"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٢٥ - (دَعْوَةُ السّحُورِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: المراد دَعْوة الناس لياكلوا السَّحُور، فالإضافة بمعنى اللام.
قال الفيّومّي -رحمه اللَّه تعالى-: الدَّعْوَة -بالفتح- في الطعام، اسم من دَعَوْتُ الناسَ: إذا طلبتَهم ليأكلوا عندك، يقال: نحن في دَعْوَة فلان، ومدّعَاتِهِ، ودُعَائِهِ بمعنًى. قال: والدِّعْوَة -بالكسر- في النسبة، يقال: دَعَوته بابن زيد. قال أبو عُبيد: وهذا كلام أكثر العرب إلا عَديّ الرِّبَاب، فإنهم يَعكسُون، ويجعلون الفتح في النسب، والكسر في الطعام. وقال الأزهريّ: الدِّعْوَةُ -بالكسر-: ادعاءُ الولدِ الدَّعيّ غيرَ أبيه انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢١٦٣ - (أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ يُوسُفَ, بَصْرِيٌّ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ, عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ, عَنْ يُونُسَ بْنِ سَيْفٍ, عَنِ الْحَارِثِ بْنِ زِيَادٍ, عَنْ أَبِي رُهْمٍ, عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ, قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , وَهُوَ يَدْعُو إِلَى السَّحُورِ, فِي شَهْرِ رَمَضَانَ, وَقَالَ: «هَلُمُّوا إِلَى الْغَدَاءِ الْمُبَارَكِ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (شعيب بن يوسف) أبو عمرو النسائيّ، ثقة صاحب حديث [١٠] ٤٢/ ٤٩.
[تنبيه]: قوله: "بصريّ" هكذا هو في نسخ "المجتبى" "بصريّ"، ولا يوجد في "الكبرى"، ولم أجد في كتب الرجال كونه منسوبًا إلى البصرة، بل هو فيها منسوب إلى نَسَاء، فليحرّر. واللَّه تعالى أعلم.
٢ - (عبد الرحمن) بن مهديّ المتقدّم قريبًا.
٣ - (معاوية بن صالح) بن حُدَير الحضرميّ الحمصيّ، قاضي الأندلس، صدوقٌ له أوهام [٧] ٥٠/ ٦٢.
стр. 11272
٤ - (يونس بن سيف) الكلاعيّ الحمصيّ، ثقة (١) [٤].
روى عن الحارث بن زياد، وأبي إدريس الخولانيّ، وغُضَيف بن الحارث، وأبي كَبْشة السَّلُوليّ، وغيرهم. وعنه ثور بن يزيد، ومحمد بن الوليد الزُّبيديّ، ومروان بن سالم، ومعاوية بن صالح، وآخرون. قال ابن سعد: كان معروفًا، وله أحاديث. وقال ابن حبّان في "الثقات": سأل أبا أمامة عن صيد الْمِعْرَاض. وقال البزّار: صالح الحديث. وقال الدارقطنيّ: ثقة حمصيّ. وحكى البخاريّ أنه قيل فيه يوسف بن سيف انتهى. وقال في "التقريب": ووهم من سماه يوسف. قال ابن أبي عاصم: مات سنة (١٢٠) وفيها أرّخه ابن سعد.
انفرد به أبو داود، والمصنّف، رويا عنه هذا الحديث فقط، وروى عنه أبو داود حديثًا آخر في الصيد.
٥ - (الحارث بن زياد) الشاميّ، لين الحديث [٤]. وأخطأ من زعم أن له صحبة.
روى عن أبي رُهْم السَّمَعِيّ، وعنه يونس بن سيف الْكَلَاعيّ. ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: أدرك أبا أمامة. وقال البزّار: لا نعلم له كثير أحد روى عنه. قال الحافظ: وقرأت بخط الذهبي في "الميزان": مجهول. وشرطه أن لا يُطلق هذه اللفظة إلا إذا كان أبو حاتم الرازيّ قالها، والذي قاله أبو حاتم: إنه مجهول آخر غيره فيما يظهر لي. نعم قال أبو عمر بن عبد البرّ في صاحب هذه الترجمة: مجهول، وحديثه منكر انتهى. انفرد به أبو داود، والمصنّف، أخرجا له حديث الباب فقط.
٦ - (أبو رُهْم) -بضم الراء، وسكون الهاء- اسمه أحزاب بن أَسِيد -بفتح أوله- على المشهور، ويقال: بالضمّ، السَّمَعيّ -بفتح المهملة والميم- (٢) مختلف في صحبته.
ذكره ابن أبي خيثمة في "الصحابة"، وذكره ابن سعد فيمن نزل الشام من الصحابة، ولكنهما لم يُسمّياه، بل قالوا: أبو رُهْم حسبُ، فيحتمل أن يكون غيره. وقال ابن يونس: هو جاهليّ عِدَاده في التابعين. وذكره ابن حبّان في ثقات التابعين. وقال أبو حاتم في كتاب "المراسيل": ليست له صحبة. وقال البخاريّ: هو تابعيّ. وفي "ت":
стр. 11273
والصحيح أنه مخضرم ثقة. روى له أبو داود، والمصنف، وابن ماجه، وله عند المصنف في هذا الكتاب حديثان، هذا، وفي "كتاب تحريم الدم" ٣/ ٤٠١١ حديث أبي أيوب الأنصاريّ ﵁ مرفوعًا: "من جاء يعبد اللَّه، ولا يشرك به شيئًا .. " الحديث.
٧ - (العِرْبَاض بن سارية) -بكسر العين المهملة، وسكون الراء- السلميّ، أبو نَجِيح، صحابيّ، من أهل الصّفّة، ونزل حمص. قال خليفة: مات في فتنة ابن الزبير. وقال أبو مُسهر، وغير واحد: مات سنة (٧٥) ٠ أخرج له الأربعة، وله عند المصنّف أربعة أحاديث برقم ٨١٧ و ٢٣١٦٣ و ٣١٦٤ و ٤٦١٩. وتقدّم في ٢٩/ ٨١٧.
[تنبيه]: قال أبو عمر الزاهد غُلام ثعلب: العِرْبَاض الطويل من الناس وغيرهم، والجَلْد المخاصم من الناس، وهو مدح. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سباعيات المصنف ﵀. ومنها: أنه مسلسل بالحمصيين غير شيخه فنسائي، وعبد الرحمن فبصريّ. ومنها: أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض. يونس، عن الحارث، عن أبي رُهْمِ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ العِرْبَاضِ بنِ سَارِيَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ يَدْعُو) جملة في محلّ نصب على الحال من "رسول اللَّه". ولفظ أبي داود: "دعاني رسول اللَّه ﷺ " (إِلَى السَّحُورِ) بضم السين، وفتحها: أي يدعو أصحابه إلى أن يأكلوا معه وقت السحر، أو يأكلوا الطعام الذي يؤكل في ذلك الوقت (فِي شَهْرِ رَمَضَانَ) متعلّق بـ"يدعو" (وَقَالَ: "هَلُمُّوا) ولفظ أبي داود: "فقال: "هلمّ"، و"هلمّ" اسم فعل أمر، بمعنى أقبل، ويُخاطَبُ به الواحدُ، والمثنّى، والجمع، والمذكّر، والمؤنّث بلفظ واحد، قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾، وهي لغة أهل الحجاز، وبنو تميم تثنيه، وتجمعه، وتذكّره، وتؤنثه، فرواية المصنّف على هذه اللغة، ورواية أبي داود على اللغة الأولى (إِلَى الْغَدَاءِ) متعلق بـ" هلُمّ". و"الغداء": -بالفتح، والمدّ- طعام الغداة، وهي الضَّحْوة، كما في "المصباح"، ويطلق على السحور أيضًا، كما في هذا الحديث.
وفيه استحباب الدعوة إلى الطعام، والاجتماع على أكله (الْمُبَارَكِ") سماه مباركًا لأن الصائم يتقوّى به على الصوم، وَينشَط له، وتَخِفّ عنه مشقّته. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
стр. 11274
حديث العرباض بن سارية ﵁ -صحيح.
[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي سنده الحارث بن زياد، وقد تقدّم أنه مجهول؟.
[أجيب]: بأن له شواهدَ من حديث المقدام بن معدي كريب الآتي في الباب التالي وغيره، فيصحّ بها. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢٥/ ٢١٦٣ - وفي "الكبرى" ٢٦/ ٢٤٧٣. وأخرجه (د) في "الصوم" ١٩٩٧ (أحمد في مسند الشاميين) ١٦٥٢ و ١٦٥٢٦. و (ابن خزيمة) ١٩٣٨ و (ابن حبّان) ٣٤٦٥ و (البيهقيّ) ٤/ ٢٣٦. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٢٦ - (تَسْمِيَةُ السَّحُورِ غَدَاءً)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: المناسب هنا ضبط "السَّحُور" بالفتح؛ لأن الغداء اسم للمأكول أول النهار، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢١٦٤ - (أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ, عَنْ بَقِيَّةَ بْنِ الْوَلِيدِ, قَالَ: أَخْبَرَنِي بَحِيرُ بْنُ سَعْدٍ, عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ, عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِيكَرِبَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِغَدَاءِ السُّحُورِ, فَإِنَّهُ هُوَ الْغَدَاءُ الْمُبَارَكُ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (سويد بن نصر) أبو الفضل المروزيّ، ثقة [١٠] ٤٥/ ٥٥.
٢ - (عبد اللَّه) بن المبارك بن واضح الحنظليّ المروزيّ الإمام الحجة الثبت [٨] ٣٢/ ٣٦.
٣ - (بقيّة) بن الوليد بن صائد الكلاعيّ الحمصيّ، صدوق، كثير التدليس عن الضعفاء [٨] ٤٥/ ٥٥.
٤ - (بَحِير) -بفتح الموحّدة، وكسر المهملة- ابن سَعْد -بفتح، فسكون- أبو خالد الحمصيّ، ثقة ثبت [٦] ١/ ٦٨٨.
٥ - (خالد بن معدان) الْكَلَاعيّ، أبو عبد اللَّه الحمصيّ، ثقة عابد يرسل كثيرًا [٣] ١/ ٦٨٨.
стр. 11275
٦ - (المقدام بن معديكرب) بن عمرو الكنديّ، صحابيّ مشهور، نزل الشام، ومات سنة (٨٧) على الصحيح تقدّم في ٨/ ٨، واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فتفرد به هو والترمذيّ، وبقية أخرج له مسلم في المتابعات. (ومنها): أنه مسلسل بالشاميين، غير شيخه، وابن المبارك، فمروزيان. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ الْمِقْدَام بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ:"عَلَيكمْ) اسم فعل منقول من الجارّ والمجرور، كما قال ابن مالك -رحمه اللَّه تعالى- في "الخلاصة":
وَالْفِعْلُ مِنْ أَسمَائِهِ عَلَيْكَا … وَهَكَذَا دُونَكَ مَعْ إِلَيْكَا
[فائدة]: قولهم: "عليك زيدًا": "عليك" اسم فعل بمعنى الْزَمْ، و"زيدًا" منصوب على أنه مفعول به له، وقد يتعدّى إليه بالباء، كهذا الحديث، وكـ"عليك بذات الدين"، فيكون بمعنى استمسك مثلاً، وصرّح الرضيّ بأنها زائدة؛ لأنها تزاد كثيرًا في مفعول اسم الفعل؛ لضعف عمله، وأما الكاف، فهي ضمير عند الجمهور، لا حرف خطاب؛ لأن الجارّ لا يُستعمل بدونها، ولأن الياء والهاء في قولهم: عليّ، وعليه ضميران اتفافًا، وهل هي فاعل باسم الفعل، أو مفعوله، والفاعل مستتر: أي أَلْزِمْ أنت نفسَكَ زيدًا انظر "حاشية الخضريّ على شرح ابن عقيل على الخلاصة" ٢/ ١٤٢. واللَّه تعالى أعلم.
(بغَدَاءِ السُّحُورِ) متعلق بـ"عليكم"، أو الباء زائدة، كما مرّ تحقيقه آنفًا، وإضافة "غداء" إلى "السحور" للبيان، أي بغداء هو السحور (فَإِنَّهُ هُوَ الْغَدَاءُ المُبَارَكُ") الفاء للتعليل، أي لأنه الخ. واللَّه تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيح، وهو مما تفرّد به المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا -٢٦/ ٢١٦٤ و ٢١٦٥ - وفي "الكبرى" ٢٧/ ٢٤٧٤ و ٢٤٧٥.
[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي سنده بقية بن الوليد؟؛ لأنه، وإن صرّح بالإخبار هنا، إلا أنه مشهور بتدليس التسوية، فلا بد من تصريح مَن فوقه بالإخبار أيضًا، وهنا ليس كذلك؟.
[قلت]: يشهد له ما تقدّم من حديثي البابين السابقين، والمرسل الآتي، فيصحّ بها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢١٦٥ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ ثَوْرٍ, عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , لِرَجُلٍ: «هَلُمَّ إِلَى الْغَدَاءِ الْمُبَارَكِ»
стр. 11276
-يَعْنِي السَّحُورَ-).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -:"عبد الرحمن": هو ابن مهديّ. و"سفيان": هو الثوريّ. و"ثور": هو ابن يزيد، أبو خالد الحمصيّ، ثقة ثبت، رمي بالقدر [٧] ٧/ ٥٠٤.
والحديث مرسل، إلا أنه يشهد له ما تقدّم من حديثي البابين السابقين، وغيرهما، فهو صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٢٧ - (فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أراد بالفصل الفاصل، فهو من إطلاق المصدر وإرادة اسم الفاعل، أي الأمر الفاصل بين صيام المسلمين، وصيام أهل الكتاب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢١٦٦ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنْ مُوسَى بْنِ عُلَيٍّ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ أَبِي قَيْسٍ, عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ فَصْلَ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا, وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ, أَكْلَةُ السُّحُورِ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ، أبو رجاء البغلاني، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (الليث) بن سعد بن عبد الرحمن الفهميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبت فقيه [٧] ٣١/ ٣٥.
٣ - (موسى بن عُليّ) بن رَبَاح اللَّخْميّ، أبو عبد الرحمن المصريّ، صدوق، ربما أخطأ [٧] ٣١/ ٥٦٠.
٤ - (أبوه) علّي -بفتح العين المهملّة- ابن رَبَاح بن قَصِير اللَّخْمَيّ، أبو عبد اللَّه المصريّ، ثقة مشهور، ويقال: عُلَيّ -بالتصغير- وكان يغضب منه (١)، من صغار [٣] ٣١/ ٥٦٠.
стр. 11277
٥ - (أبو قيس) السّهْميّ، مولى عمرو بن العاص، اسمه عبد الرحمن بن ثابت، وقيل: ابن الحكم، وهو غلط، ثقة [٢].
قال ابن يونس: يقال: إنه رأى أبا بكر الصدّيق، وكان أحد فقهاء الموالي الذين ذكرهم يزيد بن أبي حبيب، وشهد فتح مصر، واختطّ بها، ومات سنة (٥٤) فيما ذكر ربيعة الأعرج، عن ابن لَهِيعة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وذكره يعقوب بن سفيان في ثقات المصريين. وقال العجليّ: مصريّ تابعيّ ثقة. وقال محمد بن سحنون في كتابه: إن عبد الرحمن بن الحكم مولى عمرو بن العاص يُكنى أبا قيس. قال ابن يونس: وهذا خطأ، وإنما أراد أبا قيس مالك بن الحكم الحبشيّ -يعني آخر غير أبي قيس صاحب الترجمة. له في "صحيح مسلم" حديثان عن عمرو، روى البخاريّ أحدهما (١)
وله عند أبي داود حديث آخر عن عمرو (٢) وعند النسائيّ حديث آخر عن أم سلمة. قاله في "تهذيب التهذيب" (٣). روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٦ - (عمرو بن العاص) بن وائل بن هاشم بن سُعَيد -مصغّرًا- ابن سهم بن عمرو بن هُصَيص بن كعب بن لُؤيّ، أبو عبد اللَّه، ويقال: أبو محمد القرشيّ السهميّ، أمير مصر، أسلم في صفر سنة ثمان قبل الفتح، وقيل: بين الحديبية وخيبر، وذكر الزبير بن بكار، والواقديّ بسندين لهما أن إسلامه كان على يد النجاشيّ، وهو بأرض الحبشة.
ورَوَى عن النبي ﷺ ، وعن عائشة، وروى عنه ابنه عبد اللَّه، وأبو قيس مولاه، وقيس بن أبي حازم، وأبو عثمان النهدي، وعلي بن رَبَاح اللخمي، وعبد الرحمن بن شِمَاسة، وعروة بن الزبير، ومحمد بن كعب القرظي، وعمارة بن خزيمة بن ثابت، وغيرهم. وقال الزبير: أمه سَبِيّة، يقال لها: النابغة من عَنَزَة. وقال البخاري: ولاه النبي ﷺ على جيش ذات السلاسل. قال الثوري عن إبراهيم بن مهاجر، عن إبراهيم النخعي: عقد رسول اللَّه ﷺ لواء لعمرو بن العاص على أبي بكر وعمر، وسَرَاة
стр. 11278
أصحابه. وفي حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رفعه: "ابنا العاصي مؤمنان: عمرو وهشام". أخرجه البخاريّ في "تاريخه" ٦/ ٣٠٣ (١). وعن ابن أبي مليكة قال: قال طلحة سمعت رسول اللَّه ﷺ -يقول: "عمرو بن العاص من صالحي قريش … " الحديث (٢). وقال مجاهد، عن الشعبي، عن قبيصة بن جابر: صحبت عمرو بن العاص، فما رأيت رجلا أبين، أو قال: أنصع رأيا، ولا أكرم جليسا، ولا أشبه سريرته بعلانيته منه. وقال محمد بن سلام الجمحي: كان عمر بن الخطاب إذا رأى الرجل يتلجلج في كلامه قال: خالق هذا وخالق عمرو بن العاص واحد. وقال مجاهد عن الشعبي: دُهاة العرب أربعة: معاوية، وعمرو، والمغيرة، وزياد، فأما معاوية فللِحِلْم، وأما عمرو فللمعضلات، وأما المغيرة فللمبادهة، وأما زياد فللصغير والكبير. قال أحمد عن بعض شيوخه عن عمرو: إني لأذكر الليلة التي ولد فيها عمر بن الخطاب. وقال أبو عمر: كان عمرو من أبطال قريش في الجاهلية، مذكورا بذلك فيهم، وفضائله، ومناقبه كثيرة جدًا.
ويقال: استعمله النبي ﷺ على عُمان، فقُبِض النبيّ ﷺ ، وهو عليها، وكان أحد أمراء الأجناد في فتوح الشام، وافتتح مصر في عهد عمر بن الخطاب، وعَمِلَ عليها له، ولعثمان، ثم عمل عليها زمن معاوية، منذ غلب عليها معاوية إلى أن مات عمرو، وخلف أموالا عظيمة إلى الغاية.
وقال محمد بن المثنى وغيره: مات سنة (٤٢) وقيل: مات سنة (٤٣) وجزم به ابن يونس وآخرون، قال ابن بكير: له نحو مائة سنة. وقال بعضهم: مات سنة (٤٨). وقال الهيثم بن عدي: سنة (٥١). وقال طلحة الكوفي: سنة (٥٨). وقال البخاري، عن الحسن بن واقع، عن ضمرة بن ربيعة: مات سنة إحدى، أو ثلاث وستين في ولاية يزيد. وقال الحاكم، وابن عبد البر: إن وفاته سنة (٤٣) أصح. قال الحافظ: والقول المحكي أخيرا في وفاته عن ضمرة قد جزم به ابن حبان في "الصحابة"، والظاهر أنه وَهَمٌ، بل هو بَيّن الغلط، وكأنّ ذلك إنما هو في ابنه عبد اللَّه بن عمرو. واللَّه أعلم. انتهى. روى له الجماعة، وله من الأحاديث (٣٩) حديثًا، اتفق الشيخان على ثلاثة أحاديث، وانفرد البخاريّ بحديث، ومسلم بحديثين، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 11279
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات المصريين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، والابن عن أبيه. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :"إِن فَصْلَ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا) "الفصل" بمعنى الفاصل، و"ما" موصولة، والإضافة من إضافة الموصوف إلى الصفة، أي الفارق الذي بين صيامنا (وَصِيَامِ أَهْلِ الكِتَابِ) أي اليهود والنصارى (أَكْلَةُ السُّحُورِ") وفي نسخة: "السَّحَر"، وهو الذي في "صحيح مسلم"، وأبي داود.
قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: معناه الفارق والمميّز بين صيامنا وصيامهم السحور، فإنهم لا يتسحّرون، ونحن يستحبّ لنا أن نتسحّر.
و"أكلة السحر": هي السَّحور، وهي بفتح الهمزة، هكذا ضبطناه، وهكذا ضبطه الجمهور، وهو المشهور في روايات بلدنا، وهي عبارة عن المرّة الواحدة من الأكل، كالغَدْوَة، والعَشْوة، وإن أكثر المأكول فيها، وأما الأُكْلة -بالضمّ- فهي اللُّقْمة. وادّعى القاضي عياض أن الرواية فيه بالضمّ، ولعله أراد أن رواية أهل بلدهم فيها بالضمّ، قال: والصواب الفتح لأنه المقصود هنا. انتهى كلام النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- (١).
وقال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: روايتنا عن متقني شيوخنا "أَكْلَة" -بفتح الهمزة- وهي مصدر أكل أكلة، كضرب ضَرْبَةً، والمراد بها أكلُ ذلك الوقت، وقد روي أُكلة بضم الهمزة، وفيه بُعْدٌ؛ لأن الأكلة بالضمْ هي اللقمة، وليس المراد أن المتسحّر يأكل لقمة واحدة، ويصحّ أن يقال: إنه عبّر عما يُتّسحّر به باللقمة لقلّته. انتهى كلام القرطبيّ (٢).
وهذا الحديث يدلّ على أن السحور من خصائص هذه الأمة، ومما خُفّف به عنهم.
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد اللَّه بن عمرو - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه مسلم.
стр. 11280
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه-٢٧/ ٢١٦٦ - وفي "الكبرى" ٢٨/ ٢٤٧٦. وأخرجه (م) في "الصوم" ٢٥٤٥ (د) في "الصوم " ٢٣٤٣ (ت) في "الصوم" ٧٠٩ (أحمد) ١٧٠٩٥ و ١٧١٣٣ (الدارميّ) ١٦٣٥. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٢٨ - (السُّحُورُ بِالسَّوِيقِ، وَالتَّمْرِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "السَّوِيق" -بفتح السين، وكسر الواو بوزن أمير-: طعام يُتخذ من مدقوق الحنطة والشعير، سمي بذلك؛ لانسياقه على الحلق، جمعه أسوقة (١). وفي "اللسان" ١٠/ ١٧٠: "السويق": معروف، والصاد فيه لغة لمكان المضارعة، والجمع أَسوِقة. قال: والسوبق: ما يُتخذ من الحنظة والشعير. انتهى المقصود منه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢١٦٧ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ أَنَسٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -وَذَلِكَ عِنْدَ السُّحُورِ-: «يَا أَنَسُ, إِنِّي أُرِيدُ الصِّيَامَ, أَطْعِمْنِي شَيْئًا» , فَأَتَيْتُهُ بِتَمْرٍ, وَإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ, وَذَلِكَ بَعْدَ مَا أَذَّنَ بِلَالٌ, فَقَالَ: «يَا أَنَسُ, انْظُرْ رَجُلاً, يَأْكُلُ مَعِي» , فَدَعَوْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ, فَجَاءَ, فَقَالَ: إِنِّي قَدْ شَرِبْتُ, شَرْبَةَ سَوِيقٍ, وَأَنَا أُرِيدُ الصِّيَامَ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَأَنَا أُرِيدُ الصِّيَامَ» , فَتَسَحَّرَ مَعَهُ, ثُمَّ قَامَ, فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ, ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه الحنظليّ المروزيّ، ثقة ثبت [١٠] ٢/ ٢.
٢ - (عبد الرزاق) بن همّام بن نافع الْحِمْيريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقة حافظ مصنّف شهير، عَمِي في آخر عمره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] ٦١/ ٧٧.
٣ - (معمر) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقة ثبت [٧] ١٠/ ١٠.
стр. 11281
٤ - (قتادة) بن دِعامة السدوسيّ، أبو الخطاب البصريّ، ثقة ثبت يُدلّس [٤] ٣٠/ ٣٤.
٥ - (أنس) بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه - ٦/ ٦. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فمروزيّ، وعبد الرزاق، فصنعانيّ. (ومنها): أن فيه أنسًا - رضي اللَّه تعالى عنه - خادم رسول اللَّه ﷺ ، خَدَمَهُ عشرَ سنين، وهو من المكثرين السبعة، رَوَى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة - رضي اللَّه تعالى عنهم - بالبصرة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَنَسٍ) بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -وَذَلِكَ عِنْدَ السُّحُورِ-) جملة معترضة بيّن به أنس وقت قول رسول اللَّه ﷺ (يَا أَنَسُ، إِنِّي أُرِيدُ الصِّيَامَ، أَطْعِمْنِي شَيْئًا") أي ليتسحّر به (فَأَتَيْتُهُ بتَمْرٍ، وَإِنَاءِ فِيهِ مَاءٌ) فيه استحباب كون السحور تمرًا، وماءً، وهو موضع استدلال المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- للجزء الثاني من الترجمة.
وقد ورد في استحباب كون السَّحُور تمرًا ما أخرجه أبو داود، في "سننه"، وابن حبّان في "صحيحه"، بإسناد صحيح، من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ ، قال: "نعم سَحُور المؤمن التمر".
(وَذَلِكَ بَعْدَ مَا أَذنَ بِلَالٌ) أي الأذانَ الأولَ (فَقَالَ: يَا أَنَسُ، انْظُرْ رَجُلاً، يَأْكُلْ مَعِي، فَدَعَوْتُ زَيْدَ بنَ ثَابِتٍ، فَجَاءَ، فَقَالَ) زيد معتذرًا عن عدم الأكل معه ﷺ ، ظنا منه أن وقت الأكل قد انتهى (إِنِّي قَدْ شَرِبْتُ، شَرْبَةَ سَوِيقٍ) تقدّم ضبطه، ومعناه أول الباب، وهو موضع استدلال المصنّف للجزء الأول من الترجمة، حيث أقرّ النبيّ ﷺ -زيدًا على التسحّر بالسويق.
(وَأَنَا أُرِيدُ الصِّيَامَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَأَنَا أُرِيدُ الصِّيَامَ) أي فالوقت باق (فَتَسَحَّر) زيد ﵁ (مَعَهُ) ﷺ (ثُمَّ قَامَ) ﷺ (فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ) هما سنتا الصبح (ثُمَّ خَرَجَ إِلَى) المسجد؛ لأداء (الصلاة) جماعة. واللَّه تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث أنس ﵁ هذا صحيح، انفرد به المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه-٢٨/ ٢١٦٧ - وفي "الكبرى" ٢٨/ ٢٤٧٧. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 11282
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٢٩ - (تَأْوِيلُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧])
٢١٦٨ - (أَخْبَرَنِي هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ هِلَالٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَيَّاشٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ, عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ, أَنَّ أَحَدَهُمْ كَانَ إِذَا نَامَ قَبْلَ أَنْ يَتَعَشَّى, لَمْ يَحِلَّ لَهُ, أَنْ يَأْكُلَ شَيْئًا, وَلَا يَشْرَبَ لَيْلَتَهُ وَيَوْمَهُ مِنَ الْغَدِ, حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ, حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ إِلَى ﴿الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ قَالَ: وَنَزَلَتْ فِي أَبِي قَيْسِ بْنِ عَمْرٍو, أَتَى أَهْلَهُ, وَهُوَ صَائِمٌ, بَعْدَ الْمَغْرِبِ, فَقَالَ: هَلْ مِنْ شَيْءٍ, فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ, وَلَكِنْ أَخْرُجُ, أَلْتَمِسُ لَكَ عَشَاءً, فَخَرَجَتْ, وَوَضَعَ رَأْسَهُ, فَنَامَ, فَرَجَعَتْ إِلَيْهِ, فَوَجَدَتْهُ نَائِمًا, وَأَيْقَظَتْهُ, فَلَمْ يَطْعَمْ شَيْئًا, وَبَاتَ, وَأَصْبَحَ صَائِمًا, حَتَّى انْتَصَفَ النَّهَارُ, فَغُشِىَ عَلَيْهِ, وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ هَذِهِ الآيَةُ, فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هلال بن العلاء بن هلال) "الباهليّ مولاهم، أبي عمرو الرّقّيّ، صدوق [١١] ١٠/ ١١٩٩. من أفراد المصنّف.
٢ - ("حسين بن عيّاش") السلميّ مولاهم، أبو بكر البَاجَدَّائيّ، ثقة [١٠] ١٥/ ١٤٨٤.
٣ - (زهير) بن معاوية بن حُدَيج الجعفيّ، أبو خيثمة الكوفيّ، ثقة ثبت [٧] ٣٨/ ٤٢.
[تنبيه]: سماع زهير من أبي إسحاق -رحمهما اللَّه تعالى- بعد اختلاطه، لكن لم ينفرد هنا، فقد تابعه إسرائيل بن يونس عند البخاريّ في "صحيحه"، فرواه عن أبي إسحاق، كما سيأتي في المسائل، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم.
٤ - (أبو إسحاق) عمرو بن عبد اللَّه السبيعيّ الكوفيّ، ثقة عابد اختلط بآخره [٣] ٣٨/ ٤٢.
٥ - (البراء بن عازب) بن الحارث بن عديّ الأنصاريّ الأوسيّ الصحابيّ ابن
стр. 11283
الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما -، استُصغر يوم بدر، ومات سنة (٧٢)، وتقدّم في ٨٦/ ١٠٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، وشيخ شيخه، فإنهما من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بثقات الكوفيين، غير شيخه، فرقّيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ) ﵁ (أَنَّ أَحَدَهُمْ) أي الصحابة. ولفظ البخاريّ، من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق: "كان أصحاب محمد ﷺ إذا كان الرجل صائمًا، فحضر الإفطار، فنام قبل أن يُفطر لم يأكل ليلته، ولا يومه حتى يُمسي … " (كَانَ إِذَا نَامَ قَبْلَ أَنْ يَتَعَشَّى) أي قبل أن يفطر من صومه (لَمْ يَحِلّ لَهُ، أَنْ يَأْكُلَ شَيْئًا، وَلَا يَشْرَبَ لَيْلَتَهُ وَيَوْمَهُ مِنَ الْغَدِ، حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ) وفي رواية أبي الشيخ من طريق زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق: "كان المسلمون إذا أفطروا يأكلون، ويشربون، ويأتون النساء، ما لم يناموا، فإذا ناموا لم يفعلوا شيئًا من ذلك إلى مثلها".
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: فاتفقت الروايات في حديث البراء على أن المنع من ذلك مقيدٌ بالنوم، وهذا هو المشهور في حديث غيره، وقيد المنع من ذلك في حديث ابن عباس ﵄ بصلاة العتمة. أخرجه أبو داود بلفظ: "كان الناس على عهد رسول اللَّه ﷺ إذا صلّوا العتمة حرم عليهم الطعام، والشراب، والنساء، وصاموا إلى القابلة". ونحوه في حديث أبي هريرة ﵁، كما سيأتي قريبًا، وهذا أخصّ من حديث البراء من وجه آخر، ويحتمل أن يكون ذكر صلاة العشاء لكون ما بعدها مظنّة النوم غالبًا، والتقييد في الحقيقة إنما هو بالنوم؛ كما في سائر الأحاديث.
وبيّن السدّيّ وغيره أن ذلك الحكم كان على وفق ما كُتب على أهل الكتاب، كما أخرجه ابن جرير من طريق السدّيّ، ولفظه: "كُتِب على النصارى الصيام، وكُتب عليهم أن لا يأكلوا، ولا يشربوا، ولا يَنكحوا بعد النوم، وكُتب على المسلمين أوّلاً مثلُ ذلك حتى أقبل رجل من الأنصار … "، فذكر القصة.
ومن طريق إبراهيم التيميّ: "كان المسلمون في أول الإسلام يفعلون كما يفعل أهل الكتاب إذا نام أحدهم لم يَطعَم حتى القابلة". ويؤيد هذا ما أخرجه مسلم من حديث عمرو بن العاص، مرفوعًا: "فصل ما بين صيامنا، وصيام أهل
стр. 11284
الكتاب أكلة السحر" (١).
(حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ إلي ﴿الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ قَالَ) البراء ﵁ (وَنَزَلَتْ فِي أَبيِ قَيْسِ ابنِ عَمرٍو) هكذا وقع في رواية زُهير، عن أبي إسحاق عند المصنّف وأحمد، ووقع عند البخاريّ، من طريق إسرائيل أنه قيس بن صِرْمة الأنصاريّ -بكسر الصاد المهملة، وسكون الراء-. قال في "الفتح": ولم يُختلف على إسرائيل فيه، إلا في رواية أبي أحمد الزبيري عنه، فقال: "صِرْمَة بن قيس". أخرجه أبو داود، ولأبي نُعيم في "المعرفة" من طريق الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عباس مثله، قال: وكذا رواه أشعث بن سَوّار، عن عكرمة، عن ابن عباس. وفي حديث السدّيّ المذكور: "حتى أقبل رجل من الأنصار، يقال له: "أبو قيس بن صِرْمة". ولابن جرير من طريق ابن إسحاق، عن محمد بن يحيى بن حَبّان -بفتح المهملة، وبالموحّدة الثقيلة- مرسلاً: "صرمة بن أبي أنس". ولغير ابن جرير من هذا الوجه: "صِرْمة بن قيس"، كما قال أبو أحمد الزبيري، وللذهليّ في "الزُّهْريات" من مرسل القاسم بن محمد: "صِرْمة بن أنس". ولابن جرير من مرسل عبد الرحمن بن أبي ليلى: "صرمة بن مالك".
والجمع بين هذه الروايات أنه أبو قيس صِرْمة بن أبي أنس بن مالك بن عديّ بن عامر ابن غنم بن عديّ بن النجّار، كذا نسبه ابن عبد البرّ وغيره، فمن قال: "قيس بن صرمة" قلبه، كما جزم الداوديّ، والسهيليّ، وغيرهما بأنه وقع مقلوبًا في رواية حديث الباب، ومن قال: "صِرْمة بن مالك" نسبه إلى جدّه، ومن قال: "صرمة بن أنس" حذف أداة الكنية من أبيه، ومن قال "أبو قيس بن عمرو" أصاب كنيته، وأخطأ في اسم أبيه، وكذا من قال: "أبو قيس بن صِرْمة"، وكأنه أراد أن يقول: "أبو قيس صرمة"، فزاد فيه "ابن"، وقد صحّفه بعضهم، فرويناه في "جزء إبراهيم بن أبي ثابت" من طريق عطاء، عن أبي هريرة، قال: "كان المسلمون إذا صلّوا العشاء حرم عليهم الطعام، والشراب، والنساء، وإن ضمرة بن أنس الأنصاريّ غلبته عينه … " الحديث. وقد استدرك ابن الأثير في "الصحابة" ضمرة بن أنس في حرف الضاد المعجمة على من تقدّمه، وهو تصحيف وتحريف، ولم يتنبّه له، والصواب صرمة ابن أبي أنس، كما تقدّم.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيَّن مما سبق أن الصواب في اسمه صرمة بن أبي أنس، وكنيته أبو قيس. واللَّه أعلم بالصواب.
[تنبيه]: صرمة بن أبي أنس مشهور في الصحابة، يُكنى أبا قيس، قال ابن إسحاق فيما أخرجه السرّاج في "تاريخه" من طريقه بإسناده إلى عُوَيم بن ساعدة، قال: قال صرمة بن أبي أنس، وهو يذكر النبيّ ﷺ [من الطويل]:
стр. 11285
ثَوَى فِي قُرَيش بِضْعَ عَشْرَةَ حِجَّةً … يُذَكِّرُ لَوْ يَلْقَى صَدِيقًا مُوَاتِيًا
........ الأبيات. قال ابن إسحاق: وصِرْمة هذا هو الذي نزل فيه: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ الآية. قال: وحدّثني محمد بن جعفر بن الزبير، قال: كان أبو قيس ممن فارق الأوثان في الجاهليّة، فلما قَدِم النبيّ ﷺ المدينة أسلم، وهو شيخ كبير، وهو القائل [من الطويل]:
يَقُولُ أَبُو قَيْسٍ وَأَصْبَحَ غَادِيًا … أَلَا مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ وَصَاتِيَ فَافْعَلُوا
........ الأبيات (١).
(أَتَى أَهْلَهُ، وَهُوَ صَائِمٌ) جملة في محل نصب على الحال من الفاعل (بَعْدَ الْمَغْرِبِ) ظرف لـ"أتى" (فَقَالَ: هَلْ مِنْ شَيْءٍ؟) أي من الماكولات. وفي رواية البخاريّ: "فلَما حضر الإفطار أتى امرأته، فقال لها: أعندك طعام؟ … (فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ) أي مما يؤكل (وَلَكِنْ أَخْرُجُ، أَلتَمِسُ لَكَ عَشَاءَ،) أي أطلب لك ما تتعشّى به. قال في "الفتح": وظاهره أنه لم يجىء معه بشيء، لكن في مرسل السدّيّ أنه أتاها بتمر، فقال: استبدلي به طحينًا، واجعليه سَخينًا، فإن التمر أحرق جوفي. وفيه: لعلي آكله ساخنًا، وأنها استبدلته له، وصنعته. وفي مرسل ابن أبي ليلى: فقال لأهله: أطعموني، فقالت: حتى أجعل لك شيئًا سخينًا. ووصله أبو داود من طريق ابن أبي ليلى، فقال: حدّثنا
أصحاب محمد ﷺ "، فذكره مختصرًا (فَخَرَجَتْ، وَوَضَعَ رَأْسَهُ، فَنَامَ) أي لشدة تعبه بكثرة العمل في النهار، ففي رواية البخاريّ: "وكان يومه يعمل، فغلبته عيناه". وفي لفظ لأبي داود: "يعمل في أرضه"، وفي مرسل السدّيّ: "كان يعمل في حيطان المدينة بالأجرة"، فعلى هذا فقوله: "في أرضه" إضافة اختصاص. قاله في "الفتح" (فَرَجَعَتْ إِلَيْهِ، فَوَجَدَتْهُ نَائِمًا) وفي رواية البخاريّ. "فلما رأته، قالت: خيبةً لك" (وَأيْقَظَتْهُ، فَلَمْ يَطْعَمْ شَيْئًا) أي لكون الأكل بعد النوم مُحَرّمًا، وفي مرسل السدّيّ: "فأيقظته، فكره أن يعصي اللَّه، وأبى أن يأكل". وفي مرسل محمد بن يحيى: "فقالت له: كل، فقال: إني قد نِمْتُ، فقالت: لم تنم، فأبى، فأصبح جائعًا مجهودًا" (وَبَاتَ، وَأَصبَحَ صَائِمًا، حَتَّى انْتَصَفَ النهَارُ، فَغُشِيَ عَلَيْهِ) وفي رواية أبي داود: "فلم ينتصف النهار حتى غُشي عليه"، ولا اختلاف بين الروايتين، إذ يمكن حمل الأول على أن الغشي وقع في آخر النصف الأول من النهار. واللَّه تعالى أعلم.
(وَذَلِكَ قَبْلَ أَن تَنْزِلَ هَذِهِ الآيَةُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ) أي أنزل اللَّه تعالى الآية المذكورة
стр. 11286
بسببه، فـ "في" سببية. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث البراء بن عازب - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه البخاريّ. واللَّه أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢٩/ ٢١٦٨ - وفي "الكبرى"-٢٩/ ٢٤٧٨ وفي "التفسير" منه ٢٧/ ١١٠٢٣. وأخرجه (خ) في "الصوم" رقم ١٩١٥ وفي "التفسير" ٤١٤٨ (د) في "الصوم" ١٩٧٠ (ت) في "التفسير" ٢٨٩٤ (أحمد) ١٧٨٧٠ (الدارميّ) في "الصوم" ١٦٣١. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان تأويل قوله : ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ الآية، وذلك أن الآية نزلت تخفيفًا عن المسلمين المشقة التي كانوا يلاقونها بسبب تحريم الأكل والشرب، ومجامعة المرأة بعد النوم (ومنها): لطف اللَّه بهذه الأمة، وعظيم فضله عليهم بسبب نبيّها المبعوث رحمةً للعالمين، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾، فخفّف عنهم هذه المشقّة (ومنها): ما كان عليه هذا الصحابيّ الجليل ﵁ من شدة الورع، والخوف من اللَّه تعالى، مع كونه جائعا مجهودًا، فصبر على ذلك، ولم يتناول الطعام الذي أتت به امرأته، وطلبت منه أن يأكل، لما رأت عليه من آثار الضعف بسبب الجوع، فرجَتْ أن يكون ذلك ضرورة مبيحة للأكل، إلا أنه صبر على الجوع، وبات طاويًا حتى غُشي عليه في منتصف النهار، فأنزل اللَّه تعالى بسببه الآية، فكان سببًا في إزالة هذه المشقّة ﵁ (ومنها): ما كان عليه الصحابة من ضيق العيش، وكدّ التعب في طلب القوت، ولا يؤثّر ذلك في سلوكهم، بل يزدادون إقبالاً على الآخرة، ويَسْعَون لها، فكان سعيهمِ مشكورًا، كما قال : ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩] اللهم اجعلنا ممن يريد الآخرة، ويسعى لها سعيها، مؤمنا مخلصًا، حتى يكون سعينا مشكورًا، إنك ولي ذلك، والقادر عليه، آمين آمين آمين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢١٦٩ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ, عَنْ مُطَرِّفٍ, عَنِ الشَّعْبِيِّ, عَنْ
стр. 11287
عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ, أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] قَالَ: «هُوَ سَوَادُ اللَّيْلِ, وَبَيَاضُ النَّهَارِ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عليّ بن حجر) السعديّ المروزيّ، ثقة حافظ، من صغار [٩] ١٣/ ١٣.
٢ - (جرير) بن عبد الحميد الضبيّ الكوفيّ، نزيل الريّ، وقاضيها، ثقة صحيح الكتاب [٨] ٢/ ٢.
٣ - (مطرّف) بن طَرِيف الكوفّي، ثقة فاضل، من صغار [٦] ٢/ ٣٢٧.
٤ - (الشعبيّ) عامر بن شَرَراحيل الهمدانيّ، أبو عمرو الكوفيّ، ثقة فقيه فاضل [٣] ٦٦/ ٨٢.
٥ - (عديّ بن حاتم) بن عبد اللَّه بن سعد بن الْحَشْرَج بن امرئ القيس بن عدي بن أخرم بن أبي أخرم بن ربيعة بن جَرْوَل بن ثُعَل بن عمرو بن الغوث بن طيء الطائي، أبو طَرِيف، ويقال: أبو وهب، قَدِم على النبي ﷺ في شعبان سنة سبع، رَوَى عن النبي ﷺ ، وعن عمر ﵁، ورَوَى عنه عَمْرو بن حُرَيث وعبد اللَّه بن مَعْقِل بن مُقَرّن، وتميم بن طَرَفة، وخيثمة بن عبد الرحمن، ومُحِلّ بن خَليفة الطائي، ومُري بن قَطَري، وعامر الشعبي، وعبد اللَّه بن عمرو مولى الحسن، وبلال بن المنذر، وسعيد بن جبير، والقاسم بن عبد الرحمن، وعباد بن حُبيش، وآخرون. قال مُحِلّ بن خَليفة عن عدي ابن حاتم: ما أُقيمت الصلاة منذ أسلمت إلا وأنا على وضوء. وقال الشعبي عن عدي ابن حاتم: أتيت عمر بن الخطاب في أناس من قومي، فجعل يَفرِض للرجل من طيء في ألفين، ويُعرِض عني، فاستقبلته، فقلت: يا أمير المؤمنين أتعرفني، قال: فضحك حتى استلقى لقفاه، وقال: نعم واللَّه إني لأعرفك، آمنت إذ كفروا، وعرفت إذ أنكروا، ووفّيت إذ غدروا، وأقبلت إن أدبروا، وإن أول صدقة بَيَّضَت وجه رسول اللَّه ﷺ ، ووجوه أصحابه صدقة طيء، جئت بها إلى رسول اللَّه ﷺ ، ثم أخذ يعتذر. وقال الخطيب. لَمّا قُبِض رسول اللَّه ﷺ ثبت عدي بن حاتم، وقومه على الإسلام، وجاء بصدقاتهم إلى أَبي بكر، وحضر فتح المدائن، وشهد مع عليّ الجَمَل، وصِفِّين، والنهروان، ومات بعد ذلك بالكوفة، وقتل بقرقيساء. وذكره يعقوب بن سفيان في أمراء علي يوم الجمل ويوم صفين. قال أبو حاتم السجستاني في "كتاب المعمرين": قالوا: وعاش مائة وثمانين سنة. وقال خليفة: مات بالكوفة سنة (٦٨). وقال جرير، عن مغيرة الضبي: خرج عدي بن حاتم، وجرير بن عبد اللَّه، وحنظلة الكاتب من الكوفة، فنزلوا قرقيساء، وقالوا: لا نقيم ببلد يُشتم فيها عثمان. وقال أبو حاتم: وكان متواضعا،
стр. 11288
ولَمّا أسن استأذن قومه في وِطاء يجلس عليه في ناديهم، كراهية أن يظن أحد منهم أنه يفعل ذلك تعاظمًا، فأَذِنوا له. أخرج له الجماعة، وله من الحديث (٦٦) حديثًا، اتفق الشيخان على ستة أحاديث، وانفرد البخاريّ بثلاثة، ومسلم بحديثين، وله في هذا الكتاب (٢٩) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فمروزيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمِ) الطائيّ - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) وفي رواية البخاريّ من طريق حُصَين بن عبد الرحمن، عن الشعبيّ، عن عديّ بن حاتم ﵁ قال: "لما نزلت ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ عَمَدتُ إلى عقال أسود، وإلى عقال أبيض، فجعلتهما تحت وسادتي … " الحديث.
قال في "الفتح": ظاهره أن عديًا كان حاضرًا لما نزلت هذه الآية، وهو يقتضي تقدّم إسلامه، وليس كذلك؛ لأن نزول فرض الصوم كان متقدّمًا في أوائل الهجرة، وإسلام عديّ كان في السنة التاسعة، أو العاشرة، كما ذكره ابن إسحاق وغيره من أهل المغازي، فإما أن يُقال: إن الآية التي في حديث الباب تأخّر نزولها عن نزول فرض الصوم، وهو بعيدٌ جدًّا، وإما أن يؤوّل قول عديّ هذا على أن المراد بقوله: "لما نزلت"، أي لما تُليت عليّ عند إسلامي، أو لما بلغني نزول الآية، أو في السياق حذفٌ، تقديره لما نزلت الآية، ثم قدمت، فأسلمت، وتعلّمتُ الشرائع عمدتُ.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الاحتمال الثاني هو الأقرب، ثم إن الاحتمال الذي ذكره أخيرًا بمعنى الاحتمال الثاني. واللَّه تعالى أعلم.
وقد روى أحمد حديثه من طريق مجالد بلفظ "علّمني رسول اللَّه ﷺ -الصلاة، والصيام، فقال: صلّ كذا، وصم كذا، فإذا غابت الشمس، فكل حتى يتبيّن لك الخيط الأبيض من الخيط الأسود، قال: فأخذت خيطين … " الحديث.
(عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾) أي سألته عن المعنى المراد بالخيط الأبيض، والخيط الأسود في هذه الآية.
(قَالَ) ﷺ (هُوَ) راجع إلى المذكور من الخيط الأبيض، والخيط الأسود، أي المعنى
стр. 11289
المراد مه (سَوَادُ اللَّيْلِ، وَبَيَاضُ النَّهَارِ") وفي رواية البخاريّ من طريق حُصين المذكورة: "عمدتُ إلى عقال أبيض، وإلى عقال أسود، فجلتهما تحت وسادتي، فجلت انظر في الليل، فلا يستبين لي، فغدوت على رسول اللَّه ﷺ ، مذكرت له ذلك، فقال. "إنما ذلك سواد الليل، وبياض اللهار". وللبخاريّ في "التفسير" من طريق أبي عَوَانة، عن حُصين. "إن وسادك إذًا لعريض، إن كان الخيط الأبيض والأسود تحت وسادك" ولأبي عوانة من طريق إبراهيم بن طهمان، عن مطرّف: "فضحك، وقال "لا" يا عريض القفا".
قال الخطابي -رحمه اللَّه تعالى- في "المعالم": في قوله: "إن وسادك لعريض" قولان: "أحدهما": يريد أن نومك لكثير، وكنى بالوساد عن النوم؛ لأذ النائم يتوسّد، أو أراد ليلك لطويل إذا كنت لا تمسك عن الأكل حتى يتبيّن لك العقال.
"والقول الآخر": أنه كنى بالوسادة عن الموضع الذي يضعه من رأسه وعنقه على الوسادة إذا نام، والعرب تقول. فلان عريض القفا إذا كان في غباوة وغفلة. وقد روي في هذا الحديث من طريق أخرى:"إنك عريض القفا"، وجزم الزمخشريّ بالتأويل الثاني، فقال: إنما عرّض النبيّ ﷺ -قفا عديّ؛ لأنه غفل عن البيان، وعَرْضُ القفا مما يُستدلّ به على قلّة الفطنة، وأنشد في ذلك شعرًا.
وقد أنكر ذلك كثير، منهم القرطبيّ، فقال: حَمَلَه بعضُ الناس على الذمّ له على ذلك الفهم، وكأنه فهم منه أن النبيّ ﷺ -نسبه إلى الجهل، والجفاء وعدم الفقه، وربما عضدوا هذا بما روي أنه ﷺ قال له: "إنك لعريض القفا"، وليس الأمر كذلك، فإنه حمل اللفظ على حقيقته اللسانية؛ إن هي الأصل، إن لم يتبيّن له دليل التجوّز، ومن تمسّك بهذا الطريق لم يستحقّ ذمًا، ولا يُنسب إلى جهل، وإنما عني بذلك النبيّ ﷺ واللَّه أعلم- أن وسادك إن غطّى الخيطين اللذين أراد اللَّه، اللذين هما الليل واللهار، فهو إذًا وسادٌ عريض واسعٌ؛ إذ قد شملهما، وعلاهما، ألا تراه قد قال على إثر ذلك: "إنما هو سواد الليل، وبياض النهار"، فكأنه قال: فكيف يدخلان تحت وسادٍ؟::، وإلى هذا يرجع قوله: "إنك لعريض القفا"؛ لأن هذا الوساد الذي قد غطّى الليل والنهار بعرضه لا يرقد عليه، ولا يتوسّده إلا قفا عريض، حتى يناسب عرضُه عرضَه، وهذا عندي أشبه ما قيل فيه، وأليق، ويدلّ أيضًا عليه ما زاده البخاريّ، قال. "إن وسادك إذاً لعريض، إن كان الخيط الأبيض والأسود تحت وسادك"، وقد أكثر الناس فيه انتهى كلام القرطبيّ (١).
وقد ترجم عليه ابن حبان في "صحيحه": [ذكر البيان بأن العرب تتباين لغاتها في
стр. 11290
أحيائها]، وأشار بذلك إلى أن عديّا لم يكن يعرف في لغته أن سواد الليل، وبياض النهار يُعبّر عنهما بالخيط الأبيض، والخيط الأسود، وساق هذا الحديث (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عديّ بن حاتم - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢٩/ ٢١٦٩ - وفي "الكبرى" ٢٩/ ٢٤٧٩ وفي "التفسير" منه ٢٧/ ١١٠٢١. وأخرجه (خ) في، "الصوم " ١٩١٦ و"التفسير" ٤٥٠٩ و ٤٥١٠ (م) في "الصيام " ٢٥٢٨ (د) في "الصوم" ٢٠٠٢ (ت) في "التفسير" ٢٨٩٦ و ٢٨٩٧ (أحمد) في ١٨٥٦١ (الدارميّ) في "الصوم" ١٦٣٢. واللَّه تعالى أعلم.
(لمسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما بوّب له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان تأويل الآية المذكورة، وهو واضح؛ لأنه ﷺ بين المراد بالخيط الأبيض، والخيط الأسود بأنه سو اد الليل، وبياض النهار (ومنها): حرص الصحابة في العمل بما أُمروا به فيما أنزل اللَّه ، والسؤال عما خفي عليهم وجه العمل به (ومنها): بيان أن قبائل العرب تتفاوت في لغاتها، فإن هذا الصحابي ﵁ لم يعرف استعمال الخيط الأبيض والأسود للمعنى المقصود في الآية حتى بيّن له النبيّ ﷺ (ومنها): جواز التوبيخ بالكلام النادر الذي يسير، فيصير مثلاً بشرط صحة القصد،
ووجود الشرط عند أمن الغلوّ في ذلك، فإنه مزلّة القدم؛ إلا لمن عصمه اللَّه تعالى. كذا قال ابن المنيّر -رحمه اللَّه تعالى-. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): أخرج الشيخان، والمصنف في "التفسير" من "الكبرى" عن سهل بن سعد الساعديّ ﵁ قال: "أنزلت: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ ولم ينزل ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض، والخيط الأسود، ولم يزل يأكل حتى يتبيّن له رؤيتهما، فأنزل اللَّه بعدُ: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، فعلموا أنه إنما يَعنِي الليل والنهار". (٢)
قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: حديث عديّ يقتضي أن قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ نزل
стр. 11291
متّصلاً بقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وأن عديّ بن حاتم ﵁ حمل الخيط على حقيقته، وفهم من قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ من أجل الفجر، ففعل ما فعل بالعقال الأبيض والأسود، وهذا بخلاف حديث سهل بن سعد ﵁، فإن فيه أن اللَّه تعالى لم يُنزل ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ إلا منفصلاً عن قوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾، ولما وقع لهم الإشكال حينئذ أنزل اللَّه تعالى: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ رافعًا لذلك الإشكال، وقد قيل: إنه كان بين نزولهما عام كامل.
وكأن الحديثين واقعتان في وقتين، ويصحّ الجمع بأن يكون حديث عديّ متأخرًا عن حديث سهل، وأنّ عديا لم يسمع ما جرى في حديث سهل، وإنما سمع الآية مجرّدة، ففهمها على ما قرّرناه، فبيّن له النبيّ ﷺ -أن الخيط الأبيض كنايةٌ عن بياض الفجر، والخيط الأسود كناية عن سواد الليل، وأن معنى ذلك أن ينفصل أحدهما عن الآخر، وعلى هذا يكون: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ متعلّقًا بقوله: ﴿يَتَبَيَّنَ﴾، وعلى مقتضى حديث سهل يكون في موضع الحال، متعلّقًا بمحذوف، وهكذا هو معنى جوابه في حديث سهل.
ويحتمل أن يكون الحديثان قضية واحدة، وذكر بعض الرواة -يعني في قصّة عديّ- متصلاً بما قبله كما ثبت في القرآن، وإن كان قد نزل مفرّقاً كما بيّنه حديث سهل واللَّه تعالى أعلم انتهى كلام القرطبيّ بتصرّف (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الاحتمال الثاني ضعيف؛ -كما قال الحافظ- لأن قصّة عديّ متأخرة لتأخر إسلامه، كما تقدّم.
وروى ابن أبي حاتم من طريق أبي أسامة، عن مجالد في حديث عديّ: أن النبيّ ﷺ قال -لما أخبره بما صنع-: يا ابن حاتم ألم أقل لك: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، وللطبراني من وجه آخر عن مجالد وغيره: فقال عديّ: يا رسول اللَّه كل شيء أوصيتني قد حفظته غير الخيط الأبيض من الخيط الأسود، إني بتّ البارحة معي خيطان أنظر إلى هذا، وإلى هذا، قال. "إنما هو الذي في السماء".
فتبيّن بهذا كله أن قصّة عديّ مغايرة لقصة سهل، فأما من ذُكِرَ في حديث سهل، فحملوا الخيط على ظاهره، فلما نزل ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ علموا المراد، فلذلك قال سهل في حديثه: "فعلموا أنما يَعني الليل والنهار"، وأما عديّ فكأنه لم يكن في لغة قومه استعارة
стр. 11292
الخيط للصبح، وحمل قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ على السببيّة، فظنّ أن الغاية تنتهي إلى أن يظهر تمييز أحد الخيطين من الآخر بضياء الفجر، أو نسي قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ حتى ذكّره بها النبيّ ﷺ ، وهذه الاستعارة معروفة عند بعض العرب، قال الشاعر [من المتقارب]:
وَلَمَّا تَبَدَّتْ (١) لَنَا سُدْفَةٌ … وَلَاحَ مِنَ الصُّبْحِ خَيْطٌ أَنَارَا
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): قال في "الفتح": ما حاصله: معنى قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾: حتى يظهر بياض النهار من سواد الليل، وهذا البيان يحصل بطلوع الفجر الصادق، ففيه دلالة على أن ما بعد الفجر من النهار. وقال أبو عبيد: المراد بالخيط الأسود الليل، وبالخيط الأبيض الفجر الصادق، والخيط اللون. وقيل: المراد بالأبيض أول ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق، كالخيط الممدود، وبالأسود ما يمتدّ معه من غبش الليل شبيهًا بالخيط. قاله الزمخشريّ، قال: وقوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ بيان للخيط الأبيض، واكتفى به عن بيان الخيط الأسود لأن بيان أحدهما بيان للآخر، قال: ويجوز أن تكون "من" للتبعيض لأنه بعض الفجر، وقد أخرجه قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ من الاستعارة إلى التشبيه، كما أن قولهم: رأيت أسدًا مجاز، فإذا زدت فيه "من فلان" رجع تشبيهًا. ثم قال: كيف جاز تأخير البيان، وهو يُشبه العبث (٢) لأنه قبل نزول ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ لا يفهم منه إلا الحقيقة، وهي غير مرادة، ثم أجاب بأنّ مَنْ لا يجوّزه -وهم أكثر الفقهاء والمتكلّمين- لم يصح عندهم حديث سهل، وأما من يجوّزه فيقول: ليس بعبث، لأن المخاطب يستفيد منه وجوب الخطاب، ويعزم على فعله إذا استوضح المراد به انتهى.
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: ونقله نفي التجويز عن الأكثر فيه نظر، كما سيأتي، وجوابه عنهم بعدم صحة الحديث مردود، ولم يقل به أحد من الفريقين، لأنه مما اتفق الشيخان على صحّته، وتلقّته الأمة بالقبول.
ومسالة تأخير البيان مشهورة في كتب الأصول، وفيها خلاف بين العلماء من المتكلّمين وغيرهم، وقد حكى ابن السمعانيّ في أصل المسألة عن الشافعيّة أربعة أوجه: الجواز مطلقًا، عن ابن سُريج، والإصطخريّ، وابن أبي هريرة، وابن خيران.
стр. 11293
والمنع مطلقًا، عن أبي إسحاق المروزيّ، والقاضي أبي حامد، والصيرفيّ. ثالثها: جواز تأخير بيان المجمل دون العامّ. رابعها. عكسه، وكلاهما عن بعض الشافعيّة.
وقال ابن الحاجب: تأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع إلا عند مجوّز تكليف ما لا يطاق، يعني وهم الأشاعرة، فيجوّزونه، وأكثرهم يقولون. لم يقع.
قال شارحه: والخطاب المحتاج إلى البيان ضربان:
"أحدهما": ما له ظاهر، وقد استعمل في خلافه. و"الثاني": ما لا ظاهر له، فقالت طائفة من الحنفية، والمالكيّة، وأكثر الشافعية: يجوز تأخيره عن وقت الخطاب، واختاره الفخر الرازيّ، وابن الحاجب، وغيرهم، ومال بعض الحنفية والحنابلة كلهم إلى امتناعه. وقال الكرخيّ: يمتنع في غير المجمل.
وإذا تقرّر ذلك، فقد قال النوويّ تبعًا لعياض: وإنما حَمَلَ الخيط الأبيض والأسود على ظاهرهما بعضُ من لا فقه عنده من الإعراب، كالرجال الذين حكى عنهم سهل، وبعض من لم يكن في لغته استعمال الخيط في الصبح كعديّ.
وادعى الطحاويّ، والداوديّ أنه من باب النسخ، وأن الحكم كان أولاً على ظاهره المفهوم من الخيطين، واستدل على ذلك بما نقل عن حذيفة وغيره من جواز الأكل إلى الإسفار، قال: ثم نسخ بعد ذلك بقوله تعالى. ﴿مِنَ الْفَجْر﴾
قال الحافظ: ويؤيد ما قاله ما رواه عبد الرزاق بإسناد رجاله ثقات. "إن بلالاً أتى النبيّ ﷺ ، وهو يتسحّر، فقال: الصلاة يا رسول اللَّه، قد واللَّه أصبحت، فقال: "يرحم اللَّه بلالاً، لولا بلال لرجونا أن يرخّص لنا حتى تطلع الشمس".
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: في تأييد هذا الحديث للنسخ المذكور خفاء، فليُتأمّل. واللَّه تعالى أعلم.
ويستفاد من هذا الحديث -كما قال عياض- وجوب التوقّف عن الألفاظ المشتركة، وطلب بيان المراد منها، وأنها لا تحمل على أظهر وجوهها، وأكثر استعمالاتها إلا عند عدم البيان.
وقال ابن بزيزة في "شرح الأحكام". ليس هذا من باب تأخير بيان المجملات؛ لأن الصحابة عملوا أوّلاً على ما سبق إلى أفهامهم بمقتضى اللسان، فعلى هذا فهو من باب تأخير ما له ظاهر أريد به خلاف ظاهره.
قال الحافظ: وكلامه يقتضي أن جميع الصحابة فعلوا ما نقله سهل بن سعد، وفيه نظر.
واستدلّ بالآية، والحديث على أن غاية الأكل والشرب طلوع الفجر، فلو طلع
стр. 11294
الفجر، وهو يأكل، أو يشرب، فنزع تم صومه، وفيه اختلاف بين العلماء، ولو أكل ظانا أن الفجر لم يطلع لم يفسد صومه عند الجمهور؛ لأن الآية دلّت على الإباحة إلى أن يحصل التبين. وقد روى عبد الرزّاق بإسناد صحيح، عن ابن عباس ﵄، قال: "أحلّ اللَّه لك الأكل والشرب ما شككت". ولابن أبي شيبة عن أبي بكر وعمر نحوه. وروى ابن أبي شيبة من طريق أبي الضحى، قال: سأل رجل ابن عباس عن السحور؟ فقال له رجل من جلسائه: كل حتى لا تشكّ، فقال ابن عباس: إن هذا لا يقول شيئًا، كل ما شككت حتى لا شككت.
قال ابن المنذر: وإلى هذا القول صار أكثر العلماء. وقال مالك: يقضي. وقال ابن بزيزة في "شرح الأحكام": اختلفوا هل يحرم الأكل بطلوع الفجر، أو بتبيّنه عند الناظر تمسكًا بظاهر الآية، واختلفوا هل يجب إمساك جزء قبل طلوع الفجر، أم لا؟ بناءً على الاختلاف المشهور في مقدّمة الواجب انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحق أن تحريم الأكل ونحوه متعلّق بتبيّن الفجر، وتحققه، لا بمجرّد الطلوع، لظاهر الآية الكريمة، وأما القول بوجوب إمساك جزء من الليل، فبطلانه واضح؛ لمصادمته ظاهر الآية. فتبصّر، ولا تتحيرّ.
وقد تقدّم تحقيق القول في ذلك في باب [تأخير السحور] ٢٠/ ٢١٥٢ و ٢١٥٣ و ٢١٥٤. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٣٠ - (كَيْفَ الْفَجْرُ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "كيف"، ويقال فيها: "كي" بحذف الفاء: كلمة يُستفهم بها عن حال الشيء، وصفته، يقال: كيف زيد، ويُراد السؤال عن صحّته، وسُقْمه، وعسره، ويسره، وغير ذلك، وتأتي للتعجّب، والتوبيخ، والإنكار، كقوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٨]، وللحال ليس معه سؤال، وقد تتضمّن معنى النفي، وكيفيّةُ الشيء حالُهُ وصفتُهُ (١).
والمراد هنا المعنى الأول، أي ما هو صفة الفجر الذي جعله اللَّه علامة لانتهاء جواز
стр. 11295
الأكل والشرب، ونحوهما، وابتداء الصوم.
و"الفَجْرُ" -أي بفتح الفاء، وسكون الجيم-: ضوء الصباح، وهو حمرة الشمس في سواد الليل، وهما فجران: أحدهما المستطيل، وهو الكاذب الذي يُسمّى ذَنَبَ السِّرْحَان، والآخر المستطير، وهو الصادق المنتشر في الأفق الذي يُحرّم الأكل والشرب على الصائم، ولا يكون الصبح إلا الصادق. قال الجوهريّ: الفجر في آخر الليل كالشفق في أوله. قاله في "اللسان" (١).
وموضع الاستدلال من الحديث قوله: "ولكن الفجر أن يقول الخ"، وقوله: "حتى ينفجر هكذا وهكذا"؛ لأن فيه بيان المراد من الفجر الذي جعل اللَّه تعالى تبيّنه غاية للأكل والشرب، ونحوهما، وهو الفجر الثاني الصادق المعترض يمينًا وشمالاً. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢١٧٠ أ- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا التَّيْمِيُّ, عَنْ أَبِي عُثْمَانَ, عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «إِنَّ بِلَالاً يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ (٢)؛ لِيُنَبِّهَ نَائِمَكُمْ, وَيُرْجِعَ قَائِمَكُمْ, وَلَيْسَ الْفَجْرُ أَنْ يَقُولَ هَكَذَا, وَأَشَارَ بِكَفِّهِ, وَلَكِنِ الْفَجْرُ أَنْ يَقُولَ هَكَذَا». وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَتَيْنِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرة.
و"يحيى": هو ابن سعيد القطان. و"التيمي": هو سليمان بن طَرْخان، أبو المعتمر البصريّ. و "أبو عثمان": هو عبد الرحمن بن ملّ النهديّ المخضرم العابد المشهور الكوفيّ، ثم البصريّ.
والإسناد مسلسل بالبصريين، غير الصحابي، فكوفيّ.
والحديث متفق عليه وقد استوفيت شرحه، وكذا الكلام على مسائله في "كتاب الأذان"- في باب "الأذان في غير وقت الصلاة" ١١/ ٦٤١ - رواه هناك عن إسحاق بن راهويه، عن المعتمر بن سليمان، عن أبيه به.
وأذكر هنا شرح ما يحتاج إلى الإيضاح فقط:
فقوله: "ليرجع قائمكم" بفتح الياء، وكسر الجيم المخففة، من الرَّجْع المتعدّي المذكور في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ [الطارق: ٨]، لا من الرجوع اللازم، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ﴾ الآية [التوبة: ٨٣]، وقوله : ﴿ثُمَّ ارْجِعِ
стр. 11296
الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ الآية [الملك: ٤]، ويحتمل أن يكون من الإرجاع، وعلى الوجهين فـ "قائمكم" بالنصب، ويحتمل أن يكون من الرجوع اللازم، و"قائمُكُم" بالرفع، وقد تقدّم تمام البحث في هذا في الباب المذكور.
وقوله: "وليس الفجر أن يقول الخ" أي يظهر هكذا، وأشار به إلى هيئة ظهور الفجر الكاذب، والقول أريد به فعل الظهور، وإطلاق القول على الفعل شائع.
وقوله: "وأشار بكفّه" أي أشار إلى الفجر الكاذب بكفه.
وقوله: "وأشار بالسبّابتين" أي أشار إلى الفجر الصادق بوضع إحدى السبابتين على الأخرى، ومدّها عن يمينه، وشماله. وفي رواية البخاريّ: "وليس الفجر -أو الصبح- وقال بإصبعه، ورفعها إلى فوق، وطأطأ إلى أسفل -حتى يقول هكذا، وأشار زهير بسبابتيه إحداهما فوق الأخرى، ثم مدها عن يمينه وشماله.
وفي رواية مسلم: "وليس أن يقول هكذا وهكذا" وصوّب يده، ورفعها "حتى يقول هكذا" وفرّج بين إصبعيه". وفي لفظ: "إن الفجر ليس الذي يطول هكذا"، وجمع أصابعه، ثم نكّسها إلى الأرض، "ولكن الذي يقول هكذا"، ووضع المسبّحة على المسبّحة، ومدّ يده".
قال العلامة القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: وقوله: "ليس أن يقول هكذا -وصوّب يده، ورفعها- " أي مدّ يده صَوْبَ مخاطبه، ثم رفعها نحو السماء. وفي الرواية الأخرى: "إن الفجر ليس الذي يقول هكذا"، وجمع أصابعه، ثم نكّسها إلى الأرض. وتحصّل من الروايتين أنه ﷺ أشار إلى أن الفجر الأول يطلع في السماء، ثم يرتفع طرفه الأعلى، وينخفض طرفه الأسفل، وقد بيّن هذا بقوله: "ولا بياض الأفق المستطيل" يعني الذي يطلع طويلاً، فهذا البياض هو المسمّى بالفجر الكاذب، وشُبّه بذنب السِّرْحَان، وهو الذئب، وسمي به. وهذا الفجر لا يتعلّق عليه حكم، لا من الصيام، ولا من الصلاة، ولا من غيرهما، وأما الفجر الصادق، فهو الذي أشار إليه النبيّ ﷺ حيث وضع المسبّحة على المسبّحة، ومدّ يديه، وهو إشارة إلى أنه يطلع مُعترِضًا، ثم يعُمّ الأفق ذاهبًا فيه عَرْضًا، ويستطير، أي ينتشر. انتهى كلام القرطبيّ (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢١٧١ - (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, أَنْبَأَنَا سَوَادَةُ بْنُ حَنْظَلَةَ, قَالَ: سَمِعْتُ سَمُرَةَ, يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَغُرَّنَّكُمْ أَذَانُ
стр. 11297
بِلَالٍ, وَلَا هَذَا الْبَيَاضُ, حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ, هَكَذَا وَهَكَذَا» , يَعْنِي مُعْتَرِضًا, قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَبَسَطَ بِيَدَيْهِ يَمِينًا وَشِمَالاً, مَادًّا يَدَيْهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (محمود بن غيلان) العدويّ مولاهم، أبو أحمد المروزيّ، نزيل بغداد، ثقة [١٠] ٣٣/ ٣٧.
٢ - (أبو داود) سليمان بن داود بن الجارود الطيالسيّ البصريّ، ثقة حافظ [٩] ١٣/ ٣٤٣.
٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت [٧] ٢٤/ ٢٧.
٤ - (سوادة بن حنظلة) القشيريّ البصريّ، صدوق [٣].
رأى عليّا ﵁. وروى عن سمرة بن جُندب ﵁ حديث الباب فقط. وعنه ابنه عبد اللَّه، وشعبة، وأبو هلال الراسبيّ، وهمّام. قال أبو حاتم. شيخ. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: سمع من عليّ بن أبي طالب ﵁، روى له مسلم، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، وله عند المصنّف حديثان فقط: هذا ٢١٧١ و ٢٣١٥ حديث أنس ﵁ مرفوعًا: "إن اللَّه وضع للمسافر الصوم … " الحديث.
٥ - (سمرة) بن جندب بن هلال الفزاريّ، حليف الأنصار الصحابيّ الشهير، مات بالبصرة سنة (٥٨) وتقدّم في ٢٥/ ٣٩٣. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها). أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فمروزيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن سوادة بن حنظلة -رحمه اللَّه تعالى- أنه (قال: سَمِعْتُ سَمُرَةَ) بن جُندب ﵁، وفي رواية لمسلم. "سمعت سمرة بن جندب ﵁، وهو يخطب، يحدّث عن النبيّ ﷺ … " (يقُولُ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) وفي رواية مسلم: "سمعت محمدًا ﷺ -يقول" ("لَا يَغُزنَّكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ) ومتعلّقه محذوف، من أكل السَّحُور، كما بينته رواية مسلم، ولفظه: "لا يغرّنّ أحدَكم نداءُ بلال من السَّحُور"، وفي لفظ: "لا يغزنكم من سحوركم أذان بلال، ولا بياض الأفق المستطيل هكذا، حتى يستطير هكذا" (وَلَا هَذَا الْبَيَاضُ) يعني البياض الذي يظهر متسطيلاً، كما تقدّم بيانه (حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ) أي حتى يظهر، وينتشر ("هَكَذَا وَهَكَذَا"، يَعنْي مُعْتَرِضًا، قالَ أَبُو دَاوُدَ) الطَيالسيّ الراوي عن شعبة
стр. 11298
(وَبَسَطَ) أي شعبة مبيّنا معنى قوله: "هكذا وهكذا" (بِيَدَيْهِ يَمِينًا وَشِمَالاً، مَادًّا يَدَيْهِ) حال مؤكد لمعنى البسط. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث سمرة بن جندب ﵁ هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ٣٠/ ٢١٧٠ - وفي "الكبرى" ٣٠/ ٢٤٨١. وأخرجه (م) في "الصيام" ٢٥٣٩ و ٢٥٤٠ و ٢٥٤١ و ٢٥٤٢ و ٢٥٤٣ (د) في "الصوم" ٢٣٤٦ (ت) في "الصوم" ٧٠٦ (أحمد) ١٩٢٢١ و ١٩٢٣٨ و ١٩٢٩٠ و ١٩٢٣٨. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٣١ - (التَّقَدُّمُ قَبْلَ شَهْرِ رَمَضَانَ)
٢١٧٢ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا الْوَلِيدُ, عَنِ الأَوْزَاعِيِّ, عَنْ يَحْيَى, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «لَا تَقَدَّمُوا قَبْلَ الشَّهْرِ بِصِيَامٍ, إِلاَّ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صِيَامًا (١) , أَتَى ذَلِكَ الْيَوْمُ عَلَى صِيَامِهِ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه الحنظليّ المروزيّ، ثقة ثبت [١٠] ٢/ ٢.
٢ - (الوليد) بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو العباس الدمشقيّ، ثقة، لكنه كثير التدليس والتسوية [٨] ٥/ ٤٥٤.
٣ - (الأوزاعيّ) عبد الرحمن بن عمرو، أبو عمرو الفقيه، ثقة جليل [٧] ٤٥/ ٥٦.
٤ - (يحيى) بن أبي كثير صالح بن المتوكّل الطائيّ مولاهم، أبو نصر اليماميّ، ثقة يُدلّس ويرسل [٥] ٢٣/ ٢٤.
стр. 11299
٥ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ١/ ١.
٦ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١ واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فمروزيّ، ويحيى وإن كان يماميّا إلا أنه سكن المدينة عشر سنين في طلب الحديث، والباقيان دمشقيان، (ومنها). أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي سلمة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، وفي رواية الإسماعيليّ، من طريق هشام الدستوائيّ، عن يحيي بن أبي كثير، حدثني أبو سلمة، حدثني أبو هريرة. ونحوه لأبي عوانة، من طريق معاوية بن سلاّم، عن يحيي. أفاده في "الفتح" (١) (عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) أنه (قَالَ: "لَا") ناهية، ولذا جُزم الفعل بعدها (تَقَدمُّوا) من التقدّم، وأصله "لا تتقدّموا"، فحذفت منه إحدى التاءين، كما في قوله تعالى: ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤]، وقوله: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [القدر: ٤]، وقد أشار ابن مالك إلى هذه القاعدة في "الخلاصة" حيث قال:
وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ … فيهِ عَلَى تَا كَتَبيَّنُ الْعِبَرْ
(قَبْلَ الشَّهْرِ بِصِيَامٍ) الباء للتعدية متعلقة بـ"تقدّموا". وفي الرواية الآتية في الباب التالي: "لا يتقدّمنّ أحد الشهر بيوم، ولا يومين … " (إِلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صِيَامًا، أَتَى ذلِكَ الْيَوْمُ) أي اليوم الذي قبل رمضان، وهو اليوم الذي يُسَمَّى يوم الشك (عَلَى صِيَامِهِ") أي صيامه المعتاد، والمعنى: أنه لا يتقدّم رمضان بصوم يوم إلا من كان معتادًا صوم يوم معين، كالاثنين مثلاً، فاتفق أن كان ذلك اليومُ يومَ الشك، فإنه يجوز له أن يصوم ذلك اليوم.
قال العلماء: معنى الحديث لا تستقبلوا رمضان بصيام على نيّة الاحتياط لرمضان.
قال الترمذيّ -رحمه اللَّه تعالى-لما أخرجه-: العمل على هذا عند أهل العلم، كرهوا أن يتعجّل الرجل بصيام قبل دخول رمضان لمعنى رمضان انتهى.
стр. 11300
والحكمة فيه التقوّي بالفطر لرمضان ليدخل فيه بقوّة ونشاط، وهذا فيه نظر؛ لأن مقتضى الحديث أنه لو تقدّمه بصيام ثلاث أيام، أو أربعة جاز.
وقيل: الحكمة فيه خشية اختلاط النفل بالفرض، وفيه نظر أيضًا؛ لأنه يجوز لمن له عادة كما صُرِّحَ به في الحديث. وقيل: لأن الحكم علق بالرؤية فمن تقدّمه بيوم أو يومين، فقد حاول الطعن في ذلك الحكم، وهذا هو المعتمد.
ومعنى الاستثناء أن من كان له ورد، فقد أُذِنَ له فيه لأنه اعتاده، وألفه، وترك المألوف شديد، وليس ذلك من استقبال رمضان في شيء، ويلتحق بذلك القضاء والنذر لوجوبهما. قال العلماء: يستثنى القضاء والنذر بالأدلّة القطعيّة على وجوب الوفاء بهما، فلا يبطل القطعيّ بالظنيّ.
وفي الحديث ردّ على من يرى تقديم الصوم على الرؤية كالرافضة، وردّ على من قال بجواز صوم النفل المطلق.
وأبعد من قال: المراد بالنهي التقدّم بنية رمضان، واستدلّ بلفظ التقدّم؛ لأن التقدّم على الشيء بالشيء إنما يتحقّق إذا كان من جنسه، فعلى هذا يجوز الصيام بنيّة النفل المطلق، لكن السياق يأبى هذا التأويل ويدفعه. وفيه بيان لمعنى قوله في الحديث الماضي: "صوموا لرؤيته"، فإن اللام للتأقيت؛ لا للتعليل، قال ابن دقيق العيد: ومع كونها محمولة على التأقيت فلا بدّ من ارتكاب مجاز؛ لأن وقت الرؤية -وهو الليل- لا يكون محلّ الصوم. وتعقّبه الفاكهيّ بأن المراد بقوله: "صوموا" انووا الصيام، والليل كله ظرف للنيّة.
قال الحافظ: فوقع في المجاز الذي فرّ منه؛ لأن الناوي ليس صائمًا حقيقة بدليل أنه يجوز له الأكل والشرب بعد النيّة إلى أن يطلع الفجر. وفيه منع إنشاء الصوم قبل رمضان إذا كان لأجل الاحتياط، فإن زاد على ذلك فمفهومه الجواز. وقيل: يمتدّ المنع لما قبل ذلك، وبه قطع كثير من الشافعيّة، وأجابوا عن الحديث بأن المراد منه التقدُّم بالصوم، فحيث وُجِد مُنِع، وإنما اقتصر على يوم أو يومين لأنه الغالب ممن يقصد ذلك، وقالوا: أمد المنع من أول السادس عشر من شعبان؛ لحديث العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، مرفوعًا: "إذا انتصف شعبان، فلا تصوموا". أخرجه أصحاب "السنن"، وصححه ابن حبّان، وغيره. وقال الروياني من الشافعيّة: يحرم التقدّم بيوم، أو بيومين؛ لحديث الباب، ويكره التقدّم من نصف شعبان للحديث الآخر.
وقال جمهور العلماء: يجوز الصوم تطوّعًا بعد النصف من شعبان، وضعّفوا الحديث الوارد فيه، وقال أحمد، وابن معين: إنه منكر، واستدلّ البيهقي بحديث الباب على
стр. 11301
ضعفه، فقال. الرخصة في ذلك بما هو أصحّ من حديث العلاء، وكذا صنع قبله الطحاويّ، واستظهر بحديث ثابت، عن أنس- ﵃ مرفوعًا: "أفضل الصيام بعد رمضان شعبان"، لكن إسناده ضعيف، واستظهره أيضًا بحديث عمران بن حُصين ﵄: أن رسول اللَّه ﷺ قال لرجل: "أصمت من سَرَر شعبان شيئًا؟ "، قال. لا، قال. "فإذا أفطرت من رمضان، فصم يومين". ثم جمع بين الحديثين بأن حديث العلاء محمول على من يضعفه الصوم، وحديث الباب مخصوص بمن يحتاط بزعمه لرمضان. وهو جمع حسن. قاله في "الفتح" (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي الأحسن أن الصوم بعد نصف شعبان منهيّ عنه، ويشتدّ النهي في التقدّم بيوم، أو يومين، وأما حديث عمران ﵁ -فلا يدخل في النهي؛ لأنه قاله لرجل اعتاد الصوم، فلما سمع النهي عن التقدّم ترك عادته فأمره النبيّ ﷺ -بأن يصوم مكان صومه الذي تركه، وسيأتي مزيد إيضاح لذلك، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٣١/ ٢١٧٢ - وفي "الكبرى" ٣١/ ٢٤٨٢. وأخرجه (خ) "الصوم" ١٧٨١ (م) في "الصيام" ١٨١٢ (د) في "الصوم" ١٩٨٨ (ت) في "الصوم" ٦٢٠ و ٦٢١ (ق) "الصيام" ١٦٤٠ (أحمد) ٩٢٧٧ و ٩٣٣٠ و ١٠٠٤٧ (الدارمّي) في "الصوم" ١٦٢٧. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما تو فيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
قال الجامع الفقير إلى مولاه الغني القدير، محمد ابن الشيخ عليّ بن آدم بن موسى الإِتْيُوبيّ الولّويّ، نزيل مكة المكرّمة، - عفا اللَّه تعالى عنه - وعن والديه ومشايخه آمين: قد انتهيت من كتابة العشرين عشر من شرح سنن الإمام الحافظ الحجة أبي عبد الرحمن النسائيّ -رحمه اللَّه تعالى-، المسمّى "ذخيرةَ العُقْبَى في شرح المجتبى"، أو
стр. 11302
"غاية المنى في شرح المجتبى".
وذلك بحيّ الزهراء، مخطّط الأمير طلال، في مكة المكرمة زادها اللَّه تعالى تشريفًا وتعظيمًا، وجعلني من خيار أهلها حيًّا وميتًا، وأعْظِمْ به تكريمًا.
وأخر دعوانا ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّه﴾.
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
"اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد".
"السلام عليك أيها النبيّ ﷺ ، ورحمة اللَّه، وبركاته".
ويليه -إن شاء اللَّه تعالى- الجزء الحادي والعشرون مفتتحًا بالباب ٣٢ "ذكرُ الاختلاف على يحيي بن أبي كثير ومحمد بن عمرو على أبي سلمة فيه" الحديث رقم ٢١٧٣.
"سبحانك اللهمّ، وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك".
стр. 11303
شرح سُنن النّسَائي
المُسَمَّى
ذَخِيْرَة العُقَبى في شَرْحِ المجْتَبَى
لجَامِعه الفَقير إلى مَوْلَاه الغَنيّ القَديْر
محمد ابن الشيخ العلامة على بن آدم بن موسى الأيتُوبي الوَلَّوِي
المُدرّس بدَار الحَديثْ الخيريَّة بمكّة المكرَّمة
عَفَا اللَّه عَنْه وَعَنْ والدَيه آمِينْ
الجزْء العشْرون
стр. 11304
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 11305
شرح سُنن النّسَائي
стр. 11306
جَمِيع الحقُوق مَحفُوظة
الطبعة الأولى
١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م
دَار آل بُروم للِنشر وَالتّوزيع
المملكة العَربيّهَ السّعوديّة - مكّة المكرّمة - المكتب الرئيسي التنعيم
صَ بْ: ٤١٤٥ - (تلفاكس ٥٢١١٥٧٦ - جوّال ٠٥٥٥٤١٠٢٦)
стр. 11307
٣٢ - (ذِكْرِ الاِخْتِلَافِ عَلَى يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ, وَمُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَلَى أَبِي سَلَمَةَ فِيهِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه الاختلاف المذكور أن يحيي بن أبي كثير رواه عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، وخالفه محمد بن عمرو بن علقمة، فرواه (١) عن أبي سلمة، عن ابن عباس ﵄، قال المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-: هذا خطأ.
يعني أن الصواب رواية يحيي بن أبي كثير السابقة، بدليل أن محمد بن عمرو رواه أيضًا موافقًا لرواية يحيي بن أبي كثير، فقد رواه الترمذيّ من طريق عبدة بن سليمان، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ (٢).
وعَبْدَةُ أثبت من أبي خالد الأحمر، وأبو خالد، وإن كان ثقة، إلا أنه سيء الحفظ يَغْلَط، ويخطىء، كما قاله ابن عديّ، وقال ابن معين: صدوق، وليس بحجة. وقال البزار في "السنن": ليس ممن تُلزِم زيادته حجة، لاتفاق أهل العلم بالنقل أنه لم يكن حافظًا، وأنه قد روى أحاديث عن الأعمش وغيره لم يُتابَع عليها. راجع ترجمته في "تهذيب التهذيب" (٣).
فمخالفته لعبدة بن سليمان تُعتَبر من أخطائه، فالصحيح رواية عبدة، عنه الموافقة لرواية يحيي.
والحاصل أن الصحيح كون الحديث من مسند أبي هريرة ﵁، لا من مسند ابن عباس ﵄. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢١٧٣ - (أَخْبَرَنِي عِمْرَانُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ خَالِدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا الأَوْزَاعِيُّ, عَنْ يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ, قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَتَقَدَّمَنَّ (٤) أَحَدٌ الشَّهْرَ بِيَوْمٍ, وَلَا يَوْمَيْنِ, إِلاَّ أَحَدٌ كَانَ يَصُومُ صِيَامًا قَبْلَهُ فَلْيَصُمْهُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، سوى:
стр. 11308
"عمران بن يزيد بن خالد"، فهو من أفراد المصنّف، ويقال له: عمران بن خالد بن
يزيد، وهو دمشقيّ، وثقه المصنّف [١٠] وتقدم ١٨/ ٤٢٢.
و"محمد بن شُعَيب" بن شابور الدمشقيّ البيروتيّ، فهو من رجال الأربعة، وهو ثقة من كبار [٩] ٦/ ١١٩٠.
والإسناد إلى الأوزاعيّ دمشقيّون، والباقون مدنيّون، ويحيى وإن كان بصريا، لكنه سكن المدينة عشر سنين يطلب العلم، كما سبق قريبًا. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "لا يتقدّمن الشهرَ" أي لا يستقبلنّ شهر رمضان. والحديث صحيح، وقد تقدّم تمام البحث فيه، وبيان مسائله في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢١٧٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَتَقَدَّمُوا الشَّهْرَ بِصِيَامِ يَوْمٍ, وَلَا يَوْمَيْنِ, إِلاَّ أَنْ يُوَافِقَ ذَلِكَ يَوْمًا, كَانَ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ». قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: هَذَا خَطَأٌ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، إلا أن أبا خالد الأحمر -وهو سليمان بن حيان- قد أخطأ فيه، كما قاله المصنّف، والصواب من رواية محمد بن عمرو رواية عبدة بن سليمان الموافقة لرواية يحيي بن أبي كثير، كما تقدّم في أول الباب.
والحديث صحيح بما سبق، وهو من أفراد المصنّف، أخرجه هنا -٣٢/ ٢١٧٤ - وفي "الكبرى" ٣٢/ ٢٤٨٤. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٣٣ - (ذِكْرُ حَدِيثِ أَبِي سَلَمَةَ فِي ذَلِكَ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هكذا نسخ "المجتبى"، وعبارة "الكبرى": "ذكر حديث أم سلمة في ذلك". ولا تعارض بين العبارتين؛ لأن الحديث لأبي سلمة بن
стр. 11309
عبد الرحمن، عن أم سلمة، فمؤدى العبارتين واحد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢١٧٥ - (أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ يُوسُفَ, وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, وَاللَّفْظُ لَهُ, قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ مَنْصُورٍ, عَنْ سَالِمٍ, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ, عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ, قَالَتْ: "مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ, إِلاَّ أَنَّهُ كَانَ يَصِلُ شَعْبَانَ بِرَمَضَانَ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (شعيب بن يوسف) النسائيّ، ثقة [١٠] ٤٢/ ٤٩.
٢ - (محمد بن بشّار) بُندر البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٢٤/ ٢٧.
٣ - (عبد الرحمن) بن مهديّ البصريّ، ثقة ثبت [٩] ٤٢/ ٤٩.
٤ - (سفيان) بن سعيد الثوريّ الكوفيّ، ثقة ثبت إمام [٧] ٣٣/ ٣٧.
٥ - (منصور) بن المعتمر، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقة ثبت [٦] ٢/ ٢.
٦ - (سالم) بن أبي الجعد الغطفانيّ الأشجعيّ الكوفيّ، ثقة يرسل كثيرًا [٣] ٦١/ ٧٧.
٧ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن المذكور في الباب الماضي.
٨ - (أم سلمة) هند بنت أبي أميّة المخزوميّة، أم المؤمنين ﵂ تقدمت في ١٢٣/ ١٨٣. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن أم سلمة وأبا سلمة ممن اتّفق كنيتاهما، وليسا زوجين، فإن أم سلمة صحابية، أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها -، وزوجها أبو سلمة عبد اللَّه بن عبد الأسد الصحابيّ ﵁ توفّي عنها، فتزوجها النبيّ ﷺ بعده، وأما أبو سلمة الراوي عنها، فهو ابن عبد الرحمن بن عوف تابعيّ مشهور. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها -، أنها (قَالَتْ: "مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) أي أنه لم يستكمل صيام شهرين متتابعين، بل كان يصوم بعض الأيام من أي شهر كان (إِلاَّ أنَّهُ كَانَ يَصِلُ شَعْبَانَ بِرَمَضَانَ") أي يصل صوم شعبان بصوم رمضان.
ولفظ الترمذيّ: "ما رأيت النبيّ ﷺ يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان". ولفظ حديث عائشة ﵂ الآتي: "كان يصوم شعبان إلا قليلاً، بل كان يصومه كله".
стр. 11310
ولفظ ابن ماجه: "كان يصوم شعبان كله، يصله برمضان".
ويجمع بين هذه الروايات بأنه ﷺ كان يصوم شعبان كلّه تارة، ويصوم أكثره أخرى؛ لئلا يُتوهّم أنه واجب كله.
ونقل الترمذيّ -رحمه اللَّه تعالى- بعد رواية الحديثين عن ابن المبارك أنه كان قال في هذا الحديث: جائز في كلام العرب إذا صام أكثر الشهر أن يقال: صام الشهر كله، ويقال: قام فلان ليلته أجمع، ولعله تعشّى، واشتغل ببعض أمره.
قال الترمذيّ: كأنّ ابن المبارك قد رأى كلا الحديثين متفقين. يقول: إنما معنى هذا الحديث أنه كان يصوم أكثر الشهر انتهى (١).
قال الحافظ في "الفتح": حاصله أن المراد بالكلّ الأكثر، وهو مجاز قليل الاستعمال. واستبعده الطيبيّ؛ لأن لفظ الكلّ تأكيد؛ لإرادة الشمول، ودفع التجوّز، فتفسيره بالبعض مناف له، قال: فيحمل على أنه كان يصوم شعبان كله تارة، ويصوم معظمه أخرى؛ لئلا يُتوهّم أنه واجب كلّه كرمضان. وقيل: المراد بقولها: "كله" أنه كان يصوم من أوله تارة، ومن آخره أخرى، ومن أثنائه طورًا، فلا يُخْلِي شيئا منه من صيام، ولا يخصّ بعضه بصيام دون بعض.
وقال الزين ابن المنيّر: إما أن يُحمَل قول عائشة على المبالغة، والمراد الأكثر، وإما أن يُجمع بأن قولها الثاني متأخّر عن قولها الأول، فأخبرت عن أول أمره أنه كان يصوم أكثر شعبان، وأخبرت ثانيًا عن آخر أمره أنه كان يصومه كلّه انتهى.
قال الحافظ: ولا يخفى تكلفه، والأول هو الصواب، ويؤيده رواية عبد اللَّه بن شقيق، عن عائشة عند مسلم، وسعد بن هشام عنها عند النسائيّ، ولفظه: "ولا صام شهرًا كاملاً قط منذ قدم المدينة غير رمضان". وهو مثل حديث ابن عباس ﵄ عند البخاري: "ما صام رسول اللَّه ﷺ شهرًا كاملاً غير رمضان … " الحديث.
واختُلِف في الحكمة في إكثاره ﷺ من صوم شعبان فقيل: كان يشتغل عن صوم ثلاثة أيام من كلّ شهر لسفر أو غيره، فتجتمع، فيقضيها في شعبان، أشار إلى ذلك ابن بطال، وفيه حديث ضعيف، أخرجه الطبرانيّ في "الأوسط" من طريق ابن أبي ليلى، عن أخيه عيسى، عن أبيه، عن عائشة: "كان رسول اللَّه ﷺ -يصوم ثلاثة أيام من كلّ شهر، فربما أخّر ذلك حتى يجتمع عليه صوم السنة، فيصوم شعبان". وابن أبي ليلى ضعيف، وحديث الباب، والذي بعده دال على ضعف ما رواه.