قال أحمد: أبو بكر صدوق، وهو أحبّ إليّ من عثمان. قال عبد اللَّه بن أحمد: فقلت لأبي: إن يحيى بن معين يقول: عثمان أحبّ إليّ؟ فقال: أبو بكر أعجب إلينا.
وقال العجليّ: ثقة، وكان حافظا للحديث. وقال أبو حاتم، وابن خراش: ثقة. وقال عمرو بن عليّ: ما رأيت أحفظ من أبي بكر، قدم علينا مع عليّ بن المدينيّ، فسرد للشيبانيّ أربعمائة حديث حفظًا، وقام. وقال أبو عبيد القاسم: انتهى العلم إلى أربعة: فأبو بكر أسردهم له، وأحمد أفقههم فيه، ويحيى أجمعهم له، وعليّ أعلمهم به. وقال عبدان الأهوازيّ: كان يقعد عند الأسطوانة أبو بكر، وأخوه، ومُشْكُدانة، وعبد اللَّه بن البَرّاد، وغيرهم كلهم سكوت إلا أبا بكر، فإنه يَهدُر. وقال صالح بن محمد: أعلم من أدركت بالحديث، وعِللِهِ علي بن المدينيّ، وأعلمهم بتصحيف المشايخ يحيى بن معين، وأحفظهم عند المذاكرة أبو بكر بن أبي شيبة. وقال ابن خراش: سمعت أبا زرعة الرازيّ يقول: ما رأيت أحفظ من أبي بكر بن أبي شيبة، فقلت له: يا أبا زرعة، وأصحابنا البغداديون؟ فقال: دع أصحابك، أصحابك مخاريق. وقال ابن حبّان في "الثقات": كان متقنًا حافظًا ديّنا، ممن كتب، وجمع، وصنّف، وذاكر، وكان أحفظ أهل زمانه للمقاطيع. وقال ابن قانع: ثقة ثبت. وقال يحيى الحِمّانيّ: أولاد ابن أبي شيبة من أهل العلم، كانوا يُزاحموننا عند كلّ محدّث. وقال محمد بن عمر بن العلاء الجرجانيّ: سألت ابن معين، عن سماع أبي بكر من شريك؟ فقال: أبو بكر عندنا صدوق، ولو ادعى السماع من أجلّ من شريك لكان مصدّقًا فيه، وما يحمله على أن يقول: وجدت في كتاب أبي بخطّه، وحُدّثت عن روح بحديث الدّجّال، وكنا نظنّ أنه سمعه من أبي هشام الرفاعيّ، وكان أبو بكر لا يذكر أبا هشام. قال: وسألت أبا بكر متى سمعت من شريك؟ قال: وأنا ابن (١٤) سنة، وأنا يومئذ أحفظ مني اليوم. وفي "الزهرة": روى عنه البخاريّ ثلاثين حديثًا، ومسلم ألفًا وخمسمائة وأربعين حديثًا. قال البخاريّ، وغير واحد: مات سنة (٢٣٥) في المحرّم. روى عنه البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه، وأخرج له المصنّف بواسطة حديثين فقط: هذا ٢١٠٤ و ٢١٢٣ حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا: "إذا رأيتموه، فصوموا .. " الحديث.
و"عبد الأعلى": هو ابن عبد الأعلى البصريّ الساميّ، ثقة [٨] ٢٠/ ٣٨٦.
و"معمر": هو ابن راشد، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقة ثبت [٧] ١٠/ ١٠.
و"أبو سلمة": هو ابن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقة فقيه [٣] ١/ ١.
واللَّه تعالى أعلم.
والحديث صحيح، وقد تقدم شرحه، والكلام على مسائله قريبًا.
стр. 11167
وقوله: "كان يُرغّب في قيام رمضان من غير عزيمة": أي كان يحثّهم على قيام ليالي شهر رمضان، من غير إيجاب عليهم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله: "أرسله ابن المبارك": أي رواه عبد اللَّه بن المبارك منقطعًا، كما بيّن روايته بقوله:
٢١٠٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى, خُرَاسَانِيٌّ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ, عَنْ مَعْمَرٍ, عَنِ الزُّهْرِيِّ,, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ,, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ, فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ, وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ, وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم ثقات، غير أن فيه انقطاعًا، كما بيّنه المصنّف؛ لأن الزهريّ لم يسمع من أبي هريرة ﵁.
و"محمد بن حاتم": هو ابن نعيم المروزيّ، ثقة [١٢] ٦٦/ ١٨٠٠.
و"حِبّان بن موسى" -بكسر المهملة، وتشديد الموحّدة-: هو أبو محمد المروزيّ، ثقة [١٠] ١/ ٣٩٧. ٣ - و"عبد اللَّه": هو ابن المبارك الإمام الحجة المشهور [٨].
والحديث صحيح بما سبق. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢١٠٦ - (أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ هِلَالٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ, عَنْ أَيُّوبَ, عَنْ أَبِي قِلَابَةَ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَتَاكُمْ رَمَضَانُ, شَهْرٌ مُبَارَكٌ, فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ, تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ (١) , وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ, وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ, لِلَّهِ فِيهِ لَيْلَةٌ, خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ, مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا, فَقَدْ حُرِمَ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (بشر بن هلال) الصوّاف البصريّ، ثقة [١٠] ١١٧/ ١٦٢.
٢ - (عبد الوارث) بن سعيد البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٦/ ٦.
٣ - (أيوب) بن أبي تميمة كيسان السختيانيّ البصريّ، ثقة ثبت حجة فقيه [٥] ٤٢/ ٤٨.
٤ - (أبو قلابة) عبد اللَّه بن زيد بن عمرو الجَرْميّ البصريّ، ثقة فاضل كثير الإرسال [٣] ١٠٣/ ٣٢٢. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 11168
لطائف هذا الإسناد:
(منها): من خماسيات المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات البصريين. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ﵁ رأس المكثرين من الرواية. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أتاكُمْ رَمَضَانُ) أي جاءكم زمانه، وفي رواية لأحمد: "لما حضر رمضان، قال رسول اللَّه ﷺ : قد جاءكم رمضان … (شَهْرٌ مُبَارَكٌ) بدل، أو عطف بيان، أو خبر لمحذوف، أي هو شهر مبارك، وظاهره الإخبار، أي كثيرٌ خيرُهُ الحسيّ، والمعنويّ، كما هو مشاهد فيه (فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ) ببناء الفعل للمفعول في المواضع الثلاثة، وبتخفيف الفعلين، الأولين، وتشديدهما (وَتُغلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ) بتشديد اللام، من الإغلال، قال في "القاموس": أغلّ فلانًا: أدخل في عنقه، أو يده الغُلّ. انتهى. و"الغلّ" -بالضمّ-: طوق من حديد، يُجعل في العنق، والجمع أغلال، مثل قُفْل وأقفال. قاله في "المصباح" (مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ) أي عُتَاتُهم. يقال: مَرَد، كنصر، وكرُم، مُرُودًا، ومُرودةً، ومَرَادة، فهو ماردٌ، وَمَرِيد، ومتمرّدٌ: أقدم، وعَتَا، أو هو أن يبلغ الغاية التي يَخرُج بها من جملة ما عليه ذلك الصنف. قاله في "القاموس".
ويستفاد منه أن المقيّدين في رمضان هم المردة فقط، فيكون عطف المردة على "الشياطين" في الحديث المتقدّم عطف تفسير وبيان، ويحتمل أن يكون تقييد عامّة الشياطين بغير الأغلال. واللَّه تعالى أعلم (١).
(لِلَّهِ فِيهِ لَيْلَةٌ، خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ) أي العمل فيها أفضل من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر (مَنْ حُرِمَ) بتخفيف الراء، والبناء للمفعول (خَيْرَهَا) بالنصب على أنه مفعول ثان لـ"حُرِم"؛ لكون يتعدى إلى مفعولين، يقال: حَرَمت فلانا الشيءَ، من باب ضرب، حَرِما بفتح، فكسر، وحِرْمانًا: إذا منعته. أي من مُنِع خيرها، بأن لم يُوَفَّق لإحيائها، والعبادة فيها (فَقَدْ حُرِمَ") أي مُنع الخير العظيم. قال الطيبيّ ﵀ تعالى: اتحاد الشرط والجزاء يدلّ على فَخَامة الجزاء، أي فقد حُرِم خيرًا، لا يُقَادَرُ قدرُهُ انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث أبي هريرة ﵁ هذا صحيح، وهو بهذا الإسناد من أفراد المصنف ﵀، كما أشار إليه الحافظ المزي في "تحفة الأشراف" جـ ١٠ ص ١٣٥، أخرجه هنا ٥/ ٢١٠٦ وفي "الكبرى" ٥/ ٢٤١٦. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 11169
[تنبيه]: قال الشيخ أحمد محمد شاكر -رحمه اللَّه تعالى-: في تعليقه على "المسند": جـ ١٢ ص ١٣٤: إسناده صحيح. وقال المنذريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "الترغيب": ولم يسمع أبو قلابة منه -أي من أبي هريرة- فيما أعلم. وقال في "تهذيب التهذيب": يقال: إنه لم يسمع من أبي هريرة.
وتعقّب هذا الشيخ أحمد محمد شاكر، فقال: لم أجد ما يؤيّد هذا. أي القول بعدم سماعه منه، وأبو قلابة لم يُعرف بتدليس، والمعاصرة كافية في الحكم بوصل الإسناد انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله العلامة أحمد محمد شاكر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- عندي مُسلَّم؛ لأن أبا قلابة غير مدلّس، كما نصّ على ذلك أبو حاتم الرازي، كما في "تهذيب التهذيب" في ترجمة أبي قلابة (١) فالأرجح أن السند متصل، وعلى تقدير أنه منقطع فالحديث له شواهد يصحّ بها، وقد تقدّم بعضها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢١٠٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ, عَنْ عَرْفَجَةَ, قَالَ: عُدْنَا عُتْبَةَ بْنَ فَرْقَدٍ, فَتَذَاكَرْنَا شَهْرَ رَمَضَانَ, فَقَالَ: مَا تَذْكُرُونَ؟ قُلْنَا: شَهْرَ رَمَضَانَ, قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَقُولُ: «تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ, وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ النَّارِ, وَتُغَلُّ فِيهِ الشَّيَاطِينُ, وَيُنَادِي مُنَادٍ كُلَّ لَيْلَةٍ, يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ هَلُمَّ, وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ». قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: هَذَا خَطَأٌ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (محمد بن منصور) الجوّاز المكي، ثقة [١٠] ٢٠/ ٢١.
٢ - (سفيان) بن عيينة الحافظ الثبت الحجة المشهور [٨] ١/ ١.
٣ - (عطاء بن السائب) الثقفيّ الكوفيّ، صدوق اختلط [٥] ١٥٢/ ٢٤٣.
٤ - (عَرْفَجة) بن عبد اللَّه الثقفيّ، ويقال: السلميّ مقبول [٣].
روى عن عليّ، وابن مسعود، وعائشة، وعتبة بن فَرْقد، ورجل من الصحابة. وعنه عطاء بن السائب، ومنصور بن المعتمر، وجابر الجعفيّ، وعُمَر عبد اللَّه بن يعلى بن مرّة.
ذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: هو الذي روى عنه عطاء بن أبي رباح، وسمّى
стр. 11170
أباه عبد الواحد. وقال ابن القطان الفاسيّ: مجهول. وأشار إليه البخاريّ في أثر أخرجه تعليقَا: "من أفطر في رمضان بغير عذر"، ووصله البيهقيّ من طريق عرفجة به. انفرد به المصنّف بهذا الحديث فقط.
٥ - (عُتبة بن فَرْقَد) بن يَرْبوع بن حبيب بن مالك بن أسعد بن رفاعة بن ربيعة بن رفاعة بن الحارث بن بُهْثة بن سُلَيم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عَيْلان (١) السُّلَميّ، أبو عبد اللَّه، صحابيّ نزل الكوفة، وكان شريفًا بها. روى عن النبيّ ﷺ ، وعن عمر بن الخطاب. وعنه امرأته أم عاصم، وقيس بن أبي حازم، وعبد اللَّه بن ربيعة السُّلَميّ، وعَرْفَجة بن عبد اللَّه الثقفيّ، وعامر الشعبيّ.
قال ابن عبد البرّ: كان أميرًا لعمر بن الخطاب على بعض فتوحات العراق. وروى سليمان التيميّ، عن أبي عثمان النهديّ" جاءنا كتاب عمر، ونحن مع عتبة بن فرقد. قال ابن عبد البرّ: وينسبونه عتبة بن يربوع بن حبيب بن مالك، وهو فرقد بن أسعد بن رفاعة. ورى شعبة، عن حُصين، عن امرأة عتبة بن فرقد: أنه غزا مع رسول اللَّه ﷺ غزوتين. وقال ابن سعد: هو عتبة بن يربوع، ويربوع هو فرقد. وذكر أبو زكريا صاحب "تاريخ الموصل" أنه هو الذي فتح الموصل زمن عمر ﷺ سنة ثمان عشرة، قال: وشهد خيبر مع رسول اللَّه ﷺ ، وقسم له منها. وروى أحمد في "الزهد" عن هشيم، عن حصين، قال: كان عتبة بن فرقد يُعطي سهمه لبني عمه عامًا، ولأخواله عامًا. انفرد به المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرج له حديث الباب فقط. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَرْفَجَةَ) بفتح العين المهملة، وسكون الراء، وفتح الفاء، أنه (قَالَ: عُدْنَا) بضم العين المهملة، وسكون الدال المهملة، من عاد المريض، يعوده، من باب قال، عِيَادة: إذا زاره، أي زُرناه لكونه مريضا (عُتْبَةَ بْنَ فَرْقَدٍ) -بفتح الفاء، وسكون الراء- رضي اللَّه تعالى عنه - (فَتَذَاكَرْنَا شَهْرَ رَمَضَانَ) أي فضل صيامه، وقيامه (فَقَالَ: مَا تَذْكُرُونَ؟) "ما" استفهامية، أَيْ أَيَّ شيء تذكرون؟ (قُلْنَا: شَهْرَ رَمَضَانَ) بالنصب مفعولا لفعل محذوف، أي نذكر شهر رمضان (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ) ببناء الفعل للمفعول في المواضع الثلاثة. وفي الرواية التالية: "تفتح فيه أبواب السماء" (وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ النارِ، وَتُغَلُّ فِيهِ الشَّيَاطِينُ) وفي الرواية التالية: "ويُصفَّد فيه كلّ شيطان مَريد" (وَيُنَادِي مُنَادٍ) ببناء الفعل للفاعل، و"مناد" فاعله.
стр. 11171
قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: [فإن قلت]: أيّ فائدة في هذا النداء مع أنه غير مسموع للناس؟ [قلت]: قد علم الناس به بإخبار الصادق، وبه يحصل المطلوب بأن يتذكّر الإنسان كلّ ليلة أنها ليلة المناداة، فيتّعظ بها انتهى (١).
(كُلَّ لَيْلَةٍ) منصوب على الظرفية متعلّق بـ "يُنادِي" (يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ هَلُمَّ) أي طالب الخير أقبل على فعل الخير، فهذا أوانه، فإنك تُعطَى جزيلاً بعمل قليل.
و"هلمّ" بفتح الهاء، وضمّ اللام، وتشديد الميم: كلمة بمعنى الدعاء إلى الشيء، كما يقال: تَعَالَ، قال الخليل: أصله "لُمَّ" من الضمّ والجمعِ، ومنه لَمَّ اللَّهُ شَعَثَهُ، وكأنَ المنادِيَ أراد لُمَّ نفسَك إلينا، و"ها" للتنبيه، وحذفت الألف تخفيفًا؛ لكثرة الاستعمال، وجُعِلا اسمًا واحدًا، وقيل: أصلها "هَلّ أُمَّ" أي قُصِدَ، فنقلت حركة الهمزة إلى اللام، وسقطت، ثم جُعلا كلمة واحدة للدعاء، وأهل الحجاز يُنادون بها بلفظ واحد للمذكّر، والمؤنّث، والمفرد، والجمع، وعليه قوله تعالى: ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ الآية [الأحزاب: ١٨]. وفي لغة نجد تَلحَقُها الضمائر، وتُطابِقُ، فيقال: "هلمّي"، و"هلمّا"، و"هلمّوا"، و"هلْمُمْن"؛ لأنهم يجعلونها فعلا، فيُلحِقونها الضمائر كما يُلحقونها "قُمْ"، و"قوما"، و"قوموا"، و"قمن". وقال أبو زيد: استعمالها بلفظ واحد للجميع من لغة عُقيل، وعليه قيس بعدُ، وإلحاق الضمائر من لغة بني تميم، وعليه أكثر العرب، وتُستعمل لازمة، نحو: ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾، أي أقبل، ومتعدّية، نحو: ﴿هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾ [الأنعام: ١٥٠]، أي أحضروهم. قاله الفيّوميّ (٢).
(وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ) بقطع الهمزة، أمر من الإقصار، وفي الرواية التالية: "أمسك"، وهو بمعنى "أَقِصْر". يقال: أقصرتُ عن الشيء بالألف: أمسكتُ مع القدرة عليه. أي طالب الشرّ أمسك عن شرك، وتب عنه، فإن الوقت وقت قبول التوبة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، ونعم الوكيل.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا السند خطأ، والصواب هو السند الآتي كما قال المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، فالحديث صحيح به.
وهو من أفراده، أخرجه هنا - ٥/ ٢١٠٧ و ٢١٠٨ - وفي "الكبرى" ٥/ ٢٤١٧ و ٢٤١٨. وأخرجه (أحمد) ١٨٠٤١ و ١٨٠٤٢ و ٢٢٣٩٣. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "قال أبو عبد الرحمن: هذا خطأ" يعني أن هذا الحديث بهذا السند خطأ، ووجه الخطأ أن سفيان بن عيينة رواه عن عطاء بن السائب، عن عرفجة، عن عتبة بن فرقد، فجعله
стр. 11172
من مسند عتبة، وأخطأ فيه، والصحيح أنه من مسند رجل من أصحاب النبيّ ﷺ .
ونقل الحافظ المزّي -رحمه اللَّه تعالى-، في "تحفة الأشراف "جـ٧ ص ٢٣٥ كلام المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- هذا، ونصّه بعد أن ذكر الروايتين: وقال -يعني النسائيّ-: هذا أولى بالصواب من حديث ابن عُيينة، وعطاء بن السائب كان قد تغيّر، وأثبت الناس فيه شعبة، والثوريّ، وحمّاد بن زيد، وإسرائيل (١).
رواه بعضهم عن الثوريّ، عن عطاء بن السائب، عن عرفجة، عن عتبة. ورواه ابن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن عرفجة أن رجلا من أصحاب النبيّ ﷺ حدّث عنه عتبة، فذكره. ورواه الفريابيّ، عن الثوريّ، عن عطاء بن السائب، عن عرفجة، عن عتبة، عن رجل من أصحاب النبيّ ﷺ . انتهى ما قال الحافظ المزيّ -رحمه اللَّه تعالى-.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحاصل أن رواية شعبة أصحّ من رواية سفيان بن عيينة، كما أشار إليه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-؛ لكونه ممن روى قبل اختلاط عطاء. واللَّه تعالى أعلم.
[فائدة]: عطاء بن السائب ممن اختلط في آخر عمره، وقد ميزّ العلماء بين ما يُقبل من أحاديثه، وبين ما يُردّ بالرواة، وقد نظمت هذه القاعدة بقولي [من الرجز]:
يَا أَيُّهَا الطَّالِبُ لِلْفَائِدةِ … اعْلَمْ هَدَاكَ اللَّهُ لِلسَّعَادَةِ
أَنَّ عَطَاءَ نَجْلَ سَائِبٍ خَلَطْ … فَبِالرُّوَاةِ الأَخْذُ وَالرَّدُّ انْضَبَطْ
فَمَا رَوَى شُعْبَةُ وَالثَّوْرِيُّ .... زُهَيْرُ إِسْرَائِيلُ قُلْ مَرْضِيُّ
أَيُّوبُ زَائِدَةُ وَابْنُ زَيْدِ .... وَابْنُ عُيَيْنَةَ كَذَا ذُو أَيْدِ (٢)
وَالْخُلْفُ فِي حَمّادٍ ابْنُ سَلَمَهْ .... وَرَجّحِ الرّدَّ تَكُنْ ذَا مَكْرَمَهْ
وَهَكذَا حَرَّرَهُ الأَعْلَامُ … فَاحْفَظْ فَكُلُّ حَافِظٍ إِمَامُ
وقد تقدّم هذا، وإنما أعدته تذكيراً، حيث طال العهد به. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
ثم ساق المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- رواية شعبة، عن عطاء بن السائب بقوله:
٢١٠٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ, عَنْ عَرْفَجَةَ, قَالَ: كُنْتُ فِي بَيْتٍ, فِيهِ عُتْبَةُ بْنُ فَرْقَدٍ, فَأَرَدْتُ أَنْ أُحَدِّثَ بِحَدِيثٍ,
стр. 11173
وَكَانَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ , كَأَنَّهُ أَوْلَى بِالْحَدِيثِ مِنِّي, فَحَدَّثَ الرَّجُلُ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ فِي رَمَضَانَ: «تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ, وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ النَّارِ, وَيُصَفَّدُ فِيهِ كُلُّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ, وَيُنَادِي مُنَادٍ كُلَّ لَيْلَةٍ: يَا طَالِبَ الْخَيْرِ هَلُمَّ, وَيَا طَالِبَ الشَّرِّ أَمْسِكْ»).
زاد في "الكبرى": قال أبو عبد الرحمن: وحديث شعبة هذا أولى بالصواب، واللَّه أعلم. انتهى.
و"محمد" شيخ ابن بشار هو محمد بن جعفر، غُندر.
وقوله: "وكان رجل من أصحاب النبيّ ﷺ الخ". قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- في "النكت الظراف" في التعليق على هذا الحديث: ما نصّه: رواه إبراهيم بن طهمان، عن عطاء بن السائب، عن عرفجة، قال: كنت عند عتبة، فدخل رجل من الصحابة. ورواه حماد بن سلمة، عن عطاء، عن عرفجة، عن أبي عبد اللَّه، رجلِ من الصحابة، حدّثهم عند عتبة بن فرقد. فبهذا يتبيّن الصحابيّ الذي أبهم في رواية النسائيّ عن شعبة. انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: يعني أن الصحابي الذي روى عنه عرفجة هذا الحديث هو أبو عبد اللَّه ﵁ واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "كأنه أولى بالحديث مني": أي لكونه صحابيًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
٦ - (الرُّخْصَةُ فِي أَنْ يُقالَ لَشِهْرَ رَمَضَانَ رَمَضَانَ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: المراد بالرخصة هنا مطلق الجواز، وليس المراد أنه تقدمه نهي، ثم جاء الترخيص بعده، كما هو الغالب في استعمال الرخصة، إذ ليس يثبت عن النبي- ﷺ ﷺ نهي عن تسمية رمضان بدون إضافة شهر إليه.
وأما الحديث الذي رواه أبو معشر، نَجِيح المدنيّ، عن سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة ﷺ ، مرفوعًا: "لا تقولوا رمضان، فان رمضان اسم من أسماء اللَّه، ولكن قولوا:
стр. 11174
شهر رمضان". أخرجه ابن عديّ في "الكامل"، فقد ضعّفه هو بأبي معشر. قال البيهقيّ: قد رُوي عن أبي معشر، عن محمد بن كعب، وهو أشبه. وروي عن مجاهد، والحسن من طريقين، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢١٠٩ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا الْمُهَلَّبُ بْنُ أَبِي حَبِيبَةَ ح وَأَنْبَأَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, عَنِ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي حَبِيبَةَ, قَالَ: أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ, عَنْ أَبِي بَكْرَةَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ صُمْتُ رَمَضَانَ, وَلَا قُمْتُهُ كُلَّهُ» , وَلَا أَدْرِي كَرِهَ التَّزْكِيَةَ, أَوْ قَالَ: لَا بُدَّ مِنْ غَفْلَةٍ, وَرَقْدَةٍ, اللَّفْظُ لِعُبَيْدِ اللَّهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه المروزي الإمام الحجة الثبت [١٠]. ٢/ ٢.
٢ - (عبيد اللَّه بن سعيد) أبو قُدَامة السرخسيّ، ثقة مأمون سنيّ [١٠] ١٥/ ١٥.
٣ - (يحيي بن سعيد) القطّان البصريّ الحافظ الحجة الثبت [٩] ٤/ ٤.
٤ - (المهلّب بن أبي حبيبة) البصريّ، صدوق، من كبار [٧].
قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: شيخ ثقة. وقال الآجرّيّ، عن أبي داود: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال ابن عديّ: لم أر له حديثا منكرًا. انفرد به أبو داود، والمصنف، فأخرجا له حديث الباب فقط.
٥ - (الحسن) بن أبي الحسن يسار البصريّ الإمام الفقيه الفاضل الحجة [٣] ٣٢/ ٣٦.
٦ - (أبو بكرة) نُفيع بن الحارث بن كَلَدَة الصحابي المشهور ﵁ ٤١/ ٨٣٦. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخيه، فالأول مروزيّ، والثاني سَرَخْسيّ. ومنها: أن أبا بكرة ممن اشتهر بلقب بصورة الكنية، ولُقّب بها لأنه تدلَّّى من حصن الطائف إلى النبي- ﷺ ﷺ ، فأسلم، فأعتقه يومئذ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي بَكْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "لَا يَقُولَن أَحَدُكُمْ صُمْتُ رَمَضَانَ) هذا محلّ الترجمة، حيث ذكر "رمضان" بلا إضافة "شهر" إليه، فإنه دليل على جواز استعمال ذلك، والنهي ليس راجعًا إليه، وإنما هو إلى نسبة صوم رمضان كله إلى نفسه؛
стр. 11175
لما يأتي (وَلَا) يوقولن أيضا (قُمْتُهُ) أي قمت لياليه وقوله (كُلَّهُ") تأكيد للضمير المنصوب، وحذف نظيره لـ "رمضان"، أو هو تأكيد له، وحذف توكيد الضمير (وَلَا أَدْرِي) هذا من كلام الحسن -رحمه اللَّه تعالى-، كما بينه أحمد -رحمه اللَّه تعالى- في "مسنده"جـ ٥ ص ٤٠ - من طريق قتادة، عن الحسن، وذكر في محلّ آخر جـ ٥ ص ٥٢ - أنه من كلام قتادة، فيحتمل أن كلاً منهما قاله (كَرِهَ التَّزْكِيَةَ) بحذف همزة الاستفهام، وفي رواية لأحمد: "قال قتادة: فاللَّه أعلم أخشي التزكية على أمته … ".
يعني أنه لا يعلم سبب نهيه المذكور، هل هو كراهة تزكية النفس بكونها صائمة، قائمة؟ وقد نهى اللَّه عن تزكيتها، بقوله: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٢] (أَوْ قَالَ) ذلك لئلا يكون كاذبًا، حيث إنه (لَا بُدَّ مِنْ غَفْلَةٍ) في حال صومه، فيقع منه ما ينافي صومه بوجه مّا، فإن آداب الصوم شديدة على النفس، فقد أخرج البخاريّ في "صحيحه" من حديث أبي هريرة ﵁، أنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من لم يدع قول الزور، والعمل به، فليس للَّه حاجة في أن يدع طعامه، وشرابه"، فلعله يقع منه محذورٌ مّا في وقتٍ مّا من الشهر، فلا ينبغي له أن يدّعي أنه صام الشهر كله (وَرَقْدَةٍ) أي نومةٍ في وقتٍ من أوقات ليالي الشهر، فلا يسعه أن يدّعي أنه قام شهر رمضان.
والحاصل أن سبب نهي النبيّ ﷺ -عن أن يقول العبد صمت رمضان كلّه، وقمت رمضان كله يحتمل أحد هذين الأمرين:
(الأول): كراهة تزكية النفس بكونها صامت كل رمضان، وقامت لياليه.
(الثاني): خشية الكذب، لأنه لا يخلو العبد عن غفلة مّا في وقت من أوقات الصوم، فيقع منه ما ينافي صومه، من اغتياب، أو نميمة، أو كذب، أو نحو ذلك، وكذلك لا يخلو من رقدة خلال ليالي رمضان، فيكون كاذبًا بدعواه صوم كل رمضان، وقيام كلّ لياليه.
والظاهر أن السبب الأول هو الأقرب؛ لأنّ دعوى صيام كل رمضان، وقيامه صحيحة إذا حصل أكثره، فلا ينافيه أن يحصل منه قليل من الغفلة، والنوم، فإن للأكثر حكمَ الكلّ، فالاحتمال الأول أقرب إلى أن يكون سببا للنهي المذكور.
ويحتمل أن يكون النهي؛ لكون قبوله مغيّبًا، إذ لا يعلمه إلا اللَّه تعالى، فربما يظنّ العبد أنه صام رمضان، ولم يُقبل صومه، فلا ينبغي له الجزم بصومه؛ لعدم الجزم بقبوله. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله (اللفْظُ لِعُبَيْدِ اللَّهِ) يعني أن لفظ الحديث المذكور لشيخه عبيد اللَّه بن سعيد، وأما إسحاق بن إبراهيم، فرواه بمعناه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
стр. 11176
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي بكرة ﵁ -هذا صححه ابن خزيمة -رحمه اللَّه تعالى-، وفيه نظر؛ لأنّ فيه عنعنةَ الحسن، فإنه مدلس. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٦/ ٢١٠٩ - وفي "الكبرى" ٦/ ٢٤١٩. وأخرجه (د) ٢٠٦٢ (أحمد) ١٩٥١١ أو١٩٥٢٠ و ١٩٥٣٠ و ١٩٦١٦. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو جواز استعمال "رمضان" دون إضافة لفظة "شهر" (ومنها): النهي عن أن يقول الإنسان: صمت رمضان كله؛ لكونه تزكية للنفس، أو لعدم القيام بحقوق الصوم، فيكون كاذبًا، أو لعدم الجزم بالقبول (ومنها): النهي عن أن يقول: قمت ليالي رمضان كلها؛ لما ذكر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في جواز استعمال "رمضان" بدون إضافة لفظ "شهر" إليه:
(اعلم): أن ما ذهب إليه المصنّف من جواز أن يقال: رمضان بدون إضافة لفظ شهر هو الذي عليه جمهور أهل العلم، كما بيّنه النووي -رحمه اللَّه تعالى-، في "شرح مسلم"، وعبارته في شرح حديث "إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنّة … ":
فيه دليل للمذهب الصحيح المختار الذي ذهب إليه البخاريّ، والمحققون أنه يجوز أن يقال: رمضان، من غير ذكر الشهر بلا كراهة، وفي هذه المسألة ثلاثة مذاهب:
قالت طائفة: لا يقال: رمضان على انفراده بحال، وإنما يقال: شهر رمضان، هذا قول أصحاب مالك، وزعم هؤلاء أن رمضان اسم من أسماء اللَّه تعالى، فلا يُطلق على غيره إلا بقيد.
وقال أكثر أصحابنا، وابن الباقلاّنيّ: إن كان هناك قرينة تصرفه إلى الشهر فلا كراهة، وإلا فيكره (١)، قالوا: فيقال: صمنا رمضان، قمنا رمضان، ورمضان أفضل الأشهر، ويندب طلب ليلة القدر في أواخر رمضان، وأشباه ذلك، ولا كراهة في هذا
стр. 11177
كلّه، وإنما يكره أن يقال: جاء رمضان، ودخل رمضان، وحضر رمضان، وأحبّ رمضان، ونحو ذلك.
والمذهب الثالث: مذهب البخاريّ والمحقّقين أنه لا كراهة في إطلاق رمضان بقرينة، وبغير قرينة، وهذا المذهب هو الصواب، والمذهبان الأولان فاسدان؛ لأنّ الكراهة إنما تثبت بنهي الشرع، ولم يثبت فيه نهي، وقولهم: إنه اسم من أسماء اللَّه تعالى، ليس بصحيح، ولم يصحّ فيه شيء، وإن كان قد جاء فيه أثر ضعيف، وأسماء اللَّه تعالى توقيفيّة، لا تطلق إلا بدليل صحيح، ولو ثبت أنه اسم لم يلزم منه كراهة، وهذا الحديث المذكور في الباب صريح في الردّ على المذهبين، ولهذا الحديث نظائر كثيرة في "الصحيح" في إطلاق "رمضان" على الشهر من غير ذكر الشهر انتهى كلام النووي -رحمه اللَّه تعالى- (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله النووي تعالى -رحمه اللَّه تعالى- حسن جدًّا.
وحاصله أن إطلاق "رمضان" بدون إضافة "شهر" إليه هو الحقّ، وهو مذهب الجمهور، ومنهم البخاريّ، والمصنف؛ لكثرة الأدلّة على ذلك.
وقد بوّب الإمام البخاريّ في "صحيحه": "هل يقال: رمضان، أو شهر رمضان، ومن رأى كله واسعًا"، واحتجّ للجواز بعدّة أحاديث:
(منها): قوله ﷺ "من صام رمضان"، وقوله: "لا تقدّموا رمضان". (ومنها): حديث أبي هريرة المتقدّم في الباب الماضي بلفظ: "إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنّة". وبلفظ "إذا دخل رمضان فتحت أبواب السماء … ". وحديث ابن عمر ﵄، قال: قال رسول اللَّه- ﷺ :-لهلال رمضان- "إذا رأيتموه، فصوموا … ".
والحاصل أن الصواب جواز استعمال "رمضان" من غير إضافة لفظ "شهر" إليه، لكثرة وروده في الأحاديث "الصحيحة" وعدم صحّة ما يعارضها.
وأما ما ذكره في "الفتح" من أنه قد يُتمسّك للتقييد بالشهر بورود القرآن به، حيث قال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، مع احتمال أن يكون حذف لفظ شهر من الأحاديث من تصرف الرواة.
فليس بصحيح؛ لأنّ وروده في القرآن كذلك لا يدلّ على منع استعمال غيره، ودعوى تصرّف الرواة مع كثرة الأحاديث الصحيحة باستعماله دون إضافة في
стр. 11178
"الصحيحين" وفي غيرهما من طرق كثيرة عن الحفاظ المتقنين غير مسلمة، إذ من المعلوم أنهم لا يتفقون هذا الاتفاق إلا لأنه اللفظ الوارد عن رسول اللَّه- ﷺ ، وأنهم لم يتصرّفوا فيه. فتبصّر بالإنصاف، ولا تتحيّر بتقليد ذوي الاعتساف. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[فائدة]: قال بعضهم: (اعلم): أنهم أطبقوا على أن الْعَلَم في ثلاثة أشهر هو مجموع المضاف والمضاف إليه، شهر رمضان، وربيع الأول والآخر، فحذف شهر هنا من قبيل حذف بعض الكلمة، إلا أنهم جوّزه لأنهم أجروا مثل هذا العلم مُجرى المضاف والمضاف إليه، حيث أعربوا الجزأين. كذا في "شرح الكشاف". ومقتضاه أن رجب ليس منها خلافُ الصلاح الصفديّ، وتبعه من قال:
وَلَا تُضِفْ شَهْرًا لِلَفْظِ شَهْرِ … إِلاَّ الَّذِي أَوَّلُهُ الرَّا فَادْرِ
ولذا زاد بعضهم قوله:
وَاسْتَثْنِ مِنْ ذَا رَجَبًا فَيَمْتَنِعْ .... لأَنَّهُ فِيمَا رَوَوْهُ مَا سُمِعْ
ذكر هذه الفائدة ابن عابدين -رحمه اللَّه تعالى- في "حاشية الدرّ المختار" (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢١١٠ - (أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ خَالِدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ, قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ, قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ, يُخْبِرُنَا, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , لاِمْرَأَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ: «إِذَا كَانَ رَمَضَانُ, فَاعْتَمِرِي فِيهِ, فَإِنَّ عُمْرَةً فِيهِ, تَعْدِلُ حَجَّةً»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عمران بن يزيد بن خالد) هو: عمران بن خالد بن يزيد بن مسلم الدمشقيّ، نسب لجدّه، صدوق [١٠] ١٨/ ٤٢٢ من أفراد المصنّف.
٢ - (شعيب) بن إسحاق بن عبد الرحمن الأمويّ مولاهم البصريّ، ثم الدمشقيّ، ثقة رُمي بالإرجاء، من كبار [٩] ٦٠/ ١٧٦٦.
٣ - (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، الثقة الفقيه الفاضل [٦] ٢٨/ ٣٢.
٤ - (عطاء) بن أبي رَبَاح المكيّ الحجة الفقيه المشهور [٣] ١١٢/ ١٥٤.
٥ - (ابن عباس) عبد اللَّه البحر ﵄ ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 11179
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وفيه الإخبار، والتحديث، والسماع، وفيه تصريح ابن جريج بالإخبار، وهو معروف بالتدليس، فأمن من تدليسه، وفيه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - الحبر البحر المكثر، أحد العبادلة الأربعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن عطاء بن أبي رباح -رحمه اللَّه تعالى-، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ) ﵄ (يُخْبِرُنَا) جملة في محلّ نصب على الحال (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، لِامْرَأَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ) زاد في رواية البخاريّ، من طريق يحيي القطّان، عن ابن جريج: "سماها ابن عباس، فنسيت اسمها". قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: والقائل: نسيت اسمها ابن جريج، بخلاف ما يتبادر إلى الذهن من أن القائل عطاء، وإنما قلتُ ذلك؛ لأنّ البخاريّ أخرج الحديث في "باب حجّ النساء" من طريق حبيب المعلّم، عن عطاء، فسماها، ولفظه: لما رجع النبيّ ﷺ من حجته، قال لأم سنان الأنصاريّة: "ما منعكِ من الحجّ؟ … " الحديث. ويحتمل أن عطاء كان ناسيًا لاسمها لما حدث به ابن جريج، وذاكرا له لما حدث به حبيبًا.
وقد خالفه يعقوب بن عطاء، فرواه عن أبيه، عن ابن عبّاس، قال: جاءت أم سليم إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقالت: حجّ أبو طلحة، وابنه، وتركاني، فقال: "يا أمّ سُليم، عمرة في رمضان تعدل حجة معي". أخرجه ابن حبّان، وتابعه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عطاء، أخرجه ابن أبي شيبة، وتابعهما مَعقِل الجزريّ، لكن خالف في الإسناد، قال: عن عطاء، عن أم سُليم، فذكر الحديث دون القصّة، فهؤلاء ثلاثة يبعد أن يتّفقوا على الخطإ، فلعلّ حبيبًا لم يحفظ اسمها كما ينبغي. لكن رواه أحمد بن منيع في "مسنده" بإسناد صحيح، عن سعيد بن جبير، عن امرأة من الأنصار، يقال لها: أم سنان أنها أرادت الحجّ … فذكر الحديث نحوه، دون ذكر قصّة زوجها.
وقد وقع شبيه بهذه القصّة لأم معقل، أخرجه النسائيّ في "الكبرى" من طريق معمر، عن الزهريّ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، عن امرأة من بني أسد، يقال لها: أم معقل، قالت: أردت الحجّ، فاعتلّ بعيري، فسألت النبيّ ﷺ ؟ فقال: "اعتمري في شهر رمضان، فإن عمرة في رمضان تعدل حجة".
وقد اختلف في إسناده، فرواه مالك، عن سميّ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، قال: جاءت امرأة … فذكره مرسلاً، وأبهمها. ورواه النسائيّ أيضًا من طريق عمارة بن عمير
стр. 11180
وغيره، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أمّ معقل. ورواه أبو داود من طريق إبراهيم بن مهاجر، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن رسول مروان، عن أم معقل.
قال الحافظ: والذي يظهر لي أنهما قصتان وقعتا لامرأتين، فعند أبي داود من طريق عيسى بن معقل، عن يوسف بن عبد اللَّه بن سلام، عن أم معقل، قالت: لما حجّ رسول اللَّه ﷺ حجة الوداع، وكان لنا جمل، فجعله أبو معقل في سبيل اللَّه، وأصابنا مرض، فهلك أبو معقل، فلما رجع رسول اللَّه ﷺ من حجته جئت، فقال: "ما منعك أن تحجي معنا؟ "، فذكرت ذلك له، فقال: "فهلا حججت عليه؟، فإن الحجّ من سبيل اللَّه، فأما إذا فاتك، فاعتمري في رمضان، فإنها كحجة".
ووقعت لأم طليق قصّة مثل هذه، أخرجها أبو عليّ بن السكن، وابن منده في "الصحابة"، والدولابي في "الكنى" من طريق طلق بن حبيب: أن أبا طليق حدثه، أن امرأته قالت له -وله جمل، وناقة-: أعطني جملك أحجّ عليه، قال: جملي حبيس في سبيل اللَّه، قالت: إنه في سبيل اللَّه أن أحجّ عليه، فذكر الحديث، وفيه فقال رسول اللَّه ﷺ : "صدقت أم طليق"، وفيه: ما يعدل الحجّ؟ قال: "عمرة في رمضان ".
وزعم ابن عبد البرّ أن أمّ معقل هي أم طليق، لها كنيتان. وفيه نظر؛ لأن أبا معقل مات في عهد النبيّ ﷺ ، وأبا طليق عاش حتى سمع منه طلق بن حبيب، وهو من صغار التابعين، فدلّ على تغاير المرأتين.
ويدلّ عليه تغاير السياقين أيضًا، ولا معدل عن تفسير المبهمة في حديث ابن عباس بأنها أم سنان، أو أم سليم؛ لما في القصّة التي في حديث ابن عباس من التغاير للقصّة التي في حديث غيره؛ ولقوله في حديث ابن عباس: إنها أنصاريّة، وأما أم معقل، فإنها أسديّة. ووقعت لأم الهيثم أيضًا. واللَّه تعالى أعلم انتهى (١).
(إِذَا كَانَ رَمَضَانُ) بالرفع على أن "كان" تامّة، و"رمضان" فاعلها، زاد في رواية البخاريّ قبله: "ما منعك أن تحجّي معنا؟ "، قالت: كان لنا ناضح، فركبه أبو فلان، وابنه -لزوجها، وابنها- وترك ناضحًا نَنْضِحُ عليه، قال: "فإذا كان رمضان، فاعتمري فيه … ".
وهذا محل الترجمة، حيث إنه ﷺ استعمل لفظ "رمضان" دون أن يضيف إليه لفظ "شهر". (فَاعْتَمِرِي فِيهِ) أي في رمضان (فَإِنَّ عُمرَةٌ فِيهِ) الفاء للتعليل، أي لأن أداء عمرة في رمضان (تَعْدِلُ حَجَّةً) بكسر الدال المهملة: أي تقوم مقام حجة في الأجر والثواب،
стр. 11181
لا في إسقاط الفرض عن الذمّة، فإن فريضة الحجّ لا تسقط بأداء العمرة إجماعَا.
قال الإمام ابن خزيمة -رحمه اللَّه تعالى-: في هذا الحديث أن الشيء يشبه الشيء، ويجعل عدله إذا أشبهه في بعض المعاني، لا جميعها، لأنّ العمرة لا يُقضَى بها فرض الحجّ ولا النذر.
وقال ابن بطّال: فيه دليل على أن الحجّ الذي ندبها إليه كان تطوّعًا لإجماع الأمة على أن العمرة لا تجزئ عن حجة الفريضة.
وتعقبّه ابن المنيّر بأن الحجة المذكورة هي حجة الوداع، قال: وكانت أول حجة أقيمت في الإسلام فرضًا؛ لأن حجّ أبي بكر كان إنذارًا، قال: فعلى هذا يستحيل أن تكون تلك المرأة كانت قامت بوظيفة الحجّ.
واعترض عليه الحافظ بأن ما قاله غير مسلّم، إذ لا مانع أن تكون حجت مع أبي بكر، وسقط عنها الفرض بذلك، لكنه بني على أن الحجّ إنما فُرض في السنّة العاشرة حتى يسلم مما يرد على مذهبه من القول بأن الحجّ على الفور، وعلى ما قاله ابن خزيمة فلا يحتاج إلى شيء مما بحثه ابن بطّال.
فالحاصل أنه أعلمها أن العمرة في رمضان تعدل الحجّة في الثواب، لا أنها تقوم مقامها في إسقاط الفرض؛ للإجماع على أن الاعتمار لا يجزئ عن حجّ الفرض.
ونقل الترمذيّ عن إسحاق بن راهويه أن معنى الحديث نظير ما جاء أن ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث القرآن.
وقال ابن العربيّ: حديث العمرة هذا صحيح، وهو فضل من اللَّه ونعمة، فقد أدركت العمرة منزلة الحجّ بانضمام رمضان إليها. وقال ابن الجوزي: فيه أن ثواب العمل يزيد بزيادة شرف الوقت، كما يزيد بحضور القلب، وبخلوص القصد. وقال غيره: يحتمل أن يكون المراد عمرة فريضة في رمضان كحجة فريضة، وعمرة نافلة في رمضان كحجة نافلة. وقال ابن التين: قوله:"كحجة" يحتمل أن يكون على بابه. ويحمل أن يكون لبركة رمضان. ويحتمل أن يكون مخصوصًا بهذه المرأة.
قال الحافظ: الثالث قال به بعض المتقدّمين، ففي رواية أحمد بن منيع المذكورة، قال سعيد بن جبير: ولا نعلم هذا إلا لهذه المرأة وحدها. ووقع عند أبي داود من حديث يوسف بن عبد اللَّه بن سلام، عن أم معقل في آخر حديثها: "قال: فكانت تقول: الحجّ حجة، والعمرة عمرة، وقد قال هذا رسول اللَّه ﷺ لي، فما أدري ألي خاصة". تعني أو للناس عامة انتهى.
والظاهر حمله على العموم كما تقدّم، والسبب في التوفيق استشكال ظاهره، وقد
стр. 11182
صحّ جوابه، واللَّه أعلم انتهى.
[فائدة]: لم يعتمر النبيّ ﷺ إلا في أشهر الحجّ، وقد ثبت فضل العمرة في رمضان بحديث الباب، فأيهما أفضل؟. قال الحافظ: والذي يظهر أن العمرة في رمضان لغير النبيّ ﷺ أفضل، وأما في حقه فما صنعه هو الأفضل؛ لأنّ فعله لبيان جواز ما كان أهل الجاهلية يمنعونه، فأراد الردّ عليهم بالقول والفعل، وهو لو كان مكروهًا لغيره لكان في حقّه أفضل.
وقال صاحب "الهدي": يحتمل أنه ﷺ كان يشتغل في رمضان من العبادة بما هو أهمّ من العمرة، وخشي من المشقّة على أمته؛ إذ لو اعتمر في رمضان لبادر إلى ذلك مع ما هم عليه من المشقّة في الجمع بين العمرة والصوم، وقد كان يترك العمل، وهو يحبّ أن يعمله؛ خشية على أمته، وخوفًا من المشقّة عليهم. (١) وهو بحث نفيس جدًّا. واللَّه أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عباس ﵄ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٦/ ٢١١٠ - وفي "الكبرى" ٦/ ٢٤٢٠. وأخرجه (خ) ١٦٥٧ و ٢٢٠١ (م) ٢٢٠١ و ٢٢٠٢ (د) ١٦٩٩ (ق) ٢٩٨٥ (أحمد) ٢٩٢١ (الدارميّ) ١٧٨٥. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
(منها): ما بوّب له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو جواز استعمال لفظ "رمضان" من غير إضافة لفظ "شهر" إليه (ومنها): فضل العمرة في رمضان، حيث تعدِل ثواب الحجّ، بل ثبت أنها كحجة مع النبيّ ﷺ ، فقد أخرج سمّويه من حديث أنس ﷺ بلفظ: "عمرة في رمضان كحجة معي"، وهو حديث صحيح (٢) (ومنها): فضل رمضان، حيث كان العمل فيه يضاعف أجره (ومنها): ما كان عليه النبيّ ﷺ من تفقّد أحوال أمته رجالا ونساء (ومنها): جواز مخاطبة المرأة الأجنبية، وأن صوتها ليس بعورة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب"
стр. 11183
٧ - (اخْتِلَافُ أَهْلِ الآفَاقِ فِي الرُّؤْيَةِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: غرض المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بهذه الترجمة بيان أن اختلاف المطالع معتبر، فإذا رؤي الهلال في بلد لا يجب الصوم على أهل البدان الأخرى، إلا إذا اتحدت مطالعهم، وإنما يلزم أهل كل بلد برؤيته عندهم، وهذا هو القول الراجح، وسيأتي تحقيق الخلاف في المسألة الثالثة، إن شاء اللَّه تعالى.
و"الآفاق": بالمدّ جمع "أُفُق" -بضمتين-: الناحية من الأرض، ومن السماء، والنسبة إليه أُفُقيّ؛ ردّا إلى الواحد، وربمّا قيل: أَفَقيّ -بفتحتين- تخفيفًا على غير قياس، حكاهما ابن السكّيت وغيره، ولفظه: رجل أفُقيّ -أي بضمتين-، وأَفَقيّ -أي بفتحتين-: منسوب إلى الآفاق، ولا ينسب إلى الآفاق على لفظها، فلا يقال: آفاقيّ، لأنّ القاعدة أنه إذا نُسب إلى الجمع يردّ إلى واحده، إن لم يكن مسمى به، ككلابيّ، وأنماريّ، وأنصاريّ، كما أشار إلى ذلك ابن مالك في "الخلاصة" بقوله:
وَالْوَاحِدَ اذْكُرْ نَاسِبًا لِلجَمعِ … إِنْ لَمْ يُشَابِهْ وَاحِدًا بِالْوَضْعِ.
واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢١١١ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ -وَهُوَ ابْنُ أَبِي حَرْمَلَةَ- قَالَ: أَخْبَرَنِي كُرَيْبٌ, أَنَّ أُمَّ الْفَضْلِ, بَعَثَتْهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ بِالشَّامِ, قَالَ: فَقَدِمْتُ الشَّامَ, فَقَضَيْتُ حَاجَتَهَا, وَاسْتَهَلَّ عَلَيَّ هِلَالُ رَمَضَانَ, وَأَنَا بِالشَّامِ, فَرَأَيْتُ الْهِلَالَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ, ثُمَّ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ, فِي آخِرِ الشَّهْرِ, فَسَأَلَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ, ثُمَّ ذَكَرَ الْهِلَالَ, فَقَالَ: مَتَى رَأَيْتُمْ؟ فَقُلْتُ: رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ, قَالَ: أَنْتَ رَأَيْتَهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ, وَرَآهُ النَّاسُ, فَصَامُوا, وَصَامَ مُعَاوِيَةُ, قَالَ: لَكِنْ رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ, فَلَا نَزَالُ نَصُومُ, حَتَّى نُكْمِلَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا, أَوْ نَرَاهُ, فَقُلْتُ: أَوَلَا تَكْتَفِي بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ, وَأَصْحَابِهِ؟ قَالَ: لَا, هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عليّ بن حُجْر) السعديّ المروزيّ، ثقة حافظ، من صغار [٩] ١٣/ ١٣.
٢ - (إسماعيل) بن جعفر بن أبي كثير الأنصاريّ الزرقيّ المدنيّ القارئ، ثقة ثبت [٨] ١٦/ ١٧.
٣ - (محمد بن أبي حَرْمَلَة) القرشيّ المدني، مولى ابن حُويطب، وقد يُنسب إليه،
стр. 11184
ثقة [٦] ٣٦/ ٥٧٨.
٤ - (كُريب) بن أبي مسلم الهاشميّ مولاهم، أبو رِشْدين المدنيّ، ثقة [٣] ١٦١/ ٢٥٣.
٥ - (ابن عباس) عبد اللَّه البحر الحبر - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فمروزيّ. (ومنها): أن فيه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، ومن المشهورين بالفتوى وهو آخر من مات من الصحابة بالطائف. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن محمد بن أبي حرملة -رحمه اللَّه تعالى-، أنه (قال: أَخبَرَنِي كُرَيْبٌ) مولى ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ أُمَّ الْفَضْلِ) لبابة بنت الحارث بن حَزْن -بفتح، فسكون- الهلالية، زوج العباس بن عبد المطّلب، وأخت ميمونة زوج النبيّ ﷺ و- ﵁، ماتت بعد العباس في خلافة عثمان ﵁ (بَعَثَتْهُ) أي أرسلته لقضاء حاجة لها (إِلَى مُعَاوِيَةَ) بن أبي سفيان، أبي عبد الرحمن الخليفة الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، أسلم قبل الفتح، وكتب الوحي لرسول اللَّه ﷺ ، ومات في رجب سنة (٦٠) وقد قارب (٨٠) (بِالشّامِ) بالهمزة، وبدونها: البلدة المعروفة (قَالَ) كريب (فَقَدِمْتُ الشَّامَ، فَقَضَيْتُ حَاجَتَهَا) أي بَلّغت رسالتها إلى معاوية ﵁ (وَاسْتُهِلّ عَلَيَّ هِلَالُ رَمَضَانَ) ببناء الفعل للمفعول، وقيل: يجوز بناؤه للفاعل، أي رُؤي هلاله، أو تبيّن. قال الفيّوميّ -رحمه اللَّه تعالى-: وأُهِلّ الهلالُ بالبناء للمفعول، وللفاعل أيضًا، ومنهم من يمنعه، واستُهِلّ بالبناء للمفعول، ومنهم من يجُيز بناءه للفاعل، وهَل، من باب ضرب لغةٌ أيضًا: إذا ظهر. وأهللنا الهلالَ، واستهللناه: رفعنا الصوت برؤيته، وأهل الرجل: رفع صوته بذكر اللَّه تعالى عند نعمة، أو رؤية شيء يعجبه. انتهى (١).
و"الهلال" هو القمر في حالة خاصّة. قال الأزهريّ: ويسمّى لليلتين من أول الشهر هلالا، وفي ليلة ستّ وعشرين، وسبع وعشرين أيضًا هلالاً، وما بين ذلك يسمّى قمرًا. وقال الفارابيّ، وتبعه في "الصِّحَاح": الهلال لثلاث ليال من أول الشهر، ثم هو
стр. 11185
قمر بعد ذلك. وقيل: الهلال هو الشهر بعينه (١) (وَأنَا بِالشَّامِ) جملة حالية، يعني أنه رؤي هلال رمضان، والحال أن كريبًا بالشام، قبل أن يرجع إلى المدينة (فَرَأَيْتُ الْهِلَال) وفي رواية أبي داود، والترمذيّ: "فرأينا الهلال" بنون الجمع (لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، في آخِرِ الشَّهْرِ، فَسَأَلَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَاسٍ) ﵄. يعني أنه سأله عن أمور تتعلّق به، وبسفره، وعن حال أهل الشام، وغير ذلك، كما هو الشأن والعادة عند قدوم المسافر من سفره (ثُمَّ) انساق الكلام إلى أن (ذَكَرَ الْهِلَالَ، فَقَالَ: مَتَى رَأَيْتُمْ؟ فَقُلْتُ: رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، قَالَ: أَنْتَ رَأَيْتَهُ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، وَرَآهُ النَّاسُ، فَصَامُوا، وَصَامَ مُعَاوِيَةُ، قَالَ: لَكِنْ) بسكون النون، وفي رواية مسلم، وأبي داود: "لكنا" بنون مشددة، لإدغام نون "لكن" في نون ضمير جمع المتكلّم (رَأيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ، فَلَا نَزالُ نَصُومُ، حَتَّى نُكْمِلَ ثَلَاِثينَ يَوْمًا، أَوْ نَرَاهُ، فَقُلْتُ: أَوَ لَا تَكْتَفِي بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ، وَأَصْحَابِهِ؟ قَالَ: لَا، هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) الظاهر أنه أراد: أمرنا أن لا نعتمد على رؤية غيرنا، ولا نكتفي بها، بل لا نعتمد إلا على رؤية أهل بلدنا، وهذا هو الذي يظهر من ترجمة المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، حيث قال: "اختلاف أهل الآفاق في الرؤية"، وأصرح منه ترجمة الترمذيّ -رحمه اللَّه تعالى-، ونصها: "ما جاء لكلّ أهل بلد رؤيتهم"، ثم أورد حديث الباب، وقال أيضًا: والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم أن لكلّ أهل بلد رؤيتهم انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٧/ ٢١١١ - وفي " الكبرى" ٧/ ٢٤٢١. وأخرجه (م) ١٨١٩ (د) ١٩٨٥ (ت) ٦٢٩. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في اختلاف أهل العلم في حكم اختلاف المطالع:
قال النووي -رحمه اللَّه تعالى- في "شرح مسلم": "باب بيان أن لكلّ بلد رؤيتهم، وأنهم إذا رأوا الهلال ببلد لا يثبت حكمه لما بعد عنهم". فيه حديث كريب، عن ابن عباس ﵄، وهو ظاهر الدلالة للترجمة، والصحيح عند أصحابنا أن الرؤية لا تعمّ الناس، بل تخصّ بمن قرب على مسافة لا تقصر فيها الصلاة. وقيل: إن اتفق المطالع
стр. 11186
لزمهم. وقيل: إن اتفق الإقليم، وإلا فلا. وقال بعض أصحابنا: تعمّ الرؤية في موضع جميعَ أهل الأرض، فعلى هذا نقول: إنما لم يعمل ابن عباس بخبر كريب لأنه شهادة، فلا تثبت بواحد؛ لكن ظاهر حديثه أنه لم يَرُدّه لهذا، وإنما رَدّه لأن الرؤية لا يثبت حكمها في حقّ البعيد انتهى (١).
وقال الحافظ في "الفتح": وقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب:
(أحدها): أن لأهل كلّ بل رؤيتهم، وفي "صحيح مسلم"، من حديث حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - ما يشهد له، وحكاه ابن المنذر عن عكرمة، والقاسم، وسالم، وإسحاق، وحكاه الترمذيّ عن أهل العلم، ولم يحك سواه. وحكاه الماورديّ وجهًا للشافعيّة.
(الثاني): مقابله: وهو أنه إذا رؤي ببلدة لزم أهل البلاد كلها، وهو المشهور عند المالكية، لكن حكى ابن عبد البرّ الإجماع على خلافه، وقال: أجمعوا على أنه لا تراعى الرؤية فيما بعد من البلاد، كخراسان والأندلس. قال القرطبيّ: قد قال شيوخنا إذا كانت رؤية الهلال ظاهرة قاطعة بموضع، ثم نقل إلى غيرهم بشهادة اثنين لزمهم الصوم. وقال ابن الماجشون: لا يلزمهم بالشهادة إلا لأهل البلد الذي يثبت فيه الشهادة إلا أن يثبت عند الإمام الأعظم، فيلزم الناس كلهم؛ لأن البلاد في حقه كالبلد الواحد، إذ حكمه في الجميع.
وقال بعض الشافعية: إن تقاربت البلاد كان الحكم واحدًا، وإن تباعدت فوجهان، لا يجب عند الأكثر، واختار أبو الطيّب، وطائفة الوجوب، وحكاه البغويّ عن الشافعيّ.
وفي ضبط البعد أوجه: (أحدها): اختلاف المطالع قطع به العراقيون، والصيدلانيّ، وصححه النوويّ في "الروضة"، و"شرح المهذّب". (ثانيها): مسافة القصر قطع به الإمام، والبغويّ، وصححه الرافعيّ في "الصغير"، والنوويّ في "شرح مسلم". (ثالثها): اختلاف الأقاليم. (رابعها): حكاه السرخسيّ، فقال: يلزم كلّ بلد لا يتصوّر خفاؤه عنهم بلا عارض، دون غيرهم. (خامسها): قول ابن الماجشون المتقدِّم. ذكره في "الفتح" (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن الأرجح هو القول باعتبار اختلاف المطالع. وحاصله أن لكلّ أهل بلد تختلف مطالعهم لهم رؤيتهم الخاصّة بهم؛ لأن حديث ابن
стр. 11187
عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - ظاهر في الدلالة عليه. وأيضا أن اختلاف المطالع معتبر في دخول أوقات الصلاة، وخروجها بلا خلاف، فلا تجب صلاة الظهر مثلاً على جميع أهل الأرض بالزوال في بلد من البلدان، وإنما تلزم من زالت عنده، فقط، فكذلك هنا من دون فرق. واللَّه تعالى أعلم.
وقد أطال الشوكاني في "نيل الأوطار" في ردّ قول ابن عباس، وأنه اجتهاد منه، فأتى في ذلك بما يُتعجّب منه، حيث يردّ على ابن عباس ﵄، بدون دليل مقنع، فتأويل قوله: "هكذا أمرنا رسول اللَّه ﷺ " بأنه أراد قوله ﷺ : "صوموا لرؤيته … " تأويل بارد، وتَعَسُّف كاسد، فابن عباس ﵄ من أهل اللسان، والفقه، وقد أخبر أنه ﷺ أمرهم هكذا، فالظاهر أنه أمرهم بأن لا يصوموا برؤية البلدان النائية، حتى يروا بأنفسهم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٨ - (بَابُ قَبُولِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ عَلَى هِلَالِ رَمَضَانَ، وَذِكْرِ الاخْتَلَافِ فِيهِ عَلَى سُفْيَانَ فِي حَدِيثِ سِمَاكٍ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ظاهر تبويب المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- أنه يرى صحة الاكتفاء بشاهد واحد في هلال رمضان، لحديث ابن عباس ﵄ المذكور هنا، فهو وإن رجّح إرساله، لكن الحديث يصلح للاحتجاج به؛ لأنه يشهد له حديث ابن عمر ﵄ الذي سأذكره، إن شاء اللَّه تعالى.
وأما وجه الاختلاف على سفيان، فإنه رواه الفضل بن موسى، عنه، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس موصولاً، وخالفه فيه أبو داود الْحَفَريّ، وابن المبارك، فروياه عنه، عن سماك، عن عكرمة، عن النبيّ ﷺ مرسلاً.
ونقل الحافظ المزيّ عن النسائيّ أنه قال: هذا أولى بالصواب من حديث الفضل بن موسى؛ لأنّ سماك بن حرب كان ربّما لُقّن، فقيل له: "عن ابن عباس". وابنُ المبارك
стр. 11188
أثبت في سفيان من الفضل بن موسى، وسماكٌ إذا تفرّد بأصل لم يكن حجّة؛ لأنه كان يُلقّن، فيتلقّن انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لم أجد كلام النسائيّ هذا في "المجتبى"، ولا في "الكبرى"، ولعل ذلك في بعض النسخ. واللَّه تعالى أعلم.
وقال أبو داود بعد أن أخرج الحديث من طريق الوليد بن أبي ثور، وزائدة، كلاهما عن سفيان، موصولاً، ومن طريق حمّاد بن سلمة، عن سماك، عن عكرمة، بدون ذكر ابن عباس، مرسلاً: ما نصّه: قال أبو داود: رواه جماعة، عن سماك، عن عكرمة، مرسلاً انتهى.
وقال الترمذيّ بعد أن أخرجه موصولاً: ما نصّه: رواه الثوريّ وغيره، عن سماك، عن عكرمة، عن النبيّ ﷺ ، مرسلاً، وأكثر أصحاب سماك رووه عن عكرمة، عن النبيّ ﷺ مرسلاً انتهى (١).
والحاصل أن أرجح الروايات لحديث عكرمة هذا هو الإرسال، ولكن مع إرساله يصدح للاحتجاج به؛ لما سيأتي من حديث ابن عمر ﵄، فإنه يشهد له. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢١١٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رِزْمَةَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى, عَنْ سُفْيَانَ, عَنْ سِمَاكٍ, عَنْ عِكْرِمَةَ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ , فَقَالَ: رَأَيْتُ الْهِلَالَ, فَقَالَ: «أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ, وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ, قَالَ: نَعَمْ, فَنَادَى النَّبِيُّ ﷺ , أَنْ صُومُوا»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن عبد العزيز بن أي رِزمَة" -بكسر الراء، وسكون الزاي-: هو أبو عمرو المروزي، ثقة [١٠] ٤٧/ ٦٠٢. واسم أبي رزمة غَزْوان.
٢ - (الفضل بن موسى) السِّينَانيّ، أبو عبد اللَّه المروزيّ، ثقة ثبت، وربما أغرب، من كبار [٩] ٨٣/ ١٠٠.
٣ - (سفيان) بن سعيد الثوريّ الكوفيّ، ثقة ثبت حجة [٧] ٣٣/ ٣٧.
٤ - (سماك) بن حرب، أبو المغيرة الكوفيّ، صدوق، وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وقد تغير بآخره، فكان ربما تلقّن [٤] ٢/ ٣٢٥.
٥ - (عكرمة) مولى ابن عباس، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٢/ ٣٢٥.
стр. 11189
٦ - (ابن عباس) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: رَأَيْتُ الْهِلَالَ) أي هلال رمضان (فَقَالَ) النبيّ ﷺ (أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلا الَلهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) ولفظ أبي داود: "فقال: أتشهد أن لا إله إلا اللَّه؟ قال: نعم، قال: أتشهد أن محمدا رسول اللَّه؟ قال: نعم … ".
وفيه أنه لا يكفي شهادة الكافر في رؤية الهلال، وأن ظاهر العدالة يكفي في ثبوت الرؤية (قَالَ: نَعَمْ، فَنَادَى النَّبِيُّ ﷺ ) أي أمر بالنداء؛ لما في الرواية التالية: "قال: يا بلال أذّن في الناس، فليصوموا غدًا" (أَنْ صُومُوا") "أن" تفسيرية بمنزلة "أَيْ"، كما في قوله تعالى: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا﴾ [الأعراف: ٤٣]، ويحتمل أن تكون مصدريّة ويقدّر قبدها حرف الجرّ، بأن صوموا، أي بالصوم (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا الأرجح أنه مرسل، لكن له شاهد من حديث ابن عمر ﵄، أخرجه أبو داود، في "سننه"، فقال:
١٩٩٥ - حدثنا محمود بن خالد، وعبد اللَّه بن عبد الرحمن السمرقندي، وأنا لحديثه أتقن، قالا: حدثنا مروان، هو ابن محمد، عن عبد اللَّه بن وهب، عن يحيى بن عبد اللَّه بن سالم، عن أبي بكر بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر، قال: "تراءى الناس الهلال، فأخبرت رسول اللَّه ﷺ ، أني رأيته، فصامه، وأمر الناس بصيامه".
ورجال هذا الإسناد رجال مسلم. وقال ابن حبان في "صحيحه" بعد أن أخرج حديث ابن عباس ﵄ من طريق زائدة، عن سماك بن حرب موصولاً:
"ذكر الخبر الْمُدحِض قولَ من زعم أن هذا الخبر تفرّد به سماك بن حرب، وأن رفعه غير محفوظ فيما زعم"، ثم أخرج حديث ابن عمر ﵄ المذكور، من طريق الدارميّ،
стр. 11190
عن مروان بن محمد بإسناد أبي داود. انتهى.
وقال الدارقطنيّ بعد إخراجه من طريق إبراهيم بن عتيق العنسيّ، عن مروان بن محمد: ما نصّه: تفرد به مروان بن محمد، عن ابن وهب، وهو ثقة. انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: في دعوى تفرّد مروان بن محمد نظر، فقد تابعه هارون بن سعيد الأيليّ، عن ابن وهب، عند الحاكم في "مستدركه"ج ١ ص ٤٢٣ - وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبيّ. انتهى.
والحاصل أن حديث سماك صحيح؛ لما ذُكر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٨/ ٢١١٩ و ٢١٢٠ - وفي "الكبرى" ٩/ ٢٤٢٣ و ٢٤٢٥ و ٨/ ٢٤٢٢. وأخرجه (د) ١٩٩٣ (ت) ٦٢٧ (ق) ١٦٤٢ (الدارمي) ١٦٣٠. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
(منها): ما بوّب له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو قبول شهادة الرجل الواحد على هلال رمضان (ومنها): قبول شهادة الأعرابيّ، كغيره (ومنها): الاكتفاء بظاهر العدالة، حيث اكتفى النبيّ ﷺ بالشهادتين فقط (ومنها): أن شهادة الكافر غير مقبولة (ومنها): أن على الإمام أن يأمر من ينادي في المسلمين أن يصوموا إذا ثبت لديه هلال رمضان (ومنها): العمل بخبر الواحد الثقة، حيث أمر النبي ﷺ بلالا أن ينادي في الناس، وألزمهم بالصوم بندائه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢١١٣ - (أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ, عَنْ زَائِدَةَ, عَنْ سِمَاكٍ, عَنْ عِكْرِمَةَ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ , فَقَالَ: أَبْصَرْتُ الْهِلَالَ اللَّيْلَةَ, قَالَ: «أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ, وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؟» قَالَ: نَعَمْ, قَالَ: «يَا بِلَالُ, أَذِّنْ فِي النَّاسِ, فَلْيَصُومُوا غَدًا».
قال الجَامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق ثان لرواية عكرمة، وافق فيه زائدةُ رواية الفضل بن موسى، عن سفيان.
و"موسى بن عبد الرحمن": هو ابن سعيد بن مسروق الكنديّ المسروقيّ الكوفيّ، ثقة، من كبار [١١] ٧٤/ ٩١. و"حسين": هو ابن عليّ الجعفيّ القارئ العابد الثقة الكوفيّ [٩] ٧٤/ ٩١. "وزائدة": هو ابن قُدامة الثقفيّ، أبو الصلت الكوفيّ، ثقة ثبت سنيّ [٧] ٧٤/ ٩١.
стр. 11191
وقوله: "أذن" بتشديد الذال من التأذين، وهو الإعلام، أي أعلم الناس بالصوم غدًا. وقال السنديّ: من التأذين، أو الإيذان، والمراد مطلق النداء والإعلام انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: كون من الإيذان لا يوافقه ظاهر اللفظ، لأن فعل الأمر منه آذِنْ -بالمدّ، وكسر الذال المعجمة، مخففة- فإن صحت الرواية به أيضًا فذاك، وإلا فما وافق ظاهر اللفظ متعيّن. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢١١٤ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ, عَنْ أَبِي دَاوُدَ, عَنْ سُفْيَانَ, عَنْ سِمَاكٍ, عَنْ عِكْرِمَةَ, مُرْسَلٌ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق ثالث ساقه لبيان الخلاف على سفيان الثوريّ، فإن رواية الفضل المتقدّمة كانت موصولة، وهذه مرسلة.
و"أبو داود": هو عُمَر بن سَعْد الْحَفَريّ -بفتح الحاء المهملة، والفاء- نسبة إلى موضع بالكوفة، ثقة عابد [٩] ١٥/ ٥٢٣.
وقوله: "مرسل" بالرفع خبر لمحذوف، أي هو مرسل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢١١٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ نُعَيْمٍ, مِصِّيصِيٌّ, - قَالَ: أَنْبَأَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى, الْمَرْوَزِيُّ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ, عَنْ سُفْيَانَ, عَنْ سِمَاكٍ, عَنْ عِكْرِمَةَ, مُرْسَلٌ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق رابع ساقه لبيان الاختلاف على سفيان أيضًا، فقد وافق عبد اللَّه بن المبارك أبا داود الحَفَريّ في الإرسال.
وغرض المصنّف منه بيان أن الصواب في رواية سفيان، عن سماك لهذا الحديث هو الإرسال؛ لكثرة من رواه عن سفيان كذلك، وإنما وصله الفضل بن موسى، وهو دون ابن المبارك، وأبي داود الحَفَريّ في الحفظ والإتقان. وكذا وافقهما شعبة في الإرسال، فقد أخرجه الدارقطني في "سننه" ج ٢ ص ١٥٩ - من طريق شعبة، عن الثوريّ، عن سماك، عن عكرمة، مرسلاً.
لكن الحديث صحيح؛ لأنه يشهد له حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -، كما تقدّم، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢١١٦ - (أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ, قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ شَبِيبٍ, أَبُو عُثْمَانَ, وَكَانَ شَيْخًا صَالِحًا, بِطَرَسُوسَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ, عَنْ حُسَيْنِ بْنِ الْحَارِثِ الْجَدَلِيِّ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ, أَنَّهُ خَطَبَ النَّاسَ, فِي الْيَوْمِ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ, فَقَالَ: أَلاَّ إِنِّي جَالَسْتُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , وَسَاءَلْتُهُمْ, وَأَنَّهُمْ حَدَّثُونِي, أَنَّ
стр. 11192
رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ, وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ, وَانْسُكُوا لَهَا, فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ, فَأَكْمِلُوا ثَلَاثِينَ, فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ, فَصُومُوا, وَأَفْطِرُوا»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إبراهيم بن يعقوب) الْجُوزَجَانيّ، نزيل دمشق ثقة حافظ، رمي بالنصب [١١] ١٢٢/ ١٧٤.
٢ - (سعيد بن شبيب) -بفتح المعجمة، وموحّدتين، بينهما تحتانيّة ساكنة- أبو عثمان الحضرميّ المصريّ، صدوق [١٠]. قال إبراهيم الْجُوزَجانيّ: وكان شْيخا صالحا.
انفرد به أبو داود، والمصنّف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٣ - (ابن أبي زائدة) يحيى بن زكريا بن أبي زائدة الهمدانيّ، أبو سعيد الكوفيّ الحافظ المتقن، من كبار [٩] ١٤٤/ ٢٢٦.
٤ - (حسين بن الحارث الْجَدَليّ) -بفتح الجيم- أبو القاسم الكوفيّ، صدوق [٣].
قال ابن المدينيّ معروف. وذكره ابن حبّان في "الثقات". انفرد به أبو داود، والمصنّف أيضًا، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٥ - (عبد الرحمن بن زيد بن الخطّاب) العدويّ، وُلِد في حياة النبيّ ﷺ ، واستُشهِد أبوه باليمامة، وولي إمرة مكّة ليزيد بن معاوية، وقيل: كان اسمه محمدًا، فغيّره عمر ﵁.
قال مصعب: كان من أطول الرجال، وأتمّهم، وزوّجه عمر بنته فاطمة. وقال محمد ابن عبد العزيز الزهريّ: وُلد وهو ألطف مَن وُلد، فأخذه جدّه، أبو أمه، أبو لبابة في لِيفة، فجاء به النبيّ ﷺ ، فحنّكه، ومسح على رأسه، ودعا له بالبركة، قال: فما رئي عبد الرحمن بن زيد مع قوم في صفّ إلا برعهم طولاً. وقال خليفة: ولاه يزيد بن معاوية مكة سنة (٦٣) قال البخاريّ: مات قبل ابن عمر. وقال ابن سعد: مات النبيّ ﷺ ، وله ست سنين، ومات في زمن ابن الزبير. وقال ابن حبان في "الصحابة": وُلد سنة هاجر النبيّ ﷺ -إلى المدينة. وقال العسكريّ: لم يرو عن النبيّ ﷺ شيئا. انفرد به المصنّف، أخرج له حديث الباب فقط. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَن بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ، أنَّهُ خَطَبَ النَّاسَ، فِي الْيَوْمِ الّذِي يُشَكُّ فِيهِ) بالبناء للمفعول، أي يشك الناس في كوَنه من شعبان، أو من رمضان (فَقَالَ: أَلَا) أداة استفتاح وتنبيه (إِنِّي جَالَسْتُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وسَاءَلْتُهُم) ولفظ "الكبرى" "وسألتهم" ثلاثيا، والأول مُفاعلة، من السؤال، وليس معنى المفاعلة مرادا هنا، إذ المراد
стр. 11193
أنه سألهم، لا أنهم سألوه، لأنه المحتاج إلى سؤالهم، فإنه تابعيّ يحتاج أن يسأل الصحابة ﵃ عن سنة رسول اللَّه ﷺ . ويحتمل أن تكون المفاعلة على بابها، ويكون المعنى أنه سألهم عن السنة، وهم سألوه عن الأمور الدنيويّة، ويؤيّد هذا كونه أميراً على مكة، كما تقدّم في ترجمته. واللَّه تعالى أعلم (وَإنُهُمْ حَدَّثُونِي، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ) أي صوموا فرض رمضان لرؤية الهلال، فالضمير يفسّره سياق الكلام، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١]، وقوله: ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ [العاديات: ٤]. أفاده ابن الملقّن في "الإعلام" (١) (وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ) أي لا تفطروا قبل رؤية هلال شوّال بلا عذر مبيح (وَانْسُكُوا لَهَا) أمر من نَسَك يَنسُك، من باب نصر، أي اذبحوا نسككم، وهي الأضحيّة، أو المراد أداء النسك، وهو الحجّ، فكلّ من الأضحيّة، والحجّ لا بدّ له من رؤية هلال ذي الحجة (فَإِن غُمَّ عَلَيْكُمْ) -بضمّ الغين المعجمة، وتشديد الميم، والبناء للمفعول-: أي حال بينكم، وبين الهلال غيم، أو ضَبَاب.
وقال الزركشيّ في "التنقيح": فيه ضمير يعود على الهلال، أي سُتِر، من غيّمت الشيءَ: سترتُهُ، وليس من الغيم، ويقال فيه: غُمِيَ، وغُمِّيَ، مخففًا، ومشدّدًا، رباعيًا، وثلاثيّا انتهى (٢) (فَأَكْمِلُوا ثَلَاِثينَ) أي أكملوا عدّة شعبان ثلاثين يومًا (فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ) وفي رواية أحمد: "فإن شهد شاهدان مسلمان"، وفي رواية الدارقطنيّ: "فإن شهد ذوا عدل" (فَصُومُوا، وَأَفْطِرُوا") زاد في رواية الدارقطنيّ: "وانسُكوا" واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: أخرج الدارقطنيّ في "سننه" نحو حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب المذكور، فأخرج من طريق عباد بن العوّام، عن أبي مالك الأشجعيّ، عن حسين بن الحارث الجَدَليّ، -جَدِيلَة قيس-: أن أمير مكّة خطبنا، فنَشَدَ الناسَ، فقال: من رأى الهلال ليوم كذا وكذا؟ ثم قال: "عهد إلينا رسول اللَّه ﷺ أن ننسُك للرؤية،، فإن لم نره، وشهد شاهدا عدل نسكنا بشهادتهما".
قال: فسألت الحسين بن الحارث مَن أمير مكة؟ قال: لا أدري، ثم لقيني بعدُ، فقال: هو الحارث بن حاطب، أخو محمد بن حاطب. قال الدارقطنيّ: هذا إسناد متّصل صحيح.
وأخرجه أيضًا بسند آخر، وزاد فيه: وقال: إن فيكم مَن هو أعلم باللَّه ورسوله، وأشار رجل خلفه. قلت: من هو؟ قال: ابن عمر، فقال ابن عمر: بذلك أمرنا رسول اللَّه ﷺ .
стр. 11194
ثم ذكر عن إبراهيم الحربيّ، أنه قال: هو الحارث بن حاطب بن الحارث بن معمر ابن خُبيب بن وهب بن حذيفة بن جُمَح، كان من مهاجرة الحبشة انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، عن أصحاب رسول اللَّه ﷺ -ورضي اللَّه تعالى عنهم- صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا-٨/ ٢١١٦ - وفي "الكبرى" ٩/ ٢٤٢٦. وأخرجه (أحمد) ١٨١٣٧ والدارقطنيّ في "سننه"جـ٢ ص ١٦٧ - ١٦٨. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في فوائده:
(منها): أن وجوب صوم رمضان يتعلّق برؤية هلال رمضان، فلا يصحّ الصوم بحساب القمر (ومنها): أنه لا يجوز الفطر من رمضان إلا برؤية هلال شوّال (ومنها): أن النسك، من الحجّ، وكذا الأضحيةُ لا يدخل وقته إلا برؤية هلال ذي الحجة (ومنها): أنه إذا كان في السماء حجاب يحجب عن رؤية الهلال لزم إكمال ثلاثين يومًا (ومنها): أن شهادة عدلين برؤبة الهلال يلزم بها الصوم والفطر، والحجّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثالثة: في ذكر اختلاف أهل العلم فيما يثبت به هلال رمضان:
قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: مذهبنا ثبوته بعدلين بلا خلاف، وفي ثبوته بعدل خلاف، الصحيح ثبوته، وسواء أَصْحَت السماء (٢)، أو غَيَّمَت.
وممن قال: يثبت بشاهد واحد عبد اللَّه بن المبارك، وأحمد بن حنبل، وآخرون.
وممن قال: يشترط عدلان عطاء، وعمر بن عبد العزيز، ومالك، والأوزاعيّ، والليث، وابن الماجشون، وإسحاق بن راهويه، وداود. وقال الثوريّ: يشترط رجلان، أو رجل وامرأتان. كذا حكاه ابن المنذر. وقال أبو حنيفة: إن كانت السماء مغيمة ثبت بشهادة واحد، ولا يثبت غير رمضان إلا باثنين، قال: وإن كانت مصحية لم يثبت رمضان بواحد، ولا باثنين، ولا يثبت إلا بعدد الاستفاضة.
واحتجّ لأبي حنيفة بأنه يبعد أن ينظر الجماعة الكبيرة إلى مطلع الهلال، وأبصارهم
стр. 11195
صحيحة، ولا مانع من الرؤية، ويراه واحد، أو اثنان دونهم.
واحتجّ من شرط اثنين بحديث الحارث بن حاطب، وهو صحيح.
واحتجّ أصحابنا بحديث ابن عمر ﵄، قال: "تراءى الناس الهلال، فأخبرت النبيّ ﷺ -أني رأيته، فصام، وأمر الناس بصيامه"، وهو صحيح.
قال: وأما حديث طاوس، عن ابن عمر، وابن عباس، ﵃ قالا: إن رسول اللَّه ﷺ أجاز شهادة رجل واحد على هلال رمضان، وكان لا يُجيز على شهادة الإفطار إلا شهادة رجلين"، فرواه البيهقيّ، وضعفه. قال: وهذا مما لا ينبغي أن يُحتجّ به. قال: وفي الحديثين السابقين كفاية. ثم روى البيهقيّ بإسناده ما رواه الشافعيّ في "المسند" وغيره بإسناده الصحيح إلى فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁: "أن رجلا شهد عند عليّ ﵁ على رؤية هلال رمضان، فصام، وأحسبه قال: وأمر الناس بالصيام، وقال: لأنّ أصوم يوما من شعبان أحبّ إلي من أن أفطر يومًا من رمضان".
و (الجواب) عفا احتجّ به أبو حنيفة من وجهين: (أحدهما): أنه مخالف للأحاديث الصحيحة، فلا يعرّج عليه. (والثاني): أنه يجوز أن يراه بعضهم دون جمهورهم لحسن نظره، أو غير ذلك، وليس هذا ممتنعًا، ولهذا لو شهد برؤيته اثنان، أو واحد، وحكم به حاكم لم يُنقَض بالإجماع، ووجب الصوم بالإجماع، ولو كان مستحيلاً لم ينفذ حكمه، ووجب نقضه.
(والجواب): عفا احتجّ به الآخرون أن المراد بقوله: "ننسُك" هلال شوال، جمعًا بين الأحاديث، أو محمول على الاستحباب والاحتياط، ولا بدّ من أحد هذين التأويلين للجمع بين الأحاديث. انتهى كلام النووي -رحمه اللَّه تعالى- (١).
وقال الشوكانيّ -رحمه اللَّه تعالى- بعد ذكر اختلاف الأقوال: ما حاصله: واستدلّوا - يعني القائلين باعتبار شهادة الاثنين- بحديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وبحديث أمير مكة، فإن ظاهرهما اعتبار شاهدين، وتأولوا الحديثين المتقدمين -يعني حديث ابن عباس، وابن عمر ﵄ -السابقين- باحتمال أن يكون قد شهد عند النبيّ ﷺ غيرهما.
وأجاب الأولون -يعني القائلين بالاكتفاء بشهادة رجل واحد- بأن التصريح بالاثنين غاية ما فيه المنع من قبول الواحد بالمفهوم، وحديثا عبد الرحمن بن زيد، وأمير مكة يدلان على قبوله بالمنطوق، ودلالة المنطوق أرجح، وأما التأويل بالاحتمال المذكور، فتعسّف وتجويز، لو صحّ اعتبار مثله لكان مفضيًا إلى طرح أكثر الشريعة.
стр. 11196
قال: واختلفوا أيضًا في شهادة خروج رمضان، فقال النووي في "شرح مسلم": لا تجوز شهادة عدل واحد على هلال شوّال عند جميع العلماء، إلا أبا ثور، فجوّز بعدل انتهى. واستدلّوا بحديث ابن عمر، وابن عباس المتقدم، وهو مما لا تقوم به حجة؛ لما تقدّم من ضعف من تفرّد به، وهو حفص بن عمر الأيليّ. وأما حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وحديث أمير مكة، فهما واردان في شهادة دخول رمضان، أما حديث أمير مكة فظاهر؛ لقوله فيه: "نسكنا بشهادتهما". وأما حديث عبد الرحمن بن زيد ففي بعض ألفاظه: "إلا أن يشهد شاهدا عدل"، وهو مستثنى من قوله: "فأكملوا عدة شعبان"، فالكلام في شهادة دخول رمضان، وأما لفظ أحمد: "فإن شهد مسلمان، فصوموا، وأفطروا"، وكذا لفظ النسائيّ: "فإن شهد شاهدان، فصوموا، وأفطروا"، فمع كون مفهوم الشرط، قد وقع الخلاف في العمل به هو أيضًا معارض بما تقدّم من قبوله ﷺ لخبر الواحد في أول الشهر، وبالقياس عليه في آخره لعدم الفارق، فلا ينتهض مثل هذا المفهوم لإثبات هذا الحكم به، وإذا لم يرد ما يدلّ على اعتبار الاثنين في شهادة الإفطار من الأدلّة الصحيحة، فالظاهر أنه يكفي فيه واحد قياسًا على الاكتفاء به في الصوم.
وأيضاً التعبّد بقبول خبر الواحد يدلّ على قبوله في كلّ موضع إلا ما ورد الدليل بتخصيصه بعدم التعبّد فيه بخبر الواحد؛ كالشهادة على الأموال ونحوها، فالظاهر ما قاله أبو ثور.
ويمكن أن يقال: إن مفهوم حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب قد عورض في أول الشهر بما تقدّم، وأما في آخر الشهر فلا ينتهض ذلك القياس لمعارضته، لا سيّما مع تأيده بحديث ابن عمر وابن عباس المتقدّم، وهو وإن كان ضعيفًا، فذلك غير مانع من صلاحيته للتأييد، فيصلح ذلك المفهوم المعتضد بذلك الحديث لتخصيص ما ورد من التعبّد بأخبار الآحاد، والمقام محلّ نظر.
ومما يؤيّد القول بقبول الواحد مطلقًا أن قبوله في أول رمضان يستلزم الإفطار عند كمال العدّة استنادًا إلى قبوله.
وأجيب عن ذلك بأنه يجوز الإفطار بقول الواحد ضمنا، لا صريحًا. وفيه نظر. انتهى كلام الشوكانيّ -رحمه اللَّه تعالى-.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يترجح عندي قول من قال: يثبت هلال رمضان بشهادة رجل واحد؛ لصحة حديث عكرمة عن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، الذي تقدّم للمصنّف، وحديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - عند أبي داود وغيره، فهذا
стр. 11197
القول فيه الجمع بين الأدلّة، كما تقدّم، وأما الإفطار فلا بدّ من شاهدين؛ لصحة حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وحديث أمير مكة من غير معارض لهما، كما تقدّم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٩ - (إِكْمَالُ شَعْبَانَ ثَلَاِثينَ، إِذَا كَانَ غَيْمٌ، وَذِكْرُ اخْتِلَافِ النَّاقِلِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ,) ﵁ -
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه الاختلاف الذي أشار إليه المصنّف -رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى- هنا أنه اختلف الراويان على شعبة في لفظ الحديث، فرواه إسماعيل ابن عُليّة، عنه، بلفظ: "فعُدّوا ثلاثين"، وخالفه ورقاء بن عمر اليشكريّ، فرواه بلفظ: "فاقدروا ثلاثين". وسيأتي تمام البحث في اختلاف اللفظين قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم.
٢١١٧ - (أَخْبَرَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ, عَنْ إِسْمَاعِيلَ, عَنْ شُعْبَةَ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ, وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ, فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمُ الشَّهْرُ, فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مؤمل بن هشام) اليشكريّ، أبو هشام البصريّ، ثقة [١٠] ٢٤/ ٢٦.
٢ - (إسماعيل) بن إبراهيم بن مقسم المعروف بابن عليّة، أبو بشر البصريّ، ثقة ثبت [٨] ١٨/ ١٩.
٣ - (شعبة) بن الحجّاج الإمام الحجة الثبت [٧] ٢٤/ ٢٧.
٤ - (محمد بن زياد) الجمحيّ مولاهم، أبو الحارث المدنيّ، نزيل البصرة، ثقة ثبت ربما أرسل [٣] ٨٩/ ١١٠.
٥ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم
стр. 11198
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين. (ومنها): أن فيه رواية أبا هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - أحفظ من روى الحديث في دهره. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ") تقدّم أن الضمير راجع إلى ما يدلّ عليه السياق، وهو الهلال، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾.
والمعنى صوموا رمضان لرؤية هلاله، والمراد نيّة الصوم في النهار؛ لأنّ الليل ليس محلًا للصوم، أفاده العلامة ابن الملقّن -رحمه اللَّه تعالى- (وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمُ الشَّهْرُ) -بضم الغين المعجمة، وتشديد الميم- أي هلال الشهر، ومعناه حال بينكم وبينه غيم. يقال: "غُمّ"، و"أُغمي"، و"غُمّي" -بتشديد الميم، وتخفيفها، والغين مضمومة فيهما- ويقال: "غُبي" -بفتح الغين، وكسر الباء- أي خفي، وكلها لغات صحيحة، وقد غامت السماء، وغِيمت، وأغامت، وتغيّمت، وغيّمت، كلها بمعنى.
وقيل: هذه الألفاظ مأخوذة من إِغْمَاءِ المريض، يقال: غُمي، وأُغمي عليه، والرباعيّ أفصح. وقال القاضي عياض: وقد يصحّ أن ترجع إلى إغماء السماء والسحاب، وقد يكون أيضًا من التغطية، ومنه قولهم: غممت الشيءَ: إذا سترته، والغَمَى مقصورًا: ما سقفت به البيت من شيء. وروي "عُمِي" بالعين المهملة، والميم المخففة. حكاه القاضي أيضًا، ومعناه خَفِي، يقال: عَمِي عليّ الخبر، أي خفي. وقيل: هو مأخوذ من العلماء، وهو السحاب الرقيق. وقيل: المرتفع، أي دخل في العماء، أو يكون من العمى المقصور، وهو عدم الرؤية (١).
(فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ) أي عُدّوا ثلاثين يومًا، من شعبان، فصوموا بعدها. ورواه البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه"، عن آدم بن أبي إياس، عن شعبة، بلفظ: "فأكملوا عدّة شعبان ثلاثين".
قال في "الفتح": ما حاصله: وقد وقع الاختلاف في حديث أبي هريرة ﷺ في هذه الزيادة، فرواها البخاريّ -كما ترى- بلفظ: "فأكملو عدّة شعبان ثلاثين"، وهذا أصرح ما ورد في ذلك، وقد قيل: إن آدم شيخه انفرد بذلك، فإن أكثر الرواة عن شعبة قالوا فيه: "فعُدّوا ثلاثين". أشار إلى ذلك الإسماعيليّ، وهو عند مسلم وغيره، قال: فيجوز أن يكون آدم أورده على ما وقع عنده من تفسير الخبر.
стр. 11199
قال الحافظ: الذي ظنه الإسماعيليّ صحيح (١)، فقد رواه البيهقيّ من طريق إبراهيم ابن يزيد، عن آدم بلفظ: "فإن غمّ عليكم، فعدوّا ثلاثين يومًا، -يعني عدّوا شعبان ثلاثين-. فوقع للبخاريّ إدراج التفسير في نفس الخبر. ويؤيده رواية أبي سلمة، عن أبي هريرة بلفظ: "لا تقدّموا رمضان بصوم يوم، ولا يومين". فإنه يشعر بأن المأمور بعدّه هو شعبان، وقد رواه مسلم من طريق الربيع بن مسلم، عن محمد بن زياد بلفظ: "فأكملوا العدد". وهو يتناول كلّ شهر، فدخل فيه شعبان. وروى الدارقطنيّ، وصححه، وابن خزيمة في "صحيحه" من حديث عائشة ﵂: "كان رسول اللَّه ﷺ . يتحفّظ من شعبان ما لا يتحفّظ من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان، فإن غمّ عليه عَدّ ثلاثين يومًا، ثم صام". وأخرجه أبو داود وغيره أيضًا. وروى أبو داود، والنسائيّ (٢) وابن خزيمة من طريق رِبْعيّ، عن حُذيفة ﵁، مرفوعاً: "لا تقدّموا الشهر حتى تروا الهلال، أو تكمّلوا العدّة، ثم صوموا حتى تروا الهلال، أو تكمّلوا العدّة". وقيل: الصواب فيه: عن ربعيّ، عن رجل من الصحابة مبهم، ولا يقدح ذلك في صحته انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- (٣). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٩/ ٢١١٧ و ٢١١٨ و ١٠/ ٢١١٩ و ١١/ ٢١٢٣ و ١٧/ ٢١٣٨ و ١٧/ ٢١٣٨ - وفي "الكبرى" ١٠/ ٢٤٢٧ و ٢٤٢٨ و ١١/ ٢٤٢٩ و ١٢/ ٢٤٣٣ و ١٨/ ٢٤٤٨ و ١٨/ ٢٤٤٨. وأخرجه (خ) ١٩٠٩ (م) ١٠٨١ (ق) ١٦٥٥. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في اختلاف أهل العلم في معنى قوله ﷺ : "فاقدروا ثلاثين": اختلفوا في المراد به على مذاهب:
(الأول): مذهب الجمهور، قالوا: معناه قدّروا له تمام العدد ثلاثين يوما، أي انظروا في أول الشهر، واحسبوا تمام ثلاثين يومًا.
стр. 11200
قال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى- بعد أن بين اختلاف الروايات في حديث ابن عمر الآتي، ففي رواية "فاقدروا له"، وفي رواية "فاقدروا ثلاثين"، وفي رواية "فأكملوا العدّة ثلاثين"، وفي رواية "فعدّوا ثلاثين":
ما حاصله: والروايات يفسّر بعضها بعضًا، والحديث إذا جمُعت طرقه تبيّن المراد منه، وقد دلّ على ذلك أيضًا ما رواه البخاريّ من حديث شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة ﵁، مرفوعًا: "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غمّ عليكم، فأكملوا عدّة شعبان ثلاثين". رواه مسلم من حديث سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ بلفظ: "فصوموا ثلاثين يومًا" وليس ذلك اضطرابًا في الخبر لأنا مأمورون بذلك في الصوم والفطر، وقد ذكر النبيّ ﷺ صورة الغمّ علينا بعد قوله: "لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه"، فعاد إلى الصورتين معًا، أي فإن غمّ عليكم في صومكم، أو فطركم، فذكر في إحدى الروايتين إحدى الصورتين، وفي الأخرى الصورة الأخرى، وأتى في بعض روايات حديث أبي هريرة بعبارة متناولة لهما، ففي رواية لمسلم "فعدّوا ثلاثين"، وفي رواية له:"فأكملوا العدد".
ومن العجيب اعتراض بعض الحنابلة على رواية البخاريّ بأن الإسماعيليّ قد أخرجها في "مستخرجه" من رواية غندر، عن شعبة بلفظ: "فإن غمّ عليكم فعدّوا ثلاثين"، ثم عدّ جماعة رووه عن شعبة كذلك، ثم قال هذا الحنبليّ: وهذا يجوز أن يكون من آدم بن أبي إياس رواه على التفسير من عنده للخبر انتهى.
وغايته أن رواية البخاريّ خاصّة، والرواية التي حكاها عن غيره عامّة، تتناول شعبان ورمضان، فلا معنى لحملها على رمضان، لا سيما، وهم يؤولون قوله: "فاقدروا له" كما سيأتي بيانه، ويحملونه على تقدير الهلال تحت السحاب، وذلك يدلّ على أن المراد شعبان، وهذا يدلّ على مخالفة كلام هذا الحنبليّ لكلام أئمته، ولا جائز أن يُحمل الشرط في قوله: "فإن غمّ عليكم" على صورة، والجزاء، وهو قوله: "فعدوا ثلاثين" على صورة غيرها.
ولقد أنصف الإمام شمس الدين محمد بن عبد الهادي، وهو من أعيان متأخري الحنابلة، فقال في "تنقيح التحقيق": الذي دلت عليه أحاديث هذه المسألة، وهو مقتضى القواعد أن أيّ شهر غُمّ أُكمِلَ ثلاثين، سواء في ذلك شعبان ورمضان وغيرهما، وعلى هذا فقوله: "فإن غمّ عليكم، فأكملوا العدّة" يرجع إلى الجملتين، وهما قوله: "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غمّ عليكم، فأكملوا العدّة"، أي غُمّ عليكم في صومكم وفطركم، هذا هو الظاهر من اللفظ، وباقي الأحاديث يدلّ عليه.
стр. 11201
قال: وما ذكره الإسماعيليّ غير قادح في صحّة الحديث؛ لأنّ النبيّ ﷺ إما أن يكون قال اللفظين، وهذا مقتضى ظاهر الرواية، وإما أن يكون قال أحدهما، وذكر الراوي اللفظ الآخر بالمعنى، فإن الأمرين في قوله: "فأكملوا العدّة" للشهرين انتهى.
وفي "سنن أبي داود" عن عمر بن عبد العزيز: "وإن أحسن ما يقدّر له إذا رأينا هلال شعبان لكذا وكذا، فالصوم إن شاء اللَّه لكذا وكذا، إلا أن يروا الهلال قبل ذلك". وفي رواية للبيهقيّ في "سننه" في الحديث المرفوع من حديث أبي هريرة ﵁: "فإن غُمّ عليكم، فإنها ليست تُغمَى عليكم العدّة".
وقد روى مالك في "الموطإ" عقب حديث ابن عمر حديث عكرمة، عن ابن عباس: أن رسول اللَّه ﷺ ذكر رمضان، فقال: "لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غمّ عليكم، فأكملوا العدّة ثلاثين ". قال ابن عبد البرّ: جعله بعده لأنه عنده مفسّر له، ومبيّن لمعنى قوله: "فاقدروا له".
قال ولّي الدين: وكذا رواه الترمذيّ بلفظ "فأكملوا ثلاثين يومًا". وهو عند أبي داود بلفظ: "فإن حال دونه غمامة، فأتموا العدّة ثلاثين، ثم أفطروا". وعند النسائيّ بلفظ: "فإن حال بينكم وبينه سحابة، أو ظلمة، فأكملوا العدّة، عدّة شعبان". وهذا على ما قدّمته في حديث ابن عمر ذَكَرَ في رواية أبي داود صورةً، وفي رواية النسائيّ أخرى، وأتى في رواية مالك، والترمذيّ بما يَشمَل الصورتين، وليس ذلك اضطرابًا. وفي "صحيح مسلم" عن أبي الْبَخْتَريّ، قال: أهللنا رمضان، ونحن بذات العرق، فأرسلنا رجلا إلى ابن عباس، فسأله؟ فقال ابن عباس: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه قد أمده لرؤيته، فإن غمي عليكم، فأكملوا العدّة"، وفي رواية له: فلقينا ابن عباس، فقلنا، وذكره، وهذا شاهد لرواية مالك وغيره. وروى أبو داود والنسائيّ عن حذيفة ﵁ مرفوعًا: "لا تقدّموا الشهر حتى تروا الهلال، أو تكملوا العدّة، ثم صوموا حتى تروا الهلال، أو تكملوا العدّة". وروى أبو داود عن عائشة ﵂، كان رسول اللَّه ﷺ يتحفّظ من شعبان ما لا يتحفّظ من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان، فإن غمّ عليه عَدَّ ثلاثين يومًا، ثم صام".
وقد رُويَ هذا المعنى، وهو إكمال العدّة ثلاثين يومًا عند الغمّ علينا من حديث جابر، وأبي بكرة، وعمر بن الخطاب، ورافع بن خَدِيج، وعليّ بن أبي طالب، وطلق ابن عليّ، والبراء بن عازب ﵃. وقد جمع ذلك الحافظ العراقيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "شرح الترمذيّ". قال ابن عبد البرّ: ولم يرو أحد فيما علمت "فاقدروا له" إلا ابن عمر وحده. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 11202
(المذهب الثاني): مذهب من قال: إن معنى قوله ﷺ : "فاقدروا له: ضيّقوا له، وقَدِّرُوه تحت السحاب، ومن قال بهذا أوجب الصيام من الغد ليلة الثلاثين من شعبان إن كان في محلّ الهلال ما يمنع رؤيته، من غيم وغيره.
وهذا مذهب ابن عمر ﵄ راوي هذا الحديث، ففي "سنن أبي داود": فكان ابن عمر إذا كان شعبان تسعًا وعشرين نُظِرَ له، فإن رأى فذاك، وإن لم ير، ولم يَحُلْ دونه منظره سحاب، أو قَتَرَة، أصبح مفطرّا، وإن حال دون منظره سحاب، أو قترة أصبح صائمًا، قال: وكان ابن عمر ﵃ يفطر مع الناس، ولا يأخذ بهذا الحساب.
قال الخطابيّ: يريد أنه كان يفعل هذا الصنيع في شهر شعبان احتياطًا للصوم، ولا يأخذ بهذا الحساب في شهر رمضان، ولا يفطر إلا مع الناس.
قال وليّ الدين: وكأن الراوي أشار بذلك إلى النقض على ابن عمر في كونه قال بما يقتضي حمل التقديرين على التضييق، وتقديره تحت السحاب في إحدى الصورتين، دون الأخرى، ولو اختلف حكمهما لبيّنه النبيّ ﷺ ، وفصل بينهما، وقد نبّه النبيّ ﷺ على التسوية بينهما بنهيه عن صوم يوم الشكّ. وقد تبع ابنَ عمر على هذا المذهب أحمدُ بن حنبل في المشهور عنه.
قال ابن الجوزيّ -رحمه اللَّه تعالى- في تصنيف له سمّاه "دَرْء اللَّوْم والضَّيْم في صوم يوم الغيم": وهذا مرويّ من الصحابة، عن عمر بن الخطّاب، وعليّ بن أبي طالب، وأنس بن مالك، وأبي هريرة، ومعاوية، وعمرو بن العاص، والحكم بن أيوب الغفاريّ، وعائشة، وأسماء ابنتي أبي بكر الصديق ﵃. قال: وقال به من كبراء التابعين سالم بن عبد اللَّه، ومجاهد، وطاوس، وأبو عثمان النّهْديّ، ومطرّف بن عبد اللَّه بن الشِّخِّير، وميمون بن مهران، وبكر بن عبد اللَّه المزنيّ، في آخرين.
حكاه عنه الحافظ العراقي -رحمه اللَّه تعالى- في "شرح الترمذيّ"، وردّ عليه في حكايته عن هؤلاء الصحابة، فذكر أن الرواية في ذلك عن عمر منقطعة، فإنها من رواية مكحول عنه، ولم يدركه، وأن ابن الجوزيّ إنما نقل ذلك عن عليّ؛ لأنه قال: "أصوم يومًا من شعبان أحبّ إليّ من أفطر يوما من رمضان". قال العراقيّ: وهو منقطع، ثم إنه إنما قاله عند شهادة واحد على رؤية الهلال، لا في الغيم، كما رواه الدارقطنيّ في "سننه" مبيّنًا، ولا يحلّ الاختصار على هذا الوجه؛ لأنه يُخلّ بالمعنى. قال: والمعروف عن عمر، وعليّ خلاف ذلك ففي "مصنّف ابن أبي شيبة" عن كلّ منهما أنه كان يخطب إذا حضر رمضان، فيقول: "ألا لا تقدّموا الشهر، إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتم الهلال، فأفطروا، فان غمّ عليكم، فأتمّوا العدّة".
стр. 11203
ومستند ابن الجوزيّ في نقل ذلك عن أنس ما رواه عن يحيى بن إسحاق أنه قال: رأيت الهلال إما عند الظهر، وإما قريبًا منه، فأفطر ناس من الناس، فأتينا أنس بن مالك، فأخبرناه برؤية الهلال، وبإفطار من أفطر، فقال: هذا اليوم يكمل لي أحد وثلاثون (١) يومًا، وذلك أن الحكم بن أيوب أرسل إليّ قبل صيام الناس أني صائم غدًا، فكرهت الخلاف عليه، فصمت، وأنا متمّ صوم يومي هذا إلى الليل.
قال العراقيّ: هذا لم يفعله للغيم، وإنما فعله كراهية للاختلاف على الأمير، وهو ابن عمّ الحجاج بن يوسف الثقفيّ، فهو موافق لرواية عن أحمد: إن الخيرة إلى الأمير في صيام ليلة الغيم. فلم يصمه أنس عن رمضان، وقد أفطر الناس ذلك اليوم، وأراد أنس ترك الخلاف على أميره.
قال العراقي: والمعروف عن أبي هريرة ﵁ خلاف ما نقله عنه، كما في "مصنف ابن أبي شيبة" عنه أنه قال: نهي أن يتعجّل قبل رمضان بيوم أو يومين. لكن روى البيهقيّ عنه من رواية أبي مريم عنه: "لأن أصوم اليوم الذي يشكّ فيه من شعبان أحبّ إليّ من أفطر يوما من رمضان". ثم قال البيهقيّ: كذا روي عن أبي هريرة بهذا الإسناد، ورواية أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ في النهي عن التقدّم إلا أن يوافق صوما كان يصومه أصحّ من ذلك انتهى.
قال: وأما أثر معاوية، فإنه ضعيف لا يصح، وقد رواه ابن الجوزيّ في "العلل المتناهية" من رواية مكحول عنه، وضعّفه. قال: وأما أثر عمرو بن العاص، فلم أر له إسنادًا. قال: وأما الحكم بن أيوب، فهو الثقفيّ، وهو من التابعين، كما ذكره ابن حبّان في ثقات التابعين. قال: فلم يقل به أحد من العشرة الذين ذكرهم ابن الجوزيّ إلا ابن عمر، وعائشة، وأسماء ﵃، واختلف عن أبي هريرة كما تقدّم.
قال البيهقيّ -رحمه اللَّه تعالى-: ومتابعة السنّة الثابتة، وما عليه أكثر الصحابة، وعوامّ أهل العلم أولى بنا انتهى.
وقال ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى-: لم يُتابع ابن عمر على تأويله ذلك فيما علمت إلا طاوس، وأحمد بن حنبل. وروي عن أسماء بنت أبي بكر مثله، وعن عائشة نحوه. انتهى.
(المذهب الثالث): مذهب فرقة ثالثة، قالوا: إن معنى الحديث: قَدِّرُوه بحساب المنازل، حكاه النوويّ في "شرح مسلم" عن ابن سُريج، وجماعة، منهم مطرّف بن
стр. 11204
عبد اللَّه، وابن قتيبة، وآخرون. وقال ابن عبد البرّ: رُوي عن مطرّف بن الشّخّير، وليس بصحيح عنه، ولو صحّ ما وجب اتباعه عليه؛ لشذوذه فيه، ولمخالفة الحجّة له، ثم حكى عن ابن قتيبة مثله، وقال: ليس هذا من شأن ابن قتيبة، ولا هو ممن يُعرّج عليه في مثل هذا الباب، ثم حكى عن ابن خويز منداد أنه حكاه عن الشافعيّ، ثم قال ابن عبد البرّ: والصحيح عنه في كتبه، وعند أصحابه، وجمهور العلماء خلافه. قال وليّ الدين: لا يعرف ذلك عن الشافعيّ أصلاً. واللَّه أعلم.
وبالغ ابن العربيّ في "العارضة" في إنكاره مقالة ابن سُريج هذه، قال المازريّ عن الجمهور: لا يجوز أن يكون حساب المنجّمين، لأن الناس لو كلّفوا به ضاق عليهم؛ لأنه لا يعرفه إلا الأفراد، والشرع إنما يعرف الناس بما يعرفه جماهيرهم، وحكى ابن العربي عن ابن سريج أن قوله: "فاقدروا" خطاب لمن خصّه اللَّه بهذا العلم، وقوله: "فأكملوا العدّة" خطاب للعامة. قال ابن العربي: فكأن وجوب رمضان جعله مختلف الحال، يجب على قوم بحساب الشمس والقمر، وعلى آخرين بحساب الْجُمَّل، إن هذا لبعيد عن النبلاء، فكيف عن العلماء؟.
وقال ابن الصلاح -رحمه اللَّه تعالى- في "مشكل الوسيط": معرفة منازل القمر هو معرفة سير الأهلّة، وهو غير المعرفة بالحساب على ما أشعر به كلام الغزاليّ في الدرس، فالحساب أمر دقيق يختصّ بمعرفته الآحاد، والمعرفة بالمنازل كالمحسوس يشترك في ذكره الجمهور، ممن يراقب النجوم انتهى.
قال ولّي الدين: فمعرفة منازل القمر هي التي قال بها ابن سريج، ثم إنه لم يقل بها في حقّ كلّ أحد، وإنما قال بها في حقّ العارف بها، وإنما قال بجوازه له، كذا ذكر الرويانيّ عنه. ونقل الجواز أيضًا عن اختيار القفّال، والقاضي أبي الطيّب الطبريّ. وحكى الشيخ في "المهذّب" عن ابن سُريج لزوم الصوم في هذه الصورة. ثم ذكر وليّ الدين تفاصيل الأوجه في مذهب الشافعيّ في مسألة الحاسب والمنجّم، وبسط الكلام فيه.
وقال ابن دقيق العيد في "شرح العمدة": وأما ما دلّ الحساب على أن الهلال قد طلع من الأفق على وجه يُرى لولا وجود المانع، كالغيم، فهذا يقتضي الوجوب؛ لوجود السبب الشرعيّ، قال: وليس حقيقة الرؤية تشترط في اللزوم؛ لأنّ الاتفاق على أن المحبوس في الممطورة إذا علم بإكمال العدّة، أو الاجتهاد بالأمارات أن اليوم من رمضان وجب عليه الصوم، وإن لم ير الهلال، ولا أخبره من رآه.
وردّ عليه الحافظ العراقيّ في "شرح الترمذيّ "، فقال: المحبوس في الممطورة
стр. 11205
معذور، فيجب عليهَ الاجتهاد في دخول الوقت، ويجب عليه العمل بما أدّى إليه اجتهاده، فإن تبيّن خطؤه بيقين أعاد، وحصول الغيم في المطالع أمر معتاد، والسبب الشرعيّ للوجوب إنما هو الرؤية، لا علم ذلك بالحساب؛ لقوله ﷺ في الحديث الصحيح: "إنا أمة أميّة، لا نحسب، ولا نكتب … " الحديث انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: فقد أجاد الحافظ العراقيّ في الاعتراض على ما قاله ابن دقيق العيد من الاعتماد على أن الهلال قد طلع، وقد ردّ الصنعاني عليه أيضًا في حاشيته "العدّة" ردّا جميلا، فراجع حاشيته ج ٣ ص ٣٢٨ - ٣٢٩.
قال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: وقد ظهر بما بسطناه صحّة مذهب الجمهور في تعليق الحكم بالرؤية، دون غيرها، وبه قال مالك، والشافعيّ، وأبو حنيفة، وجمهور العلماء من السلف والخلف انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-، من ترجيح مذهب الجمهور في المسألة هو الحق الذي لا مَحِيد عنه؛ للأحاديث الصحيحة التي تدلّ على وجوب الاعتماد على الرؤية، دون غيره من الحساب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢١١٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي, قَالَ: حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ, عَنْ شُعْبَةَ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ, وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ, فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ, فَاقْدُرُوا ثَلَاثِينَ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن عبد اللَّه بن يزيد": أبو يحيي المكيّ، ثقة [١٠] ١١/ ١١. و"عبد اللَّه بن يزيد": أبو عبد الرحمن المقرئ المكيّ، ثقة فاضل [٩] ٤/ ٧٤٦. و"ورقاء" بن عمر اليشكريّ، أبو بشر الكوفيّ نزيل المدائن، صدوق [٧] ٦٠/ ٨٦٦.
وقوله: "فاقدروا ثلاثين". بوصل الهمزة، وضم الدال، وكسرها: يعني حقّقوا مقادير أيام شعبان، حتى تكملوه ثلاثين يومًا، كما جاء في الرواية الأخرى. أفاده الحافظ السيوطيّ -رحمه اللَّه تعالى- في شرحه (١).
وقال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: قال أهل اللغة: يقال: قدَرتُ الشيء - بالتخفيف- أقدُره -بضم الدال، وكسرها، وقدّرته -بالتشديد- وأقدرته بهمزة أوله (٢)