سُبْحَانَ اللَّهِ، مرَتَيْنِ) ظرف لـ "قلت" (فَلَمَّا رَأَيْتُهُ يَحْلِفُ، لَا يَسْتَثْنِي) أي لا يستثني شيئًا من أنواع الصوم في ذلك، يعني أنه أمره بالإفطار من صومه على الإطلاق (تَقَدّمْتُ) أي إلى الأكل (قُلْتُ) حال من الفاعل، أي قائلاً (هَاتِ الْاَنَ مَا عِنْدَكَ) أي أَحضِر، واذكر لي ما ثبت لديك من الحجة على أمرك بالإفطار، مؤكِّدّا ذلك بالحلف (قَالَ) عكرمة مبيّنًا حجته التي تمسك بها في ذلك (سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ) ﵄ (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ") أي لرؤية هلال رمضان (وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ) أي لرؤية هلال شوّال (فَإِنْ حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ سَحَابَةٌ، أَوْ ظُلْمَةٌ) أي بسبب غبار أو نحوه (فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ عِدَّةَ شَعْبَانَ) بنصب "عدّةَ" على أنه بدل من "العدّة" (وَلَا تَسْتَقْبلُوا الشَّهْرَ، اسْتِقْبَالاً) أي لا تتقدّموا شهر رمضان بالصوم (وَلَا تَصِلُوا رَمَضَانَ بِيوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ) أي لا تصلوا صوم رمضان بصوم يوم من شعبان.
والظاهر أن قوله: "ولا تصلوا الخ" بمعنى قوله: "لا تستقبلوا الخ"، ويحتمل أن يكون المراد بالاستقبال صوم يوم الشكّ على أن يُحسب من رمضان احتياطا، وقوله: "ولا تصلوا رمضان الخ" صومه تطوّعًا.
وعلى كلّ فالحديث يدلّ على تحريم صوم الشكّ، إلا ما ثبت استثناء الشارع له، وهو الصوم لمن اعتاد صومه، فإنه يجوز أن يصومه، كما تقدّم، ويأتي أيضًا في الباب التالي، إن شاء اللَّه تعالى.
واستدلال عكرمة -رحمه اللَّه تعالى- على أمره سماكًا بالإفطار، وحلفه على ذلك من غير استثناء نوع من الصيام يُحمَل على أنه لم يسمع استثناء الشارع لما ذكر. واللَّه تعالى أعلم.
والحديث تقدم تخريجه في ١٣/ ٢١٢٩، وهو صحيح، ولا يضرّه الكلام في سماك عن عكرمة؛ لما سبق له من الشواهد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب ".
стр. 11342
٣٨ - (التَّسْهِيلِ فِي صِيَامِ يَوْمِ الشَّكِّ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: غرض المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بهذه الترجمة بيان أن ما دلّ عليه حديثًا الباب المتقدّم من تحريم صوم يوم الشكّ ليس على إطلاقه، بل يُستثنى من ذلك من اعتاد صوم يوم معيّن، فوافق ذلك اليومُ يومَ الشكّ، فله أن يصومه؛ لحديث هذا الباب، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٢٩٠ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي, عَنْ جَدِّي, قَالَ: أَخْبَرَنِي شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ, عَنِ الأَوْزَاعِيِّ, وَابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ, عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «أَلَا لَا تَقَدَّمُوا الشَّهْرَ بِيَوْمٍ, أَوِ اثْنَيْنِ, إِلاَّ رَجُلٌ, كَانَ يَصُومُ صِيَامًا, فَلْيَصُمْهُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الحديث كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة.
وقوله: "وابن أبي عروبة" بالجرّ عطفًا على "الأوزاعيّ"، فشعيب بن إسحاق يروي عن الأوزاعيّ، وسعيد بن أبي عروبة، كلاهما عن يحيي بن أبي كثير، فما وقع في بعض نسخ "المجتبى" من رفع "ابن أبي عروبة" بضبط القلم غلط، فتنبّه.
وقوله: "ألا" أداة استفتاح وتنبيه. وقوله: "لا تقدّموا" بحذف إحدى التاءين، والمراد بالشهر شهر رمضان.
والحديث صحيح، وقد تقديم تخريجه في ٣١/ ٢١٧٢. ودلالته على ما ترجم له المصنّف واضحة، حيث إنه يدلّ على جواز صوم يوم الشكّ لمن له عادة بصوم ذلك اليوم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 11343
٣٩ - (ثَوَابُ مَنْ قَامَ رَمَضَانَ، وَصَامَهُ، إِيمَامَانًا وَاحتِسَابًا، والاخْتِلَافِ عَلَى الزُّهْرِيِّ فِي الْخَبَرِ في ذَلِكَ).
قال الزين ابن المنيّر -رحمه اللَّه تعالى- عند قوله: "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا": الأولى أن يكون منصوبًا على الحال، بأن يكون المصدر في معنى اسم الفاعل، أي مؤمنا محتسبًا، والمراد بالإيمان الاعتقاد لحقّ فرضية صومه، والاحتساب طلب الثواب من اللَّه. وقال الخطّابيّ: "احتسابًا": أي عزيمة، وهو أن يصومه على معنى الرغبة في ثوابه، طيبة نفسه بذلك، غير مستثقل لصيامه، ولا مستطيل لأيامه انتهى (١). وسيأتي مزيد بسط لهذا البحث قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه الاختلاف المذكور أن سعيد بن أبي هلال رواه عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيّب، عن رسول اللَّه ﷺ مرسلاً، وخالفه جمهور الرواة، فرووه متصلا، إما بذكر عائشة ﵂، أو بذكر أبي هريرة ﵁، فرواه إسحاق بن راشد، ويونس بن يزيد، وشعيب بن أبي حمزة في رواية عن الأخيرين، ثلاثتهم عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة ﵂. ورواه يونس بن يزيد، وشعيب بن أبي حمزة في رواية عنهما، وصالح بن كيسان، ومعمر، وابن عيينة، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، ستتهم عن الزهريّ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁، ورواه مالك، في رواية ابن القاسم عنه، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ وفي رواية جويرية، عنه عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، وحميد بن عبد الرحمن، كلاهما عن أبي هريرة ﵁.
قلت: وهذا الاختلاف لا يضرّ بصحة الحديث؛ إلا الروإية الأولى فإنها مرسلة، وأما البواقي، فتحمل على أن الزهريّ له في هذا الحديث ثلاثة من الشيوخ: عروة، وأبو سلمة، وحميد بن عبد الرحمن، كما سيتّضح ذلك فيما أخرجه المصنّف ﵀ تعالى بالطرق المختلفة هنا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٢٩١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ, عَنْ شُعَيْبٍ, عَنِ اللَّيْثِ, قَالَ:
стр. 11344
أَنْبَأَنَا خَالِدٌ, عَنِ ابْنِ أَبِي هِلَالٍ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ,, عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «مَنْ قَامَ (١) رَمَضَانَ إِيمَانًا, وَاحْتِسَابًا, غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، إلا شيخه، فمن أفراده، وهو ثقة فقيه مصريّ [١١] ١٢٠/ ١٦٦.
و"خالد": هو ابن يزيد الْجُمَحِيّ، ويقال: السكسكيّ المصريّ، ثقة فقيه [٦] ٤١/ ٦٨٦.
و"ابن أبي هلال ": هو سعيد بن أبي هلال، أبو العلاء المصريّ، صدوق [٦] ٤١/ ٦٨٦.
ومن لطائف الإسناد أنه مسلسل بالمصريين إلى الزهريّ، وهو وسعيد مدنيّان.
والحديث من أفراد المصّنف، وتقدّم أنه مرسل، وقال الحافظ أبو الحجّاج المزّيّ في "تحفة الأشراف" جـ ١٣ ص ٢١٤ - بعد أن عزى الحديث إلى المصنّف: ما نصّه: وقال -يعني النسائيّ-: لا أعلم أحدًا تابع ابن أبي هلال انتهى.
فيدلّ هذا على أن بقية الرواة عن الزهريّ رووه موصولاً، إما عن عروة، عن أبي هريرة، وإما عن أبي سلمة وحده، عن أبي هريرة، وإما عن أبي سلمة، وحميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، وإما عن حميد بن الرحمن وحده، عن أبي هريرة.
والحاصل أن الحديث صحيح موصولاً. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٩٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَبَلَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعَافَى, قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى, عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاشِدٍ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ, أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , كَانَ يُرَغِّبُ النَّاسَ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ, مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ, بِعَزِيمَةِ أَمْرٍ فِيهِ, فَيَقُولُ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا, وَاحْتِسَابًا, غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (محمد بن جَبَلَة) ويقال: ابن خالد بن جَبَلَة الرّافقيّ، خُرَاسانيّ الأصل، صدوق [١١] ١٩٠/ ١١٦٧.
٢ - (المعافى) بن سليمان الْجَرَزيّ، أبو محمد الرَّسْعَنيّ -بفتح الراء، والعين، بينهما سين ساكنة، مهملات، ثم نون- صدوق [١٠] ١٠/ ١١٩٩. وهو من أفراد المصنّف.
стр. 11345
٣ - (موسى) بن أعين القرشيّ مولاهم، أبو سعيد الجزريّ، ثقة عابد [٨] ١١/ ٤١٥.
٤ - (إسحاق بن راشد) الْجَزَريّ، أبو سليمان الحَرَّاني، وقيل: الرَّقيّ، مولى بني أمية، وقيل: مولى عمر بن الخطاب، ثقة، في حديثه عن الزهريّ بعض الوهم [٧].
قال البخاريّ: إسحاق بن راشد أخو النعمان بن راشد، نسبه محمد بن راشد. قال أحمد: لا أعلم بينهما قرابة، ولا أراه حفظه. وقال عبد اللَّه بن أحمد: سئل أبي عن إسحاق بن راشد، والنعمان بن راشد؟ فقال: ليسا بأخوين، إسحاق رقّيّ، والنعمان جزريّ، ولا أعلم بينهما قرابة، وإسحاق أحبّ إليّ، وأصحّ حديثًا من النعمان، هو فوقه. وقال ابن معين: إسحاق جزري، ومعمر بصريّ، ليس بينهما رحم. وكذا قال الفَسَويّ، وزاد: وإسحاق بن راشد صالح الحديث. وقال الدُّوريّ، عن ابن معين نحو ذلك، وزاد: قال: إسحاق بن راشد ثقة. وقال إبراهيم بن عبد اللَّه بن الجنيد، عن ابن معين: النعمان بن راشد، وإسحاق بن راشد ليسا بأخوين، ولا بينهما قرابة، وقال: ليس هما في الزهريّ بذلك. قلت: ففي غير الزهريّ؟ قال: ليس بإسحاق بأس. وقال المفضّل بن غسّان الْغَلَابيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: شيخ. وقال النسائيّ: ليس به بأس.
وقال ابن خزيمة: لا يحتجّ بحديثه. وقال أبو عروبة: مات بسجستان، أحسبه قال: في خلافة أبي جعفر. وقال أبو الوليد الطيالسيّ: حدثني صاحب لي من أهل الريّ يقال له: أشرس، قال: قدم علينا محمد بن إسحاق، فكان يحدثنا عن إسحاق بن راشد، فقدم علينا إسحاق بن راشد، فجعل يقول: حدثنا الزهريّ، حدثنا الزهريّ، قال: فقلت له: أين لقيت ابن شهاب؟ قال: لم ألقه، مررت ببيت المقدس، فوجدت كتابًا له ثَمَّ. وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: حدّثنا عبد اللَّه بن جعفر، سمعت عُبيد اللَّه بن عمرو، وأبا المليح يقولان: قال إسحاق بن راشد: بَعَثَ محمدُ بن عليّ زيدَ بنَ عليّ إلى الزهريّ، قال: يقول لك أبو جعفر: استوص بإسحاق خيرًا، فإنه منا أهل البيت. قال عُبيد اللَّه بن عمرو: وكان إسحاق -يعني بن راشد- صاحب مال، فأنفق عليهم أكثر من ثلاثين ألف درهم، ورثها من أبيه.
قال الحافظ: وهذا يدلّ على أنه لقي الزهريّ، وممن جزم أن إسحاق، والنعمان أخوان الذّهليّ، وابن حبّان، وأبو زرعة، وأبو داود في "الإخوة"، وغيرهم، فقال الذهليّ: صالح بن الأخضر، وزمعة بن صالح، ومحمد بن أبي حفصة، في بعض حديثهم اضطراب، والنعمان، وإسحاق ابنا راشد الجزريّان أشدّ اضطربًا. وقال الآجريّ: سألت أبا داود عن إسحاق بن راشد، فقال: هذا أخو النعمان بن راشد. وقال الفسويّ: جزريّ حسنٌ الحديث. وقال النسائيّ: ليس بذاك القويّ. كذا قاله في "السنن
стр. 11346
الكبرى". وقال العجليّ: ثقة. وذكره ابن حبّان، وابن شاهين في "الثقات".
أخرج له الجماعة، سوى مسلم، وله عند المصنف ثلاثة أحاديث فقط: برقم ٢١٩٢ و ٣٤٢٣ و ٤٩٠٣. والباقون تقدّموا قريبًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ الزُّهْريّ) محمد بن مسلم، أنه (قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ ، أَخْبَرَتهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، كَانَ يُرَغِّبُ النَّاسَ) من "الترغيب" أو الإرغاب، أي يحُثُّهم (فِي قِيَامِ رَمَضَانَ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ، بِعَزِيمَةِ أَمْرِ فِيهِ) بإضافة "عزيمة" إلى "أمر"، قال الفيّوميّ: عزيمة اللَّه: فريضته التي افترضها، والجمع عزائم انتهى. فالإضافة هنا من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي بأمر معزوم، أي مفروض، يعني أنّ أمره ﷺ لهم بقيام رمضان ليس أمر إيجاب، وإنما هو أمر ندب، واستحباب.
ولفظ مسلم في حديث أبي هريرة ﵁: "من غير أن يأمرهم فيه بعزيمة"، فقال النووي في "شرحه ": معناه: لا يأمرهم أمر إيجاب وتحتيم، بل أمر ندب وترغيب، ثم فسّره بقوله: فيقول: "من قام رمضان … الخ"، وهذه الصيغة تقتضي الترغيب والندب، دون الإيجاب، وأجمعت الأمة على أن قيام رمضان ليس بواجب، بل هو مندوب انتهى كلام النوويّ (١).
(فَيَقُولُ: "منْ قَامَ رَمَضَان") أي قام لياليه مصلّيًا أو تاليًا، أو ذاكرًا، أو داعيًا، أو نحوه، والمراد من قيام ليله ما يحصل به مطلق القيام، وذكر النوويّ أن المراد بقيام رمضان صلاة التراويح، يعني أنه يحصل بها المطلوب من القيام، لا أن قيام رمضان لا يكون إلا بها. وأغرب الكرمانيّ، فقال: اتفقوا على أن المراد بقيام رمضان صلاة التروايح. قاله في "الفتح".
وقال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: ليس المراد بقيام رمضان قيام جميع ليله، بل يحصل ذلك بقيام يسير من الليل؛ كما في مطلق التهجّد، وبصلاة التراويح وراء الإمام كالمعتاد في ذلك، وبصلاة العشاء والصبح في جماعة؛ لحديث عثمان بن عفّان ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ :"من صلى العشاء في جماعة؛ فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة، فكأنما صلى الليل كله". رواه مسلم في "صحيحه" بهذا اللفظ، وأبو داود بلفظ: "من صلى العشاء في جماعة كان كقيام نصف ليلة، ومن
стр. 11347
صلى العشاء والفجر في جماعة كان كقيام ليلة"، وكذا لفظ الترمذيّ: "ومن صلّى العشاء والفجر في جماعة". ورواية مسلم في ذلك محمولة على روايتهما، فمعنى قوله: "ومن صلى الصبح في جماعة"، أي مع كونه كان صلى العشاء في جماعة، وكذلك جميع ما ذكرناه يأتي في تحصيل قيام ليلة القدر.
وقد روى الطبرانيّ في "معجمه الكبير" عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من صلى العشاء في جماعة، فقد أخذ بحظّه من ليلة القدر". لكن في إسناده مسلمة بن عليّ، وهو ضعيف. وذكره مالك في "الموطإ" بلاغًا عن سعيد بن المسيّب أنه كان يقول: من شهد العشاء من ليلة القدر، فقد أخذ بحظّه منها. وقال ابن عبد البرّ: مثل هذا لا يكون رأيًا، ولا يؤخذ إلا توقيفًا، ومراسيل سعيد أصحّ المراسيل انتهى.
وقال الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى- في كتابه القديم: من شهد العشاء والصبح ليلة القدر، فقد أخذ بحظّه منها، ولا يعرف له في الجديد ما يُخالفه. وقد ذكر النوويّ في "شرح المهذّب" أن ما نصّ عليه في القديم، ولم يتعرّض له في الجديد بموافقة، ولا بمخالفة، فهو مذهبه بلا خلاف، وإنما رجع من القديم عن قديم نصّ في الجديد على خلافه.
وروى الطبرانيّ في "معجمة الأوسط" بإسناد فيه ضعف، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من صلّى العشاء في جماعة، وصلّى أربع ركعات قبل أن يخرج من المسجد كان كعدل ليلة القدر". وهذا أبلغ من الحديث الذي قبله؛ لأن مقتضاه تحصيل فضيلة ليلة القدر، وإن لم يكن ذلك في ليلة القدر، فما الظنّ بما إذا كان ذلك فيها. انتهى كلام وليّ الدين.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لكن حديث ابن عمر المذكور ضعيف لا يستفاد منه حكم شرعيّ، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
(إِيمَانًا) أي تصديقًا بأنه حقّ وطاعة، وَعَدَ اللَّهُ تعالى الثواب العظيم عليها (وَاحْتِسَابًا) أي طلبًا لمرضاة اللَّه تعالى، وثوابه، لا بقصد رؤية الناس، ولا غير ذلك مما يخالف الإخلاص.
قال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: والاحتساب من الْحَسْبِ، وهو العَدّ، كالاعتداد من العدّ، وإنما قيل لمن ينوي بعمله وجه اللَّه تعالى: احتسبه لأن له حينئذ أن يعتدّ عمله، فجُعِلَ في حال مباشرة الفعل كأنه معتدّ به انتهى.
(غُفِرَ لَهُ) بالبناء للمفعول، ونائب فاعله قوله (مَا تَقَدَّمَ) وقوله (من ذَنْبِهِ) بيان لـ"ما"، وهو اسم جنس مضاف، فيتناول جميع الذنوب، إلا أنه مخصوص عند الجمهور بالصغائر، كما سيأتي بيان ختلاف العلماء فيه في المسألة الثالثة، ويأتي أيضًا بيان زيادة
стр. 11348
من زاد: "وما تأخّر" في المسأدة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عائشة ﵂ هذا من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا-٣٣٩/ ٢١٩٢ و ٢١٩٣ و ٢١٩٥ - وفي "الكبرى" ٣٩/ ٢٥٠٣ و ٢٥٠٥. واللَّه تعالى أعلم.
وقد نقل الحافظ أبو الحجاج المزّيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "تحفة الأشراف" ج ١٢ ص ٢٨ عن المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-بعد أن عَزَى الحديث إليه-: ما نصه: ذكره - يعني النسائيّ- في جملة أحاديث، ثم قال: وكلها عندي خطأ، وينبغي أن يكون "وكان يرغّبهم" من كلام الزهريّ، ليس عن عروة، عن عائشة، وإسحاق بن راشد ليس في الزهريّ بذاك القويّ، وموسى بن أعين ثقة انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لم أر كلام المصنّف هذا، لا في "المجتبى"، ولا في "الكبرى"، ولعله لاختلاف النسخ.
وحاصل ما أشار إليه -رحمه اللَّه تعالى- في كلامه المذكور أن الصحيح من حديث عائشة ﵂ هو ما ساقه أصحاب الزهريّ الأثبات: مالك، وابن جريج، ومعمر، وعُقيل، ويونس، وشعيب بن أبي حمزة، وسفيان بن حسين، كلهم عن الزهريّ، عن عروة، عنها بلفظ: أن رسول اللَّه ﷺ ، خرج ذات ليلة من جوف الليل، فصلى في المسجد، فصلى رجال بصلاته، فأصبح الناس، فتحدثوا، فاجتمع أكثر منهم، فصلوا معه، فأصبح الناس، فتحدثوا، فأكثر أهل المسجد، من الليلة الثالثة، فخرج رسول اللَّه ﷺ ، فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة، عجز المسجد عن أهله، حتى خرج لصلاة الصبح، فلما قضى الفجر، أقبل على الناس، فتشهد، ثم قال: "أما بعد، فإنه لم يخف عليّ مكانكم، لكني خشيت أن تفرض عليكم، فتعجزوا عنها".
وله ألفاظ أخرى مطوّلة، ومختصرة (١).
وقد أخرجه مالك في "الموطإ" ص ٩١، وأحمد ٦/ ١٦٩ و ١٧٧ و ١٨٢ و ٢٣٢، وعبد بن حميد رقم ١٤٦٩، والبخاريّ ٢/ ١٣ و ٣/ ٥٨ و ٢/ ٦٢ و ٣/ ٥٨ ومسلم ٢/ ١٧٧ وأبو داود رقم ١٣٧٣، وابن خزيمة رقم ١١٢٨ و ٢٢٠٧. وسيأتي في الذي بعده، وقد تقدم ٤/ ١٦٠٤.
стр. 11349
وأما قوله: "كان يرغب الناس في قيام رمضان الخ" فليس إلا في رواية إسحاق بن راشد، عن الزهريّ، وقد ضُعِّفَ في الزهريّ، وإلا في روايةٍ عن شعيب بن أبي حمزة، وفي رواية عنه مثل الجماعة.
فتحصّل من هذا أنه ليس من حديث عائشة ﵂، بل هو من كلام الزهريّ، ولعله كان يُدرجه عند ما يحدّث بحديثها، وهو بهذا اللفظ ثابت من رواية الزهريّ، عن أبي سلمة، وحميد بن عبد الرحمن، كلاهما عن أبي هريرة ﵁ -كما سيأتي قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى.
والحاصل أن قصّة الترغيب صحيحة من حديث أبي هريرة ﵁، كما سيأتي، لا من حديث عائشة ﵂. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- في "شرح مسلم": المراد بقيام رمضان صلاة التراويح (١)، واتفق العلماء على استحبابها، واختلفوا في أن الأفضل صلاتها منفردًا في بيته، أو في جماعة في المسجد؟، فقال الشافعيّ، وجمهور أصحابه، وأبو حنيفة، وأحمد، وبعض المالكية، وغيرهم الأفضل صلاتها جماعة كما فعله عمر بن الخطاب، والصحابة، ﵃، واستمرّ عمل المسلمين عليه؛ لأنه من الشعائر الظاهرة، فأشبه صلاة العيد، وقال مالك، وأبو يوسف، وبعض الشافعيّة، وغيرهم الأفضل فرادى في البيت؛ لقوله ﷺ : "أفضل الصلاة صلاةُ المرء في بيته إلا المكتوبة" انتهى كلام النوويّ.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الأرجح ما قاله أهل القول الثاني؛ لصراحة النصّ المذكور فيه، وما ذكروه من فعل عمر، والصحابة ﵃ يردّه عدمُ صلاة عمر ﵁ نفسِهِ مع أهل المسجد، كما ثبت ذلك في الصحيح (٢) فعن عبد الرحمن بن عبد القاريّ أنه خرج مع عمر ﵁ ليلة بعد أن جمع الناس على أبيّ بن كعب، والناس يصلون بصلاته، فقال: "نعمت البدعة هذه".
ثم قال: "والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون" -يريد آخر الليل، لأن الناس كانوا يقومون أوله. فقد صرّح ﵁ بأن صلاتها آخر الليل أفضل من صلاتها جماعة في المسجد أول الليل.
ثم إن تشبيههم صلاة التراويح بصلاة العيد غير صحيح؛ لأن صلاة العيد كان من
стр. 11350
هدي رسول اللَّه ﷺ أنه يصليها جماعة، بخلاف صلاة قيام رمضان، فإنه ﷺ صرّح بأنها في البيت أفضل، والقياس في مقابلة النصّ فاسد الاعتبار.
هذا كلّه في الأفضلية، وأما أصل أجر قيام الليل، فإنه يحصل بالصلاة جماعة في المسجد، ولا سيّما إذا لم يكن حافظا للقرآن، وأراد أن يستمع لقراءة الإمام الحافظ، أو لا يتمكن من أدائها في البيت على الوجه المطلوب، فتنبّه.
والحاصل أن صلاة التراويح في البيت أفضل من صلاتها في المسجد جماعة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): ظاهر قوله: ": غفر له ما تقدّم من ذنبه" يتناول الصغائر والكبائر، وإلى ذلك جنح ابن المنذر، فقال: هو عامّ يُرجى لمن قامها إيمانًا واحتسابًا أن يُغفر له جميع ذنوبه، صغيرها وكبيرها. وقال النوويّ في "شرح مسلم": المعروف عند الفقهاء أن هذا مختصّ بغفران الصغائر، دون الكبائر، قال بعضهم: ويجوز أن يخفّف من الكبائر، إذا لم يصادف صغيرة (١).
وقال في "شرح المهذّب": قال إمام الحرمين: كلّ ما يرد في الأخبار من تكفير الذنوب، فهو عندي محمول على الصغائر، دون الموبقات. قال النووي: وقد ثبت في "الصحيح" ما يؤيده، فمن ذلك حديث عثمان ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "ما من امرئ مسلم، تحضره صلاة مكتوبة، فيحسن وضوءها، وخشوعها، وركوعها، إلا كانت له كفّارة لما قبلها، ما لم تُؤتَ كبيرةٌ، وذلك الدهرَ كلّه". رواه مسلم.
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبيّ ﷺ قال: "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، كفّارة لما بينها من الذنوب، إذا اجتنبت الكبائر".
قال النوويّ: وفي معنى هذه الأحاديث تأويلان:
(أحدهما): تكفّر الصغائر بشرط أن لا يكون هناك كبائر، فإن كانت كبائر لم يُكفّر شيءٌ، لا الكبائر، ولا الصغائر.
(والثاني): -وهو الأصحّ المختار- أنه يكفّر كل الذنوب الصغائر، وتقديره: تغفر ذنوبه كلها إلا الكبار. قال القاضي عياض -رحمه اللَّه تعالى-: هذا المذكور في الأحاديث من غفران الصغائر، دون الكبائر هو مذهب أهل السنّة، وأن الكبائر إنما تكفّرها التوبة، أو رحمة اللَّه تعالى انتهى (٢).
стр. 11351
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الأقرب عندي ما ذهب إليه الجمهور، من أنه مخصوص بالصغائر، لتقييده في بعض الروايات المذكورة بقوله: "إذا اجتُنِبَت الكبائر"، ولا يبعد أن تخفف عنه الكبائر، إذا لم يكن له صغائر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): زاد قتيبة، عن سفيان -عند المصنّف في "الكبرى" رقم - ٢٥١٢ - : "وما تأخّر".
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وكذا زادها حامد بن يحيى عند قاسم بن أصبغ (١)، والحسين بن الحسن المروزيّ في "كتاب الصيام" له، وهشام بن عمّار في الجزء الثاني عشر من "فوائده "، ويوسف بن يعقوب النجاحيّ، أخرجه أبو بكر المقرئ في "فوائده"، كلهم عن ابن عيينة، والمشهور عن الزهريّ بدونها.
ووردت هذه الزيادة من طريق أبي سلمة، من وجه أخر، أخرجها أحمد من طريق حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وعن ثابت، عن الحسن، كلاهما، عن النبيّ ﷺ .
قال: ووقعت هذه الزيادة من رواية مالك نفسه، أخرجها أبو عبد اللَّه الجرجانيّ في "أماليه" من طريق بحر بن نصر، عن ابن وهب، عن مالك، ويونس، عن الزهري، ولم يُتابع بحرَ بنَ نصر على ذلك أحد من أصحاب ابن وهب، ولا من أصحاب مالك، ولا يونس، سوى ما قدمناه.
وقد وقعت هذه الزيادة أيضًا في حديث عبادة بن الصامت عند الإمام أحمد من وجهين آخرين، وإسناده حسن.
قال: وقد استوعبت الكلام على طُرُقه في كتاب "الخصال المكفّرة للذنوب المقدّمة والمؤخّرة"، وهذا مُحَصَّلة انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أن الزيادة المذكورة زيادة حسنة؛ لأن مجموع هذه الطرق لا تنقص عن درجة الحسن. واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيهان]:
(الأول): أنه قد وردت في غفران ما تقدّم، وما تأخّر من الذنوب عدّة أحاديث،
стр. 11352
جمعها الحافظ في مصنّفه المذكور (١).
(الثاني): أنه قد استُشكِلَت هذه الزيادة من حيثُ إن المغفرة تستدعي سبق شيء يُغفَر، والمتأخّر من الذنوب لم يأت، فكيف يُغفر.
والجواب عن ذلك هو الجواب عن قوله ﷺ حكايةً عن اللَّه أنه قال في أهل بدر: "اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم".
ومحصّل الجواب أنه قيل: إنه كناية عن حفظهم من الكبائر، فلا تقع منهم كبيرة بعد ذلك. وقيل: إن معناه أن ذنوبهم تقع مغفورة، وبهذا أجاب جماعة منهم الماورديّ في الكلام على حديث صيام عرفة، وأنه يُكفّر سنتين، سنة ماضية، وسنة آتية أفاده في "الفتح" (٢).
وقال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: وقد يُستَشكَلُ معنى مغفرة ما تأخّر من الذنوب، وهو كقوله ﷺ حديث أبي قتادة: "صيام عرفة أحتسب على اللَّه أن يكفّر السنة التي قبله، والسنة التي بعده"، فتكفير السنة التي بعده كمغفرة المتأخر من الذنوب، وقد قال السرخسيّ من الشافعيّة: اختلف العلماء في معنى تكفير السنة المستقبلة، فقال بعضهم: إذا ارتكب فيها معصية جعل اللَّه تعالى صوم عرفة الماضي كفّارة لها؛ كما جعله مكفّرًا لما قبله في السنة الماضية. وقال بعضهم: معناه أن اللَّه تعالى يعصمه في السنة المستقبلة عن ارتكاب ما يُحوجه إلى كفّارة، وأطلق الماورديّ في "الحاوي" في السنتين معًا تأويلين:
(أحدهما): أن اللَّه تعالى يغفر له ذنوب سنتين.
(والثاني): أنه يعصمه في هاتين السنتين، فلا يعصي فيهما. وقال صاحب "العدّة" في تكفير السنة الأُخْرَى يحتمل معنيين: (أحدهما): أن المراد السنة التي قبل هذه، فيكون معناه أنه يكفّر سنتين ماضيين (الثاني): أنه أراد سنة ماضية، وسنة مستقبلة، قال: وهذا لا يوجد مثله في شيء من العبادات أنه يكفّر الزمان المستقبل، وإنما ذلك خاصّ برسول اللَّه ﷺ غفر اللَّه له ما تقدّم من ذنبه، وما تأخر بنصّ القرآن العزيز، ذكر ذلك كلّه النوويّ في "شرح المهذب".
وهذا يأتي مثله هنا، فيكون مغفرة ما تأخّر من الذنوب، إما أن يراد بها العصمة من الذنوب حتى لا يقع فيها، وإما أن يراد به تكفيرها، ولو وقع فيها، ويكون المكفّر
стр. 11353
متقدّمًا على الْمُكَفَّرِ. واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام وليّ الدين (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حاصل ما ذكروه أن اللَّه تعالى إذا وفّق عبده لقيام رمضان إيمانًا واحتسابًا، فإنه يكفّر عنه به الذنوب الماضية، ويكون محفوظا من ارتكاب الذنوب في مستقبله، وإن وقعت منه، فإنها تُكَفَّر بما سبق له من القيام المذكور، وأما أن يكون معصومًا لا يتصوّر منه وقوع معصية، فبعيد.
وهكذا يقال في صيام رمضان إيمانًا واحتسابًا، وفي قيام ليلة ليلة القدر من غير فرق، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): إن قوله: "مَن قام رمضان الخ"، مع قوله الآتي: "مَن قام ليلة القدر الخ"، قد يقال: إن أحدهما يُغني عن الآخر.
وجوابه أن يقال: قيام رمضان من غير موافقة ليلة القدر، ومعرفتها سبب لغفران الذنوب، وقيام ليلة القدر لمن وافقها، وعرفها سبب للغفران، وإن لم يقم غيرها. قاله النوويّ في "شرح مسلم" (٢).
وقال الحافظ وليّ الدين: الأحسن عندي الجواب بأنه ﷺ ذكر للغفران طريقين: (أحدهما): يمكن تحصيلها يقينًا إلا أنها طويلة شاقّة، وهي قيام شهر رمضان بكماله. (الثاني): لا سبيل إلى اليقين فيها إنما هو الظنّ والتخمين؛ إلا أنها مختصر قصيرة، وهي قيام ليلة القدر خاصّةٌ، ولا يتوقّف حصول المغفرة بقيام ليلة القدر على معرفتها، بل لو قامها غيرَ عارف بها غُفر له ما تقدّم من ذنبه؛ لكن بشرط أن يكون إنما قام بقصد ابتغائها، وقد ورد اعتبار ذلك في حديث عُبادة بن الصامت ﵁ عند أحمد، والطبرانيّ، مرفوعًا: "فمن قامها ابتغاءها؛ إيمانًا واحتسابًا، ثم وُفّقت له، غُفر له ما تقدّم من ذنبه، وما تأخّر". قال وليّ الدين:
[فإن قلت]: قد اعتبر شرطًا آخر، وهو أن توفّق له، وكذا في "صحيح مسلم" في رواية: "من يقم ليلة القدر، فوافقها".
قال النوويّ في "شرح مسلم": معنى يوافقها: يعلم أنها ليلة القدر.
[قلت]: إنما معنى توفيقها له، أو موافقته لها أن يكون الواقع أن تلك الليلة التي قامها بقصد ليلة القدر هي ليلة القدر في نفس الأمر، وإن لم يعلم هو ذلك. وما ذكره النوويّ من أن معنى الموافقة العلم بأنها ليلة القدر مردود، وليس في اللفظ ما يقتضي
стр. 11354
هذا، ولا المعنى يساعده. انتهى كلام وليّ الدين (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى- في معنى موافقة ليلة القدر حسنٌ جدًّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٩٣ - (أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى, قَالَ: أَنْبَأَنَا إِسْحَاقُ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ, عَنْ يُونُسَ الأَيْلِيِّ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, قَالَ: أَخْبَرَنِي (٢) عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ, أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , خَرَجَ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ, يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ, فَصَلَّى بِالنَّاسِ … ", وَسَاقَ الْحَدِيثَ, وَفِيهِ: قَالَ (٣): فَكَانَ يُرَغِّبُهُمْ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ, مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِعَزِيمَةٍ, وَيَقُولُ: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ, إِيمَانًا, وَاحْتِسَابًا, غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» , قَالَ: فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , وَالأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه زكريّا ابن يحيى بن إياس السّجْزيّ، أبي عبد الرحمن، نزيل دمشق المعروف بخيّاط السنّة، فإنه من أفراده، وهو ثقة حافظ [١١] ١٨٩/ ١١٦١.
و"عبد اللَّه بن الحارث": هو ابن عبد الملك المخزومّي، أبو محمد المكيّ، ثقة [٨] ٧/ ٥٠٤، روى له المصنف خمسة أحاديث برقم ٥٠٤ و ٩٨٣ و ٢١٩٣ و ٤٤٨٨ و ٥٢٩٩. و"إسحاق" شيخ زكريّا: هو ابن راهويه.
قوله: "وساق الحديث"، الضمير ليونس بن يزيد الأيليّ، أي ساق يونس الحديث بتمامه، وقد ساقه مسلم في "صحيحه":
عن حرملة بن يحيى، أخبرنا عبد اللَّه بن وهب، أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة بن الزبير، أن عائشة أخبرته: أن رسول اللَّه ﷺ ، خرج من جوف الليل، فصلى في المسجد، فصلى رجال بصلاته، فأصبح الناس يتحدثون بذلك، فاجتمع أكثر منهم، فخرج رسول اللَّه ﷺ ، في الليلة الثانية، فصلوا بصلاته، فأصبح الناس يذكرون ذلك، فكثر أهل المسجد، من الليلة الثالثة، فخرج، فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة، عجز المسجد عن أهله، فلم يخرج إليهم رسول اللَّه ﷺ ، فطفق رجال منهم، يقولون: الصلاة، فلم يخرج إليهم رسول اللَّه ﷺ ، حتى خرج لصلاة الفجر، فلما قضى الفجر، أقبل على الناس، ثم تشهد، فقال: "أما بعد، فإنه لم يخف عليّ شأنكم
стр. 11355
الليلةَ، ولكني خشيت، أن تُفرَض عليكم صلاة الليل، فتعجزوا عنها".
وقوله: "وفيه: قال الخ" يعني أن في تمام الحديث الذي ساقه يونس زيادة: "قال: فكان يرغبهم الخ"، وقد تقدّم أن المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، يرجح أن هذا ليس من كلام عائشة ﵂، وإنما هو من كلام الزهريّ.
والظاهر أن الإمام مسلمًا -رحمه اللَّه تعالى- لم يخرج هذه الزيادة في الرواية المذكورة للعلة التي أشار إليها المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-.
[تنبيه]: قوله: "وفيه: قال" هكذا وقع في بعض النسخ بلفظ "قال" وهو الذي في "الكبرى" جـ ٢ ص ٨٦ ووقع في بعض النسخ بلفظ "قالت"، والظاهر أن الأول هو الصواب؛ لأن الصحيح أن هذا ليس من كلام عائشة ﵂، وإنما هو من كلام الزهري، كما نبه عليه المصنّف رحمه القه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٩٤ - (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ, قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَقُولُ فِي رَمَضَانَ: «مَنْ قَامَهُ إِيمَانًا, وَاحْتِسَابًا, غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، وهو إما الْجِيزِيّ، وهو ممن تفرّد به أبو داود، والمصنّف، وإما المراديّ، وهو من رجال الأربعة، وكلاهما ثقتان.
وقوله: "في رمضان": أي في شأن فضل رمضان، وتمام شرح الحديث سبق قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان صواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٩/ ٢١٩٤ و ٢١٩٦ و ٢١٩٧ و ٢١٩٨ و ٢١٩٩ و ٢٢٠٠ و ٢٢٠١ و ٢٢٠٢ و ٢٢٠٣ و ٢٢٠٤ و٢٢٠٥ و ٤٠/ ٢٢٠٦ و ٢٢٠٧ و ٣/ ١٦٠٢ و ١٦٠٣ و ٢١/ ٥٠٢٤ و ٥٠٢٥ و ٥٠٢٦ و ٢٦/ ٥٠٢٧ - وفي "الكبرى" هنا- ٣٩/ ٢٥٠٦ و ٢٥٠٧ و ٢٥٠٨ و ٢٥٠٩ و ٢٥١٠ و٢٥١١ و٢٥١٢ و٢٥١٣ و٢٥١٤ و ٢٥١٥ و ٤٠/ ٢٥١٦ و٢٥١٧ وفي "قيام الليل- باب ثواب من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا" -٤/ ١٢٩٥ و ١٢٩٦ و "كتاب الاعتكاف" -٢٥/ ٣٤١٢ و ٣٤١٣ و ٣٤١٤ و ٣٤١٥ و٣٤١٦ و ٣٤١٧ و ٣٤١٨ و ٣٤١٩ و ٣٤٢٠ و٣٤٢١ و ٣٤٢٢ و ٣٤٢٣ و ٣٤٢٤ و٣٤٢٥.
стр. 11356
وأخرجه (خ) في "الإيمان" ٣٧ و"صلاة التروايح" ٢٠٠٩ و١٩٠١ وفي "التهجد" ١١٢٩ و"الصوم" ١٩٠١. (م) في "الصلاة" ١٧٧٦ و١٧٧٧ و١٧٧٨ و ١٧٧٩. (د) في "الصلاة" ١٣٧١ (ت) في "الصوم" ٨٠٨.
وساقوه بألفاظ مختلفة، فتارة بفضل صوم رمضان، وتارة بقيامه، وتارة بقيام ليلة القدر، وتار بذكر الثلاثة، وتارة بالاقتصار على اثنين منها، كما ستراه في روايات المصنّف الآتية، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٩٥ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ شُعَيْبٍ, عَنْ أَبِيهِ,, عَنِ الزُّهْرِيِّ,, قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ, أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , خَرَجَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ, فَصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ … وَسَاقَ الْحَدِيثَ, وَقَالَ فِيهِ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , يُرَغِّبُهُمْ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ, مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِعَزِيمَةِ أَمْرٍ فِيهِ, فَيَقُولُ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ, إِيمَانًا, وَاحْتِسَابًا, غُفِرَ لَهُ, مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، محمد بن خالد بن خَلِيِّ الكلاعيّ، أبي الحسين الحمصيّ، فإنه ممن تفرّد هو به، وهو صدوق [١١] ٧/ ١٤٦٦.
قوله: "وساق الحديث" الفاعل ضمير يعود إلى شعيب، وهو ابن أبي حمزة.
وقد تقدّم في رواية إسحاق بن راشد -٢١٩٢ - أن المصنّف تكلّم في هذا الحديث، فراجعه، تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٩٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ شُعَيْبٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ, قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : يَقُولُ لِرَمَضَانَ: "مَنْ قَامَهُ إِيمَانًا, وَاحْتِسَابًا, غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذه الرواية ساقها المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-؛ لبيان اختلاف شعيب بن أبي حمزة على الزهريّ، فمرة رواه عنه، عن عروة، عن عائشة ﵂، كما في الرواية الماضية، ومرّة رواه، عنه، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، وأن شيخه محمد بن خالد بن خَلِيّ روى الحديث بالطريقين جميعاً، وقد تقدّم أن الأرجح عند المصنّف كونه من حديث أبي هريرة ﵁.
وقوله: "لرمضان": أي لفضل رمضان، أو لأجل رمضان، أو اللام بمعنى "في"، كما صُرّح به في الرواية المذكورة قبل حديث، فهو كقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ
стр. 11357
لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ الآية [الأنبياء: ٤٧]: أي في يوم القيامة، أو بمعنى "عند"، أي يقول عند مجيء رمضان، كما في قولهم: كتبته لخمس خلون، أي عند خمس خلون (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٩٧ - (أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (٢) , قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي, عَنْ صَالِحٍ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ,,, أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ أَخْبَرَهُ, أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا, وَاحْتِسَابًا, غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخ المصنّف، وهو سليمان بن سيف، أبو داود الحرّاني، فإنه ممن تفرّد هو به، وهو ثقة حافظ [١١] ١٠٣/ ١٣٦.
و"والد يعقوب": هو إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثم البغداديّ الثقة. و"صالح": هو ابن كيسان المدنيّ المثبت. والحديث متفق عليه، كما تقدّم بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٩٨ - (أَخْبَرَنَا نُوحُ بْنُ حَبِيبٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ,, عَنِ الزُّهْرِيِّ,, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ,, قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , يُرَغِّبُ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ, مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِعَزِيمَةٍ, قَالَ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا, وَاحْتِسَابًا, غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، نوح ابن حبيب القُومسيّ الْبَذَشِيِّ، فقد انفرد به هو، وأبو داود، وهو ثقة [١٠] ٧٩/ ١٠١٠ والحديث متفق عليه، كما تقدّم الكلام عليه، وباللَّه تعالى التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٩٩ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, عَنْ مَالِكٍ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا, وَاحْتِسَابًا, غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»).
قالَ الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير مرة. و"حميد بن عبد الرحمن" هو: ابن عوف الزهريّ المدنيّ. والحديث متفق عليه، كما تقدّم بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 11358
٢٢٠٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْقَاسِمِ, عَنْ مَالِكٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ, عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ,,,, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا, وَاحْتِسَابًا, غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير مرّة.
و"محمد بن سلمة": هو المراديّ الجَمَليّ المصريّ الثبت. و"ابن القاسم": هو عبد الرحمن الْعُتَقيّ المصريّ الفقيه الثقة، صاحب الإمام مالك -رحمهم اللَّه تعالى-، والحديث متفق عليه، كما تقدّم بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٠١ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ, قَالَ: حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ, عَنْ مَالِكٍ, قَالَ: الزُّهْرِيُّ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ,,, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا, وَاحْتِسَابًا, غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه محمد ابن إسماعيل، أبي بكر الطبراني، فإنه من أفراد، وهو ثقة [١٢] ٣/ ١٦٠٣.
و"عبدُ اللَّه بن محمد بن أسماء": هو الضبعيّ البصريّ، ثقة جليل [١٠] ١٩٧/ ٣١٥.
و" جُويرية": هو ابن أسماء بن عُبيد الضبعيّ البصريّ، صدوق [٧] وهو عم عبد اللَّه الراوي عنه. والحديث متفق عليه، كما تقدّم بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٠٢ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ,, وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ, قَالَا:: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنِ الزُّهْرِيِّ,, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ,, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ» , وَفِي حَدِيثِ قُتَيْبَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «مَنْ قَامَ شَهْرَ رَمَضَانَ إِيمَانًا, وَاحْتِسَابًا, غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ, وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا, وَاحْتِسَابًا, غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، "محمد ابن عبد اللَّه بن يزيد المقرئ"، أبي يحيى المكيّ، فقد تفرّد به هو، وأبو داود، وهو ثقة [١٠] ١١/ ١١، و"سفيان": هو ابن عيينة. والحديث متفق عليه، وقد تقدّم تمام البحث فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٠٣ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا, وَاحْتِسَابًا, غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»).
стр. 11359
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متّفق عليه، ورجال إسناده هم الذين ذُكروا قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٠٤ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنِ الزُّهْرِيِّ,, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ,, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا, وَاحْتِسَابًا, غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدموا غير مرّة. و"إسحاق بن إبراهيم": هو ابن راهويه. والحديث متفق عليه، كما تقدّم بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٠٥ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُنْذِرِ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, ﵁ (١) , قَالَ: قَالَ (٢) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا, وَاحْتِسَابًا, غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو، والترمذيّ، وابن ماجه، وكلهم تقدّموا، غير:
١ - (عليّ بن المنذر) بن زيد الأَوْديّ، ويقال: الأسديّ، الطَّرِيقيّ -بفتح المهملة، وكسر الراء، بعدها تحتانيّة ساكنة، ثم قاف- أبو الحسن الكوفيّ، صدوق يتشيّع [١٠].
قال ابن أبي حاتم: سمعت منه مع أبي، وهو صدوق ثقة، سئل عنه أبي؟ فقال: شيعيّ محض صدوق. وقال ابن نمير: ثقة صدوق. وقال الإسماعيليّ: في القلب منه شيء، لست أخبُرُهُ. وقال ابن ماجه: سمعته يقول: حججت ثمانياً وخمسين حجة، أكثرها راجلاً. وقال الدارقطنيّ: لا بأس به. وكذا قال مسلمة بن قاسم، وزاد: كان يتشيّع. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وذكر ابن السمعانيّ أنه قيل له: الطَّرِيقيّ؛ لأنه وُلِدَ بالطريق. وقال مطيَّن: مات في ربيع الآخر سنة (٢٥٥). روى عنه الترمذيّ، والمصنّف، وابن ماجه، وله عند المصنف في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا ٢٢٠٥ وفي "كتاب الاستعاذة" حديث ٥٤٥١.
و"ابن فضيل" هو: محمد بن فُضيل بن غَزْوَان الضبّيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، صدوق عارف رمي بالتشيع [٩] ١٨/ ٧٩٩.
و"يحيى بن سعيد": هو الأنصاريّ المدنيّ الثبت. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 11360
[تنبيه]: نقل الحافظ أبو الحجّاج المزّيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "تحفة الأشراف" جـ ١١ ص٦٤ عن المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-: ما نصّه: وقال النسائيّ: هذا حديث منكر من حديث يحيى، لا أعلم أحدًا رواه غير ابن فضيل انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لم أر هذا الكلام للمصنّف، لا في "المجتبى"، ولا في "الكبرى"، ولعله لاختلاف النسخ.
ثم إن الظاهر أن تفرّد ابن فُضيل لا يضرّ بصحة الحديث، ولذا أخرجه البخاريّ في "صحيحه" في كتاب "الإيمان" رقم ٣٨ عن محمد بن سلام، عن محمد بن فُضيل بسند المصنّف، ومتنه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٤٠ - (ذِكْرُ اخْتِلَافِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، وَالنَّضْرِ بْنِ شَيْبَانَ فِيهِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "فيه" الضمير لحديث فضل رمضان.
ووجه الاختلاف المذكور أن يحيى بن أبي كثير روى الحديث عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁، وقد تابعه على ذلك الزهريّ، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، كما تقدمت رواياتهم في الباب الماضي، وخالفه النضر بن شيبان، فرواه عن أبي سلمة، عن أبيه، وقد بيّن المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- أنه خطأ، والصواب أبو سلمة، عن أبي هريرة ﵁. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٢٠٦ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, وَمُحَمَّدُ بْنُ هِشَامٍ, وَأَبُو الأَشْعَثِ -وَاللَّفْظُ لَهُ- قَالُوا: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ (١) , عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا, وَاحْتِسَابًا, غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ, وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا, غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه:
١ - (محمد بن هشام) بن شَبِيب بن أبي خِيرَة -بكسر المعجمة، وفتح التحتانيّة- أبي
стр. 11361
عبد اللَّه البصريّ، نزيل مصر، ثقة مصنّف [١٠].
قال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائيّ: صالح. وقال في موضع آخر: لا بأس به.
وقال ابن يونس: كان ثقة ثبتًا حسن الحديث، توفي بمصر في جمادى الأولى سنة (٢٥١). تفرّد بالرواية عنه أبو داود، والمصنف، وله عنده في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا ٢٢٠٦ وحديث ٤٨٨٤ في قطع يد السارق.
و"أبو الأشعث": هو أحمد بن المقدام البصريّ، صدوق [١٠] ١٣٨/ ٣١٩.
و"خالد": هو ابن الحارث الْهُجَيميّ البصريّ الثبت.
"وهشام ": هو ابن أبي عبد اللَّه الدستوائيّ البصريّ الحجة. والسند مسلسل بالبصريين إلى أبي سلمة.
والحديث متفق عليه، وتقدّم تخريجه في ٣٩/ ٢١٩٤. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٠٧ - (أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ, عَنْ مَرْوَانَ, أَنْبَأَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلاَّمٍ, عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ,, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ قَامَ شَهْرَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا, غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ, وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا, غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه محمود بن خالد السلميّ، أبي عليّ الدمشقيّ، فقد تفرد به هو، وأبو داود، وابن ماجه، وهو ثقة، من صغار [١٠] ٤٥/ ٥٩٥.
و"مروان": هو ابن محمد بن حسّان الأسديّ الدمشقيّ الطّاطَريّ، ثقة [٩] ١٢٨/ ١٠٩١، أخرج له الجماعة إلا البخاريّ.
و"معاوية بن سلاّم": هو أبو سلاّم الدمشقيّ الحمصيّ، ثقة [٧] ١٣/ ١٤٧٩ أخرج له الجماعة. والسند مسلسل بالدمشقيين إلى يحيى أيضًا.
والحديث متفق عليه، كما تقدّم تمام البحث فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٠٨ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا (١) الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا (٢) نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنِي النَّضْرُ بْنُ شَيْبَانَ, أَنَّهُ لَقِيَ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, فَقَالَ لَهُ: حَدِّثْنِي بِأَفْضَلِ شَيْءٍ سَمِعْتَهُ, يُذْكَرُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ, فَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ
стр. 11362
بْنُ عَوْفٍ, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ ذَكَرَ شَهْرَ رَمَضَانَ, فَفَضَّلَهُ (١) عَلَى الشُّهُورِ, وَقَالَ «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا, خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ, كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ». قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: هَذَا خَطَأٌ, وَالصَّوَابُ أَبُو سَلَمَةَ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد تقدّموا، غير اثنين:
١ - (نصر بن عليّ) بن صُهبان -بضمّ المهملة، وسكون الهاء- الأزديّ الجهضميّ- بفتح الجيم، وسكون الهاء، وفتح المعجمة- الكبير البصريّ، ثقة [٧].
قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا نصر بن عليّ، وكان صدوقًا. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: مات في إمرة أبي جعفر. أخرج له الأربعة، وله عند المصنف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٢ - (النضر بن شيبان) الْحُدَّانيّ -بضم المهملة، وتشديد الدال- البصريّ لين الحديث [٦].
قال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ليس حديثه بشيء. وقال البخاريّ في حديثه المذكور هنا: لم يصحّ، وحديث الزهريّ وغيره، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أصحّ.
وقال المصنّف: هذا خطأ، والصواب حديث أبي سلمة، عن أبي هريرة. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: كان يُخطىء.
قال الحافظ: فإذا كان يخطئ في حديثه، وليس له حديث غيره، فلا معنى لذكره في "الثقات"، إلا أن يقال: هو في نفسه صادق، وإنما غلط في اسم الصحابيّ، فيتّجه، لكن يَرِد على هذا أن في بعض طرقه عنه: لقيت أبا سلمة، فقلت له: حدّثني بحديث سمعته من أبيك، وسمعه أبوك، من النبيّ ﷺ ، فقال أبو سلمة: حدثني أبي، فذكره (٢). وقد جزم جماعة من الأئمة بأن أبا سلمة لم يصحّ سماعه من أبيه، فتضعيف النضر على هذا متعينٌ. وقد قال ابن خراش: إنه لا يُعرَف بغير هذا الحديث. وأعلّه الدارقطنيّ أيضًا بحديث أبي سلمة، عن أبي هريرة انتهى كلام الحافظ. أخرج له المصنّف، وابن ماجه حديث الباب فقط، وأعاده المصنف في ٢٢١٠.
و"الفضل بن دُكين": هو أبو نعيم الكوفيّ الثقة الثبت [٩].
وقوله: "يُذكَرُ في شهر رمضان" ببناء الفعل للمفعول، والجملة في محلّ نصب على الحال، أو في محلّ جرّ صفة لـ "شيء" بعد صفة.
стр. 11363
وقوله: "كيوم ولدته أمه" يجوز إعراب "يوم" بالجرّ، وبناؤه على الفتح؛ لإضافته إلى الجملة الماضويّة، وهو المختار، كما قال ابن مالك في "الخلاصة":
وَابْنِ أَوَ اعْرِبْ مَا كَـ "إِذْ" قَدْ أُجْرِيَا … وَاخْتَرْ بِنَا مَتْلُوٍّ فِعْلٍ بُنِيَا
قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى- في "شرح ابن ماجه": المراد باليوم الوقت، إذ ولادته قد تكون ليلًا. والظاهر أن المعنى كخروجه من الذنوب يوم ولدته أمه، وهو غير صحيح، لأنه ما سبقه ذنب حتى يخرجَ منه ذلك اليوم، فالمعنى خرج من ذنوبه، ويصير طاهرًا منها؛ كطهارته منها يوم ولدته أمه. وظاهر هذا الحديث العموم للصغائر والكبائر، والتخصيص يُبعده التشيبه، واللَّه أعلم انتهى كلام السنديّ (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لكن الحديث في إسناده ضعف. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "قال أبو عبد الرحمن: هذا خطأ الخ. ولفظ "الكبرى": "هذا غلط، والصواب ما تقدّم ذِكْرُنَا له". انتهى. يعني كونه من حديث أبي هريرة ﵁.
والحديث أخرجه هنا- ٤٠/ ٢٢٠٨ و ٢٢٠٩ و ٢٢١٠ وفي "الكبرى" - ٤٠/ ٢٥١٨ و ٢٥١٩ و ٢٥٢٠. وأخرجه (ق) "الصلاة" ١٣٢٨. وهو ضعيف، كما بينه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في كلامه المذكور آنفًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٠٩ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا الْقَاسِمُ بْنُ الْفَضْلِ, قَالَ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شَيْبَانَ, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ … فَذَكَرَ مِثْلَهُ, وَقَالَ: «مَنْ صَامَهُ, وَقَامَهُ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير النضر ابن شيبان، وقد تقدّموا في السند السابق، غير:
١ - (القاسم بن الفضل) بن مَعْدَان بن قُرَيظ الْحُدَّانيّ -بضم المهملة، وتشديد الدال- الأزديّ، أبي المغيرة البصريّ، كان نازلاً في بني حُدَّان، وليس منهم، ثقة رمي بالإرجاء [٧].
قال صالح بن أحمد، عن عليّ بن المدينيّ: قلت ليحيى بن سعيد: إن عبد الرحمن ابن مهديّ يُثَبِّتُ القاسم بن الفضل، قال: ذاك مُنكَرٌ (٢)، وجعل يُثني عليه. وقال عمرو ابن عليّ: سمعت يحيي بن سعيد يُحسن الثناء على القاسم، قال: وكان ثقة. وقال
стр. 11364
أحمد بن سنان القطّان: سمعت ابن مهديّ، قال: كان من قُدماء أشياخنا، ومع ذلك من أثبتهم. وقال أحمد، عن ابن مهديّ نحو ذلك. وقال ابن معين: ثقة. وقال مرّة: صالح. وقال مرّة: ليس به بأس. وقال أحمد، وابن سعد، والنسائيّ، والترمذيّ: ثقة. وقال أبو زرعة: أحفظ من أبي هلال الراسبيّ. وقال الآجريّ، عن أبي داود: كان صاحب حديث، قال يحيى القطّان: كان مُنكَرًا يعني من فطنته. وقال أبو داود مرّة: هو من مرجئة البصرة. وقال ابن شاهين في "الثقات": قال ابن عمار: القاسمُ بن الفضل من ثقات الناس. وقال العقيليّ: سأله شعبة عن حديث أبي نضرة، عن أبي سعيد في قصّة كلام الذئب، وفيه: "لا تقوم الساعة حتى يُكلّم الرجل عَذَبَةُ سوطه (١)، وشِرَاك نعله، ويُخبره فخذه بما أحدث أهله " (٢)، فحدثه به، فقال شعبة: لعلك سمعته من شهر بن حوشب؟، قال:، حدثناه أبو نضرة، عن أبي سعيد، فما سكت، حتى سكت، شعبة.
وذكره ابن حبّان في "الثقات". قال ابن معين: مات سنة (١٦٧). أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والباقون، وله عند المصنّف في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث: هذا (٢٢٠٩) و (٢٢١) و (٥٦٤٠).
والحديث ضعيفٌ كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢١٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ الْفَضْلِ, قَالَ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شَيْبَانَ, قَالَ: قُلْتُ لأَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: حَدِّثْنِي بِشَىْءٍ, سَمِعْتَهُ مِنْ أَبِيكَ, سَمِعَهُ أَبُوكَ, مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , لَيْسَ بَيْنَ أَبِيكَ, وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَدٌ, فِي شَهْرِ رَمَضَانَ, قَالَ: نَعَمْ, حَدَّثَنِي أَبِي, قَالَ: قَالَ
стр. 11365
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ ﵎, فَرَضَ صِيَامَ رَمَضَانَ عَلَيْكُمْ, وَسَنَنْتُ لَكُمْ قِيَامَهُ, فَمَنْ صَامَهُ وَقَامَهُ, إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا, خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد هم المذُكرون في الماضي، إلا اثنين:
١ - (محمد بن عبد اللَّه بن المبارك) الْمُخَرِّميّ، أبو جعفر البغداديّ، ثقة حافظ [١١] ٤٣/ ٥٠.
٢ - (أبو هشام) المغيرة بن سلمة المخزوميّ البصريّ، ثقة ثبت، من صغار [٩] ٢٨/ ٨١٥.
وقوله:"في شهر رمضان" متعلّق بحال مقدّر، أي حال كون ذلك الحديث متعلقًا
بفضائل شهر رمضان.
وقوله: "وسننت لكم قيامه" التاء ضمير المتكلّم، أي ندبت لكم، وإنما قال: "لكم"، لأنه نفع محضٌ، لا ضرر فيه أصلاً، فمن فعل فقد نال أجرًا عظيمًا، ومن ترك فلا إثم عليه. أفاده السنديّ في "شرحه" (١). وقال في "شرح على ابن ماجه": قوله: "كتب اللَّه عليكم صيامه، وسننت لكم قيامه": الضمير في الموضعين لرمضان، وكلمة "على" في الأول، واللام في الثاني للفرق بينهما، بتخفيف التكليف الإيجابيّ في أحدهما، دون الآخر، وفيه أن الفرض ينسب إلى اللَّه، والسنّة إليه ﷺ . انتهى (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "وفيه أن الفرض ينسب إلى اللَّه الخ" فيه نظرٌ، فقد جاء في "الصحيحين"، وغيرهما حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -: "فرض رسول اللَّه ﷺ زكاة الفطر … " الحديث، فقد نُسب الفرض إليه ﷺ . فتنبّه.
والحديث ضعيف، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 11366
٤١ - (فَضْلُ الصِّيَامِ، وَالاخْتِلَافُ عَلَى أَبِي إِسْحَاقَ فِي حَدِيثِ علَيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (فِي ذَلِكَ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه الاختلاف المذكور أن زيد بن أبي أُنيسة رواه عن أبي إسحاق، عن عبد اللَّه بن الحارث، عن عليّ ﵁، وخالفه شعبة، فرواه عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁، موقوفًا، وقد نقل أبو الحجّاج المزّيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "تحفة الأشراف" جـ ٧ ص ٣٩٨ - عن المصنّف أنه قال -بعد أن أورد الحديث الثاني، موقوفًا-: هذا هو الصواب عندنا، وحديث العلاء خطأ، وقد رأيت للعلاء أحاديث مناكير انتهى.
وحاصله أنه رجّح كون الحديث عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁، موقوفًا عليه، لا عن عليّ ﵁، مرفوعًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٢١١ - (أَخْبَرَنِي هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي, قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ, عَنْ زَيْدٍ, عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ, عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ ﵎, يَقُولُ: الصَّوْمُ لِي, وَأَنَا أَجْزِي بِهِ, وَلِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: حِينَ يُفْطِرُ, وَحِينَ يَلْقَى رَبَّهُ, وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ, لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ, أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ, مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (هلال بن العلاء) بن هلال بن عمرو الباهليّ، مولاهم، أبو عمرو الرّقّيّ، صدوق [١١] ١٠/ ١١٩٩. من أفراد المصنّف.
٢ - (أبوه) العلاء بن هلال بن عمرو بن هلال الباهليّ، أبو محمد الرّقّيّ، فيه لين [٩] ١٩٠/ ١١٦٧ من أفراد المصنّف أيضًا.
٣ - (عبيد اللَّه) بن عمرو بن أبي الوليد الأسديّ، أبو وهب الرقيّ، ثقة فقيه ربما وَهِمَ [٨] ١٩٠/ ١١٦٧.
٤ - (زيد) بن أبي أُنَيسة الْجَزَريّ، أبو أسامة كوفيّ الأصل، ثم سكن الرُّهَا، ثقة له أفراد [٦] ١٩١/ ٣٠٦.
стр. 11367
٥ - (أبو إسحاق) عمرو بن عبد اللَّه السبيعيّ الكوفيّ، ثقة عابد اختلط بآخره [٣] ٣٨/ ٤٢.
٦ - (عبد اللَّه بن الحارث) بن نوفل بن الحارث بن عبد المطّلب بن هاشم الهاشميّ، أبي محمد المدنيّ، أمير البصرة، لقبه بَبَّه، وأمه هند بنت أبي سفيان، وُلد في عهد النبيّ ﷺ ، فحنكه النبيّ ﷺ ، وتحول إلى البصرة، واصطلح عليه أهل البصرة حين مات يزيد ابن معاوية.
قال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائيّ. ثقة. وقال ابن المدينيّ: ثقة، ولم يسمع من ابن مسعود. وقال الآجرّيّ: قلت لأبي داود: الزهريّ سمع من عبد اللَّه بن الحارث؟ قال: لا، سمع من بنيه. وقال العجليّ. مدنيّ تابعيّ ثقة. وقال يعقوب بن شيبة؛ ثقة ثقة، ظاهر الصلاح، وله رضي في العامّة. وقال ابن حبّان. هو من فقهاء أهل المدينة. وحكى ابن سعد في "الطبقات" أنه لما وُلد أتت به أمه هند إلى أختها أم حبيبة، فدخل عليها رسول اللَّه ﷺ ، فقال: من هذا يا أم حبيبة؟ قالت هذا ابن عمك، وابن أختي، فتفل في فيه، ودعا له. قال. وكان بَبّه على مكة زمن عثمان. قال محمد بن عمر: كان ثقة كثير الحديث. وقال ابن عبد البرّ في "الاستيعاب": أجمعوا على أنه ثقة. قال ابن حبّان في "الثقات". توفّي سنة (٧٩)، قلته السَّمُوم، ودُفْن بالأبواء. وقال ابن سعد. توفي بعمان سنة (٨٤) عند انقضاء فتنة ابن الأشعث، وكان خرج إليها هاربًا من الحجّاج.
قال الحافظ. الثاني هو المعتمد، والذي مات بالسَّمُوم هو ولده عبد اللَّه بن عبد اللَّه ابن الحارث انتهى. روى له الجماعة، وله عند المصنف في هذا الكتاب خمسة أحاديث برقم ٢٢١١ و٢٦٠٩ و ٢٣٠٨ و ٤٤٥٩ و ٤٤٦٦.
٧ - (عليّ بن أبي طالب) الهاشمي الخليفة الراشد، أبو الحسن - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٧٤/ ٩٩. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن صحابيّه أحد الخلفاء الراشدين، والعشرة المبشّرين بالجنّة، وابن عم النبيّ- ﷺ ، وزوج ابنته، والمشهور بلقلب أبي تُراب - رضي اللَّه تعالى عنهم - أجمعين. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَليِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ) ﵁ (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) أنه (قَالَ: "إِنَّ اللَّه ﵎،
стр. 11368
يَقُولُ: الصَّوْمُ لي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ) سيأتي بيان اختلاف العلماء في سبب اختصاص الصوم بكونه للَّه تعالى، مع أن كل العبادات له في المسألة الثالثة إن شاء اللَّه تعالى.
(وَلِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ) جملة اسمية من المبتدإ المؤخّر والخبر المقدّم، أي للذي قام بحقوق الصوم، فأداه بواجباته، ومستحباته مرّتان من الفَرَح عظيمتان: إحداهما في الدنيا، والأخرى في الأخرى (حِينَ يُفْطِرُ) الظرف متعلّق بمحذوف خبر لمبتدإ مقدّر، أي الفرحة الأولى: كائنة وقتَ إفطاره، يعني أنه يفرح وقتَ إفطاره بالخروج عن عُهدة المأمور، أو بوجدان التوفيق لإتمام الصوم، أو بخلوص الصوم، وسلامته من المفسدات، من الرفث واللغو، أو بما يرجوه من حصول الثواب، أو بالأكل، والشرب بعد الجوع والعطش.
قال القرطبيّ: معناه يفرح بزوال جوعه وعطشه حيث أُبيح له الفطر، وهذا الفرح طبيعيّ، وهو السابق للفهم. وقيل: إن فَرَحَه بفطره إنما هو من حيث إنه تمام صومه، وخاتمة عبادته، وتخفيف من ربّه، ومعونة على مستقبل صومه.
قال الحافظ: ولا مانع من الحمل على ما هو أعمّ مما ذُكر، ففرح كلّ أحد بحسبه؛ لاختلاف مقامات الناس في ذلك، فمنهم من يكون فرحه مباحًا، وهو الطبيعيّ، ومنهم من يكون مستحبًا، وهو من يكون سببه شيئًا مما ذُكر. انتهى.
(وَحِينَ يَلْقَى رَبَّهُ) إعرابه كسابقه، أي الفرحة الثانية كائنة وقت لقاء ربه، بنيل الجزاء، أو الفوز باللقاء. وقيل: هو السرور بقبول صومه، وترتّب الجزاء الوافر عليه، ولا تنافي بين المعاني.
(وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ) بفتح لام جواب القسم، والخُلُوف -بضم الخاء، واللام، بعدها واو، وآخره فاء-: تغيّر رائحة الفم، يقال: خَلَفَ فم الصائم خُلُوفًا، من باب قَعَدَ: تغيّرت ريحه، وأخلف بالألف لغة، وزاد في "الجمهرة": من صوم، أو مرض. قاله في "المصباح".
وقال القاضي عياض -رحمه اللَّه تعالى-: كونه بضم الخاء واللام هو الرواية الصحيحة، وبعض الشيوخ يقوله بفتح الخاء. قال الخطّابيّ: وهو خطأ. وحكى القابسيّ الوجهين، وصوّب الضمّ، وبالغ النوويّ في "شرح المهذب"، فقال: لا يجوز فتح الخاء، واحتجّ غيره لذلك بأنّ المصادر التي جاءت على فَعُول بفتح أوله قليلة، ذكرها سيبويه وغيره، وليس هذا منها. واتفقوا على أن المراد به تغيّر رائحة فم الصائم بسبب الصيام. كذا في "الفتح". وقال الباجيّ: الخلوف تغيّر رائحة فم الصائم، وإنما يَحدُث من خُلُو المعدة بترك الأكل، ولا يذهب بالسواك؛ لأنها رائحة النفَس الخارج من
стр. 11369
المعدة، وإنما يذهب بالسواك ما كان في الأسنان من التغيرّ. وقال البَرْقيّ: هو تغيّر طعم الفم، وريحه لتأخّر الطعام. وقال عياض: هو ما يخلف بعد الطعام في الفم من رائحة كريهه؛ لخلوّ المعدة من الطعام (١).
[تنبيه]: "الخلوف" بالضبط المذكور هو المشهور في الرواية، وومع عند البخاريّ في رواية الكشميهنيّ: "لَخُلُف" بحذف الواو، قال العينيّ: والظاهر أنه جمع خلفَة- بالكسر. وقال ابن الأثير: الخِلْفة -بالكسر- تغيّر ريح الفم، وأصلها في النبات أن ينبت الشىء بعد الشيء؛ لأنها رائحه بعد الرائحة الأولى، وروي في غير البخاريّ بهذه اللفظة، أعني "خِلْفَة" انتهى (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -. هذه الرواية ستأتي للمصنف في الباب التالي رقم - ٢٢١٩ - ولفظه: "والذي نفس محمد بيده لَخِلْفَة فم الصائم أطيب عند اللَّه من ريح المسك". واللَّه تعالى أعلم.
[فائدة]. قوله: "فم الصائم" فيه ردّ على أبي عليّ الفارسي في قوله: إن ثبوت الميم في "الفم" خاصّ بضرورة الشعر (٣)، فقد ثبت في هذا الحديث في الاختيار، وأما في الشعر فقد ثبت في قوله [من الرجز]:
كَالْحُوتِ لَا يُلْهيهِ شَيْءٌ يَلْقَمُهُ … يُصْبِحُ ظَمْآنَ وَفِي الْبَحْرِ فَمُة
(أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ، مِنْ رِيحِ الْمِسْكٍ") وفي لفظ مسلم، والنسائيّ (٤). "أطيب عند اللَّه يوم القيامة".
وقد وقع اختلاف بين الإمامين: أبي عمرو بن الصلاح، ومحمد بن عبد السلام -رحمهما اللَّه تعالى-، فذهب الأول إلى أن هذا الطيب في الدنيا والآخرة، وذهب الثاني إلى أنه في الآخرة خاصّة، مستدلًا بهذه الرواية.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما ذهب إليه ابن الصلاح هو الأرجح، وقد ذكرت تحقيق ذلك في أوائل هذا الشرح، في شرح حديث: "لولا أن أشقّ على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" برقم -٧/ ٧ - فراجعه تستفد، واللَّه تعالى ولي التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 11370
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عليّ بن أبي طالب ﵁ هذا صحيح.
[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفيه عنعنة أبي إسحاق، وهو مدلس، وقد عنعنه؟.
[قلت]: إنما صحّ بما يأتي بعده، من حديث ابن مسعود ﵁ الآتي بعده، وهو وإن كان موقوفًا إلا أن له حكم الرفع، ومن حديث أبي سعيد الخدريّ، وحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا، الآتيان في الباب التالي، إن شاء اللَّه تعالى.
وهو بهذا السند من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا-٤١/ ٢٢١١ - وفي "الكبرى" ٤١/ ٢٥٢١. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان فضل الصوم (ومنها): إثبات صفة الكلام للَّه تعالى، وأنه يتكلم حيث يشاء، ويكلّم من يشاء بما يشاء، وأن كلامه ليس خاصًا بالقرآن الكريم، وهذا هو الذي يُسمّي بالحديث القدسيّ، وهو كلام اللَّه تعالى على الحقيقة، والفرق بينه وبين القرآن أن القرآن متعبّد بتلاوته، بخلاف هذا (ومنها): أن العبادات تتفاوت من حيث الثواب (ومنها): أن ثواب الصوم لا يعلم مقداره إلا اللَّه تعالى (ومنها): أن الصائم له الفرح في الدنيا والآخرة (ومنها): أن اللَّه تفضل على عباده بأن جعل الروائح الكريهة بسبب الصوم أطيب من ريح المسك (ومنها): أن خلوف فم الصائم أعظم من دم الشهيد؛ لأن دم الشهيد شُبِّهَ ريحه بريح المسك، وخلوف فم الصائم وُصف بأنه أطيب، ولا يلزم من ذلك أن يكون الصيام أفضل من الشهادة لما لا يخفى (١). واللَّه ذو الفضل العظيم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): اختلف العلماء في المراد بقول اللَّه تعالى: "الصوم لي، وأنا أجزي به"، مع أن الأعمال كلها للَّه تعالى، وهو الذي يَجزي بها، على أقوال، أوصلها الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- في "الفتح" إلى عشرة:
[أحدها]: أن الصوم لا يقع فيه الرياء؛ كما يقع في غيره. حكاه المازريّ، ونقله عياض عن أبي عُبيد. ولفظ أبي عُبيد في "غريبه": قد علمنا أن أعمال البرّ كلها للَّه، وهو الذي يَجزي بها، فنرى -واللَّه أعلم- أنه إنما خصّ الصيام؛ لأنه ليس يظهر من ابن آدم بفعله، وإنما هو شيء في القلب، ويؤيّد هذا التأويل قوله ﷺ : "ليس في الصيام رياء"،
стр. 11371
حدثنيه (١) شبابة، عن عُقيل، عن الزهرّي، فذكره -يعني مرسلاً-. قال: وذلك لأن الأعمال لا تكون إلا بالحركات، إلا الصوم، فإنما هو بالنيّة التي تخفى عن الناس، هذا هو وجه الحديث عندي انتهى.
وقد روى الحديثَ المذكورَ البيهقيُّ في "الشعب" من طريق عُقيل، وأورده من وجه آخر عن الزهريّ موصولاً، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وإسناده ضعيف، ولفظه: "الصيام لا رياء فيه، قال اللَّه : هو لي، وأنا أجزي به ". وهذا لو صحّ لكان قاطعًا للنزاع.
وقال القرطبيّ: لما كانت الأعمال يدخلها الرياء، والصوم لا يطَّلِعُ عليه بمجرّد فعله إلا اللَّه، فأضافه اللَّه إلى نفسه، ولهذا قال في الحديث: "يدَع شهوته من أجلي". وقال ابن الجوزيّ. جميع العبادات تظهر بفعلها، وقلّ أن يَسلَم ما يظهر من شَوْب، بخلاف الصوم. وارتضى هذا الجواب المازريّ، وقرره القرطبيّ بأن أعمال بني آدم لما كانت يمكن دخول الرياء فيها أضيفت إليهم، بخلاف الصوم، فإذ حال الممسك شبعًا مثلُ حال الممسك تقرّبًا. يعني في الصورة الظاهرة.
قال الحافظ: معني قوله: "لا رياء في الصوم" أنه لا يدخله الرياء بفعله، وإن كان قد يدخله الرياء بالقول، كمن يصوم، ثم يخبر بأنه صائم، فقد يدخله الرياء من هذه الحيثية، فدخول الرياء في الصوم إنما يقع من جهة الإخبار، بخلاف بقية الأعمال، فإن الرياء قد يدخلها بمجرّد فعلها، وقد حاول بعض الأئمة إلحاق شيء من العبادات البدنيّة بالصوم، فقال: إن الذكر بـ "لا إله إلا اللَّه" يمكن أن لا يدخله الرياء، لأنه بحركة اللسان خاصة، دون غيره من أعضاء الفم، فيمكن الذاكر أن يقولها بحضر الناس، ولا يشعرون منه بذلك.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: إن أراد قائل هذا القول إلحاق الذكر المذكور بالصوم من حيث عدم دخول الرياء، فمسلم، وإن أراد إلحاقه به من حيث الثواب والجزاء، فليس بصحيح، فإن هذا مما لا مدخل للقياس فيه، فلا يلحق بالصوم في الثواب شيء من العبادات، بل يقتصر الوارد عليه، كما هو ظاهر النصّ. واللَّه تعالى أعلم.
[ثانيها]: أن المراد بقوله: "وأنا أجزي به" أني أنفرد بعلم مقدار ثوابه، وتضعيف حسناته، وأما غيره من العبادات، فقد اطلع عليها بعض الناس. قال القرطبيّ: معناه أن الأعمال قد كُشفت مقادير ثوابها للناس، وأنها تضاعف من عشرة إلى سبعمائة إلى ما شاء اللَّه، إلا الصيام، فإن اللَّه يُثيب عليه بغير تقدير، ويشهد لهذا السياق رواية الأعمش، عن أبي صالح، حيث قال: "كلّ عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة بعشر أمثالها، إلى
стр. 11372
سبعمائة ضعف، إلى ما شاء اللَّه، قال اللَّه: إلا الصوم، فإنه لي، وأنا أجزي به". أي أجازي عليه جزاء كثيرًا من غير تعيين لمقداره، وهذا كقوله تعالى ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: انتهى. و"الصابرون" الصائمون في أكثر الأقوال.
وسبق إلى هذا أبو عُبيد في غريبه، فقال: بلغني عن ابن عُيينة أنه قال ذلك، استدلّ له بأن الصوم هو الصبر؛ لأن الصائم يصبر نفسَهُ عن الشهوات، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ انتهى.
ويشهد له رواية المسيّب بن رافع، عن أبي صالح، عند سمويه: "إلى سبعمائة ضعف، إلا الصوم، فإنه لا يدري أحد ما فيه". ويشهد له أيضًا ما رواه ابن وهب في "جامعه" عن عمر بن محمد بن زيد بن عبد اللَّه بن عمر، عن جدّه زيد مرسلاً. ووصله الطبرانيّ، والبيهقيّ، في "الشعب" من طريق أخرى، عن عمر بن محمد، عن عبد اللَّه بن دينار، عن ابن عمر، مرفوعًا: "الأعمال عند اللَّه سبع" الحديث. وفيه: وعمل لا يعلم ثواب عامله إلا اللَّه"، ثم قال: "وأما العمل الذي لا يعلم ثواب عامله إلا اللَّه، فالصيام"، ثم قال القرطبيّ: هذا القول ظاهر الْحُسْن، قال: غير أنه تقدّم، ويأتي في غير ما حديث أن صوم اليوم بعشرة أيام، وهي نصّ في إظهار التضعيف، فبَعُدَ هذا الجوابُ، بل بطل.
قال الحافظ: لا يلزم من الذي ذُكِرَ بطلانه، بل المراد بما أورده أن صيام اليوم الواحد يكتب بعشرة أيام، وأما مقدار ثواب ذلك، فلا يعلمه إلا اللَّه تعالى.
ويؤيده أيضًا العرف المستفاد من قوله: "أنا أجزي به"؛ لأن الكريم إذا قال: أنا أتولى الإعطاء بنفسي كان في ذلك إشارة إلى تعظيم ذلك العطاء وتفخيمه.
(ثالثها): معنى قوله: "الصوم لي"، أي إنه أحبّ العبادات إليّ، والمقدم عندي، وقد تقدّم قول ابن عبد البرّ: كفى بقوله: "الصوم لي"، فضلاً للصيام على سائر العبادات. وروى النسائيّ وغيره من حديث أبي أمامة، مرفوعًا: "عليك بالصوم، فإنه لا مثل له" (١)، لكن يعكر على هذا الحديثُ الصحيحُ: "واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة".
(رابعها): الإضافة إضافة تشريف، وتعظيم، كما يقال: بيت اللَّه، وإن كانت البيوت كلها للَّه، قال الزين ابن المنيّر: التخصيص في موضع التعميم في مثل هذا السياق لا يفهم منه إلا التعظيم والتشريف.
стр. 11373
(خامسها): أن الاستغناء عن الطعام وغيره من الشهوات من صفات الربّ ﷻ ، فلما تقرّب الصائم إليه بما يوافق صفاته أضافه إليه. وقال القرطبيّ: معناه أن أعمال العباد مناسبة لأحوالهم، إلا الصيام، فإنه مناسب لصفة من صفات الحقّ، كأنه يقول: إن الصائم يتقرّب إليّ بأمر هو متعلّق بصفة من صفاتي.
(سادسها): أن المعنى كذلك، لكن بالنسبة إلى الملائكة؛ لأن ذلك من صفاتهم.
(سابعها): أنه خالص للَّه، وليس للعبد فيه حظّ. قاله الخطابيّ. هكذا نقله عياض وغيره، فإن أراد بالحظّ ما يحصل من الثناء عليه لأجل العبادة رجع إلى المعنى الأول، وقد أفصح بذلك ابن الجوزيّ، فقال. المعنى ليس لنفس الصائم فيه حظّ، بخلاف غيره، فإن له فيه حظًّا لثناء الناس عليه لعبادته.
(ثامنها): سبب الإضافة إلى اللَّه أن الصيام لم يُعبَد به غيرُ اللَّه، بخلاف الصلاة، والصدقة، والطواف، ونحو ذلك. واعترض على هذا بما يقع من عبّاد النجوم، وأصحاب الهياكل، والاستخدامات، فإنهم يتعبّدون لها بالصيام. وأجيب بأنهم لا يعتقدون إلهيّة الكواكب، وإنما يعتقدون أنها فعّالة بأنفسها. قال الحافظ: وهذا الجواب عندي ليس بطائل؛ لأنهم طائفتان: إحداهما كانت تعتقد إلهيّة الكواكب، وهم من كان قبل ظهور الإسلام، واستمرّ منهم من استمرّ على كفره. والأخرى من دخل منهم في الإسلام، واستمرّ على تعظيم الكواكب، وهم الذين أشير إليهم.
(تاسعها): أن جميع العبادات توَفَّى منها مظالم العباد إلا الصيام، روى البيهقيّ من طريق إسحاق بن أيوب بن حسان الواسطيّ، عن أبيه، عن ابن عيينة، قال: إذا كان يوم القيامة يُحاسب اللَّه عبده، ويؤدي ما عليه من المظالم من عمله حتى لا يبقى له إلا الصوم، فيتحمل اللَّه ما بقي عليه من المظالم، ويدخله بالصوم الجنّة. قال القرطبيّ: قد كنت استحسنت هذا الجواب إلى أن فكّرت في حديث المقاصّة، فوجدت فيه ذكر الصوم في جملة الأعمال حيث قال: "المفلس الذي يأتي يوم القيامة بصلاة، وصدقة، وصيام، ويأتي وقد شَتَم هذا، وضَرَب هذا، وأَكَل مال هذا … " الحديث، وفيه: "فيؤخذ لهذا من حسناته، ولهذا من حسْناته، فإذا فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه، أُخذ من سيّآتهم، فطُرحت عليه، ثم طُرح في النار". فظاهره أن الصيام مشترك مع بقيّة الأعمال في ذلك.
قال الحافظ: إن ثبت قول ابن عيينة أمكن تخصيص الصيام من ذلك، فقد يستدلّ له بما رواه أحمد من طريق حماد بن سلمة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة ﵁ رفعه: "كلّ العمل كفارة إلا الصوم، الصوم لي، وأنا أجزي به". وكذا رواه أبو داود
стр. 11374
الطيالسي في "مسنده"، عن شعبة، عن محمد بن زياد، ولفظه: "قال ربّكم ﵎: كلّ العمل كفّارة إلا الصوم". ورواه قاسم بن أصبغ من طريق أخرى، عن شعبة بلفظ: كلّ ما يعمله ابن آدم كفّارة له إلا الصوم". وقد أخرجه البخاريّ في "التوحيد" عن آدم، عن شعبة بلفظ: "يرويه عن ربكم، قال: لكلّ عمل كفّارة، والصوم لي، وأنا أجزي به"، فحذف الاستثناء. وكذا رواه أحمد عن غندر، عن شعبة، لكن قال: "كلّ العمل كفّارة"، وهذا يخالف رواية آدم؛ لأن معناه أن لكلّ عمل من المعاصي كفّارة من الطاعات، ومعنى رواية غندر: كلّ عمل من الطاعات كفّارة للمعاصي. وقد بين الإسماعيليّ الاختلاف فيه في ذلك على شعبة. وأخرجه من طريق غندر بذكر الاستثناء، فاختلف فيه أيضًا على غندر، والاستثناء المذكور يشهد لما ذهب إليه ابن عيينة، لكنه وإن كان صحيح السند، فإنه يعارضه حديث حذيفة: "فتنة الرجل في أهله، وماله، وولده يكفّرها الصلاة، والصيام، والصدقة".
(عاشرها): أن الصوم لا يظهر، فتكتبه الحفظة كما تكتب سائر الأعمال، واستند قائله إلى حديث واهٍ جدًا أورده ابن العربيّ في "المسلسلات"، ولفظه: "قال اللَّه: الإخلاص سرّ من سرّي، استودعته قلب من أُحبْ، لا يطّلع عليه ملك، فيكتبَهُ، ولا شيطان، فيفسدَهُ". ويكفي في ردّ هذا القول الحديثُ الصحيح في كتابة الحسنة لمن همّ بها، وإن لم يعملها.
قال الحافظ: فهذا ما وقفت عليه من الأجوبة، وقد بلغني أن بعض العلماء بلّغها إلى أكثر من هذا، وهو الطالقانيّ في "حظائر القدس" له، ولم أقف عليه (١).
قال الحافظ: وأقرب الأجوبة التي ذكرتها إلى الصواب الأول، والثاني، ويقرب منها الثامن والتاسع.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي الأقرب هو الجواب الثاني، وهو أنه تعالى منفرد بعلم مقدار ثوابه، وأنه يثيب الصائم بغير حساب، فهذا هو الذي يؤيّده السياق، بل هو كالصريح فيه، حيث قال: "كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة بعشر أمثالها إلى
стр. 11375
سبعمائة ضعف، إلى ما شاء اللَّه، قال اللَّه: إلا الصوم، فإنه لي، وأنا أجزي به". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): اتفقوا على أن المراد بالصيام هنا صيام من سَلِمَ صيامه من المعاصي قولاً وفعلاً.
ونقل ابن العربيّ عن بعض الزهّاد أنه مخصوص بصيام خواصّ الخواصّ، فقال: إن الصوم على أربعة أنواع: صيام العوامّ، وهو الصوم عن الأكل والشرب والجماع. وصيام خواصّ العوامّ، وهو هذا، مع اجتناب المحرّمات، من قول أو فعل. وصيام الخواصّ، وهو الصوم عن غير ذكر اللَّه وعبادته. وصيام خواصّ الخواصّ، وهو الصوم عن غير اللَّه، فلا فطر لهم إلى يوم القيامة. وهذا مقام عال، لكن في حصر المراد من الحديث في هذا النوع نظر لا يَخفى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: بل في كون هذا النوع داخلاً في الحديث المذكور نظر لا يخفى، إذ الصوم الشرعيّ هو الذي نزل القرآن ببيان وقته المحدّد بما بين تبيّن طلوع الفجر الصادق، إلى غروب الشمس، حيث نصّ عليه في قوله . ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ الآية.
فحيثما ورد فضل الصوم في النصّ فإنما يُراد به هذا النوع، وأما إعراض المرء عن غير اللَّه تعالى، فليس له وقت محدّد، وأيضًا إن أراد بغير اللَّه ما يصدّ عن ذكر اللَّه تعالى، ويَشغل عن طاعته، فإن هذا الإعراض مطلوب محمود شرعًا، ولكن إطلاق الصوم عليه في عرف الشرع محلّ نظر، وإن أراد عدم الالتفات إلى غير اللَّه تعالى أصلاً، سواء كان ذلك أمرًا دينياً أو دنيويا، بحيث إنه لا يلتفت إلى التكاليف الشرعيّة، فلا يصلّي، ولا يصوم، ولا، ولا، لكونه وصل إلى مراده، فهذا ضلال، وزندقة، وإلحاد، فضلاً عن أن يكون مطلوبا للشارع الحكيم جلّ وعلا، فتنبّه، فقد زلّ فيه كثير من جهال العبّاد، فاعتبروا هذا مقامًا شريفًا، وحالا منيفًا، بينما هو الضلال والهلاك. ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): قال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-:
اختُلف في معنى كون هذا الخلوف أطيب من ريح المسك بعد الاتفاق على أنه منزّه عن استطابة الروائح الطيّبة، واستقذار الروائح الخبيثة؛ فإن ذلك من
стр. 11376
صفات الحيوان الذي له طبائع تميل إلى شيء، فتستطيبه، وتنفر من شيء، فتتقذّره (١)، على أقوال:
(أحدها): قال المازريّ: هو مجاز، واستعارة؛ لأنه جرت عادتنا بتقريب الروائح الطيّبة منّا، فاستعير ذلك في الصوم؛ لتقريبه من اللَّه تعالى انتهى. فيكون المعنى: إن خلوف فم الصائم أطيب عند اللَّه من ريح المسك عندكم، أي إنه يقرب إليه أكثر من تقريب المسك إليكم، وذكر ابن عبد البرّ نحوه.
(الثاني): أن معناه أن اللَّه تعالى يجزيه في الآخرة حتى تكون نكهته أطيب من ريح المسك؛ كما يقال في المكلوم في سبيل اللَّه: "الريح ريح المسك". حكاه القاضي عياض.
(الثالث): أن المعنى أن صاحب الخُلُوف ينال من الثواب ما هو أفضل من ريح المسك عندنا، لا سيّما بالإضافة إلى الخلوف، وهما ضدّان. حكاه القاضى عياض أيضًا.
(الرابع): أن المعنى أنه يُعتدّ برائحة الخلوف، وتدّخر على ما هي عليه أكثر مما يعتدّ بريح المسك، وإن كانت عندنا بخلافه. حكاه القاضي عياض أيضًا.
(الخامس): أن المعنى أن الخلوف أكثر ثوابًا من المسك، حيث ندب إليه في الجُمَع والأعياد، ومجالس الحديث والذكر، وسائر مجامع الخير. قاله الداوديّ، وابن العربيّ، وصاحب "المفهم"، وبعض الشافعيّة، قال النوويّ: إنه الأصحّ.
(السادس): قال صاحب "المفهم": يحتمل أن يكون ذلك في حقّ الملائكة، يستطيبون ريح الخلوف أكثر مما يستطيبون ريح المسك. انتهى كلام وليّ الدين (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذه الأقوال كلها ساقطة، لا أثارة عليها من علم، بل هي مبنيّة على هواء الهوى الفاسد، والتشبيه المتخيّل الكاسد، وليس فيها عن السلف
стр. 11377
شيء، بل كلها جاءت عن متأخري الأشاعرة، ومن سار على دَرْبهم.
فإن اللَّه سبحانه حينما أنزل على رسول اللَّه ﷺ : "لخلوف فم الصائم أطيب عند اللَّه من ريح المسك" لم يأمره ببيان كونه من المتشابه، وأن ظاهره غير مراد، بل تأويله كذا وكذا، مع أنه تعالى هو الذي قال له: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية [النحل: ٤٤]، ولم يتعرّض النبيّ ﷺ حينما أخبر بهذا الخبر لبيان الإشكال المزعوم، ولا للجواب عنه، ولا الصحابة الكرام ﵃ الذين كانوا أعلم الناس بلغة العرب، وبمقاصد الشريعة بعد نبيهم ﷺ حينما سمعوا الحديث ما استشكلوه، ولا سألوا عن تأويله، وهكذا التابعون لهم بإحسان -رحمهم اللَّه تعالى-، سلكوا مسلكم، أفلا يسعنا ما وسعهم؟.
فيا أيها العقلاء، ويا أيها المنصفون الذين لم تنصبغ عقولهم بخيالات الفلاسفة، وأوهام المتكلمين: إن واجب كل مسلم إذا سمع شيئًا من النصوص، أن يتلقاه بالقبول، ولا يذهب به كلَّ مذهب تتخيّله نفسه، فإن هذه النصوص لم تأت إلا من العليم الحكيم الذي هو أعلم بما يجوز أن يُنسب إليه، وأن النبيّ ﷺ لا يقول إلا الحقّ، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤]
وخلاصة القول أن ما ثبت نسبته إلى اللَّه تعالى في كتابه العزيز، أو في حديث رسوله ﷺ الصحيح وجب قبوله، وإجراؤه على ظاهره على المعنى الذي أراده اللَّه تعالى، دون تشبيه ولا تمثيل، ولا تأويل، ولا تعطيل.
اللَّهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه من الحقّ بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): [إن قيل]: ما الحكمة في تحريم إزالة دم الشهيد مع أن رائحته مساوية لرائحة المسك، وعدمِ تحريم إزالة الخُلُوف مع كونه أطيب من ريح المسك؟.
قلت: ذكر الإمام جمال الدين الإسنويّ -رحمه اللَّه تعالى- في "المهمّات" خمسة أوجه من الأجوبة:
(أحدها): أن دم الشهيد حجة له على خصمه، وليس للصائم خصم، يَحتجّ عليه بالخلوف، إنما هو شاهد له بالصيام، وذلك محفوظ عند اللَّه، وملائكته.
(ثانيها): أن دم الشهيد حقّ له، فلا يُزال إلا بإذنه، وقد انقطع ذلك بموته، وقد كان له غسله في حياته، والخلوف حقّ للصائم، فلا حرج عليه في ترك حقّه، وإزالة ما يشهد له بالفضل.
стр. 11378
(ثالثها): أن كون رائحة دم الشهيد كرائحة المسك أمر حقيقيّ، وكون رائحة الخلوف أطيب من رائحة المسك أمر حكميّ، له تأويل يصرفه عن ظاهره في أكثر الأقوال المتقدِّم بيانها.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: التأويلات التي تقدّم بيانها غير صحيحة، كما تقدّم تحقيق ذلك، فلا تغفل.
(رابعها): أنه ورد النهي عن إزالة دم الشهيد مع وجوب إزالة الدم (١)، ومع وجوب غسل الميت، فما اغتفر ترك هذين الواجبين إلا لتحريم إزالته، فلذلك قلنا بتحريمه، ولم يَرِد ذلك في السواك، وإنما قيل بالاستنباط.
(خامسها): أنه عارض ذلك في خلوف الصائم بقاء الحياة، وهي محلّ التكليف، والعبادات، وملاقات البشر، فأمكن أن يُزال الخلوف لما عارضه، بخلاف دم الشهيد، فإنه بخلاف ذلك انتهى منقولاً من "طرح التثريب" بتصرّف (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الجواب الأول عندي هو الأقرب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢١٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ, عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ, قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: «قَالَ اللَّهُ: "الصَّوْمُ لِي, وَأَنَا أَجْزِى بِهِ, وَلِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ حِينَ يَلْقَى رَبَّهُ, وَفَرْحَةٌ عِنْدَ إِفْطَارِهِ (٣) , وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ, أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ, مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير مرّة، و"أبو الأحوص": هو عوف بن مالك بن نَضْلَة الْجُشَميّ الكوفيّ، ثقة مشهور بكنيته [٣] ٥٠/ ٨٤٩.
و"عبد اللَّه": هو ابن مسعود ﵁.
والحديث موقوف صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وتقدم تمام الكلام عليه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
стр. 11379
٤٢ - (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى أَبِي صَالِح فِي هَذَا الْحَدِيثِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه الاختلاف المذكور أن أبا سِنَان رواه عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدريّ ﵁، وخالفه جماعة، فرووه عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁، وهم: المنذر بن عُبيد، والأعمش، وعطاء بن أبي رباح --رحمهم اللَّه تعالى--.
لكن مثل هذا الاختلاف لا يضرّ بصحة الحديث، لإمكان الجمع بأن أبا صالح سمعه من أبي سعيد الخدريّ، وأبي هريرة، ﵄، ولذا أخرجه الإمام مسلم -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" من طريق أبي سنان، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، وأبي سعيد ﵄ جميعًا، قالا: قال رسول اللَّه ﷺ "إن اللَّه يقول: إن الصوم لي … " الحديث.
وقد روى الحديث أيضًا سعيد بنُ المسيّب، عن أبي هريرة ﵁، كما سيأتي للمصنف -رحمه اللَّه تعالى- برقم -٢٢١٨ و ٢٢١٩ - واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٢١٣ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سِنَانٍ, ضِرَارُ بْنُ مُرَّةَ, عَنْ أَبِي صَالِحٍ, عَنْ أَبِي سَعِيدٍ, قَالَ: قَالَ: النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ ﵎, يَقُولُ: الصَّوْمُ لِي, وَأَنَا أَجْزِي بِهِ, وَلِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ, إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ, وَإِذَا لَقِيَ اللَّهَ, فَجَزَاهُ فَرِحَ, وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ, لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ, أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ, مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ»).
قالَ الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا، إلا شيخه، فإنه من أفراده، وهو:
١ - (عليّ بن حرب) بن محمد بن عليّ بن حَيّان بن مازن الطائيّ، أبو الحسن الموصليّ صدوق فاضل، من صغار [١٠].
قال النسائيّ: صالح. وقال ابن أبي حاتم: كتبت عنه مع أبي، وسُئل أبي عنه؟ فقال: صدوق. وقال الدارقطنيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال مسلمة بن قاسم: كان ثقة، حدّثنا عنه غير واحد. وقال الخطيب: كان ثقة ثبتًا. وقال ابن السمعانيّ: كان صدوقًا. وقال أبو زكريا الأزديّ في "تاريخ الموصل": رحل مع أبيه، فسمع، وصنّف حديثه، وكان عالمًا بأخبار العرب أديبًا شاعرًا، وفد على المعتزّ سنة (٢٥٤) بسُرَّ مَنْ رأى، فكتب عنه الحديث بخطّه، وأحضره الطعام، وكتب له بضياع،
стр. 11380
ولم يزل ذلك جاريًا إلى أيام المعتضد، وكان مولده على ما أخبر به بعض ولده سنة (١٧٠)، وتوفّي في شوّال سنة (٢٦٥) وفيها أرّخه غير واحد. وقال بعضهم: وله (٩٢) سنة. وقال ابن قانع: مات سنة (٦٦) وقال الخطيب: والأول أصحّ. تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط. والباقون تقدّموا غير مرّة.
و"أبو سِنَان، ضِرَار بن مُرّة": هو أبو سنان الشيباني الأكبر (١)، ثقة ثبت [٦] ١٠٠/ ٢٠٣٢.
و"أبو صالح": ذكوان السمّان الزيات المدنيّ.
و"أبو سعيد": هو سعد بن مالك بن سنان الخدريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄. والحديث أخرجه (م) في "الصيام" ١٢٧٠٢. وأخرجه المصنّف هنا - ٤٢/ ٢٢١٣ - وفي "الكبرى" ٤٢/ ٢٥٢٣ - و (أحمد) ١٠٥٨٦ و ١٠٩٣٢. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢١٤ - (أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ, عَنِ ابْنِ وَهْبٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو, أَنَّ الْمُنْذِرَ بْنَ عُبَيْدٍ حَدَّثَهُ, عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «الصِّيَامُ لِي, وَأَنَا أَجْزِي بِهِ, وَالصَّائِمُ يَفْرَحُ مَرَّتَيْنِ: عِنْدَ فِطْرِهِ, وَيَوْمَ يَلْقَى اللَّهَ (٢) , وَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ, أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ, مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ»).
قالَ الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غيرَ شيخه سليمان بن داود الْمَهْرِيِّ، ابن أخي رِشْدِين بن سعد، فإنه من أفراده، وأفراد أبي داود، وهو ثقة، وغيرَ:
١ - (المنذر بن عُبيد) المدنيّ، ذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن القطّان: مجهول الحال (٣). وقال في "ت": مقبول، من السادسة. فإنه من أفراد المصنّف، له عنده حديثان فقط: هذا، وحديث ٤٦٠٦ في البيوع.
و"عمرو": هو ابن الحارث المصري الثقة الثبت.