← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 11236–11275 · переход к 11241.

стр. 11236

شيخه، فمروزيّ، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعي، ورواية الابن عن أبيه، وفيه أن صحابيه ﵁ -هو أحد العشرة المبشرين بالجنة ﵃، وأول من رمى بسهم في سبيل اللَّه، وآخر من مات من العشرة، مات سنة (٥٥) على الصحيح. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ مُحَمَدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ,) سعد بن أبي وقّاص ﵁ (عَنِ النَّبيِّ ﷺ ، أَنَّهُ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى الْأُخْرَى) أي طبّق بين أصابع يديه العشرة (وَقَالَ: "الشَّهْرُ هَكَذَا، وَهَكَذَا، وَهَكَذَا") ثلاث مرات، فالإشارة الأولى إلى العشرة، والثانية إلى العشرين، والثالثة إلى الثلاثين (وَنَقَصَ فِي الثَّالِثَةِ إصْبَعًا) وسيأتي في الرواية الثالثة من هذا الحديث أن محمد بن عُبيد قبض الإبهام في اليسرى. وفي حديث ابن عمر ﵄: "وعقد الإبهام في الثالثة". يعني أنه ﷺ قبض إصبعا واحدة، وهي الإبهام من العشرة الثالثة إشارة إلى كونه تسعة، فجملة ما أشار إليه تسعة وعشرون يومًا. وفي رواية لمسلم من طريق زائدة، عن إسماعيل: "الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا، عشرًا، وعشرًا، وتسعًا مرة". وفي حديث جابر ﵁ عند مسلم: "إن الشهر يكون تسعًا وعشرين، ثم طبّق النبيّ ﷺ بيديه ثلاثًا، مرّتين بأصابع يديه كلها، والثالثة بتسع منها". وحاصل معنى الحديث أنه ﷺ -بين أن الشهر قد يكون تسعًا وعشرين يومًا أحيانًا، كما يكون ثلاثين يوما أحيانًا، يوضّح هذا المعنى ما يأتي من حديث أبي هريرة ﵁: "الشهر يكون تسعة وعشرين، وثلاثين … ". ومن حديث ابن عمر ﵄: "الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا، وهكذا، وعقد الإبهام في الثالثة، والشهر هكذا، وهكذا، وهكذا، تمام ثلاثين". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث سعد بن أبي وقّاص ﵁ هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٦/ ٢١٣٥ و ٢١٣٦ و ٢١٣٧ - وفي "الكبرى" ١٧/ ٢٤٤٥ و ٢٤٤٦ و ٢٤٤٧. وأخرجه (م) في "الصيام" ٢٥٢١ و ٢٥٢٢ و (ق) في "الصيام" ١٦٥٦. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢١٣٦ - (أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ, عَنْ إِسْمَاعِيلَ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ

стр. 11237

سَعْدٍ, عَنْ أَبِيهِ,, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الشَّهْرُ هَكَذَا, وَهَكَذَا, وَهَكَذَا» -يَعْنِي تِسْعَةً وَعِشْرِينَ-. رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ, وَغَيْرُهُ, عَنْ إِسْمَاعِيلَ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عبد اللَّه": هو ابن المبارك، و"يحيي بن سعيد": هو القطان. أما رواية يحيى بن سعيد التي أشار إليها المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، فلم أجد من أخرجها، ويحتمل أن تكون عن أحمد بن سليمان، شيخه الآتي بعدُ، كما أشار إليها في آخره بقوله: "قال يحيى بن سعيد: قلت لإسماعيل الخ". وأما رواية غيره، فالظاهر أنه أراد رواية محمد بن عُبيد التي ذكرها بقوله: ٢١٣٧ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الشَّهْرُ هَكَذَا, وَهَكَذَا, وَهَكَذَا» , وَصَفَّقَ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ بِيَدَيْهِ, يَنْعَتُهَا ثَلَاثًا, ثُمَّ قَبَضَ فِي الثَّالِثَةِ الإِبْهَامَ فِي الْيُسْرَى, قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: قُلْتُ لإِسْمَاعِيلَ: عَنْ أَبِيهِ؟ قَالَ: لَا). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أحمد بن سليمان": هو أبو الحسين الرُّهاويّ الحافظ الثقة [١١] ٣٨/ ٤٢ من أفراد المصنّف. و"محمد بن عبيد": هو الطنافسيّ الكوفيّ، ثقة حافظ [٩] ٤٨/ ١٧٣٥. وقوله: "وصفّق محمد بن عبيد بيديه ينعتها الخ": يعني أن محمد بن عبيد الراوي عن إسماعيل وصف عدد الشهر، فصفّق بيديه، أي ضرب إحدى يديه بالأخرى. وسيأتي في رواية محمد بن بشر أن الذي ضرب بيده على الأخرى هو النبيّ ﷺ ، فيحتمل أن يكون محمد بن عبيد أيضًا نعت لمن حدثهم، توضيحًا. واللَّه تعالى أعلم. وقوله: قال يحيى بن سعيد الخ: يعني أن يحيى بن سعيد القطان سأل إسماعيل بن أبي خالد، هل محمد بن سعد: "عن أبيه"؟، فأجابه بأنه لم يقل ذلك، وإنما قال: قال رسول اللَّه ﷺ ، فأرسل الحديث. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 11238

١٧ - (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى يَحْيىَ ابْنِ أَبِي كَثِيرٍ فِي خَبَرِ أَبِي سَلَمَةَ فِيهِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه الاختلاف المذكور، أن عليّ بن المبارك رواه عن يحيي بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، وخالفه معاوية بن سَلاَّم، فرواه عن يحيي، عن أبي سلمة، عن عبد اللَّه بن عمر ﵃، لكن الظاهر أن كلا الطريقين صحيحان، فلا يضرّ الاختلاف المذكور. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢١٥٠ - (أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ, قَالَ: حَدَّثَنَا هَارُونُ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيٌّ -هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ- قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ,, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الشَّهْرُ يَكُونُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ, وَيَكُونُ ثَلَاثِينَ, فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا, وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا, فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -:"أبو داود": هو سليمان بن سَيف بن يحيي الطائيّ مولاهم الحرّانيّ، ثقة حافظ [١١] ١٠٣/ ١٣٦ من أفراد المصنّف. و"هارون": هو ابن إسماعيل الْخَزّاز، أبو الحسن البصريّ، ثقة، من صغار [٩] ٥/ ٤٦٥. "وعليّ بن المبارك": هو الْهُنَائيّ البصريّ، ثقة، كان له عن يحيي بن أبي كثير كتابان، أحدهما سماع، والآخر إرسال، فحديث الكوفيين عنه فيه شيء، من كبار [٧] ٢٨/ ١٤١١. و"يحيي": هو ابن أبي كثير الطائيّ مولاهم، أبو نصر اليماميّ، ثقة ثبت، يدلّس ويرسل [٥] ٢٣/ ٢٤. و "أبو سلمة": هو ابن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ الفقيه المدنيّ المشهور [٣] ١/ ١. والحديث صحيح، وقد تقدّم تخريجه برقم ٩/ ٢١١٧ و ٢١١٨. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢١٣٩ - (أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ فَضَالَةَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا مُحَمَّدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ ح وَأَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ, قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ, عَنْ مُعَاوِيَةَ -وَاللَّفْظُ لَهُ- عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ, أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ أَخْبَرَهُ, أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ -وَهُوَ ابْنُ عُمَرَ- يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عبيد اللَّه بن فضالة بن إبراهيم": هو أبو قُدَيد النسائيّ، ثقة ثبت [١١] ١٧/ ٨٩٩ من أفراد المصنّف."وأحمد بن محمد بن المغيرة":

стр. 11239

هو الأزديّ الحمصيّ، صدوق [١١] ٦٩/ ٨٥ من أفراد المصنّف أيضًا. و"محمد": هو ابن المبارك الصُّوريّ، نزيل دمشق، ثقة، من كبار [١٠] ١٧/ ١٥٥١. و"عثمان بن سعيد": هو ابن كثير بن دينار القرشيّ مولاهم، أبو عمرو الحمصيّ، ثقة عابد [٩] ٦٩/ ٨٥. و "معاوية": هو ابن سلاّم -بتشديد اللام- ابن أبي سلاّم، أبو سَلاّم الدمشقيّ، وكان يسكن حمص، ثقة [٧] ١٣/ ١٤٧٩. وحديث عبد اللَّه بن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه مسلم، وأخرجه المصنّف هنا -١٧/ ٢١٣٩ - وفي "الكبرى"١٨/ ٢٤٤٩. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢١٤٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ, عَنْ سُفْيَانَ, عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَمْرٍو, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ, لَا نَكْتُبُ, وَلَا نَحْسِبُ, الشَّهْرُ هَكَذَا, وَهَكَذَا, وَهَكَذَا ثَلَاثًا, حَتَّى ذَكَرَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن المثنى) أبو موسى الْعَنَزيّ البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٦٤/ ٨٠. ٢ - (عبد الرحمن بن مهديّ) أبو سعيد البصريّ الإمام الحجة الثبت [٩] ٤٢/ ٤٩. ٣ - (سفيان) بن سعيد الثوريّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ الإمام الحجة الثبت [٧] ٣٣/ ٣٧. ٤ - (و"الأسود بن قيس") أبو قيس العبدي الكوفيّ، ثقة [٤] ١٥/ ١٤٨٤. ٥ - (سعيد بن عمرو) بن سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أميّة، أبو عثمان، ويقال: أبو عَنْبسة الأمويّ المدنيّ، ثم الدمشقيّ، ثم الكوفيّ، كان مع أبيه إذ غَلَب على دمشق، ثم سكن الكوفة، ثقة، من صغار [٣]. أرسل عن النبيّ ﷺ . سمع عائشة، وأبا هريرة، وابن عمر، وجماعة من الصحابة. قال أبو زرعة، وثقة أبو حاتم، والنسائيّ، وابن حبّان. وعن أبي حاتم: صدوق. روى له الجماعة، سوى الترمذيّ، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وأعاده بعده. ٦ - (ابن عمر) بن الخطاب - رضي اللَّه تعالى عنهما -. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين يروي عنهم الجماعة بلا واسطة، وهو الذين جمعتهم بقولي:

стр. 11240

اشْتَرَكَ الأَئِمَّةُ الهُدَاةُ … ذَوُو الأُصُولِ السِّتَّةِ الْوُعَاةُ فِي تِسْعَةِ مِنَ الشُّيوخِ المَهَرَهْ … النَّاقِدِينَ الحَافِظِينَ الْبَرَرَهْ أُولَئِكَ الأَشَجُّ وَابْنُ مَعْمَرِ … نَصْرٌ وَيَعْقُوبُ وَعَمْرٌ السِّرِي وَابْنُ الْعَلَاءِ وَابْنُ بَشَّارِ كَذَا … ابْنُ المُثَنَّى وَزِيَادٌ يُحْتَذَى وقد تقدّم هذا غير مرّة، وإنما أعدته تذكيرًا؛ لطول العهد به. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين من سفيان، والصحابيّ مدنيّ، والباقيان بصريان. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّا) أي العرب. وقيل: أراد نفسه، والأول أوضح (أُمَّة) أي جماعة (أُمِّيَّةٌ) نسبة إلى الأمّ، فقيل: أراد أمة العرب؛ لأنها لا تكتب، أو منسوب إلى الأمهات، أي أنهم على أصل ولادة أمهم، أو منسوب إلى الأمّ؛ لأن المرأة هذه صفتها غالبًا. وقيل: منسوب إلى أمّ القرى (لَا نَكْتُبُ، وَلَا نَحْسُبُ) بضم السين المهملة، يقال: حَسَبتُ المال حَسْبًا، من باب قتل: أحصيته عددًا، وفي المصدر أيضًا حِسْبة بالكسر، وحُسبانًا بالضمّ. قاله في "المصباح". فقوله: "لا نكتب، ولا نحسُبُ" تفسير لكونهم أميين، وقيل للعرب: أميون لأن الكتابة كانت فيهم عزيزة، قال اللَّه تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ الآية [الجمعة: ٢]، ولا يرد على ذلك أنه كان فيهم من يكتب، ويحسُبُ؛ لأن الكتابة كانت فيهم قليلة نادرة. والمراد بالحساب هنا حساب النجوم وتسييرها، ولم يكونوا يعرفون من ذلك أيضًا إلا النزر اليسير، فعلّق الحكم بالصوم وغيره بالرؤية لرفع الحرج عنهم في معاناة حساب التسيير، واستمرّ الحكم في الصوم، ولو حدث بعدهم من يعرف ذلك، بل ظاهر السياق يُشعر بنفي تعليق الحكم بالحساب أصلاً، ويوضّحه: "فإن غمّ عليكم فأكملوا العدّة ثلاثين"، ولم يقل: فسلوا أهل الحساب، والحكمة فيه كون العدد عند الإغماء يستوي فيه المكلّفون، فيرتفع الاختلاف والنزاع عنهم. وقد ذهب قوم إلى الرجوع إلى أهل التسيير في ذلك، وهم الرافضة، ونُقل عن بعض الفقهاء موافقتهم، قال الباجيّ: وإجماع السلف الصالح حجة عليهم، وقال ابن بزيزة: هو مذهب باطل، فقد نهت الشريعة عن الخوض في علم النجوم لأنها حدس وتخمين، ليس فيها قطع، ولا ظنّ غالب، مع

стр. 11241

أنه لو ارتبط الأمر بها لضاق، إذ لا يعرفها إلا القليل انتهى (١). وقال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: قوله ﷺ : "لا نكتب ولا نحسُب": أي لم نُكَلَّف في تعرّف مواقيت صومنا، ولا عباداتنا ما نحتاج فيه إلى معرفة حساب، ولا كتابة، وإنما رُبطت عباداتنا بأعلام واضحة، وأمور ظاهرة، يستوي في معرفة ذلك الحُسّاب وغيرهم، ثم تمّم هذا المعنى، وكمّله حيث بيّنه بإشارته بيديه، ولم يتلفّظ بعبارة عنه نُزُولاً إلى ما يفهمه الْخُرْس والعُجْم، وحصل من إشارته بيديه ثلاث مرّات أن الشهر يكون ثلاثين، ومن خَنْسِه إبهامه في الثالثة أن الشهر يكون تسعًا وعشرين، كما نصّ عليه في الحديث الآخر. وعلى هذا الحديث من نذر أن يصوم شهرًا غير معيّن، فله أن يصوم تسعًا وعشرين؛ لأنّ ذلك يقال عليه: شهر، كما أن من نذر صلاة أجزأه من ذلك ركعتان؛ لأنه أقلّ ما يصدُق عليه الاسم، وكذلك من نذر صوما، فصام يوما أجزأه، وهو خلاف ما ذهب إليه مالك -رحمه اللَّه تعالى-، فإنه قال: لا يجزئه إذا صامه بالأيام إلا ثلاثون يومًا، فإن صامه بالهلال فعلى ما يكون ذلك الشهر من رؤية الهلال. وفيه من الفقه أن يوم الشكّ محكوم له بأنه من شعبان، وأنه لا يجوز صومه عن رمضان؛ لأنه علق صوم رمضان بالرؤية، وَلَمْ، فَلَا (٢) انتهى كلام القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (٣). (الشَّهْرُ هَكَذَا، وَهَكَذَا، وَهَكَذَا، ثَلَاَثًا) أي قال هذا القول، مع الإشارة بيديه ثلاث مرات، موضّحًا أن الشهر أحيانًا يكون ثلاثين (حَتَّى ذَكَرَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ") أي استمرّ عليه حتى ذكر أن الشهر أحيانًا يكون تسعًا وعشرين. وقد فُضل في الرواية التالية ما أُجمِل في هذه الرواية" حيث قال: "والشهر هكذا، وهكذا، وهكذا، وعقد الإبهام في الثالثة، والشهر هكذا، وهكذا، وهكذا، تمامَ الثلاثين". أي أشار أوّلا بأصابع يديه العشر جميعًا مرتين، وقبض الإبهام في المرة الثالثة، وهذا هو المعبّر عنه بقوله: "تسع وعشرون"، وأشار مرّة أخرى بهما ثلاث مرّات، وهو المعبّر عنه بقوله: "ثلاثون". وفي رواية جَبَلَة بن سُحيم، عن ابن عمر ﵃ الآتية، قال: "الشهر هكذا، ووصف شعبة، عن صفة جبَلَة، عن صفة ابن عمر، أنه تسع وعشرون، فيما حَكَى من صنيعه مرّتين بأصابع يديه، ونقص في الثالثة إصبعًا من أصابع يديه". ووقع في رواية لمسلم من هذا الوجه بلفظ:

стр. 11242

"الشهر كذا، وكذا، وكذا، وصفّق بيديه مرتين بكلّ أصابعه، ونقص في الصفقة الثالثة إبهام اليمنى، أو اليسرى". وروى أحمد، وابن أبي شيبة، واللفظ له، من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن ابن عمر، رفعه: "الشهر تسع وعشرون، ثمّ طبّق بين كفيه مرتين، وطبّق الثالثة، فقبض الإبهام"، قالت عائشة: يغفر اللَّه لأبي عبد الرحمن، وإنما هجر النبيّ ﷺ نساءه شهرًا، فنزل لتسع وعشرين، فقيل له، فقال: "إن الشهر يكون تسعًا وعشرين، وشهر ثلاثون". وفي الحديث رفع لمراعاة النجوم بقوانين التعديل، وإنما المعوّل رؤية الأهلّة، وقد نُهِينا عن التكلّف، ولا شكّ أن في مراعاة ما غمض حتى لا يدرك إلا بالظنون غاية التكلّف. وفيه جواز اعتماد الإشارة الْمُفْهِمَة في مثل هذا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد اللَّه بن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٧/ ٢١٤٠ و ٢١٤١ و ٢١٤٢ و ٢١٤٣ - وفي "الكبرى" -١٨/ ٢٥٠ و ٢٥١ و ٢٥٢ و ٢٤٥٣. وأخرجه (خ) في "الصوم" ١٧٧٤ و ١٧٧٥ و١٧٨٠ و"الطلاق "٤٨٩٠ (م) في "الصوم" ١٧٩٦ و ١٧٩٧ و ١٧٠٢ و ١٨٠٣ و ١٨٠٤ و ١٨٠٥ و ١٨٠٦ و ١٨٠٧ (د) في الصوم ١٩٧٥ و ١٩٧٦ (أحمد) في "مسند المكثرين" ٤٣٨٢. و (الموطأ) في "الصيام" ٥٥٨. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢١٤١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, عَنْ مُحَمَّدٍ, عَنْ شُعْبَةَ, عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ, قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ, أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يُحَدِّثُ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ, لَا نَحْسِبُ, وَلَا نَكْتُبُ, وَالشَّهْرُ هَكَذَا, وَهَكَذَا, وَهَكَذَا, وَعَقَدَ الإِبْهَامَ فِي الثَّالِثَةِ, وَالشَّهْرُ هَكَذَا, وَهَكَذَا, وَهَكَذَا تَمَامَ الثَّلَاثِينَ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"محمد" شيخ ابن المثنّى، وابن بشار هو ابن جعفر المعروف بـ"غندر". والحديث

стр. 11243

متفق عليه، كما سبق بيانه فيما قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢١٤٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ جَبَلَةَ بْنِ سُحَيْمٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «الشَّهْرُ هَكَذَا» , وَوَصَفَ شُعْبَةُ, عَنْ صِفَةِ جَبَلَةَ, عَنْ صِفَةِ, ابْنِ عُمَرَ, أَنَّهُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ, فِيمَا حَكَى مِنْ صَنِيعِهِ, مَرَّتَيْنِ بِأَصَابِعِ يَدَيْهِ, وَنَقَصَ فِي الثَّالِثَةِ إِصْبَعًا, مِنْ أَصَابِعِ يَدَيْهِ). قالَ الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدموا غير مرّة، سوى: "جَبَلَة بن سُحَيم" -بفتح الجيم، والموحّدة، واللام، وضم السين المهملة، بعدها حاء مهملة، مصغّرًا- التيميّ، ويقال: الشيبانيّ (١) أبو سُوَيرة الكوفيّ، ثقة [٣]. قال علي بن المدينيّ: قلت ليحيى القطّان: كان شعبة، والثوريّ يوثقانه؟، فقال برأسه، أي نعم. وقال يحيى: جبلة أثبت من آدم بن عليّ، وسمعت يحيى يقول: جبلة ثقة. وقال نحو ذلك عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه. وقال ابن معين: ثقة، زاد ابن أبي مريم عنه: كيّس، حسن الحديث. وقال العجليّ، والنسائيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: ثقة صالح الحديث. وقال يعقوب بن سفيان: كوفيّ تابعيّ ثقة. وقال ابن سعد: توفي في فتنة الوليد بن يزيد. وقال خليفة بن خياط (٢): مات سنة (١٢٥) في ولاية يوسف بن عمر. وقال القرّاب في "تاريخه": مات سنة (١٢٦). روى له الجماعة، وله عند المصنف في هذا الكتاب حديثان: هذا، وفي "كتاب الأشربة" ٢٨/ ٥٦١٩ حديث ابن عمر: "نهى رسول اللَّه ﷺ عن الحنتم .. " الحديث. و"خالد": هو ابن الحارث الْهُجَيميّ البصريّ. وقوله: "عن صفة جبلة الخ" أي حال كونه آخذًا عن صفة جبلة في كيفية تطبيق إحدى يديه على الأخرى لبيان كون الشهر تسعا وعشرين يومًا. وقوله: "عن صفة ابن عمر": أي حال كون جَبَلة آخذا عن صفة ابن عمر ﵄ في بيان الكيفية المذكورة. وقوله: "ونقص في الثالثة إصبعًا من أصابع يديه" قد فسرت الرواية السابقة بأن تلك الإصبع هي الإبهام.

стр. 11244

والحديث صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢١٤٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ عُقْبَةَ -يَعْنِي ابْنَ حُرَيْثٍ- قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ, يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد عندهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا، سوى: ١ - (عقبة بن حُريث) التغلبيّ الكوفيّ، ثقة [٤]. قال ابن معين، والنسائيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له مسلم أربعة أحاديث، والمصنف، هذا الحديث فقط. و"محمد": هو غندر المذكور في السند الماضي. والحديث متّفق عليه، وقد تقدّم تخريجه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٨ - (الْحَثُّ عَلَى السَّحُورُ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: نصّ "الكبرى": "أبواب السحور"- "الحثّ على السحور". "الحثّ" -بفتح المهملة، وتشديد المثلّثة-: التحريض، قال الفيّوميّ: حَثَثتُ الإنسانَ على الشيء حَثّا، من باب قَتَلَ، وحَرَّضته عليه بمعنى، وذهب حثيثًا: أي مُسرِعًا، وحَثَثتُ الفرسَ على الْعَدْو: صِحْتُ به، أو وَكَزْته برِجْل، أو ضرب، واستحثثته كذلك انتهى. و"السحور" -بالفتح، والضمّ- قال في "اللسان": السَّحُور -أي بالفتح-: طعام السَّحَر، وشرابه. قال الأزهريّ: السَّحُور: ما يُتسحّر به وقت السَّحَر، من طعام، أو لبن، أو سَوِيق، وُضع اسمًا لما يُؤكل ذلك الوقتَ، وقد تسحّر الرجل ذلك الطعام، أي أكله، وقد تكرّر ذكر السّحور في الحديث في غير موضع، قال ابن الأثير: هو بالفتح

стр. 11245

اسم ما يُتسحّر به، من الطعام والشراب، وبالضمّ المصدر، والفعل نفسه، وأكثر ما روي بالفتح، وقيل: الصواب بالضمّ لأنه بالفتح الطعام، والبركة، والأجر والثواب في الفعل، لا في الطعام، وتسحّر أكل السَّحُور انتهى. وفي "المصباح": السَّحَر -بفتحتين-: قُبيل الصبح، و -بضمتين- لغةٌ، والجمع أَسْحار، والسَّحُور وِزان رَسُول: ما يؤكل في ذلك الوقت، وتسحّرتُ: أكلت السّحُور، والسُّحُور بالضمّ فعل الفاعل انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢١٤٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ, عَنْ عَاصِمٍ, عَنْ زِرٍّ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تَسَحَّرُوا, فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً». وَقَفَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن بشار) بُندار، أبو بكر البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٢٤/ ٢٧. ٢ - (عبد الرحمن) بن مهديّ المترجم في الباب الماضي. ٣ - (أبو بكر بن عيّاش) الأسديّ الكوفيّ المقرئ الحَنّاط، مشهور بكنيته، والأصحّ أنها اسمه، ثقة عابد، إلا أنه لما كبر ساء حفظه، وكتابه صحيح [٧] ٩٨/ ١٢٧. ٤ - (عاصم) بن أبي النَّجُود الأسديّ مولاهم، أبو بكر الكوفيّ المقرئ، وهو ابن بَهْدَلة، صدوق له أوهام، حجة في القراءة، وحديثه في "الصحيحين" مقرون [٦] ٢٠/ ١٢٢١. ٥ - (زِرّ) بن حُبيش بن حُبَاشة الأسديّ، أبو مريم الكوفيّ، ثقة جليل مخضرم [٢] ١٩٨/ ١٢٦. ٦ - (عبد اللَّه) بن مسعود الهذلي الصحابي الشهير - رضي اللَّه تعالى عنه - ٣٥/ ٣٩. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، وشيخ شيخه، فبصريان. (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) بن مسعود ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تَسَحَّرُوا،) أي كلوا وقت السَّحَر (فَإنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً") الفاء للتعليل، لأن في السحور بركة. قال

стр. 11246

في "الفتح": "السحور": بفتح السين وضمها، لأن المراد بالبركة الأجر والثواب، فيناسب الضمّ، لأنه مصدر بمعنى التسحّر، أو البركة؛ لكونه يقوّي على الصوم، ويُنَشِّطُ له، ويخفّف المشقّة فيه، فيناسب الفتح؛ لأنه ما يتسحّر به. وقيل: البركة ما يتضمّن من الاستيقاظ والدعاء في السحر، والأولى أن البركة في السحور تحصل بجهات متعدّدة، وهي اتباع السنّة، ومخالفة أهل الكتاب، والتقوّي على العبادة، والزيادة في النشاط، ومدافعة سوء الخلق الذي يُثيره الجوع، والتسبّب بالصدقة على من يسأل إذ ذاك، أو يجتمع معه على الأكل، والتسبب للذكر والدعاء وقت مظنّة الإجابة، وتدارك نية الصوم لمن أغفلها قبل أن ينام. قال ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: هذه البركة يجوز أن تعود إلى الأمور الأخروية، فإن إقامة السنّة يوجب الأجر وزيادته، ويحتمل أن تعود إلى الأمور الدنيوية؛ كقوّة البدن على الصوم، وتيسيره من غير إضرار بالصائم، قال: ومما يُعلّل به استحباب السحور المخالفة لأهل الكتاب؛ لأنه ممتنع عندهم، وهذا أحد الوجوه المقتضية للزيادة في الأجور الأخرويّة. وقال أيضًا وقع للمتصوّفة في مسألة السحور كلام من جهة اعتبار حكمة الصوم، وهي كسرة شهوة البطن والفرج، والسحور قد يُباين ذلك. قال: والصواب أن يقال: ما زاد في المقدار حتى تنعدم هذه الحكمة بالكلية، فليس بمستحبّ، كالذي يصنعه المترفون من التأنّق في المآكل، وكثرة الاستعداد لها، وما عدا ذلك تختلف مراتبه. انتهى ما في "الفتح" (١). وهو بحث نفيسٌ جدّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا - ١٨/ ٢١٤٤ و ٢١٤٥ - وفي "الكبرى" ١٩/ ٢٤٥٤ و ٢٤٥٥. والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): أنه يحصل السحور بأقلّ ما يتناوله المرء من مأكول ومشروب، وقد أخرج هذا الحديث أحمد من حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁، بلفظ: "السحور بركة، فلا تَدَعُوه، ولو أن يَجرَع أحدكم جُرعة (٢) من ماء، فإن اللَّه، وملائكته، يصلّون

стр. 11247

على المتسحّرين". ولسعيد بن منصور من طريق أخرى مرسلة: "تسحّروا، ولو بِلُقْمة. قاله في "الفتح" (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): أنه نقل الإمام ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى- الإجماع على ندبية السحور (٢). وقال النووي -رحمه اللَّه تعالى-: وأجمع العلماء على استحبابه، وأنه ليس بواجب انتهى (٣). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: فعلى هذا يكون الأمر بالسحور في حديث الباب للاستحباب، لا للوجوب، وقد ترجم الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه"، فقال: "باب بركة السحور، من غير إيجاب"؛ لأنّ النبيّ ﷺ ، وأصحابه واصلوا، ولم يُذكَر السحور انتهى. وأشار البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- بهذا إلى حديث أبي هريرة ﵁ أن النبيّ ﷺ نهى عن الوصال، فلما أبوا واصل بهم يومًا، ثم يومًا، ثم رأوا الهلال، فقال: لو تأخر لزدتكم" الحديث. متّفق عليه. وهو استدلال حسنٌ جِدًّا، فإنه يدلّ على أن السحور ليس بحتم، إذ لو كان حتمًا لما واصل بهم النبيّ ﷺ ، فإن الوصال يستلزم ترك السحور. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وقوله: (وَقَفَهُ عُبَيدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ) يعني أن عبيد اللَّه بن سعيد السرخسيّ خالف محمد ابن بن بشّار في رواية هذا الحديث عن عبد الرحمن بن مهديّ، فرواه موقوفًا على ابن مسعود ﵁، كما بيّنه بقوله: ٢١٤٥ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ, عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ, عَنْ عَاصِمٍ, عَنْ زِرٍّ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: تَسَحَّرُوا. قَالَ: عُبَيْدُ اللَّهِ: لَا أَدْرِي, كَيْفَ لَفْظُهُ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث ساقه المصنّف لبيان الاختلاف بين شيخيه: محمد بن بشّار، وعُبيد اللَّه بن سعيد في الرفع والوقف، وظاهر تأخيره روايةَ عُبيد اللَّه يدلّ على ترجيحه الوقف؛ لأن عادته غالباً أنه يقدّم الأخبار المعلّلة، ثم يأتي بالأحاديث التي يرى صحّتها، كما أفاده الحافظ ابن رجب -رحمه اللَّه تعالى- في "شرح

стр. 11248

علل الترمذيّ" (١). ومما يؤيّد ما قاله ابن رجب أن الحافظ أبا الحجّاج المزّيّ --رحمهما اللَّه تعالى-- نقل في "تحفة الأشراف" جـ٧ ص ٢٦ عن المصنّف بعد إيراد الحديث بالطريقين السابقين: ما نصه: وقال: عبيد اللَّه أثبت عندنا من ابن بشّار، وحديثه أولى بالصواب انتهى. ولم أر هذا الكلام للمصنّف لا في "المجتبى"، ولا في "الكبرى"، ولعله لاختلاف النسخ، واللَّه تعالى أعلم. لكن الذي يظهر لي أن مثل هذا الاختلاف لا يضرّ في صحة المرفوع، لأن محمد بن بشّار ثقة ثبت، ولأن المرفوع يشهد له حديث أنس ﵁ الآتي بعد هذا، وهو متفق عليه، وحديث أبي هريرة ﵁ الآتي في الباب التالي، فَيُحمَل على أن ابن مسعود ﵁ حدّث به مرفوعًا مرّةً، وأفتى به مرّةً أخرى. والحاصل أن الذي يظهر كون الحديث صحيحًا مرفوعًا، وموقوفًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢١٤٦ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ, عَنْ قَتَادَةَ, وَعَبْدِ الْعَزِيزِ, عَنْ أَنَسٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تَسَحَّرُوا, فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير مرّة. و"أبو عوانة": هو الوضّاح بن عبد اللَّه اليشكريّ الواسطيّ. و"عبد العزيز": هو ابن صُهَيب البنانيّ البصريّ. والحديث متفقٌ عليه، وأخرجه المصنّف هنا-١٨/ ٢١٤٦ - وفي "الكبرى" ١٩/ ٢٤٥٦. وأخرجه (خ) في "الصوم" ١٩٢٣ (م) ٢٥٤٤ (ت) ٦٤٢ (ق) ١٦٨٢ (أحمد) ١٥١٢ و ١٢٧٦٨ و ١٢٩١١ و ١٣٠٦٣ و ١٣٢٠٨ (الدارمي) ١٦٣٤. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". …

стр. 11249

١٩ - (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى عَبْد الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه الاختلاف المذكور أن منصور بن أبي الأسود رواه عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن أبي هريرة ﵁، مرفوعًا (١)، وخالفه يزيد بن هارون، فرواه عن عبد الملك، عن عطاء، عن أبي هريرة ﵃ موقوفًا عليه، والظاهر أن مثل هذا الاختلاف لا يضرّ في صحّة الحديث، كما تقدّم البحث عنه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢١٤٧ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدِ بْنِ جَرِيرٍ, نَسَائِيٌّ- قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي الأَسْوَدِ, عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ, عَنْ عَطَاءٍ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تَسَحَّرُوا, فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عليّ بن سعيد بن جَرِير": هو ابن ذكوان، أبو الحسن النسائيّ، نزيل نيسابور، صدوق، صاحب حديث [١١]. قال النسائيّ: صدوق. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: كان متقنًا من جُلساء أحمد. وقال الحاكم: عليّ بن سعيد بن جَرير محدّث عصره، كتب بالحجاز، والشام، والعراقين، وخراسان، سمعت أبا سعيد عبد الرحمن بن أحمد يقول: قال لنا محمد بن يحيي: اكتبوا عن هذا الشيخ، فإنه شيخ ثقة، يشبه المشايخ. وقال المستملي: حدثنا سنة (٢٥٦). وذكر الخليليّ في "الإرشاد" أنه مات سنة (٢٥٧) روى عنه المصنّف هذا الحديث فقط، وابن ماجه في "التفسير". و"أبو الربيع": هو سليمان بن داود العَتَكيّ الزهرانيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقة، لم يتكلّم فيه أحد بحجة [١٠]. قال ابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم: ثقة. وقال الآجرّيّ: سألت أبا داود عن أبي الربيع، والحَجَبيّ، أيهما أثبت في حماد بن زيد؟ فقال: أبو الربيع أشهرهما، والحَجَبيّ

стр. 11250

ثقة. وقال ابن قانع: ثقة صدوق. وقال الساجي: سمعت عبد القدّوس بن محمد يقول: قال لي عبد اللَّه بن داود الْخُرَيبيّ: اقرأ على أبي الربيع، فإنه موضع يُقرأ عليه. وقال مَسْلَمة بن قاسم: بصريّ ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن خِرَاش: تُكُلِّم الناس فيه، وهو صدوق. قال الحافظ: ولا أعلم أحدّا تكلّم فيه بخلاف ما زعم ابن خِرَاش. قال الحضرميّ، وغيره: مات سنة (٢٣٤). روى عنه البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، وروى له المصنّف بواسطة علي بن سعيد بن جرير، والحسن بن أحمد بن حبيب الكرمانيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث: هذا ٢١٤٧ وحديث ٤١٨٠، وحديث ٥٤١٢. و"منصور بن أبي الأسود": هو الليثيّ الكوفيّ، يقال: اسم أبيه حازم، صدوق رُمي بالتشيّع [٨]. قال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقة. وقال إبراهيم بن الجنيد، عن ابن معين: لا بأس به، كان من الشيعة الكبار. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وذكره ابن سعد في الطبقة السادسة من أهل الكوفة، وقال: كان تاجرًا كثير الحديث. روى له أبو داود، والترمذيّ، والمصنف، وله عنده في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. و"عبد الملك بن أبي سليمان" ميسرة: هو العَرزَميّ الكوفيّ، صدوق له أوهام [٥] ٧/ ٤٠٦. و"عطاء": هو ابن أبي رباح أسلم المكيّ، أبو محمد الفقيه الثقة الثبت المشهور [٣] ١١٢/ ١٥٤. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث أبي هريرة ﵁ هذا صحيح، تفرّد به المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا -١٩/ ٢١٤٧ و ٢١٤٨ و ٢١٤٩ و٢١٥٠ و ٢١٥١ - وفي "الكبرى" ٢٠/ ٢٤٥٧ و ٢٤٥٨ و ٢٤٥٩ و٢٤٦٠ و ٢٤٥٦١. وأخرجه (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ٨٥٤ و ٩٧٩٥. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢١٤٨ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ, عَنْ عَطَاءٍ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: "تَسَحَّرُوا, فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً". رَفَعَهُ ابْنُ أَبِي لَيْلَى). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أحمد بن سليمان": هو أبو الحسين الرُّهاويّ، ثقة حافظ [١١] ٣٨/ ٤٢ من أفراد المصنّف. و"يزيد": هو ابن هارون الواسطيّ الحافظ المشهور.

стр. 11251

وقوله: "رفعه ابن أبي ليلى": يعني أنه روى هذا الحديث محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ ، فرفعه. ونقل الحافظ أبو الحجّاج المزّيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "تحفة الأشراف" جـ١٠. ص ٢٦٨: ما نصّه: قال النسائيّ: ابن أبي ليلى ليّن الحديث، سيء الحفظ، ليس بالقويّ انتهى. ولم أر هذا الكلام للمصنّف لا في "المجتبى"، ولا في "الكبرى"، ولعله من اختلاف النسخ. واللَّه تعالى أعلم. وهذا يدلّ على أن المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- يرى أن رفع هذا الحديث ضعيف، لضعف ابن أبي ليلى، لكن الذي يظهر لي أنه صحيح؛ لأنه لم ينفرد ابن أبي ليلى به، بل تابعه على رفعه منصور بن أبي الأسود، كما سبق قبل حديث، وهو ثقة، فيصحّ الحديث. واللَّه تعالى اْعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ثم ذكر المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- رواية ابن أبي ليلى التي أشار إليها، فقال: ٢١٤٩ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي لَيْلَى, عَنْ عَطَاءٍ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تَسَحَّرُوا, فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "ابن أبي ليلى": هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاريّ الكوفيّ الفقيه القاضي، أبو عبد الرحمن، صدوق سيّء الحفظ جدًّا [٧]. قال أبو طالب، عن أحمد: كان يحيى بن سعيد يضعّفه. وقال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: كان سيء الحفظ، مضطرب الحديث، كان فقه ابن أبي ليلى أحبّ إلينا من حديثه. وقال مرّة: ابن أبي ليلى ضعيف، وفي عطاء أكثر خطأ. وقال أبو داود الطيالسيّ، عن شعبة: ما رأيت أحداً أسوأ حفظًا من ابن أبي ليلى. وقال رَوْح، عن شعبة: أفادني ابن أبي ليلى أحاديث، فإذا هي مقلوبة. وقال الجُوزَجانيّ، عن أحمد بن يونس: كان زائدة لا يُحدّث عنه، وكان قد ترك حديثه. وقال أبو حاتم، عن أحمد بن يونس: ذكره زائدة، فقال: كان أفقه أهل الدنيا. وقال العجلي: كان فقيهًا، صاحب سنّة، صدوقًا، جائز الحديث، وكان عالمًا بالقرآن، وكان من أحسب الناس، وكان جميلاً نبيلاً، وأول من استقضاه على الكوفة يوسف بن عمر الثقفيّ. وقال ابن أبي خيثمة، عن يحيى بن معين: ليس بذاك. وقال أبو زرعة: ليس بأقوى ما يكون. وقال أبو حاتم: محلّه الصدق، كان سيء الحفظ، شُغل بالقضاء، فساء حفظه، لا يتّهم بشيء من الكذب، إنما ينكر عليه كثرة الخطأ، يُكتب حديثه، ولا يُحتجّ به، وهو

стр. 11252

والحجّاج بن أرطأة ما أقربهما. وقال النسائيّ: ليس بالقويّ. وقال ابن حبّان: كان فاحش الخطإ، رديء الحفظ، فكثرت المناكير في روايته، تركه أحمد ويحيى. وقال الدارقطنيّ: كان رديء الحفظ، كثير الوَهَم. وقال ابن جرير الطبريّ: لا يُحتجّ به. وقال يعقوب بن سفيان: ثقة عدل، في حديثه بعض المقال، ليّن الحديث عندهم. وقال صالح بن أحمد، عن ابن المدينيّ: كان سيء الحفظ، واهي الحديث. وقال أبو أحمد الحاكم: عامّة أحاديثه مقلوبة. وقال الساجيّ: كان سيء الحفظ، لا يتعمّد الكذب، فكان يُمدَح في قضائه، فأما في الحديث فلم يكن حجّة. قال: وكان الثوريّ يقول: فقهاؤنا: ابن أبي ليلى، وابن شُبْرُمة. وقال ابن خزيمة: ليس بالحافظ، وإن كان فقيهًا عالمًا. قال البخاريّ: مات سنة (١٤٨). روى له الأربعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب ثمانية أحاديث برقم ٢١٤٩ و ٢١٥٠ و ٢٤٢٦ و ٢٤٢٧ و ٤٣١٣ و ٤٧٧٤ و ٤٩٠٢ و ٥٠٨١. و"عمرو بن عليّ": هو الفلاّس الصيرفيّ البصريّ الحافظ. و"يحيى": هو ابن سعيد القطّان الإمام المشهور. والحديث صحيح، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢١٥٠ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ وَاصِلِ بْنِ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ, عَنْ سُفْيَانَ, عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى, عَنْ عَطَاءٍ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ,, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تَسَحَّرُوا, فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عبد الأعلي بن واصل بن عبد الأعلى": الأسديّ الكوفيّ، ثقة، من كبار [١٠] ٥٤/ ٦١٨. و"يحيى بن آدم": هو أبو زكريا الكوفيّ، مولى بني أميّة الحافظ المثبت الفاضل، من كبار [٩] ١/ ٤٥١. و"سفيان ": هو الثوريّ الإمام. والحديث صحيح، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢١٥١ - (أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلاَّدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تَسَحَّرُوا, فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "زكريا بن يحيى": هو السِّجْزيّ، أبو عبد الرحمن، نزيل دمشق، ثقة حافظ [١٢] ١٨٩/ ١١٦١. من أفراد المصنّف.

стр. 11253

و"أبو بكر بن خَلاّد": هو محمد بن خلاد بن كثير الباهليّ، أبو بكر البصريّ، ثقة [١٠]. قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: أبو بكر بن خلاّد عرفته معرفة قديمة، لقيناه أيام المعتمر بالبصرة، وببغداد، وكان ملازما ليحى بن سعيد. وقال أبو بكر بن أعين: سمعت مسدّدًا يقول: أبو بكر بن خلاّد ثقة، ولكنه صَلِف (١). وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال معاوية بن عبد الكريم الزياديّ: أدركت البصرة، والناس يقولون: ما بها أعقل من أبي الوليد، وبعده أبو بكر بن خلاّد، وبعده عبّاس العنبريّ. ووثقه مسلمة بن قاسم. مات سنة (٢٤٠) على الصحيح. روى عنه مسلم، وأبو داود، وابن ماجه. وروى عنه المصنّف بواسطة زكريا السجزيّ هذا الحديث فقط. و"محمد بن فُضيل" بن غَزْوان: هو أبو عبد الرحمن الضبيّ مولاهم الكوفيّ، صدوق رُمي بالتشيّع [٩] ١٨/ ٧٩٩. و"يحيى بن سعيد": هو الأنصاريّ المدنيّ الحافظ الثبت. و"أبو سلمة": هو ابن عبد الرحمن بن عوف الفقيه المدنيّ، تقدّم قبل باب. واللَّه تعالى أعلم. (قَالَ: أَبو عَبْد الرحْمَنِ) النسائيّ -رحمه اللَّه تعالى- (حَدِيثُ يَحْيىَ بْنِ سَعِيدٍ هَذَا، إِسْنَادُهُ حَسَنٌ) أي لكون رجاله ثقات (وَهُوَ مُنْكَرٌ) الظاهر أن سبب النكارة كونه من رواية أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، لأن المعروف أنه من رواية عطاء، عن أبي هريرة ﵁. واللَّه تعالى أعلم (وَأَخَافُ أَنْ يَكُونَ الغَلَطُ، مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيلٍ) بن غَزْوان، حيث جعله عن يحيى بن سعيد، عن أبي سلمة، فخالف غيره من الثقات، فإن منصور بن أبي الأسود، ويزيد بن هارون جعلاه عن عبد الملك، عن عطاء، عن أبي هريرة. ويحيى القطان، والثوريّ جعلاه عن ابن أبي ليلى، عن عطاء. والحديث وإن تكلم في سنده المصنّف، صحيح بما سبق. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". …

стр. 11254

٢٠ - (تَأْخِيرُ السَّحُورِ، وَذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى زِرٍّ فِيهِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه الاختلاف فيه أن عاصمًا رواه عن زرّ، عن حُذيفة، مرفوعًا، وخالفه عديّ بن ثابت، فرواه عنه موقوفًا من فعل حذيفة ﵁، وأيضًا إن رواية عاصم تدلّ على أن السحور وقع بعد طلوع الفجر، بخلاف رواية عديّ، فإن ظاهرها أنه قبل طلوعه. والذي يظهر لي أن رواية الوقف هي أرجح، وهو الذي يظهر من صنيع المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- حيث أورد رواية عديّ بن ثابت بعدها، كعادته في إيراد الأخبار المعللة أوّلاً، ثم الأخبار الصحيحة، ثم أتبعها بما يقوّي ذلك، وهو أثر صِلَة بن زفر. وسيأتي تحقيق القول في ذلك قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢١٥٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا وَكِيعٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ عَاصِمٍ, عَنْ زِرٍّ, قَالَ: قُلْنَا لِحُذَيْفَةَ: أَىَّ سَاعَةٍ تَسَحَّرْتَ, مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ , قَالَ: "هُوَ النَّهَارُ, إِلاَّ أَنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَطْلُعْ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن يحيى بن أيوب) الثقفيّ، أبو يحيى المروزيّ المعلّم، ثقة حافظ [١٠]. ١٦٢/ ٢٥٤. ٢ - (وكيع) بن الْجَرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقة ثبت عابد [٩] ٢٣/ ٢٥. ٣ - (سفيان) بن سعيد الثوريّ الكوفيّ الإمام الحجة الثبت [٧] ٣٣/ ٣٧. ٤ - (عاصم) بن أبي النَّجُود، وهو ابن بَهْدَلة الأسديّ مولاهم، أبو بكر الكوفيّ المقرىء، صدوق له أوهام، حجة في القراءة، وحديثه في "الصحيحين" مقرون [٦] ٢٠/ ١٢٢١. ٥ - (زِرّ) بن حُبيش بن حُبَاشة الأسديّ، أبو مريم الكوفيّ، مخضرم ثقة فاضل [٢] ١٩٨/ ١٢٦. ٦ - (حُذيفة) بن اليمان، واسم اليمان حِسْل -بكسر، فسكون- أو حُسيل -مصغّرًا- العبسيّ حليف الأنصار الصحابيّ ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما -، مات في أول خلافة عليّ - رضي اللَّه تعالى عنه - سنة (٣٦) وتقدّم في ٢/ ٢. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 11255

لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو، والترمذيُ. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فمروزيّ. (ومنها): أن صحابيه من السابقين إلى الإِسلام، وهو صاحب سرّ رسول اللَّه ﷺ ، فقد روى مسلم في "صحيحه" أن رسول اللَّه ﷺ أعلمه بما كان وما يكون إلى أن تقوم الساعة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ زِرٍّ) بن حُبيش، أنه (قَالَ: قُلْنَا لِحُذَيْفَةَ) بن اليمان ﵄ (أَيَّ سَاعَةٍ) بنصب "أيّ" على الظرفية متعلقة بقوله (تَسَحَّرْتَ) أي أكلت السحور (مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟، قَالَ: "هُوَ النَّهَارُ) أي الوقت الذي تسحّرت فيه النهار (إِلاَّ أَنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَطْلُعْ") يعني أن الوقت هو النهار الحقيقيّ، غير أن الشمس لم تطلع، وهذا غاية كون الأكل وقع في النهار الحقيقيّ. [تنبيه]: نقل الحافظ أبو الحجّاج المزّيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "تحفة الأشراف" جـ٣ ص ٣١ - ٣٢ بعد أن أورد الحديث: ما نصّه: قال (س) -يعني النسائيّ-: لا نعلم أحدًا رفعه غير عاصم، فإن كان رفعه صحيحًا، فمعناه أنه قرب النهار، كقوله : ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٢]، معناه إذا قاربن البلوغ، وكقول القائل: بلغنا المنزل، إذا قاربه انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لم أر هذا الكلام للمصنّف، لا في "المجتبى"، ولا في "الكبرى"، ولعله لاختلاف النسخ، فاللَّه تعالى أعلم. ثمّ إنه يُبعِد هذا التأويلَ تأكيدُ حذيفة ﵁ -بقوله: "إلا أن الشمس لم تطلع"، فإنه ظاهر في كون المراد حقيقة النهار، لا مجازُه. فتنبّه. وقال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: الظاهر أن المراد هو النهار الشرعيّ، والمراد بالشمس الفجر، والمراد أنه في قرب طلوع الفجر، حيث يقال: إنه النهار، نعم ما كان الفجر طالعًا انتهى (١). وزاد في "شرحه" على "ابن ماجه": وقيل الحديث منسوخ، وهو مشكل بأن الصوم قد نُسخ فيه التشديد إلى التخفيف، دون العكس انتهى (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تأويل السنديّ قريب من التأويل المذكور عن النسائيّ،

стр. 11256

وفيه ما تقدّم فيما ذُكر عن النسائيّ، وهو أنه غير صحيح؛ لأن قول حذيفة ﵁: إلا أن الشمس لم تطلُع" صريح في إرادته طلوعها حقيقة، لا طلوع الفجر. فتنبّه. وأصرح في الردّ من هذا رواية الطحاويّ، فقد أخرج الحديث في "شرح معاني الآثار" جـ ٢ ص ٥٤ - ٥٥ من طريق رَوْح بن عُبادة، عن حماد، عن عاصم بن بَهْدَلَة، عن زِز بن حُبيش، قال: تسحّرت، ثم انطلقت إلى المسجد، فمررت بمنزل حذيفة، فدخلت عليه، فأَمَر بلِقْحَة، فحُلبت، وبقِدّرِ، فسُخِّنت، ثم قال: كُلْ، فقلت: إني أريد الصوم، قال: وأنا أريد الصوم، قال: فأكلنا، ثم شربنا، ثم أتينا المسجد، فأقيمت الصلاة، قال: هكذا فعل بي رسول اللَّه ﷺ ، أو صنعت مع رسول اللَّه ﷺ ، قلت: بعد الصبح؟ قال: بعد الصبح، غير أن الشمس لم تطلع. انتهى. فهذا صريح في ردّ ما نُقِل عن النسائيّ، من أن المراد قرب النهار، وعلى ما قاله السنديّ، من أن المراد بالشمس الفجر، والمراد قرب طلوع الفجر، فقد صرّح بأنه أكل بعد الصبح. قال الطحاويّ -رحمه اللَّه تعالى-: ففي هذا الحديث عن حذيفة أنه أكل بعد طلوع الفجر، وهو يريد الصوم، وَيحكِي مثل ذلك عن رسول اللَّه ﷺ . وقد جاء عن رسول اللَّه ﷺ خلاف ذلك، من أنه قال: "إن بلالاً يؤذّن بليل، فكلوا واشربوا، حتى ينادي ابن أم مكتوم". وأنه قال: "لا يمنعن أحدكم أذان بلال من سحوره، فإنه إنما يؤذّن لينتبه نائمكم، وليرجع قائمكم"، ثم وصف الفجر بما قد وصفه به، فدلّ ذلك على أنه هو المانع للطعام والشراب، وما سوى ذلك، مما يُمْنَعُ منه الصائم، فهذه الآثار التي ذكرناها مخالفة لحديث حذيفة. وقد يحتمل حديث حذيفة عندنا -واللَّه أعلم- أن يكون كان قبل نزول قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. انتهى المقصود من كلام الطحاويّ -رحمه اللَّه تعالى-، بشيء من الاختصار. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لكن الحديث لا يصح مرفوعًا؛ كما يأتي قريبًا، فلا يعارض الأحاديث الصحيحة التي أشار إليها الطحاويّ -رحمه اللَّه تعالى-، فتبصّر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث حذيفة ﵁ هذا مرفوعًا ضعيف؛ لتفرّد عاصم به، ومخالفته، وهو ممن لا

стр. 11257

يُحتَمَل مخالفته، فإنه وإن كان إماما في القراءة، إلا أنه سيء الحفظ، ولذا لم يخرّج له الشيخان إلا مقرونا، فتفرده برفع هذا الحديث، ومخالفته لعديّ بن ثابت، وهو أوثق منه يدلّ على وَهَمِه، ويدلّ على رُجحان رواية عديّ على روايته رواية صِلَة بن زُفَر للحديث موقوفًا أيضًا. والحاصل أن هذا الحديث لا يصحّ مرفوعًا، وإنما هو من فعل حذيفة ﵁، فلا يكون حديثه معارضًا للأدلّة الصريحة الصحيحة على أن طلوع الفجر، وتبيّه يمنع من الأكل والشرب، ونحوهما، وعلى تقدير صحته يحتمل أن يكون قبل هذه النصوص، كما تقدّم عن الطحاويّ -رحمه اللَّه تعالى-. واللَّه تعالى علم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٢٠/ ٢١٥٢ و ٢١٥٣ و ٢١٥٤ - وفي "الكبرى"-٢١/ ٢٤٦٢ و ٢٤٦٣ و ٢٤٦٤ و ٢٤٦٥. وأخرجه (ق) في "الصوم" ١٦٩٥. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في الوقت الذي يحرم فيه الأكل والشرب في الصوم: قال النووي -رحمه اللَّه تعالى- في "شرح المهذّب": ما حاصله: مذهب الشافعيّ، وأبي حنيفة، ومالك، وأحمد، وجماهير العلماء، من الصحابة، والتابعين، فمن بعدهم أن وقت الصوم يدخل بطلوع الفجر، فيحرم الطعام، والشراب، والجماع به. قال ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: وبه قال عمر بن الخطاب، وابن عباس، وعلماء الأمصار، قال: وبه نقول، قال: وروينا عن عليّ بن أبي طالب ﵁ أنه قال حين صلى الفجر: الآن حين تبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود. قال: ورُوي عن حُذيفة ﵁ أنه لما طلع الفجر تسحّر، ثم صلى، قال: وروي معناه عن ابن مسعود. وقال مسروق: لم يكونوا يَعُدّون الفجر فجركم، إنما كانوا يعدون الفجر الذي يملأ البيوت والطرق. قال: وكان إسحاق يميل إلى القول الأول من غير أن يطعن علي الآخرين، قال إسحاق: ولا قضاء على من أكل في الوقت الذي قاله هؤلاء. هذا كلام ابن المنذر انتهى كلام النوويّ (١). وقال في "الفتح": وذهب جماعة من الصحابة -وقال به الأعمش من التابعين، وصاحبه أبو بكر بن عيّاش- إلى جواز السحور إلى أن يتّضح الفجر، فروى سعيد بن منصور (٢)، عن أبي الأحوص، عن عاصم، عن زرّ، عن حذيفة، قال: "تسحّرنا مع

стр. 11258

رسول اللَّه ﷺ هو واللَّه النهار، غير أن الشمس لم تطلع". وأخرجه الطحاويّ من وجه آخر، عن عاصم نحوه. وروى ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق ذلك عن حذيفة من طرق صحيحة. وروى سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن المنذر من طرق عن أبي بكر أنه أمر بغلق الباب حتى لا يرى الفجر. وروى ابن المنذر بإسناد صحيح عن عليّ أنه صلى الصبح، ثم قال: الآن حين تبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود. قال ابن المنذر: وذهب بعضهم إلى أن المراد بتبيّن بياض النهار من سواد الليل أن ينتشر في الطرق والسكك والبيوت، ثم حكى ما تقدّم عن أبي بكر وغيره. وروى بإسناد صحيح عن سالم بن عُبيد الأشجعيّ -وله صحبة- أن أبا بكر قال له: اخرج، فانظر هل طلع الفجر؟ قال: فنظرت، ثم أتيته، فقلت: قد ابيضّ، وسطع، ثم قال: اخرج، فانظر هل طلع؟ فنظرت، فقلت: قد اعترض، فقال: الآن أبلغني شرابي. وروى من طريق وكيع، عن الأعمش أنه قال: لولا الشهوة (١) لصليت الغداة، ثم تسحّرت. قال إسحاق: هؤلاء رأوا جواز الأكل، والصلاة بعد طلوع الفجر المعترض حتى يتبيّن بياض النهار من سواد الليل، قال إسحاق: وبالقول الأول أقول، لكن لا أطعن علي من تأول الرخصة كالقول الثاني، ولا أرى عليه قضاء، ولا كفّارة. قال الحافظ: وفي هذا تعقّب على الموفّق وغيره، حيث نقلوا الإجماع على خلاف ما ذهب إليه الأعمش. واللَّه أعلم انتهى (٢). واحتجّ الجمهور بالأحاديث الصحيحة المشهور المتظاهرة: (منها): حديث عديّ بن حاتم ﵁، قال: لما نزلت: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، قلت: يا رسول اللَّه إني أجعل تحت وسادتي عقالين، عقالا أبيض، وعقالاً أسود، أعرف الليل من النهار، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إن وسادك لَعَريض، إنما هو سواد الليل، وبياض النهار". متفق عليه. (ومنها): حديث سهل بن سعد ﵁، قال: أنزلت: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾، ولم ينزل ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض، والخيط الأسود، ولا يزال يأكل حتى يتبيّن له رؤيتهما، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، فعلموا أنه يعني به الليل من النهار. متفق عليه.

стр. 11259

(ومنها): حديث سمرة بن جندب ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يغرّنّكم أذان بلال، ولا هذا العارض لعمود الصبح حتى يستطير". رواه مسلم. (ومنها): حديث ابن مسعود ﵁ -عن النبيّ قال: "لا يمنعن أحدكم -أو أحدًا منكم- أذان بلال من سحوره، فإنه يؤذّن -أو ينادي- بليل ليرجع قائمكم، ولينبّه نائمكم، وليس أن يقول الفجر -أو الصبح- وقال بأصابعه، ورفعها إلى فوقُ، وطأطأ إلى أسفل حتى يقول هكذا، وقال بسبابته إحداهما فوق الأخرى، ثم مدهما عن يمينه وشماله". رواه البخاريّ. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما ذهب إليه الجمهور، من أن وقت الصوم يدخل بطلوع الفجور هو الأرجح، لظهور أدلّته. لكن المراد بطلوعه تحققه وتبيّنه، فلو شك في طلوعه جاز له الأكل وغيره حتى يتيقّن طلوعه، لظاهر الآية المذكورة. قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: ولو شكّ في طلوع الفجر جاز له الأكل، والشرب، والجماع، وغيرها بلا خلاف حتى يتحقق الفجر للآية الكريمة: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾، ولِمَا صحّ عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "كُلْ ما شككت حتى يتبيّن لك". رواه البيهقيّ بإسناد صحيح. وفي رواية عن حبيب بن أبي ثابت، قال: "أرسل ابن عباس رجلين ينظران الفجر، فقال أحدهما: أصحبت، وقال الآخر: لا، قال: اختلفتما أرني شرابي". قال البيهقيّ: وروي هذا عن أبي بكر الصدّيق، وعمر، وابن عمر ﵄، وقول ابن عباس: "أرني شرابي" جار على القاعدة أنه يحلّ الشرب، والأكل حتى يتبيّن الفجر، ولو كان قد تبيّن لما اختلف الرجلان فيه، لأن خبريهما تعارضا، والأصل بقاء الليل، ولأن قوله: "أصبحت" ليس صريحًا في طلوع الفجر، فقد تطلق هذه اللفظة لمقاربة الفجر. واللَّه أعلم انتهى كلام النوويّ (١). وهو بحثٌ نفيسٌ جدًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢١٦٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ عَدِيٍّ قَالَ: سَمِعْتُ زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ, قَالَ: تَسَحَّرْتُ مَعَ حُذَيْفَةَ, ثُمَّ خَرَجْنَا إِلَى الصَّلَاةِ, فَلَمَّا أَتَيْنَا الْمَسْجِدَ, صَلَّيْنَا رَكْعَتَيْنِ, وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ, وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا إِلاَّ هُنَيْهَةٌ). قال الجَامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد": هو ابن جعفر، المعروف بـ"غُندَر".

стр. 11260

و"عديّ": هو ابن ثابت الأنصاريّ الكوفيّ، ثقة [٤] ٤٩/ ٦٠٥. وقوْله. "هُنهية": بالتصغير، أي إلا قدر يسير. والحديث موقوف صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإلية المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢١٥٤ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو يَعْفُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ, عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ, قَالَ: "تَسَحَّرْتُ مَعَ حُذَيْفَةَ, ثُمَّ خَرَجْنَا إِلَى الْمَسْجِدِ (١) , فَصَلَّيْنَا رَكْعَتَىِ الْفَجْرِ, ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ, فَصَلَّيْنَا"). قال الجَامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"عمرو بن عليّ": هو الفلاس. و"أبو يعفور": عبد الرحمن بن عُبيد بن نِسْطاس الكوفيّ، ثقة [٥] ١٧/ ١٦٣٩. و"إبراهيم": هو ابن يزيد النخعيّ. و"صِلَة بن زُفَر": هو العبسيّ، أبو العلاء الكوفيّ، تابعيّ كبير [٢] ٧٧/ ١٠٠٨. والحديث موقوف صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٢١ - (قَدْرُ مَا بَيْنَ السَّحُورِ، وَبَيْنَ صَلَاةِ الصُّبْحِ) أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على بيان مقدار الوقت الذي بين انتهاء السحور، وابتداء الصلاة؛ لأن المراد تقدير الزمان الذي ترك فيه الأكل، والمراد بفعل الصلاة أولُ الشروع فيها. قاله الزين ابن المنيّر -رحمه اللَّه تعالى- (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢١٥٥ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ أَنَسٍ, عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ, قَالَ: "تَسَحَّرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , ثُمَّ قُمْنَا إِلَى الصَّلَاةِ, قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟ , قَالَ: قَدْرَ مَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ خَمْسِينَ آيَةً).

стр. 11261

رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزيّ ابن راهويه، ثقة ثبت حجة [١٠] ٢/ ٢. ٢ - (وكيع) بن الجرّاح المذكور في الباب الماضي. ٣ - (هشام) بن أبي عبد اللَّه، واسمه سَنْبَر بوزن جعفر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت رُمي بالقدر، من كبار [٧] ٣٠/ ٣٤. ٤ - (قتادة) بن دِعَامة السدوسيّ، أبو الخطاب البصريّ، ثقة ثبت يُدلّس [٤] ٣٠/ ٣٤. ٥ - (أنس) بن مالك الصحابي الخادم الشهير - رضي اللَّه تعالى عنه - ٦/ ٦. ٦ - (زيد بن ثابت) بن الضحاك الأنصاريّ النجاريّ الصحابيّ الشهير ﵁، كاتب الوحي، قال مسروق: كان من الراسخين في العلم، مات ﵁ سنة خمس، أو ثمان وأربعين، وقيل: بعد الخمسين، تقدّم في ١٢٢/ ١٧٩. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله عندهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ) وفي رواية للبخاريّ من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة: قال: قلت لأنس … فصرح بالسؤال (عَنْ زَيْدِ بنِ ثَابت) ﵁، أنه قال (قَالَ: "تَسَحَّرنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ قُمْنَا إِلَى الصَّلَاةِ، قُلْتُ) القائل أنس، والمقول له زيد بن ثابت ﵄، وفي رواية لأحمد عن يزيد بن هارون، عن همام، وفيه أن أنسًا قال: قلت لزيد … (كَمْ كانَ بَيْنَهُمَا؟، قَالَ: قَدْرُ مَا يَقرَأُ الرَّجُلُ خَمْسِينَ آيَةً) أي متوسّطة، لا طويلة، ولا قصيرة، لا سريعة، ولا بطيئة، و"قدرُ" بالرفع على أنه خبر المبتدإ، ويجوز النصب على أنه خبر"كان" المقدّرة في جواب زيد، لا في سؤال أنس؛ لئلا تصير "كان" واسمها من قائل واحد، والخبر من آخر: أي كان الزمن قدرَ الخ. وقال المهلّب وغيره: فيه تقدير الأوقات بأعمال البدن، وكان العرب تقدر الأوقات بالأعمال، كقولهم: قدر حلب شاة، وقدر نحر جزور، فعدل زيد بن ثابت ﵁ عن ذلك التقدير بالقراءة، إشارةً إلى أن ذلك الوقت كان وقت عبادة بالتلاوة، ولو كانوا يقدّرون بغير العمل لقال مثلاً قدر درجة، أو ثلث، أو خمس ساعة. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 11262

مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث زيد بن ثابت ﵁ هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٢١/ ٢١٥٥ و ٢٢/ ٢١٥٦ - وفي "الكبرى" ٢٢/ ٢٤٦٥ و ٢٣٢٤٦٦. وأخرجه (خ) في "مواقيت الصلاة" ٥٤١ و ٥٤٢ و"الصوم" ١٧٨٧ (م) في "الصوم" ١٨٣٧ (ت) في "الصوم" ٦٣٨ (ق) في ١٦٨٤ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ١٢٢٧٨ و ١٢٩٧٧ و ٢٠٦٠٣ (الدارمي) في "الصوم" ١٦٣٣. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان القدر الذي يكون بين السحور وصلاة الصبح، وذلك قدر قراءة خمسين آية (ومنها): استحباب تأخير السحور؛ لكونه أبلغ في المقصود (ومنها): ما قاله ابن أبي جمرة -رحمه اللَّه تعالى-: فيه الإشارة إلى أن أوقاتهم كانت مستغرقة بالعبادة (ومنها): ما قاله أيضًا: كان ﷺ ينظر ما هو الأرفق بأمته، فيفعله, لأنه لو لم يتسحّر لاتبعوه، فيشقّ على بعضهم، ولو تسحّر في جوف الليل لشقّ أيضًا على بعضهم، ممن يغلب عليه النوم، فقد يفضي إلى ترك الصبح، أو يحتاج إلى المجاهدة بالسهر. (ومنها): ما قاله أيضًا: فيه تقوية على الصيام؛ لعموم الاحتياج إلى الطعام، ولو ترك لشقّ على بعضهم، ولا سيّما من كان صفراويًّا، فقد يُغشى عليه، فيفضي إلى الإفطار في رمضان انتهى (ومنها): تأنيس الفاضل أصحابه بالمؤاكلة، وجواز المشي بالليل للحاجة؛ لأن زيد بن ثابت ﵁ ما كان يبيت مع النبيّ ﷺ (ومنها): استحباب الاجتماع على السحور (ومنها): حسن الأدب في العبارة؛ لقوله: "تسحّرنا مع رسول اللَّه ﷺ "، ولم يقل: نحن ورسول اللَّه ﷺ ؛ لما يُشعر لفظ المعيّة بالتبعيّة (ومنها): ما قاله القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: فيه دلالة على أن الفراغ من السحور كان قبل طلوع الفجر، فهو معارض لقول حذيفة ﵁: "هو النهار، إلا أن الشمس لم تطلع" انتهى. وأجاب الحافظ بأنه لا معارضة، بل تحمل على اختلاف الحال، فليس في رواية واحد منهما ما يشعر بالمواظبة، فتكون قصّة حذيفة سابقة انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 11263

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإلية أنيب". … ٢٢ - (ذِكْرُ اخْتِلَافِ هِشَامِ، وَسَعِيدٍ عَلَى قَتَادَةَ فِيهِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه الاختلاف المذكور أن هشاما الدستوائيّ رواه عن قتادة، عن أنس، عن زيد بن ثابت، فجعله من مسند زيد ﵁، ووافقه همّام بن يحيى العَوْذيّ، عن قتادة، وقد أخرجه البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" من طريقيهما في "مواقيت الصلاة" رقم ٢٧/ ٥٧٥ و ٥٧٦. وخالفه سعيد بن أبي عَرُوبة، فرواه عن قتادة، عن أنس ﵁، قال: "تسحّر رسول اللَّه ﷺ ، وزيد بن ثابت … "، فجعله من مسند أنس ﵁، وأخرج البخاري طريق هشام في "الصيام" رقم ١٩/ ١٩٢١. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وتَرَجَّحَ عند مسلم روايةُ همّام، فإنه أخرجها، وأعرض عن رواية سعيد، ويدلّ على رجحانها أيضًا أن الإسماعيليّ أخرج رواية سعيد من طريق خالد بن الحارث، عن سعيد، فقال: "عن أنس، عن زيد بن ثابت". قال: والذي يظهر لي في الجمع بين الروايتين أن أنسًا حضر ذلك لكنه لم يتسحّر معهما، ولأجل هذا سأل زيدًا عن مقدار وقت السحور. قال: ثم وجدت ذلك صريحا في رواية النسائيّ، وابن حبّان، ولفظهما: "عن أنس، قال: قال لي رسول اللَّه ﷺ : يا أنس إني أريد الصيام، أطعمني شيئًا، فجئته بتمر، وإناء فيه ماء، وذلك بعد ما أذّن بلال، قال: يا أنس انظر رجلاً يأكل معي، فدعوت زيد بن ثابت، فجاء، فتسحّر معه، ثم قام، فصلّى ركعتين، ثم خرج إلى الصلاة" (١). فعلى هذا فالمراد بقوله: "كم كان بين الأذان والسحور" أي أذان ابن أم مكتوم؛ لأن بلالاً كان يؤذن قبل الفجر، والآخر يؤذن إذا طلع انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

стр. 11264

٢١٥٦ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ,, قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ, عَنْ أَنَسٍ, عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ, قَالَ: "تَسَحَّرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , ثُمَّ قُمْنَا إِلَى الصَّلَاةِ, قُلْتُ: زُعِمَ (١) أَنَّ أَنَسًا الْقَائِلُ- مَا كَانَ بَيْنَ ذَلِكَ؟ قَالَ: قَدْرَ مَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ خَمْسِينَ آيَةً"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وهو ثقة. و"خالد": هو ابن الحارث الْهُجَيميّ البصريّ الحافظ الثبت. وقوله: "زَعَم الخ"، فاعل: "زَعَم" ضمير خالد بن الحارث، كما بينته رواية الإسماعيليّ، أي قال خالد: إن قائل: "ما كان بين ذلك؟ " هو أنس ﵁. وعبارة الحافظ في "الفتح" عند شرح قوله: "قلت: كم كان بينهما؟ ": ووقع عند الإسماعيليّ من رواية عفّان، عن همام: "قلنا لزيد"، ومن رواية خالد بن الحارث، عن سعيد، قال: خالد: -أنس القائل- كم كان بينهما؟، ووقع عند المصنّف -يعني البخاريّ- من رواية روح، عن سعيد: قلت لأنس، فهو مقول قتادة، قال الإسماعيليّ: والروايتان صحيحتان، بأن يكون أنس سأل زيدًا، وقتادة سأل أنسا. واللَّه أعلم انتهى (٢). وقوله: "ما كان بين ذلك؟ " "ما" استفهامية، أي أي وقت كان بين السحور والقيام للصلاة. والحديث متفق عليه، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢١٥٧ - (أَخْبَرَنَا أَبُو الأَشْعَثِ, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ أَنَسٍ, ﵁, قَالَ: "تَسَحَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ, ثُمَّ قَامَا, فَدَخَلَا فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ, فَقُلْنَا لأَنَسٍ" كَمْ كَانَ بَيْنَ فَرَاغِهِمَا, وَدُخُولِهِمَا فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: قَدْرَ مَا يَقْرَأُ الإِنْسَانُ خَمْسِينَ آيَةً"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و"أبو الأشعث": هو أحمد بن المقدام العجليّ البصريّ، صدوق [١٠] ١٣٨/ ٣١٩. و "سعيد": هو ابن أبي عروبة.

стр. 11265

والحديث أخرجه البخاريّ، كما مر بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٢٣ - (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى سُلَيمَانَ ابْنِ مِهْرَانَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي تَأخِيرِ السَّحُورِ، وَاخْتِلَافِ أَلْفَاظِهِمْ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه الاختلاف المذكور أن شعبة رواه عن سليمان الأعمش، عن خيثمة بن عبد الرحمن، عن أبي عطيّة، قال: قلت لعائشة … وتابعه الثوريّ، فيه، وخالفهما زائدة، فرواه عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن أبي عطيّة، قال: دخلت أنا، ومسروق على عائشة، فقال لها مسروق: رجلان .... وتابعه فيه أبو معاوية، عن الأعمش. والظاهر أن مثل هذا الاختلاف لا يضرّ في صحة الحديث، لإمكان الجمع يكون الأعمش رواه بالطريقين: طريقِ خيثمة، عن أبي عطيّة، وطريقِ عمارة، عن أبي عطيّة. وقد أخرجه مسلم من طريق أبي معاوية، ويحيى بن أبي زائدة، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن أبي عطيّة. وأما اختلاف الألفاظ فسيأتي بيانه خلال الشرح، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢١٥٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ سُلَيْمَانَ, عَنْ خَيْثَمَةَ, عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ, قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: فِينَا رَجُلَانِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ : أَحَدُهُمَا يُعَجِّلُ الإِفْطَارَ, وَيُؤَخِّرُ السُّحُورَ, وَالآخَرُ يُؤَخِّرُ الإِفْطَارَ, وَيُعَجِّلُ السُّحُورَ, قَالَتْ: "أَيُّهُمَا الَّذِي يُعَجِّلُ الإِفْطَارَ, وَيُؤَخِّرُ السُّحُورَ؟ ", قُلْتُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ, قَالَتْ: "هَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصْنَعُ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (محمد بن عبد الأعلى) الصنعانيّ، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقة [١٠] ٥/ ٥. ٢ - (خالد) بن الحارث الهجيميّ البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٤٢/ ٤٧. ٣ - (شعبة) بن الحجاج البصريّ الإمام الحجة الثبت [٧] ٢٤/ ٢٧.

стр. 11266

٤ - (سليمان) بن مِهْران الأعمش الكوفيّ الإمام المشهور الحجة [٥] ١٧/ ١٨. ٥ - (خيثمة) بن عبد الرحمن بن أبي سَبْرَة الجعفيّ الكوفيّ الثقة [٣] ١١٤/ ٢٠٥٦. ٦ - (أبو عطيّة) مالك بن عامر، أو ابن أبي عامر، أو ابن عوف، أو ابن حمزة، أو ابن أبي حمزة الوادعيّ الكوفيُّ، مشهور بكنيته، ثقة [٢] ١٠/ ١١٩٨. ٧ - (عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها -٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالبصريين، والثاني بالكوفيين، وعائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - مدنيّة. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، عن خيثمة، عن أبي عطيّة، وفيه عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أبيِ عَطِيّةَ) الواعيّ، أنه (قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ) ﵂، وفي الرواية الآتية بعد حديث، من طريق زائدة، عن الأعمش، عن عمارة، عن أبي عطيّة، قال: دخلت أنا ومسروق، على عائشة، فقال لها مسروق: رجلان من أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، كلاهما لا يألو عن الخير، أحدهما يؤخّر الصلاة … ". ومن طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن عمارة، عن أبي عطيّة، قال: "دخلت أنا ومسروق على عائشة، فقلنا لها: يا أم المؤمنين رجلان … ". ويجمع بين هذا الاختلاف يكون مسروق هو الذي تولّى السؤال؛ لكون عائشة ﵂ تعرفه، حيث كان كثير الرواية عنها، بخلاف أبي عطيّة، فإنه ما يروي عنها إلا قليلاً، وإنما قال أبو عطيّة: قلت لعائشة، أو قلنا لها، لكونه طلب من مسروق أن يسألها. واللَّه تعالى أعلم. (فِينَا رَجُلَانِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ : أَحَدُهُمَا يُعَجِّلُ الإِفْطَارَ) أي يختار تعجيل الفطر في الصوم (وُيؤَخِّرُ السُّحُوَرَ) بضم السين، أي يختار تأخير الأكل في وقت السحر، ويحتمل أن يكون بفح السين، اسمًا للمأكول في ذلك الوقت، كما تقدم بيان الضبطين مستوفًى في -١٨/ ٢١٤٤ - وإنما فعل ذلك اتباعًا للسنّة (وَالْآخَرُ يُؤَخِّرُ الْإِفْطَارَ، وَيُعَجِّلُ السُّحُورَ) أي فمن هو على السنة؟. والظاهر أن الآخر إنما فعل ذلك ليبّين للناس جوازه، أو فعله احتياطًا، حيث لم

стр. 11267

تبلغه السنّة في ذلك (قَالَتْ) عائشة ﵂ ("أَيُّهُمَا الَّذِي يُعَجُلُ الإِفْطَارَ، وَيُؤَخِّرُ السُّحُور؟ "، قُلْتُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودِ) ﵁، أي والآخر أبو موسى الأشعريّ ﵁، كما يأتي في رواية عمارة، عن أبي عطيّة (قَالَتْ: "هَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصْنَعُ") أي إن فعل ابن مسعود ﵁ -هو الموافق لسنة رسول اللَّه ﷺ ، والآخر مجتهد مأجور حيث لم يخالف السنّة قصدًا، كما يأتي من طريق زائدة قوله: "كلاهما لا يألو عن الخير". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عائشة ﵂ هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٢٣/ ٢١٥٨ و ٢١٥٩ و ٢١٦٠ و ٢١٦١ - وفي "الكبرى" ٢٤/ ٢٤٦٨ و ٢٤٦٩ و ٢٤٧٠ و ٢٤٧١. وأخرجه (م) "الصوم" ٢٥٥١ و ٢٥٥٢ (د) في "الصوم "٢٣٥٤ (ت) في "الصوم" ٧٠٢ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٣٠٨١ و٢٤٢٣٠ واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان الاختلاف على سليمان الأعمش في حديث عائشة ﵂، وقد بيّنّا وجهه (ومنها): استحباب تعجيل الإفطار، وتأخير السحور. قال الحافظ ابن عبد البّر -رحمه اللَّه تعالى-: أحاديث تعجيل الفطر، وتأخير السحور صحاح متواترة. وعند عبد الرزّاق وغيره بإسناد صحيح، عن عمرو بن ميمون الأوديّ، قال: "كان أصحاب محمد ﷺ أسرع الناس إفطارًا، وأبطأهم سحورًا" انتهى (١). (ومنها): أن أكابر الصحابة، ومن بعدهم قد تخفى عليهم السنّة، فيجتهدون، فيعملون بخلافها، وأنهم معذورون ومأجورون بذلك، وأما من قلّدهم، فلا عذر له إذا تبيّن له النصّ (ومنها): أن اختلاف أهل العلم كثيرًا ما يكون مبناه على اطلاع بعضهم على النصوص، وعدم اطلاع الآخرين عليها (ومنها): أن فيه بيانَ كثرة علم عائشة ﵂ بالسنّة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

стр. 11268

٢١٥٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ,,, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنْ خَيْثَمَةَ, عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ, قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: فِينَا رَجُلَانِ: أَحَدُهُمَا يُعَجِّلُ الإِفْطَارَ, وَيُؤَخِّرُ السُّحُورَ, وَالآخَرُ يُؤَخِّرُ الْفِطْرَ, وَيُعَجِّلُ السُّحُورَ, قَالَتْ: أَيُّهُمَا الَّذِي يُعَجِّلُ الإِفْطَارَ, وَيُؤَخِّرُ السُّحُورَ؟ , قُلْتُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ, قَالَتْ: هَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصْنَعُ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق آخر لحديث عائشة ﵂، ساقه المصنّف لبيان متابعة الثوريّ لشعبة، كما قدمت بيانه أوَّلَ الباب. و"عبد الرحمن": هو ابن مهديّ. و"سفيان": هو الثوريّ، والحديث صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢١٦٠ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ, عَنْ زَائِدَةَ, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنْ عُمَارَةَ, عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ, قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَمَسْرُوقٌ, عَلَى عَائِشَةَ, فَقَالَ: لَهَا مَسْرُوقٌ: رَجُلَانِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , كِلَاهُمَا لَا يَأْلُو عَنِ الْخَيْرِ, أَحَدُهُمَا يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ وَالْفِطْرَ, وَالآخَرُ يُعَجِّلُ الصَّلَاةَ وَالْفِطْرَ, فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَيُّهُمَا الَّذِي يُعَجِّلُ الصَّلَاةَ وَالْفِطْرَ؟ , قَالَ: مَسْرُوقٌ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ, فَقَالَتْ عَائِشَةُ: هَكَذَا كَانَ يَصْنَعُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق ثالث لحديث عائشة ﵂ أيضًا، ساقه المصنّف لبيان مخالفة زائدة لشعبة وسفيان في روايتهما عن الأعمش، عن خيثمة بن عبد الرحمن، عن أبي عطية، فرواه عن شعبة، عن عُمَارة بن عُمير عن أبي عطيّة، وقد تقدّم تصحيح الطريقين قريبًا، فلا تغفل. و"أحمد بن سليمان": هو أبو الحسين الرُّهَاويّ الحافظ، من أفراد المصنّف. و"حسين": هو ابن عليّ بن الوليد الجعفيّ المقرئ الثبت الكوفيّ. و"زائدة": هو ابن قُدَامة الحافظ المتقين الكوفيّ. و"عُمارة بن عُمَير": هو التيميّ الكوفيّ الثقة الثبت [٤] ٤٩/ ٦٠٨. وقوله: "لا يألو عن الخير": أي لا يُقَصِّر عن فعل الخير. وقوله: "يؤخّر الصلاة": أي صلاة المغرب. والحديث صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢١٦١ - (أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ, عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنْ عُمَارَةَ, عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ, قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَمَسْرُوقٌ, عَلَى عَائِشَةَ, فَقُلْنَا لَهَا: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ, رَجُلَانِ

стр. 11269

مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ : أَحَدُهُمَا يُعَجِّلُ الإِفْطَارَ, وَيُعَجِّلُ الصَّلَاةَ, وَالآخَرُ يُؤَخِّرُ الإِفْطَارَ, وَيُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ, فَقَالَتْ: أَيُّهُمَا يُعَجِّلُ الإِفْطَارَ, وَيُعَجِّلُ الصَّلَاةَ؟ , قُلْنَا: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ, قَالَتْ: هَكَذَا كَانَ يَصْنَعُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وَالآخَرُ أَبُو مُوسَى, ﵄). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أبو معاوية": هو محمد بن خازم الضرير الكوفيّ الحافظ. وقوله: "والآخر أبو موسى": الظاهر أنه من قول أبي عطية، ومسروق، وأما ما وقع عند مسلم في "صحيحه" من قوله بعد أن رواه عن يحيى بن يحيى، وأبي كريب، كلاهما عن أبي معاوية: "زاد أبو كريب: والآخر أبو موسى". فمعناه أن أبا كريب زاد في روايته على رواية يحيى، لا أنه قال ذلك من عند نفسه. والحديث أخرجه مسلم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٢٤ - (فَضْلُ السُّحُورِ) أي هذا باب ذكر الحديث الدال على بيان فضل السحور، بضم السين، وفتحها، على ما قدّمنا بيانه. ٢١٦٢ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ, صَاحِبِ الزِّيَادِيِّ, قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ, يُحَدِّثُ عَنْ رَجُلٍ, مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ , وَهُوَ يَتَسَحَّرُ فَقَالَ: «إِنَّهَا بَرَكَةٌ أَعْطَاكُمُ اللَّهُ إِيَّاهَا, فَلَا تَدَعُوهُ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إسحاق بن منصور) بن بَهْرَام الكوسج، أبو يعقوب المروزيّ، ثقة ثبت [١١] ٧٢/ ٨٨. ٢ - (عبد الحميد صاحب الزياديّ) هو ابن دينار بن كُرْديد، وقيل: ابن واصل، البصريّ، ومنهم من جعلهما اثنين، ثقة [٤]. روى عن أنس، وأبي رجاء العطارديّ، وثابت البنانيّ، والحسن البصريّ، وغيرهم.

стр. 11270

وعنه شعبة، وحماد بن زيد، وابن عليّة، وغيرهم. قال أحمد، وابن معين: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". قال الحافظ: ذكره ابن حبّان في أتباع التابعين، كأنه لم يصحّ عنده لُقيّه لأنس، وفرق بين ابن دينار، وابن كُرديد تبعًا للبخاريّ، وكذا فعل ابن أبي حاتم. روى له الجماعة، سوى الترمذيّ، وابن ماجه، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٣ - (عبد اللَّه بن الحارث) الأنصاريّ البصريّ، نسيب ابن سيرين، ثقة [٣]. ٨٢/ ١٣٣٨. و"عبد الرحمن" بن مهديّ، وشعبة بن الحجاج تقدّما في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ رَجُلٍ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ) ولا تضرّ جهالته؛ لأن الصحابة - رضي اللَّه تعالى - عنهم كلهم عدول (قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ يَتَسَحَّرُ) جملة في محلّ نصب على الحال من "النبيّ" (فَقَالَ: "إِنَّهَا بَرَكَةٌ) أي إن هذه الأكلة ذات بركة. وقال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: أي إن هذا الطعام، أو التسحّر، والتأنيث باعتبار الخبر انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: التقدير الأول أولى؛ لما سيأتي من قوله: "أكلة السحور". واللَّه تعالى أعلم. (أَعْطَاكُمُ اللَّهُ إِيَّاهَا) أي نَدَبَكم إليها، أو خصّكم بإباحتها، دون أهل الكتاب. قال القاضي عياض -رحمه اللَّه تعالى-: هو مما اختصّت به هذه الأمّة في صومها انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ويؤيده ما يأتي بعد بابين، من حديث عمرو بن العاص ﵁، مرفوعًا: "إن فصل ما بين صيامنا، وصيام أهل الكتاب أكلة السحور". ثم إن هذا هو محلّ الاستدلال على الترجمة، فإن كونها بركة، وكونها خُصت بها هذه الأمة يدلّ دلالة واضحة على فضل السحور. واللَّه تعالى أعلم. (فَلَا تَدَعُوهُ") أي لا تتركوا السحور، فالتذكير باعتبار "السحور"، وهذا الأمر للاستحباب، لأنه ﷺ واصل بأصحابه، فلو كان التسحّر واجبًا لما فعل ذلك. واللَّه تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا - ٢٤/ ٢١٦٢ - وفي "الكبرى" ٢٥/ ٢٤٧٢. وأخرجه (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٢٠٢٣ و ٢٢٠٠٦١. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإلية المرجع والمآب.

стр. 11271

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٢٥ - (دَعْوَةُ السّحُورِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: المراد دَعْوة الناس لياكلوا السَّحُور، فالإضافة بمعنى اللام. قال الفيّومّي -رحمه اللَّه تعالى-: الدَّعْوَة -بالفتح- في الطعام، اسم من دَعَوْتُ الناسَ: إذا طلبتَهم ليأكلوا عندك، يقال: نحن في دَعْوَة فلان، ومدّعَاتِهِ، ودُعَائِهِ بمعنًى. قال: والدِّعْوَة -بالكسر- في النسبة، يقال: دَعَوته بابن زيد. قال أبو عُبيد: وهذا كلام أكثر العرب إلا عَديّ الرِّبَاب، فإنهم يَعكسُون، ويجعلون الفتح في النسب، والكسر في الطعام. وقال الأزهريّ: الدِّعْوَةُ -بالكسر-: ادعاءُ الولدِ الدَّعيّ غيرَ أبيه انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢١٦٣ - (أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ يُوسُفَ, بَصْرِيٌّ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ, عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ, عَنْ يُونُسَ بْنِ سَيْفٍ, عَنِ الْحَارِثِ بْنِ زِيَادٍ, عَنْ أَبِي رُهْمٍ, عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ, قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , وَهُوَ يَدْعُو إِلَى السَّحُورِ, فِي شَهْرِ رَمَضَانَ, وَقَالَ: «هَلُمُّوا إِلَى الْغَدَاءِ الْمُبَارَكِ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (شعيب بن يوسف) أبو عمرو النسائيّ، ثقة صاحب حديث [١٠] ٤٢/ ٤٩. [تنبيه]: قوله: "بصريّ" هكذا هو في نسخ "المجتبى" "بصريّ"، ولا يوجد في "الكبرى"، ولم أجد في كتب الرجال كونه منسوبًا إلى البصرة، بل هو فيها منسوب إلى نَسَاء، فليحرّر. واللَّه تعالى أعلم. ٢ - (عبد الرحمن) بن مهديّ المتقدّم قريبًا. ٣ - (معاوية بن صالح) بن حُدَير الحضرميّ الحمصيّ، قاضي الأندلس، صدوقٌ له أوهام [٧] ٥٠/ ٦٢.

стр. 11272

٤ - (يونس بن سيف) الكلاعيّ الحمصيّ، ثقة (١) [٤]. روى عن الحارث بن زياد، وأبي إدريس الخولانيّ، وغُضَيف بن الحارث، وأبي كَبْشة السَّلُوليّ، وغيرهم. وعنه ثور بن يزيد، ومحمد بن الوليد الزُّبيديّ، ومروان بن سالم، ومعاوية بن صالح، وآخرون. قال ابن سعد: كان معروفًا، وله أحاديث. وقال ابن حبّان في "الثقات": سأل أبا أمامة عن صيد الْمِعْرَاض. وقال البزّار: صالح الحديث. وقال الدارقطنيّ: ثقة حمصيّ. وحكى البخاريّ أنه قيل فيه يوسف بن سيف انتهى. وقال في "التقريب": ووهم من سماه يوسف. قال ابن أبي عاصم: مات سنة (١٢٠) وفيها أرّخه ابن سعد. انفرد به أبو داود، والمصنّف، رويا عنه هذا الحديث فقط، وروى عنه أبو داود حديثًا آخر في الصيد. ٥ - (الحارث بن زياد) الشاميّ، لين الحديث [٤]. وأخطأ من زعم أن له صحبة. روى عن أبي رُهْم السَّمَعِيّ، وعنه يونس بن سيف الْكَلَاعيّ. ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: أدرك أبا أمامة. وقال البزّار: لا نعلم له كثير أحد روى عنه. قال الحافظ: وقرأت بخط الذهبي في "الميزان": مجهول. وشرطه أن لا يُطلق هذه اللفظة إلا إذا كان أبو حاتم الرازيّ قالها، والذي قاله أبو حاتم: إنه مجهول آخر غيره فيما يظهر لي. نعم قال أبو عمر بن عبد البرّ في صاحب هذه الترجمة: مجهول، وحديثه منكر انتهى. انفرد به أبو داود، والمصنّف، أخرجا له حديث الباب فقط. ٦ - (أبو رُهْم) -بضم الراء، وسكون الهاء- اسمه أحزاب بن أَسِيد -بفتح أوله- على المشهور، ويقال: بالضمّ، السَّمَعيّ -بفتح المهملة والميم- (٢) مختلف في صحبته. ذكره ابن أبي خيثمة في "الصحابة"، وذكره ابن سعد فيمن نزل الشام من الصحابة، ولكنهما لم يُسمّياه، بل قالوا: أبو رُهْم حسبُ، فيحتمل أن يكون غيره. وقال ابن يونس: هو جاهليّ عِدَاده في التابعين. وذكره ابن حبّان في ثقات التابعين. وقال أبو حاتم في كتاب "المراسيل": ليست له صحبة. وقال البخاريّ: هو تابعيّ. وفي "ت":

стр. 11273

والصحيح أنه مخضرم ثقة. روى له أبو داود، والمصنف، وابن ماجه، وله عند المصنف في هذا الكتاب حديثان، هذا، وفي "كتاب تحريم الدم" ٣/ ٤٠١١ حديث أبي أيوب الأنصاريّ ﵁ مرفوعًا: "من جاء يعبد اللَّه، ولا يشرك به شيئًا .. " الحديث. ٧ - (العِرْبَاض بن سارية) -بكسر العين المهملة، وسكون الراء- السلميّ، أبو نَجِيح، صحابيّ، من أهل الصّفّة، ونزل حمص. قال خليفة: مات في فتنة ابن الزبير. وقال أبو مُسهر، وغير واحد: مات سنة (٧٥) ٠ أخرج له الأربعة، وله عند المصنّف أربعة أحاديث برقم ٨١٧ و ٢٣١٦٣ و ٣١٦٤ و ٤٦١٩. وتقدّم في ٢٩/ ٨١٧. [تنبيه]: قال أبو عمر الزاهد غُلام ثعلب: العِرْبَاض الطويل من الناس وغيرهم، والجَلْد المخاصم من الناس، وهو مدح. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سباعيات المصنف ﵀. ومنها: أنه مسلسل بالحمصيين غير شيخه فنسائي، وعبد الرحمن فبصريّ. ومنها: أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض. يونس، عن الحارث، عن أبي رُهْمِ. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ العِرْبَاضِ بنِ سَارِيَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ يَدْعُو) جملة في محلّ نصب على الحال من "رسول اللَّه". ولفظ أبي داود: "دعاني رسول اللَّه ﷺ " (إِلَى السَّحُورِ) بضم السين، وفتحها: أي يدعو أصحابه إلى أن يأكلوا معه وقت السحر، أو يأكلوا الطعام الذي يؤكل في ذلك الوقت (فِي شَهْرِ رَمَضَانَ) متعلّق بـ"يدعو" (وَقَالَ: "هَلُمُّوا) ولفظ أبي داود: "فقال: "هلمّ"، و"هلمّ" اسم فعل أمر، بمعنى أقبل، ويُخاطَبُ به الواحدُ، والمثنّى، والجمع، والمذكّر، والمؤنّث بلفظ واحد، قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾، وهي لغة أهل الحجاز، وبنو تميم تثنيه، وتجمعه، وتذكّره، وتؤنثه، فرواية المصنّف على هذه اللغة، ورواية أبي داود على اللغة الأولى (إِلَى الْغَدَاءِ) متعلق بـ" هلُمّ". و"الغداء": -بالفتح، والمدّ- طعام الغداة، وهي الضَّحْوة، كما في "المصباح"، ويطلق على السحور أيضًا، كما في هذا الحديث. وفيه استحباب الدعوة إلى الطعام، والاجتماع على أكله (الْمُبَارَكِ") سماه مباركًا لأن الصائم يتقوّى به على الصوم، وَينشَط له، وتَخِفّ عنه مشقّته. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته:

стр. 11274

حديث العرباض بن سارية ﵁ -صحيح. [فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي سنده الحارث بن زياد، وقد تقدّم أنه مجهول؟. [أجيب]: بأن له شواهدَ من حديث المقدام بن معدي كريب الآتي في الباب التالي وغيره، فيصحّ بها. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٢٥/ ٢١٦٣ - وفي "الكبرى" ٢٦/ ٢٤٧٣. وأخرجه (د) في "الصوم" ١٩٩٧ (أحمد في مسند الشاميين) ١٦٥٢ و ١٦٥٢٦. و (ابن خزيمة) ١٩٣٨ و (ابن حبّان) ٣٤٦٥ و (البيهقيّ) ٤/ ٢٣٦. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٢٦ - (تَسْمِيَةُ السَّحُورِ غَدَاءً) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: المناسب هنا ضبط "السَّحُور" بالفتح؛ لأن الغداء اسم للمأكول أول النهار، واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢١٦٤ - (أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ, عَنْ بَقِيَّةَ بْنِ الْوَلِيدِ, قَالَ: أَخْبَرَنِي بَحِيرُ بْنُ سَعْدٍ, عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ, عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِيكَرِبَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِغَدَاءِ السُّحُورِ, فَإِنَّهُ هُوَ الْغَدَاءُ الْمُبَارَكُ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (سويد بن نصر) أبو الفضل المروزيّ، ثقة [١٠] ٤٥/ ٥٥. ٢ - (عبد اللَّه) بن المبارك بن واضح الحنظليّ المروزيّ الإمام الحجة الثبت [٨] ٣٢/ ٣٦. ٣ - (بقيّة) بن الوليد بن صائد الكلاعيّ الحمصيّ، صدوق، كثير التدليس عن الضعفاء [٨] ٤٥/ ٥٥. ٤ - (بَحِير) -بفتح الموحّدة، وكسر المهملة- ابن سَعْد -بفتح، فسكون- أبو خالد الحمصيّ، ثقة ثبت [٦] ١/ ٦٨٨. ٥ - (خالد بن معدان) الْكَلَاعيّ، أبو عبد اللَّه الحمصيّ، ثقة عابد يرسل كثيرًا [٣] ١/ ٦٨٨.

стр. 11275

٦ - (المقدام بن معديكرب) بن عمرو الكنديّ، صحابيّ مشهور، نزل الشام، ومات سنة (٨٧) على الصحيح تقدّم في ٨/ ٨، واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فتفرد به هو والترمذيّ، وبقية أخرج له مسلم في المتابعات. (ومنها): أنه مسلسل بالشاميين، غير شيخه، وابن المبارك، فمروزيان. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ الْمِقْدَام بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ:"عَلَيكمْ) اسم فعل منقول من الجارّ والمجرور، كما قال ابن مالك -رحمه اللَّه تعالى- في "الخلاصة": وَالْفِعْلُ مِنْ أَسمَائِهِ عَلَيْكَا … وَهَكَذَا دُونَكَ مَعْ إِلَيْكَا [فائدة]: قولهم: "عليك زيدًا": "عليك" اسم فعل بمعنى الْزَمْ، و"زيدًا" منصوب على أنه مفعول به له، وقد يتعدّى إليه بالباء، كهذا الحديث، وكـ"عليك بذات الدين"، فيكون بمعنى استمسك مثلاً، وصرّح الرضيّ بأنها زائدة؛ لأنها تزاد كثيرًا في مفعول اسم الفعل؛ لضعف عمله، وأما الكاف، فهي ضمير عند الجمهور، لا حرف خطاب؛ لأن الجارّ لا يُستعمل بدونها، ولأن الياء والهاء في قولهم: عليّ، وعليه ضميران اتفافًا، وهل هي فاعل باسم الفعل، أو مفعوله، والفاعل مستتر: أي أَلْزِمْ أنت نفسَكَ زيدًا انظر "حاشية الخضريّ على شرح ابن عقيل على الخلاصة" ٢/ ١٤٢. واللَّه تعالى أعلم. (بغَدَاءِ السُّحُورِ) متعلق بـ"عليكم"، أو الباء زائدة، كما مرّ تحقيقه آنفًا، وإضافة "غداء" إلى "السحور" للبيان، أي بغداء هو السحور (فَإِنَّهُ هُوَ الْغَدَاءُ المُبَارَكُ") الفاء للتعليل، أي لأنه الخ. واللَّه تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيح، وهو مما تفرّد به المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا -٢٦/ ٢١٦٤ و ٢١٦٥ - وفي "الكبرى" ٢٧/ ٢٤٧٤ و ٢٤٧٥. [فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي سنده بقية بن الوليد؟؛ لأنه، وإن صرّح بالإخبار هنا، إلا أنه مشهور بتدليس التسوية، فلا بد من تصريح مَن فوقه بالإخبار أيضًا، وهنا ليس كذلك؟. [قلت]: يشهد له ما تقدّم من حديثي البابين السابقين، والمرسل الآتي، فيصحّ بها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢١٦٥ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ ثَوْرٍ, عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , لِرَجُلٍ: «هَلُمَّ إِلَى الْغَدَاءِ الْمُبَارَكِ»
следующие страницы →