رسول اللَّه ﷺ شيئًا، فقال: لا". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 11146
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عباس ﵄ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢/ ٢٠٩٥ - وفي "الكبرى" ٢/ ٢٤٠٥ - وأخرجه (خ) ٥ و ١٧٦٩ و ٢٩٨ و ٣٢٩٠ و ٤٦١٣ (م) ٤٢٦٨ (أحمد) ١٩٣٨ و ٢٤٨٥٤ و ٢٨٤٤ و ٣٢٥٠. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان استحباب الفضل والجود في شهر رمضان؛ تأسيًا برسول اللَّه ﷺ (ومنها): الحث على الجود في كلّ وقت (ومنها): الزيادة من الخير عند الاجتماع باهل الصلاح (ومنها): زيارة الصلحاء، وأهل الخير، وتكرار ذلك إذا كان المزور لا يكره ذلك (ومنها): الإكثار من قراءة القرآن في رمضان، وكونها أفضل من سائر الأذكار، إذ لو كان الذكر أفضل، أو مساويًا لفعلاه.
فإن قيل: المقصود تجويد الحفظ. قلنا: الحفظ كان حاصلاً، والزيادة فيه تحصل ببعض المجالس (ومنها): جواز أن يقال: رمضان من غير إضافة إلى شهر، وسيأتي بباب خاصّ في -٦/ ٢١٠٩ و ٢١١٠ - إن شاء اللَّه تعالى (ومنها): أن فيه إشارة إلى أن ابتداء نزول القرآن كان في شهر رمضان؛ لأن نزوله إلى السماء الدنيا جملة واحدة كان في
رمضان؛ كما ثبت من حديث ابن عباس ﵄، فكان جبريل يتعاهده في كلّ سنة، فيعارضه بما نزل عليه من رمضان إلى رمضان، فلما كان العام الذي توفّي فيه عارضه به مرتين؛ كما ثبت في "الصحيح، عن فاطمة ﵄. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٠٩٦ - (أَخْبَرَنَا (١) مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنِي حَفْصُ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْحَارِثِ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ, وَالنُّعْمَانُ بْنُ رَاشِدٍ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: مَا لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , مِنْ لَعْنَةٍ, تُذْكَرُ, وَكَانَ إِذَا كَانَ قَرِيبَ, عَهْدٍ بِجِبْرِيلَ ﵇ يُدَارِسُهُ, كَانَ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ, مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: هَذَا خَطَأٌ, وَالصَّوَابُ حَدِيثُ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ, وَأَدْخَلَ هَذَا حَدِيثًا فِي حَدِيثٍ).
стр. 11147
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (محمد بن اسماعيل البخاريّ) هو الإمام الحافظ الحجة محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بَذْدِزْبَه، وقيل: بَرْدِزْبَهْ (١) وقيل: ابن الأحنف الجعفيّ مولاهم، أبو عبد اللَّه البخاريّ، جبل الحفظ، وإمام الدنيا، الثقة الثبت الحجة [١١].
روى عن عبيد اللَّه بن موسى، ومحمد بن عبد اللَّه الأنصاريّ، وعفان بن مسلم، وأبي عاصم النبيل، ومكيّ بن إبراهيم، وأبي المغيرة، وأبي مسهر، وأحمد بن خالد الوهْبِيّ، وخلق كثير سواهم، ممن سمع من التابعين، فمن بعدهم، إلى أن كتب عن أقرانه، وعن تلامذته.
وروى عنه الترمذيّ في "الجامع" كثيرًا، ومسلم في غير "الجامع"، والنسائيّ، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وإبراهيم الحربيّ، وابن أبي الدنيا، وصالح بن محمد الأسديّ، وأبو بشر الدُّولابي، ومحمد بن عبد اللَّه الحضرميّ، والقاسم بن زكريّا، وابن أبي عاصم، وابن خزيمة، والحسين بن إسماعيل المحامليّ، وهو آخر من حدّث عنه ببغداد، ومحمد بن يوسف الفربريّ راوي "الصحيح" عنه، وخلق كثير سواهم. وآخر من حدث عنه بـ "الصحيح" أبو طلحة منصور بن محمد بن عليّ البزدويّ النسفيّ الذي مات سنة (٣٢٩).
قال بكير بن نُمير: سمعت الحسن بن الحسين البزّاز ببخارى يقول: رأيت محمد بن إسماعيل شيخا نَحِيف الجسم، ليس بالطويل، ولا بالقصير، وُلد في شوّال سنة (١٩٤) وتوفي يوم السبت لغرّة شؤال سنة (٢٥٦)، عاش (٦٢) سنة، إلا ثلاثة عشر يومًا.
وقال أحمد بن سيّار المروزي: محمد بن إسماعيل طلب العلم، وجالس الناس، ورحل في الحديث، ومهر فيه، وأبصر، وكان حسن المعرفة، حسن الحفظ، وكان يتفقّه. وقال أبو العباس بن سعيد: لو أن رجلا كتب ثلاثين ألف حديث لما استغنى عن كتاب "تاريخ" محمد بن إسماعيل. وقال عامر بن المنتجع: سمعت أبا بكر المدينيّ قال: كتا يومًا بنيسابور عند إسحاق بن راهويه، ومحمدُ بن إسماعيل حاضر في المجلس، فمرّ إسحاق بحديث، وكان دون الصحابيّ عطاء الكَيْخَارانيّ، فقال إسحاق: يا أبا عبد اللَّه أيش كَيْخاران؟ قال: قرية باليمن، كان معاويةُ بعث هذا الرجل من الصحابة إلى اليمن، فسمع منه عطاء حديثين. فقال له إسحاق: يا أبا عبداللَّه كأنك قد
стр. 11148
شهدت القوم. وقال إبراهيم بن معقل النسفيّ: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: كنت عند إسحاق بن راهويه، فقال لنا بعض أصحابنا: لو جمعتم كتابا مختصرًا لسنن النبيّ ﷺ ، فوقع ذلك في قلبي، فأخذت في جمع هذا الكتاب -يعني "الجامع" -. قال إبراهيم: وسمعته يقول: ما أدخلت في كتابي "الجامع" إلا ما صحّ، وتركت من الصحاح لحال الطول. وقال الكشميهني: سمعت الفربريّ يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وضعت في كتابي "الصحيح" حديثًا إلا اغتسلت قبل ذلك، وصلّيت ركعتين. وقال جعفر بن الفضل بن خنزابة: سمعت محمد بن موسى المأمونيّ، قال: سئل أبو عبد الرحمن -يعني النسائيّ- عن العلاء، وسهيل، فقال: هما خير من فُليح، ومع هذا فما في هذه الكتب كلها أجود من كتاب محمد بن إسماعيل. وقال جعفر بن محمد القطّان إمام الجامع بكرمينية: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: كتبت عن ألف شيخ وأكثر، ما عندي حديث إلا وأذكر إسناده. وقال بكر بن منير: كان محمد بن إسماعيل يصلي ذات يوم، فلسعه الزنبور سبع عشرة مرّة، فلما قضى صلاته، قال: انظروا أيش هذا الذي آذاني في صلاتي، فنظروا، فإذا الزنبور قد ورّمه في سبعة عشر موضعًا، ولم يقطع صلاته. وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفريابيّ، وما في وجهه شعرة. وقال حاشد بن إسماعيل: كنت بالبصرة، فقدم محمد بن إسماعيل، فقال محمد بن بشار: دخل اليوم سيد الفقهاء. وقال أبو قريش محمد بن بن جمعة: سمعت بُندارًا محمد بن بشّار يقول: حفّاظ الدنيا أربعة: أبو زرعة بالريّ، ومسلم بن الحجاج بنيسابور، وعبد اللَّه بن عبد الرحمن الدارميّ بسمرقند، ومحمد بن إسماعيل البخاريّ ببخارى. وقال البوشنجيّ: سمعت بُندارًا يقول: ما قدم علينا مثل محمد بن إسماعيل. وقال يوسف بن ريحان: سمعت محمد ابن إسماعيل يقول: كان عليّ بن المدينيّ يسألني عن شيوخ خُراسان، إلى أن قال: كل من أثنيتَ عليه فهو عندنا الرضا. وقال الفربريّ: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند عليّ، وربما كنت أُغْرِب عليه. وقال إسحاق بن أحمد بن خلف البخاريّ: حدثني حامد بن أحمد قال: ذُكر لعليّ بن المدينيّ قول محمد بن إسماعيل: ما تصاغرت نفسي عند أحد إلا عند عليّ بن المدينيّ، فقال: ذَرُوا قوله، ما رأى مثلَ نفسه. وقال الفربريّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق محمد بن إسماعيل البخاريّ: قال: سمعته يقول: ذاكرني أصحاب عمرو بن عليّ بحديث، فقلت: لا أعرفه، فسُرّوا بذلك، وصاروا إلى عمرو بن عليّ، فقالوا له: ذاكرنا محمد بن إسماعيل بحديث، فلم يعرفه، فقال عمرو بن عليّ: حديث لا يعرفه محمد بن
стр. 11149
إسماعيل ليس بحديث. وقال محمد بن أبي حاتم: وسمعته يقول: كان إسماعيل بن أبي أويس إذا انتخبت من كتابه نسخ تلك الأحاديث لنفسه، وقال: هذه أحاديث انتخبها محمد بن إسماعيل من حديثي. وقال أبو مصعب: محمد بن إسماعيل أفقه عندنا، وأبصر من ابن حنبل، فقال له رجل، من جلسائه: جاوزت الحدّ، فقال أبو مصعب: لو أدركتَ مالكًا، ونظرت إلى وجهه، ووجه محمد بن إسماعيل لقلتَ كلاهما واحد في الفقه والحديث. وقال عامر بن المنتجع، عن أحمد بن الضوء: سمعت أبا بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن عبد اللَّه بن نُمير يقولان: ما رأينا مثل محمد بن إسماعيل. وقال محمود بن النضر الشافعيّ: دخلت البصرة، والشام، والحجاز، والكوفة، ورأيت علماءها، فكلما جرى ذكر محمد بن إسماعيل فضّلوه على أنفسهم. وقال ابن عديّ: كان ابن صاعد إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النّطّاح. وقال عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول: انتهى الحفظ إلى أربعة من أهل خراسان، فذكره فيهم. وقال أيضًا: سمعت أبي يقول: ما أخرجت خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال صالح بن محمد الأسديّ: محمد بن إسماعيل أعلمهم بالحديث. وقال يعقوب ابن إبراهيم الدورقيّ: محمد بن إسماعيل فقيه هذه الأمّة. وقال أبو العبّاس الدغوليّ: كتب أهل بغداد إلى محمد بن إسماعيل:
المُسْلِمُونَ بِخَيْبرٍ مَا بَقِيتَ لَهُمْ … وَلَيْسَ بَعْدَكَ خَيْرٌ حِينَ تُفْتَقَدُ
وقال أبو بكر بن محمد بن حرب: سألت أبا زرعة عن محمد بن حُميد؟ فقال: تركه أبو عبد اللَّه -يعني البخاريّ - قال: فذكرت ذلك للبخاريّ، فقال: بِرّه لنا قديم. وقال الفضل بن العبّاس الرازيّ: رجعت مع محمد بن إسماعيل مرحلة، وجهدت الجهد على أن أجيء بحديث لا يعرفه، فما أمكنني، وأنا أغرب على أبي زرعة عدد شعر رأسه.
وقال إسحاق بن أحمد بن زَيْرَك: سمعت محمد بن إدريس الرازيّ أبا حاتم يقول: محمد بن إسماعيل أعلم من دخل العراق، قال: وسمعته في سنة سبع وأربعين يقول: يقدَم عليكم رجل من خراسان لم يخرج منها أحفظ منه، فقدم محمد بن إسماعيل بعد أشهر. وقال صالح بن سيّار: سمعت نعيم بن حماد يقول: محمد بن إسماعيل فقيه هذه الأمة. وقال عبدان بن عثمان: ما رأيت بعيني شابا أبصر منه. وقال محمد بن سلام: هو الذي ليس مثله. وقال يحيى بن جعفر: لو قدرت أن أزيد في عمره لفعلتُ، فإن موتي موت رجل واحد، وموت محمد بن إسماعيل ذهاب العلم.
وقال الحاكم: سمعت أبا الطيّب يقول: سمعت ابن خزيمة يقول: ما رأيت تحت أديم السماء أعلم بحديث رسول اللَّه ﷺ ، ولا أحفظ له من البخاريّ. قال الحاكم:
стр. 11150
وسمعت أبا عبد اللَّه الحافظ -يعني ابن الأخرم- يقول: سمعت أبي يقول: رأيت مسلم ابن الحجاج بين يدي البخاريّ، وهو يسأله سؤال الصبيّ المتعلّم. قال الحاكم: وسئل أبو عبد اللَّه -يعني ابن الأخرم- عن حديث؟ فقال: إن البخاريّ لم يُخرجه، فقال له السائل: قد أخرجه مسلم، فقال أبو عبد اللَّه: إن البخاريّ كان أعلم من مسلم، ومنك، ومني. وقال: ولما ورد البخاريّ نيسابور قال محمد بن يحيى الذهليّ: اذهبوا إلى هذا الرجل الصالح، فاسمعوا منه، فذهب الناس إليه، حتى ظهر الخلل في مجلس محمد ابن يحيى، فتكلّم فيه بعد ذلك. قال الحاكم: وسمعت أبا الوليد حسّان بن محمد الفقيه يقول: سمعت محمد بن نعيم يقول: سألت محمد بن إسماعيل لمّا وقع ما وقع من شأنه عن الإيمان؟ فقال: قول، وعمل، يزيد وينقص، والقرآن كلام اللَّه غير مخلوق، وأفضل الصحابة أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم عليّ، على هذا حييتُ، وعليه أموت وأبعث، إن شاء اللَّه تعالى. وقال غُنْجَار في "تاريخ بُخارى": قال له أبو عيسى الترمذيّ: قد جعلك اللَّه زَينَ هذه الأمة يا أبا عبد اللَّه. وقال في "الجامع": لم أر في معنى العلل، والرجال أعلم من محمد بن إسماعيل. وقال إسحاق بن راهويه: يا معشر أصحاب الحديث اكتبوا عن هذا الشابّ، فإنه لو كان في زمن الحسن بن أبي الحسن لاحتاج الناس إليه؛ لمعرفته بالحديث وفقهه. وقال حاشد بن عبد اللَّه: سمعت المسنَديّ يقول: محمد بن إسماعيل إمام، فمن لم يجعله إمامًا فاتهمه. وقال أيضًا: رأيت محمد بن رافع، وعمرو بن زُرارة عند محمد بن إسماعيل يسألانه عن علل الحديث، فلما قاما قالا لمن حضر: لا تُخدَعوا عن أبي عبد اللَّه، فإنه أفقه منّا، وأعلم، وأبصر. وقال الحسين بن محمد بن حاتم المعروف بعُبيد العجل. ما رأيت مثل محمد ابن إسماعيل، ومسلم لم يكن يبلغه، ورأيت أبا زرعة، وأبا حاتم يستمعان قوله. وذكر له قصّة محمد بن يحيى معه، فقال: ما لمحمد بن يحيى، ولمحمد بن إسماعيل، كان محمد أمّة من الأمم، وأعلم من محمد بن يحيى بكذا وكذا، كان ديّنا فاضلاً، يُحسن كلّ شيء. وقال ابن أبي حاتم: سمع منه أبي، وأبو زرعة، ثم تركا حديثه عند ما كَتَب إليهما محمد بن يحيى أنه أظهر عندهم أن لفظه بالقرآن مخلوق. وقال محمد بن نصر المروزيّ: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: من قال عني: إني قلت: لفظي بالقرآن مخلوق، فقد كذب، وإنما قلت: أفعال العباد مخلوقة. وقال أبو عمرو الخفّاف: حدثنا التقيّ النقيّ العالم الذي لم أر مثله محمد بن إسماعيل، وهو أعلم بالحديث من إسحاق، وأحمد، وغيرهما بعشرين درجة، ومن قال فيه شيئًا، فعليه مني ألف لعنة.
وقال محمد بن العباس الضبيّ: سمعت أبا بكر بن أبي عمرو الحافظ يقول: كان
стр. 11151
سبب مفارقة أبي عبد اللَّه محمد بن إسماعيل البلد -يعني بُخارى- أن خالد بن أحمد الأمير سأله أن يحضر منزله، فيقرأ "الجامع"، و"التاريخ" على أولاده، فامتنع، فراسله أن يعقد لأولاده مجلسًا لا يحضره غيرهم، فامتنع أيضًا، فاستعان عليه بحريث بن أبي الورقاء وغيره، حتى تكلّموا في مذهبه، ونفاه عن البلد، فدعا عليهم، فاستجيب له.
وقال ابن عديّ: سمعت عبد القدّوس بن عبد الجبّار السمرقنديّ يقول: جاء محمد بن إسماعيل إلى خَرْتَنْكَ، قرية من قرى سمرقند على فرسخين منها، وكان له بها أقرباء، فنزل عندهم، قال: فسمعته ليلة من الليالي يدعو، اللَّهمّ إنه قد ضاقت عليّ الأرض بما رحبت، فاقبضني إليك، فما تمّ له الشهر حتى قبضه اللَّه في سنة (٢٥٦) في شوّال.
ومناقب هذا الإمام كثيرة جدا، قال الحافظ: قد جمعتها في كتاب مفرد. روى عنه الترمذيّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
[تنبيه]: قوله: "البخاريّ" هكذا وقع في "المجتبى" بزيادة لفظة "البخاريّ"، والذي في "الكبرى": "محمد بن إسماعيل"، فقط، وليس فيه ذكر "البخاريّ".
قال الحافظ السخاويّ -رحمه اللَّه تعالى- في رسالته "بُغية الراغب المتمنّي": ما نصّه: هكذا وقع منسوبًا عند ابن السنّي، دون حمزة الكناني، وأبي عليّ الأسيوطيّ، وابن حيّويه، فدم يُزَد فيها على "محمد بن إسماعيل". نعم هو في أصل الحافظ أبي عبد اللَّه الصّوريّ الذي كتبه بخطه، عن أبي محمد بن النّحّاس، عن حمزة، منسوب (١). قال الحافظ أبو الحجّاج المزّيّ: ولم نجد للنسائيّ عن البخاريّ رواية سواه، إن كان ابن السّنّيّ حفظه عن النسائيّ، ولم تكن نسبته له من تلقاء نفسه، معتقدًا أنه البخاريّ، وإلا فقد روى النسائيّ الكثير عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم -وهو ابن عليّة- وهو مشارك للبخاريّ في بعض شيوخه، بل روى في كتاب الكنى عن عبد اللَّه بن أحمد بن عبد السلام الخفّاف، عن البخاريّ عدّة أحاديث، وهي قرينة ظاهرة في أنه لم يلق البخاريّ، ولم يسمع منه انتهى.
قال السخاويّ: وكأنه -مع أنه لم يجزم- سلفُ الحافظ أبي عبد اللَّه الذهبيّ في قوله في ترجمة البخاريّ من "الكاشف" له: والصحيح أنه ما سمع منه. وقال في "تاريخه": إنه روى عنه، على نزاع فيه، والأصحّ لم يرو عنه شيئًا.
ونحوه قول شيخنا -يعني الحافظ ابن حجر-: أنكر المزيّ أن يكون النسائيّ روى عن البخاريّ، ثم قال:
стр. 11152
وقد وقع لي خبر صرّح فيه النسائي بالرواية عن البخاريّ، فقال أبو عبد اللَّه محمد بن إسحاق ابن منده في كتاب "الإيمان" له: حدثنا حمزة بن محمد الكنانيّ، ومحمد بن سعد الباروديّ، قالا: أخبرنا أحمد بن شعيب، أبو عبد الرحمن النسائيّ، حدثنا محمد ابن إسماعيل البخاريّ، فذكر خبرًا، فهذا يدلّ على أن ابن السنّيّ قد حفظ نسب محمد ابن إسماعيل في الحديث الذي تقدّم، وأنه لم ينسبه من عند نفسه.
قال: ثم وجدت في رواية ابن الأحمر في "السنن الكبرى" عن النسائيّ، عن البخاريّ عدّة أحاديث، واللَّه أعلم.
قال السخاوي: واستظهار المزّيّ بروايته له بواسطة بينهما لا ينهض، فكم من حديث رواه هو، وكذا غيره من الأئمة عن بعض شيوخهم بالواسطة، وطالما ينبّه المزّيّ نفسه في تراجم تهذيبه على ذلك، ومنه:
رواية النسائيّ عن إسماعيل بن عُبيد بن أبي كريمة في "اليوم والليلة"، وعن زكريا السِّجْزيّ، عنه في "السنن". وكذا روايته في غير "سننه"، عن سعيد بن ذؤيب أبي الحسن المروزيّ النسائيّ الأصل، وفي "السنن" عن رجل عنه. وروى أيضًا عن الحافظ أبي جعفر محمد بن عبد اللَّه بن المبارك، قاضي حُلْوان، وعن أحمد بن عليّ المروزيّ، عنه. وروى عن الحافظ أبي موسى محمد بن المثنّى الزّمِنِ، وعن رجل، عنه، في أمثلة كثيرة.
ثم إنه ممن يُسمّى من شيوخ النسائيّ محمد بن إسماعيل: الأحمسيّ، لكن اسم جدّه سَمُرة، والترمذيّ الحافظ، واسم جدّه يوسف، والطبرانيّ، ويكنى أبا بكر انتهى كلام الحافظ السخاويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- بتصرّف يسير (١).
وعبارة الحافظ في "تهذيب التهذيب": وأما ما رجّحه المصنّف -يعني الحافظ المزيّ صاحب "تهذيب الكمال" من أن النسائيّ لم يلق البخاريّ، فهو مردود، فقد ذكره في أسماء شيوخه الذين لقيهم، وقال فيه: ثقة مأمون، صاحب حديث كيّسٌ. وروينا في كتاب "الإيمان" لأبي عبد اللَّه ابن منده حديثًا، رواه عن حمزة، عن النسائيّ، حدثني محمد بن إسماعيل البخاريّ، وكونه روى عن الخفّاف عنه، لا يمنع أن يكون لقيه، بل الظاهر أنه لم يُكثر عنه، فاحتاج أن ياخذ عن بعض أصحابه. واللَّه أعلم انتهت عبارة الحافظ (٢).
стр. 11153
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد ترجّح بما ذكره الحافظان: ابن حجر والسخاويّ أن الصواب أن محمد بن إسماعيل شيخ المصنّف في هذا الحديث هو البخاريّ، كما هو المنصوص عليه في "نسخ المجتبى". واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢ - (حفص بن عمر بن الحارث) بن سَخبرة -بفتح المهملة، وسكون الخاء المعجمة، وفتح الموحّدة- النّمَريّ -بفتح النون، والميم- أبو عُمَر الحوضيّ البصريّ، ثقة ثبت، عِيب بأخذ الأجرة على الحديث، من كبار [١٠].
قال أبو طالب، عن أحمد: ثبت متقن، لا يؤخذ عليه حرف واحد. وقال ابن معين: أبو عمر الحوضيّ ثقة. وقال ابن المدينيّ: اجتمع أهل البصرة على عدالة أبي عمر الحوضيّ، وعبد اللَّه بن رجاء. وقال صاعقة: هذا أثبت من ابن رجاء. وقال عبيد اللَّه بن جرير بن جَبَلَة: أبو عمر صاحب كتاب متقن. وقال يعقوب بن شيبة: كان من المتثبتين. وقال أبو حاتم: صدوق متقن، أعرابيّ فصيح، وقيل له: الحوضيّ أحبّ إليك، أو عليّ بن الجعد، أو عمرو بن مرزوق؟ قال: الحوضيّ، وكان يأخذ الدراهم.
وسئل أبو العباس الدُّوريّ عن أبي حُذيفة، والحوضيّ؟ فقال: الحوضيّ أوثق، وأحسن حديثًا وأشهر، والحوضيّ كان يُعدّ مع وهب بن جرير، وعبد الصمد، حدث عن شعبة أحاديث صحاحًا. ووثقه ابن قانع، وابن وضّاح، ومَسلَمَة، والدارقطنيّ. وقال السمعانيّ: منسوب إلى الحوض، وكان صدوقا ثبتا. قال البخاريّ وغيره: مات سنة (٢٢٥).
روى عنه البخاريّ، وأبو داود، وروى له المصنف بواسطة حديثين فقط، هذا ٢٠٩٦ وفي "كتاب القسامة"- ٤٧٢٨ حديث وائل بن حجر ﵁ في قصة الذي ضرب رأس صاحبه بالمنقار فقتل.
٣ - (حماد) بن زيد بن درهم الأزديّ الجهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبت فقيه، من كبار [٨] ٣/ ٣.
٤ - (معمر) بن راشد، أبو عروة البصريّ، ثم اليمنيّ، ثقة ثبت، من كبار [٧] ١٠/ ١٠.
٥ - (النعمان بن راشد) الجزريّ، أبو إسحاق الرّقّيّ، صدوق سيء الحفظ [٦] ١٧١/ ١١٤٠.
[تنبيه]: قوله (حدثنا معمر والنعمان الخ) وفي رواية أحمد في "مسنده": "حدثنا معمر، ونعمان، أو أحدهما الخ" بالشك. انتهى.
٦ - (الزهريّ) الإمام المشهور المذكور في السند الماضي.
стр. 11154
٧ - (عروة) بن الزبير، أبو عبد اللَّه المدنيّ الفقيه الثقة الثبت [٣] ٤٠/ ٤٤.
٨ - (عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-. وفيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه عروة أحد الفقهاء السبعة. وفيه عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها -، أنها (قَالَتْ: مَا لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) ولفظ أحمد: "ما لعن رسول اللَّه ﷺ مسلما … " (مِنْ لَعْنَةٍ) "من" زائدة، و"لعنة" مفعول مطلق لـ "لعن" (تُذْكَرُ) بالبناء للمفعول، والجملة صفة "لعنة". قال السنديّ ﵀ تعالى: وكأن المراد أنه ما كان يلعن على كثرة؛ لأن من يُكثر اللعنة، تُذكر لعنته، ومن يُقل لعنته تُنسى لعنته، إن حصل منه مرّة اتفاقا. واللَّه تعالى أعلم انتهى.
زاد في رواية أحمد: "ولا انتقم لنفسه شيئا، يُؤتى إليه، إلا أن تُنتهك حرمات اللَّه ، ولا ضرب بيده شيئا قط، إلا أن يضرب بها في سبيل اللَّه، ولا سُئل شيئا قط، فمنعه إلا أن يسأل مأثما، فإنه كان أبعد الناس منه، ولا خُيّر بين أمرين قط، إلا اختار أيسرهما".
(كَانَ إِذَا كَانَ قَرِيبَ عَهْدٍ، بجبْرِيلَ ﵇) أي قريب وقت بزيارة جبريل ﵇ له (يُدَارِسُهُ)، أي القرآن. والجَمَلة في محلّ نصب على الحال، أي حال كونه مدارسًا له القرآن (كَانَ أَجْوَدَ بالْخَيْرِ، مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ) أي المطلقة، وتقدم الكلام على وجه التشبيه بها في الحدَيث الماضي. وباللَّه تعالى التوفيق.
(قَالَ: أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ) النسائيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (هَذَا خَطَأٌ) أي هذا الحديث بزيادة قصّة كونه ﷺ أجود من الريح المرسلة، عند ملاقاة جبريل ﵇ خطأ (وَالصَّوَابُ حَدِيثُ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ) الذي تقدّم قبل هذا، وهو أنه من رواية الزهريّ، عن عبيد اللَّه ابن عبد اللَّه بن عتبة، عن عبد اللَّه بن عباس ﵄، بذكر قصّة جوده ﷺ فقط (وَأَدْخَلَ هَذَا) أي الراوي الذي رواه هكذا (حَدِيثًا فِي حَدِيثٍ) يعني أنه أدخل حديث الزهريّ، عن عبيد اللَّه، عن ابن عباس في حديثه عن عروة، عن عائشة، فساقهما مساقا واحدًا بالسند الثاني، مع أن الصواب أنهما حديثان بالإسنادين المذكورين. واللَّه تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 11155
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث ضعيف، وقد بين المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- وجه ضعفه، حيث قال: إنه خطأ، وأن الصواب ما تقدّم من رواية يونس بن يزيد، عن الزهريّ.
[فإن قيل]: كيف رجّح المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- رواية يونس مع تفرّده على رواية معمر، والنعمان بن راشد؟.
[أجيب]: بأن حمادًا شك في شيخه، فقال: حدثنا معمر، ونعمان، أو أحدهما، فقد روى الحديث أحمد في "مسنده"، فقال:
٢٣٨٣٧ - حدثنا عفان، قال: حدثنا حماد بن زيد، قال: حدثنا معمر ونعمان، أو أحدهما، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: "ما لعن رسول اللَّه ﷺ مسلما، من لعنة تُذكر، ولا انتقم لنفسه شيئا، يُؤتَى إليه، إلا أن تنتهك حرمات اللَّه ، ولا ضرب بيده شيئا قط، إلا أن يَضرِب بها في سبيل اللَّه، ولا سُئل شيئا قط، فمنعه، إلا أن يُسأل مأثما، فإنه كان أبعد الناس منه، ولا خُيِّر بين أمرين قط، إلا اختار أيسرهما، وكان إذا كان حديث عهد بجبريل، ﵇، يدارسه، كان أجود بالخير، من الريح المرسلة". انتهى.
و"النعمان بن راشد" سيء الحفظ، فلعل حمادًا رواه عنه، فكان هذا الخطأ منه، فتكون رواية يونس التي لا شكّ فيها أرجح. واللَّه تعالى أعلم.
والحديث من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا -٢/ ٢٠٩٦ - وفي "الكبرى" ٢/ ٢٤٠٦ - . وأخرجه أحمد ٢٣٨٣٧. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٣ - (بَابُ فَضْلِ شَهْرِ رَمَضَان)
٢٠٩٧ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سُهَيْلٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ, فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ, وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ, وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عليّ بن حُجر) السَّعْديّ المروزيّ، ثقة حافظ، من صغار [٩] ١٣/ ١٣.
стр. 11156
٢ - (إسماعيل) بن جعفر بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقي المدنيّ القارىء، ثقة ثبت [٨] ١٦/ ١٧.
٣ - (أبو سهيل) نافع بن مالك أبي عامر الأصبحيّ التيميّ المدنيّ، ثقة [٤] ٤/ ٤٥٨.
٤ - (مالك بن أبي عامر) بن عمرو بن الحارث بن أبي غَيمان -بالغين المعجمة المعجمة، والتحتانيّة- الأصبحيّ، جدّ مالك بن أنس إمام دار الهجرة، تابعي كبير، ثقة [٢] ٤/ ٤٥٨.
٥ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيّات المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وأنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخه، فمروزيّ، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، ورواية الراوي عن أبيه، وفيه أبو هريرة ﵁ رأس المكثرين من الأحاديث، روى (٥٣٧٤) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ) مأخوذ من الرمضاء، يقال: رَمِضَ النهارُ، كفرح: اشتدّ حره، وقدمه احترقت من الرمضاء، أي الأرض الشديدة الحرارة، وسمي شهر رمضان به؛ إما لارتماض الصائمين فيه من حرّ الجوع والعطش، أو لارتماض الذنوب فيه، أو لرمض الحرّ وشدّة وقوعه فيه حال التسمية؛ لأنهم لما نقلوا أسماء الشهور من اللغة القديمة سمّوها بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق هذا الشهر أيام رمَض الحرّ، أي شدّته.
وقال الفيّوميّ: الرمضاء: الحجارة الحامية من حر الشمس، ورَمِضَ يومنا رَمَضًا، من باب تَعِب: اشتدّ حرّه، ورَمِضت قَدَمُهُ: احترقت من الرمضاء، ورمِضت الفِصَال: إذا وجدت حرّ الرمضاء، فاحترقت أخفافها، ورمضان اسم للشهر، قيل: سمّي بذلك لأن وضعه وافق الرمَضَ، وهو شدّة الحرّ، وجمعه رمضانات، وأرمضاء، وعن يونس أنه سمع رَمَاضِين، مثلُ شَعَابين انتهى (١).
(فُتِّحَتْ) بالبناء للمجهول، وبتخفيف التاء، وروي بتشديدها. وقال الزرقانيّ: بتشديد الفوقية، ويجوز تخفيفها. وقال القاري: بالتخفيف، وهو أكثر كما في التنزيل، وبالتشديد لتكثير المفعول انتهى (أَبْوَابُ الْجَنَّةِ) أي تقريبًا للرحمة للعباد، ولهذا جاء في
стр. 11157
رواية أخرى: "أبواب الرحمة"، وفي أخرى: "أبواب السماء". وهذا يدلّ على أن أبواب الجنة كانت مغلقة، ولا ينافيه قوله تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾ الآية [ص: ٥٠]؛ لأن ذلك لا يقتضي دوام كونها مفتّحة (وَغُلِّقَتْ) بالبناء للمجهول، وبتشديد اللام (أَبْوَابُ النَّارِ) أي تبعيدًا للعقاب عن العباد، وهذا يقتضي أيضا أن أبواب النار كانت مفتوحة، ولا ينافيه قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ الآية [الزمر: ٧١]؛ لجواز أن يكون هناك غلق قبيل ذلك. وغلق أبواب النار لا ينافي موت الكفرة في رمضان، وتعذيبهم بالنار فيه، إذ يكفي في تعذيبهم فتح باب صغير من القبر إلى النار غير الأبواب المعهودة الكبار. أفاده السنديّ (وَصُفِّدَتِ الشِّيَاطِينُ") بالبناء للمفعول أيضًا، وبتشديد الفاء: أي شددت، وأوثقت بالأغلال. وفي الرواية الآتية: "وسُلسلت"، وهو بمعناه، ولا ينافيه وقوع المعاصي؛ إذ يكفي في وجود المعاصي شرارة النفس، وخباثتها، ولا يلزم أن تكون كل معصية بواسطة شيطان، وإلا لكان لكلّ شيطان شيطان، ويتسلسل، وأيضًا معلوم أنه ما سبق إبليس شيطان آخر، فمعصيته ما كانت إلا من قبل نفسه. واللَّه تعالى أعلم (١).
وقال في "الفتح": قال الحليميّ: يحتمل أن يكون المراد من الشياطين مسترقو السمع منهم، وأن تسلسلهم يقع في ليالي رمضان دون أيامه؛ لأنهم كانوا منعوا في زمن نزول القرآن من استراق السمع، فزيدوا التسلسل مبالغة في الحفظ. ويحتمل أن يكون المراد أن الشياطين لا يخلصون من افتتان المسلمين إلى ما يخلصون إليه في غيره؛ لاشتغالهم بالصيام الذي فيه قمع الشهوات، وبقراءة القرآن والذكر. وقال غيره: المراد بالشياطين بعضهم، وهم المردة منهم، وترجم لذلك ابن خزيمة في "صحيحه"، وأورد ما أخرجه هو والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، والحاكم من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ بلفظ: "إذا كان أول ليلة من شهر رمضان، صُفّدت الشياطين، ومردة الجنّ". وأخرجه النسائيّ من طريق أبي قلابة، عن أبي هريرة، بلفظ: "وتُغلّ فيه مردة الشياطين"، زاد أبو صالح في روايته: "وغُلِّقَت أبواب النار، فلم يُفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنّة، فلم يُغلق منها باب، ونادى مناد: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشرّ أقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك كلّ ليلة"، لفظ ابن خُزيمة، وقوله: "صُفّدت" بالمهملة المضمومة، بعدها فاء ثقيلة مكسورة: أي شدّت بالأصفاد، وهي الأغلال، وهي بمعنى "سُلسلت"، ونحوه للبيهقيّ من حديث ابن مسعود، وقال فيه: "فتحت أبواب الجنة، فلم يغلق منها بابٌ الشهرَ كلّه".
стр. 11158
قال عياض: يحتمل أنه على ظاهره، وحقيقته، وأن ذلك كله علامة للملائكة لدخول الشهر، وتعظيم حرمته، ولمنع الشياطين من أذى المؤمنين. ويحتمل أن يكون إشارة إلى كثرة الثواب والعفو، وأن الشياطين يقلّ إغواؤهم، فيصيرون كالمصفّدين.
قال: ويؤيّد هذا الاحتمال الثاني قوله في رواية يونس، عن ابن شهاب، عند مسلم: "فتحت أبواب الرحمة"، قال: ويحتمل أن يكون فتح أبواب الرحمة عبارة عما يفتحه اللَّه لعباده من الطاعات، وذلك أسباب لدخول الجنّة، وغلقُ أبواب النار عبارة عن صرف الهمم عن المعاصي الآئلة بأصحابها إلى النار، وتصفيد الشياطين عبارة عن تعجيزهم عن الإغواء، وتزيين الشهوات.
قال الزين ابن المنيّر: والأول أوجه، ولا ضرورة تدعو إلى صرف اللفظ عن ظاهره. وأما الرواية التي فيها "أبواب الرحمة"، و"أبواب السماء" فمن تصرف الرواة، والأصل أبواب الجنّة بدليل ما يقابله، وهو غلق أبواب النار. واستدلّ به على أن الجنّة في السماء؛ لإقامة هذا مقام هذه الرواية، وفيه نظر.
وجزم التوربشتيّ شارح "المصابيح" بالاحتمال الأخير، وعبارته: فتح أبواب السماء كناية عن تنزّل الرحمة، وإزالة الغلق عن مصاعد أعمال العباد تارة ببذل التوفيق، وأخرى بحسن القبول، وغلق أبواب جهنم كناية عن تنزّه أنفس الصوّام عن رجس الفواحش، والتخلّص من البواعث عن المعاصي بقمع الشهوات.
وقال الطيبيّ: فائدة فتح أبواب السماء توقيف الملائكة على استحماد فعل الصائمين، وأنه من اللَّه بمنزلة عظيمة، وفيه إذا علم المكلّف ذلك بإخبار الصادق ما يزيد في نشاطه، ويتلقّاه بأريحيّة.
وقال القرطبيّ بعد أن رجّح حمله على ظاهره:
[فإن قيل]: كيف نرى الشرور والمعاصي واقعة في رمضان كثيرًا، فلو صُفّدت الشياطين لم يقع ذلك.
[فالجواب]: أنها إنما تقلّ عن الصائمين الصوم الذي حوفظ على شروطه، وروعيت آدابه، أو المصفّد بعض الشياطين، وهم المردة، لا كلّهم، كما تقدّم في بعض الروايات، أو المقصود تقليل الشرور فيه، وهذا أمر محسوس، فإن وقوع ذلك فيه أقلّ من غيره، إذ لا يلزم من تصفيد جميعهم أن لا يقع شرّ، ولا معصية؛ لأن لذلك أسبابًا غير الشياطين؛ كالنفوس الخبيثة، والعادات القبيحة، والشياطين الإنسيّة.
وقال غيره: في تصفيد الشياطين في رمضان إشارة إلى رفع عذر المكلّف، كأنه يقال له: قد كفّت الشياطين عنك، فلا تعتلّ بهم في ترك الطاعة، ولا فعل المعصية انتهى ما
стр. 11159
في "الفتح" (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حمل الحديث على ظاهره من أن فتح أبواب الجنة وغلق أبواب النار على حقيقتهما لا على المجاز هو الحقُّ كما رجحه ابن المنيّر، والقرطبي، -رحمهما اللَّه تعالى-، فتنبّه واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ٣/ ٢٠٩٧ و ٢٠٩٨ و ٤/ ٢٠٩٩ و ٢١٠٠ و ٢١٠١ و ٢١٠٢ و ٥/ ٢١٠٤ و ٢١٠٥ و ٢١٠٦ - وفي "الكبرى" ٣/ ٢٤٠٧ و ٢٤٠٨ و ٤/ ٢٤٠٩ و ٢٤١٠ و ٢٤١١ و ٢٤١٣ و ٥/ ٢٤١٤ و ٢٤١٥ و ٢٤١٦.
وأخرجه (خ) ١٧٦٥ و ١٧٦٦ و ٣٠٣٥ (م) ١٧٩٣ (ت) ٦١٨ (ق) ١٦٣٢ (أحمد) ٦٨٥١ و ٧٤٥٠ و ٧٥٧٦ و ٨٣٣٠ و ٨٥٥٩ و ٨٦٣١ و ٨٨٣٧ و ٩١٣٣ (الموطأ) ٦٠٤. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
(منها): ما بوّب له المصنّف، وهو بيان فضل شهر رمضان (ومنها): إثبات الجنة، والنار، وأنهما الآن موجودتان، وأن لهما أبوابًا تفتح، وتغلق (ومنها): إثبات وجود الشياطين، وأنهم أجسام يمكن شدّها بالأغلال، وأن منهم مردة يُغَلُّون بالأغلال في شهر رمضان؛ لئلا يبطلوا أعمال الصائمين (ومنها): بيان عظمة لطف اللَّه تعالى، وكثرة كرمه وإحسانه على عباده، حيث يحفظ لهم صيامهم، ويدفع عنهم أذى المردة من الشياطين؛ لئلا يفسدوا عليهم عبادتهم في هذا الشهر المبارك الذي تضاعف فيه الحسنات، وتقال فيه العثرات. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٠٩٨ - (أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ الْجُوزَجَانِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ, عَنْ عُقَيْلٍ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سُهَيْلٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ, فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ, وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ, وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ»).
стр. 11160
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (إبراهيم بن يعقوب الجُوزجانيّ) الحافظ الثبت [١١] ١٢٢/ ١٧٤.
٢ - (ابن أبي مريم) سعيد بن محمد بن الحكم بن سالم الجمحيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقة ثبت فقيه، من كبار [١٠] ٢٧/ ٥٤٩.
٣ - (نافع بن يزيد) الْكَلَاعيّ -بفتح الكاف واللام الخفيفة- أبو يزيد المصريّ، يقال: إنه مولى شُرَحْبِيل بن حَسَنَة، ثقة عابد [٧].
قال أحمد بن صالح المصريّ: كان من ثقات الناس. وقال أبو حاتم: لا بأس به.
وقال النسائيّ: ليس به بأس. وقال العجليّ: مصريّ ثقة. وقال الحاكم: ثقة مأمون. وقال ابن يونس: كان ثبتًا في الحديث، لا يُختلف فيه. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال الصغانيّ: حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا نافع بن يزيد، وكان من خيار أمة محمد ﵁. وقال ابن يونس، وابن حبّان: توفي سنة (١٦٨).
علّق عنه البخاريّ، وأخرج له الباقون، سوى الترمذيّ، وله عند المصنّف في هذا الكتاب خمسة أحاديث، برقم ٢٠٩٨ و ٢١٧٨ و ٤١٣٦ و ٤٩٧٩ و ٥١٧٤.
٤ - (عُقيل) بن خالد الأيليّ، نزيل مصر، ثقة ثبت [٦] ١٢٥/ ١٨٧.
والباقون تقدّموا قريبًا، فابو سهيل، وأبوه في السند السابق، وابن شهاب فى الباب الماضي، وكذا شرح الحديث، والكلام على مسائله، وباللَّه تعالى التوفيق.
[تنبيه]: هذا الإسناد أنزل من الإسناد الماضي، حيث إنه كان في الماضي بين المصنّف وبين أبي سهيل واسطتان، وفي هذا خمس وسائط. واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: أبو سهيل من صغار شيوخ الزهريّ بحيث أدركه تلامذة الزهريّ، ومن هو أصغر منهم، كإسماعيل بن جعفر، وهذا الإسناد يُعدّ من رواية الأقران، وقد تأخر أبو سهيل في الوفاة عن الزهريّ، فإن الزهريّ مات سنة (١٢٥) على الصحيح، ومات أبو سُهيل بَعْدُ سنة (١٤٠)(١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
стр. 11161
٤ - (بَابُ ذِكْرِ الاخْتِلَافِ عَلَى الزُّهْرِيّ فِيهِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه الاختلاف على الزهري -رحمه اللَّه تعالى-، أن عُقيل بن خالد، وصالح بن كيسان، وشعيب بن أبي حمزة، ويونس بن يزيد كلهم رووه عن الزهريّ، عن أبي سهيل، وهو نافع بن أبي أنس، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁.
وقد اختلفت ألفاظهم، فلفظ الأول عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو سُهيل"، عن أبيه، عن أبي هريرة، ولفظ الثاني عن ابن شهاب، قال: أخبرني نافع بن أبي أنس"، ولفظ الثالث عن الزهري، قال: حدثني ابن أبي أنس مولى التيميين، أن أباه حدّثه"، ولفظ الرابع عن ابن شهاب، عن ابن أبي أنس، أن أباه سمع أبا هريرة".
وليس اختلاف هؤلاء اختلافا حقيقيّا، فإنهم اختلفوا في رجل واحد، وهو نافع بن مالك بن أبي عامر، فنافع اسمه، وأبو سهيل، كنيته، وكذا ابن أبي أنس، وهو يروي عن أبيه: مالك بن أبي عامر، عن أبي هريرة ﵁، وقد وافقهم ابن إسحاق في إحدى روايتيه، كما سيأتي، وهذا هو المحفوظ في هذا الحديث.
وخالفهم ابن إسحاق، فرواه عن محمد بن مسلم الزهريّ، عن أُويس بن أبي أُويس عديد بني تيم، عن أنس بن مالك ﵁، وهذا غير محفوظ، كما سيشير إليه المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٠٩٩ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَمِّي, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي, عَنْ صَالِحٍ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعُ بْنُ أَنَسٍ, أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ, أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ, يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ, فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ, وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ, وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ».
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق ثالث لحديث أبي هريرة ﵁، وهو صحيح كما سبق بيانه، وسنده كالسند الذي قبله ثُمَانيّ:
١ - (إبراهيم بن سعد) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، والد يعقوب، الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة حجة [٨] ١٩٦/ ٣١٤.
٢ - (صالح) بن كيسان الغفاريّ مولاهم، أبو محمد المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٤] ١٩٦/ ٣١٤.
والباقون تقدّموا قريبًا، فعبيد اللَّه بن سعد، وعمه يعقوب بن إبراهيم، تقدما قبل
стр. 11162
بابين. و"نافع بن أبي أنس": هو أبو سهيل نافع بن مالك. و"أبوه": هو مالك بن أبي عامر، جد مالك بن أنس إمام دار الهجرة، و"ابن شهاب" الزهريّ، و"أبو هريرة" ﵁ تقدّموا في الباب الماضى.
[تنبيه]: وقع في نسخ " المجتبى" المطبوعة "عبد اللَّه بن سعد" مكبّرًا، وهو تصحيف، والصواب "عبيد اللَّه بن سعد" مصغّرًا، كما في النسخة "الهندية"، و"الكبرى". فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "سُلسلت" بالبناء للمفعول، أي شُدّت بالسلاسل، وهو بمعنى "صُفّدت" المتقدم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢١٠٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ شُعَيْبٍ, عَنْ أَبِيهِ,, عَنِ الزُّهْرِيِّ,, قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي أَنَسٍ, مَوْلَى التَّيْمِيِّينَ, أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ, أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ, يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا جَاءَ (١) رَمَضَانُ, فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ, وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ, وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق رابع لحديث أبي هريرة ﵁، وهو صحيح أيضًا، و"محمد بن خالد" ابن خَلِيّ -بوزن عليّ- أبو الحسين الكلاعيّ الحمصيّ، صدوق [١١] من أفراد المصنّف ٧/ ١٤٦٦.
و"بشر بن شُعيب" بن أبي حمزة، أبو القاسم الحمصيّ، ثقة، من كبار [١٠] ٧/ ١٤٦٦.
و"أبوه": شعيب بن أبي حمزة دينار، أبو بشر الحمصيّ، ثقة ثبت عابد [٧] ٦٩/ ٨٥. والباقون تقدّموا.
وقوله: "مولى التيميين" يعني أن نافع بن أبي أنس مولى بني تيم، والمراد منهم آلُ طلحة بن عُبيد اللَّه أحد العشرة، وكان أبو عامر والد مالك قد قَدِم مكة، فقطنها، وحالف عثمان بن عبيد اللَّه أخا طلحة، فنسب إليه، وكان مالك الفقيه يقول: لسنا موالي
آل تيم، إنما نحن عرب، من أصبح، ولكن جدّي حالفهم. قاله في "الفتح" (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢١٠١ - (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ, فِي حَدِيثِهِ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنِ ابْنِ أَبِي أَنَسٍ, أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ, أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ, يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ
стр. 11163
اللَّهِ ﷺ : «إِذَا كَانَ رَمَضَانُ, فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ, وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ, وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ». رَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ,,).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق خامس لحديث أبي هريرة ﵁، من رواية يونس بن يزيد الأيليّ، عن الزهري، قال فيه: "عن ابن أبي أنس"، كرواية شعيب السابقة، وهو صحيح أيضًا. والسند تقدّم قبل باب. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: رواه ابن إسحاق، عن الزهري. يعني أن هذا الحديث رواه محمد بن إسحاق بن يسار المطلبيّ، صاحب المغازي المشهور، عن الزهريّ أيضًا، وقد بيّن روايته بقوله:
٢١٠٢ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَمِّي, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي, عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ, عَنِ الزُّهْرِيِّ,, عَنِ ابْنِ أَبِي أَنَسٍ, عَنْ أَبِيهِ,, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ,, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ, فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ, وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ, وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ». قَالَ: أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ:: هَذَا -يَعْنِي حَدِيثَ ابْنِ إِسْحَاقَ - خَطَأٌ, وَلَمْ يَسْمَعْهُ ابْنُ إِسْحَاقَ, مِنَ الزُّهْرِيِّ, وَالصَّوَابُ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهُ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق سادس لحديث أبي هريرة ﵁، من رواية ابن إسحاق، عن الزهريّ أيضًا، وقال فيه: "عن ابن أبي أنس". والسند تقدّم أول الباب.
[تنبيه]: قول المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-: هذا خطأ الخ، الظاهر أن هذا الكلام ليس موضعه هنا، بل هو تابع للحديث التالي، كما في "الكبرى"، فالخطأ هناك، وأما هنا فليس فيه خطأ، وإنما فيه مخافة التدليس فقط، فإن ابن إسحاق مدلّس، وقد عنعنه، لكن يتقوّى بالروايات الصحيحة التي قبله، فيصحّ بها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢١٠٣ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَمِّي, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي, عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ, قَالَ: وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ, عَنْ أُوَيْسِ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ, عَدِيدِ بَنِي تَيْمٍ, عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «هَذَا رَمَضَانُ, قَدْ جَاءَكُمْ, تُفَتَّحُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ, وَتُغَلَّقُ فِيهِ أَبْوَابُ النَّارِ, وَتُسَلْسَلُ فِيهِ الشَّيَاطِينُ».
قَالَ: أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ هَذَا الْحَدِيثُ خَطَأٌ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير:
١ - (أُويس بن أبي أويس) قال في "ت": أويس -بالتصغير- ابن أبي أويس، عن
стр. 11164
أنس، لعله ابن عمّ مالك ابن أنس، وثّقه ابن حبان، من [٣].
وقال في "تهذيب التهذيب": أويس بن أبي أويس عديد بني تيم، عن أنس بحديثِ: "هذا رمضان قد جاءكم، تفتح فيه أبواب الجنّة"، وعنه الزهريّ، روى له النسائيّ هذا الحديث، وقال: هذا حديث منكر (١) خطأ، ولعلّ ابن إسحاق سمعه من إنسان ضعيف، فقال فيه: "وذَكَرَ الزهريّ".
قال المزّيّ: المحفوظ في هذا حديث الزهريّ، عن ابن أبي أنس، وهو أبو سُهيل، نافع بن مالك، عمّ مالك بن أنس، عن أبيه، عن أبي هريرة (٢).
قال الحافظ: وذكر ابن حبّان في الطبقة الثالثة من "الثقات": أويس بن مالك بن أبي عامر الأصبحيّ، حليف بني تيم، روى عن أبيه، وهو عمّ مالك بن أنس، روى عنه مصعب بن محمد بن شُرَحْبِيلَ، ثم ذكر أنس بن أبي أنس، والد مالك بن أنس، فقال: روى عن أبيه، روى عنه ابنه مالك، وهو الذي روى الزهريّ عنه، فقال: حدثنا أنس بن أبي أنس، عن أبيه، عن أبي هريرة، في فضل رمضان. كذا قال. انتهى ما "تهذيب التهذيب" (٣).
وقوله: "عديد بني تيم": بفتح العين، وكسر الدال المهملتين: أي المعدود فيهم.
قال المجد في "القاموس": و"العَدِيد" من القوم: من يُعدّ فيهم انتهى. والمراد به هنا أنه يُعدّ في بني تيم، حيث كان حليفًا لهم، فهو بمعنى قوله في رواية شعيب بن أبي حمزة: "مولى التيميين". واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "هذا الحديث خطأ". وجه كونه خطأ هنا أن ابن إسحاق رواه عن محمد بن مسلم الزهريّ، وقال: "أُويس بن أبي أويس، عن أنس بن مالك ﵁ "، فخالف سائر الحفّاظ الأثبات من أصحاب الزهريّ، وهم عُقيل بن خالد، وصالح بن كيسان، وشعيب بن أبي حمزة، ويونس بن يزيد الأيليّ، فقد رووه عن الزهريّ، عن ابن أبي أنس، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁.
فلفظ الأول عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو سُهيل"، عن أبيه، عن أبي هريرة، ولفظ الثاني عن ابن شهاب، قال: أخبرني نافع بن أبي أنس الخ"، ولفظ الثالث عن الزهري، قال: حدثني ابن أبي أنس مولى التيميين الخ"، ولفظ الرابع عن ابن شهاب،
стр. 11165
عن ابن أبي أنس الخ، فأبو سهيل، ونافع بن أبي أنس، وابن أبي أنس رجل واحد، يروي عن أبيه: مالك بن أبي عامر، عن أبي هريرة ﵁، هذا هو المحفوظ.
فخالف ابن إسحاق هؤلاء الأثبات، فقال: "عن أُويس بن أبي أويس، عن أنس بن مالك ﵁، وهو مدلس، وقد ذكره بقوله: "وذكر محمد بن مسلم الخ"، فالظاهر أنه دلّسه عن بعض الضعفاء، فوقع في الخطإ.
والحاصل أن رواية ابن إسحاق هذه غير محفوظة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٥ - (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى مَعْمَرٍ فِيهِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه الاختلاف على معمر أن عبد الأعلى بن عبد الأعلى، رواه عن معمر، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، وخالفه عبد اللَّه بن المبارك، فرواه عن معمر، عن الزهريّ، عن أبي هريرة ﵁، فجعله منقطعًا، حيث أسقط الواسطة بين الزهريّ، وبين أبي هريرة، وهو أبو سلمة، ولم يسمع الزهريّ من أبي هريرة، والأرجح رواية عبد الأعلى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢١٠٤ - (أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى, عَنْ مَعْمَرٍ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , كَانَ يُرَغِّبُ, فِي قِيَامِ رَمَضَانَ, مِنْ غَيْرِ عَزِيمَةٍ, وَقَالَ: «إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ, فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ, وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ, وَسُلْسِلَتْ فِيهِ الشَّيَاطِينُ». أَرْسَلَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. وهو "أبو بكر بن عليّ": أحمد بن عليّ القاضي المروزيّ، ثقة حافظ [١٢] ١/ ٢٠٩٤.
و"أبو بكر بن أبي شيبة": هو عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان بن خُواسْتَى العَبْسيّ مولاهم، الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقة حافظ، صاحب تصانيف [١٠].
стр. 11166
قال أحمد: أبو بكر صدوق، وهو أحبّ إليّ من عثمان. قال عبد اللَّه بن أحمد: فقلت لأبي: إن يحيى بن معين يقول: عثمان أحبّ إليّ؟ فقال: أبو بكر أعجب إلينا.
وقال العجليّ: ثقة، وكان حافظا للحديث. وقال أبو حاتم، وابن خراش: ثقة. وقال عمرو بن عليّ: ما رأيت أحفظ من أبي بكر، قدم علينا مع عليّ بن المدينيّ، فسرد للشيبانيّ أربعمائة حديث حفظًا، وقام. وقال أبو عبيد القاسم: انتهى العلم إلى أربعة: فأبو بكر أسردهم له، وأحمد أفقههم فيه، ويحيى أجمعهم له، وعليّ أعلمهم به. وقال عبدان الأهوازيّ: كان يقعد عند الأسطوانة أبو بكر، وأخوه، ومُشْكُدانة، وعبد اللَّه بن البَرّاد، وغيرهم كلهم سكوت إلا أبا بكر، فإنه يَهدُر. وقال صالح بن محمد: أعلم من أدركت بالحديث، وعِللِهِ علي بن المدينيّ، وأعلمهم بتصحيف المشايخ يحيى بن معين، وأحفظهم عند المذاكرة أبو بكر بن أبي شيبة. وقال ابن خراش: سمعت أبا زرعة الرازيّ يقول: ما رأيت أحفظ من أبي بكر بن أبي شيبة، فقلت له: يا أبا زرعة، وأصحابنا البغداديون؟ فقال: دع أصحابك، أصحابك مخاريق. وقال ابن حبّان في "الثقات": كان متقنًا حافظًا ديّنا، ممن كتب، وجمع، وصنّف، وذاكر، وكان أحفظ أهل زمانه للمقاطيع. وقال ابن قانع: ثقة ثبت. وقال يحيى الحِمّانيّ: أولاد ابن أبي شيبة من أهل العلم، كانوا يُزاحموننا عند كلّ محدّث. وقال محمد بن عمر بن العلاء الجرجانيّ: سألت ابن معين، عن سماع أبي بكر من شريك؟ فقال: أبو بكر عندنا صدوق، ولو ادعى السماع من أجلّ من شريك لكان مصدّقًا فيه، وما يحمله على أن يقول: وجدت في كتاب أبي بخطّه، وحُدّثت عن روح بحديث الدّجّال، وكنا نظنّ أنه سمعه من أبي هشام الرفاعيّ، وكان أبو بكر لا يذكر أبا هشام. قال: وسألت أبا بكر متى سمعت من شريك؟ قال: وأنا ابن (١٤) سنة، وأنا يومئذ أحفظ مني اليوم. وفي "الزهرة": روى عنه البخاريّ ثلاثين حديثًا، ومسلم ألفًا وخمسمائة وأربعين حديثًا. قال البخاريّ، وغير واحد: مات سنة (٢٣٥) في المحرّم. روى عنه البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه، وأخرج له المصنّف بواسطة حديثين فقط: هذا ٢١٠٤ و ٢١٢٣ حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا: "إذا رأيتموه، فصوموا .. " الحديث.
و"عبد الأعلى": هو ابن عبد الأعلى البصريّ الساميّ، ثقة [٨] ٢٠/ ٣٨٦.
و"معمر": هو ابن راشد، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقة ثبت [٧] ١٠/ ١٠.
و"أبو سلمة": هو ابن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقة فقيه [٣] ١/ ١.
واللَّه تعالى أعلم.
والحديث صحيح، وقد تقدم شرحه، والكلام على مسائله قريبًا.
стр. 11167
وقوله: "كان يُرغّب في قيام رمضان من غير عزيمة": أي كان يحثّهم على قيام ليالي شهر رمضان، من غير إيجاب عليهم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله: "أرسله ابن المبارك": أي رواه عبد اللَّه بن المبارك منقطعًا، كما بيّن روايته بقوله:
٢١٠٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى, خُرَاسَانِيٌّ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ, عَنْ مَعْمَرٍ, عَنِ الزُّهْرِيِّ,, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ,, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ, فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ, وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ, وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم ثقات، غير أن فيه انقطاعًا، كما بيّنه المصنّف؛ لأن الزهريّ لم يسمع من أبي هريرة ﵁.
و"محمد بن حاتم": هو ابن نعيم المروزيّ، ثقة [١٢] ٦٦/ ١٨٠٠.
و"حِبّان بن موسى" -بكسر المهملة، وتشديد الموحّدة-: هو أبو محمد المروزيّ، ثقة [١٠] ١/ ٣٩٧. ٣ - و"عبد اللَّه": هو ابن المبارك الإمام الحجة المشهور [٨].
والحديث صحيح بما سبق. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢١٠٦ - (أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ هِلَالٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ, عَنْ أَيُّوبَ, عَنْ أَبِي قِلَابَةَ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَتَاكُمْ رَمَضَانُ, شَهْرٌ مُبَارَكٌ, فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ, تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ (١) , وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ, وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ, لِلَّهِ فِيهِ لَيْلَةٌ, خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ, مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا, فَقَدْ حُرِمَ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (بشر بن هلال) الصوّاف البصريّ، ثقة [١٠] ١١٧/ ١٦٢.
٢ - (عبد الوارث) بن سعيد البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٦/ ٦.
٣ - (أيوب) بن أبي تميمة كيسان السختيانيّ البصريّ، ثقة ثبت حجة فقيه [٥] ٤٢/ ٤٨.
٤ - (أبو قلابة) عبد اللَّه بن زيد بن عمرو الجَرْميّ البصريّ، ثقة فاضل كثير الإرسال [٣] ١٠٣/ ٣٢٢. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 11168
لطائف هذا الإسناد:
(منها): من خماسيات المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات البصريين. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ﵁ رأس المكثرين من الرواية. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أتاكُمْ رَمَضَانُ) أي جاءكم زمانه، وفي رواية لأحمد: "لما حضر رمضان، قال رسول اللَّه ﷺ : قد جاءكم رمضان … (شَهْرٌ مُبَارَكٌ) بدل، أو عطف بيان، أو خبر لمحذوف، أي هو شهر مبارك، وظاهره الإخبار، أي كثيرٌ خيرُهُ الحسيّ، والمعنويّ، كما هو مشاهد فيه (فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ) ببناء الفعل للمفعول في المواضع الثلاثة، وبتخفيف الفعلين، الأولين، وتشديدهما (وَتُغلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ) بتشديد اللام، من الإغلال، قال في "القاموس": أغلّ فلانًا: أدخل في عنقه، أو يده الغُلّ. انتهى. و"الغلّ" -بالضمّ-: طوق من حديد، يُجعل في العنق، والجمع أغلال، مثل قُفْل وأقفال. قاله في "المصباح" (مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ) أي عُتَاتُهم. يقال: مَرَد، كنصر، وكرُم، مُرُودًا، ومُرودةً، ومَرَادة، فهو ماردٌ، وَمَرِيد، ومتمرّدٌ: أقدم، وعَتَا، أو هو أن يبلغ الغاية التي يَخرُج بها من جملة ما عليه ذلك الصنف. قاله في "القاموس".
ويستفاد منه أن المقيّدين في رمضان هم المردة فقط، فيكون عطف المردة على "الشياطين" في الحديث المتقدّم عطف تفسير وبيان، ويحتمل أن يكون تقييد عامّة الشياطين بغير الأغلال. واللَّه تعالى أعلم (١).
(لِلَّهِ فِيهِ لَيْلَةٌ، خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ) أي العمل فيها أفضل من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر (مَنْ حُرِمَ) بتخفيف الراء، والبناء للمفعول (خَيْرَهَا) بالنصب على أنه مفعول ثان لـ"حُرِم"؛ لكون يتعدى إلى مفعولين، يقال: حَرَمت فلانا الشيءَ، من باب ضرب، حَرِما بفتح، فكسر، وحِرْمانًا: إذا منعته. أي من مُنِع خيرها، بأن لم يُوَفَّق لإحيائها، والعبادة فيها (فَقَدْ حُرِمَ") أي مُنع الخير العظيم. قال الطيبيّ ﵀ تعالى: اتحاد الشرط والجزاء يدلّ على فَخَامة الجزاء، أي فقد حُرِم خيرًا، لا يُقَادَرُ قدرُهُ انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث أبي هريرة ﵁ هذا صحيح، وهو بهذا الإسناد من أفراد المصنف ﵀، كما أشار إليه الحافظ المزي في "تحفة الأشراف" جـ ١٠ ص ١٣٥، أخرجه هنا ٥/ ٢١٠٦ وفي "الكبرى" ٥/ ٢٤١٦. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 11169
[تنبيه]: قال الشيخ أحمد محمد شاكر -رحمه اللَّه تعالى-: في تعليقه على "المسند": جـ ١٢ ص ١٣٤: إسناده صحيح. وقال المنذريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "الترغيب": ولم يسمع أبو قلابة منه -أي من أبي هريرة- فيما أعلم. وقال في "تهذيب التهذيب": يقال: إنه لم يسمع من أبي هريرة.
وتعقّب هذا الشيخ أحمد محمد شاكر، فقال: لم أجد ما يؤيّد هذا. أي القول بعدم سماعه منه، وأبو قلابة لم يُعرف بتدليس، والمعاصرة كافية في الحكم بوصل الإسناد انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله العلامة أحمد محمد شاكر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- عندي مُسلَّم؛ لأن أبا قلابة غير مدلّس، كما نصّ على ذلك أبو حاتم الرازي، كما في "تهذيب التهذيب" في ترجمة أبي قلابة (١) فالأرجح أن السند متصل، وعلى تقدير أنه منقطع فالحديث له شواهد يصحّ بها، وقد تقدّم بعضها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢١٠٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ, عَنْ عَرْفَجَةَ, قَالَ: عُدْنَا عُتْبَةَ بْنَ فَرْقَدٍ, فَتَذَاكَرْنَا شَهْرَ رَمَضَانَ, فَقَالَ: مَا تَذْكُرُونَ؟ قُلْنَا: شَهْرَ رَمَضَانَ, قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَقُولُ: «تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ, وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ النَّارِ, وَتُغَلُّ فِيهِ الشَّيَاطِينُ, وَيُنَادِي مُنَادٍ كُلَّ لَيْلَةٍ, يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ هَلُمَّ, وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ». قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: هَذَا خَطَأٌ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (محمد بن منصور) الجوّاز المكي، ثقة [١٠] ٢٠/ ٢١.
٢ - (سفيان) بن عيينة الحافظ الثبت الحجة المشهور [٨] ١/ ١.
٣ - (عطاء بن السائب) الثقفيّ الكوفيّ، صدوق اختلط [٥] ١٥٢/ ٢٤٣.
٤ - (عَرْفَجة) بن عبد اللَّه الثقفيّ، ويقال: السلميّ مقبول [٣].
روى عن عليّ، وابن مسعود، وعائشة، وعتبة بن فَرْقد، ورجل من الصحابة. وعنه عطاء بن السائب، ومنصور بن المعتمر، وجابر الجعفيّ، وعُمَر عبد اللَّه بن يعلى بن مرّة.
ذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: هو الذي روى عنه عطاء بن أبي رباح، وسمّى
стр. 11170
أباه عبد الواحد. وقال ابن القطان الفاسيّ: مجهول. وأشار إليه البخاريّ في أثر أخرجه تعليقَا: "من أفطر في رمضان بغير عذر"، ووصله البيهقيّ من طريق عرفجة به. انفرد به المصنّف بهذا الحديث فقط.
٥ - (عُتبة بن فَرْقَد) بن يَرْبوع بن حبيب بن مالك بن أسعد بن رفاعة بن ربيعة بن رفاعة بن الحارث بن بُهْثة بن سُلَيم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عَيْلان (١) السُّلَميّ، أبو عبد اللَّه، صحابيّ نزل الكوفة، وكان شريفًا بها. روى عن النبيّ ﷺ ، وعن عمر بن الخطاب. وعنه امرأته أم عاصم، وقيس بن أبي حازم، وعبد اللَّه بن ربيعة السُّلَميّ، وعَرْفَجة بن عبد اللَّه الثقفيّ، وعامر الشعبيّ.
قال ابن عبد البرّ: كان أميرًا لعمر بن الخطاب على بعض فتوحات العراق. وروى سليمان التيميّ، عن أبي عثمان النهديّ" جاءنا كتاب عمر، ونحن مع عتبة بن فرقد. قال ابن عبد البرّ: وينسبونه عتبة بن يربوع بن حبيب بن مالك، وهو فرقد بن أسعد بن رفاعة. ورى شعبة، عن حُصين، عن امرأة عتبة بن فرقد: أنه غزا مع رسول اللَّه ﷺ غزوتين. وقال ابن سعد: هو عتبة بن يربوع، ويربوع هو فرقد. وذكر أبو زكريا صاحب "تاريخ الموصل" أنه هو الذي فتح الموصل زمن عمر ﷺ سنة ثمان عشرة، قال: وشهد خيبر مع رسول اللَّه ﷺ ، وقسم له منها. وروى أحمد في "الزهد" عن هشيم، عن حصين، قال: كان عتبة بن فرقد يُعطي سهمه لبني عمه عامًا، ولأخواله عامًا. انفرد به المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرج له حديث الباب فقط. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَرْفَجَةَ) بفتح العين المهملة، وسكون الراء، وفتح الفاء، أنه (قَالَ: عُدْنَا) بضم العين المهملة، وسكون الدال المهملة، من عاد المريض، يعوده، من باب قال، عِيَادة: إذا زاره، أي زُرناه لكونه مريضا (عُتْبَةَ بْنَ فَرْقَدٍ) -بفتح الفاء، وسكون الراء- رضي اللَّه تعالى عنه - (فَتَذَاكَرْنَا شَهْرَ رَمَضَانَ) أي فضل صيامه، وقيامه (فَقَالَ: مَا تَذْكُرُونَ؟) "ما" استفهامية، أَيْ أَيَّ شيء تذكرون؟ (قُلْنَا: شَهْرَ رَمَضَانَ) بالنصب مفعولا لفعل محذوف، أي نذكر شهر رمضان (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ) ببناء الفعل للمفعول في المواضع الثلاثة. وفي الرواية التالية: "تفتح فيه أبواب السماء" (وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ النارِ، وَتُغَلُّ فِيهِ الشَّيَاطِينُ) وفي الرواية التالية: "ويُصفَّد فيه كلّ شيطان مَريد" (وَيُنَادِي مُنَادٍ) ببناء الفعل للفاعل، و"مناد" فاعله.