صفات الحيوان الذي له طبائع تميل إلى شيء، فتستطيبه، وتنفر من شيء، فتتقذّره (١)، على أقوال:
(أحدها): قال المازريّ: هو مجاز، واستعارة؛ لأنه جرت عادتنا بتقريب الروائح الطيّبة منّا، فاستعير ذلك في الصوم؛ لتقريبه من اللَّه تعالى انتهى. فيكون المعنى: إن خلوف فم الصائم أطيب عند اللَّه من ريح المسك عندكم، أي إنه يقرب إليه أكثر من تقريب المسك إليكم، وذكر ابن عبد البرّ نحوه.
(الثاني): أن معناه أن اللَّه تعالى يجزيه في الآخرة حتى تكون نكهته أطيب من ريح المسك؛ كما يقال في المكلوم في سبيل اللَّه: "الريح ريح المسك". حكاه القاضي عياض.
(الثالث): أن المعنى أن صاحب الخُلُوف ينال من الثواب ما هو أفضل من ريح المسك عندنا، لا سيّما بالإضافة إلى الخلوف، وهما ضدّان. حكاه القاضى عياض أيضًا.
(الرابع): أن المعنى أنه يُعتدّ برائحة الخلوف، وتدّخر على ما هي عليه أكثر مما يعتدّ بريح المسك، وإن كانت عندنا بخلافه. حكاه القاضي عياض أيضًا.
(الخامس): أن المعنى أن الخلوف أكثر ثوابًا من المسك، حيث ندب إليه في الجُمَع والأعياد، ومجالس الحديث والذكر، وسائر مجامع الخير. قاله الداوديّ، وابن العربيّ، وصاحب "المفهم"، وبعض الشافعيّة، قال النوويّ: إنه الأصحّ.
(السادس): قال صاحب "المفهم": يحتمل أن يكون ذلك في حقّ الملائكة، يستطيبون ريح الخلوف أكثر مما يستطيبون ريح المسك. انتهى كلام وليّ الدين (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذه الأقوال كلها ساقطة، لا أثارة عليها من علم، بل هي مبنيّة على هواء الهوى الفاسد، والتشبيه المتخيّل الكاسد، وليس فيها عن السلف
стр. 11377
شيء، بل كلها جاءت عن متأخري الأشاعرة، ومن سار على دَرْبهم.
فإن اللَّه سبحانه حينما أنزل على رسول اللَّه ﷺ : "لخلوف فم الصائم أطيب عند اللَّه من ريح المسك" لم يأمره ببيان كونه من المتشابه، وأن ظاهره غير مراد، بل تأويله كذا وكذا، مع أنه تعالى هو الذي قال له: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية [النحل: ٤٤]، ولم يتعرّض النبيّ ﷺ حينما أخبر بهذا الخبر لبيان الإشكال المزعوم، ولا للجواب عنه، ولا الصحابة الكرام ﵃ الذين كانوا أعلم الناس بلغة العرب، وبمقاصد الشريعة بعد نبيهم ﷺ حينما سمعوا الحديث ما استشكلوه، ولا سألوا عن تأويله، وهكذا التابعون لهم بإحسان -رحمهم اللَّه تعالى-، سلكوا مسلكم، أفلا يسعنا ما وسعهم؟.
فيا أيها العقلاء، ويا أيها المنصفون الذين لم تنصبغ عقولهم بخيالات الفلاسفة، وأوهام المتكلمين: إن واجب كل مسلم إذا سمع شيئًا من النصوص، أن يتلقاه بالقبول، ولا يذهب به كلَّ مذهب تتخيّله نفسه، فإن هذه النصوص لم تأت إلا من العليم الحكيم الذي هو أعلم بما يجوز أن يُنسب إليه، وأن النبيّ ﷺ لا يقول إلا الحقّ، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤]
وخلاصة القول أن ما ثبت نسبته إلى اللَّه تعالى في كتابه العزيز، أو في حديث رسوله ﷺ الصحيح وجب قبوله، وإجراؤه على ظاهره على المعنى الذي أراده اللَّه تعالى، دون تشبيه ولا تمثيل، ولا تأويل، ولا تعطيل.
اللَّهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه من الحقّ بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): [إن قيل]: ما الحكمة في تحريم إزالة دم الشهيد مع أن رائحته مساوية لرائحة المسك، وعدمِ تحريم إزالة الخُلُوف مع كونه أطيب من ريح المسك؟.
قلت: ذكر الإمام جمال الدين الإسنويّ -رحمه اللَّه تعالى- في "المهمّات" خمسة أوجه من الأجوبة:
(أحدها): أن دم الشهيد حجة له على خصمه، وليس للصائم خصم، يَحتجّ عليه بالخلوف، إنما هو شاهد له بالصيام، وذلك محفوظ عند اللَّه، وملائكته.
(ثانيها): أن دم الشهيد حقّ له، فلا يُزال إلا بإذنه، وقد انقطع ذلك بموته، وقد كان له غسله في حياته، والخلوف حقّ للصائم، فلا حرج عليه في ترك حقّه، وإزالة ما يشهد له بالفضل.
стр. 11378
(ثالثها): أن كون رائحة دم الشهيد كرائحة المسك أمر حقيقيّ، وكون رائحة الخلوف أطيب من رائحة المسك أمر حكميّ، له تأويل يصرفه عن ظاهره في أكثر الأقوال المتقدِّم بيانها.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: التأويلات التي تقدّم بيانها غير صحيحة، كما تقدّم تحقيق ذلك، فلا تغفل.
(رابعها): أنه ورد النهي عن إزالة دم الشهيد مع وجوب إزالة الدم (١)، ومع وجوب غسل الميت، فما اغتفر ترك هذين الواجبين إلا لتحريم إزالته، فلذلك قلنا بتحريمه، ولم يَرِد ذلك في السواك، وإنما قيل بالاستنباط.
(خامسها): أنه عارض ذلك في خلوف الصائم بقاء الحياة، وهي محلّ التكليف، والعبادات، وملاقات البشر، فأمكن أن يُزال الخلوف لما عارضه، بخلاف دم الشهيد، فإنه بخلاف ذلك انتهى منقولاً من "طرح التثريب" بتصرّف (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الجواب الأول عندي هو الأقرب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢١٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ, عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ, قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: «قَالَ اللَّهُ: "الصَّوْمُ لِي, وَأَنَا أَجْزِى بِهِ, وَلِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ حِينَ يَلْقَى رَبَّهُ, وَفَرْحَةٌ عِنْدَ إِفْطَارِهِ (٣) , وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ, أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ, مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير مرّة، و"أبو الأحوص": هو عوف بن مالك بن نَضْلَة الْجُشَميّ الكوفيّ، ثقة مشهور بكنيته [٣] ٥٠/ ٨٤٩.
و"عبد اللَّه": هو ابن مسعود ﵁.
والحديث موقوف صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وتقدم تمام الكلام عليه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
стр. 11379
٤٢ - (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى أَبِي صَالِح فِي هَذَا الْحَدِيثِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه الاختلاف المذكور أن أبا سِنَان رواه عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدريّ ﵁، وخالفه جماعة، فرووه عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁، وهم: المنذر بن عُبيد، والأعمش، وعطاء بن أبي رباح --رحمهم اللَّه تعالى--.
لكن مثل هذا الاختلاف لا يضرّ بصحة الحديث، لإمكان الجمع بأن أبا صالح سمعه من أبي سعيد الخدريّ، وأبي هريرة، ﵄، ولذا أخرجه الإمام مسلم -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" من طريق أبي سنان، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، وأبي سعيد ﵄ جميعًا، قالا: قال رسول اللَّه ﷺ "إن اللَّه يقول: إن الصوم لي … " الحديث.
وقد روى الحديث أيضًا سعيد بنُ المسيّب، عن أبي هريرة ﵁، كما سيأتي للمصنف -رحمه اللَّه تعالى- برقم -٢٢١٨ و ٢٢١٩ - واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٢١٣ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سِنَانٍ, ضِرَارُ بْنُ مُرَّةَ, عَنْ أَبِي صَالِحٍ, عَنْ أَبِي سَعِيدٍ, قَالَ: قَالَ: النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ ﵎, يَقُولُ: الصَّوْمُ لِي, وَأَنَا أَجْزِي بِهِ, وَلِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ, إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ, وَإِذَا لَقِيَ اللَّهَ, فَجَزَاهُ فَرِحَ, وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ, لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ, أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ, مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ»).
قالَ الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا، إلا شيخه، فإنه من أفراده، وهو:
١ - (عليّ بن حرب) بن محمد بن عليّ بن حَيّان بن مازن الطائيّ، أبو الحسن الموصليّ صدوق فاضل، من صغار [١٠].
قال النسائيّ: صالح. وقال ابن أبي حاتم: كتبت عنه مع أبي، وسُئل أبي عنه؟ فقال: صدوق. وقال الدارقطنيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال مسلمة بن قاسم: كان ثقة، حدّثنا عنه غير واحد. وقال الخطيب: كان ثقة ثبتًا. وقال ابن السمعانيّ: كان صدوقًا. وقال أبو زكريا الأزديّ في "تاريخ الموصل": رحل مع أبيه، فسمع، وصنّف حديثه، وكان عالمًا بأخبار العرب أديبًا شاعرًا، وفد على المعتزّ سنة (٢٥٤) بسُرَّ مَنْ رأى، فكتب عنه الحديث بخطّه، وأحضره الطعام، وكتب له بضياع،
стр. 11380
ولم يزل ذلك جاريًا إلى أيام المعتضد، وكان مولده على ما أخبر به بعض ولده سنة (١٧٠)، وتوفّي في شوّال سنة (٢٦٥) وفيها أرّخه غير واحد. وقال بعضهم: وله (٩٢) سنة. وقال ابن قانع: مات سنة (٦٦) وقال الخطيب: والأول أصحّ. تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط. والباقون تقدّموا غير مرّة.
و"أبو سِنَان، ضِرَار بن مُرّة": هو أبو سنان الشيباني الأكبر (١)، ثقة ثبت [٦] ١٠٠/ ٢٠٣٢.
و"أبو صالح": ذكوان السمّان الزيات المدنيّ.
و"أبو سعيد": هو سعد بن مالك بن سنان الخدريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄. والحديث أخرجه (م) في "الصيام" ١٢٧٠٢. وأخرجه المصنّف هنا - ٤٢/ ٢٢١٣ - وفي "الكبرى" ٤٢/ ٢٥٢٣ - و (أحمد) ١٠٥٨٦ و ١٠٩٣٢. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢١٤ - (أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ, عَنِ ابْنِ وَهْبٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو, أَنَّ الْمُنْذِرَ بْنَ عُبَيْدٍ حَدَّثَهُ, عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «الصِّيَامُ لِي, وَأَنَا أَجْزِي بِهِ, وَالصَّائِمُ يَفْرَحُ مَرَّتَيْنِ: عِنْدَ فِطْرِهِ, وَيَوْمَ يَلْقَى اللَّهَ (٢) , وَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ, أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ, مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ»).
قالَ الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غيرَ شيخه سليمان بن داود الْمَهْرِيِّ، ابن أخي رِشْدِين بن سعد، فإنه من أفراده، وأفراد أبي داود، وهو ثقة، وغيرَ:
١ - (المنذر بن عُبيد) المدنيّ، ذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن القطّان: مجهول الحال (٣). وقال في "ت": مقبول، من السادسة. فإنه من أفراد المصنّف، له عنده حديثان فقط: هذا، وحديث ٤٦٠٦ في البيوع.
و"عمرو": هو ابن الحارث المصري الثقة الثبت.
стр. 11381
والحديث متفق عليه، وأخرجه المصنّف هنا -٤٢/ ٢٢١٤ و٢٢١٥و ٢٢١٦ و ٢٢١٧ و ٢٢١٨ و ٢٢١٩ - وفي "الكبرى" ٤٢/ ٢٥٢٤ و ٢٥٢٥ و ٢٥٢٦ و ٢٥٢٧ و ٢٥٢٨ و ٢٥٢٩. وأخرجه (خ) في "الصوم" ١٧٦١ و ١٧٧١ و ١٩٤١ (م) في "الصيام" ٢٧٠٠ و ٢٧٠١ و ٢٧٠٢ (د) في "الصوم" ٢٠١٦ (ق) في "الصيام" ١٦٢٨ (الموطأ) في "الصيام" ٦٠٢ و ٦٠٣ (أحمد) ٧١٧٩ و ٧٢٨٩ و ٧٣٦٨. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢١٥ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا جَرِيرٌ, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنْ أَبِي صَالِحٍ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «مَا مِنْ حَسَنَةٍ, عَمِلَهَا (١) ابْنُ آدَمَ, إِلاَّ كُتِبَ لَهُ, عَشْرُ حَسَنَاتٍ, إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ, قَالَ اللَّهُ : إِلاَّ الصِّيَامَ, فَإِنَّهُ لِي, وَأَنَا أَجْزِي بِهِ, يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ, مِنْ أَجْلِي, الصِّيَامُ جُنَّةٌ, لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ, فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ, وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ, وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ, أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ, مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة، وشيخه هو ابن راهويه، و"جرير": هو ابن عبد الحميد.
وقوله: "يدع شهوته الخ" تعليل لاختصاصه بعظيم الجزاء. وعطف: "طعامه" من عطف الخاصّ على العامّ، فإن الشهوة تشمل الطعام وغيره. وفي رواية ابن خزيمة رقم -١٨٩٧ - من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه: "يدع الطعام، ويدع الشراب من أجلي، ويدع لذّته من أجلي، ويدع زوجته من أجلي". وعند الحافظ سمويه في "فوائده" من طريق المسيّب بن رافع، عن أبي صالح: "يترك شهوته، من الطعام، والشراب، والجماع من أجلي".
ووقع بأداة الحصر في رواية أحمد، ولفظه: "يقول اللَّه : إنما يذر شهوته الخ"، وكذا عند سعيد بن منصور، ولفظه: "يقول اللَّه : كلّ عمل ابن آدم هو له، إلا الصيام، فهو لي، وأنا أجزي به، وإنما يذر ابن آدم شهوته، وطعامه من أجلي" الحديث.
قال في "الفتح": وقد يفهم من الإتيان بصيغة الحصر في قوله: "إنما يذر الخ" التنبيه على الجهة التي يستحقّ الصائم ذلك، وهو الإخلاص الخاصّ به، حتى لو كان ترك المذكورات لغرض آخر كالتُّخَمَة لا يحصل للصائم الفضل المذكور، لكن المدار في هذه الأشياء على الداعي القويّ الذي يدور معه الفعل وجودًا وعدمًا، ولا شكّ أن من لم يَعْرِض في خاطره شهوة شيء من الأشياء طول نهاره إلى أن أفطر ليس هو في الفضل
стр. 11382
كمن عرض له ذلك، فجاهد نفسه في تركه.
وتمام شرح الحديث يأتي في الذي بعده، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢١٦ - (أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ, عَنْ حَجَّاجٍ, قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ, عَنْ أَبِي صَالِحٍ الزَّيَّاتِ, أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ, يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ, إِلاَّ الصِّيَامَ, هُوَ لِي, وَأَنَا أَجْزِي بِهِ, وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ, إِذَا كَانَ يَوْمُ صِيَامِ أَحَدِكُمْ, فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ, فَإِنْ شَاتَمَهُ أَحَدٌ, أَوْ قَاتَلَهُ, فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ, وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ, لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ, أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ, يَوْمَ الْقِيَامَةِ, مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ, لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا, إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ, وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ , فَرِحَ بِصَوْمِهِ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إبراهيم بن الحسن) بن الْهَيْثَم الْخَثْعَميّ، أبو إسحاق المصّيصيّ الْمِقْسَميّ، ثقة [١١] ٥١/ ٦٤.
١٢ - (حجّاج) بن محمد الأعور، أبو محمد الْمِصّيصيّ، ترمذيّ الأصل، نزيل بغداد، ثم المصّيصّة، ثقة ثبت، لكنه اختلط بآخره بعد دخوله بغداد [٩] ٢٨/ ٣٢.
٣ - (ابن جريج) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقة فقيه فاضل، يُدلّس [٦] ٢٨/ ٣٢.
٤ - (عطاء) بن أبي رباح أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقة فقيه فاضل كثير الإرسال [٣] ١١٢/ ١٥٤.
٥ - (أبو صالح الزيّات) هو ذكوان السمّان المدنيّ، ثقة ثبت [٣] ٣٦/ ٤٠.
٦ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد انفرد به هو، وأبو داود. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وهو من رواية الأقران، وفيه أبو هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبي صَالِحٍ الزَّيَّاتِ) -رحمه اللَّه تعالى- (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، إِلاَّ الصَّيَامَ، هُوَ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ) تقدّم شرحه
стр. 11383
في الباب الماضي (وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ) الجُنّة -بضمّ الجيم-: السُّتْرَة، ومنه الْمِجَنّ، وهو الترس. زاد سعيد بن منصور، عن مغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁: "جنة من النار"، وسيأتي للمصنّف مثله برقم -٤٣/ ٢٢٣١ - من حديث عائشة ﵂، ومن حديث عثمان بن أبي العاص ﵁ برقم -٤٣/ ٢٢٣١ - بلفظ: "الصوم جنّة من النار، كجنة أحدكم من القتال". ولأحمد من طريق أبي يونس، عن أبي هريرة: "جنة، وحصن حصين من النار". وللمصنّف من حديث أبي عُبيدة بن الجراح ﵁ رقم-٤٣/ ٢٢٣٣ - الصوم جنّة، ما لم يَخْرِقها". زاد الدارميّ: "بالغيبة" (١). وبذلك ترجم له هو، وأبو داود.
و"الجنُة":-بضمّ الجيم-: الوقاية والستر. وقد تبيّن بهذه الروايات متعلّق هذا الستر، وأنه "من النار". وبهذا جزم ابن عبد البرّ.
وأما صاحب "النهاية"، فقال: معنى كونه جُنّةً: أي يقي صاحبه ما يؤذيه من الشهوات.
وقال القرطبيّ: جنة: أي سترة، يعني بحسب مشروعيّته، فينبغي للصائم أن يصونه مما يُفسده، وينقص ثوابه، وإليه الإشارة بقوله: "فإذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث الخ"، ويصحّ أن يراد أنه سترة بحسب فائدته، وهو إضعاف شهوات النفس، وإليه الإشارة بقوله: "يَدَعُ شهوته الخ"، ويصحّ أن يراد أنه سترة بحسب ما يحصل من الثواب، وتضعيف الحسنات.
وقال عياض في "الإكمال": معناه سترة من الآثام، أو من النار، أو من جميع ذلك، وبالأخير جزم النوويّ. وقال ابن العربيّ: إنما كان الصوم جنة من النار؛ لأنه إمساك عن الشهوات، والنار محفوفة بالشهوات.
فالحاصل أنه إذا كف نفسه عن الشهوات في الدنيا كان ذلك ساترًا له من النار في الآخرة.
وفي زيادة أبي عبيدة بن الجرّاح ﵁ إشارة إلى أن الغيبة تضرّ بالصيام، وقد حُكي عن عائشة، وبه قال الأوزاعيّ أن الغيبة تفطّر الصائم، وتوجب عليه قضاء ذلك اليوم. قال الحافظ: وأفرط ابن حزم، فقال: يبطله كلّ معصية من متعمّد لها ذاكر لصومه، سواء كانت فعلاً، أو قولاً؛ لعموم قوله: "فلا يرفث، ولا يجهل"، ولقوله: في الحديث الآخر: "من لم يدع قول الزور، والعمل به، فليس للَّه حاجة في أن يدع طعامه وشرابه".
стр. 11384
والجمهور، وإن حملوا النهي على التحريم إلا أنهم خصّوا الفطر بالأكل والشرب والجماع.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: دعوى الحافظ على ما قاله ابن حزم بالإفراط غير صحيحة، كيف يقال لمن قال بما اقتضاه ظواهر النصوص: إنه أفرط؟، بل هذا هو الإفراط نفسه، فما قاله ابن حزم هو الظاهر، وقد تقدّم قريبًا النقل عن عائشة، والأوزاعيّ أن الغيبة تفطر الصائم، فلم لم يعترض عليهما؟، مع أن الجمهور لا يرون ذلك أيضًا.
والحاصل أن مذهب الجمهور هو الذي يحتاج إلى دليل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
وأشار ابن عبد البرّ إلى ترجيح الصيام على غيره من العبادات، فقال: حسبك يكون الصوم جُنّة من النار فضلاً. وسيأتي للمصنف رقم ٤٣/ ٢٢٢٠ - بسند صحيح عن أبي أمامة ﵁، قال: قلت: يا رسول اللَّه مُرْني بأمر آخذه عنك، قال: "عليك بالصوم، فإنه لا مثل له". وفي لفظ: "لا عدل له". والمشهور عند الجمهور ترجيح الصلاة (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما ذهب إليه الجمهور يؤيّده ما أخرجه أحمد، وابن ماجه، والدارميّ بأسانيد صحيحة، عن ثوبان ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "استقيموا، ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن". واللَّه تعالى أعلم.
(إِذَا كَانَ يَوْمُ صِيَامِ أَحَدِكُمْ) "كان" هنا تامّة، و"يومُ" مرفوع على الفاعليّة، ويحتمل أن تكون ناقصة، واسمها "الوقت" مقدّرًا، و"يوم" بالنصب خبرها.
(فَلَا يَرْفُثْ) بضم الفاء، وكسرها، ويجوز في ماضيه التثليث، والمراد بالرفث هنا - وهو بفتح الراء والفاء، ثمّ المثلثة-: الكلام الفاحش، وهو يطلق على هذا، وعلى الجماع، وعلى مقدّماته، وعلى ذكره مع النساء، أو مطلقًا، ويحتمل أن يكون لما هو أعمّ منها. قاله في "الفتح" (وَلَا يَصْخَبْ) أي لا يَرفع صوته، ولا يَغضب على أحد.
وقال في "الفتح": قوله: "ولا يصخب" كذا للأكثر بالمهملة الساكنة، بعدها خاء معجمة، ولبعضهم: بالسين بدل الصاد، وهو بمعناه، والصخب الخصام والصياح، والمراد بالنهي عن ذلك تأكيده حالة الصوم، وإلا فغير الصائم منهيّ عن ذلك أيضًا انتهى.
стр. 11385
وفي رواية للبخاريّ: "فلا يرفث، ولا يجهل" وهو أعمّ من الأول: أي لا يفعل شيئًا من أفعال أهل الجهل، كالصياح، والسَّفَه، ونحو ذلك. ولسعيد بن منصور من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه: "فلا يرفث، ولا يُجادل". قال القرطبيّ: لا يفهم من هذا أن غير يوم الصوم يباح فيه ما ذُكر، وإنما المراد أن المنع من ذلك يتأكّد بالصوم. انتهى.
(فَإِنْ شَاتَمَهُ أَحَدٌ، أَوْ قَاتَلَهُ) وفي رواية للبخاريّ: "فإن سابّه أحد، أو قاتله"، وفي رواية له من طريق الأعرج عن أبي هريرة ﵁: "وإن امرؤ قاتله، أو شاتمه … "، ولأبي قُرّة من طريق سهيل، عن أبيه:"وإن شتمه إنسان، فلا يكلّمه"، ونحوه في رواية هشام، عن أبي هريرة، عند أحمد، ولسعيد بن منصور من طريق سهيل: "فإن سابّه أحد، أو ما راه"، أي جادله، ولابن خزيمة من طريق عجلان مولى الْمُشْمَعِلِّ، عن أبي هريرة: "لا تُسابّ، وأنت صائم، فإن سبّك أحد، فقل: إني صائم، وإن كنت قائمًا فاجلس" (١)، وللمصنّف من حديث عائشة ﵂ الآتي -٤٣/ ٢٢٣٤ - "وإن امرؤ جهل عليه، فلا يشتمه، ولا يسبّه" (فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ) أي فليعتذر عنده من عدم المقابلة بأن حاله لا يساعد المقابلة بمثله، أو فليذكر في نفسه أنه صائم؛ ليمنعه ذلك عن المقابلة بمثله. قاله السنديّ (٢).
وقال في "الفتح": واتفقت الروايات على أنه يقول: "إني صائم"، فمنهم من ذكرها مرتين، ومنهم من اقتصر على واحدة.
وقد استُشكل ظاهره بأن المفاعلة تقتضي وقوع الفعل من الجانبين، والصائم لا تصدر منه الأفعال التي رتّب عليها الجواب، خصوصًا المقاتلة.
والجواب عن ذلك أن المراد بالمفاعلة التهيّؤ لها، أي إن تهيّأ لمقاتلته، أو مشاتمته، فليقل: إني صائم، فإنه إذا قال ذلك أمكن أن يكفّ عنه، فإن أصرّ دَفَعه بالأخفّ، فالأخفّ، كالصائل. هذا فيمن يروم مقاتلته حقيقة، فإن كان المراد بقوله: "قاتله" شاتمه؛ لأن القتل يطلق على اللعن، واللعنُ من جملة السبّ -ويؤيّده ما تقدّم من الألفاظ المختلفة، فإن حاصلها يرجع إلى الشتم- فالمراد من الحديث أنه لا يعامله بمثل عمله، بل يقتصر على قوله: "إني صائم".
واختُلف في المراد بقوله: "فليقل: إني صائم"، هل يخاطب بها الذي يكلّمه بذلك،
стр. 11386
أو يقولها في نفسه؟. وبالثاني جزم المتوليّ، ونقله الرافعي عن الأئمة، ورجح النوويّ الأول في "الأذكار"، وقال في "شرح المهذّب": كل منهما حسن، والقول باللسان أقوى، ولو جمعهما لكان حسنًا، ولهذا التردّد أَتَى البخاريُّ، في ترجمته، فقال: "باب هل يقول: إني صائم إذا شُتِم". وقال الرويانيّ: إن كان رمضان فليقل بلسانه، وإن كان غيره في نفسه. وادعى ابن العربيّ أن موضع الخلاف في التطوّع، وأما في الفرض فيقوله بلسانه قطعًا.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أنه يقوله بلسانه مطلقًا؛ لإطلاق النصّ، فإنه لم يفرّق بين فرض وتطوّع. واللَّه تعالى أعلم.
قال: وأما تكرير قوله: "إني صائم"، فليتأكّد الانزجار منه، أو ممن يخاطبه بذلك. ونقل الزركشيّ أن المراد بقوله: "فليقل: إني صائم مرتين" يقوله مرّة بقلبه، ومرّة بلسانه، فيستفيد بقوله بقلبه كفّ لسانه عن خصمه، وبقوله بلسانه كفّ خصمه عنه.
وتُعقّب بأن القول حقيقة باللسان. وأجيب بأنه لا يمنع المجاز.
(وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ) أقسم على ذلك تأكيدًا (لَخُلْوفُ فَمِ الصَّائِمِ، أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّه، يَوْمَ الْقِيامَةِ، مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، لِلصّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا، إِذَاَ أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ) أي لتمام صومه، وزوال جوعه وعطشه (وَإِذَا لَقَيَ رَبَّهُ ، فَرِحَ بِصَوْمِهِ") أي لما يراه من عظيم ثوابه. واللَّه تعالى أعلم.
والحديث متّفق عليه، وقد تقدّم تخريجه قبل حديث. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢١٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا سُوَيْدٌ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ, عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ الزَّيَّاتُ, أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ, يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «قَالَ اللَّهُ : كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ, إِلاَّ الصِّيَامَ, هُوَ لِي, وَأَنَا أَجْزِي بِهِ, الصِّيَامُ جُنَّةٌ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ فَإِنْ شَاتَمَهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ, فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ, وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ, لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ, أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ, مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ». وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال، هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وهو مروزيّ ثقة [١٢] ٦٦/ ١٨٠٠. وغير "سُوَيد" بن نصر المروزيّ، فقد انفرد به هو، والترمذيّ، وهو أيضًا ثقة [١٠] ٤٥/ ٥٥.
و"عبد اللَّه": هو ابن المبارك الإمام المشهور.
стр. 11387
وقوله: "عن عطاء الزيّات" هكذا في رواية ابن المبارك في "المجتبى"، و"الكبرى": "عطاء الزيّات"، والصواب "أبو صالح الزيّات"، وهو المذكور في السند الماضي.
فقد نقل الحافظ أبو الحجّاج المزّيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "تحفة الأشراف" ج ٩ ص٤٤٠ عن المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بعد قوله: عن عطاء الزيات الخ: ما نصّه: وقال: ابن المبارك أجلّ وأعلى، وحديث حجاج -يعني ما تقدّم في السند الماضي- أولى بالصواب انتهى.
ومعنى كلامه أن ابن المبارك، وإن كان أجلّ وأعلى حفظًا، وإتقانًا لكنه هنا أخطأ، فالصواب أنه أبو صالح الزيّات، لا عطاء الزيّات (١).
وقال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- في "تهذيب التهذيب" جـ٣ ص ١١٢ - : (س) عطاء الزيات عن أبي هريرة، وعنه ابن جريج، قاله ابن المبارك، عن ابن جريج، وقال حجاج ابن محمد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن أبي صالح الزيّات، عن أبي هريرة، وهو الصواب. قاله النسائيّ في "السنن"، قال: وابن المبارك أجلّ وأعلى، وحديث حجاج أولى بالصواب، ولكن لا بدّ من الغلط. قال ابن مهديّ: الذي يُبّرِّىء نفسه من الغلط مجنون.
فرجح النسائيّ أنه عطاء بن أبي رباح، يرويه عن أبي صالح السمّان، وهو الزيات المذكور انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الكلام الذي نقله في "تحفة الأشراف"، و"تهذيب الكمال" عن المصنّف لم أره في "السنن"، لا في "المجتبى"، ولا في "الكبرى"، ولعله لاختلاف النسخ، أو ذكره في محلّ آخر.
والحديث متّفق عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله: (وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ) هكذا وقع في النسخة الهندية من "المجتبى"، وهو الصواب، فقوله: "رَوَى" بالبناء للفاعل، وقوله: "هذا الحديثَ" بالنصب، مفعول مقدّم، وقوله: "عن أبي هريرة" متعلّق بـ"روى"، وقوله: "سعيدُ بنُ المسيب" بالرفع فاعل مؤخّر.
وأما ما وقع في النسخ المطبوعة من "المجتبى" بلفظ:"وقد رُوي هذا الحديثُ عن
стр. 11388
أبي هريرة، وسعيدِ بن المسيّب" مضبوطًا ضبط قلم ببناء الفعل للمفعول، ورفع قوله: "هذا الحديثُ" على أنه نائب فاعله، وإدخال العاطف على"سعيد بن المسيّب"، وجرّه بالعطف على أبي هريرة فتصحيف فاحش، فتنبّه.
ووقع أيضًا تصحيف آخر في "الكبرى" ولفظه: قال أبو عبد الرحمن: "وقد روي هذا الحديث عن أبي سعيد بن المسيّب" انتهى. فحذف المضاف إليه من "أبي هريرة"، والصواب: "وقد رَوَى هذا الحديث عن أبي هريرة، سعيدُ بن المسيّب"، فتفطّن.
وحاصل معنى كلام المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- أن هذا الحديث كما رواه أبو صالح، عن أبي هريرة ﵁، في الأسانيد السابقة، فقد رواه سعيد بن المسيّب عنه أيضًا، كما سيأتي في الأسانيد التالية. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
ثم بين رواية سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة ﵁، فقال:
٢٢١٨ - (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ,, قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ, أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ, قَالَ: (١): سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَقُولُ: «قَالَ: اللَّهُ : "كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ, إِلاَّ الصِّيَامَ, هُوَ لِي, وَأَنَا أَجْزِي بِهِ, وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ, لَخِلْفَةُ (٢) فَمِ الصَّائِمِ, أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ").
رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فلم يخرّج له الشيخان، ولا أحدهما، وهو مصريّ ثقة.
وقوله: "لَخِلْفَة فم الصائم" -بكسر الخاء المعجمة، وسكون اللام-كما تفيده عبارة "اللسان"، بمعنى الْخُلُوف: وهو تغيّر رائحته.
والحديث أخرجه مسلم في "صحيحه" من رواية حرملة بن يحيى التُّجِيبيّ، عن ابن وهب بسند المصنّف. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢١٩ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ, عَنْ عَمْرٍو, عَنْ بُكَيْرٍ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «كُلُّ حَسَنَةٍ, يَعْمَلُهَا ابْنُ آدَمَ, فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا, إِلاَّ الصِّيَامَ, لِي, وَأَنَا أَجْزِي بِهِ»).
رجال هذا الإسناد:
رجال الصحيح و"عمرو": هو ابن الحارث المصريّ الثقة الثبت [٧] ٦٣/ ٧٩.
стр. 11389
و"بكير": هو ابن عبد اللَّه بن الأشجّ المدنيّ الثقة [٥] ١٣٥/ ٢١١.
والحديث بهذا السند من أفراد الصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٤٣ - (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى مُحمّد ابْنِ أَبِي يَعْقُوبَ فِي حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ صُدَيّ بن عحلان الباهليّ الصحابيّ الجليل ﵁ (فِي فَضْلِ الصَّوْمِ) (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه الاختلاف المذكور أن مهديّ بن ميمون رواه عن محمد بن عبد اللَّه بن أبي يعقوب، عن رجاء بن حيوة، عن أبي أمامة ﵁، وتابعه عليه جرير بن حازم، وخالفهما شعبة، فرواه عن محمد بن عبد اللَّه، عن أبي نصر الهلاليّ، عن رجاء، عن أبي أمامة ﵁.
والظاهر أن مثل هذا الاختلاف لا يضرّ بصحة الحديث، لإمكان الجمع بأن محمد ابن عبد اللَّه سمعه من أبي نصر، ثم سمعه من شيخه رجاء، أو سمعه من رجاء، فثبّته أبو نصر الهلاليّ، أو سمعه بطوله عن رجاء، وسمع بعضه عن حميد، كما هو رأي ابن حبّان -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه"، فقد ذكر -بعد أن أخرج الحديث مطوّلاً من طريق مهديّ بن ميمون، عن محمد بن أبي يعقوب، عن رجاء بن حيوة، ثم ساقه مختصرًا من طريق عبد الصمد، عن شعبة، عن محمد بن أبي يعقوب-: ما نصّه:
ولست أنكر أن يكون محمد بن أبي يعقوب سمع هذا الخبر بطوله عن رجاء بن حيوة، وسمع بعضه عن حميد بن هلال، فالطريقان جميعًا محفوظان انتهى (٢).
стр. 11390
ومما يؤيّد هذا الجمع أنه صرّح في رواية مهديّ بن ميمون بالإخبار عن رجاء، كما في رواية المصنّف. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٢٢٠ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ, بْنُ مَيْمُونٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَعْقُوبَ, قَالَ: أَخْبَرَنِي (١) رَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ, عَنْ أَبِي أُمَامَةَ, قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , فَقُلْتُ مُرْنِي بِأَمْرٍ, آخُذُهُ عَنْكَ, قَالَ: «عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ, فَإِنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عمرو بن عليّ) الفلاّس الصيرفيّ البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٤/ ٤.
٢ - (عبد الرحمن) بن مهديّ البصريّ الإمام الحجة الثبت [٩] ٤٢/ ٤٩.
٣ - (مهديّ بن ميمون) الأزديّ الْمِعْوليّ -بكسر الميم، وسكون المهملة، وفتح الواو- مولاهم، أبو يحيى البصريّ، ثقة، من صغار [٦].
قال أبو سعيد الأشج، عن عبد اللَّه بن إدريس: قلت لشعبة: أيّ شيء تقول في مهدي بن ميمون؟ فقال: ثقة. وقال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: ثقة، وهو أحبّ إليّ من سلاّم بن مسكين، وأبي الأشهب، وحوشب بن عَقيل. وقال ابن معين، والنسائيّ، وابن خراش: ثقة. وقال ابن سعد، عن ابن عائشة: كان كُرْديّا، وكان ثقة. وقال العجليّ: بصريّ ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: مات سنة (١) أو (٢٧٢) وقال محمد بن محبوب، وغيره: مات سنة (١٧١). روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٤ - (محمد بن عبد اللَّه بن أبي يعقوب) التيميّ البصريّ، وقد يُنسب إلى جدّه، ثقة [٦] ١٧٢/ ١١٤١.
٥ - (رَجاء بن حيوة) -بفتح المهملة، وسكون التحتانية، وفتح الراء- ابن جَرْوَل (٢)، ويقال: جندل بن الأحنف بن السِّمْط بن امرئ القيس بن عمرو الكنديّ، أبو المقدام، ويقال: أبو نصر الفِلَسْطينيّ، يقال: إن لجدّه صحبة، ثقة فقيه [٢].
قال أبو مسهر: كان من مدينة يقال لها: بَيْسَان، ثم انتقل إلى فِلَسْطِين. وقال ابن سعد: كان ثقة فاضلاً كثير العلم. وقال العجليّ، والنسائيّ: شاميّ ثقة. وقال يحيى بن حمزة، عن موسى بن يسار: كان رجاء بن حيوة، وعديّ بن عديّ، ومكحول في
стр. 11391
المسجد، فسأل رجل مكحولاً مسألة، فقال مكحول: سلوا شيخنا، وسيّدنا رجاء بن حيوة. وقال ضمرة، عن ابن شوذب، عن مطر الورّاق: ما لقيت شاميّا أفضل -وفي رواية: أفقه- من رجاء بن حيوة، إلا أنه إذا حرّكته وجدته شاميّا. وقال الأصمعيّ، عن ابن عون: رأيت ثلاثة ما رأيت مثلهم: ابن سيرين بالعراق، والقاسم بن محمد بالحجاز، ورجاء بالشام. وقال ابن حبّان في "الثقات": كان من عبّاد أهل الشام، وفقهائهم، وزهّادهم. قال خليفة بن خيّاط، وسليمان بن عبد الرحمن، وغير واحد: مات سنة (١١٢). علق عنه البخاريّ، وروى له الباقون، وله عند المصنّف هذا الحديث فقط، كرره أربع مرّات برقم ٢٢٢٠ و ٢٢٢١ و٢٢٢٢ و٢٢٢٣.
٦ - (أبو أمامة) صُديّ بن عَجْلان الباهليّ الصحابيّ المشهور، سكن الشام، ومات بها سنة (٨٦) وتقدّم في ١٠٨/ ١٤٧. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى محمد بن عبد اللَّه، والباقيان شاميّان. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي أُمَامَةَ) الباهليّ - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: أَتَيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) قد روى الإمام ابن حبّان -رحمه اللَّه تعالى- هذا الحديث مطوّلاً، فقال في "صحيحه" رقم ٣٤٢٥:
أخبرنا عمران بن موسى، حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا مهدي بن ميمون، عن محمد بن أبي يعقوب، عن رجاء بن حيوة، عن أبي أمامة، قال: أنشأ رسول اللَّه ﷺ -جيشًا، فأتيته، فقلت: يا رسول اللَّه، ادع اللَّه لي بالشهادة، قال: "اللَّهمّ سلّمهم، وغنّمهم"، فغزونا، فسَلِمنا، وغَنِمنا، حتى ذكر ذلك ثلاث مرّات، قال: ثم أتيته، فقلت: يا رسول اللَّه، إني أتيتك تترى ثلاث مرّات، أسألك أن تدعو لي بالشهادة، فقلتَ: "اللَّهم سلّمهم، وغنّمهم"، فسلمنا، وغنمنا، يا رسول اللَّه، فمرني بعمل أدخل به الجنّة، فقال: "عليك بالصوم، فإنه لا مثل له"، قال: فكان أبو أمامة لا يُرى في بيته الدخان نهارًا، إلا إذا نزل بهم ضيف، فإذا رأوا الدخان نهارًا عرفوا أنه قد اعتراهم ضيف. انتهى (١).
стр. 11392
(فَقُلْتُ: مُرْنِي) -بضم الميم، وسكون الراء- فعل أمر من الأمر بحذف فاء الفعل، تخفيفاً؛ لكثرة الاستعمال، ومثله "كُلْ"، أمر من الأكل، و"خُذْ" أمر من الأخذ، قال الفيّوميّ -رحمه اللَّه تعالى- في مادّة "أمر": وإذا أمرت من هذا الفعل، ولم يتقدّمه حرف عطف حذفت الهمزة على غير قياس، وقلت: مُرْه بكذا، ونظيره "كُلْ"، و"خُذْ"، وإن تقدّمه حرف عطف، فالمشهور ردّ الهمزة على القياس، فيقال: وأمر بكذا، ولا يُعرف في "كل"، و"خذ" إلا التخفيف مطلقًا انتهى. وإلى هذه القاعدة أشار ابن مالك -رحمه اللَّه تعالى- في "لاميّة الأفعال" حيث قال [من البسيط]:
وَشَذّ بِالْحَذْفِ مُرْ وَخُذْ وَكُلْ وَفَشَا … وَأْمُرْ وَمُسْتَنْدَرٌ (١) تَتْمِيمُ خُذْ وَكُلَا
(بِأَمْرٍ) أي بشيء من العبادات (آخُذُهُ عَنْكَ، قَالَ) ﷺ (عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ) أي الزم الصوم، وأكثر منه، والمراد به الصوم الشرعيّ، إذ هو المتبادر عند إطلاق الشارع. قال السنديّ: ويحتمل أن يكون المراد بالصوم كفّ النفس عما لا يليق، وهو التقوى كلها، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الاحتمال بعيد. واللَّه تعالى أعلم.
(فَإِنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ) الفاء للتعليل، أي لأنه لا نظير له في كثرة الثواب، أو في كسر الشهوة، ودفع النفس الأمّارة، والشيطان، والأول أقرب، لقوله في الرواية الآتية: "أيّ العمل أفضل" … "، وقد تقدّم أن الحافظ ابن عبد البرّ أشار إلى ترجيح الصوم على غيره من العبادات، فقال: حسبك يكون الصيام جُنَّةً من النار فضلاً، ويدلّ له أيضًا هذا الحديث، والمشهور عند الجمهور ترجيح الصلاة.
وعند الحافظ سمويه في "فوائده" من طريق المسيّب بن رافع، عن أبي صالح: "يترك شهوته، من الطعام، والشراب، والجماع من أجلي".
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما قاله الجمهور أرجح، لحديث ابن مسعود ﵁، قال: سألت رسول اللَّه ﷺ أي العمل أحبّ إلى اللَّه؟ قال: "الصلاة على وقتها، قلت: ثم أيّ؟ قال: "ثم برّ الوالدين"، قلت: ثم أيّ؟ قال: "الجهاد في سبيل اللَّه … " الحديث. متفق عليه. ولحديث أحمد، وابن ماجه، والدارميّ بإسناد صحيح: وفيه: "واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة".
فتُحمَل خيرية الصوم المذكورة في حديث الباب على غير الأمور المذكورة في حديث ابن مسعود ﵁، ونحوها. واللَّه تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 11393
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيح، تفرّد به المصنّف، أخرجه هنا-٤٣/ ٢٢٢٠ و ٢٢٢١ و ٢٢٢٣ - وفي " الكبرى" ٤٣/ ٢٥٣٠ و ٢٥٣١ و ٢٥٣٢ و ٢٥٣٣. وأخرجه (أحمد) ٢١١٢٢ و (ابن خزيمة في صحيحه) ١٨٩٣ و (ابن حبّان في صحيحه) ٣٤٢٥ و ٣٤٢٦ و (الحاكم في مستدركه) جـ ١ ص٤٢١. و (عبد الرزاق في مصنفه) ٧٨٩٩ و (الطبراني) ٧٤٦٤. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٢١ - (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ, أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَعْقُوبَ الضَّبِّيَّ, حَدَّثَهُ عَنْ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ, قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, مُرْنِي بِأَمْرٍ, يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهِ, قَالَ: «عَلَيْكَ بِالصِّيَامِ (١) , فَإِنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق آخر لحديث أبي أمامة المتقدّم ساقه لبيان أن جرير بن حازم تابع مهديّ بن ميمون في إسقاط الواسطة بين محمد بن بن عبد اللَّه بن أبي يعقوب، وبين رجاء بن حيوة.
و" جرير بن حازم" الأول بالجيم، والراء، والثاني بالحاء المهملة، والزاي المعجمة، هكذا في النسخة الهندية، و"الكبرى"، وهو الصواب، ووقع في "النسخ المطبوعة من "المجتبى" "ابن خازم" بالخاء المعجمة، وهو تصحيف، فتنبّه.
وهو جرير بن حازم بن زيد بن عبد اللَّه الأزديّ، أبو النضر البصريّ، والد وهب، ثقة، إلا في قتادة، ففيه ضعف، وله أوهام إذا حدّث من حفظه [٦] ١٧٢/ ١١٤١.
والحديث صحيح، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٢٢ - (أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ, الضَّعِيفُ -شَيْخٌ صَالِحٌ, وَالضَّعِيفُ لَقَبٌ, لِكَثْرَةِ عِبَادَتِهِ- قَالَ: أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ الْحَضْرَمِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَعْقُوبَ, عَنْ أَبِي نَصْرٍ, عَنْ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ, عَنْ أَبِي أُمَامَةَ, أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ , قَالَ: «عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ, فَإِنَّهُ لَا عِدْلَ لَهُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد تقدّموا، غير اثنين، هما:
١ - (عبد اللَّه بن محمد) بن يحيى الطَّرَسُوسيّ، أبو محمد المعروف بـ"الضعيف"، ثقة [١٠].
وثقه المصنّف كما بينه في هذا السند، وابن حبّان، ومَسْلَمة، والخليليّ. وقال أبو حاتم: صدوق.
стр. 11394
وإنما قيل له: "الضعيف"؛ لكثرة عبادته، كما بيّنه المصنف هنا، وقال ابن حبّان في "الثقات": إنما قيل له: الضعيف؛ لإتقانه في ضبطه. وقال عبد الغنيّ بن سعيد: إنما كان ضعيفًا في جسمه، لا في حديثه. -يعني أنه كان نحيفًا-.
تفرّد بالرواية عنه أبو داود، والمصنّف، وروى عنه في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث برقم ٢٢٢٢ و ٢٧٧٨ و ٣٤٤٥.
٢ - (يعقوب) بن إسحاق بن زيد بن عبد اللَّه الحضرميّ مولاهم، أبو محمد المقرئ النحويّ البصريّ، صدوق، من صغار [٩].
قال أحمد، وأبو حاتم: صدوق. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن سعد: ليس هو عندهم بذاك الثبت، يذكرون أنه حدّث عن رجال لقيهم، وهو صغير. وقال البخاريّ، عن أحمد بن سعيد الرِّبَاطيّ: مات سنة (٢٠٥) وفيها أرّخه غير واحد، وزاد بعضهم: في ذي الحجة. أخرج له مسلم، والمصنف، وأبو داود، والترمذيّ في "الشمائل"، وابن ماجه، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
[تنبيه]: "أبو نصر": هو حميد بن هلال العدويّ البصريّ، ثقة [٣] ٤/ ٤.
هذا هو الصواب، فما وقع في "التقريب"، من أنه مجهول من السادسة، وكذا قول الحافظ الذهبيّ في "ميزان الاعتدال" جـ ٤ ص ٥٧٩ - : لا يُدرى من هو؟. غير صحيح؛ لأن ابن حبّان، في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه" صرحا بأنه حميد بن هلال، وعبارة الأول جـ ٨ ص ٢١٤ - بعد أن أخرج الحديث من طريق عبد الصمد، عن شعبة بإسناد المصنّف: قال أبو حاتم: أبو نصر هذا هو حميد بن هلال، ولست أنكر أن يكون محمد بن أبي يعقوب سمع هذا الخبر بطوله عن رجاء … إلى آخر ما تقدم من كلامه في أول الباب عند الكلام على وجه الاختلاف.
وعبارة الثاني: جـ ١ص٤٢١ - بعد أن أخرج الحديث من طريق عبد الصمد، عن شعبة-: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ومحمد بن أبي يعقوب هذا الذي كان شعبة إذا حدّث عنه يقول: حدثني سيّد بني تميم. وأبو نصر الهلاليّ، هو حميد بن هلال العدويّ، ولا أعلم له راويا عن شعبة غير عبد الصمد، وهو ثقة مأمون انتهى.
ووافقه عليه الحافظ الذهبيّ في "مختصره"، مع أنه قال في "ميزان الاعتدال": لا يُدرى من هو؟. وقد نسبه شعبة إلى "بني هلال" فيما نقله عنه البخاريّ في "تاريخه" ٢/ ٣٤٦، ونسبه أيضًا ابن حبّان في "الثقات" ج ٤ ص ١٤٧، وذكره السمعانيّ في "الأنساب" ٨/ ٤١٠، فقال: أبو نصر حميد بن هلال بن هُبيرة العدويّ الهلاليّ.
والحاصل أن أبا نصر هذا ليس مجهولاً، بل هو من المشهورين الذين أخرج لهم
стр. 11395
الجماعة. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "لا عدل له" -بفتح العين المهملة، وكسرها: أي لا مثل له. قال في "القاموس": العَدْلُ -أي بالفتح: المثل والنظير، كالعِدْل -أي بالكسر- والعَدِيلِ: جمعه أَعدال، وعُدَلَاءُ انتهى.
وفي "المصباح": وعِدْلُ الشيء -بالكسر-: مثله من جنسه، أو مقداره. قال ابن فارس: والعِدْلُ: الذي يعادل في الوزن والقدرِ، وعَدْله -بالفتح- ما يقوم مقامه من غير جنسه، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ وهو مصدرٌ في الأصل، يقال: عَدَلْتُ هذا بهذا عَدلاً، من باب ضرب: إذا جعلته مثله، قائمًا مقامه، قال تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾، وهو أيضًا الفدية، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾، وقال ﷺ : "لا يقبل منه صرف، ولا عدل". انتهى.
وقال في "اللسان": قال ابن الأثير: "العَدْل -بالفتح-: ما عادله من جنسه، - وبالكسر-: ما ليس من جنسه، وقيل: بالعكس. وقال الزّجّاج: العَدْلُ، والعِدْل واحد في معنى المثل، قال: والمعنى واحد، كان المثل من الجنس، أو من غير الجنس.
وقرأ ابن عامر: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ بكسر العين، وقرأها الكسائيّ، وأهل المدينة بالفتح انتهى ما في "اللسان" مُلَخّصًا.
ومعنى الحديث أن الصوم ليس شيء يماثله في كثرة الأجر والثواب، وقد تقدّم أن هذا مؤوّل بما عدا الصلاة، وبرّ الوالدين، والجهاد في سبيل اللَّه، مما ثبت أفضليّته بنصوص أصحّ مما هنا. والحديث صحيح، وهو من أفراد المصنّف، كما سبق قريبًا.
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٢٣ - (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ -هُوَ ابْنُ السَّكَنِ- أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي يَعْقُوبَ الضَّبِّيِّ, عَنْ أَبِي نَصْرٍ الْهِلَالِيِّ, عَنْ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ, عَنْ أَبِي أُمَامَةَ, قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, مُرْنِي بِعَمَلٍ, قَالَ: «عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ, فَإِنَّهُ لَا عِدْلَ لَهُ» , قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, مُرْنِي بِعَمَلٍ, قَالَ: «عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ, فَإِنَّهُ لَا عِدْلَ لَهُ»).
قالَ الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح.
و"يحيى بن محمد بن السكن، أبو عبيد اللَّه": البصريّ، نزيل بغداد، صدوق [١١] ٦٠/ ١٧٧٠.
و"يحيى بن كثير": بن درهم العنبريّ مولاهم، أبو غسّان البصريّ، خُراسانيّ الأصل، ثقة [٩].
стр. 11396
قال عباس العنبريّ: كان ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في "الثقات". قال البخاريّ: مات بعد المائتين. وقال ابن أبي عاصم: مات سنة (٢٠٦). روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث: برقم ٢٢٢٣ و ٢٨٧١ و ٥١٥٥.
[تنبيه]: اختلف نسخ "المجتبى" في هذا السند، ففي النسخة "الهندية": "قال: شعبة حدثنا عن محمد بن أبي يعقوب الخ". وفي النسختين المطبوعتين: "حدثنا شعبة"، والظاهر أنه لا اختلاف بينهما في المعنى, لأن النسخة الأولى تكون بمعنى الثانية، ففاعل "قال" ضمير يحيى بن كثير، و"شعبةُ" مبتدأ، خبره جملة "حدَّثنا"، والفعل مبنيّ للفاعل، وفاعله ضمير "شعبة"، والجملة مقول "قال"، فيكون معنى النسختين متّحدًا، وأما ما وقع في النسختين من ضبط الفعل مبنيا للمفعول، ضبطَ قلم، فتحريف؛ لأنه يكون الإسناد عليه منقطعًا، فتأمّل. واللَّه تعالى أعلم. والحديث صحيح، كما سبق بيانه.
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٢٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَمُرَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ, عَنْ فِطْرٍ, أَخْبَرَنِي حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ, عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ, عَنْ مَيْمُونِ بْنِ أَبِي شَبِيبٍ, عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ (١) , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الصَّوْمُ جُنَّةٌ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فلم يخرج له الشيخان، وهو: أبو جعفر الكوفيّ السرّاج، ثقة [١٠] ٩٢/ ١٣٤٩.
و"المحاربيّ": هو عبد الرحمن بن محمد بن زياد، أبو محمد الكوفيّ، لا بأس به [٩].
قال ابن معين، والنسائيّ: ثقة. وقال النسائيّ أيضًا: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: صدوق إذا حدّث عن الثقات، ويروي عن المجهولين أحاديث منكرة، فيفسد حديثه.
وقال محمود بن غيلان: قيل لوكيع: مات عبد الرحمن المحاربيّ، فقال: ﵀، ما كان أحفظه لهذه الأحاديث الطوال. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن شاهين في "الثقات": قال عثمان بن أبي شيبة: هو صدوق، ولكنّه هو كذا، ضعّفه. وقال البزّار، والدارقطنيّ: ثقة. وقال عثمان الدارميّ: سألت ابن معين عنه؟ فقال: ليس به بأس، قال عثمان: وعبد الرحمن ليس بذاك. وقال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: بلغنا أنه كان يدلّس، ولا نعلمه سمع من معمر، وقال عبد اللَّه بن محمد، عن عاصم: حدّثنا، فقال:
стр. 11397
لعلّه سمعه من سيف بن محمد، عن عاصم -يعني فدلّسه. وقال العُقيليّ: كان يدلّس، أنكر أحمد حديثه عن معمر. وقال العجليّ: لا بأس به. وقال الساجيّ: صدوق يِهَم.
وقال البخاريّ، عن محمود بن غيلان: مات سنة (١٩٥) وكذا أرّخه ابن سعد، وقال:
كان ثقة كثير الغلط. روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث: برقم ٢٢٢٤ و ٢٢٤١ و ٣٢٠٨.
و"فِطْر": هو ابن خَلِيفة المخزوميّ مولاهم، أبو بكر الحنّاط الكوفيّ، صدوق رمي بالتشيع [٥] ٥/ ٨٨٢.
و"حبيب بن أبي ثابت": هو أبو يحيى الكوفيّ، ثقة فقيه كثير الإرسال والتدليس [٣] ١٢١/ ١٧٠.
و"الحكم بن عُتَيبة": هو أبو محمد الكنديّ الكوفيّ ثقة ثبت فقيه، ربما دلّس [٥] ٨٦/ ١٠٤.
و"ميمون بن أبي شبيب": هو الرّبَعِيُّ، أبو نصر الكوفيّ، ويقال: الرقّيّ، صدوق كثير الإرسال [٣].
قال عليّ بن المديني: خَفِي علينا أمره. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال عمرو بن عليّ: كان رجلاً تاجرًا، كان من أهل الخير، وليس يقول في شيء من حديثه: سمعت، ولم أخبر أنّ أحدًا يزعم أنه سمع من الصحابة.
وقال أبو داود: لم يدرك عائشة. وقال الحسن بن الْحُرّ، عن ميمون بن أبي شبيب: أردت الجمعة في زمان الحجّاج، فذكر خبرًا. وقال ابن معين: ضعيف. وقال ابن خراش: لم يسمع من عليّ. وصحح له الترمذيّ روايته عن أبي ذرّ، لكن في بعض النسخ، وفي أكثرها، قال: حسنٌ فقط.
قال أبو بكر بن أبي عاصم: مات سنة (٨٣) وفيها أرّخه ابن حبّان، وزاد: قُتِل في الجماجم.
روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، ومسلم في "المقدّمة"، والأربعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، كرره أربع مرّات برقم ٢٢٢٤ و ٢٢٢٥ و٢٢٢٦ و ٢٢٢٨.
والإسناد مسلسل بالكوفيين، وفيه أربعة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: فطر، عن حبيب، عن الحكم، عن ميمون.
وقوله: " جُنّة": أي وِقاية، وحِماية، وسِتْر. واللَّه تعالى أعلم.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث معاذ بن جبل - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا
стр. 11398
صحيح، وهو مما انفرد به المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا-٤٣/ ٢٢٢٤ و ٢٢٢٥ و ٢٢٢٦ - وفي "الكبرى"- ٤٣/ ٢٥٣٤ و ٢٥٣٥ و ٢٥٣٦. وأخرجه (أحمد) في "مسند الأنصار" ٢١٥٦٣ و ٢١٦٢٨.
[فإن قلت]: كيف يصحّ هذا الحديث، وفيه انقطاعٌ؛ لأن ميمون بن أبي شبيب لم يدرك معاذًا - رضي اللَّه تعالى عنه -، وفيه أيضًا عنعنة حبيب بن أبي ثابت، وهو مدلّس؟.
[قلت]: إنما صحّ بشواهده، فقد يشهد له حديث أبي هريرة ﷺ الذي بعده، وكذا أحاديث الصحابة الآخرين الذين تقدّموا في شرح حديث رقم ٢٢١٤ و٢٢١٦ ﵃ واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٢٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى,, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ, عَنْ سُلَيْمَانَ, عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ, وَالْحَكَمِ, عَنْ مَيْمُونِ بْنِ أَبِي شَبِيبٍ, عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الصَّوْمُ جُنَّةٌ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق ثان لحديث معاذ بن جبل ﷺ ، ساقه لبيان الاختلاف في إسناده، ففي رواية فطر يرويه حبيب بن أبي ثابت، عن الحكم، عن ميمون، وفي رواية سليمان الأعمش، يرويه حبيب، والحكم، كلاهما عن ميمون.
و"يحيى بن حمّاد" بن أبي زياد الشيبانيّ مولاهم، أبو بكر، ويقال: أبو محمد البصريّ، خَتَن أبى عوانة، ثقة عابد، من صغار [٩].
قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وقال أبو حاتم: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال محمد بن النعمان بن عبد السلام: لم أر أعبد منه. وقال العجليّ: بصريّ ثقة، وكان من أروى الناس عن أبي عوانة. وقال البخاريّ، عن الحسن بن مُدرك: مات سنة (٢١٥).
روى له الجماعة، سوى أبي داود، فأخرج له في "الناسخ والمنسوخ"، وله عند المصنّف سبعة أحاديث: برقم ٢٢٢٥ و ٢٣٨٩ و ٢٥٤١ و ٤٠٧٦ و ٤٧٣١ و ٤٩٨٢ و ٥١١٠.
و"سليمان": هو الأعمش.
والحديث صحيح، وهو من أفراد المصنّف، كما سبق بيانه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٢٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنِ الْحَكَمِ, قَالَ: سَمِعْتُ عُرْوَةَ بْنَ النَّزَّالِ, يُحَدِّثُ عَنْ مُعَاذٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الصَّوْمُ جُنَّةٌ»).
стр. 11399
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق ثالث لحديث معاذ ﵁ أيضًا، ساقه لبيان الاخلاف على الحكم، فقد رواه في رواية حبيب، وسليمان السابقتين عن ميمون، عن معاذ، ورواه في رواية شعبة هنا عن عروة، عن معاذ ﵁.
و"محمد": هو ابن جعفر المعروف بغندر".
و"عروة بن النّزّال": -بنون، وزاي ثقيلة- ويقال فيه: النزّال بن عروة، ويقال: اسم جدّه سَبْرَة، كوفيّ مقبول [٢].
روى عن معاذ بن جبل حديث الباب. وعنه الحكم بن عتيبة. ذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له المصنّف حديث الباب فقط.
[تنبيه]: ذكر الحافظ أبو الحجّاج المزّيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "تحفة الأشراف" جـ٨ ص٤١٠ بعد عزو الحديث للمصنّف: ما نصّه: رواه رَوْحُ بن عُبَادة، وعمرو بن مرزوق، كلاهما عن شعبة، عن الحكم، عن عروة بن النّزّال، أو النزّال بن سَبْرَة، عن معاذ. قال روح، عن شعبة: فقلت له: سمعه من معاذ؟ قال: لم يسمعه منه، وقد أدركه انتهى ما ذكره المزّيّ.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: معنى هذا الكلام أن شعبة سأل الحكم هل سمع عروة بن النزّال هذا الحديث من معاذ؟، فقال: لم يسمعه منه، وإن كان أدركه.
وهذا يدلّ على أنه منقطع، وقد سبق أن رواية ميمون أيضًا منقطعة، لكن الحديث صحيح بشواهده، كما سبق بيانه، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٢٧ - (أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ, عَنْ حَجَّاجٍ, عَنْ شُعْبَةَ, قَالَ لِي الْحَكَمُ: سَمِعْتُهُ مِنْهُ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً, ثُمَّ قَالَ الْحَكَمُ: وَحَدَّثَنِي بِهِ مَيْمُونُ بْنُ أَبِي شَبِيبٍ, عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -:"حجاج": هو ابن محمد الأعور. وقوله: "عن شعبة، قال لي الحكم الخ" يقدر بعد قوله: "عن شعبة" لفظ "أنه قال"، فيقال: عن شعبة، أنه قال: قال لي الحكم الخ. وفي نسخة: "قال شعبة: قال لي الحكم الخ"، وهي ظاهرة.
والمعنى أن الحكم قال لشعبة: سمعتُ الحديثَ المذكور من عروة بن النزّال من أربعين سنة، فضمير "منه" لـ"عروة" المتقدّم في السند الماضي. و"منذ" هنا بمعنى "من" الابتدائية، لأنها إذا كانت للماضي تكون بمعنى "من"، وإذا كانت للحال تكون بمعنى "في"، كما قال ابن مالك في "الخلاصة":
وَمُذْ وَمُنْذُ اسْمَانِ حَيْثُ رَفَعَا … أَوْ أُولِيَا الفِعْلَ كَجِئْتُ مُذْ دَعَا
стр. 11400
وَإنْ يَجُرّا فِي مُضيِّ فَكـ"مِنْ" … هُمَا وَفِي الْحُضُورِ مَعْنَى "فِي" اسْتَبِنْ
وقوله: "ثم قال الحكم الخ" يعني أن الحكم بعد أن حَدَّث شعبة بالحديث عن عروة ابن النزال، قال له: حدثني به أيضًا ميمون بن أبي شبيب، عن معاذ، فيكون الحكم سمعه من عروة، ومن ميمون كليهما. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٢٨ - (أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ, عَنْ حَجَّاجٍ, قَالَ: ابْنُ جُرَيْجٍ, أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ, عَنْ أَبِي صَالِحٍ الزَّيَّاتِ, أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ, يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الصِّيَامُ جُنَّةٌ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدّم مطوّلاً برقم ٤٢/ ٢٢١٦ وتقدّم البحث فيه مستوفًى هناك، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٢٩ - وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ, أَنْبَأَنَا سُوَيْدٌ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ, عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ, قِرَاءَةً, عَنْ عَطَاءٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَطَاءٌ الزَّيَّاتُ, أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ, يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الصِّيَامُ جُنَّةٌ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث تقدّم أيضًا سندًا ومتنًا برقم ٤٢/ ٢٢١٧، وتقدّم الكلام عليه هناك، وأن قوله: "عطاء الزيّات" مما أخطأ فيه عبد اللَّه بن المبارك -رحمه اللَّه تعالى- مع جلالته وإتقانه، وأن صوابه: "أبو صالح الزيّات"، كما في رواية حجاج بن محمد الأعور التي قبل هذا.
[تنبيه]: قوله: "عطاء الزيات" هكذا في النسخ المطبوعة، وهو الذي في "الكبرى" جـ ٢ ص ٩٣ ووقع في "النسخة الهندية" بدله "أبو صالح الزيات" وهو غلط؛ لأنه سبق أن هذا مما أخطأ فيه ابن المبارك مع جلالته، كما صرح به المصنّف، فلو كانت رواية ابن المبارك "أنبأنا أبو صالح الزيات" لما نسب إلى الخطإ. والحاصل أن رواية ابن المبارك "عطاء الزيات" ورواية حجاج الأعور "أبو صالح الزيات" وهي الصواب فتبصر.
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٣٠ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ, أَنَّ مُطَرِّفًا -رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ- حَدَّثَهُ, أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ, دَعَا لَهُ بِلَبَنٍ؛ لِيَسْقِيَهُ, فَقَالَ مُطَرِّفٌ: إِنِّي صَائِمٌ, فَقَالَ عُثْمَانُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَقُولُ: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ, كَجُنَّةِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْقِتَالِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة.
стр. 11401
والسند مسلسل بالمصريين إلى سعيد بن أبي هند، وقتيبةُ، وإن كان خراسانيا، إلا أنه ممن دخل مصر، وأخذ عن علمائها، وسعيد بن أبي هند مدنيّ، ومطرّف بن عبد اللَّه ابن الشِّخِّير بصريّ، والصحابي طائفيّ بصريّ.
[تنبيه]: قوله: "رجلًا" بالنصب على البدلية من "مطرفّ"، وفي النسخة "الهندية": "رجلٌ" بالرفع على أنه خبر لمحذوف، أي هو رجلٌ الخ". واللَّه تعالى أعلم.
والحديث صحيح، أخرجه المصنّف هنا -٤٣/ ٢٢٣٠ و ٢٢٣١ و ٢٢٣٢ - وفي " الكبرى" ٤٣/ ٢٥٣٩ و ٢٥٤٠ و٢٥٤١. وأخرجه (ق) ١٦٣٩ (أحمد) في "مسند المدنيين" ١٥٨٣٩ و١٥٤٤ و ١٧٤٤٥. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٣١ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ, عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ, عَنْ مُطَرِّفٍ, قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ, فَدَعَا بِلَبَنٍ, فَقُلْتُ: إِنِّي صَائِمٌ, فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «الصَّوْمُ جُنَّةٌ مِنَ النَّارِ, كَجُنَّةِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْقِتَالِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، عليّ ابن الحسين بن مطر الدِّرهميّ البصريّ، صدوق، من كبار [١١] ١٧/ ١٥٤٧. فإنه ممن تفرّد به هو وأبو داود.
و"ابن أبي عديّ": هو محمد بن إبراهيم البصريّ. و"ابن إسحاق": هو محمد بن إسحاق المطلبيّ، صاحب المغازي.
والحديث صحيح، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٣٢ - (أَخْبَرَنِي زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُصْعَبٍ, عَنِ الْمُغِيرَةِ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ, قَالَ: دَخَلَ مُطَرِّفٌ, عَلَى عُثْمَانَ, نَحْوَهُ مُرْسَلٌ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق آخر، ساقه المصنّف لبيان الاختلاف على محمد بن إسحاق، فقد رواه ابن أبي عديّ عنه، عن سعيد بن أبي هند، عن مُطَرِّف، قال: دخلت على عثمان الخ، فجعله موصولاً، وخالفه عبد اللَّه بن أبي هند، فرواه عنه، عن سعيد، قال: دخل مطرّف الخ، فجعله منقطعًا، والموصول أرجح؛ لأن ابن أبي عديّ أحفظ من عبد اللَّه بن سعيد أبي هند، فإنه وان كان ثقة، لكنه يخطئ (١) ويشهد له الإسناد السابق أيضًا.
стр. 11402
ورجال الإسناد تقدّموا، غير اثنين، وهما:
١ - (أبو مصعب) أحمد بن أبي بكر القاسم بن الحارث بن زُرارة بن مُصْعَب بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ الفقيه، صدوق [١٠].
قال الزبير بن بكار: مات وهو أفقه أهل المدينة، غير مُدَافَع. وقال الحاكم: كان فقيهًا متقشّفًا، عالمًا بمذاهب أهل المدينة. وكذا ذكره ابن حبّان في "الثقات". وقدّمه الدارقطنيّ في "الموطّإ" على يحيى بن بُكَير. وقال ابن حزم: في موطئه" زيادةُ مائة حديث. وقال صاحب "الميزان": ما أدري ما معنى قول أبى خيثمة لابنه: لا تكتب عن أبي مصعب، واكتب عمن شئت انتهى.
قال الحافظ: ويحتمل أن يكون مراد أبي خيثمة دخوله في القضاء، أو إكثاره من الفتوى بالرأي انتهى.
قال البخاريّ، وابن أبي عاصم، والسّرّاج: مات في رمضان سنة (٢٤٢) وله (٩٢) سنة.
روى عنه الجماعة، لكن المصنّف روى عنه بواسطة خيّاط السنّة، هذا الحديث فقط، وأعاده برقم ٢٤١٢.
٢ - (المغيرة بن عبد الرحمن) بن الحارث بن عبد اللَّه بن عيّاش -بتحتانية، ومعجمة- ابن أبي ربيعة المخزوميّ، أبو هاشم، ويقال: أبو هشام المدنيّ، صدوق فقيه، كان يهم [٨].
قال عباس الدوريّ، عن ابن معين: ثقة. وقال الآجريّ، عن أبي داود: ضعيف، فقلت له: إن عباسًا حكى عن ابن معين أنه ضعّف الحزاميّ، ووثق المخزوميّ، فقال: غَلِطَ عباس. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة أحد فقهاء المدينة، وكان يفتي فيهم. وقال الزبير بن بكار: كان فقيهًا، كان فقيه أهل المدينة بعد مالك، وعرض عليه الرشيد القضاء، فامتنع. وقال ابن عبد البرّ: كان مدار الفتوى في آخر زمان مالك، وبعده على المغيرة بن عبد الرحمن، ومحمد بن إبراهيم بن دينار. حكى ذلك عبد الملك بن الماجشون. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، قال: وكان راويًا لابن عجلان، ربما أخطأ. قال ابنه عياش: وُلد أبي سنة (٤) أو (١٢٥) ومات لسبع خلون من صفر سنة (١٨٦). وقال ابن سعد: مات سنة (٨٨) وقال ابن حبّان: مات سنة (٥) أو (١٨٦). روى له البخاريّ والمصنف، وأبو داود، وابن ماجه، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط ٢٢٣٢ وأعاده برقم ٢٤١٢.
و"زكريا بن يحيى": هو السّجْزيّ، نزيل دمشق، المعروف بخيّاط السنّة، ثقة حافظ [١٢] ١٨٩/ ١١٦١. من أفراد المصنّف.
стр. 11403
وقوله: "مرسل": هكذا نسخ "المجتبى" بالرفع على أنه خبر لمبتدإ محذوف، أي هذا الحديث مرسل، ووقع في "الكبرى" "مرسلاً" بالنصب على الحال. وأراد بالإرسال الانقطاع، وقد تقدّم غير مرّة أن الإرسال يطلق على الإنقطاع.
يعني أن هذا السند فيه انقطاع؛ لأن سعيد بن أبي هند لم يدرك قصّة دخول مطرف على عثمان، والقاعدة أن من حدّث بقصّة لم يدركها يكون حديثه منقطعًا، كما هو مقرّر في علم المصطلح، وإليه أشار الحافظ السيوطيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "ألفية الحديث"، حيث قال:
وَكُلُّ مَنْ أَدرَكَ مَا لَهُ رَوَى … مُتَّصِلٌ وَغَيْرُهُ قَطْعًا حَوَى
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٣٣ - (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا وَاصِلٌ, عَنْ بَشَّارِ بْنِ أَبِي سَيْفٍ, عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ عِيَاضِ بْنِ غُطَيْفٍ, قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَقُولُ: «الصَّوْمُ جُنَّةٌ, مَا لَمْ يَخْرِقْهَا»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يحيى بن حبيب بن عربّي) البصريّ، ثقة [١٠] ٦٠/ ٧٥.
٢ - (حماد) بن زيد بن درهم الجَهْضَميّ البصريّ الإمام الحجة [٨] ٣/ ٣.
٣ - (واصل) مولى أبي عُيينة -بتحتانية، مصغرًا- ابن المهلّب بن أبي صُفرة الأزديّ البصريّ، صدوق عابد [٦].
قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: ثقة. وكذا قال إسحاق، عن ابن معين. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال البزّار: ليس بالقويّ، وقد احتُمل حديثه. وقال العجلي: بصريّ ثقة. وروى محمد بن نصر في "قيام الليل" من طريق ابن مهديّ: كان واصل لا ينام من الليل إلا يسيرًا، فغاب غيبة إلى مكة، فكنت أسمع القراءة من غرفته على نحو صوته، فلما جاء ذكرت له، فقال: هؤلاء سُكّان الدار. روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والباقون، إلا الترمذيّ، وله عند المصنف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط ..
٤ - (بشّار بن أي سيف) الْجَرْميّ، وقيل: المخزوميّ -ولا يصحّ- الشاميّ، نزيل البصرة، مقبول [٦].
روى عن الوليد بن عبد الرحمن الْجُرَشيّ. وعنه جرير بن حازم، وواصل مولى أبي عُيينة. ذكره ابن حبّان في "الثقات". انفرد به المصنّف بهذا الحديث فقط.
٥ - (الوليد بن عبد الرحمن) الْجُرَشيّ الحمصيّ الزّجّاج ثقة [٤] ١٠٣/ ١٣٦٤.
стр. 11404
٦ - (عياض بن غُطيف) -بالغين المعجمة، والطاء المهملة- مخضرم مقبول [٢].
ذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: وهو الذي يقول فيه سُليم بن عامر: غُضيف بن الحارث، لم يضبط اسمه. تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط (١).
٧ - (أبو عبيدة) عامر بن عبد اللَّه بن الجراح بن هلال بن أُهيب، ويقال: وُهيب بن ضبّة بن الحارث بن فهو القرشيّ، الفهريّ، أمين الأمّة، واحد العشرة، أدركت أمُّهُ
أُميمةُ بنتُ غَنْم بن جابر الإسلامَ، وأسلمت، وأسلم هو قديماً، وشهد بدرًا، والمشاهد كلها مع رسول اللَّه ﷺ ، وقَتَل أباه يوم بدر كافرًا. وأنكر الواقديّ أن يكون قتل أباه، وقال: مات أبوه قبل الإسلام. رَوَى عن النبيّ ﷺ ، وعنه جابر بن عبد اللَّه، وسمرة بن جندب، وأبو أمامة، وعبد الرحمن بن غَنْم الأشعريّ، والعرباض بن سارية، وأبو ثعلبة الْخُشَنيّ، وعياض بن غُطيف، وأسلمُ مولى عمر، وغيرهم. قال ابن إسحاق: آخى رسول اللَّه ﷺ -بينه وبين سعد بن معاذ، ودعا أبو بكر يوم توفّي رسول اللَّه ﷺ في سَقِيفة بني ساعدة إلى البيعة لعمر، أو لأبي عبيدة، وولاّه عمر الشام، وفتح اللَّه عليه اليرموك، والجابية، وكان طويلاً نحيفًا. وقال الجريريّ، عن عبد اللَّه بن شقيق: قلت لعائشة: أيّ أصحاب رسول اللَّه ﷺ -كان أحبّ إليه؟ قالت: أبو بكر، قلت: فمن بعده؟ قالت: عمر، قلت: فمن بعده؛ قالت: أبو عبيدة بن الجرّاح، ومناقبه ﵁ كثيرة. ذكر ابن سعد وغيره أنه مات في طاعون عمواس سنة (١٨) وهو ابن (٥٨) سنة. وأرّخ ابن مندهْ، وإسحاق القرّاب وفاته سنة (١٧). روى له الجماعة، وله (١٥) حديثًا اتفق الشيخان على حديث، وله عند المصنف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وأعاده بعد حديث. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات، غير بشار، وعياض، كما سبق آنفًا. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى بشّار،
(ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. ومنها: أن صحابية أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأنه أمين هذه الأمة - رضي اللَّه تعالى عنه -. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عِيَاضِ بنِ غُطَيْفِ) أنه قال (قَالَ أَبو عُبَيدَةَ) بن الجرّاح ﵁ (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: "الصَّوْمُ جُنَّةٌ) أي وقاية، وسُتْرة من النار (مَا لَمْ يَخْرُقُهَا) زاد الدارميّ: ما نصّه: قال أبو محمد: يعني بالغِيبَة. انتهى. والظاهر أن هذا من كلام الدارميّ، وليس
стр. 11405
مرفوعًا، كما يوهمه كلام الحافظ فيما تقدّم. واللَّه تعالى أعلم.
و"يخرقها" -بفتح حرف المضارعة، وبضم الراء، وكسرها- يقال: خرقه يخرُقه- بالضم- ويخرِقه -بالكسر- من بابي قتل، وضرب: إذا شقّه، ومزّقه. أفاده في "القاموس".
و"ما" مصدريّة ظرفية، والضمير المنصوب للجُنّة، أي تقيه تلك الجنّة من النار مُدَّة عدم خرقها بفعل المعاصي، كالغيبة، ونحوها.
وهذا الحديث فيه قصّة، ساقها الإمام أحمد في "مسنده"، وهذا لفظه:
١٦٩٢ حدثنا زياد بن الربيع، أبو خداش، حدثنا واصل، مولى أبي عيينة، عن بشار ابن أبي سيف الجرمي (١)، عن عياض بنِ غطيف، قال: دخلنا على أبي عبيدة بن الجراح، نعوده من شكوى أصابه، وامرأته تُحيفَةُ قاعدة عند رأسه، قلت: كيف بات أبو عبيدة؟ قالت: واللَّه لقد بات بأجر، فقال أبو عبيدة: ما بت بأجر، وكان مقبلا بوجهه على الحائط، فأقبل على القوم بوجهه، فقال: ألا تسألونني عما قلت، قالوا: ما أَعْجَبَنا ما قلتَ، فنسألَكَ عنه، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ ، يقول: "من أنفق نفقة فاضلة، في سبيل اللَّه، فبسبعمائة، ومن أنفق على نفسه، وأهله، أو عاد مريضًا، أو ماطَ أَذًى، فالحسنة بعشر أمثالها، والصوم جنة، ما لم يخرقها، ومن ابتلاه اللَّه ببلاء، في جسده، فهو له حِطَّة". انتهى. واللَّه تعالى أعلم.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث أبي عُبيدة ﵁ -هذا حديث حسن، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- (٢)، أخرجه هنا-٤٣/ ٢٢٣٣ و ٢٢٣٥ - وفي "الكبرى" ٤٣/ ٢٥٤٢ و ٢٥٤٣. وأخرجه (أحمد) في "مسند العشرة" ١٦٩٢ و ١٧٠٢ (الدارميّ) في "الصوم" ١٧٣٢. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٣٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الآدَمِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْنٌ, عَنْ خَارِجَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ, عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ, عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ, مِنَ النَّارِ فَمَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا, فَلَا يَجْهَلْ يَوْمَئِذٍ, وَإِنِ امْرُؤٌ جَهِلَ عَلَيْهِ, فَلَا يَشْتِمْهُ, وَلَا يَسُبَّهُ, وَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ, وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ, لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ, أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ, مِنْ
стр. 11406
رِيحِ الْمِسْكِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير اثنين:
١ - (محمد بن يزيد الأَدَميّ (١)) أبو جعفر الخزّاز -بمعجمة، ثم مهملة، وآخره زاي- البغداديّ المقابريّ، ويعرف بالأحمر، ويقال: إنهما اثنان، ثقة عابد، من صغار [١٠].
قال النسائيّ في "مشيخته": ثقة. ووثقه مسلمة، وقال الخطيب: كان عابدًا. وقال ابن أبي حاتم: كتب عنه أبي ببغداد. وقال الدارقطنيّ: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". قال ابن صاعد: توفي بمكة سنة (٢٤٥) وقال السرّاج: توفي ببغداد في شوّال، وكان زاهدًا من خيار المسلمين. فإنه ممن انفرد به المصنّف بهذا الحديث فقط.
[تنبيه]: قوله: "الأدميّ" -بفتحتين- نسبة إلى بيع الأَدَم، وهو الجلد. كما تفيده عبارة "لبّ اللباب" ج ١ ص ٤٣. فما وقع في نسخ "المجتبى" بمدّ الهمزة، كلفظ الآدمي المنسوب إلى آدم غير صحيح. فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
٢ - "خارجة بن سليمان": هو خارجة بن عبد اللَّه بن سليمان بن زيد بن ثابت الأنصاريّ المدنيّ، نُسب لجده، صدوقٌ، له أوهام [٧] ١٥/ ٥٢٤. فإنه من أفراد المصنّف، والترمذيّ، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديثان: هذا، وحديث رقم ٥٢٤ في "كتاب الصلاة".
و"معن": هو ابن عيسى القَزّاز، أبو يحيى المدنيّ، ثقة ثبت، من كبار [١٠] ٥٠/ ٦٢.
و"يزيد بن رومان" هو مولى آل الزبير المدنيّ، ثقة [٥] ١٧/ ١٥٣٧. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "فلا يشتمه" -بكسر التاء المثناة، وضمها- من بابي ضرب، ونصر -كما في "القاموس"-: أي لا يسبّه.
وقال الفيّوميّ -رحمه اللَّه تعالى-: وقولهم: "فإن شُتم، فليقل: إني صائم" يجوز أن يُحمل على الكلام اللسانيّ، وهو الأولى، فيقول ذلك بلسانه، ويجوز حمله على الكلام النفسانيّ، والمعنى لا يجيبه بلسانه، بل بقلبه، ويجعل حاله حال من يقول كذلك، ومثله قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ الآية. وهم لم يقولوا ذلك بلسانهم، بل كان حالهم حال من يقوله. وبعضهم يقول: "فإن شُوتم" يجعله من المفاعلة، وبابها الغالبُ أن تكون من اثنين، يَفعَل كلّ واحد منهما بصاحبه ما يفعله
стр. 11407
صاحبه به، مثل ضاربته، وحاربته، ولا يجوز حمل الصائم على هذا الباب، فإنه منهيّ عن السباب. وقد تكون المفاعلة من واحد، لكن بينه وبين غيره، نحو عاقبت اللصّ، فهي محمولة على الفعل الثلاثيّ. وقد عُلم بذلك أن المفاعلة إن كانت من اثنين كانت من كلّ واحد، وإن كانت بينهما كانت من أحدهما، ولا تكاد تُستَعمل المفاعلة من واحد، ولها فعل ئلائيّ من لفظها، إلا نادرًا، نحو صادمه الحمار، بمعنى صَدَمه، وزاحمه، وشاتمه، بعنى شتمه، ويدلّ على هذا الحديثُ الصحيحُ: "وإن امرؤ قاتله، أو شاتمه … "، فيجوز "شُتِمَ"، و"شُوتِم" انتهى كلام الفيّوميّ (١).
وقوله: "ولا يسبّه" من باب ردّ يرُدّ، وعطفه على ما قبله من عطف المرادف. وتمام شرح الحديث تقدّم في شرح حديث أبي هريرة ﵁ في الباب الماضي.
والحديث صحيح، وهو من أفراد المصنّف أخرجه هنا-٤٣/ ٢٢٣٤ - واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: حديث عائشة ﵂ هذا كذا وقع في نسخ "المجتبى" هنا بين حديثي أبي عُبيدة ﵁، ولعله من تصرّف النسّاخ، وإلا فكان الأولى الجمع بين حديثي أبي عُبيدة، كما لا يخفى.
ثم إنه ليس لحديث عائشة ﵂ هذا ذكر في "الكبرى" أصلاً. فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٣٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا حِبَّانُ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ, عَنْ مِسْعَرٍ, عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ أَبِي مَالِكٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَصْحَابُنَا, عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ, قَالَ: "الصِّيَامُ جُنَّةٌ, مَا لَمْ يَخْرِقْهَا").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق آخر لحديث أبي عبيدة ﵁ ساقه المصنّف لبيان الاختلاف على الوليد بن عبد الرحمن، فرواه بشّار بن أبي سيف عنه، عن عياض بن غطيف، عن أبي عبيدة، مرفوعًا، وخالفه مسعر، فرواه عنه، فقال: حدثنا أصحابنا، عن أبي عُبيدة، فأيهم شيوخ الوليد، وجعله موقوفًا عليه، ومسعر أثبت من بشّار، لكن الموقوف في مئل هذا له حكم الرفع؛ إذ لا يقال من قبل الرأي، وأيضًا يشهد لأصل الحديث ما أخرجه الشيخان، وغيرهما، من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "إذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث، ولا يجهل". وتقدّم للمصنّف رقم ٢٢١٦ و ٢٢١٧، وحديث عائشة ﵂ المذكور قبل هذا، وما أخرجه البخاريّ من
стр. 11408
حديث أبي هريرة ﵁، مرفوعًا أيضًا: "من لم يدع قول الزور، والعمل به، والجهل فليس للَّه حاجة في أن يدع طعامه، وشرابه"، ولهذا قلت: إنه حديث حسنٌ.
و"محمد بن ميمون": تقدّم قبل ثلاثة أحاديث. و"حِبّان": -بكسر المهملة- ابن موسى السلميّ، أبو محمد المروزيّ، ثقة [١٠] ١/ ٣٩٧.
[تنبيه]: ضبط "حِبان" هذا بالكسر هو الصواب، فما وقع في نسخ "المجتبى" من ضبطه بالفتح ضبط قلم، فغلطٌ، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
و"عبد اللَّه": هو ابن المبارك. و"مسعر": هو ابن كِدَام. و "الوليد بن أبي مالك": هو ابن عبد الرحمن المذكور في السند السابق، نسبه إلى جدّه.
وقوله: "أصحابنا" مبهمون، ويحتمل أن يكون منهم عياضُ بن غُطيف المذكور في السابق. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٣٦ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ أَبِي حَازِمٍ, عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «لِلصَّائِمِينَ بَابٌ, فِي الْجَنَّةِ, يُقَالُ لَهُ: الرَّيَّانُ, لَا يَدْخُلُ فِيهِ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ, فَإِذَا دَخَلَ آخِرُهُمْ أُغْلِقَ, مَنْ دَخَلَ فِيهِ شَرِبَ, وَمَنْ شَرِبَ, لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا»).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (عليّ بن حُجْر) السعديّ المروزيّ، ثقة حافظ، من صغار [٩] ١٣/ ١٣.
٢ - (سعيد بن عبد الرحمن) بن جَمِيل بن عامر بن حِذْيَم بن سلامان بن ربيعة بن سعد ابن جُمح الْجُمَحيّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، قاضي بغداد، صدوق، له أوهام، وأفرط ابن حبّان في تضعيفه [٨].
قال صالح بن أحمد، عن أبيه: ليس به بأس، وحديثه مقارب. وقال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح. وقال النسائيّ: لا بأس به. وقال الساجيّ: يروي عن هشامٍ، وسهيلٍ أحاديث، لا يتابع عليها. ووثقه ابن نُمير، وموسى ابن هارون، والعجليّ، والحاكم أبو عبد اللَّه. وقال ابن عديّ: له غرائب حسان، وأرجو أنها مستقيمة، وإنما يَهِم في الشيء بعد الشيء، فيرفع موقوفًا، ويصل مرسلاً، لا عن تعمّد. وقال ابن حبان: يروي عن عبيد اللَّه بن عمر وغيره من الثقات أشياء موضوعة، يتخايل إلى من سمعها أنه كان المتعمّد لها. ونقل ابن الجوزيّ عن أبي حاتم: لا يحتجّ به. قال أبو حسّان الزياديّ وغيره: مات سنة (١٧٦) وهو ابن (٧٢) سنة. روى له البخاريّ في "خلق أفعال العباد"، والباقون، سوى الترمذيّ، وله في هذا
стр. 11409
الكتاب أربعة أحاديث برقم ٢٢٣٦ و ٢٢٤٦ و ٣٥٩٣ و ٤٠٤٠.
٣ - (أبو حازم) سلمة بن دينار التمار الأعرج الزاهد المدنيّ، ثقة [٥] ٤٠/ ٤٤.
٤ - (سهل بن سعد) بن مالك بن خالد الأنصاريّ الخزرجيّ الساعديّ، أبو العباس الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات سنة (٨٨) وقيل: بعدها، وقد جاوز المائة، وتقدّم في ٤٠/ ٧٣٤. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من رباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (١٢٣) من رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فمروزيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) الساعديّ - رضي اللَّه تعالى عنهما - (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "لِلصَّائِمِينَ بَابٌ، فِي الْجَنَّةِ) قال الزين ابن المنيّر -رحمه اللَّه تعالى-: إنما قال: "في الجنّة"، ولم يقل: "للجنة" ليشعر بأن في الباب المذكور من النعيم، والراحة ما في الجنة، فيكون أبلغ في التشوّق إليه انتهى.
قال الحافظ: قلت: وقد جاء الحديث من وجه آخر بلفظ: "إن للجنّة ثمانية أبواب، منها باب يسمّى الريّان، لا يدخله إلا الصائمون". أخرجه هكذا الجوزقيّ من طريق أبي غسان، عن أبي حازم -أي عن أبي هريرة ﵁ -وهو للبخاريّ من هذا الوجه في "بدء الخلق "، لكن قال: "في الجنة ثمانية أبواب " انتهى (١) (يُقَالُ لَهُ: الرَّيَّانُ) -بفتح الراء، وتشديد التحتانيّة، وزان فَعْلَان- من الرَّيّ، اسم عَلمٌ على باب من أبواب الجنّة، يختصّ بالدخول منه الصائمون، وهو مما وقعت المناسبة فيه بين لفظه ومعناه؛ لأنه مشتقّ من الرّيّ، وهو مناسب لحال الصائمين، واكتفى بذكر الريّ عن الشبع؛ لأنه يدلّ عليه من حيث أنه يستلزمه، أو لكونه أشقّ على الصائم من الجوع. أفاده في "الفتح" (٢) (لَا يَدْخُلُ فِيهِ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَإِذَا دَخَلَ آخِرُهُمْ أُغْلِقَ) بالبناء للمفعول، هكذا في بعض نسخ مسلم، وفي كثير من نسخه: "فإذا دخل أولهم أُغلق". قال القاضي عياض وغيره: هو وَهَم، والصواب آخرهم.
стр. 11410
(مَن دَخَلَ فِيهِ شَرِبَ) قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: أي عند الباب، ومتصلاً بالدخول، ولعلّ من يدخل من الأبواب الأُخَر لمِ يشرب عند الدخول متصلاً به، واللَّه تعالى أعلم انتهى (١) (وَمنْ شَرِبَ، لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا) مضارع "ظَمِأَ" -بفتح، فكسر- كعَطِشَ، وزنا ومعنى، وقيل: الظمأ أشدّ العطش. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث سهل بن سعد ﵄ هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٣/ ٢٢٣٦ و ٢٢٣٧ - وفي "الكبرى" ٤٣/ ٢٥٤٤ و ٢٥٤٥. وأخرجه (خ) في "الصوم" ١٨٩٦ و"بدء الخلق" ٣٢٥٧ (م) في "الصيام" ١١٥٢ (ت) في "الصوم" ٧٦٥ (ق) في "الصيام" ١٦٤٠ (أحمد في باقي مسند الأنصار) ٢٢٣١١ و ٢٢٣٣٥. (ابن خزيمة) ١٩٠٢ (ابن حبّان) ٣٤٢٠ و ٣٤٢١. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): بيان عظمة فضل الصيام (ومنها): بيان كرامة الصائمين، حيث خصهم اللَّه تعالى على سائر الناس بدخولهم بباب الريان (ومنها): إثبات أبواب للجنة، ومن تلك الأبواب باب الريان مخصوص بالصائمين، فإذا دخلوا منه أُغلق، فلم يدخل منه أحد غيرهم (ومنها): فضل باب الريّان على غيره من الأبواب، حيث إن من دخله شرب عند الدخول، ثم لم يظما بعدُ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٣٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ, عَنْ أَبِي حَازِمٍ (٢) , قَالَ: حَدَّثَنِي سَهْلٌ, أَنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا, يُقَالُ لَهُ: "الرَّيَّانُ, يُقَالُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ , هَلْ لَكُمْ إِلَى الرَّيَّانِ؟ , مَنْ دَخَلَهُ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا, فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ عَلَيْهِمْ, فَلَمْ يَدْخُلْ فِيهِ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق آخر لحديث سهل بن سعد الساعديّ ﵄ ساقه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- لبيان أنه وقع فيه اختلاف على أبي حازم، بالرفع والوقف، فقد رواه عنه سعيد بن عبد الرحمن، مرفوعًا، وتابعه عليه سليمان بن بلال،
стр. 11411
عند الشيخين، وخالفه يعقوب بن عبد الرحمن، فرواه عنه موقوفًا، لكن الموقوف في مثل هذا له حكم الرفع، إذ لا مجال للرأي فيه، فلا اختلاف بينهما. واللَّه تعالى أعلم.
و"يعقوب بن عبد الرحمن" بن محمد بن عبد اللَّه بن عبدِ القاريّ المدنيُ، نزيل الإسكندرية، حليف بني زهرة، ثقة [٨] ٤٥/ ٧٣٩.
والحديث موقوف صحيح، وله حكم الرفع، وهو متفق عليه مرفوعًا، دون جملة الظمأ (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٣٨ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ, وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي مَالِكٌ, وَيُونُسُ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ, فِي سَبِيلِ اللَّهِ , نُودِيَ فِي الْجَنَّةِ, يَا عَبْدَ اللَّهِ, هَذَا خَيْرٌ, فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ, يُدْعَى مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ, وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ, يُدْعَى مِنْ بَابِ الْجِهَادِ, وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ, يُدْعَى مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ, وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ, دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ» , قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, مَا عَلَى أَحَدٍ, يُدْعَى مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ, مِنْ ضَرُورَةٍ, فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ, مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ كُلِّهَا, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «نَعَمْ وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ»).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أحمد بن عمرو بن السّرْح) أبو الطاهر المصريّ، ثقة [١٠] ٣٥/ ٣٩.
٢ - (الحارث بن مسكين) بن محمد، أبو عمرو المصريّ القاضي، ثقة فقيه [١٠] ٩/ ٩.
٣ - (ابن وهب) هو عبد اللَّه المصريّ الحافظ، ثقة عابد [٩] ٩/ ٩.
٤ - (مالك) بن أنس الإمام الحجة الفقيه المدنيّ [٧] ٧/ ٧.
٥ - (يونس) بن يزيد الأمويّ مولاهم، أبو يزيد الأيليّ، ثقة [٧] ٩/ ٩.
٦ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الإمام الحجة الحافظ المدنيّ [٤] ١/ ١.
٧ - (حميد بن عبد الرحمن) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقة [٢] ٣٢/ ٧٢٥.
٨ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا إلاسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، سوى شيخه الحارث، فقد تفرّد به هو، وأبو داود. (ومنها): أنه
стр. 11412
مسلسل بالمدنيين من مالك، والباقون مصريون. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - أحفظ من روى الحديث في دهره. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن حميد بن عبد الرحمن) بن عوف الزهريّ المدنيّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، قال ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى-: اتفق الرواة عن مالك على وصله، إلا يحيى بن بُكير، وعبد اللَّه بن يوسف، فإنهما أرسلاه، ولم يقع عند القعنبيّ أصلاً انتهى.
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: أخرجه الدارقطنيّ في "الموطآت" من طريق يحيى بن بُكير، موصولاً، فلعله اختُلِف عليه فيه، وأخرجه أيضًا من طريق القعنبيّ، فلعله حدّث به خارج "المؤطإ" انتهى.
(عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) أنه (قَالَ: "مَنْ أنفَقَ زَوْجَيْنِ") زاد إسماعيل القاضي عن أبي مصعب، عن مالك: "من ماله". والمراد بالزوجين إنفاق شيئين، من أيّ صنف من أصناف المال، من نوع واحد. والزوج يطلق على الواحد، وعلى الاثنين، وهو هنا على الواحد جزمًا.
وسيأتي توضيح معنى إنفاق الزوج في "الجهاد" ٤٥/ ٣١٨٥ من حديث أبي ذرّ
﵁، رواه عنه صَعْصَعَةُ بنُ معاوية، قال: لقيت أبا ذرّ، قال: قلت: حَدِّثني، قال: نعم، قال رسول اللَّه ﷺ : "ما من عبد مسلم، ينفق من كلّ مالٍ له زوجين، في سبيل اللَّه، إلا استقبلته حَجَبَة الجنّة كلّهم يدعوه إلى ما عنده"، قلت: وكيف ذلك؟ قال: إن كانت إبلاً، فبعيرين، وإن كانت بقرًا، فبقرين ".
(فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) أي تصدّق في سبيل الخير مطلقًا، أو في الجهاد؛ كما هو المتبادر. قاله السنديّ (١).
وقال في "الفتح" في "كتاب الصوم ": اختُلف في المراد به، فقيل: أراد الجهاد. وقيل: ما هو أعمّ انتهى (٢) وقال في مناقب الصديق ﵁: قوله: "في سبيل اللَّه" أي في طلب ثواب اللَّه، وهو أعمّ من الجهاد وغيره من العبادات انتهى (٣) (نُودِيَ في الْجَنَّةِ) "في" بمعنى "من"، كما في قول الشاعر [من الطويل]:
стр. 11413
أَلَا عِمْ صَبَاحَا أَيُّهَا الطلَلُ الْبَالِي … وَهلْ يَعِمَنْ مَنْ كَانَ فِي الْعُصُرِ الْخَالِي
وَهَلْ يَعِمَنْ مَنْ كَانَ أَحْدَثُ عَهْدِهِ … ثَلَاِثينَ شَهْرًا فِي ثَلَاثَةِ أَحْوَالِ
أي من ثلاثة أحوال، أي سنين (١). والمعنى هنا أنه يُنادَى من أبواب الجنّة، يوضح هذا المعنى ما يأتي في "الزكاة"- ١/ ٢٤٣٩ - من طريق شعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ، بلفظ: "دعي من أبواب الجنّة".
قال في "الفتح": ومعنى الحديث أن كلّ عامل يُدعَى من باب ذلك العمل، وقد جاء ذلك صريحًا من وجه آخر، عن أبي هريرة ﵁: "لكلّ عامل باب من أبواب الجنّة، يُدعَى منه بذلك العمل". أخرجه أحمد، وابن أبي شيبة بإسناد صحيح انتهى (٢).
وقد ثبت بيان الداعي فيما يأتي للمصنّف في "الجهاد" -٤٥/ ٣١٨٤ - ولفظه: "دَعَتْهُ خَزَنةُ الجنّة، من أبواب الجنّة، يا فلان هلمّ، فأدخل". وفي رواية للبخاريّ: "دعاه خَزَنة الجنّة، كلُّ خزنة بابٍ، أي فُلُ هَلُمَّ".
ولفظة "فلُ" لغة في فلان، وهي بالضمّ، مما يختصّ بالنداء، كما قال ابن مالك في
"الخلاصة":
وَفُلُ بَعْضُ مَا يَخْتَصّ بِالنِّدَا … لُؤْمَانُ نَوْمَانُ كَذَا وَاطَّرَدَا
فِي سَبّ الانْثَى وَزْنُ يَا خَبَاثِ … وَالأَمْرُ هَكَذَا مِنَ الثُّلَاثِ
وقيل: إنها ترخيم فلان، وعلى هذا يجوز فتح اللام، وضمها.
(يَا عَبْدَ اللَّهِ، هَدَا خَيْرٌ) أي هذا العمل الذي عملته خيرٌ من الخيرات، والتنوين فيه للتعظيم، أي خيرٌ عظيمٌ، أو المراد: هذا الباب الذي تُدعَى إليه لتدخل منه خيرٌ، أي فيه خيرٌ كثيرٌ، وإنما قيل له هذا تعظيمًا له، وتشريفًا.
وقال في "الفتح": لفظ: "خير" بمعنى فاضل، لا بمعنى أفضل، وإن كان اللفظ قد يوهمِ ذلك، ففائدته زيادة ترغيب السامع في طلب الدخول من ذلك الباب انتهى (٣).
(فمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ) المراد تطوعاتها، أي من كان الغالب من أعماله الصلاة النافلة، وهكذا في الجهاد، وما بعده (يُدْعَى) وفي نسخة: "دُعي" في المواضع كلها (مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ، وَمَنْ كانَ مِنْ أَهلِ الْجِهَادِ، يُدْعَى مِنْ بَابِ الْجِهَادِ، وَمنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدقَةِ، يُدّعَى مِنْ بَابِ الصَّدقَةِ، وَمنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ") وقع
стр. 11414
في هذا الحديث ذكر أربعة أبواب من أبواب الجنّة، وقد ثبت في "الصحيحين"، وغيرهما أن أبواب الجنّة ثمانية، قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وبقي من الأركان الحجّ، فله باب بلا شك، وأما الثلاثة الأخرى:
(فمنها): "باب الكاظمين الغيظ، والعافين عن الناس". رواه أحمد بن حنبل، عن روح بن عُبادة، عن أشعث، عن الحسن، مرسلاً: "إن للَّه بابًا في الجنّة لا يدخله إلا من عفا عن مظلمة".
(ومنها): الباب الأيمن، وهو باب المتوكّلين، الذي يدخل منه من لا حساب عليه، ولا عذاب.
وأما الثالث، فلعلّه باب الذكر، فإن عند الترمذيّ ما يومئ إليه، ويحتمل أن يكون باب العلم. واللَّه أعلم. ويحتمل أن يكون بالأبواب التي يُدعى منها أبوابٌ من داخل أبواب الجنّة الأصليّة؛ لأن الأعمال الصالحة أكثر عددًا من ثمانية. واللَّه أعلم انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الاحتمال الأخير هو الأقرب عندي. واللَّه تعالى أعلم.
(قَالَ: أَبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ) ﵁ (يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا عَلَى أَحَدٍ" "ما" نافية، والجارّ والمجرور خبر مقدّم (يُدّعَى مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ) الجملة صفة "أحد" (مِنْ ضَرُورَةِ) "من" زائدة، و"ضرورة" مبتدأ مؤخر. يعني أنه ليس على الشخص الذي يُدعَى من أيّ باب من تلك الأبواب ضررٌ يلحقه أبدًا, لأن مآله الفوز بنعيم الجنّة.
وفي الرواية الآتية في "الجهاد" من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁: "فقال أبو بكر: يا رسول اللَّه، ذاك الذي لا تَوَى عليه". والتّوَى الضَّيّاع، والخسارة.
ويحتمل أن يكون المعنى أن من دُعي من باب من تلك الأبواب ليست له حاجةٌ إلى أن يُدعَى من جميِع الأبواب، إذ الباب الواحد يكفي لدخوله الجنّة. واللَّه تعالى أعلم.
(فَهَلْ يُدْعَى أحَدٌ، من تِلْكَ الأَبْوَابِ كُلِّهَا) لقيامه بالأعمال الموجبة لها (قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "نَعَمْ") أي نعم يُدعى من جميع تلك الأبواب، وفي الحديث إشعار بقلّة من يُدعَى من تلك الأبواب كلها، وفيه أيضًا إشارة إلى أن المراد ما يتطوّع به من الأعمال المذكورة، لا واجباتها؛ لكثرة من يجتمع له العمل بالواجبات كلها، بخلاف التطوّعات، فقلّ من يجتمع له العمل بجميع أنواع التطوّعات.
ثم من يجتمع له ذلك إنما يدعى من جميع الأبواب على سبيل التكريم له، وإلا فدخوله إنما يكون من باب واحد، قال الحافظ: ولعله باب العمل الذي يكون أغلب عليه. واللَّه أعلم.
стр. 11415
وأما ما أخرجه مسلم عن عمر ﵁:"من توضّأ، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا اللَّه … " الحديث، وفيه: "فُتحت له أبواب الجنّة، يدخل من أيها شاء". فلا ينافي ما تقدّم، وإن كان ظاهره أنه يعارضه؛ لأنه يُحمل على أنها تفتح له على سبيل التكريم، ثم عند دخوله لا يدخل إلا من باب العمل الذي يكون أغلب عليه، كما تقدّم. واللَّه أعلم (١).
(وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ) قال الإمام ابن حبّان -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" بعد أن أخرج الحديث: ما نصّه: قال أبو حاتم: "عَسَى" من اللَّه واجب، و"أرجو" من النبيّ ﷺ حقّ انتهى (٢).
وقال في "الفتح": قال العلماء: الرجاء من اللَّه تعالى، ومن نبيّه ﷺ واقع. وبهذا التقرير يدخل الحديث في فضائل أبي بكر. ووقع في حديث ابن عباس ﵄ عند ابن حبّان في نحو هذا الحديث التصريح بالوقوع لأبي بكر، ولفظه: "قال: أجل، وأنت هو يا أبا بكر". انتهى (٣)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٣/ ٢٢٣٨ و ٢٤٣٩ وفي "الجهاد"٢٠/ ٣١٣٥ و ٤٥/ ٣١٨٣ و ٣١٨٤ - وفي "الكبرى" ٤٣/ ٢٥٤٦ وفي "الجهاد" ٤١/ ٤٣٩٢ و ٤٣٩٣. وأخرجه (خ) في "الصوم" ١٨٩٧ وفي "الجهاد" ٢٨٤١ وفي "بدء الخلق" ٣٢١٦ وفي "المناقب" ٣٦٦٦. (م) في "الزكاة" ١٠٢٧ و"المناقب" ٣٦٧٤ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ٧٥٧٧ و ٨٥٧٢ (الموطأ) في "الجهاد" ١٠٢١. (ابن حبّان) في "الصوم" ٣٤١٩ و٣٤٢٠. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): بيان فضل الصوم (ومنها): أن من أكثر من شيء عُرف به (ومنها): أن أعمال البرّ قلّ أن تجتمع جميعها لشخص واحد على السواء (ومنها): أن الملائكة يحبّون صالحي بني آدم، ويفرحون بهم (ومنها): أن الإنفاق كلما كان أكثر كان أفضل (ومنها):