← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 11201–11240 · переход к 11206.

стр. 11201

قال: وما ذكره الإسماعيليّ غير قادح في صحّة الحديث؛ لأنّ النبيّ ﷺ إما أن يكون قال اللفظين، وهذا مقتضى ظاهر الرواية، وإما أن يكون قال أحدهما، وذكر الراوي اللفظ الآخر بالمعنى، فإن الأمرين في قوله: "فأكملوا العدّة" للشهرين انتهى. وفي "سنن أبي داود" عن عمر بن عبد العزيز: "وإن أحسن ما يقدّر له إذا رأينا هلال شعبان لكذا وكذا، فالصوم إن شاء اللَّه لكذا وكذا، إلا أن يروا الهلال قبل ذلك". وفي رواية للبيهقيّ في "سننه" في الحديث المرفوع من حديث أبي هريرة ﵁: "فإن غُمّ عليكم، فإنها ليست تُغمَى عليكم العدّة". وقد روى مالك في "الموطإ" عقب حديث ابن عمر حديث عكرمة، عن ابن عباس: أن رسول اللَّه ﷺ ذكر رمضان، فقال: "لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غمّ عليكم، فأكملوا العدّة ثلاثين ". قال ابن عبد البرّ: جعله بعده لأنه عنده مفسّر له، ومبيّن لمعنى قوله: "فاقدروا له". قال ولّي الدين: وكذا رواه الترمذيّ بلفظ "فأكملوا ثلاثين يومًا". وهو عند أبي داود بلفظ: "فإن حال دونه غمامة، فأتموا العدّة ثلاثين، ثم أفطروا". وعند النسائيّ بلفظ: "فإن حال بينكم وبينه سحابة، أو ظلمة، فأكملوا العدّة، عدّة شعبان". وهذا على ما قدّمته في حديث ابن عمر ذَكَرَ في رواية أبي داود صورةً، وفي رواية النسائيّ أخرى، وأتى في رواية مالك، والترمذيّ بما يَشمَل الصورتين، وليس ذلك اضطرابًا. وفي "صحيح مسلم" عن أبي الْبَخْتَريّ، قال: أهللنا رمضان، ونحن بذات العرق، فأرسلنا رجلا إلى ابن عباس، فسأله؟ فقال ابن عباس: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه قد أمده لرؤيته، فإن غمي عليكم، فأكملوا العدّة"، وفي رواية له: فلقينا ابن عباس، فقلنا، وذكره، وهذا شاهد لرواية مالك وغيره. وروى أبو داود والنسائيّ عن حذيفة ﵁ مرفوعًا: "لا تقدّموا الشهر حتى تروا الهلال، أو تكملوا العدّة، ثم صوموا حتى تروا الهلال، أو تكملوا العدّة". وروى أبو داود عن عائشة ﵂، كان رسول اللَّه ﷺ يتحفّظ من شعبان ما لا يتحفّظ من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان، فإن غمّ عليه عَدَّ ثلاثين يومًا، ثم صام". وقد رُويَ هذا المعنى، وهو إكمال العدّة ثلاثين يومًا عند الغمّ علينا من حديث جابر، وأبي بكرة، وعمر بن الخطاب، ورافع بن خَدِيج، وعليّ بن أبي طالب، وطلق ابن عليّ، والبراء بن عازب ﵃. وقد جمع ذلك الحافظ العراقيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "شرح الترمذيّ". قال ابن عبد البرّ: ولم يرو أحد فيما علمت "فاقدروا له" إلا ابن عمر وحده. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 11202

(المذهب الثاني): مذهب من قال: إن معنى قوله ﷺ : "فاقدروا له: ضيّقوا له، وقَدِّرُوه تحت السحاب، ومن قال بهذا أوجب الصيام من الغد ليلة الثلاثين من شعبان إن كان في محلّ الهلال ما يمنع رؤيته، من غيم وغيره. وهذا مذهب ابن عمر ﵄ راوي هذا الحديث، ففي "سنن أبي داود": فكان ابن عمر إذا كان شعبان تسعًا وعشرين نُظِرَ له، فإن رأى فذاك، وإن لم ير، ولم يَحُلْ دونه منظره سحاب، أو قَتَرَة، أصبح مفطرّا، وإن حال دون منظره سحاب، أو قترة أصبح صائمًا، قال: وكان ابن عمر ﵃ يفطر مع الناس، ولا يأخذ بهذا الحساب. قال الخطابيّ: يريد أنه كان يفعل هذا الصنيع في شهر شعبان احتياطًا للصوم، ولا يأخذ بهذا الحساب في شهر رمضان، ولا يفطر إلا مع الناس. قال وليّ الدين: وكأن الراوي أشار بذلك إلى النقض على ابن عمر في كونه قال بما يقتضي حمل التقديرين على التضييق، وتقديره تحت السحاب في إحدى الصورتين، دون الأخرى، ولو اختلف حكمهما لبيّنه النبيّ ﷺ ، وفصل بينهما، وقد نبّه النبيّ ﷺ على التسوية بينهما بنهيه عن صوم يوم الشكّ. وقد تبع ابنَ عمر على هذا المذهب أحمدُ بن حنبل في المشهور عنه. قال ابن الجوزيّ -رحمه اللَّه تعالى- في تصنيف له سمّاه "دَرْء اللَّوْم والضَّيْم في صوم يوم الغيم": وهذا مرويّ من الصحابة، عن عمر بن الخطّاب، وعليّ بن أبي طالب، وأنس بن مالك، وأبي هريرة، ومعاوية، وعمرو بن العاص، والحكم بن أيوب الغفاريّ، وعائشة، وأسماء ابنتي أبي بكر الصديق ﵃. قال: وقال به من كبراء التابعين سالم بن عبد اللَّه، ومجاهد، وطاوس، وأبو عثمان النّهْديّ، ومطرّف بن عبد اللَّه بن الشِّخِّير، وميمون بن مهران، وبكر بن عبد اللَّه المزنيّ، في آخرين. حكاه عنه الحافظ العراقي -رحمه اللَّه تعالى- في "شرح الترمذيّ"، وردّ عليه في حكايته عن هؤلاء الصحابة، فذكر أن الرواية في ذلك عن عمر منقطعة، فإنها من رواية مكحول عنه، ولم يدركه، وأن ابن الجوزيّ إنما نقل ذلك عن عليّ؛ لأنه قال: "أصوم يومًا من شعبان أحبّ إليّ من أفطر يوما من رمضان". قال العراقيّ: وهو منقطع، ثم إنه إنما قاله عند شهادة واحد على رؤية الهلال، لا في الغيم، كما رواه الدارقطنيّ في "سننه" مبيّنًا، ولا يحلّ الاختصار على هذا الوجه؛ لأنه يُخلّ بالمعنى. قال: والمعروف عن عمر، وعليّ خلاف ذلك ففي "مصنّف ابن أبي شيبة" عن كلّ منهما أنه كان يخطب إذا حضر رمضان، فيقول: "ألا لا تقدّموا الشهر، إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتم الهلال، فأفطروا، فان غمّ عليكم، فأتمّوا العدّة".

стр. 11203

ومستند ابن الجوزيّ في نقل ذلك عن أنس ما رواه عن يحيى بن إسحاق أنه قال: رأيت الهلال إما عند الظهر، وإما قريبًا منه، فأفطر ناس من الناس، فأتينا أنس بن مالك، فأخبرناه برؤية الهلال، وبإفطار من أفطر، فقال: هذا اليوم يكمل لي أحد وثلاثون (١) يومًا، وذلك أن الحكم بن أيوب أرسل إليّ قبل صيام الناس أني صائم غدًا، فكرهت الخلاف عليه، فصمت، وأنا متمّ صوم يومي هذا إلى الليل. قال العراقيّ: هذا لم يفعله للغيم، وإنما فعله كراهية للاختلاف على الأمير، وهو ابن عمّ الحجاج بن يوسف الثقفيّ، فهو موافق لرواية عن أحمد: إن الخيرة إلى الأمير في صيام ليلة الغيم. فلم يصمه أنس عن رمضان، وقد أفطر الناس ذلك اليوم، وأراد أنس ترك الخلاف على أميره. قال العراقي: والمعروف عن أبي هريرة ﵁ خلاف ما نقله عنه، كما في "مصنف ابن أبي شيبة" عنه أنه قال: نهي أن يتعجّل قبل رمضان بيوم أو يومين. لكن روى البيهقيّ عنه من رواية أبي مريم عنه: "لأن أصوم اليوم الذي يشكّ فيه من شعبان أحبّ إليّ من أفطر يوما من رمضان". ثم قال البيهقيّ: كذا روي عن أبي هريرة بهذا الإسناد، ورواية أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ في النهي عن التقدّم إلا أن يوافق صوما كان يصومه أصحّ من ذلك انتهى. قال: وأما أثر معاوية، فإنه ضعيف لا يصح، وقد رواه ابن الجوزيّ في "العلل المتناهية" من رواية مكحول عنه، وضعّفه. قال: وأما أثر عمرو بن العاص، فلم أر له إسنادًا. قال: وأما الحكم بن أيوب، فهو الثقفيّ، وهو من التابعين، كما ذكره ابن حبّان في ثقات التابعين. قال: فلم يقل به أحد من العشرة الذين ذكرهم ابن الجوزيّ إلا ابن عمر، وعائشة، وأسماء ﵃، واختلف عن أبي هريرة كما تقدّم. قال البيهقيّ -رحمه اللَّه تعالى-: ومتابعة السنّة الثابتة، وما عليه أكثر الصحابة، وعوامّ أهل العلم أولى بنا انتهى. وقال ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى-: لم يُتابع ابن عمر على تأويله ذلك فيما علمت إلا طاوس، وأحمد بن حنبل. وروي عن أسماء بنت أبي بكر مثله، وعن عائشة نحوه. انتهى. (المذهب الثالث): مذهب فرقة ثالثة، قالوا: إن معنى الحديث: قَدِّرُوه بحساب المنازل، حكاه النوويّ في "شرح مسلم" عن ابن سُريج، وجماعة، منهم مطرّف بن

стр. 11204

عبد اللَّه، وابن قتيبة، وآخرون. وقال ابن عبد البرّ: رُوي عن مطرّف بن الشّخّير، وليس بصحيح عنه، ولو صحّ ما وجب اتباعه عليه؛ لشذوذه فيه، ولمخالفة الحجّة له، ثم حكى عن ابن قتيبة مثله، وقال: ليس هذا من شأن ابن قتيبة، ولا هو ممن يُعرّج عليه في مثل هذا الباب، ثم حكى عن ابن خويز منداد أنه حكاه عن الشافعيّ، ثم قال ابن عبد البرّ: والصحيح عنه في كتبه، وعند أصحابه، وجمهور العلماء خلافه. قال وليّ الدين: لا يعرف ذلك عن الشافعيّ أصلاً. واللَّه أعلم. وبالغ ابن العربيّ في "العارضة" في إنكاره مقالة ابن سُريج هذه، قال المازريّ عن الجمهور: لا يجوز أن يكون حساب المنجّمين، لأن الناس لو كلّفوا به ضاق عليهم؛ لأنه لا يعرفه إلا الأفراد، والشرع إنما يعرف الناس بما يعرفه جماهيرهم، وحكى ابن العربي عن ابن سريج أن قوله: "فاقدروا" خطاب لمن خصّه اللَّه بهذا العلم، وقوله: "فأكملوا العدّة" خطاب للعامة. قال ابن العربي: فكأن وجوب رمضان جعله مختلف الحال، يجب على قوم بحساب الشمس والقمر، وعلى آخرين بحساب الْجُمَّل، إن هذا لبعيد عن النبلاء، فكيف عن العلماء؟. وقال ابن الصلاح -رحمه اللَّه تعالى- في "مشكل الوسيط": معرفة منازل القمر هو معرفة سير الأهلّة، وهو غير المعرفة بالحساب على ما أشعر به كلام الغزاليّ في الدرس، فالحساب أمر دقيق يختصّ بمعرفته الآحاد، والمعرفة بالمنازل كالمحسوس يشترك في ذكره الجمهور، ممن يراقب النجوم انتهى. قال ولّي الدين: فمعرفة منازل القمر هي التي قال بها ابن سريج، ثم إنه لم يقل بها في حقّ كلّ أحد، وإنما قال بها في حقّ العارف بها، وإنما قال بجوازه له، كذا ذكر الرويانيّ عنه. ونقل الجواز أيضًا عن اختيار القفّال، والقاضي أبي الطيّب الطبريّ. وحكى الشيخ في "المهذّب" عن ابن سُريج لزوم الصوم في هذه الصورة. ثم ذكر وليّ الدين تفاصيل الأوجه في مذهب الشافعيّ في مسألة الحاسب والمنجّم، وبسط الكلام فيه. وقال ابن دقيق العيد في "شرح العمدة": وأما ما دلّ الحساب على أن الهلال قد طلع من الأفق على وجه يُرى لولا وجود المانع، كالغيم، فهذا يقتضي الوجوب؛ لوجود السبب الشرعيّ، قال: وليس حقيقة الرؤية تشترط في اللزوم؛ لأنّ الاتفاق على أن المحبوس في الممطورة إذا علم بإكمال العدّة، أو الاجتهاد بالأمارات أن اليوم من رمضان وجب عليه الصوم، وإن لم ير الهلال، ولا أخبره من رآه. وردّ عليه الحافظ العراقيّ في "شرح الترمذيّ "، فقال: المحبوس في الممطورة

стр. 11205

معذور، فيجب عليهَ الاجتهاد في دخول الوقت، ويجب عليه العمل بما أدّى إليه اجتهاده، فإن تبيّن خطؤه بيقين أعاد، وحصول الغيم في المطالع أمر معتاد، والسبب الشرعيّ للوجوب إنما هو الرؤية، لا علم ذلك بالحساب؛ لقوله ﷺ في الحديث الصحيح: "إنا أمة أميّة، لا نحسب، ولا نكتب … " الحديث انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: فقد أجاد الحافظ العراقيّ في الاعتراض على ما قاله ابن دقيق العيد من الاعتماد على أن الهلال قد طلع، وقد ردّ الصنعاني عليه أيضًا في حاشيته "العدّة" ردّا جميلا، فراجع حاشيته ج ٣ ص ٣٢٨ - ٣٢٩. قال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: وقد ظهر بما بسطناه صحّة مذهب الجمهور في تعليق الحكم بالرؤية، دون غيرها، وبه قال مالك، والشافعيّ، وأبو حنيفة، وجمهور العلماء من السلف والخلف انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-، من ترجيح مذهب الجمهور في المسألة هو الحق الذي لا مَحِيد عنه؛ للأحاديث الصحيحة التي تدلّ على وجوب الاعتماد على الرؤية، دون غيره من الحساب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢١١٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي, قَالَ: حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ, عَنْ شُعْبَةَ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ, وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ, فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ, فَاقْدُرُوا ثَلَاثِينَ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن عبد اللَّه بن يزيد": أبو يحيي المكيّ، ثقة [١٠] ١١/ ١١. و"عبد اللَّه بن يزيد": أبو عبد الرحمن المقرئ المكيّ، ثقة فاضل [٩] ٤/ ٧٤٦. و"ورقاء" بن عمر اليشكريّ، أبو بشر الكوفيّ نزيل المدائن، صدوق [٧] ٦٠/ ٨٦٦. وقوله: "فاقدروا ثلاثين". بوصل الهمزة، وضم الدال، وكسرها: يعني حقّقوا مقادير أيام شعبان، حتى تكملوه ثلاثين يومًا، كما جاء في الرواية الأخرى. أفاده الحافظ السيوطيّ -رحمه اللَّه تعالى- في شرحه (١). وقال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: قال أهل اللغة: يقال: قدَرتُ الشيء - بالتخفيف- أقدُره -بضم الدال، وكسرها، وقدّرته -بالتشديد- وأقدرته بهمزة أوله (٢)

стр. 11206

بمعنى واحد، وهو من التقدير، قال الخطابيّ: ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾. فالمعنى: قدّروا له تمام العدد ثلاثين يوما، أي انظروا في أول الشهر، واحسبوا تمام ثلاثين يوما انتهى. وبهذا فسّره الجمهور انتهى كلام ولي الدين بتصرف (١). والحديث متّفق عليه، وقد تقدّم تمام البحث فيه في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". ١٠ - (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى الزُّهْريّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه الاختلاف على الزهريّ -رحمه اللَّه تعالى- أن إبراهيم بن سعد رواه عنه، عن ابن المسيّب، عن أبي هريرة ﵁، وخالفه في ذلك يونس بن يزيد الأيليّ، فرواه عنه، عن سالم بن عبد اللَّه بن عمر، عن أبيه. لكن مثل هذا الاختلاف لا يضرّ؛ لأنه يُحمَل على أنه مرويٌّ من حديث أبي هريرة ﵁، ومن حديث عبد اللَّه بن عمر ﵃، ولذا أخرجه الشيخان من حديث ابن عمر ﵃، وأخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ فدلّ على أنه محفوظ من كلا الطريقين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢١١٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ فَصُومُوا, وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا, فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ, فَصُومُوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن يحيى بن عبد اللَّه النيسابوريّ": هو الذهلي الحافظ المشهور [١١] ١٩٦/ ٣١٤. و"سليمان بن داود": هو ابن علي بن عبد اللَّه بن العباس، أبو أيوب البغداديّ الهاشمي الثقة الجليل [١٠] ٦٨/ ١٣١٦. و"إبراهيم": هو: ابن سعد بن إبراهيم الزهريّ المدنيّ الثقة الحجة [٨] ١٩٦/ ٣١٤. و"محمد بن مسلم": هو ابن شهاب الإمام المشهور.

стр. 11207

والحديث أخرجه مسلم، وشرحه، وبيان مسائله تقدّمت. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢١٢٠ - (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ,, قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ, قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَقُولُ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ فَصُومُوا, وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا, فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ, فَاقْدُرُوا لَهُ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الرَّبِيعُ بنُ سُلَيْمَانَ": هو ابن داود الأعرج الجيزيّ، أبو محمد المصريّ، ثقة [١١] ١٢٢/ ١٧٣. و"ابْنُ وَهْبٍ": هو عبد اللَّه المصريّ الثقة المثبت [٩] و "يونس": هو ابن يزيد الأيلي الثقة المثبت [٧]. و"سالم بن عبد اللَّه": هو ابن عمر بن الخطاب المدنيّ الثقة الفقيه [٣]. وشرح الحديث يعلم مما سبق، وفيه مسألتان: (المسألة الأولى): في درجنه: حديث عبد اللَّه بن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٠/ ١٢٠ و ٢١٢١ و ١١/ ٢١٢٢ وفي "الكبرى" ١١/ ٢٤٣٠ و ٢٤٣١ و ١٢/ ٢٤٣٢. وأخرجه (خ) في "الصوم" ١٩٠٠ و ١٩٠٦ و ١٩٠٧ و ١٩٠٨ و ١٩١٣ (م) في "الصوم" ١٠٨٠ (د) في "الصوم" ٢٣١٩ و ٢٣٢٠ (ق) في "الصيام" ١٦٥٤ (أحمد) في "مسند المكثرين" ٤٤٧٤ و ٤٥٩٧ (الموطإ) في "الصيام" ٦٣٣ و ٤٣٤ (الدارمي) في "الصوم" ١٦٢٢. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢١٢١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ, وَاللَّفْظُ لَهُ, عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ, عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , ذَكَرَ رَمَضَانَ, فَقَالَ: «لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ, وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ, فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ, فَاقْدُرُوا لَهُ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن سلمة": هو الجمليّ المراديّ، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبت [١١] ١٩/ ٢٠. و"الحارث بن مسكين": هو القاضي الفقيه المصريّ ثقة [١٠] ٩/ ٩. و"ابن القاسم": هو عبد الرحمن العُتَقيّ المصريّ الفقيه الثقة، صاحب مالك من كبار [١٠] ١٩/ ٢٠. و"مالك": هو ابن أنس إمام دار الهجرة الثقة الثبت الحجة [٧].

стр. 11208

و"نافع": هو أبو عبد اللَّه المدنيّ، مولى ابن عمر الفقيه الحجة [٣]. والحديث متفق عليه، وشرحه يعلم مما سبق. وقوله ﷺ : "لا تصوموا حتى تروا الهلال" فيه مسألتان: (المسألة الأولى): أنه يفيد أنه لا يلزم الصوم، ولا يثبت كون اليوم من رمضان بغير رؤية؛ لا بتقديرٍ تحت السحاب في الغيم، ولا برجوع إلى حساب. واختُلف في جواز صومه عن رمضان، ومقتضى الحديث منع ذلك؛ لأنه صوم قبل الرؤية، وهو مذهب الشافعي وغيره، وقالوا: لا ينعقد صومه، ولا يجزيه إن ظهر أنه من رمضان، واقتصر الحنفية على الكراهة، وقالوا: إن ظهر أنه من رمضان أجزأه عنه، وإن ظهر أنه من شعبان كان تطوعًا. أفاده وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: القول الأول هو الأرجح عندي؛ ظاهر قوله ﷺ : "لا تصموه حتي تروه"، إذا النهي يقتضي الفساد والفاسد لا يكون مسقطًا لفرض رمضان، وكذلك لا ينعقد تطوعًا؛ إلا لمن كان عادته أن يصوم ذلك اليوم، فيجوز؛ لما سيأتي -٣٨/ ٢١٩٠ - من حديث أبي هريرة، مرفوعًا: "ألا لا تقدّموا الشهر بيوم، أو اثنين؛ إلا رجل كان يصوم صياما، فليصمه". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): مقتضى الحديث أيضًا منع صومه عن غير رمضان، واختُلف في ذلك أيضًا، فجوزت المالكية، والشافعية صومه عن قضاء، أو نذر، أو كفارة، أو تطوّعًا إذا وافق وِرْده، واختلفوا في جواز التطوع بصومه بلا سبب، فمنعه الشافعية، وقالوا بتحريمه، فإن صامه فالأصحّ عندهم بطلانه، والمشهور عند المالكية جوازه، وقال محمد بن مسلمة بكراهته. وكره الحنفيّة صومه عن واجب آخر، ولم يكرهوا التطوّع بصومه. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي الصواب عدم مشروعية صومه مطلقًا، قضاءٌ، أو غير ذلك، إلا من وافق وِرْده، فإنه يصحّ أن يصومه؛ لحديث أبي هريرة ﵁ المتقدم. واللَّه تعالى أعلم. قال وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: ثم إن ذلك كله مفروض في يوم الشكّ، لا في مطلق الثلاثين من شعبان. قال أصحابنا -يعني الشافعية-: ويوم الشكّ يوم الثلاثين من شعبان إذا تحُدِّث برؤيته، أو شهد بها من لا تثبت بقوله، فإن لم يَتَحدّث برؤيته أحد فليس يوم شكّ، ولو كانت السماء مغيمة. وقال المالكيّة: هو يوم الثلاثين من شعبان إذا كانت السماء مغيمة انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 11209

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١١ - (ذِكْرُ الاخْتِلَافُ عَلَى عُبَيدِ اللَّهِ ابْنِ عُمَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه الاختلاف المذكور أن يحيى القطّان رواه عنه، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، وخالفه محمد بن بِشْر، فرواه عنه عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، ومثل هذا الاختلاف لا يضرّ، كما تقدّم البحث عنه قريبًا، ولذا أخرجه مسلم من حديثهما، فأخرجه من حديث ابن عمر من طريق أبي أسامة، عن عبيد اللَّه برقم ٢٤٩٦ - ومن طريق عبد اللَّه بن نمير، عن عبيد اللَّه برقم ٢٤٩٧ ومن طريق يحيى القطان عن عبيد اللَّه برقم ٢٤٩٨. وأخرجه من حديث أبي هريرة، من طريق محمد بن بشر العبديّ، عن عبيد اللَّه برقم ٢٥١٣. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢١٢٢ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ, قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ, وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ, فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ, فَاقْدُرُوا لَهُ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عمرو بن عليّ": هو الفلاس، أبو حفص البصريّ الثقة المثبت [١٠] و"يحيى": هو ابن سعيد القطان المصريّ الإمام الحجة الثبت [٩]. و"عبيد اللَّه": هو ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العُمَريّ المدنيّ الفقيه الثقة المثبت [٥]. والباقيان سبقا قريبًا، وكذا شرح الحديث، ومسائله. وقوله: "لا تصوموا": أي بنيّة الفرض. وقوله: "ولا تفطروا" أي بلا عذر. وقوله: "حتى تروه". لا يمكن أن يكون معناه رؤية جميع الناس، بحيث يحتاج كلّ فرد فرد في وجوب الصوم عليه إلى رؤية الهلال، بل المعتبر رؤية بعضهم، وهو العدد الذي تثبت به الحقوق، وهو عدلان؛ لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٢]، وقولِهِ ﷺ للمدّعي: "شاهداك … " الحديث. إلا أن هلال رمضان يُكتفَى في ثبوته بعدل واحد عند أكثر أهل العلم، وهو الصواب، لحديث ابن

стр. 11210

عمر ﵁، وحديث الأعرابيّ، وقد تقدّم تحقيقه في ٨/ ٢١١٢ - "باب قبول شهادة الرجل الواحد على هلال شهر رمضان". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢١٢٣ - (أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَلِيٍّ, صَاحِبُ حِمْصَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ, عَنْ أَبِي الزِّنَادِ, عَنِ الأَعْرَجِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْهِلَالَ, فَقَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا, وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا, فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ, فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أبو بكر بن عليّ، صاحب حمص": هو أحمد بن علي بن سعيد المروزيّ القاضي، الحافظ الثقة [١٢] ١/ ٢٠٩٤ وهو من أفراد المصنّف. وقوله: "صاحب حمص". أي الذي كان قاضيا فيها. قال الحافظ المزّيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في "تهذيب الكمال": تولّى القضاء بدمشق نيابة عن أبي زُرْعة محمد بن عثمان بن إبراهيم بن زرعة الثقفيّ، وكان يلي القضاء قبل ذلك بحمص انتهى (١). و"أبو بكر بن أبي شيبة": هو عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة الكوفيّ الثقة، صاحب المصنّف [١٠] و"محمد بن بشر": هو العبديّ الكوفيّ، ثقة حافظ [٩]. و"أبو الزناد": هو عبد اللَّه بن ذكران المدنيّ، ثقة فقيه [٥]. و"الأعرج": هو عبد الرحمن بن هُرمز المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣]. والحديث أخرجه مسلم، وشرحه يعلم مما سبق. وقوله: "إذا رأيتوه فصوموا الخ": فيه مسألتان: (المسألة الأولى): أنه يدلّ على وجوب الصوم على المنفرد برؤية هلال رمضان، وعلى وجوب الإفطار عليه أيضًا برؤية هلال شوّال، وإن لم يثبت ذلك بقوله، وهو قول الأئمة الأربعة في هلال رمضان، واختلفوا في الإفطار برؤية شوّال وحده، فقال الثلاثة: لا يفطر، بل يستمرّ صائمًا؛ احتياطًا للصوم. وقال الشافعيّ: يلزمه الفطر، ولكن يخفيه؛ لئلا يُتهم، وهو مقتضى قوله: "ولا تفطروا حتى تروه". وذهب عطاء بن أبي رباح، وإسحاق بن راهويه إلى أنه لا يصوم برؤيته وحده. وعن أحمد أنه لا يصوم إلا في جماعة الناس. وروي نحوه عن الحسن، وابن سيرين. قاله وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى- (٢). وقال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- عند قوله: "صوموا لرؤيته الخ": ما: نصّه: يقتضي

стр. 11211

لزوم حكم الصوم والفطر لمن صحّت له الرؤية، سواء شُورك في رؤيته، أو انفرد بها، وهو مذهب الجمهور. وذهب عطاء، وإسحاق إلى أنه لا يلزمه حكم شيء من ذلك إذا انفرد بالرؤية، وهذا الحديث ردّ عليهما انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن الذي ذهب إليه الجمهور، من وجوب الصوم والإفطار على من رأى الهلال وحده هو الحقّ؛ لصريح قوله ﷺ : "إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): يتناول الحديث رؤيته ليلًا ونهارًا، لكنه إذا رئي نهارًا فهو لليلة المستقبلة، فإن كان ذلك يوم الثلاثين من شعبان لم يصوموا، وإن كان يوم الثلاثين من رمضان لم يفطروا، وسواء كان ذلك قبل الزوال، أو بعده، هذا هو المشهور في المذاهب الأربعة. وحكي عن عمر، وابن مسعود، وابن عمر، وأنس، والأوزاعيّ، والليث بن سعد، وإسحاق بن راهويه. وذهب سفيان الثوريّ، وأبو يوسف، وبعض المالكية إلى أنه إن رئي قبل الزوال فهو لليلة الماضية، وهو رواية عن أحمد، وبه قال ابن حزم الظاهريّ. قاله وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى- (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: القول الأول الذي عليه الجمهور هو الظاهر عندي؛ لوضوح حجته. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٢ - (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى عَمْرِو ابْنِ دِينَارِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسِ ﵄ فِيهِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "فيه" الضمير يعود إلى إكمال شعبان. ووجه الاختلاف المذكور أن حماد بن سلمة رواه عن عمرو، عن ابن عبّاس ﵄، وخالفه سفيان بن عُيينة، فرواه عن عمرو، عن محمد بن حُنين، عن ابن عباس ﵄، فأدخل واسطة بين عمرو بن دينار، وبين ابن عباس ﵄. والراجح رواية ابن عيينة،

стр. 11212

لكونه أحفظ من حماد بن سلمة، ولأن له متابعًا، فقد تابعه زكريا بن إسحاق، وابن جريج. فأما متابعة زكريا بن إسحاق، فقد أخرجها ابن عبد البرّ من طريق رَوح بن عبادة، قال: حَدَّثنا زكريا بن إسحاق، قال: حدثنا عمرو بن دينار أن محمد بن حنين أخبره أنه سمع ابن عباس ﵄ يقول: "إني لأعجب من هؤلاء الذين يصومون قبل رمضان، إنما قال رسول اللَّه ﷺ :"إذا رأيتم الهلال، فصوموا، وإذا رأيتموه، فأفطروا، فإن غمّ عليكم، فعدّوا ثلاثين". انتهى. وأما متابعة ابن جريج، فقد أخرجها أحمد في "مسنده" جـ ١ ص ٣٦٧ - عن عبد الرزاق، وابن بكر، قالا: أنا ابن جريج، أخبرني عمرو بن دينار، أنه سمع محمد ابن جُبير، يقول: كان ابن عباس ينكر أن يُتقدّم في صيام رمضان، إذا لم يُرَ هلال شهر رمضان، ويقول: قال النبيّ ﷺ : "إذا لم تروا الهلال، فاستكملوا ثلاثين ليلة" انتهى. والحاصل أن الراجح إثبات الواسطة بين عمرو بن دينار، وبين ابن عباس، لاتفاق ابن عيينة، وزكريا بن إسحاق، وابن جريج على إثباته. وأما اختلافهم في اسم والد محمد، هل هو"حنين"، أو"جُبير"، فسيأتي أن الراجح أنه "حنين"، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢١٢٤ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ, أَبُو الْجَوْزَاءِ, وَهُوَ ثِقَةٌ بَصْرِيٌّ, أَخُو أَبِي الْعَالِيَةِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ, عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ, وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ, فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ, فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أحمد بن عثمان، أبو الْجَوْزَاء": هو أحمد بن عثمان بن أبي عثمان عبد النور بن عبد اللَّه بن سِنَان النوفليّ، أبو عثمان البصريّ، الملقّب أبا الجوزاء -بالجيم والزاي- ثقة [١١]. قال أبو حاتم: ثقة رِضًا. وقال النسائيّ: ثقة (١). وقال البزار: بصريّ ثقة مأمون. وذكره ابن حبان في "الثقات". قال ابن أبي عاصم: مات سنة (٢٤٦) قال: وكان من نُسّاك أهل البصرة. روى عنه مسلم، والمصنّف، والترمذيّ، وله عند المصنف في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث: هذ ٢١٢٤ وفي "كتاب القسامة" ٤٧٦٠ حديث إن شئت فادفع إليه يدك حتى يقضمها .. " الحديث. وفي "كتاب الزينة" ٥٢٠٤ حديث أنس أخر رسول

стр. 11213

اللَّه ﷺ صلاة العشاء الآخرة .. " الحديث. وقوله: "أخو أبي العالية": هكذا ذكر هذه العبارة في "تهذيب الكمال" جـ١ ص ٤٠٦ - وكتب في هامشه ما نصّه: في حاشية الأصل تعليق للمؤلّف: أبو العالية هذا اسمه إسماعيل بن الهيثم بن عثمان العبديّ، وهو أخوه لأمه. انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لم أجد ترجمة إسماعيل هذا، فاللَّه تعالى أعلم. و"حَبّان بن هلال" -بفتح الحاء المهملة، وتشديد الباء الموحّدة-: هو أبو حَبيب البصريّ، ثقة ثبت [٩] ٤٤/ ٥٩٠. و"حماد بن سلمة": هو أبو سلمة البصريّ، ثقة تغير في الآخر [٨]. و"عمرو بن دينار": هو الجمحيّ الأثرم، أبو محمد المكيّ، ثقة [٤]. والحديث صحيح، أخرجه المصنّف هنا -١٢/ ٢١٢٤ و ٢١٢٥ و ١٣/ ٢١٢٩ و ٢١٣٠ - وفي "الكبرى" ١٣/ ٢٤٣٤ و ٢٤٣٥ و ١٤/ ٢٤٣٩ و ٢٤٤٠. وأخرجه (د) ١٩٨٢ و (ت) ٦٢٤ (أحمد) ١٨٣٠ و ١٨٨١ و ٢٢١٩ و ٢٦٥٣ و ٣٢٩٥ (الموطأ) ٥٥٩ (الدارميّ) ١٦٢١. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢١٢٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حُنَيْنٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: عَجِبْتُ مِمَّنْ يَتَقَدَّمُ الشَّهْرَ, وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ فَصُومُوا, وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا, فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ, فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ": هو المكيّ الثقة [١١]. و"سفيان ": هو ابن عيينة الإمام الحجة الثبت [٨]. و"محمد بن حُنين" -بالحاء المهملة، ونونين، مصغرًا- مكيّ مقبول [٤]. وفي "تهذيب التهذيب": محمد بن حنين، عن ابن عباس. وعنه عمرو بن دينار. كذا وقع في بعض النسخ من النسائيّ، وفي الأصول القديمة: محمد بن جبير، وهو ابن مطعم، وهو الصواب، وكذلك هو في "المسند" وغيره. قال الحافظ: وقد ذكر الدارقطنيّ أن محمد بن حُنين أيضًا روى عن ابن عباس، قال: وهو أخو عُبيد بن حُنين، وكذا هو مُجوّد في "السنن الكبرى" رواية ابن الأحمر عن النسائيّ. واللَّه أعلم. وقال الحاكم: لا أعرف روى عنه غير عمرو بن دينار انتهى. وقال الحافظ المزّيّ -رحمه اللَّه تعالى-: وكان في كتاب أبي القاسم "محمد بن حُنين" عن ابن عباس، وهو وَهَمٌ انتهى.

стр. 11214

وكتب الحافظ في "النكت الظراف" جـ٥ ص ٢٣٠ - ٢٣١: ما نصه: وقال في "التهذيب": اعتمد أبو القاسم على ما وقع في بعض النسخ المتأخّرة -وهو خطأ، والصواب "محمد بن جُبير" -وهو ابن مطعم- كذا هو في الأصول المعتمدة من النسائيّ، وكذا هو في "مسند أحمد" جـ١ ص ٢٢١ - واعترضه مغلطاي بأنه رآه في "مسند أحمد"ج ١ ص ٣٦٧ - "محمد بن جبير" غير منسوب، وفي نسخة قرئت على أبي الفرج "محمد بن حُنين" بنون مجوّدة، وفي بعض نسخ النسائيّ القديمة كذلك. وفي نسخة قرئت على المنذريّ من النسائيّ الصغرى "حنين" وكذا هو في موضعين من "التمهيد" في هذا الحديث. وكذا ذكره أبو العبّاس الطرقيّ، وكذا في البيهقيّ في النسخة التي قرئت على ابن الصلاح، وفي أخرى قديمة، قيل: إنها بخطّ البيهقيّ. وكذا في "مسند البزّار" في نسخة قرئت على السِّلَفيّ. وفي "التلخيص" للخطيب: "محمد بن حنين" و"محمد بن جبير" - أما الأول بالحاء المهملة، ونونين، فهو مولى العباس، سمع ابن عباس، روى عنه عمرو بن دينار، ثم ساق هذا الحديث، وقال بعده: هو أخو عبد اللَّه، وعبيد أولاد حُنين. وكذا قال الدارقطنيّ، وابن ماكولا في "الإكمال ج ٢ ص ٢٧"- "محمد بن حنين" بحاء مهملة ونونين، يروي عن ابن عباس، وعنه عمرو ابن دينار. انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يظهر لي مما ذُكر أن "محمد بن حُنين" هو الصواب، لا "محمد بن جُبير"، فلا وجه لتخطئة ما وقع في معظم نسخ "المجتبى"، و"الكبرى" التي بين أيدينا، من أنه "ابن حنين". واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: وقع في النسخة "الهندية" من "المجتبى" "محمد بن حُسين" -بالسين المهملة بعد الحاء المهملة- وهو تصحيف، بلا ريب. فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. وقوله: "ممن يتقدّم الشهر": أي يستقبله بالصوم، وهذا محمول على أن المراد استقباله بنية صوم الفرض، فلا إشكال فيما سيأتي -٣٨/ ٢١٩٠ - من حديث أبي هريرة ﵁، مرفوعاً: ألا لا تقدّموا الشهر بيوم، أو اثنين، إلا رجل كان يصوم صياما، فليصمه". والحديث صحيح، كما تقدم الكلام عليه في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". …

стр. 11215

١٣ - (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى مَنْصُورِ فِي حَدِيثِ رِبْعِيٍّ فِيهِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "فيه" الضمير يعود إلى إكمال شعبان أيضًا. ووجه الاختلاف على منصور في هذا الحديث أن جرير بن عبد الحميد رواه عن منصور، عن رِبعي بن حِراش، عن حذيفة ﵁، وخالفه سفيان الثوريّ، فرواه عنه، عن ربعيّ، عن بعض أصحاب النبيّ ﷺ ، وخالفهما الحجاج بن أرطأة، فرواه عن منصور، عن ربعي، مرسلاً. فأما اختلاف جرير، والثوريّ، فلا يؤثّر في صحّة الحديث، إذ المبهم في رواية الثوريّ يفسّر بأنه حذيفة، فتتفق الروايتان، وعلى تقدير ترجيح رواية الثوريّ على رواية جرير -كما سيأتي في كلام المصنّف- فكذلك لا يضرّ؛ لأنّ إبهام الصحابيّ لا يضرّ، إذ الصحابة كلّهم عدول -كما أشار إليه الحافظ في "الفتح"- (١). وأما مخالفة الحجّاج، فلا اعتبار بها؛ لكونه كثير الخطإ، والتدليس، فمخالفته لا تضرّ. والحاصل أن الحديث صحيح. واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: نقل الحافظ أبو الحجّاج المزيّ في "تحفة الأشراف" جـ٣ ص ٢٨ عن المصنّف أنه قال: لا أعلم أحدًا في أصحاب منصور قال في هذا الحديث: "عن حُذيفة" غير جرير، و"حجاجٌ" ضعيفٌ لا تقوم به حجّة انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لم أر هذا الكلام للمصنف، لا في "المجتبى"، ولا في "الكبرى" في هذا الموضع، ولعله لاختلاف النسخ، أو ذكره في كتاب آخر. واللَّه تعالى أعلم. ثم ظاهر كلام المصنّف المذكور يدلّ على أنه يرى ترجيح رواية الثوريّ بإبهام الصحابيّ، على رواية جرير، وقد ذكرت فيما سبق أن هذا لا يضرّ في صحّة الحديث. وأما رواية الحجّاج بن أرطأة بالإرسال، فلا اعتداد بها؛ لعدم صحتها؛ لضعف الحجّاج. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢١٢٦ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا جَرِيرٌ, عَنْ مَنْصُورٍ, عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ, عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «قَالَ: لَا تَقَدَّمُوا الشَّهْرَ, حَتَّى تَرَوُا

стр. 11216

الْهِلَالَ قَبْلَهُ, أَوْ تُكْمِلُوا الْعِدَّةَ, ثُمَّ صُومُوا, حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ, أَوْ تُكْمِلُوا الْعِدَّةَ قَبْلَهُ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "إسحاق": هو ابن راهويه الحنظليّ الثقة الحجة [١٠]. و"جرير": هو ابن عبد الحميد بن قرط الضبّيّ الكوفيّ، ثقة، صحيح الكتاب [٨]. و"منصور": هو ابن المعتمر الكوفيّ، ثقة ثبت [٦]. و"رِبعيّ بن حراش" -بكسر الراء، وسكون الموحّدة، وبحاء مهلمة مكسورة، وراء مهملة، بعدها شين معجمة-: هو أبو مريم العبسيّ الكوفيّ، ثقة عابد مخضرم [٢] ٨/ ٥٠٨. والحديث صحيح، أخرجه المصنّف هنا -١٣/ ٢١٢٦ و ٢١٢٧ و ٢١٢٨ - وفي " الكبرى" ١٤/ ٢٤٣٦ و ٢٤٣٧ و ٢٤٣٨. وأخرجه (د) ١٩٨١ (أحمد) ١٨٠٧١. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢١٣٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ,, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ مَنْصُورٍ, عَنْ رِبْعِيٍّ, عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَقَدَّمُوا الشَّهْرَ حَتَّى تُكْمِلُوا الْعِدَّةَ, أَوْ تَرَوُا الْهِلَالَ, ثُمَّ صُومُوا, وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ, أَوْ تُكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ». أَرْسَلَهُ الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و"محمد بن بشّار": هو أبو بكر بُندار البصريّ، ثقة حافظ [١٠]. و"عبد الرحمن": هو ابن مهديّ البصريّ الإمام الحجة [٩]. و"سفيان": هو ابن سعيد الثوريّ الكوفيّ، الإمام الحجة الثبت [٧]. والحديث صحيح، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإلية المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وقوله: "أرسله الحجّاج بن أرطأة": أي روى هذا الحديث عن منصور، عن ربعيّ، عن رسول اللَّه ﷺ بدون ذكر الصحابيّ، كما بيّن روايته بقوله: ٢١٢٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا حِبَّانُ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ, عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ, عَنْ مَنْصُورٍ, عَنْ رِبْعِيٍّ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ فَصُومُوا, وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا, فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ, فَأَتِمُّوا شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ, إِلاَّ أَنْ تَرَوُا الْهِلَالَ قَبْلَ ذَلِكَ, ثُمَّ صُومُوا رَمَضَانَ ثَلَاثِينَ, إِلاَّ أَنْ تَرَوُا الْهِلَالَ قَبْلَ ذَلِكَ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن حاتم": هو ابن نُعيم المروزيّ، ثقة [١٠] ٦٦/ ١٨٠٠ انفرد به المصنّف. و"حِبّان" -بكسر المهملة، وتشديد الموحّدة-: هو ابن موسى المروزي، ثقة [١٠] ١/ ٣٩٧. و "عبد اللَّه": هو ابن المبارك الإمام الحجة

стр. 11217

المشهور [٨]. و"حجّاج بن أرطأة": -بفتح الهمزة- هو: حجاجُ بنُ أَرْطَاةَ بن ثور بن هُبيرة بن شَراحيل النخعيّ، أبو أرطأة الكوفيّ القاضي، أحد الفقهاء، صدوق كثير الخطأ والتدليس [٧]. قال ابن عيينة: سمعت ابن أبي نَجيح يقول: ما جاءنا منكم مثله -يعني الحجاج بن أرطأة-. وقال الثوريّ: عليكم به، فإنه ما بقي أحد أعرف بما يخرج من رأسه منه. وقال العجليّ" كان فقيهًا، وكان أحد مفتي مكة، وكان فيه تِيهٌ، وكان يقول: أهلكني حبّ الشرف. وولي قضاء البصرة، وكان جائز الحديث، إلا أنه صاحب إرسال، وكان يرسل عن يحيى بن أبي كثير، ومكحول، ولم يسمع منهما، وإنما يَعِيب الناس منه التدليس. قال: وكان الحجّاج راويًا عن عطاء، سمع منه. وقال أبو طالب عن أحمد: كان من الحفّاظ، قيل: فلم ليس هو عند الناس بذاك؟ قال: لأن في حديثه زيادة على حديث الناس، ليس يكاد له حديث إلا فيه زيادة. وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: صدوق ليس بالقويّ، يدلس عن محمد بن عبيد اللَّه العَرْزَميّ، عن عمرو بن شعيب. وقال ابن المدينيّ، عن يحيى بن سعيد: الحجاجُ بن أرطأة، ومحمد بن إسحاق عندي سواء، وتركت الحجاج عمدًا، ولم أكتب عنه حديثًا قط. وقال أبو زرعة: صدوق يدلّس. وقال أبو حاتم: صدوق يدلّس عن الضعفاء، يكتب حديثه، وأما إذا قال: حدثنا فهو صالح لا يُرتاب في صدقه وحفظه، إذا بيّن السماع، ولا يُحتجّ بحديثه. لم يسمع من الزهريّ، ولا من هشام بن عروة، ولا من عكرمة. وقال هُشيم: قال لي الحجّاج بن أرطأة: صف لي الزهريّ، فإني لم أره. وقال ابن المبارك: كان الحجاج يدلّس، فكان يحدثنا بالحديث عن عمرو بن شُعيب مما يحدثه العَرْزَميّ، والعرزميّ متروك. وقال حمّاد بن زيد: قدِمَ علينا جرير بن حازم من المدينة، فكان يقول: حدثنا قيس بن سعد، عن الحجاج بن أرطأة، فلبثنا ما شاء اللَّه، ثم قدم علينا الحجاج ابن ثلاثين، أو إحدى وثلاثين، فرأيت عليه من الزحام ما لم أر على حماد بن أبي سليمان، رأيت عنده داود بن أبي هند، ويونس بن عُبيد، ومطرا الورّاق جُثَاةً على أرجلهم يقولون: يا أبا أرطأة ما تقول في كذا؟. وقال هشيم: سمعته يقول: استُفْتِيتُ، وأنا ابن ستّ عشرة سنة. وقال النسائيّ: ليس بالقويّ. وقال ابن عديّ: إنما عاب الناس عليه تدليسه عن الزهريّ وغيره، وربما أخطأ في بعض الروايات، فأما أن يتعمّد الكذب فلا، وهو ممن يكتب حديثه. وقال يعقوب بن شيبة: واهي الحديث، في حديثه اضطراب كثير، وقال: صدوق، وكان أحد الفقهاء. وقال ابن حبّان: سمعت محمد بن نصر، سمعت إسحاق بن إبراهيم الحنظليّ، عن عيسى بن يونس، قال: كان الحجاج بن

стр. 11218

أرطأة لا يحضر الجماعة، فقيل له في ذلك؛ فقال: أَحْضُرُ مسجدكم حتى يزاحمني فيه الحمّالون والبقّالون!. وقال الساجيّ: كان مدلسًا صدوقا سيء الحفظ، ليس بحجة في الفروع والأحكام. وقال ابن خزيمة: لا أحتجّ به إلا فيما قال: أخبرنا، وسمعت. وقال ابن سعد: كان شريفًا، وكان ضعيفًا في الحديث. وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقويّ عندهم. وقال البزّار: كان حافظًا مدلسًا، وكان مُعْجَبًا بنفسه، وكان شعبة يثني عليه، ولا أعلم أحدًا لم يرو عنه -يعني ممن لقيه- إلا عبد اللَّه بن إدريس. وقال مسعود السجزيّ، عن الحاكم: لا يُحتجّ به. وكذا قال الدارقطنيّ. وقال ابن عُيينة: كنا عند منصور بن المعتمر، فذكروا حديثًا، فقال: مَن حدّثكم؟ قالوا: الحجاجُ بن أرطأة، قال: والحجاج يكتب عنه؟ قالوا: نعم، قال: لو سكتم لكان خيرًا لكم. وقال ابن حبّان: تركه ابن المبارك، وابن مهديّ، ويحيى القطان، ويحيى بن معين، وأحمد بن حنبل. قال الحافظ: قرأت بخطِّ الذهبيّ: هذا القولُ فيه مُجازفة، وأكثر ما نُقِم عليه التدليس، وكان فيه تِيه، لا يليق بأهل العلم انتهى. وقال إسماعيل القاضي: مضطرب الحديث لكثرة تدليسه. وقال محمد بن نصر: الغالب على حديثه الإرسال والتدليس، وتغيير الألفاظ. قال الهيثم: مات بخراسان مع المهديّ. وقال خليفة: مات بالريّ. وأرّخه ابن حبّان في "الثقات" سنة (١٤٥). روى له البخاريّ متابعة تعليقًا في "كتاب العتق"، والباقون، وله عند المصنّف في هذا الكتاب ستة أحاديث: برقم ٢١٢٨ و ٣٧٠٢ و ٣٧١٠ و٤٨٠٤ و ٤٩٨٤ و ٤٩٨٥. والحديث مرسل ضعيف، كما سبق الكلام عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢١٢٩ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ أَبِي صَغِيرَةَ, عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ, عَنْ عِكْرِمَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ, وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ, فَإِنْ حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ سَحَابٌ, فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ, وَلَا تَسْتَقْبِلُوا الشَّهْرَ اسْتِقْبَالاً»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "إسحاق": هو ابن راهويه المذكور قريبًا. و"إسماعيل بن إبراهيم": هو المعروف بابن عليّة البصريّ الثقة الثبت [٨]. و"حاتم بن أبي صغيرة": هو أبو يونس البصريّ، ثقة [٦] ٦٦/ ١٨٠٠. و"أبو صَغِيرة" اسمه مسلم، وهو جده لأمه، وقيل: زوج أمه. و"سماك بن حرب": هو أبو المغيرة الكوفيّ،

стр. 11219

صدوق، وروايته عن عكرمة خاصّة مضطربة، وقد تغير بآخره، فكان ربما يُلقّن [٤] ٢/ ٣٢٥. و"عكرمة": هو مولى ابن عباس المدنيّ، ثقة ثبت عالم بالتفسير [٣] ٢/ ٣٢٥. وقوله: "لا تستقبلوا الشهر استقبالا": أي لا يتقدّمنّ أحد الشهر بيوم، أو يومين"، وفي لفظ: "لا تتقدموا الشهر بصيام يوم أو يومين"، كما سيأتي في ٣١/ ٢١٧٢ و ٣٢/ ٢١٧٤، وتمام شرح الحديث قد سبق، وفيه مسألتان: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا، هان كان في سنده سماك، عن عكرمة، وهو مضرب فيه، إلا أنه صحيح بما سبق من الأحاديث. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٣/ ٢١٢٩ و ٢١٣٠ و ٣٧/ ٢١٨٩ - وفي "الكبرى" ١٤/ ٢٤٣٩ و ٢٤٤٠ و ٣٧/ ٢٤٩٩. وأخرجه (د) في "الصوم" ٢٣٢٧ بنحوه (ت) في "الصوم" ٦٨٨. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢١٣٠ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ, عَنْ سِمَاكٍ, عَنْ عِكْرِمَةَ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَصُومُوا قَبْلَ رَمَضَانَ, صُومُوا لِلرُّؤْيَةِ, وَأَفْطِرُوا لِلرُّؤْيَةِ, فَإِنْ حَالَتْ دُونَهُ غَيَايَةٌ, فَأَكْمِلُوا ثَلَاثِينَ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "قتيبة": هو ابن سعيد. و"أبو الأحوص": هو سلاّم ابن سُليم الحنفيّ الكوفيّ الثقة الثبت [٧]. والباقون تقدّموا قبله. وقوله: "غياية" -بغين معجمة، وتحتيتين، بينهما ألف ساكنة: قال ابن الأثير: أي سحابة، أو قَتَرَة انتهى (١). وفي "القاموس": الغَيَايَة: ضَوْء شُعاع الشمس، وقَعْرُ البئر، وكلّ ما أظلّ الإنسان من فوق رأسه؛ كالسحابة، ونحوها انتهى (٢). والمعنى هنا: أنه إن حَجَبت دون رؤية الهلال سحابة، أو نحوها، فأكملوا عدّة شعبان ثلاثين يومًا، ثم صوموا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". …

стр. 11220

١٤ - (كَمِ الشَّهْرُ، وَذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى الزُّهْرِيِّ فِي الْخَبَرِ عَنْ عَائِشَةَ) (١) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه الاختلاف المذكور أن معمرًا رواه عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، وخالفه صالح بن كيسان، وشعيب بن أبي حمزة، فروياه عن الزهريّ، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن أبي ثور، عن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، لكن مثل هذا الاختلاف لا يضرّ، كما سبق؛ لكونه مرويا ثابتا بالطريقين، فقد صرّح الزهريّ بأنه أخبره كل من عروة، كما في مسلم برقم ١٠٨٣ وعبيد اللَّه، كما سيأتي في الرواية التالية، ولذا أخرجه الشيخان من حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، وأخرجه مسلم من حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، فتفطّن. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢١٣١ - (أَخْبَرَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ, عَنْ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: أَقْسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَى نِسَائِهِ شَهْرًا, فَلَبِثَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ, فَقُلْتُ: أَلَيْسَ قَدْ كُنْتَ آلَيْتَ شَهْرًا؟ فَعَدَدْتُ الأَيَّامَ, تِسْعًا وَعِشْرِينَ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (نصر بن عليّ الجَهْضَميّ) البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٢٠/ ٣٨٦. ٢ - (عبد الأعلى) بن عبد الأعلى الساميّ البصريّ، ثقة [٨] ٢٠/ ٣٨٦. ٣ - (معمر) بن راشد الصنعانيّ، ثقة ثبت [٧]. ٤ - (الزهريّ) محمد بن مسلم الإمام الحجة الثبت [٤]. ٥ - (عروة) بن الزبير المدنيّ الثقة الثبت الفقيه [٣]. ٦ - (عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها -. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف ﵀. ومنها: أن نصفه الأول مسلسل بالبصريين، ومعمر وإن كان صنعانيًا إلا أنه بصري الأصل، ونصفه الثاني مسلسل بالمدنيين. ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، وفيه أحد الفقهاء السبعة، عروة، وفيه عائشة من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 11221

شرح الحديث (عَنْ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها -، أنها (قَالَتْ: أَقْسَمَ رَسُولُ اللَّهِ- ﷺ ) أي حلف (أَنْ لَا يَدخُلَ عَلَى نِسَائِهِ شَهْرًا) لغضب عليهنّ بسبب إفشاء حفصة سرّا إلى عائشة ﵂، كما سيأتي بيانه في الحديث التالي (فَلَبِثَ) في محلّ اعتزاله عنهنّ (تِسْعًا وَعِشْرِينَ) أي ثم دخل عليهنّ. وفي رواية مسلم: "فلما مضت تسع وعشرون ليلة دخل عليّ رسول اللَّه ﷺ ، قالت: بدأ بي، فقلت: يا رسول اللَّه، إنك أقسمت ألا تدخل علينا شهرًا .... ". [تنبيه]: استُشكل قولها المذكور في رواية مسلم: "فلما مضت تسع وعشرون ليلة دخل عليّ … " لأنّ مقتضاه أنه دخل في اليوم التاسع والعشرين، فلم يكن ثَمَّ شهرٌ، لا على الكمال، ولا على النقصان. [وأجيب]: بأن المراد فلما مضت تسع وعشرون ليلة بأيامها، فإن العرب تؤرّخ بالليالي، وتكون الأيام متابعة لها، ويدلّ لذلك قوله في حديث أم سلمة ﵁ عند البخاريّ وغيره: "فلما مضى تسعة وعشرون يومًا". [فإن قلت]: في "صحيح مسلم" من حديث جابر ﵁ في هذه القصّة: "فخرج إلينا صباح تسع وعشرين"، وهو صريح في أنه كان دخوله في التاسع والعشرين. [قلت]: أجيب عنه بأن معناه صباح الليلة التي بعد تسعة وعشرين يوما، وهي صبيحة ثلاثين، وهذا هو المعنى جمعًا بين الروايات، فإن قوله: "فلما مضى تسعة وعشرون يومًا" يقطع النزاع في ذلك. هكذا تأوله النوويّ في "شرح مسلم" تبعًا للقاضي عياض، فإنه قال بعد ذكره اختلاف الروايات في ذلك: معناه كله: بعد تمام تسعة وعشرين يومًا، يدلّ عليه رواية: "فلما مضى تسع وعشرون يومًا". انتهى. أفاده في "الطرح" (١). قالت عائشة (فَقُلْتُ: أَلَيْسَ قَدْ كُنْتَ آلَيْتَ) أي حلفت (شَهْرًا؟) ظرف لعدم الدخول، أي حلفت أن لا تدخل علينا شهرًا، وليس ظرفا لـ "آليت"، ويدلّ على ذلك سائر الروايات (فَعَدَدْتُ الْأَيَّامَ، تِسْعًا وَعِشرِينَ) لفظ مسلم: "وإنك قد دخلت عن تسع وعشرين أعدهنّ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ") "ال" للعهد، أي هذا الشهر، وهذا يقتضي أن الشهر كان بالهلال، لا بالأيام، وكأنه خفي الهلال على الناس، وعلم النبيّ ﷺ به بقول جبريل، كما يدلّ عليه حديث الباب التالي، فلذا اعترضت

стр. 11222

عائشة بما اعترضت، فبيّن لها النبيّ ﷺ -حقيقة الأمر، لكن مقتضى العدّ أن الشهر كان على الأيام، إلا أن يقال: زعمت عائشة أن الشهر ثلاثون، وإن رؤي الهلال قبل ذلك، وهذا بعيد. قاله السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ١٤/ ٢١٣١ - وفي "الكبرى" ١٥/ ٢٤٤١. وأخرجه (م) في "الصيام" ١٨١٣ (ت) في "التفسير" ٣٢٤٠ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٤١٣٦. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان كمّية الشهر، أي عدده، وذلك أن الشهر كما يكون ثلاثين يكون تسعًا وعشرين؛ لأنّ حقيقة المشهور العربيّة مبنيّة على رؤية الهلال، وهو تارة يرى بعد ليلة الثلاثين، فيكون الشهر ثلاثين، وتارة يُرى في ليلة الثلاثين، فيكون تسعًا وعشرين. (ومنها): جواز معاقبة الأزواج بعدم الدخول عليهنّ شهرًا (ومنها): جواز هجران المسلم فوق ثلاثة أيام، إذا تعلقت بذلك مصلحة دينية، من صلاح حال المهجور، وغير ذلك، ومن ذلك ما إذا كان المهجور مبتدعًا، أو مجاهرًا بالظلم والفسوق، فلا يحرم مهاجرته، وأما قوله ﷺ : "ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام "-متفق عليه- فمحلّه ما إذا كان الهجران لحظوظ النفس، وتعنتات أهل الدنيا. قال النووي -رحمه اللَّه تعالى-: في "الروضة": قال أصحابنا وغيرهم: هذا في الهجران لغير عذر شرعيّ، فإن كان عذرٌ بأن كان المهجور مذموم الحال؛ لبدعة، أو فسق، أو نحوهما، أو كان فيه صلاح لدين الهاجر، أو المهجور، فلا يحرم، وعلى هذا يُحمل ما ثبت من هجر النبيّ ﷺ كعب بن مالك وصاحبيه، ونهيه ﷺ عن كلامهم، وكذا ما جاء من هجران السلف بعضهم بعضًا انتهى (١). (ومنها): أن هذا الحديث صريح أن حلفه ﷺ -كان على الامتناع من الدخول على

стр. 11223

أزواجه شهرًا، فتبين أن قوله في حديث أم سلمة، وأنس، وغيرهما ﵃: "آلى النبيّ ﷺ من نسائه" أريد به ذلك، ولم يُرَد به الحلف على الامتناع من الوطء، والروايات يفسّر بعضها بعضًا، فإن الإيلاء في اللغة مطلق الحلف، لكنه مستعمل في عرف الفقهاء في حلف مخصوص، وهو الحلف على الامتناع من وطء زوجته مطلقًا، أو مدّة تزيد على أربعة أشهر، فلا يستعمل الإيلاء عندهم فيما عدا ذلك، والإيلاء على الوجه المذكور حرام؛ لما فيه من إيذاء الزوجة، وليس هو المذكور في الحديث، ولو حلف على الامتناع من وطء الزوجة أربعة أشهر، فما دونها لم يكن حرامًا، وتعديته في حديث أم سلمة وغيرها بـ "من" يدلّ على ذلك؛ لأنه راعى المعنى، وهو الامتناع من الدخول، وهو يتعدّى بـ"من". قاله الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى- (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢١٣٢ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَمِّي, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي, عَنْ صَالِحٍ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ, حَدَّثَهُ ح وَأَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعَيْبٌ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: لَمْ أَزَلْ حَرِيصًا, أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ, عَنِ الْمَرْأَتَيْنِ, مِنْ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , اللَّتَيْنِ قَالَ: اللَّهُ لَهُمَا ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] وَسَاقَ الْحَدِيثَ, وَقَالَ فِيهِ: فَاعْتَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نِسَاءَهُ, مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ, حِينَ أَفْشَتْهُ حَفْصَةُ إِلَى عَائِشَةَ, تِسْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً, قَالَتْ عَائِشَةُ: وَكَانَ قَالَ: «مَا أَنَا بِدَاخِلٍ عَلَيْهِنَّ شَهْرًا» , مِنْ شِدَّةِ مَوْجِدَتِهِ عَلَيْهِنَّ, حِينَ حَدَّثَهُ اللَّهُ حَدِيثَهُنَّ, فَلَمَّا مَضَتْ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً, دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ, فَبَدَأَ بِهَا, فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: إِنَّكَ قَدْ كُنْتَ, آلَيْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ, أَنْ لَا تَدْخُلَ عَلَيْنَا شَهْرًا, وَإِنَّا أَصْبَحْنَا مِنْ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً, نَعُدُّهَا عَدَدًا, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً»). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (عُبيد اللَّه بن سعد بن إبراهيم) الزهريّ، أبو الفضل البغداديّ، قاضي أصبهان، ثقة [١١] ١٧/ ٤٨٠. ٢ - (عمه) يعقوب بن إبراهيم الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة فاضل، من صغار [٩] ١٩٦/ ٣١٤.

стр. 11224

٣ - (أبوه) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة حجة، تُكُلّم فيه بلا قادح [٨] ١٩٦/ ٣١٤. ٤ - (صالح) بن كيسان الغفاريّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو الحارث المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٤] ١٩٦/ ٣١٤. ١٥ - (عمرو بن منصور) أبو سعيد النسائيّ، ثقة ثبت [١١] ١٠٨/ ١٤٧. من أفراد المصنّف. ٦ - (الحكم بن نافع) الْبَهْرَانيّ -بفتح الموحّدة، وسكون الهاء- مولاهم، أبو اليمان الحمصيّ، ثقة ثبت [١٠]. قال الأثرم: سئل أبو عبد اللَّه عن أبي اليمان؟ فقال: أما حديثه عن صفوان، وحَرِيز فصحيح. قال: وهو يقول: أخبرنا شُعيب، واستحلّ ذلك بشيء عجيب، قال أبو عبد اللَّه: كان أَمْرُ شعيب في الحديث عَسِرًا جدًا، وكان عليّ بن عيّاش سمع منه، وذكر قصّة لأهل حمص أُراها أنهم سألوه أن يأذن لهم أن يرووا عنه، فقال لهم: لا، ثم كلموه، وحضر ذلك أبو اليمان، فقال لهم: ارووا عنّي تلك الأحاديث، فقلت لأبي عبد اللَّه مناولة؟ قال: لو كان مناولة، كان لم يعطهم كُتُبًا، ولا شيئًا، إنما سمع هذا فقط، فكان ابن شعيب يقول: إن أبا اليمان جاءني فأخذ كُتُب شعيب منّي بعدُ، وهو يقول: أخبرنا. وقال القاسم بن أبي صالح الهمَذَانيّ، عن إبراهيم بن الحسين بن ديزيل: سمعت أبا اليمان الحكم بن نافع يقول: قال لي أحمد بن حنبل: كيف سمعت الكتب من شُعيب؟ قلت: قرأت عليه بعضه، وبعضه قرأ عليّ، وبعضه أجاز لي، وبعضه مناولة، فقال: قل في كلّه: أخبرنا شُعيب. وقال المفضل بن غسّان، عن يحيى بن معين: سألت أبا اليمان عن حديث شعيب بن أبي حمزة؟ فقال: ليس هو مناولة، المناولة لم أخرجها لأحد. وقال أبو زرعة الدمشقيّ، عن أبي اليمان: كان شعيب عَسِرًا في الحديث، فدخلنا عليه حين حضرته الوفاة، فقال: هذه كتبي، وقد صححتها، فمن أراد أن يأخذها مني فليأخذها، ومن أراد أن يَعرِض فليعرض، ومن أراد أن يسمعها من ابني، فإنه قد سمعها مني. وقال سعيد بن عمرو البَرْدَعيّ، عن أبي زرعة الرازيّ: لم يسمع أبو اليمان من شعيب إلا حديثا واحدًا، والباقي إجازة. وقال البردعيّ: قلت لمحمد بن يحيى في حديث أنس، عن أم حبيبة -يعني حديث: "أرأيتَ ما تَلقى أمتي من بعد … " الحديث-: حدثكم به أبو اليمان؟ فقال: نعم حدثنا به من أصله، عن شعيب، عن ابن أبي حسين، فقلت: حدثنا به غير واحد عن أبي اليمان، فقالوا: "عن الزهريّ"، قال: لقنوه "عن الزهري"، قلت: قد رواه يحيى بن معين، فقال: يحيى بن

стр. 11225

معين لقيه بعدي. وقال أبو زرعة الدمشقيّ، عن أحمد بعد أن رواه عن أبي اليمان، عن شعيب، عن ابن أبي حسين: ليس لهذا أصل عن الزهريّ، وكان كتاب شعيب عن ابن أبي حسين ملصقًا بكتاب الزهريّ، كانه يذهب إلى أنه اختلط بكتاب الزهريّ، فكان يعذِرُ أبا اليمان، ولا يحمل عليه فيه. قال أبو زرعة: وقد سألت عنه أحمد بن صالح، فقال لي مثل قول أحمد بن حنبل. وقال إبراهيم بن هانئ النيسابوريّ: قال لنا أبو اليمان: الحديث حديث الزهريّ، والذي حدثتكم عن ابن أبي حُسين غَلِطتُ فيه بورقة قَلَبتُها. وكذا قال يحيي بن معين عنه. وقال أبو حاتم: نبيل ثقة صدوق. وقال ابن عمار: ثقة. وقال العجليّ: لا بأس به. وقال أبو بكر محمد بن عيسى الطَّرَسوسي: سمعت أبا اليمان يقول: صرتُ إلى مالك، فرأيت ثَمَّ من الحجاب والفرش شيئًا عجيبًا، فقلت: ليس هذا من أخلاق العلماء، فمضيتُ وتركته، ثم ندمت بعدُ. وقال الآجريّ، عن أبي داود: لم يسمع أبو اليمان من شعيب إلا كلمة. وقال الأزديّ: سمعه من شعيب مشاركة. وقال الخليليّ: نسخة شعيب رواها الأئمة عن الحكم، وتابع أبا اليمان عليّ بن عياش الحمصيّ، وهو ثقة. قال محمد بن مصفّى وغيره: مات سنة (٢١١) زاد أبو زرعة: وهو ابن (٨٣). وقال البخاريّ وغيره: مات سنة (٢٢٢) زاد محمد بن سعد: في ذي الحجة بحمص. روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب ثمانية أحاديث: برقم ٢١٣٢ و ٢٦٠٧ و ٢٦٠٨ و ٣٢٢٣ و ٣٢٨٤ و ٣٧٤٦ و ٣٩٤٤ و ٣٩٥٤. وله في ابن ماجه حديث واحد في خِطْبَة عليّ بنت أبى جهل. ٧ - (شعيب) بن أبي حمزة دينار، أبو بشر الحمصيّ، ثقة ثبت عابد [٧] ٦٩/ ٨٥. ٨ - (الزهري) محمد بن مسلم الإمام الحجة الثبت المشهور [٤] ١/ ١. ٩ - (عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن أبي ثور) القرشيّ مولى بني نوفل المدنيّ، ثقة [٣]. رَوَى عن ابن عباس، وصفيّة بنت شيبة. وعنه الزهريّ، ومحمد بن جعفر بن الزبير. ذكره مسلم في الطبقة الثالثة من أهل المدينة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال البخاريّ: قال مصعب: كان أبو ثور من بني الغوث نن مُرّة بن أُد، وعداده في بني نوفل. وذكر الخطيب في "الْمُكْمَل" أنه لم يرو عن غير ابن عباس، ولم يرو عنه غير الزهريّ. روى له الجماعة وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. [تنبيه]: اشترك مع عبيد اللَّه بن عبد اللَّه هذا في اسمه، واسم أبيه، وفي الرواية عن ابن عباس، ورواية الزهريّ عنهما عبيدُ اللَّه بن عبد اللَّه بن عُتبة بن مسعود الهذليّ المدنيّ، لكن رواية هذا عن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - كثيرة في "الصحيحين"،

стр. 11226

وليس لابن أبي ثور عن ابن عباس غير هذا الحديث. أفاده في "الفتح" (١). ١٠ - (ابن عباس) عبد اللَّه الحبر البحر - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف، وفيه ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض: صالح، والزهريّ، وعبيد اللَّه، وفيه كتابة (ح) إشارة إلى التحويل إلى سند آخر، وفيه أن الثاني أعلى من الأول، فإنه سداسيّ، وفيه عبيد اللَّه بن بن عبد اللَّه بن أبي ثور، وإن كان ثقة، إلا أنه قليل الرواية، فليس له في الكتب الستة إلا هذا الحديث، وفيه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: لم أَزَلْ حَرِيصًا، أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ) ﵁، وفي رواية عبيد بن حُنين، عن ابن عباس ﵄، عند البخاريّ: "مكثت سنة أريد أن أسأل عمر … " (عَنِ المَرْأَتَيْنِ) وفي رواية عُبيد: "عن أيّة" (مِنْ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، اللَّتَيْنِ قَالَ: اللَّهُ لَهُمَا: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ وَسَاق الْحَدِيثَ) يحتمل أن يكون فاعل "ساق" ضمير الزهريّ، ويحتمل أن يكون غيره. يعني ساق الحديث بطوله، فإنه حديث طويل، وقد ساقه البخاريّ في "صحيحه" بطوله فقال: ٤٧٩٢ حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن أبي ثور، عن عبد اللَّه بن عباس ﵁، قال: لم أزل حريصا على أن أسأل عمر بن الخطاب، عن المرأتين، من أزواج النبي ﷺ ، اللتين قال اللَّه تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ حتى حَجّ وحججت معه، وعدل، وعدلت معه بإداوة، فتبرز، ثم جاء، فسكبت على يديه منها، فتوضأ، فقلت له: يا أمير المؤمنين، مَنِ المرأتان، من أزواج النبي ﷺ ، اللتان قال اللَّه تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ قال: واعجبا لك يا ابن عباس، هما عائشة وحفصة، ثم استقبل عمر الحديث يسوقه، قال: كنت أنا، وجار لي من الأنصار، في بني أمية بن زيد، وهم من عوالي المدينة، وكنا نتناوب النزول، على النبي ﷺ ، فينزل يوما، وأنزل يوما، فإذا نزلت،

стр. 11227

جئته بما حدث من خبر ذلك اليوم، من الوحي، أو غيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك، وكنا معشرَ قريش، نغلب النساء، فلما قَدِمنا على الأنصار، إذا قوم تغلبهم نساؤهم، فَطَفِقَ نساؤنا، يأخذن من أدب نساء الأنصار، فصَخَبتُ على امرأتي، فراجعتني، فأنكرت أن تراجعني، قالت: ولِمَ تنكرُ أن أراجعك؟ فواللَّه إن أزواج النبي ﷺ ليراجعنه، وإن إحداهن لتهجُرُهُ اليومَ حتى الليل، فأفزعني ذلك، وقلت لها: قد خاب مَن فَعَلَ ذلك منهن، ثم جمعت عليّ ثيابي، فنزلت، فدخلت على حفصة، فقلت لها: أَيْ حفصةُ أتغاضب إحداكنّ النبي ﷺ ، اليومَ حتى الليل؟ قالت: نعم، فقلت: قد خِبْتِ وخَسِرتِ أفتَأْمَنِين أن يغضب اللَّه لغضب رسوله ﷺ ، فتهلكي، لا تستكثري النبي ﷺ ، ولا تراجعيه في شيء، ولا تهجريه، وسليني ما بدا لك، ولا يَغُرَّنّك أن كانت جارتكِ، أَوْضَأَ منكِ، وأحبَّ إلى النبي ﷺ -يريد عائشة- قال عمر: وكنا قد تحدثنا، أن غَسَّان تُنعِل الخيلَ لغزونا، فنزل صاحبي الأنصاري، يوم نوبته، فرجع إلينا عِشَاءً، فضرب بأبي ضربا شديدا، وقال: أَثَمَّ هو، ففزعت، فخرجت إليه، فقال: قد حَدَث اليومَ أمر عظيم، قلت: ما هو؟ أجاء غسان؟ قال: لا، بل أعظم من ذلك، وأهول، طَلَّقَ النبي ﷺ نساءه، وقال عُبيد بن حُنين: سمع ابن عباس، عن عمر، فقال: اعتزل النبي ﷺ أزواجه، فقلت: خابت حفصة، وخسرت، قد كنت أظن هذا، يوشك أن يكون، فجمعت علي ثيابي، فصليت صلاة الفجر مع النبي ﷺ ، فدخل النبي ﷺ ، مَشرُبَةً له، فاعتزل فيها، ودخلت على حفصة، فإذا هي تبكي، فقلت: ما يبكيك؟ ألم أكن حذرتك هذا؟ أطلقكن النبي ﷺ ؟؛ قالت: لا أدري، ها هو ذا، معتزل في المشربة، فخرجت، فجئت إلى المنبر، فإذا حوله رهط، يبكي بعضهم، فجلست معهم قليلا، ثم غلبني ما أجد، فجئت المشربة التي فيها النبي ﷺ ، فقلت لغلام له أسود: استأذِنْ لعمر، فدخل الغلام، فكلم النبي ﷺ ، ثم رجع، فقال: كلمت النبي ﷺ ، وذكرتك له، فصمت، فانصرفت، حتى جلست، مع الرهط الذين عند المنبر، ثم غلبني ما أجد، فجئت، فقلت للغلام: استأذن لعمر، فدخل، ثم رجع، فقال: قد ذكرتك له، فصمت، فرجعت، فجلست مع الرهط الذين عند المنبر ثم غلبني ما أجد، فجئت الغلام، فقلت: استأذن لعمر، فدخل، ثم رجع إلي، فقال: قد ذكرتك له، فصمت، فلما وليت منصرفا، قال: إذا الغلام يدعوني، فقال: قد أذن لك النبي ﷺ ، فدخلت على رسول اللَّه ﷺ فإذا هو مضطجع، على رمال حصير، ليس بينه وبينه فراش، قد أثّر الرمال بجنبه، متكئا على وسادة من أدم، حشوها ليف، فسلمت عليه، ثم قلت، وأنا قائم: يا رسول اللَّه، أطلقت نساءك، فرفع إليّ بصره، فقال: "لا"، فقلت: اللَّه أكبر، ثم قلت،

стр. 11228

وأنا قائم: أستأنس يا رسول اللَّه، لو رأيتني، وكنا معشر قريش، نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة، إذا قوم تغلبهم نساؤهم، فتبسم النبي ﷺ ، ثم قلت: يا رسول اللَّه، لو رأيتني، ودخلت على حفصة، فقلت لها: لا يَغُرَّنَّك أن كانت جارتك أوضأ منك، وأحبّ إلى النبي ﷺ ، يريد عائشة، فتبسم النبي ﷺ ، تبسمة أخرى، فجلست حين رأيته تبسم، فرفعت بصري في بيته، فواللَه ما رأيت في بيته، شيئًا يرد البصر، غير أَهَبَةٍ ثلاثة، فقلت: يا رسول اللَّه، ادع اللَّه، فليوسع على أمتك، فإن فارس والروم، قد وُسًع عليهم، وأعطوا الدنيا، وهم لا يعبدون اللَّه، فجلس النبي ﷺ ، وكان متكئا، فقال: "أوفي هذا أنت، يا ابن الخطاب، إن أولئك قوم عجلوا طيباتهم في الحياة الدنيا"، فقلت: يا رسول اللَّه استغفر لي فاعتزل النبي ﷺ -نساءه، من أجل ذلك الحديث، حين أفشته حفصة إلى عائشة، تسعًا وعشرين ليلة، وكان قال: "ما أنا بداخل عليهن شهرا"، من شدة مَوْجِدَته عليهن، حين عاتبه اللَّه، فلما مضت تسع وعشرون ليلة، دخل على عائشة، فبدأ بها، فقالت له عائشة: يا رسول اللَّه، إنك كنت قد أقسمت، أن لا تدخل علينا شهرا، وإنما أصبحت من تسع وعشرين ليلة أَعُدُّها عَدًّا، فقال: "الشهر تسع وعشرون ليلة"، فكان ذلك الشهر تسعا وعشرين ليلة، قالت عائشة: ثم أنزل اللَّه تعالى آية التخير، فبدأ بي أول امرأة من نسائه، فاخترته، ثم خير نساءه كلهن، فقلن: مثل ما قالت عائشة. انتهى. (وَقَالَ فِيهِ: فَاعْتَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نِسَاءَهُ، من أَجْلِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ، حِينَ أَفْشَتْهُ حَفْصَةُ إِلَى عَائِشَةَ) قال في "الفتح": كذا في هذه الطريق لم يفسّر الحديث المذكور الذي أفشته حفصة، وفيه أيضًا: "وكان قال: "ما أنا بداخل عليهنّ شهرًا، من شدّة مَوْجِدَته عليهنّ حين عاتبه اللَّه". وهذا أيضًا مبهم، ولم أره مفسّرًا. وكان اعتزاله "في الْمَشْرُبة" كما في حديث ابن عباس عن عمر ﵃، فأفاد محمد بن الحسن المخزوميّ في كتابه "أخبار المدينة" بسند له مرسل: "أنه ﷺ -كان يبيت في المشربة، ويقيل عند أراكة على خلوة بئر كانت هناك". وليس في شيء من الطرق عن الزهريّ بإسناد الباب إلا ما رواه ابن إسحاق كما أشرت إليه في تفسير "سورة التحريم". والمراد بالمعاتبة قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ الآيات [التحريم: ١]، وسيأتي بيان اختلاف العلماء في الذي حرمه النبيّ ﷺ على نفسه، وعوتب على تحريمه، وفي سبب حلفه في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى. (تِسْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَكَانَ قَالَ: "مَا أَنَا بِدَاخِلٍ عَلَيْهِن شَهْرًا") وفي رواية حماد بن سلمة عند مسلم في طريق عُبيد بن حنين: "وكان آلى منهنّ شهرًا"، أي

стр. 11229

حلف، أو أقسم، وليس المراد به الإيلاء الذي في عرف الفقهاء اتفاقًا (مِنْ شِدَّةِ مَوجِدَتِهِ) -بفتح الميم، وسكون الواو، وكسر الجيم: أي غضبه عَلَيْهِنَّ (حِينَ حَدَّثهُ اللَّهُ حَدِيثَهُنَّ) أي أنزل عليه الوحي بأن حفصة أفشت سره لعائشة ﵃ (فَلَمَّا مَضَتْ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةٌ، دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ) فيه أن من غاب عن أزواجه، ثم حضر يبدأ بمن شاء منهنّ، ولا يلزمه أن يبدأ من حيث بلغ، ولا أن يُقرع، كذا قيل. ويحتمل أن تكون البداءة بعائشة لكونه اتفق أنه كان يومها. قاله في "الفتح" (فَبَدَأَ بَها، فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ) وفي رواية سماك بن الوليد أن عمر ذكّره بذلك، قال الحافظ: ولا منافاة بينهما؛ لأنّ في سياق حديث عمر أنه ذكّره بذلك عند نزوله من الغرفة، وعائشة ذكّرته بذلك حين دخل عليها، فكأنهما تواردا على ذلك. وقد أخرج مسلم من حديث جابر في هذه القصة قال: "فقلنا"، فظاهر هذا السياق يوهم أنه من تتمة حديث عمر، فيكون عمر حضر ذلك من عائشة، قال الحافظ: وهو محتمل عندي، لكن يقويّ أن يكون هذا من تعاليق الزهريّ في هذه الطريق، فإن هذا القدر عنده عن عروة، عن عائشة، أخرجه مسلم من رواية معمر عنه: أن النبي ﷺ أقسم أن لا يدخل على نسائه شهرًا، قال الزهري: فأخبرني عروة، عن عائشة، قالت … فذكره". (إِنَّكَ قَدْ كُنْتَ، آلَيْتَ) أي حلفت. ولفظ البخاريّ: إنك كنت قد أقسمت … " (يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْ لَا تَدخُلَ عَلَينَا شَهْرا، وإِنَّا أَصْبَحْنَا مِنْ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةٌ) وفي رواية: "لتسع" باللام، وفي أخرى: "بتسع"، وهي متقاربة (نَعُدُهَا عَددّا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الشَّهْرُ تِسْعْ وَعِشْرُونَ لَيْلَةٌ") أي بعض المشهور يكون تسعًا وعشرين ليلة، أو المراد الشهر الذي أقسم عليه، فـ "ال" للعهد، يوضّح ذلك ما زاد في "صحيح البخاريّ" بلفظ: "فكان ذلك الشهر تسعًا وعشرين ليلة". قال في "الفتح": في هذا إشارة إلى تأويل الكلام الذي قبله، وأنه لا يراد به الحصر، أو أن اللام في قوله: "الشهر" للعهد من الشهر المحلوف عليه، ولا يلزم من ذلك أن تكون المشهور كلها كذلك، وقد أنكرت عائشة على ابن عمر روايته المطلقة أن الشهر تسع وعشرون، فأخرج أحمد من طريق يحيى بن عبد الرحمن، عن ابن عمر، رفعه: "الشهر تسع وعشرون"، قال: فذكروا ذلك لعائشة، فقالت: يرحم اللَّه أبا عبد الرحمن، إنما قال: "الشهر قد يكون تسعًا وعشرين". وقد أخرجه مسلم من وجه آخر عن عمر بهذا اللفظ الأخير الذي جزمت به عائشة. انتهى (١).

стр. 11230

وقال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: [إن قلت]: ظاهره حصر الشهر في تسع وعشرين، مع أنه لا ينحصر فيه، فقد يكون ثلاثين. [قلت]: عنه أجوبة: (أحدها): أن المعنى كما تقدّم أن الشهر يكون تسعة وعشرين يومًا، وحينئذ فلا إشكال في ذلك. (ثانيها): أن الألف واللام للعهد، والمراد أن هذا الشهر الذي أقسم على الامتناع من الدخول فيه تسعة وعشرون يومًا. (ثالثها): أنه بنى ذلك على الغالب الأكثر؛ لأنّ مجيء الشهر تسعًا وعشرين في زمنه ﷺ -كان أكثر من ثلاثين. وفي سنن أبي داود، والترمذيّ، عن ابن مسعود ﵁، قال: "ما صمت مع النبي ﷺ تسعًا وعشرين أكثر مما صمنا ثلاثين". وكذا في سنن ابن ماجه، عن أبي هريرة ﵁ (رابعها): قال القاضي أبو بكر بن العربيّ معناه حصره من أحد طرفيه، وهو النقصان، أي أنه يكون تسعًا وعشرين، وهو أقلّه، وقد يكون ثلاثين، وهو أكثره، فلا تأخذوا أنتم بصوم الأكثر احتياطًا، ولا تقتصروا على الأقلّ تخفيفًا، ولكن اربطوا عبادتكم برؤيته، واجعلوا عبادتكم مرتبطة ابتداء وانتهاء باستهلاله انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عمر ﵁ هذا متفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ١٤/ ٢١٣٢ - وفي "الكبرى" ١٥/ ٢٤٤٢. وأخرجه (خ) في "المظالم والغصب" ٢٢٨٨ وفي "التفسير" ٤٥٣٢ و ٤٥٣٣ و ٤٥٣٤ و ٤٧٩٢ و "النكاح" ٤٧٩٢ و"اللباس" ٥٣٩٥. (م) "الطلاق" ٢٧٠٤ و ٢٧٠٥ و ٢٧٠٦. (د) "الجنائز" ٢٧٠٧. (ت) "التفسير" ٣٢٤٠. (أحمد) "مسند العشرة" ٢١٧. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو أن الشهر قد يكون تسعا وعشرين ليلة. (ومنها): حسن تلطّف ابن عباس ﵄، وشدّة حرصه على الاطلاع على فنون التفسير (ومنها): طلب علوّ الإسناد؛ لأنّ ابن عباس أقام مدّة طويلة يتنظر خلوة عمر ليأخذ عنه، وكان يمكنه أخذ ذلك بواسطة عنه ممن لا يهاب أن يسأله كما كان يهاب عمر (ومنها): سياق القصّة على وجهها، وإن لم يسأل السائل عن ذلك، إذا

стр. 11231

كان في ذلك مصلحة من زيادة شرح وبيان، وخصوصًا إذا كان العالم يعلم أن الطالب يؤثر ذلك (ومنها): مهابة الطالب للعالم، وتواضع العالم له، وصبره على مُسَاءَلَته، وإن كان عليه في شيء من ذلك غَضَاضة (ومنها): جواز تأديب الزوجات بالاعتزال عنهنّ، وترك الدخول عليهنّ (ومنها): جواز المعاقبة على إفشاء السرّ بما يليق بمن أفشاه (ومنها): فضل عائشة ﵂، حيث بدأ بها النبيّ ﷺ عند نزوله من محل اعتزاله (ومنها): تذكير الحالف بيمينه إذا وقع منه ما ظاهره نسيانها، لا سيما ممن له تعلّق بذلك؛ لأنّ عائشة خشيت أن يكون ﷺ -نسي مقدار ما حلف عليه، وهو شهر، والشهر ثلاثون يومًا، أو تسعة وعشرون يومًا، فلما نزل في تسعة وعشرين ظنّت أنه ذَهِل عن القدر، أو أن الشهر لم يهُلّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في الذي حرّمه النبيّ ﷺ على نفسه، وفي سبب حلفه: (اعلم): أنه وقع اختلاف في الذي حرّمه النبيّ ﷺ على نفسه، وعوتب على تحريمه، كما اختُلِفَ في سبب حلفه على أن لا يدخل على نسائه على أقوال: فالذي في "الصحيحين" أنه العسل (١). وقيل: في تحريم جاريته مارية. ووقع في رواية يزيد بن رومان، عن عائشة، عند ابن مردويه ما يجمع القولين، وفيه: "أن حفصة أُهدِيت لها عُكّةٌ فيها عسل، وكان رسول اللَّه ﷺ إذا دخل عليها حبسته حتى تُلعِقه، أو تَسقيه منها، فقالت عائشة لجارية عندها حبشيّة، يقال لها خضراء: إذا دخل على حفصة، فانظري ما يصنع، فأخبرتها الجارية بشأن العسل، فأرسلت إلى صواحبها، فقالت: إذا دخل عليكنّ، فقلن: إنا نجد منك ريح مَغافر، فقال: هو عسل، واللَّه لا أطعمه أبدًا، فلما كان يوم حفصة استأذنته أن تأتي أباها، فأذن لها، فذهبت، فأرسل إلى جاريته مارية، فأدخلها بيت حفصة، قالت حفصة: فرجعت، فوجدت الباب مغلقًا، فخرج، ووجهه يقطر، وحفصة تبكي، فعاتبته، فقال: أُشهِدك أنها عليّ حرام، أنظري، لا تخبري بهذا امرأة، وهي عندكِ أمانة، فلما خرج قرعت حفصة الجدار الذي بينها وبين

стр. 11232

عائشة، فقالت: ألا أبشّرك؟ إن رسول اللَّه ﷺ قد حرّم أمته، فنزلت". وعند ابن سعد، من طريق شعبة مولى ابن عباس، عنه: "خرجت حفصة من بيتها يوم عائشة، فدخل رسول اللَّه ﷺ بجاريته القبطية بيت حفصة، فجاءت، فرقبته، حتى خرجت الجارية، فقالت له: أما إني قد رأيت ما صنعتَ، قال: "فاكتمي عليّ، وهي حرام"، فانطلقت حفصة إلى عائشة، فأخبرتها، فقالت لها عائشة: أما يومي، فتعرَسُ فيه بالقبطيّة، ويسلم لنسائك سائر أيامهنّ، فنزلت الآية. وجاء في ذلك ذكر وجه ثالث، أخرجه ابن مردويه، من طريق الضحّاك، عن ابن عباس، قال: دخلت حفصة على النبيّ ﷺ بيتها، فوجدت معه مارية، فقال: "لا تخبري عائشة حتى أبشرك ببشارة إن أباك يلي هذا الأمر بعد أبي بكر، إذا أنا متّ، فذهبت إلى عائشة، فاخبرتها، فقالت له عائشة ذلك، والتمست منه أن يحرّم مارية، فحرّمها، ثم جاء إلى حفصة، فقال: أمرتك ألا تخبري عائشة، فأخبرتها، فعاتبها على ذلك، ولم يعاتبها على أمر الخلافة، فلهذا قال اللَّه تعالى: ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾. وأخرج الطبرانيّ في "الأوسط"، وفي "عشرة النساء" عن أبي هريرة نحوه بتمامه، وفي كلّ منهما ضعف. وجاء في سبب غضبه منهنّ، وحلفه أن لا يدخل عليهنّ شهرًا قصة أخرى، فأخرج ابن سعد من طريق عمرة، عن عائشة، قالت: أُهدِيت لرسول اللَّه ﷺ هديّة، فأرسل إلى كلّ امرأة من نسائه نصيبها، فلم ترض زينب بنت جحش بنصيبها، فزادها مرّة أخرى، فلم ترض، فقالت عائشة: لقد أقمأت وجهك (١)، تردّ عليك الهديّة، فقال: "لأنتنّ أهون على اللَّه من أن تُقمئنني، لا أدخل عليكنّ شهرًا … " الحديث. ومن طريق الزهريّ، عن عروة، عن عائشة نحوه، وفيه: "ذَبَحَ ذِبْحًا (٢)، فقسمه بين أزواجه، فأرسل إلى زينب بنصيبها، فردّته، فقال: زيدوها ثلاثًا، كلّ ذلك تردّه"، فذكر نحوه. وفيه قول آخر، أخرجه مسلم من حديث جابر، قال: "جاء أبو بكر، والناس جلوس بباب النبيّ ﷺ ، لم يؤذن لأحد منهم، فأُذن لأبي بكر، فدخل، ثم جاء عمر، فاستأذن، فأذن له، فوجد النبيّ ﷺ جالسًا، وحوله نساؤه"، فذكر الحديث، وفيه: "هنّ حولي كما ترى، يسألنني النفقة، فقام أبو بكر إلى عائشة، وقام عمر إلى حفصة، ثم اعتزلهنّ شهرًا"، فذكر نزول آية التخيير. ويحتمل أن يكون مجموع هذه الأشياء كان سببًا لاعتزالهنّ، وهذا هو اللائق بمكارم

стр. 11233

أخلاقه ﷺ ، وسعة صدره، وكثرة صفحه، وأن ذلك لم يقع منه ﷺ -حتى تكرّر موجبه منهن ﵅. وقصّر ابن الجوزيّ، فنسب قصّة الذبح لابن حبيب بغير إسناد، وهي مسندة عند ابن سعد، وأبهم قصّة النفقة، وهي في "صحيح مسلم". والراجح من الأقوال كلها قصّة مارية؛ لاختصاص عائشة وحفصة بها، بخلاف العسل، فإنه اجتمع فيه جماعة منهنّ. ويحتمل أن تكون الأسباب جميعها، اجتمعت، فأشير إلى أهمّها. ويؤيّده شمول الحلف للجميع، ولو كان مثلاً في قصة مارية فقط لاختصّ بحفصة وعائشة. [فائدة]: من اللطائف أن الحكمة في كونه حلف شهرًا مع أن مشروعية الهجر ثلاثة أيام أن عدتهنّ كانت تسعة، فإذا ضربت في ثلاثة كانت سبعة وعشرين، واليومان لمارية؛ لكونها كانت أمة، فنقصت عن الحرائر (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". ١٥ - (ذِكْرُ خَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (فيه) أي في حديث: "الشهر تسع وعشرون يومًا" ٢١٣٣ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ يَزِيدَ -هُوَ أَبُو بُرَيْدٍ الْجَرْمِيُّ, بَصْرِيٌّ- عَنْ بَهْزٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ سَلَمَةَ, عَنْ أَبِي الْحَكَمِ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «أَتَانِي جِبْرِيلُ ﵇, فَقَالَ: الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عمرو بن يزيد أبو بُريد" -بموحدة، وراء، مصغرًا-: هو الْجَرمي -بفتح الجيم، وسكون الراء- البصريّ، صدوق [١١] ١٠٠/ ١٣٠. من أفراد المصنّف. و"بهز": هو ابن أسد العمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقة ثبت [٩] ٢٤/ ٢٨. و"شعبة": هو ابن الحجاج الإمام المشهور [٧]. و"سلمة: هو ابن كُهيل الحضرميّ، أبو يحيي الكوفيّ، ثقة [٤] ١٩٥/ ٣١٢.

стр. 11234

و"أبو الحكم": هو عمران بن الحارث السلميّ الكوفيّ، ثقة [٤]. قال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال العجلي: كوفيّ تابعيّ ثقة عندهم. وذكره ابن حبّان في "الثقات". انفرد به مسلم، والمصنف، له في مسلم حديث واحد، عن ابن عمر فيمن اتخذ كلبا، وله عند المصنّف حديثان فقط: هذا الحديث، وقد أعاده بعده، وفي "كتاب الأشربة" ٤٨/ ٥٦٩٠ حديث ابن عباس: "من سره أن يحرم إن كان محرما ما حرم اللَّه ورسوله، فليحرّم النبيذ". واللَّه تعالى أعلم. والحديث صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا -١٥/ ٢١٣٣ و ٢١٣٤ - وفي "الكبرى" ١٦/ ٢٤٤٣ و ٢٤٤٤. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢١٣٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, عَنْ مُحَمَّدٍ, وَذَكَرَ كَلِمَةً, مَعْنَاهَا, حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ سَلَمَةَ, قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْحَكَمِ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد عندهم رجال الصحيح، وقد تقدموا قبله، غير "محمد" بن جعفر المعروف بـ"غندر" البصريّ، ثقة [٩]. وقوله: "وذكر الخ": القائل هو محمد بن بشار، وفاعلُهُ ضمير "محمد" بن جعفر، والمراد أن ابن بشار نسي لفظة محمد بن جعفر في الأداء، وتذكّر معناها، أي ذكر محمد بن جعفر كلمة، من صيغ الأداء، معنى تلك الكلمة "حدثنا". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٦ - (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى إِسْمَاعِيلَ فِي خَبَرِ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ فِيهِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -:"إسماعيل": هو ابن أبي خالد البجليّ الأحمسي الكوفي الثقة الثبت [٤] و. "سعد بن مالك": هو سعد بن أبي وقّاص، أحد العشرة

стр. 11235

- ﵃، وضمير "فيه" يعود إلى عدد الشهر المشار إليه في قوله: "كم الشهر الخ". ووجه الاختلاف المذكور أن محمد بن بشر العَبْدي رواه عن إسماعيل، عن محمد ابن سعد، عن أبيه، عن النبيّ ﷺ ، متصلاً. وخالفه في ذلك محمد بن عُبَيد، فرواه، عن إسماعيل، عن محمد بن سعد، عن النبيّ ﷺ ، مرسلاً، وتابعه على ذلك يحيى بن سعيد القطان، كما أشار إليه المصنّف في ما يأتي، ونقل الحافظ المزّيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "تحفة الأشراف" جـ٣ ص ٣١٢ عن المصنّف أنه قال: حديث يحيى أولى بالصواب عندي انتهى. هكذا نقله المزّيّ عن المصنّف، ولم أجده في "المجتبى"، ولا في "الكبرى". فاللَّه تعالى أعلم. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لكن الذي يظهر لي أن رواية محمد بن بشر بالوصل في هذا أرجح، لأنه ثقة حافظ، ولم ينفرد بالوصل، فقد وافقه فيه عبد اللَّه بن المبارك، كما في الرواية التالية، وزائدة بن قُدامة، كما في "صحيح مسلم" برقم -٢٥٢٢ - ومروان بن معاوية، كما في "صحيح ابن خزيمة" برقم -١٩٢٠ - فكلهم رووه عن إسماعيل، عن محمد بن سعد، عن أبيه، متصلاً. والحاصل أن روايات هؤلاء بالوصل مرجحة على رواية من رواه مرسلاً؛ لأن معهم زيادة علم، ومن المعلوم أن زيادة الثقة الحافظ مقبولة، فبالأولى قبول زيادة الأثبات الحفاظ، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢١٤٧ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ, عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى الأُخْرَى, وَقَالَ «الشَّهْرُ هَكَذَا, وَهَكَذَا وَهَكَذَا» , وَنَقَصَ فِي الثَّالِثَةِ إِصْبَعًا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إسحاق بن إبراهيم) هو ابن راهويه الحنظلي المروزيّ الحافظ الثقة [١٠]. ٢ - (محمد بن بشر) العبديّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقة حافظ [٩] ٥/ ٨٨٢. ٣ - (إسماعيل بن أبي خالد) البجلي الأحمسي الكوفيّ، ثقة ثبت [٤]. ٤ - (محمد بن سعد بن أبي وقّاص) الزهريّ، أبو القاسم المدنيّ، نزيل الكوفة، الملقّب ظِلَّ الشيطان؛ لقصره، ثقة [٣] ٨٥/ ٢٠٠٧. ٥ - (أبوه) سعد بن أبي وقاص مالك بن وهيب الزهريّ، أبو إسحاق، أحد العشرة - رضي اللَّه تعالى عنهم -. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنّف ﵀، وأنه مسلسل بثقات الكوفيين، غير

стр. 11236

شيخه، فمروزيّ، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعي، ورواية الابن عن أبيه، وفيه أن صحابيه ﵁ -هو أحد العشرة المبشرين بالجنة ﵃، وأول من رمى بسهم في سبيل اللَّه، وآخر من مات من العشرة، مات سنة (٥٥) على الصحيح. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ مُحَمَدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ,) سعد بن أبي وقّاص ﵁ (عَنِ النَّبيِّ ﷺ ، أَنَّهُ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى الْأُخْرَى) أي طبّق بين أصابع يديه العشرة (وَقَالَ: "الشَّهْرُ هَكَذَا، وَهَكَذَا، وَهَكَذَا") ثلاث مرات، فالإشارة الأولى إلى العشرة، والثانية إلى العشرين، والثالثة إلى الثلاثين (وَنَقَصَ فِي الثَّالِثَةِ إصْبَعًا) وسيأتي في الرواية الثالثة من هذا الحديث أن محمد بن عُبيد قبض الإبهام في اليسرى. وفي حديث ابن عمر ﵄: "وعقد الإبهام في الثالثة". يعني أنه ﷺ قبض إصبعا واحدة، وهي الإبهام من العشرة الثالثة إشارة إلى كونه تسعة، فجملة ما أشار إليه تسعة وعشرون يومًا. وفي رواية لمسلم من طريق زائدة، عن إسماعيل: "الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا، عشرًا، وعشرًا، وتسعًا مرة". وفي حديث جابر ﵁ عند مسلم: "إن الشهر يكون تسعًا وعشرين، ثم طبّق النبيّ ﷺ بيديه ثلاثًا، مرّتين بأصابع يديه كلها، والثالثة بتسع منها". وحاصل معنى الحديث أنه ﷺ -بين أن الشهر قد يكون تسعًا وعشرين يومًا أحيانًا، كما يكون ثلاثين يوما أحيانًا، يوضّح هذا المعنى ما يأتي من حديث أبي هريرة ﵁: "الشهر يكون تسعة وعشرين، وثلاثين … ". ومن حديث ابن عمر ﵄: "الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا، وهكذا، وعقد الإبهام في الثالثة، والشهر هكذا، وهكذا، وهكذا، تمام ثلاثين". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث سعد بن أبي وقّاص ﵁ هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٦/ ٢١٣٥ و ٢١٣٦ و ٢١٣٧ - وفي "الكبرى" ١٧/ ٢٤٤٥ و ٢٤٤٦ و ٢٤٤٧. وأخرجه (م) في "الصيام" ٢٥٢١ و ٢٥٢٢ و (ق) في "الصيام" ١٦٥٦. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢١٣٦ - (أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ, عَنْ إِسْمَاعِيلَ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ

стр. 11237

سَعْدٍ, عَنْ أَبِيهِ,, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الشَّهْرُ هَكَذَا, وَهَكَذَا, وَهَكَذَا» -يَعْنِي تِسْعَةً وَعِشْرِينَ-. رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ, وَغَيْرُهُ, عَنْ إِسْمَاعِيلَ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عبد اللَّه": هو ابن المبارك، و"يحيي بن سعيد": هو القطان. أما رواية يحيى بن سعيد التي أشار إليها المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، فلم أجد من أخرجها، ويحتمل أن تكون عن أحمد بن سليمان، شيخه الآتي بعدُ، كما أشار إليها في آخره بقوله: "قال يحيى بن سعيد: قلت لإسماعيل الخ". وأما رواية غيره، فالظاهر أنه أراد رواية محمد بن عُبيد التي ذكرها بقوله: ٢١٣٧ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الشَّهْرُ هَكَذَا, وَهَكَذَا, وَهَكَذَا» , وَصَفَّقَ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ بِيَدَيْهِ, يَنْعَتُهَا ثَلَاثًا, ثُمَّ قَبَضَ فِي الثَّالِثَةِ الإِبْهَامَ فِي الْيُسْرَى, قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: قُلْتُ لإِسْمَاعِيلَ: عَنْ أَبِيهِ؟ قَالَ: لَا). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أحمد بن سليمان": هو أبو الحسين الرُّهاويّ الحافظ الثقة [١١] ٣٨/ ٤٢ من أفراد المصنّف. و"محمد بن عبيد": هو الطنافسيّ الكوفيّ، ثقة حافظ [٩] ٤٨/ ١٧٣٥. وقوله: "وصفّق محمد بن عبيد بيديه ينعتها الخ": يعني أن محمد بن عبيد الراوي عن إسماعيل وصف عدد الشهر، فصفّق بيديه، أي ضرب إحدى يديه بالأخرى. وسيأتي في رواية محمد بن بشر أن الذي ضرب بيده على الأخرى هو النبيّ ﷺ ، فيحتمل أن يكون محمد بن عبيد أيضًا نعت لمن حدثهم، توضيحًا. واللَّه تعالى أعلم. وقوله: قال يحيى بن سعيد الخ: يعني أن يحيى بن سعيد القطان سأل إسماعيل بن أبي خالد، هل محمد بن سعد: "عن أبيه"؟، فأجابه بأنه لم يقل ذلك، وإنما قال: قال رسول اللَّه ﷺ ، فأرسل الحديث. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 11238

١٧ - (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى يَحْيىَ ابْنِ أَبِي كَثِيرٍ فِي خَبَرِ أَبِي سَلَمَةَ فِيهِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه الاختلاف المذكور، أن عليّ بن المبارك رواه عن يحيي بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، وخالفه معاوية بن سَلاَّم، فرواه عن يحيي، عن أبي سلمة، عن عبد اللَّه بن عمر ﵃، لكن الظاهر أن كلا الطريقين صحيحان، فلا يضرّ الاختلاف المذكور. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢١٥٠ - (أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ, قَالَ: حَدَّثَنَا هَارُونُ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيٌّ -هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ- قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ,, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الشَّهْرُ يَكُونُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ, وَيَكُونُ ثَلَاثِينَ, فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا, وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا, فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -:"أبو داود": هو سليمان بن سَيف بن يحيي الطائيّ مولاهم الحرّانيّ، ثقة حافظ [١١] ١٠٣/ ١٣٦ من أفراد المصنّف. و"هارون": هو ابن إسماعيل الْخَزّاز، أبو الحسن البصريّ، ثقة، من صغار [٩] ٥/ ٤٦٥. "وعليّ بن المبارك": هو الْهُنَائيّ البصريّ، ثقة، كان له عن يحيي بن أبي كثير كتابان، أحدهما سماع، والآخر إرسال، فحديث الكوفيين عنه فيه شيء، من كبار [٧] ٢٨/ ١٤١١. و"يحيي": هو ابن أبي كثير الطائيّ مولاهم، أبو نصر اليماميّ، ثقة ثبت، يدلّس ويرسل [٥] ٢٣/ ٢٤. و "أبو سلمة": هو ابن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ الفقيه المدنيّ المشهور [٣] ١/ ١. والحديث صحيح، وقد تقدّم تخريجه برقم ٩/ ٢١١٧ و ٢١١٨. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢١٣٩ - (أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ فَضَالَةَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا مُحَمَّدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ ح وَأَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ, قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ, عَنْ مُعَاوِيَةَ -وَاللَّفْظُ لَهُ- عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ, أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ أَخْبَرَهُ, أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ -وَهُوَ ابْنُ عُمَرَ- يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عبيد اللَّه بن فضالة بن إبراهيم": هو أبو قُدَيد النسائيّ، ثقة ثبت [١١] ١٧/ ٨٩٩ من أفراد المصنّف."وأحمد بن محمد بن المغيرة":

стр. 11239

هو الأزديّ الحمصيّ، صدوق [١١] ٦٩/ ٨٥ من أفراد المصنّف أيضًا. و"محمد": هو ابن المبارك الصُّوريّ، نزيل دمشق، ثقة، من كبار [١٠] ١٧/ ١٥٥١. و"عثمان بن سعيد": هو ابن كثير بن دينار القرشيّ مولاهم، أبو عمرو الحمصيّ، ثقة عابد [٩] ٦٩/ ٨٥. و "معاوية": هو ابن سلاّم -بتشديد اللام- ابن أبي سلاّم، أبو سَلاّم الدمشقيّ، وكان يسكن حمص، ثقة [٧] ١٣/ ١٤٧٩. وحديث عبد اللَّه بن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه مسلم، وأخرجه المصنّف هنا -١٧/ ٢١٣٩ - وفي "الكبرى"١٨/ ٢٤٤٩. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢١٤٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ, عَنْ سُفْيَانَ, عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَمْرٍو, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ, لَا نَكْتُبُ, وَلَا نَحْسِبُ, الشَّهْرُ هَكَذَا, وَهَكَذَا, وَهَكَذَا ثَلَاثًا, حَتَّى ذَكَرَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن المثنى) أبو موسى الْعَنَزيّ البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٦٤/ ٨٠. ٢ - (عبد الرحمن بن مهديّ) أبو سعيد البصريّ الإمام الحجة الثبت [٩] ٤٢/ ٤٩. ٣ - (سفيان) بن سعيد الثوريّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ الإمام الحجة الثبت [٧] ٣٣/ ٣٧. ٤ - (و"الأسود بن قيس") أبو قيس العبدي الكوفيّ، ثقة [٤] ١٥/ ١٤٨٤. ٥ - (سعيد بن عمرو) بن سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أميّة، أبو عثمان، ويقال: أبو عَنْبسة الأمويّ المدنيّ، ثم الدمشقيّ، ثم الكوفيّ، كان مع أبيه إذ غَلَب على دمشق، ثم سكن الكوفة، ثقة، من صغار [٣]. أرسل عن النبيّ ﷺ . سمع عائشة، وأبا هريرة، وابن عمر، وجماعة من الصحابة. قال أبو زرعة، وثقة أبو حاتم، والنسائيّ، وابن حبّان. وعن أبي حاتم: صدوق. روى له الجماعة، سوى الترمذيّ، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وأعاده بعده. ٦ - (ابن عمر) بن الخطاب - رضي اللَّه تعالى عنهما -. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين يروي عنهم الجماعة بلا واسطة، وهو الذين جمعتهم بقولي:

стр. 11240

اشْتَرَكَ الأَئِمَّةُ الهُدَاةُ … ذَوُو الأُصُولِ السِّتَّةِ الْوُعَاةُ فِي تِسْعَةِ مِنَ الشُّيوخِ المَهَرَهْ … النَّاقِدِينَ الحَافِظِينَ الْبَرَرَهْ أُولَئِكَ الأَشَجُّ وَابْنُ مَعْمَرِ … نَصْرٌ وَيَعْقُوبُ وَعَمْرٌ السِّرِي وَابْنُ الْعَلَاءِ وَابْنُ بَشَّارِ كَذَا … ابْنُ المُثَنَّى وَزِيَادٌ يُحْتَذَى وقد تقدّم هذا غير مرّة، وإنما أعدته تذكيرًا؛ لطول العهد به. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين من سفيان، والصحابيّ مدنيّ، والباقيان بصريان. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّا) أي العرب. وقيل: أراد نفسه، والأول أوضح (أُمَّة) أي جماعة (أُمِّيَّةٌ) نسبة إلى الأمّ، فقيل: أراد أمة العرب؛ لأنها لا تكتب، أو منسوب إلى الأمهات، أي أنهم على أصل ولادة أمهم، أو منسوب إلى الأمّ؛ لأن المرأة هذه صفتها غالبًا. وقيل: منسوب إلى أمّ القرى (لَا نَكْتُبُ، وَلَا نَحْسُبُ) بضم السين المهملة، يقال: حَسَبتُ المال حَسْبًا، من باب قتل: أحصيته عددًا، وفي المصدر أيضًا حِسْبة بالكسر، وحُسبانًا بالضمّ. قاله في "المصباح". فقوله: "لا نكتب، ولا نحسُبُ" تفسير لكونهم أميين، وقيل للعرب: أميون لأن الكتابة كانت فيهم عزيزة، قال اللَّه تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ الآية [الجمعة: ٢]، ولا يرد على ذلك أنه كان فيهم من يكتب، ويحسُبُ؛ لأن الكتابة كانت فيهم قليلة نادرة. والمراد بالحساب هنا حساب النجوم وتسييرها، ولم يكونوا يعرفون من ذلك أيضًا إلا النزر اليسير، فعلّق الحكم بالصوم وغيره بالرؤية لرفع الحرج عنهم في معاناة حساب التسيير، واستمرّ الحكم في الصوم، ولو حدث بعدهم من يعرف ذلك، بل ظاهر السياق يُشعر بنفي تعليق الحكم بالحساب أصلاً، ويوضّحه: "فإن غمّ عليكم فأكملوا العدّة ثلاثين"، ولم يقل: فسلوا أهل الحساب، والحكمة فيه كون العدد عند الإغماء يستوي فيه المكلّفون، فيرتفع الاختلاف والنزاع عنهم. وقد ذهب قوم إلى الرجوع إلى أهل التسيير في ذلك، وهم الرافضة، ونُقل عن بعض الفقهاء موافقتهم، قال الباجيّ: وإجماع السلف الصالح حجة عليهم، وقال ابن بزيزة: هو مذهب باطل، فقد نهت الشريعة عن الخوض في علم النجوم لأنها حدس وتخمين، ليس فيها قطع، ولا ظنّ غالب، مع
следующие страницы →