عند الشيخين، وخالفه يعقوب بن عبد الرحمن، فرواه عنه موقوفًا، لكن الموقوف في مثل هذا له حكم الرفع، إذ لا مجال للرأي فيه، فلا اختلاف بينهما. واللَّه تعالى أعلم.
و"يعقوب بن عبد الرحمن" بن محمد بن عبد اللَّه بن عبدِ القاريّ المدنيُ، نزيل الإسكندرية، حليف بني زهرة، ثقة [٨] ٤٥/ ٧٣٩.
والحديث موقوف صحيح، وله حكم الرفع، وهو متفق عليه مرفوعًا، دون جملة الظمأ (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٣٨ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ, وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي مَالِكٌ, وَيُونُسُ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ, فِي سَبِيلِ اللَّهِ , نُودِيَ فِي الْجَنَّةِ, يَا عَبْدَ اللَّهِ, هَذَا خَيْرٌ, فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ, يُدْعَى مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ, وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ, يُدْعَى مِنْ بَابِ الْجِهَادِ, وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ, يُدْعَى مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ, وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ, دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ» , قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, مَا عَلَى أَحَدٍ, يُدْعَى مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ, مِنْ ضَرُورَةٍ, فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ, مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ كُلِّهَا, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «نَعَمْ وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ»).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أحمد بن عمرو بن السّرْح) أبو الطاهر المصريّ، ثقة [١٠] ٣٥/ ٣٩.
٢ - (الحارث بن مسكين) بن محمد، أبو عمرو المصريّ القاضي، ثقة فقيه [١٠] ٩/ ٩.
٣ - (ابن وهب) هو عبد اللَّه المصريّ الحافظ، ثقة عابد [٩] ٩/ ٩.
٤ - (مالك) بن أنس الإمام الحجة الفقيه المدنيّ [٧] ٧/ ٧.
٥ - (يونس) بن يزيد الأمويّ مولاهم، أبو يزيد الأيليّ، ثقة [٧] ٩/ ٩.
٦ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الإمام الحجة الحافظ المدنيّ [٤] ١/ ١.
٧ - (حميد بن عبد الرحمن) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقة [٢] ٣٢/ ٧٢٥.
٨ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا إلاسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، سوى شيخه الحارث، فقد تفرّد به هو، وأبو داود. (ومنها): أنه
стр. 11412
مسلسل بالمدنيين من مالك، والباقون مصريون. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - أحفظ من روى الحديث في دهره. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن حميد بن عبد الرحمن) بن عوف الزهريّ المدنيّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، قال ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى-: اتفق الرواة عن مالك على وصله، إلا يحيى بن بُكير، وعبد اللَّه بن يوسف، فإنهما أرسلاه، ولم يقع عند القعنبيّ أصلاً انتهى.
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: أخرجه الدارقطنيّ في "الموطآت" من طريق يحيى بن بُكير، موصولاً، فلعله اختُلِف عليه فيه، وأخرجه أيضًا من طريق القعنبيّ، فلعله حدّث به خارج "المؤطإ" انتهى.
(عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) أنه (قَالَ: "مَنْ أنفَقَ زَوْجَيْنِ") زاد إسماعيل القاضي عن أبي مصعب، عن مالك: "من ماله". والمراد بالزوجين إنفاق شيئين، من أيّ صنف من أصناف المال، من نوع واحد. والزوج يطلق على الواحد، وعلى الاثنين، وهو هنا على الواحد جزمًا.
وسيأتي توضيح معنى إنفاق الزوج في "الجهاد" ٤٥/ ٣١٨٥ من حديث أبي ذرّ
﵁، رواه عنه صَعْصَعَةُ بنُ معاوية، قال: لقيت أبا ذرّ، قال: قلت: حَدِّثني، قال: نعم، قال رسول اللَّه ﷺ : "ما من عبد مسلم، ينفق من كلّ مالٍ له زوجين، في سبيل اللَّه، إلا استقبلته حَجَبَة الجنّة كلّهم يدعوه إلى ما عنده"، قلت: وكيف ذلك؟ قال: إن كانت إبلاً، فبعيرين، وإن كانت بقرًا، فبقرين ".
(فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) أي تصدّق في سبيل الخير مطلقًا، أو في الجهاد؛ كما هو المتبادر. قاله السنديّ (١).
وقال في "الفتح" في "كتاب الصوم ": اختُلف في المراد به، فقيل: أراد الجهاد. وقيل: ما هو أعمّ انتهى (٢) وقال في مناقب الصديق ﵁: قوله: "في سبيل اللَّه" أي في طلب ثواب اللَّه، وهو أعمّ من الجهاد وغيره من العبادات انتهى (٣) (نُودِيَ في الْجَنَّةِ) "في" بمعنى "من"، كما في قول الشاعر [من الطويل]:
стр. 11413
أَلَا عِمْ صَبَاحَا أَيُّهَا الطلَلُ الْبَالِي … وَهلْ يَعِمَنْ مَنْ كَانَ فِي الْعُصُرِ الْخَالِي
وَهَلْ يَعِمَنْ مَنْ كَانَ أَحْدَثُ عَهْدِهِ … ثَلَاِثينَ شَهْرًا فِي ثَلَاثَةِ أَحْوَالِ
أي من ثلاثة أحوال، أي سنين (١). والمعنى هنا أنه يُنادَى من أبواب الجنّة، يوضح هذا المعنى ما يأتي في "الزكاة"- ١/ ٢٤٣٩ - من طريق شعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ، بلفظ: "دعي من أبواب الجنّة".
قال في "الفتح": ومعنى الحديث أن كلّ عامل يُدعَى من باب ذلك العمل، وقد جاء ذلك صريحًا من وجه آخر، عن أبي هريرة ﵁: "لكلّ عامل باب من أبواب الجنّة، يُدعَى منه بذلك العمل". أخرجه أحمد، وابن أبي شيبة بإسناد صحيح انتهى (٢).
وقد ثبت بيان الداعي فيما يأتي للمصنّف في "الجهاد" -٤٥/ ٣١٨٤ - ولفظه: "دَعَتْهُ خَزَنةُ الجنّة، من أبواب الجنّة، يا فلان هلمّ، فأدخل". وفي رواية للبخاريّ: "دعاه خَزَنة الجنّة، كلُّ خزنة بابٍ، أي فُلُ هَلُمَّ".
ولفظة "فلُ" لغة في فلان، وهي بالضمّ، مما يختصّ بالنداء، كما قال ابن مالك في
"الخلاصة":
وَفُلُ بَعْضُ مَا يَخْتَصّ بِالنِّدَا … لُؤْمَانُ نَوْمَانُ كَذَا وَاطَّرَدَا
فِي سَبّ الانْثَى وَزْنُ يَا خَبَاثِ … وَالأَمْرُ هَكَذَا مِنَ الثُّلَاثِ
وقيل: إنها ترخيم فلان، وعلى هذا يجوز فتح اللام، وضمها.
(يَا عَبْدَ اللَّهِ، هَدَا خَيْرٌ) أي هذا العمل الذي عملته خيرٌ من الخيرات، والتنوين فيه للتعظيم، أي خيرٌ عظيمٌ، أو المراد: هذا الباب الذي تُدعَى إليه لتدخل منه خيرٌ، أي فيه خيرٌ كثيرٌ، وإنما قيل له هذا تعظيمًا له، وتشريفًا.
وقال في "الفتح": لفظ: "خير" بمعنى فاضل، لا بمعنى أفضل، وإن كان اللفظ قد يوهمِ ذلك، ففائدته زيادة ترغيب السامع في طلب الدخول من ذلك الباب انتهى (٣).
(فمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ) المراد تطوعاتها، أي من كان الغالب من أعماله الصلاة النافلة، وهكذا في الجهاد، وما بعده (يُدْعَى) وفي نسخة: "دُعي" في المواضع كلها (مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ، وَمَنْ كانَ مِنْ أَهلِ الْجِهَادِ، يُدْعَى مِنْ بَابِ الْجِهَادِ، وَمنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدقَةِ، يُدّعَى مِنْ بَابِ الصَّدقَةِ، وَمنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ") وقع
стр. 11414
في هذا الحديث ذكر أربعة أبواب من أبواب الجنّة، وقد ثبت في "الصحيحين"، وغيرهما أن أبواب الجنّة ثمانية، قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وبقي من الأركان الحجّ، فله باب بلا شك، وأما الثلاثة الأخرى:
(فمنها): "باب الكاظمين الغيظ، والعافين عن الناس". رواه أحمد بن حنبل، عن روح بن عُبادة، عن أشعث، عن الحسن، مرسلاً: "إن للَّه بابًا في الجنّة لا يدخله إلا من عفا عن مظلمة".
(ومنها): الباب الأيمن، وهو باب المتوكّلين، الذي يدخل منه من لا حساب عليه، ولا عذاب.
وأما الثالث، فلعلّه باب الذكر، فإن عند الترمذيّ ما يومئ إليه، ويحتمل أن يكون باب العلم. واللَّه أعلم. ويحتمل أن يكون بالأبواب التي يُدعى منها أبوابٌ من داخل أبواب الجنّة الأصليّة؛ لأن الأعمال الصالحة أكثر عددًا من ثمانية. واللَّه أعلم انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الاحتمال الأخير هو الأقرب عندي. واللَّه تعالى أعلم.
(قَالَ: أَبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ) ﵁ (يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا عَلَى أَحَدٍ" "ما" نافية، والجارّ والمجرور خبر مقدّم (يُدّعَى مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ) الجملة صفة "أحد" (مِنْ ضَرُورَةِ) "من" زائدة، و"ضرورة" مبتدأ مؤخر. يعني أنه ليس على الشخص الذي يُدعَى من أيّ باب من تلك الأبواب ضررٌ يلحقه أبدًا, لأن مآله الفوز بنعيم الجنّة.
وفي الرواية الآتية في "الجهاد" من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁: "فقال أبو بكر: يا رسول اللَّه، ذاك الذي لا تَوَى عليه". والتّوَى الضَّيّاع، والخسارة.
ويحتمل أن يكون المعنى أن من دُعي من باب من تلك الأبواب ليست له حاجةٌ إلى أن يُدعَى من جميِع الأبواب، إذ الباب الواحد يكفي لدخوله الجنّة. واللَّه تعالى أعلم.
(فَهَلْ يُدْعَى أحَدٌ، من تِلْكَ الأَبْوَابِ كُلِّهَا) لقيامه بالأعمال الموجبة لها (قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "نَعَمْ") أي نعم يُدعى من جميع تلك الأبواب، وفي الحديث إشعار بقلّة من يُدعَى من تلك الأبواب كلها، وفيه أيضًا إشارة إلى أن المراد ما يتطوّع به من الأعمال المذكورة، لا واجباتها؛ لكثرة من يجتمع له العمل بالواجبات كلها، بخلاف التطوّعات، فقلّ من يجتمع له العمل بجميع أنواع التطوّعات.
ثم من يجتمع له ذلك إنما يدعى من جميع الأبواب على سبيل التكريم له، وإلا فدخوله إنما يكون من باب واحد، قال الحافظ: ولعله باب العمل الذي يكون أغلب عليه. واللَّه أعلم.
стр. 11415
وأما ما أخرجه مسلم عن عمر ﵁:"من توضّأ، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا اللَّه … " الحديث، وفيه: "فُتحت له أبواب الجنّة، يدخل من أيها شاء". فلا ينافي ما تقدّم، وإن كان ظاهره أنه يعارضه؛ لأنه يُحمل على أنها تفتح له على سبيل التكريم، ثم عند دخوله لا يدخل إلا من باب العمل الذي يكون أغلب عليه، كما تقدّم. واللَّه أعلم (١).
(وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ) قال الإمام ابن حبّان -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" بعد أن أخرج الحديث: ما نصّه: قال أبو حاتم: "عَسَى" من اللَّه واجب، و"أرجو" من النبيّ ﷺ حقّ انتهى (٢).
وقال في "الفتح": قال العلماء: الرجاء من اللَّه تعالى، ومن نبيّه ﷺ واقع. وبهذا التقرير يدخل الحديث في فضائل أبي بكر. ووقع في حديث ابن عباس ﵄ عند ابن حبّان في نحو هذا الحديث التصريح بالوقوع لأبي بكر، ولفظه: "قال: أجل، وأنت هو يا أبا بكر". انتهى (٣)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٣/ ٢٢٣٨ و ٢٤٣٩ وفي "الجهاد"٢٠/ ٣١٣٥ و ٤٥/ ٣١٨٣ و ٣١٨٤ - وفي "الكبرى" ٤٣/ ٢٥٤٦ وفي "الجهاد" ٤١/ ٤٣٩٢ و ٤٣٩٣. وأخرجه (خ) في "الصوم" ١٨٩٧ وفي "الجهاد" ٢٨٤١ وفي "بدء الخلق" ٣٢١٦ وفي "المناقب" ٣٦٦٦. (م) في "الزكاة" ١٠٢٧ و"المناقب" ٣٦٧٤ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ٧٥٧٧ و ٨٥٧٢ (الموطأ) في "الجهاد" ١٠٢١. (ابن حبّان) في "الصوم" ٣٤١٩ و٣٤٢٠. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): بيان فضل الصوم (ومنها): أن من أكثر من شيء عُرف به (ومنها): أن أعمال البرّ قلّ أن تجتمع جميعها لشخص واحد على السواء (ومنها): أن الملائكة يحبّون صالحي بني آدم، ويفرحون بهم (ومنها): أن الإنفاق كلما كان أكثر كان أفضل (ومنها):
стр. 11416
أن تمنّي الخير في الدنيا والآخرة مطلوب (ومنها): بيان منقبة عظيمة لأبي بكر الصدّيق ﵁، حيث حتمعت له أنواع الخيرات، حتى استحقّ أن يُدعَى من أبواب الجنّة كلها (ومنها): أنه وقع في "الجهاد" ٤٥/ ٣١٨٤ من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ بلفظ "من أنفق زوجين في سبيل اللَّه دعته خزنة الجنّة من أبواب الجنّة يا فلانُ هَلُمّ فأدخل"، وفي رواية البخاريّ: "دعاه خزنة الجنّة كل خزنة باب أي فُلُ هلم … " الحديث.
فقال المهلّب -رحمه اللَّه تعالى-: في هذا الحديث أن الجهاد أفضل الأعمال؛ لأن المجاهد يُعطَى أجر المصلي، والصائم، والمتصدّق، وإن لم يفعل ذلك؛ لأن باب الريّان للصائمين، وقد ذكر في هذا الحديث أن المجاهد يدعى من تلك الأبواب كلها بإنفاق قليل المال في سبيل اللَّه انتهى.
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وما جرى فيه على ظاهر الحديث يردّه ما في رواية أحمد من الزيادة في الحديث، قال فيه: "لكلّ عمل باب يُدعَون بذلك العمل". وهذا يدلّ على أن المراد بسبيل اللَّه ما هو أعمّ من الجهاد وغيره من الأعمال الصالحات انتهى (١) وهو تَعَقُّب جيد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٣٩ - (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , وَنَحْنُ شَبَابٌ, لَا نَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ, قَالَ: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ, عَلَيْكُمْ بِالْبَاءَةِ, فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ, وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ, وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ, فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (محمود بن غيلان) العدويّ مولاهم، أبو أحمد المروزيّ، ثم البغداديّ، ثقة [١٠] ٣٣/ ٣٧.
٢ - (أبو أحمد) محمد بن عبد اللَّه بن الزبير بن عمرو بن درهم الأسديّ الزبيريّ الكوفيّ، ثقة ثبت، إلا أنه قد يخطئ في حديث الثوري [٩] ٤٣/ ٢٢٣٩.
٣ - (سفيان) بن سعيد الثوريّ الكوفيّ الإمام الحجة الثبت [٧] ٣٣/ ٣٧.
٤ - (الأعمش) سليمان بن مِهران الكاهليّ مولاهم الكوفيّ ثقة ثبت، يدلس [٥] ١٧/ ١٨.
٥ - (عُمارة بن عُمير) التيميّ الكوفيّ، ثقة ثبت [٤] ٤٩/ ٦٠٨.
٦ - (عبد الرحمن بن يزيد) بن قيس النخعيّ، أبو بكر الكوفيّ، أخو الأسود، ثقة،
стр. 11417
من كبار [٣] ٣٧/ ٤١.
٧ - (عبد اللَّه) بن مسعود الصحابيّ الجليل - رضي اللَّه تعالى عنه - ٣٥/ ٣٩. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه كما مرّ آنفًا. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، عن عمارة، عن عبد الرحمن. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) بن مسعود ﵁، أنه (قالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَنَحْنُ شَبَابٌ) -بفتح الشين، وتخفيف الموحّدة: جمع شابّ، ويجمع على شَبَبَة -بالتحريك- وشُبّان-بضم أوله، والتثقيل: اسم لمن بلغ إلى أن يكمل ثلاثين، ثم هو كهل، إلى أن يجاوز الأربعين. وقيل: غير ذلك.
(لَا نَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ) أي مما يتزوّج به من المال (قَالَ: "يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ) إنما خصّ الشباب بالخطاب لأن الغالب وجود قوة الدواعي فيهم إلى النكاح بخلاف الشيوخ، وإن كان المعنى معتبرًا إذا وُجد السبب في الكهول والشيوخ أيضًا.
(عَلَيْكُمْ بالْبَاءَةِ) بالمدّ، والهاء على الأفصح، يطلق على الجماع، والعقد، والظاهر أن المراد هَهنا العقد، وضمير (فإنه) يرجع إليه على أن المراد به الجماع بطريق الاستخدام، وتذكيره لملاحظة المعنى. ويحتمل أن المراد الجماع، والمراد عليكم أن تجامعوا النساء بالوجه المعلوم شرعًا. قاله السنديّ (١).
وقال في "النهاية": يعني النكاح والتزوُّج، يقال فيها: الباء، والباءة، وقد يُقصَر، وهو من الْمَبَاءة؛ لأن من تزوّج امرأة بوّأها منزلاً. وقيل: لأن الرجل يتبوّأ من أهله، أي يستمكن كما يتبوّأ من منزله انتهى (٢).
(فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ) أي أشدّ غضًا، أي خفضًا للعين، فلا تنظرُ إلى ما لا يحلّ النظر إليه. يقال: غَضَّ الرجلُ صوتَهُ، وطَرْفَه، ومن صوته غَضّا، من باب قتل: خَفَض. قاله في "المصباح" (وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ،) أي أشدّ إحصانًا له، ومنعًا من الوقوع في الفاحشة (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ) قال الأندلسيّ في "شرح المفصّل ": الإغراء لا يكون إلا للمخاطب،
стр. 11418
فلا يجوز "فعليه بزيد"، وأما "فعليه بالصوم"، فإنما حسن لتقدّم الخطاب في أول الحديث "عليكم بالباءة"، كأنه قال: ومن لم يستطع منكم، فالغائب في الخبر في معنى المخاطب انتهى. وسيأتي تمام البحث في هذا في "كتاب النكاح"، إن شاء اللَّه تعالى.
وفيه فضيلة للصوم، حيث كان مانعًا عن الوقوع في المعاصي، وهذا هو أصل الحكمة في مشروعيته، كما قال اللَّه تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]. وفيه أيضًا أن تشريك النيّة في مثل ذلك لا يضرّ بإخلاص العبادة، فإنه ﷺ أمر الشباب بالصوم لكسر شهواتهم، فيدلّ على أنه إذا صام الإنسان احتسابًا، وكسرًا لشهوته جاز صومه، ونال الأجر، ومثل ذلك من يصوم احتسابًا، وتخفيفًا للسمن، ونحو ذلك. واللَّه تعالى أعلم.
(فَإِنَّهُ) أي الصوم (لَهُ) أي للفرج ("وِجَاءٌ") بكسر الواو، والمدّ، قال في "النهاية": الوِجَاء أن تُرَضّ أُنثَيَا الفحل رَضّا شديدًا، يُذهِب شهوة الجماع، ويتنزّلُ في قطعه منزلةَ الخَصْي، وقد وُجِىء وِجَاءً، فهو مَوْجُوءٌ. وقيل: هو أن تُوجَأ العروق، والْخُصيتان (١) بحالهمَا، أراد أن الصوم يقطع النكاح كما يقطع الوجاءُ. وروي "وَجًى" بوزن عَصَا، يريد التعب والْحَفَى، وذلك بَعِيدٌ، إلا أن يراد فيه معنى الفتور؛ لأن من وُجِىء فَتَرَ عن المشي، فشَبَّهَ الصوم في باب النكاح بالتعب في باب المشي انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث عبد اللَّه بن مسعود هذا متفق عليه، وسيأتي تمام شرحه، والكلام على مسائله في "النكاح" "باب الحثّ على النكاح" -٣/ ٣٢٠٦ - إلى ٣٢١١ - إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٤٠ - (أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ, عَنْ شُعْبَةَ, عَنْ سُلَيْمَانَ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ, عَنْ عَلْقَمَةَ, أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ, لَقِيَ عُثْمَانَ بِعَرَفَاتٍ, فَخَلَا بِهِ, فَحَدَّثَهُ, وَأَنَّ عُثْمَانَ, قَالَ لاِبْنِ مَسْعُودٍ: هَلْ لَكَ فِي فَتَاةٍ, أُزَوِّجُكَهَا, فَدَعَا عَبْدُ اللَّهِ, عَلْقَمَةَ, فَحَدَّثَهُ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ, فَلْيَتَزَوَّجْ, فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ, وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ, وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَلْيَصُمْ, فَإِنَّ الصَّوْمَ لَهُ وِجَاءٌ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق ثان لرواية الأعمش، فـ"سليمان": هو الأعمش المذكور في السند الماضي. و "إبراهيم": هو النخعيّ. وهذا الإسناد مما ذُكِر أنه
стр. 11419
أصحّ الأسانيد، وهي ترجمة الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود ﵁. والحديث متفق عليه.
وقوله: "لقي عثمان بعرفات" وفي الرواية الآتية في "النكاح" بمنى، وهي التي في "صحيح البخاريّ". ولعله كلّمه في الموضعين. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "فخلا به" يعني اعتزل عثمان بعبد اللَّه بن مسعود عن الناس؛ لئلا يستمعوا إلى ما يشير عليه، من أمر النكاح. وقوله: "فحدثه" الضمير المرفوع لعلقمة، والمنصوب لإبراهيم: أي حدث علقمةُ إبراهيم النخعي.
وقوله: "وأن عثمان قال إلخ" هكذا نسخ "المجتبى" "وأن" بواو العطف، ووقع في "الكبرى" بدون واو، والظاهر أن ما في "الكبرى" هو الصواب، فيكون قوله: "أن عثمان قال إلخ" مفعولاً ثانيًا لـ "حدث" وضمير "حدث" لعلقمة: أي حدَّث علقمةُ إبراهيم النخعي قولَ عثمان لابن مسعود: هل لك إلخ. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "فدعا عبدُ اللَّه علقمةَ" أي لأنه كان أولاً أمره بالابتعاد عنه ظانًا أن عند عثمان سِرًّا، لا يُفشَى، فلما علم أنه أمر النكاح، وأنه لا رغبة له فيه دعا علقمة ليشارك في سماع حديث النبيّ ﷺ الذي أراد ذكره لعثمان ﵄.
وقوله: "فحدثه أن النبي ﷺ " هكذا نسخ "المجتبى" بضمير النصب: أي حدث ابنُ مسعود عثمان ﵄، ووقع في "الكبرى" بلفظ "فحدث" واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "من استطاع منكم الباءة الخ": قال المازريّ -رحمه اللَّه تعالى-: ليس المراد بالباءة في هذا الحديث الجماع على ظاهره؛ لأنه قال: "ومن لم يستطع، فليصم"،ولو كان غير مستطيع للجماع لم تكن له حاجة للصوم. وقال القاضي عياض ﵀ تعالى: لا يبعد أن يكون الاستطاعتان مختلفتين، فيكون المراد أوّلاً بقوله: "من استطاع منكم الباءة" الجماعَ، أي من بلغه، وقدر عليه، فليتزوّج، ويكون قوله بعد: "ومن لم يستطع" يعني على الزواج المذكور، ممن هو بالصفة المتقدّمة، فليصم.
وقال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: اختلف العلماء في المراد بالباءة هنا على قولين، يرجعان إلى معنى واحد:
أصحهما: أن المراد معناها اللغويّ، وهو الجماع، فتقديره: من استطاع منكم الجماع؛ لقدرته على مؤنه، وهي مؤن النكاح، فليتزوّج، ومن لم يستطع الجماع؛ لعجزه عن مؤنه، فليه بالصوم.
والثاني: أن المراد هنا بالباءة مُؤَنُ النكاح، سمَيت باسم ما يلازمها، وتقديره: من استطاع منكم مؤن النكاح، فليتزوّج، ومن لم يستطع، فليصم، والذي حمل القائلين لهذا على هذا أنهم قالوا: العاجز عن الجماع لا يحتاج إلى الصوم؛ لدفع الشهوة، فوجب تأويل
стр. 11420
الباءة على المؤن. وأجاب الأولون بما قدمناه: أن تقديره: ومن لم يستطع الجماع لعجزه عن مؤنه، وهو يحتاج إلى الجماع، فليصم انتهى (١).
وسيأتي تمام البحث فيه في "كتاب النكاح" إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٤١ - (أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ, قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ, عَنْ عَلْقَمَةَ, وَالأَسْوَدِ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ, فَلْيَتَزَوَّجْ, وَمَنْ لَمْ يَجِدْ, فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ, فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هَذا طريق ثالث لحديث الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة بن قيس، والأسود بن يزيد كلاهما عن ابن مسعود ﵁. والحديث متفق عليه.
و"هارون بن إسحاق": أبو القاسم الكوفيّ، صدوق، من صغار [١٠].
و"المحاربيّ": هو عبد الرحمن بن محمد بن زياد الكوفيّ، لا بأس به [٩] ٤٣/ ٢٢٢٤.
[تنبيه]: سيأتي للمصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في "النكاح" بعد سوقه الحديث من هذا الوجه: ما نصّه: قال عبد الرحمن: الأسود في هذا الحديث ليس بمحفوظ انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: معنى كلامه أن زيادة الأسود مع علقمة في هذا الإسناد غير محفوظة، وإنما المحفوظ أن إبراهيم يرويه عن علقمة فقط، كما رواه الحفاظ عن الأعمش، فقد رواه عنه شعبة، وأبو معاوية، وعليّ بن هاشم عند المصنّف، وأبو حمزة السكّري، وحفص بن غياث، عند البخاريّ، وجرير بن عبد الحميد، عند مسلم وعلي ابن مُسهر، عند ابن ماجه سبعتهم عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود ﵁، فخالف المحاربيّ هؤلاء، فزاد الأسود مع علقمة، وهو وإن كان ثقة، إلا أنه كثير الغلط، كما في ترجمته في "تهذيب التهذيب" جـ٢ ص ٥٥٠ - فتكون زيادته شاذّة مردودة، كما أشار إليه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-.
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٤٢ - (أَخْبَرَنِي هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ هِلَالٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي, قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ هَاشِمٍ, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنْ عُمَارَةَ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ, قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ, وَمَعَنَا عَلْقَمَةُ وَالأَسْوَدُ, وَجَمَاعَةٌ, فَحَدَّثَنَا بِحَدِيثٍ, مَا رَأَيْتُهُ, حَدَّثَ بِهِ الْقَوْمَ, إِلاَّ مِنْ أَجْلِي, لأَنِّي كُنْتُ أَحْدَثَهُمْ سِنًّا, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ, مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ, فَلْيَتَزَوَّجْ, فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ, وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ».
قَالَ عَلِيٌّ: وَسُئِلَ الأَعْمَشُ, عَنْ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ, فَقَالَ: عَنْ إِبْرَاهِيمَ, عَنْ عَلْقَمَةَ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ مِثْلَهُ, قَالَ: نَعَمْ).
стр. 11421
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، وشيخ شيخه، فإنهما من أفراده، وهما ثقتان، وكلهم تقدّموا، غير:
١ - (عليّ بن هاشم) بن الْبَرِيد -بفتح الموحّدة، وبعد الراء تحتانيّة ساكنة- الْبَرِيديّ العائذّي مولاهم، أبي الحسن الكوفيّ الْخَزّاز، صدوق يتشيّع، من صغار [٨].
قال حنبل، عن أحمد: ليس به بأس. وقال عبد اللَّه، عن أبيه: ما أرى به بأسًا. وقال ابن أبي خيثمة وغير واحد، عن ابن معين: ثقة. وقال أبو الحسن بن البرّاء، عن ابن المدينيّ: كان صدوقًا. زاد الباغنديّ، عن ابن المدينيّ: وكان يتشيّع. وقال غيره، عن عليّ: ثقة. وكذا قال يعقوب بن شيبة. وقال الجوزجانيّ: كان هو وأبوه غاليين في مذهبهما. وقال أبو زرعة: صدوق. وقال أبو حاتم: كان يتشيّع، وُيكتَب حديثُه. وقال الآجرّيّ، عن أبي داود: سئل عنه عيسى بن يونس؟ فقال: أهل بيت تشيُّع، وليس ثَمَّ كَذِبٌ. وقال ابن سعد: كان صالح الحديث صدوقًا. وقال النسائيّ: ليس به بأس.
وقال ابن عديّ: حدّث عنه جماعة من الأئمة، وَيروِي في فضائل عليّ ﵁ -أشياء لا يرويها غيره، وهو إن شاء اللَّه صدوق، لا بأس به. ووثقه العجليّ. وضعَّفه الدارقطنيّ. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، ثم ذكره في "الضعفاء"، وقال: كان غاليًا في التشيّع، وروى مناكير عن المشاهير. وقال اللالكائيّ: له في مسلم حديثان.
قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: سمعت منه سنة (١٧٩) -أول سنة طلبت الحديث- مجلسًا، ثم عُدت إليه المجلسَ الآخر، وقد مات. وقال ابن المثنى: مات سنة (٨٠) وقال محمد بن عبد اللَّه الحضرميّ، ويعقوب بن شيبة: سنة (٨١).
روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والباقون، وله عند المصنف أربعة أحاديث: برقم ٢٢٤٢ و ٣٢٤٦ و ٣٣٠٣ و ٤٤٤٦.
و"هلال بن عليّ"، وأبوه تقدما قبل باب. و"عمارة": هو ابن عمير المذكور قبل حديثين.
وقوله: "ما رأيته حدث به القوم الخ" هو قول عبد الرحمن بن يزيد، أي ما ظنننت ابن مسعود ﵁ حدّثَ القوم بهذا الحديث إلا من أجلي؛ فالرؤية تأتي بمعنى الظن، كما تأتي بمعنى اليقين، وقد اجتمعا في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾، أي يظنونه بعيداً، ونعلمه يقينًا قريبًا.
أراد عبد الرحمن أن سبب تحديث عبد اللَّه بهذا الحديث من أجله؛ لكونه أشدّ حاجةً إلى النكاح، حيث كان أحدث عُمْرًا منهم، فتشتدّ شهوته. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "قال عليّ الخ" هو عليّ بن هاشم الراوي عن الأعمش. أراد به أن الأعمش حينما حدّث بهذا الحديث عن عُمارة بن عمير، عن الرحمن بن يزيد، عن عبد اللَّه
стр. 11422
- ﵁، سألوه عن حديث إبراهيم، عن علقمة، عن عبد اللَّه، هل هو مثل حديث عُمارة، عن عبد الرحمن؟ فقال: نعم.
فقوله: "فقال" فاعل "قال" ضمير السائل المفهوم من "سُئل"، وقوله: "عن إبراهيم الخ" مقول القول، بتقدير الاستفهام، أي هل يُروَى عن إبراهيم الخ، وفاعل "قال: نعم" ضمير الأعمش. ووقع في "الكبرى" "وسأله الأعمش عن حديث إبراهيم الخ، والظاهر أنه تصحيف. واللَّه تعالى أعلم.
والحديث من هذا الوجه أخرجه البخاريّ في "النكاح" -٥٠٦٦ - ومسلم فيه- ١٤٥٠. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٤٣ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ, قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ, عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ, عَنْ عَلْقَمَةَ, قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ مَسْعُودٍ, وَهُوَ عِنْدَ عُثْمَانَ, فَقَالَ: عُثْمَانُ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى فِتْيَةٍ, فَقَالَ: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ ذَا طَوْلٍ, فَلْيَتَزَوَّجْ, فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ, وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ, وَمَنْ لَا, فَالصَّوْمُ لَهُ وِجَاءٌ»).
قال الجامع عفا اللَّه تعالىَ عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدموا غير مرّة. و"إسماعيل": هو ابن عليّة.
[تنبيه]: وقع في هذا الحديث في "الكبرى" نقص، وتصحيف عجيب، ودونك نصّه:
٢٥٥١/ ٢٢ - أنبأ عمرو بن زرارة، قال: أنبا إسماعيل، وهو عند عثمان، فقال عثمان: "خرج رسول اللَّه ﷺ عليّ -يعني قتيبة- فقال: "من كان منكم ذا طول، فليتزوّج، فإنه أغضّ للطرف، وأحصن للفرج، ومن لا فالصوم له وجاء" انتهى.
فسقط من قوله: قال: حدثنا يونس إلى قوله: مع ابن مسعود، وصحّف "على" الجارّة إلى "عليّ" الجار والمجرور، وصحف "فتية" جمع فَتىَ، إلى "قتيبة"، إن هذا لشيء عجيب!!!.
والحديث من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وفيه مخالفة لروايات الأعمش السابقة، حيث إن فيها أن الحديث لابن مسعود، لا لعثمان ﵄، فخالفه أبو معشر، فجعل الحديث لعثمان ﵁، وهو وإن كان ثقة، فالأعمش يُرجّح عليه، فتقدّم روايته، ولذا أخرجها الشيخان في "صحيحيهما". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
ثم تكلّم المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- على مسألة مهمة، وهي الفرق بين أبي معشر زياد
стр. 11423
ابن كُليب الحنظليّ الكوفيّ، وأبي معشر نجيح السنديّ المدنيّ، فقال:
قَالَ: أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ: أَبُو مَعْشَرٍ هَذَا، اسْمُهُ زِيَادُ بْنُ كُلَيْبٍ، وَهُوَ ثِقَةٌ، وَهُوَ صَاحِبُ إِبْرَاهِيمَ، رَوَى عَنْهُ مَنصُورٌ، وَمُغِيرَةُ، وَشُعْبَةُ.
وَأَبُو مَعْشَرٍ الْمَدَنيُّ (١)، اسْمُهُ نَجِيحٌ (٢)، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَمَعَ ضَعْفِهِ أَيْضًا، كَانَ قَدِ اخْتَلَطَ، عِنْدَهُ أَحَادِيثُ مَنَاكِيرُ، منها:
مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ,، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالمَغرِبِ قِبْلَةٌ".
وَمِنْهَا هِشَامُ بْنُ عُروَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "لَا تَقْطَعُوا اللَّحْمَ بِالسِّكِّينِ، وَلَكِنِ انْهَسُوا نَهْسًا").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: غرض المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بهذا بيان الفرق بين أبي معشر، زياد بن كُليب الحنظليّ الكوفيّ، وأبي معشر نَجيح بن عبد الرحمن السِّنْدِيّ المدنيّ، فقد يلتبس أحدهما بالآخر، حيث إنهما من طبقة واحدة.
فأما الأول: فاسمه زياد بن كُلَيب الحنظليّ، أبو مشعر الكوفيّ، روى عنه الأئمة: منصور بن المعتمر، ومغيرة بن مقسم الضبّيّ، وشعبة، وغيرهم، وهو ثقة، من الطبقة السادسة، مات سنة (١١٩) أو (١٢٠) وهو من رجال الجماعة، إلا البخاريّ، وابن ماجه. وتقدّم في ١٨٨/ ٣٠٠.
وأما الثاني: فاسمه نَجِيح بن عبد الرحمن السنديّ المدنيّ، مولى بني هاشم، ضعيف، من الطبقة السادسة أيضًا، أَسَنَّ، واختلط، مات سنة (١٧٠) وهو من رجال أبي داود، والترمذيّ، وابن ماجه، وقد ذكره المصنّف في هذا الباب، وليس له رواية عنده.
وهذا الذي قاله المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- من توثيق الأول، وتضعيف الثاني، قاله غيره من الأئمة أيضًا:
فأما الأول، فقد وثّقه ابن المدينيّ، وأبو جعفر السمتيّ، والعجليّ، وقال ابن حبّان: كان من الحفّاظ المتقنين (٣).
وأما الثاني، فقد ضعفه يحيى القطّان، وابن معين، وأبو داود، وقال البخاريّ: منكر
стр. 11424
الحديث. وقال أحمد: مضطرب لا يقيم الإسناد، أَكتُبُ حديثه أعتبر به. وقال أيضًا: يُكتب من حديث أبي معشر أحاديثه عن محمد بن كعب في التفسير. وقال ابن أبي خيثمة: سمعت محمد بن بكّار بن الريّان يقول: كان أبو معشر تغيّر قبل أن يموت تغيّرًا شديدًا، حتى كان يخرج منه الريح، ولا يشعر بها (١).
ثم ذكر المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- من مناكير أبي معشر حديثين:
(أحدهما): ما رواه عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ ، قال: "ما بين المشرق والمغرب قبلة".
والحديث أخرجه الترمذيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "الجامع"، فقال:
٣٤٢ حدثنا محمد بن أبي معشر، حدثنا أبي، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما بين المشرق والمغرب قبلة".
حدثنا يحيى بن موسى، حدثنا محمد بن أبي معشر مثله.
قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة، قد روي عنه من غير هذا الوجه، وقد تكلم بعض أهل العلم في أبي معشر، من قبل حفظه، واسمه نَجِيح، مولى بني هاشم، قال محمد (٢): لا أروي عنه شيئا، وقد رَوَى عنه الناس، قال محمد: وحديث عبد اللَّه بن جعفر الْمَخْرَمي، عن عثمان بن محمد الأخنسي، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، أقوى من حديث أبي معشر، وأصح. انتهى.
والثاني: ما أخرجه أبو داود -رحمه اللَّه تعالى- في "سننه"، فقال:
٣٧٧٨ حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا أبو معشر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تقطعوا اللحم بالسكين، فإنه من صنيع الأعاجم، وانهسوه، فإنه أهنأ، وأمرأ". قال أبو داود: وليس هو بالقوي. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
стр. 11425
٤٤ - (بَابُ ثَوَابِ مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَذِكْرِ الاخْتِلَافِ عَلَى سُهَيلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ فِي الْخَبَرِ فِي ذَلِكَ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه الاختلاف المذكور أن أنس بن عياض رواه عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، وتابعه عليه سعيد بن عبد الرحمن، وخالفهما أبو معاوية، وشعبة، ويزيد بن الهاد، وحميد بن الأسود، وابن جريج:
فرواه أبو معاوية، عن سهيل، عن المقبريّ، عن أبي سعيد الخدريّ ﵁. ورواه شعبة، عن صفوان بن أبي يزيد، عن أبي سعيد. ورواه ابن الهاد، وحميد بن الأسود، وابن جريج، ثلاثتهم عن سهيل، عن النعمان بن أبي عياش، عن أبي سعيد.
والحديث صحيح، مروي من حديث أبي هريرة ﵁، ومن حديث أبي سعيد الخدريّ ﵄، فيكون سهيل رواه عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، وعن النعمان بن أبي عياش، وصفوان بن أبي يزيد، والمقبريّ، ثلاثتهم عن أبي سعيد ﵁.
وقد أخرجه الشيخان من رواية سهيل بن أبي صالح، عن النعمان بن أبي عياش، عن أبي سعيد، ومن رواية يحيى بن سعيد الأنصاريّ، وسهيل، كلاهما عن النعمان، عنه. كما هي الرواية الآتية للمصنّف آخر الباب.
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وقد اختُلف في إسناده على سهيل، فرواه الأكثر عنه هكذا -يعني عن النعمان بن أبي عياش، عن أبي سعيد- وخالفهم شعبة عنه، فرواه عن صفوان بن أبي يزيد، عن أبي سعيد، أخرجه النسائيّ، ولعلّ لسهيل فيه شيخين. وأخرجه النسائيّ أيضًا من طريق أبي معاوية، عن سهيل، عن المقبريّ، عن أبي سعيد، ووَهِمَ فيه أبو معاوية، وإنما يرويه المقبريّ، عن أبي هريرة، لا عن أبي سعيد، وإنما رواه سهيل من حديث أبي هريرة، عن أبيه، عنه، لا عن المقبريّ، كذلك أخرجه النسائيّ، من طريق سعيد بن عبد الرحمن، عن سهيل، عن أبيه. وكذا أخرجه أحمد، عن أنس بن عياض، عن سهيل انتهى كلام الحافظ (١).
стр. 11426
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: كان الأولى للحافظ أن يعزو رواية أنس بن عياض إلى المصنّف أيضًا فقد أخرجها من روايته أيضًا في أول هذا الباب، فتنبّه.
والحاصل أن الحديث صحيح من رواية سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، وعن سهيل، عن صفوان بن أبي يزيد، والنعمان بن أبي عياش، كلاهما عن أبي سعيد ﵁.
وأما رواية أبي معاوية، عن سهيل، عن المقبريّ، عن أبي سعيد، فقد قال المصنّف في "الكبرى":
قال أبو عبد الرحمن: هذا خطأ، لا نعلم أحدًا تابع أبا معاوية على هذا الإسناد انتهى. ووَهَّمَه أيضًا الحافظ في كلامه السابق.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لا يقال: لا مانع من تصحيح رواية أبي معاوية أيضًا، لأن أبا معاوية ثقة، فتقبل روايته، كما قبلت رواية شعبة، مع مخالفته للجماعة، ولم يتابعه أحد، فيكون لسهيل في حديث أبي سعيد ثلاثة من الشيوخ: النعمان بن أبي عياش، كما في رواية الجماعة عنه، وصفوان بن أبي يزيد، كما في رواية شعبة عنه، والمقبريّ كما في رواية أبي معاوية عنه.
لأنا نقول: أبو معاوية، وإن كان من أوثق الناس في الأعمش، إلا أنه في غيره لا يحمدونه، فقد قال الإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى-: أبو معاوية الضرير في غير حديث الأعمش مضطرب، لا يحفظها حفظًا جيّدًا، وكذا نُقِلَ نحوُ هذا عن غير أحمد، انظر ترجمته في "تهذيب التهذيب" ٣/ ٥٥١ - ٥٥٢. فيعلم من هذا أنه مما أخطأ فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٢٤٤ - (أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسٌ, عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «مَنْ صَامَ يَوْمًا, فِي سَبِيلِ اللَّهِ , زَحْزَحَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ, بِذَلِكَ الْيَوْمِ سَبْعِينَ خَرِيفًا»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يونس بن عبد الأعلى) الصدفيّ المصريّ، ثقة، من صغار [١٠] ٢٥/ ٢١٦٣.
٢ - (أنس) بن عياض، أبو ضمرة الليثيّ المدنيّ، ثقة [٨] ٢٢/ ١٢٢٩.
٣ - (سهيل بن أبي صالح) ذكون السمّان المدنيّ، صدوق، تغيّر بآخره [٦] ٣٢/ ٨٢٠.
٤ - (أبوه) ذكوان السمان الزيّات المدنيّ، ثقة ثبت [٣] ٣٦/ ٤٠.
٥ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 11427
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فمصريّ. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وفيه أبو هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - من المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) أنه (قَالَ: "مَنْ صَامَ يَوْمًا، فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) أي في الجهاد، أو في أعمّ منه. قال في "النهاية": السبيل في الأَصل الطريق، ويذكّر ويؤنّث، والتأنيث فيها أغلب، وسبيلُ اللَّه عامّ يقع على كلّ عمل خالص للَّه، سُلِك به طريق التقرّب إلى اللَّه تعالى بأداء الفرائض والنوافل، وأنواع الطاعات، وإذا أطلق فهو في الغالب واقع على الجهاد حتى صار لكثرة الاستعمال، كأنه مقصور عليه انتهى (١).
وقال ابن الجوزيّ -رحمه اللَّه تعالى-: إذا أُطلِقَ ذكرُ سبيل اللَّه، فالمراد به الجهاد. وقال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: سبيل اللَّه طاعة اللَّه، فالمراد من صام قاصدًا وجه اللَّه.
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: ويحتمل أن يكون ما هو أعمّ من ذلك، ثم وجدته في "فوائد أبي الطاهر الذهليّ" من طريق عبد اللَّه بن عبد العزيز الليثيّ، عن المقبريّ، عن أبي هريرة، بلفظ: "ما من مرابط يُرابط في سبيل اللَّه، فيصوم يومًا في سبيل اللَّه … " الحديث.
وقال ابن دقيق العيد -رحمه اللَّه تعالى-: العرف الأكثر استعماله في الجهاد، فإن حمل عليه كانت الفضيلة لاجتماع العبادتين، قال: ويحتمل أن يراد بسبيل اللَّه طاعته كيف كانت، والأول أقرب.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله ابن دقيق العيد من ترجيح كون المراد بسبيل اللَّه هو الجهاد هو الظاهر عندي. واللَّه تعالى أعلم.
قال: ولا يعارض ذلك أن الفطر في الجهاد أولى؛ لأن الصائم يضعف عن اللقاء؛ لأن الفضل المذكور محمول على من لم يخش ضعفًا، ولا سيّما من اعتاد به، فصار ذلك من الأمور النسبيّة، فمن لم يضعفه الصوم عن الجهاد، فالصوم في حقّه أفضل؛
стр. 11428
ليجمع بين الفضيلتين. انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: سيأتي حكم الصيام في السفر، واختلاف أهل العلم فيه بعد باب إن شاء اللَّه تعالى.
(زَحْزَحَ اللَّه وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ) ببناء الفعل للفاعل: أي أبعده من النار، وأراد بالوجه ذاته، وإنما عبّر به؛ لأن الإنسان أول ما يواجه الشيء يكون بوجهه، فإذا أبعد اللَّه وجهه عن مواجهة النار، فبالأحرى إبعاد سائر أجزائه عنها. واللَّه تعالى أعلم (بِذَلِكَ الْيَوْم) الباء سببيّة، أي بسبب صوم ذلك اليوم (سَبْعِينَ خَرِيفًا) قال في "النهاية": أن نحّاه، وباعده عن النار مسافة تُقطع في سبعين سنة؛ لأنه كلما مرّ خريف، فقد انقضت سنة.
وقال التوربشتيّ: كانت العرب تؤرّخ أعوامها بالخريف؛ لأنه كان أوان جِدَادهم، وقِطَافهم، وإدراك غلّاتهم، وكان الأمر على ذلك حتى أرّخ عمر ﵁ بسنة الهجرة انتهى (٢).
وقال في "الفتح": الخريف زمان معلوم من السنة، والمراد هنا العامُ، وتخصيص الخريف بالذكر، دون بقية الفصول -الصيف، والشتاء، والربيع- لأن الخريف أزكى الفصول؛ لكونه تُجنَى فيه الثمار. ونقل الفاكهيّ أن الخريف تجتمع فيه الحرارة، والبرودة، والرطوبة، واليبوسة، دون غيره، ورُدّ بأن الربيع كذلك. قال القرطبيّ: وَرَدَ ذكرُ السبعين لإرادة التكثير كثيرًا انتهى.
ويؤيّده-كما قال الحافظ- ما يأتي للمصنّف في الباب التالي من حديث عقبة بن عامر ﵁، وما رواه الطبرانيّ عن عمرو بن عَبَسَة، وأبو يعلى عن معاذ بن أنس، فقالوا جميعا في رواياتهم: "مائة عام" (٣). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٤٤/ ٢٢٤٤ و ٢٢٤٦ - وفي "الكبرى" ٤٤/ ٢٥٥٢ و ٢٥٥٣. وأخرجه (ت) في "الجهاد" ١٦٣٣ (ق) في "الصيام" ١٧١٨ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين"
стр. 11429
٧٩٣٠. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٤٥ - (أَخْبَرَنَا دَاوُدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ حَفْصٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرُ, عَنْ سُهَيْلٍ, عَنِ الْمَقْبُرِيِّ, عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ, بَاعَدَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ, بِذَلِكَ الْيَوْمِ, سَبْعِينَ خَرِيفًا»).
قالَ الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه:
١ - (داود بن سليمان بن حفص) العَسْكَريّ، أبي سَهْل الدقّاق السّامَرِّيّ، مولى بني هاشم، لقبه بُنَان، صدوق [١٠].
قال ابن أبي حاتم: كتبت عنه مع أبي، وهو صدوق. وقال النسائيّ في "أسماء شيوخه": شُويخٌ كتبنا عنه بالثَّغْر، صدوق. وقال الخطيب: ثقة. فإنه ممن انفرد به المصنّف بهذا الحديث فقط، وابن ماجه، وله عنده حديثان.
و"أبو معاوية": هو محمد بن خازم الضرير الكوفيّ. و"المقبريّ": هو سعيد بن أبي سعيد كيسان المدنيّ.
والحديث من أفراد المصنّف، أخرجه هنا- ٤٤/ ٢٢٤٤ - وفي "الكبرى" ٤٤/ ٢٥٥٤. وتقدم أن المصنّف ضعفه، وكذا وهّم الحافظ أبامعاوية في "الفتح". فراجع ما سبق تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٤٦ - (أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, قَالَ: أَخْبَرَنِي (١) سُهَيْلٌ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ صَامَ يَوْمًا, فِي سَبِيلِ اللَّهِ, بَاعَدَ اللَّهُ , وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ, سَبْعِينَ خَرِيفًا»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الحديث رجال الصحيح، غير شيخه، إبراهيم بن يعقوب الْجُوزَجَانيّ الحافظ الثبت [١١] ١٢٢/ ١٧٤، فقد انفرد به هو، وأبو داود، والترمذيّ.
و"ابن أبي مريم": هو سعيد بن الحكم بن محمد الْجُمَحيّ المصريّ الثقة الثبت الفقيه، من كبار [١٠] ٣/ ٢٠٩٨. من رجال الجماعة.
و"سعيد بن عبد الرحمن": هو الجمحيّ المدنيّ، المتقدّم في الباب الماضي.
стр. 11430
والحديث صحيح، وقد سبق الكلام فيه قبل حديث. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٤٧ - (أَخْبَرَنَا (١) مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ,, عَنْ سُهَيْلٍ, عَنْ صَفْوَانَ, عَنْ أَبِي سَعِيدٍ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ , بَاعَدَ اللَّهُ وَجْهَهُ مِنْ جَهَنَّمَ سَبْعِينَ عَامًا»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير:
١ - (صفوان) بن أبي يزيد، ويقال: ابن سُليم الحجازيّ المدنيّ، مقبول [٤].
روى عن أبي سعيد الخدريّ، وعن حصين، وقيل: غيره. وعنه ابنه الحجاج، وسهيل بن أبي صالح، وعبيد اللَّه بن أبي جعفر، ومحمد بن عمرو بن علقمة. ذكره ابن حبَّان في "الثقات". تفرّد به البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا ٢٢٤٧ وفي "كتاب الجهاد" حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا "لا يجتمع غبار في سبيل اللَّه، ودخان جهنم في جوف عبد أبدًا … " الحديث، كرره ست مرات: برقم ٣١١٠ و ٣١١١ و ٣١١٢ و ٣١١٣ و ٣١١٤ و ٣١١٥.
و"محمد": هو ابن جعفر المعروف بـ"غندر".
والحديث صحيح، وهو بهذا الإسناد من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وسيأتي أنه متّفقٌ عليه، لكن من رواية سهيل، عن النعمان بن أبي عيّاش، وهي الرواية التالية.
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٤٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ, عَنْ شُعَيْبٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ, عَنِ ابْنِ الْهَادِ, عَنْ سُهَيْلٍ, عَنِ ابْنِ أَبِي عَيَّاشٍ, عَنْ أَبِي سَعِيدٍ, أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَقُولُ «مَا مِنْ عَبْدٍ يَصُومُ يَوْمًا, فِي سَبِيلِ اللَّهِ , إِلاَّ بَعَّدَ اللَّهُ , بِذَلِكَ الْيَوْمِ, وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ (٢) , سَبْعِينَ خَرِيفًا»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فمن أفراده، وهو ثقة فقيه.
و"شعيب": هو ابن الليث بن سعد. و"ابن الهاد": هو يزيد بن عبد اللَّه بن الهاد المدنيّ. وكلهم تقدموا غير:
١ - (النعمان بن أبي عيّاش): الأنصاريّ الزُّرَقِيّ، أبي سلمة المدنيّ، ثقة [٤].
قال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات".
стр. 11431
وقال أبو بكر بن منجويه: كان شيخًا كبيرًا، من أفاضل أبناء أصحاب رسول اللَّه ﷺ . روى له الجماعة، سوى أبي داود، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، كرره ستّ مرّات: برقم ٢٢٤٨ و ٢٢٤٩ و ٢٢٥٠ و ٢٢٥١ و ٢٢٥٢ و ٢٢٥٣.
والحديث متفق عليه، أخرجه المصنّف هنا -٤٤/ ٢٢٤٦ و ٢٢٤٧ و ٢٢٤٨ و ٢٢٤٩ و ٢٢٥٠ و ٤٥/ ٢٢٥١ و ٢٢٥٢ و ٢٢٥٢ و ٢٢٥٣ - وفي "الكبرى" ٤٤/ ٢٥٥٥ و ٢٥٥٦ و ٢٥٥٧ و ٢٥٥٨ و ٤٥/ ٢٥٥٩ و ٢٥٦٠ و ٢٥٥٦١. وأخرجه (خ) في "الجهاد" ٢٨٤٠ (م) في "الصيام" ٢٧٠٤ و ٢٧٠٥ و ٢٧٠٦. (ت) في "كتاب فضائل الجهاد" ١٦٢٣. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٤٩ - (أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ قَزَعَةَ, عَنْ حُمَيْدِ بْنِ الأَسْوَدِ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُهَيْلٌ, عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ, قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ صَامَ يَوْمًا, فِي سَبِيلِ اللَّهِ , بَاعَدَهُ اللَّهُ عَنِ النَّارِ, سَبْعِينَ خَرِيفًا»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح غير شيخه، فقد انفرد به هو، والترمذيّ، وابن ماجه، وهو بصريّ صدوق [١٠] ٤٧/ ١٧٣١. وكلهم تقدّموا غير:
١ - (حميد بن الأسود) بن الأشقر البصريّ، أبي الأسود الكرابيسيّ، صدوق يَهِم قليلاً [٨].
قال أبو حاتم: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال الأثرم عن أحمد: سبحان اللَّه ما أنكر ما يجيء به. وقال العقيليّ في "الضعفاء": كان عفّان يَحمِل عليه؛ لأنه روى حديثًا منكرًا. وقال الساجيّ، والأزديّ: عنده مناكير. وقال الحاكم، عن الدارقطنيّ: ليس به بأس. روى له الجماعة سوى مسلم، أخرج له البخاريّ مقرونًا بغيره في موضعين، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
والحديث متفق عليه، كما سبق بيانه في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٥٠ - (أَخْبَرَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ إِهَابٍ (١) , قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ, وَسُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ, سَمِعَا النُّعْمَانَ بْنَ أَبِي عَيَّاشٍ, قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ, يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : يَقُولُ: «مَنْ صَامَ يَوْمًا, فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﵎, بَاعَدَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ, سَبْعِينَ خَرِيفًا»).
стр. 11432
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه مؤمّل ابن إهاب الكوفيّ، نزيل الرملة، صدوق له أوهام [١١] فانفرد به هو، وأبو داود. و"يحيى بن سعيد": هو الأنصاريّ المدنيّ.
والحديث أخرجه الشيخان من هذا الوجه، رواه البخاريّ، عن إسحاق بن نصر- ومسلم عن إسحاق بن منصور- وعبدِ الرحمن بنِ بشر العبديّ- ثلاثتهم عن عبد الرزّاق، عن يحيى بن سعيد، وسهيل بن أبي صالح به.
قال في "الفتح": وسهيل بن أبي صالح لم يُخرج له البخاريّ موصولاً إلا هذا، ولم يحتجّ به؛ لأنه قرنه بيحيى بن سعيد انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٤٥ - (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ فِيهِ) (٢)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه الاختلاف المذكور أن يزيد العَدَنيّ رواه عن سفيان، عن سهيل بن أبي صالح، عن النعمان بن أبي عياش، عن أبي سعيد الخدريّ ﵁، وتابعه عليه قاسم بن يزيد، وخالفهما ابن نمير، فرواه عن سفيان، عن سُميّ، عن النعمان، عن أبي سعيد ﵁.
لكن مثل هذا الاختلاف لا يضرّ بصحّةَ الحديث، فإن عبد اللَّه بن نمير ثقة حافظ، فيحمل على أن سفيان رواه عن شيخين: سهيل، وسميّ، كلاهما عن النعمان، عن أبي سعيد ﵁. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٢٥١ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ, نَيْسَابُورِيٌّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ الْعَدَنِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ, عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ, عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَصُومُ عَبْدٌ يَوْمًا, فِي سَبِيلِ اللَّهِ, إِلاَّ بَاعَدَ اللَّهُ
стр. 11433
تَعَالَى, بِذَلِكَ الْيَوْمِ النَّارَ عَنْ وَجْهِهِ, سَبْعِينَ خَرِيفًا»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الحديث عندهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا، غير اثنين:
١ - (عبد اللَّه بن مُنِير) -بضمّ الميم، وكسر النون- أبي عبد الرحمن المروزيّ الزاهد الحافظ، ثقة عابد [١١].
قال النسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال الفربري: قال البخاريّ: حدثنا عبد اللَّه بن مُنِير، ولم أر مثله. قال الفربريّ: وابن منير مروزيّ، سكن فربر، وتوفي بها سنة (٢٤٣) وقال أبو القاسم اللالكائيّ: مات بفربر في ربيع الآخر سنة (٢٤٣).
روى عنه البخاريّ، والمصنّف، والترمذيّ، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٢ - (يزيد) بن أبي حكيم الكنانيّ، أبو عبد اللَّه العَدَنيّ، صدوق [٩].
قال الآجرّيّ، عن أبي داود: لا بأس به، وقد سألته عنه، والفريابيّ؟ فقال: الفريابيّ أعلى. وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: صالح الحديث، وكنت عزمت على الخروج إليه، فخالفني رفيقي، وركب السفينة، ولم ينتظرني، فتركت الخروج إلى صنعاء، وخرجت إلى مصر. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: مستقيم الحديث، ومات بعد (٢٢٠) أو فيها.
أخرج له البخاريّ، والمصنف، والترمذيّ، وابن ماجه، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
[تنبيه]: قوله: "الْعَدَنيّ" وقع في بعض النسخ بدله: ("العدانيّ") بألف بعد الدال، وهو تصحيف، فتنبّه.
والحديث متفق عليه، وتقدم البحث فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٥٢ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا قَاسِمٌ, عَنْ سُفْيَانَ, عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ, عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ, عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ, بَاعَدَ اللَّهُ بِذَلِكَ الْيَوْمِ, حَرَّ جَهَنَّمَ عَنْ وَجْهِهِ, سَبْعِينَ خَرِيفًا»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أحمد بن حرب": هو الطائيّ الموصليّ، صدوق [١٠] ١٠٢/ ١٣٥ من أفراد المصنّف.
و"قاسم": هو ابن يزيد الْجَرميّ، أبو يزيد الموصليّ، ثقة عابد [٩] ١٠٢/ ١٣٥.
стр. 11434
من أفراد المصنّف أيضًا، والباقون تقدّموا في الذي قبله.
والحديث متّفقٌ عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٥٣ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ, قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي, حَدَّثَكُمُ ابْنُ نُمَيْرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ سُمَيٍّ, عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ, عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ صَامَ يَوْمًا, فِي سَبِيلِ اللَّهِ, بَاعَدَ اللَّهُ بِذَلِكَ الْيَوْمِ, النَّارَ عَنْ وَجْهِهِ, سَبْعِينَ خَرِيفًا»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح غير شيخه:
١ - (عبد اللَّه بن أحمد بن محمد بن حنبل) الشيبانيّ، أبي عبد الرحمن، وَلَد الإمام المشهور، ثقة [١٢].
قال عباس الدُّوريّ: سمعت أحمد يقول: قد وَعَى عبد اللَّه علمًا كثيرًا. وقال الخُطَبيّ: بلغني عن أبي زرعة، قال: قال أحمد: ابني عبد اللَّه محظوظ من علم الحديث، أو من حفظ الحديث -إسماعيل بن عليّ يشكّ- لا يكاد يذاكر إلا بما لا أحفظ. وقال أبو عليّ الصوّاف: قال عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل: كلّ شيء أقول: قال أبي، فقد سمعته مرتين أو ثلاثًا. وقال ابن أبي حاتم: كتب إليّ بمسائل أبيه، وبعلل الحديث. وقال أبو الحسين بن المنادي: لم يكن في الدنيا أحد أروى عن أبيه منه؛ لأنه سمع منه "المسند"، وهو ثلاثون ألفًا، و"التفسير"، وهو مائة وعشرون ألفًا، سمع منه ثمانين ألفًا، والباقي وجادة، و"الناسخ والمنسوخ"، و"التاريخ"، و"حديث شعبة"، و"جوابات القرآن"، و"المناسك"، وغير ذلك من التصانيف، وحديث الشيوخ، قال: وما زلنا نرى أكابر شيوخنا يشهدون له بمعرفة الرجال، وعلل الحديث، والأسماء، والكنى, والمواظبة على الطلب حتى إن بعضهم أسرف في تقريظه إياه بالمعرفة، وزيادة السماع على أبيه. وقال ابن عديّ: نَبُلَ بأبيه، وله في نفسه محلّ في العلم، ولم يَكتُب عن أحد إلا من أمره أبوه أن يكتب عنه. وقال بدر بن أبي بدر البغداديّ: عبد اللَّه بن أحمد جِهْبذٌ ابن جِهْبِذ. وقال الخطيب: كان ثقة ثبتًا فَهِمًا. وقال النسائيّ: ثقة. وقال السلميّ: سألت الدارقطنيّ عن عبد اللَّه بن أحمد، وحنبل بن إسحاق؛، فقال: ثقتان نبيلان. وقال أبو بكر الخلّال: كان عبد اللَّه رجلاً صالحًا، صادق اللَّهْجة، كثير الحياء. وقال أبو عليّ بن الصوّاف: وُلد سنة (٢١٣) ومات سنة (٢٩٠) وكذا أرّخه إسماعيل الْخُطَبيّ، وزاد: في جمادى. تفرّد به المصنّف، روى عنه حديثين فقط: أحدهما هذا، والثاني في "كتاب قطع السارق" رقم -٤٨٧٩ - حديث قطع سارق بردة صفوان بن أميّة ﵁.
стр. 11435
و"ابن نُمير": هو عبد اللَّه بن نمير الهمدانيّ الكوفيّ، ثقة ثبت، من كبار [٩] ٢٥/ ١٦٦٤.
و"سُميّ": هو مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، ثقة [٦] ٢٢/ ٥٤٠.
وقال المصنّف في "الكبرى" في هذا الحديث:
قال أبو عبد الرحمن: وهو مولى لأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المدنيّ، روى عنه مالك، وقال يحيى بن سعيد القطّان: القعقاع بن حكيم أحبّ إليّ من سُميّ. قال أبو عبد الرحمن: وكلاهما عندي ثقة، وسُميّ أحبّ إلينا من سُهيل بن أبي صالح. انتهى (١).
والحديث متفق عليه، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٥٤ - (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شُعَيْبٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ الْحَارِثِ, عَنِ الْقَاسِمِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ, أَنَّهُ حَدَّثَهُ, عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : قَالَ: «مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ , بَاعَدَ اللَّهُ مِنْهُ جَهَنَّمَ, مَسِيرَةَ مِائَةِ عَامٍ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمود بن خالد": هو السلميّ، أبو عليّ الدمشقيّ، ثقة، من صغار [١٠] ٤٥/ ٥٩٥.
و"محمد بن شعيب": هو الدمشقيّ، نزيل بيروت، صدوق صحيح الكتاب، من كبار [٩] ٦/ ١١٩٠.
و"يحيى بن الحارث": هو الذماريّ، أبو عمرو الشاميّ القارئ، ثقة [٥] ١٠/ ١٣٨١.
و"القاسم أبو عبد الرحمن": هو ابن عبد الرحمن الدمشقيّ، صاحب أبي أمامة، صدوق يرسل كثيرًا [٣] ٦٧/ ١٨١٣.
و"عقبة بن عامر": هو الجهنيّ الصحابيّ المشهور ﵁ ١٠٨/ ١٤٤.
والسند مسلسل بالشاميين، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "مسيرة مائة عام".
[إن قلت]: بينه وبين الروايات السابقة بلفظ: "باعد اللَّه بذلك اليوم النار عن وجهه سبعين خريفًا" تعارض ظاهرًا، فكيف يُجمع بينهما.
[قلت]: يجاب عن ذلك بجوابين:
стр. 11436
(أحدهما): أن يحمل على أنّ المراد التكثير، لا التحديد.
(الثاني): أن اللَّه تعالى وعد الصائم بإبعاد جهنّم عنه مسيرة سبعين خريفًا، ثم تفضّل عليه فزاده حتى كان مسيرة مائة عام. واللَّه تعالى أعلم.
والحديث صحيح، وهو من أفراد المصنّف، أخرجه هنا-٤٥/ ٢٢٥٤ - وفي "الكبرى" ٤٥/ ٢٥٦٢. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٤٦ - (بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ)
٢٢٥٥ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ, عَنْ كَعْبِ بْنِ عَاصِمٍ, قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَقُولُ: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه الحنظليّ المروزيّ، ثقة ثبت [١٠] ٢/ ٢.
٢ - (سفيان) بن عُيينة الهلاليّ، أبو محمد المكيّ، ثقة ثبت [٨] ١/ ١.
٣ - (الزهريّ) محمد بن مسلم، أبو بكر المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٤] ١/ ١.
٤ - (صفوان بن عبد اللَّه) بن صفوان بن أمية بن خلف الجمحيّ القرشيّ المكيّ، كان زوج الدرداء بنت أبي الدرداء، ثقة [٣].
قال ابن سعد: كان قليل الحديث. وقال النسائيّ: ثقة. وقال العجليّ: مدنيّ تابعيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، ومسلم، وابن ماجه، وله عندهم في الدعاء بظهر الغيب. وأخرج له المصنّف حديث الباب فقط.
٥ - (أم الدرداء) الصغرى، زوج أبي الدرداء، اسمها هُجَيمة، وقيل: جُهَيمة بنت حُييّ الأوصابية الدمشقية، ذكرها ابن سُمَيع في الطبقة الثانية من تابعي أهل الشام. وقال أبو زرعة الدمشقيّ: سمعت أبا مسهر يقول: أم الدرداء الصغرى هُجَيمة بنت حُيَيّ
стр. 11437
الوصّابيّة، وأم الدرداء الكبرى خَيْرَة بنت أبي حَدْرَد. وقال أبو أحمد العَسَّال: أم الدرداء الصغرى هي التي يُروى عنها الحديث الكثير، وكانت أم الدرداء الكبرى صحابيّة. وقال الوليد بن مسلم، عن عثمان بن أبي العاتكة، وابن جابر: كانت أم الدرداء يتيمة في حجر أبي الدرداء تختلف مع أبي الدرداء في برنس تُصلي في صفوف الرجال، وتَجلس في حلق القرّاء حتى قال لها أبو الدرداء: الحقي بصفوف النساء. وقال أبو الزاهريّة، عن جُبير بن نُفير، عن أم الدرداء، أنها قالت لأبي الدرداء: إنك خطبتني إلى أبويّ في الدنيا، فأنكحوني، وإني أخطبك إلى نفسك في الآخرة، قال: فلا تَنكحي بعدي، فخطبها معاوية، فأخبرته بالذي كان، فقال: عليك بالصيام. وقال رُديح بن عطيّة المقدسيّ، عن إبراهيم بن أبي عَبْلة، عن أم الدرداء أن رجلاً أتاها، فقال: إن رجلاً نال منك عند عبد الملك، فقالت: إن نُؤَبَّن (١) بما ليس فينا، فطالما زُكّينا بما ليس فينا. وقال عبد ربّه بن سليمان بن زيتون: حجت أم الدرداء سنة إحدى وثمانين. وقال ابن حبّان في "الثقات": كانت تُقيم ستة أشهر ببيت المقدس، وستة أشهر بدمشق، وماتت بعد سنة (٨١)، وكانت من العابدات. ووقع عند البيهقيّ اسمها حمامة، فينظر. روى لها الجماعة، ولها عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٦ - (كعب بن عاصم) الأشعريّ، قال البغويّ: سكن مصر. روى عن النبيّ ﷺ : "ليس من البرّ الصيام في السفر"، وعنه أم الدرداء، رُوي عن جابر بن عبد اللَّه عنه حديث آخر. والصحيح أنه غير أبي مالك الأشعريّ الذي يروي عنه عبد الرحمن بن غَنْم، فإن ذلك معروف بكنيته، مختلف في اسمه، وهذا معروف باسمه، ولا تعرف له كنية، وإن كان قد قيل في ذلك: إن اسمه كعب بن عاصم، فإنه أحد ما قيل في اسمه. تفرّد به المصنّف، وابن ماجه، وله عندهما هذا الحديث فقط. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح إلا الصحابيّ كما مر آنفًا. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن صحابيه من المقلّين من الرواية، فليس له إلا هذا الحديث عند المصنّف، وابن ماجه فقط، كما مرّ آنفًا. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 11438
شرح الحديث
(عَنْ كَعْبِ بْنِ عَاصِمٍ) ﵁، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: "لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ"، "البرّ" -بكسر الباء- أي الطاعة والعبادة. يعني أن الصوم في حال السفر ليس طاعة مشروعة.
قال الزركشيّ: "من" زائدة لتأكيد النفي. وقيل: للتبعيض، وليس بشيء. وتعقّبه البدر الدمامينيّ: فقال: هذا عجيب لأنه أجاز ما المانع منه قائم، ومنع ما لا مانع منه، وذلك أن من شروط زيادة "من" أن يكون مجرورها نكرة، وهو في الحديث معرفة، وهذا هو المذهب المعوّل عليه، وهو مذهب البصريين؛ خلافًا اللأخفش، والكوفيين، وأما كونها للتبعيض فلا وجه لمنعه، إذ المعنى: إن الصوم في السفر ليس معدودًا من أنواع البرّ. كذا ذكره القسطّلانيّ.
وهذا عند الجمهور محمول على ما يتضرّر به صاحبه، كما سيأتي تحقيق ذلك قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى.
[تنبيه]: هذا الحديث باللفظ المذكور -أعني "ليس من البرّ الصيام في السفر" هو المشهور، كما رواه المصنّف، وابن ماجه، والدارميّ، والطحاويّ، والبيهقيّ، وقد جاء بـ"أم" بدل "ال"، رواه الإمام أحمد في "مسنده" جـ٥ ص ٤٣٤، فقال:
٢٣١٦٧ - حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن صفوان بن عبد اللَّه، عن أم الدرداء، عن كعب بن عاصم الأشعري، وكان من أصحاب السَّقِيفَة، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "ليس من البر الصيام في السفر" انتهى.
وهذا الإسناد وإن كان صحيحًا، إلا أن الظاهر أنه بهذا اللفظ شاذّ، والمحفوظ هو اللفظ الأول. راجع "إرواء الغليل" ٤/ ٥٨ - ٥٩ للشيخ الألباني -رحمه اللَّه تعالى-. ورواه بإسنادين آخرين باللفظ الأول.
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وهذه لغة لبعض أهل اليمن، يجعلون لام التعريف ميما، ويحتمل أن يكون النبيّ ﷺ خاطب بها هذا الأشعريّ؛ لأنها لغته، ويحتمل أن يكون الأشعريّ هذا نطق بها على ما أَلِفَ من لغته، فحملها الراوي عنه، وأداها باللفظ الذي سمعها منه، وهذا الثاني أوجه عندي. واللَّه أعلم انتهى (١).
وقال الزمخشريّ: هي لغة طيّئ، فإنهم يبدلون اللام ميما. وقال الجزريّ في "جامع
стр. 11439
الأصول" جـ٧ ص ٥٤٦: الميم بدل من لام التعريف في لغة قوم من اليمن، فلا ينطقون بلام التعريف، ويجعلون مكانها الميم انتهى.
وقال ابن هشام الأنصاريّ في "مغني اللبيب" عند الكلام على أقسام "أم": ما نصّه: (الرابع): أن تكون للتعريف، نُقِلَت عن طيء، وعن حمير، وأنشدوا [من الخفيف]:
ذَاكَ خَلِيلي وَذُو يُوَاصِلُنِي … يَرْمِي وَرَائِي بِامْسَهْمِ وَامْسَلِمَهْ
وفي الحديث: "ليس من امبرم امصيام في امسفر". كذا رواه النمر بن تَوْلَب ﵁ (١) وقيل: إن هذه اللغة مختصّة بالأسماء التي لا تدغم لام التعريف في أولها، نحو غلام، وكتاب، بخلاف رجل، وناس، ولباس. وحكى لنا بعض طلبة اليمن أنه سمع في بلادهم من يقول: خذ الرمح، واركب امفرس، ولعلّ ذلك لغة لبعضهم، لا لجميعهم، ألا ترى إلى البيت السابق، وأنها في الحديث دخلت على النوعين انتهى كلام ابن هشام (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث كعب بن عاصم - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح، وهو متفق عليه من حديث جابر بن عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما -، كما سيأتي للمصنّف في الأبواب التالية، إن شاء اللَّه تعالى.
(الممسالة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٦/ ٢٢٥٥ - وفي "الكبرى" ٤٦/ ٢٥٦٣. وأخرجه (ق) في "الصيام" (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٣١٦٧ (الدارمّي) في "الصوم" ١٧١٠. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): اختلف القائلون بجواز الصوم في السفر -وهم الجمهور، كما سيأتي في المسألة التالية- في تأويل حديث: "ليس من البرّ الصيام في السفر" المذكور في الباب على أقوال:
فذهب بعضهم إلى أنه قد خرج على سبب، فيقتصر عليه، وعلى من كان في مثل
стр. 11440
حاله، وإلى هذا جنح المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- حيث قال في الباب التالي: "العلة التي من أجلها قيل ذلك"، ثم أورد حديث جابر ﵁ الآتي، وكذا جنح إليه البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى-، حيث ترجم بقوله: [باب قول النبيّ ﷺ لمن ظُلّل عليه، واشتدّ الحرّ: "ليس من البرّ الصوم في السفر"]، ولذا قال الطبريّ -رحمه اللَّه تعالى- بعد أن ساق نحو حديث الباب من رواية كعب بن عاصم الأشعريّ، ولفظه: "سافرنا مع رسول اللَّه ﷺ ، ونحن في حرّ شديد، فإذا رجل من القوم قد دخل تحت ظلّ شجرة، وهو مضطجع كضجعة الوجع، فقال رسول اللَّه ﷺ : "ما لصاحبكم، أيّ وجع به؟ "، فقالوا: ليس به وَجَعٌ، ولكنه صائم، وقد اشتدّ عليه الحرّ، فقال النبيّ ﷺ حينئذ: "ليس البرّ أن تصوموا في السفر، عليكم برخصة اللَّه التي رخّص لكم". فكان قوله ﷺ ذلك لمن كان في مثل ذلك الحال.
وقال ابن دقيق العيد -رحمه اللَّه تعالى-: أُخِذَ من هذه القصّة أن كراهة الصوم في السفر مختصّة بمن هو في مثل هذه الحالة ممن يُجهِده الصوم، ويشقّ عليه، أو يؤدي به إلى ترك ما هو أولى من الصوم من وجوه القرب، فينزّل قوله: "ليس من البرّ الصوم في السفر" على مثل هذه الحالة.
قال: والمانعون في السفر يقولون: إن اللفظ عامّ، والعبرة بعمومه، لا بخصوص السبب.
قال: وينبغي أن يُتنبّه للفرق بين دلالة السياق، والقرائن الدالة على تخصيص العامّ، وعلى مراد المتكلّم، وبين مجرّد ورود العامّ على سبب، فإن بين العامّين فرقًا واضحًا، ومن أجراهما مجرى واحدًا لم يصب، فإن مجرد ورود العامّ على سبب لا يقتضي التخصيص به، كنزول آية السرقة في قصّة سرقة رداء صفوان. وأما السياق، والقرائن الدّالّة على مراد المتكلّم، فهي المرشدة لبيان المجملات، وتعيين المحتملات، كما في حديث الباب.
وقال ابن المنيّر في "الحاشية": هذه القصّة تُشعر بأن من اتفق له مثل ما لذلك الرجل أنه يساويه في الحكم؛ وأما من سلم من ذلك ونحوه، فهو في جواز الصوم على أصله. واللَّه أعلم.
وحمل الشافعيّ نفي البرّ المذكور في الحديث على من أبى قبول الرخصة، فقال: معنى قوله: "ليس من البرّ" أن يبلغ رجل هذا بنفسه في فريضة صوم، لا نافلة، وقد أرخص اللَّه تعالى له أن يفطر، وهو صحيح. قال: ويحتمل أن يكون معناه ليس من البرّ المفروض الذي من خالفه أَثِمَ. وجزم ابن خزيمة وغيره بالمعنى الأول.
стр. 11441
وقال الطحاويّ: المراد بالبرّ هنا البرّ الكامل الذي هو أعلى مراتب البرّ، وليس المراد به إخراج الصوم في السفر عن أن يكون برًّا؛ لأن الإفطار قد يكون أبرّ من الصوم، إذا كان للتقوي على لقاء العدوّ مثلاً، قال: وهو نظير قوله ﷺ : "ليس المسكين بالطوّاف … " الحديث، فإنه لم يرد إخراجه من أسباب المسكنة كلها، وإنما أراد أن المسكين الكامل المسكنة الذي لا يجد غنى يُغنيه، ويستحى أن يسأل، ولا يفطن له انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن القول الأول الذي جنح إليه البخاريّ، والمصنف، وابن خزيمة وغيرهم هو الأرجح، جمعًا بين الأدلّة.
وحاصله أن حديث الباب محمول على من تضرّر بالصوم، وأما من لم يتضرّر فلا يتناوله الحديث واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الصوم في السفر:
اختلف السلف في هذه المسألة، فقالت طائفة: لا يجزئ الصوم في السفر عن الفرض، بل من صام في السفر وجب عليه قضاؤه في الحضر؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، ولقوله ﷺ : "ليس من البرّ الصوم في السفر"، ومقابل البرّ الإثم، وإذا كان آثمًا بصومه لم يجزئه، وهذا قول بعض أهل الظاهر، ومنهم ابن حزم، وحكى عن عمر، وابن عمر، وأبي هريرة، والزهريّ، وإبراهيم النخعي، وغيرهم.
واحتجّوا بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ الآية. قالوا: ظاهره، فعليه عدة، أو فالواجب عدّة. وتأوله الجمهور بأن التقدير، فأفطر، فعدّة.
ومقابل هذا القول قول من قال: إن الفطر في السفر لا يجوز إلا لمن خاف على نفسه الهلاك، أو المشقّة الشديدة. حكاه الطبريّ عن قوم.
وذهب أكثر العلماء، ومنهم مالك، والشافعيّ، وأبو حنيفة إلى أن الصوم أفضل لمن قوي عليه، ولم يشقّ عليه.
وقال كثير منهم: الفطر أفضل؛ عملاً بالرخصة، وهو قول الأوزاعيّ، وأحمد، وإسحاق.
وقال آخرون: هو مخير مطلقًا. وقال آخرون: أفضلهما أيسرهما؛ لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ الآية. فإن كان الفطر أيسر عليه، فهو أفضل في حقّه، وإن كان الصيام أيسر، كمن يسهل عليه حينئذ، ويشقّ عليه قضاؤه بعد ذلك، فالصوم في حقّه أفضل، وهو قول عمر بن عبد العزيز، واختاره ابن المنذر.
стр. 11442
قال الحافظ: والذي يترجّح قول الجمهور، ولكن قد يكون الفطر أفضل لمن اشتدّ عليه الصوم، وتضرر به، وكذلك من ظُنّ به الإعراض عن قبول الرخصة، كما تقدّم نظيره في المسح على الخفّين.
وقد رَوَى أحمد من طريق أبي طعمة، قال: قال رجل لابن عمر: إني أقوى على الصوم في السفر، فقال له ابن عمر: من لم يقبل رخصة اللَّه كان عليه من الإثم مثل جبال عرفة، وهذا محمول على من رغب عن الرخصة؛ لقوله ﷺ : "من رغب عن سنتي فليس مني"، وكذلك من خاف على نفسه العجب، أو الرياء إذا صام في السفر، فقد يكون الفطر أفضل له.
وقد أشار إلى ذلك ابن عمر ﵄، فروى الطبريّ من طريق مجاهد، قال: إذا سافرت، فلا تصم، فإنك إن تصم قال أصحابك: اكفوا الصائم، ارفعوا للصائم، وقاموا بأمرك، وقالوا: فلان صائم، فلا تزال كذلك حتى يذهب أجرك.
ومن طريق مجاهد أيضًا عن جنادة بن أميّة، عن أبي ذرّ ﵁ نحو ذلك. وسيأتي للمصنّف -٥٢/ ٢٢٨٣ - من طريق مُوَرّق العجليّ، عن أنس ﵁ نحو هذا، مرفوعًا، حيث قال ﷺ للمفطرين حيث خَدَموا الصوّام: "ذهب المفطرون اليوم بالأجر". متفق عليه.
واحتجّ من منع الصوم أيضًا بما وقع من الزيادة في حديث ابن عباس ﵄: "أن رسول اللَّه ﷺ خرج إلى مكة في رمضان، فصام حتى بلغ الْكَدِيد أفطر، فأفطر الناس". متفق عليه، فقد زاد مسلم من طريق الليث، عن الزهريّ: "قال: وكان أصحاب رسول اللَّه ﷺ يتبعون الأحدث، فالأحدث من أمره". قالوا: إن صومه ﷺ في السفر منسوخ.
وتُعُقّب أوّلاً بأن هذه الزيادة مدرجة من قول الزهري، وبأنه استند إلى ظاهر الخبر من أنه ﷺ أفطر بعد أن صام، ونَسَبَ من صام إلى العصيان.
ولا حجة في شيء من ذلك؛ لأن مسلمًا أخرج من حديث أبي سعيد ﵁ أنه ﷺ صام بعد هذه القصّة في السفر، ولفظه: "سافرنا مع رسول اللَّه ﷺ إلى مكة، ونحن صيام، فنزلنا منزلاً، فقال النبيّ ﷺ : "إنكم قد دنوتم من عدوّكم، والفطر أقوى لكم، فأَفْطِرُوا"، فكانت رخصة، فمنا من صام، ومنا من أفطر، فنزلنا منزلاً، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إنكم مصبّحوا عدوّكم، فالفطر أقوى لكم، فأَفْطِروا، فكانت عزيمة، فأَفْطَرنَا، ثم لقد رأيتنا نصوم مع رسول اللَّه ﷺ بعد ذلك في السفر".
قال الحافظ: وهذا الحديث نصٌّ في المسألة، ومنه يؤخذ الجواب عن نسبته ﷺ -
стр. 11443
الصائمين إلى العصيان؛ لأنه عزم عليهم، فخالفوا، وهو شاهد لما قلناه من أن الفطر لمن شق عليه الصوم، ويتأكد ذلك إذا كان يحتاج إلى الفطر للتقوي به على لقاء العدوّ.
وروى الطبريّ في "تهذيبه" من طريق خيثمة سألت أنس بن مالك عن الصوم في السفر، فقال: لقد أمرتُ غلامي أن يصوم، قال: فقلت له: فأين هذه الآية: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، فقال: إنها نزلت، ونحن نرتحل جياعًا، وننزل على غير شبع، وأما اليوم، فنرتحل شباعًا، وننزل على شبع، فأشار أنس إلى الصفة التي يكون فيها الفطر أفضل من الصوم.
وأما الحديث المشهور: "الصائم في السفر، كالمفطر في الحضر"، فقد أخرجه ابن ماجه، مرفوعًا من حديث ابن عمر ﵄ بسند ضعيف، وأخرجه الطبريّ من طريق أبي سلمة، عن عائشة، مرفوعًا أيضًا، وفيه ابن لهيعة، وهو ضعيف. ورواه الأثرم من طريق أبي سلمة، عن أبيه، مرفوعًا، والمحفوظ: عن أبي سلمة، عن أبيه موقوفًا، كذلك أخرجه النسائيّ (١)، وابن المنذر، ومع وقفه فهو منقطعٍ؛ لأن أبا سلمة لم يسمع من أبيه، وعلى تقدير صحته، فهو محمول على ما تقدّم أولاً، حيث يكون الفطر أولى من الصوم، واللَّه أعلم انتهى كلام الحافظ (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي الأرجح في هذه المسألة قول من قال: إن ما كان أيسر على المسافر من الصوم أو الفطر هو الأفضل، كما تقدّم عن عمر بن عبد العزيز، وابن المنذر --رحمهما اللَّه تعالى--؛ لأن اللَّه تعالى شرع الفطر للمرض، والسفر، بقوله: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، ثم أتبعه بقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، بيانا لحكمة تشريع الفطر للأمرين المذكورين، فكلّ ما كان أيسر على المكلّف كان هو محلّ إرادة الشارع.
والحاصل أن من يكون الصوم أيسر عليه من الفطر في حال السفر، ويشقّ عليه قضاؤه بعده يكون الصوم في حقّه أفضل، ومن كان الصوم عليه أشقّ فالفطر في حقّه أفضل، وكذا من ثقل على قلبه قبول الرخصة، فإن الفطر في حقّه أفضل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٥٦ - (أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ, عَنِ الأَوْزَاعِيِّ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ».
стр. 11444
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: هَذَا خَطَأٌ, وَالصَّوَابُ الَّذِي قَبْلَهُ, لَا نَعْلَمُ أَحَدًا تَابَعَ ابْنَ كَثِيرٍ عَلَيْهِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، "إبراهيم بن يعقوب" الْجُوزجانيّ الحافظ الثبت، و"محمد بن كثير"، فقد تفرد بهما هو، وأبو داود، والترمذيّ، وكلهم تقدموا، سوى:
١ - (محمد بن كثير) بن أبي عطاء الثقفيّ مولاهم، أبي يوسف الصنعانيّ -يقال: هو من صنعاء دمشق- نزيل الْمِصِّيصَة، صدوق كثير الغلط، من صغار [٩].
قال البخاريّ: ضعفه أحمد، وقال: بَعَثَ إلى اليمن، فأُتي بكتاب، فرواه. وقال عبد اللَّه بن أحمد: ذَكَر أبي محمد بن كثير، فضعّفه جدًّا، وضعف حديثه عن معمر جدًّا، وقال: هو منكر الحديث، وقال: يروي أشياء منكرة. وقال صالح بن أحمد، عن أبيه: لم يكن عندي ثقة، بلغني أنه قيل له: كيف سمعت من معمر؟ قال: سمعت منه باليمن، بعث بها إلى إنسان من اليمن. وقال أبو داود: لم يكن يفهم الحديث. وقال أبو حاتم: كان رجلاً صالحًا سكن المصيصة، وأصله من صنعاء اليمن، وفي حديثه بعض الإنكار. وقال صالح بن محمد: صدوق كثير الخطإ. وقال البخاريّ: لين الحديث.
وعن ابن معين: صدوق، وروي عنه أنه قال: ثقة. وقال النسائيّ: ليس بالقويّ كثير الخطإ. وقال الساجيّ: صدوق كثير الغلط. وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقويّ عندهم. وقال ابن عديّ: له روايات عن معمر، والأوزاعيّ خاصّة عداد، لا يتابعه عليها أحد. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يخطئ ويُغْرِب. وقال ابن سعد: كان من صنعاء، ونشأ بالشام، ونزل المصيصة، وكان ثقة، ويذكرون أنه اختلط في آخر عمره، ومات سنة (٢١٦) وفيها أرخه البخاريّ، وزاد: يوم السبت لتسع عشرة مضت من ذي الحجة. وقال ابن أبي عاصم: مات سنة (١٧) وقال أبو داود: سنة (١٨) أو (١٩).
روى له أبو داود، والترمذيّ، وله عند المصنف في هذا الكتاب حديثان فقط: هذا ٢٢٥٦ و ٣٣٣٦ حديث أنس ﵁، مرفوعًا: "لا جلب، ولا جنب، ولا شغار في الإسلام".
وقول المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-: "هذا خطأ الخ" يعني أن كون الحديث من مرسل سعيد بن المسيّب خطأ، والصواب كونه من مسند كعب بن عاصم ﵁، كما رواه سفيان بن عيينة، عن الزهريّ، في السند الذي قبل هذا، ثم أشار إلى أن الخطأ من محمد بن كثير، حيث تفرّد به، وهو كثير الخطأ، فيكون من جملة مناكيره التي رواها عن الأوزاعيّ، كما أشار إليها ابن عديّ في كلامه المتقدِّم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب،
стр. 11445
وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٤٧ - (الْعِلَّةُ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا قِيلَ ذَلِكَ، وَذِكْرِ الاخْتِلَافِ عَلَى مُحَمَدِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (فِي ذَلِكَ)
أي هذا باب ذكر الأحاديث التي بُيّن بها السببُ الذي من أجله قال النبيّ ﷺ : "ليس من البرّ الصيام في السفر".
وغرض المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- من هذه الترجمة أن قوله ﷺ : "ليس من البرّ الصيام في السفر" محمول على السبب الذي قيل من أجله، فيكون مقصورًا على السبب جمعًا بينه، وبين الأدلة الأخرى التي دلت على جواز الصوم في السفر.
ثم وَجْهُ الاختلاف الذي أشار إليه هنا أن عمارة بن غَزيّة رواه عن محمد بن عبد الرحمن، عن جابر بن عبد اللَّه ﵄، معنعنًا. ورواه شعيب بن إسحاق، عن الأوزاعيّ، عن يحيي بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن، قال: أخبرني جابر بن عبد اللَّه، فصرّح بالإخبار. ورواه الفريابيّ عن الأوزاعيّ، عن يحيي، عن محمد بن عبد الرحمن، قال: حدثني من سمع جابرًا ﵁، فجعله منقطعًا.
هذا حاصل ما أشار إليه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وفيه إشارة إلى أنَّ محمد بن عبد الرحمن في الأسانيد الثلاثة واحد، وسيأتي أن الصواب أنهما رجلان: محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، وهو الواقع في سند عمارة بن غزيّة، والفريابيِّ، ومحمد ابن عبد الرحمن بن ثوبان، وهو الواقع في سند شعيب بن إسحاق، فلا تعارض بين الروايات، وسيأتي تمام البحث في ذلك عند الكلام على رواية الفريابيّ، إن شاء اللَّه تعالى.
[تنبيه]: أخرج الحديث المذكور البخاريّ في "صحيحه" عن آدم، عن شعبة، عن
стр. 11446
محمد بن عبد الرحمن الأنصاريّ، عن محمد بن عمرو بن الحسن بن عليّ، عن جابر ابن عبد اللَّه ﵄ …
فقال في "الفتح": ما نصّه: أدخل محمد بن عبد الرحمن بن سعد بينه وبين جابر محمدَ بنَ عمرو بن الحسن في رواية شعبة عنه، واختلف في حديثه على يحيى بن أبي كثير، فأخرجه النسائيّ من طريق شعيب بن إسحاق، عن الأوزاعيّ، عن يحيي، عن محمد بن عبد الرحمن، حدثني جابر بن عبد اللَّه … فذكره. قال النسائيّ (١): هذا خطأ، ثم ساقه من طريق الفريابيّ، عن الأوزاعيّ، عن يحيى، عن محمد بن عبد الرحمن، حدثني من سمع جابرًا، ومن طريق علي بن المبارك، عن يحيى، عن محمد بن عبد الرحمن، عن رجل، عن جابر، ثم قال:
[ذِكرُ تسمية هذا الرجل المبهم]، فساق طريق شعبة، ثم قال: هذا هو الصحيح - يعني إدخال رجل بين محمد بن عبد الرحمن، وبين جابر.
وتعقّبه المزّيّ، فقال: ظنّ النسائيّ أن محمد بن عبد الرحمن شيخ شعبة في هذا الحديث هو محمد بن عبد الرحمن شيخ يحيي بن أبي كثير فيه. وليس كذلك؛ لأن شيخ يحيى هو محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، وشيخ شعبة هو ابن عبد الرحمن بن سعد بن زُرَارة انتهى.
قال الحافظ: والذي يترجّح في نظري أن الصواب مع النسائيّ؛ لأن مسلمًا لما روى الحديث من طريق أبي داود، عن شعبة، قال في آخره: قال شعبة: كان بلغني هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير أنه كان يزيد في هذا الإسناد في هذا الحديث: "عليكم برخصة اللَّه الذي رَخَّصَ لكم"، فلما سألته لم يحفظه انتهى.
والضمير في "سألت" يرجع إلى محمد بن عبد الرحمن شيخ يحيى؛ لأن شعبة لم يلق يحيي، فدلّ على أن شعبة أَخبَرَ أنه كان يبلغه عن يحيى، عن محمد بن عبد الرحمن، عن محمد بن عمرو، عن جابر في هذا الحديث زيادة، ولأنه (٢) لما لقي محمد بن عبد الرحمن شيخ يحيى سأله عنها، فلم يحفظها.
وأما ما وقع في رواية الأوزاعيّ، عن يحيى أنه نسب محمد بن عبد الرحمن، فقال فيه "ابن ثوبان"، فهو الذي اعتمده المزيّ، لكن جزم أبو حاتم -كما نقله عنه ابنه في "العلل"- بأن من قال فيه: "عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان"، فقد وَهِمَ، وإنما هو ابن عبد الرحمن بن سعد انتهى.
стр. 11447
وقد اختلف فيه مع ذلك على الأوزاعيّ، وجلّ الرواة عن يحيي بن أبي كثير لم يزيدوا على "محمد بن عبد الرحمن"، لا يذكرون جدّه، ولا جدّ جدّه. واللَّه أعلم. انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي ردّ به الحافظ كلام الحافظ المزّيّ فيه نظر، بل الصواب -واللَّه تعالى أعلم- ما قاله المزّيّ -رحمه اللَّه تعالى-، كما سيأتي بيانه في كلام الحافظ أبي الحسن ابن القطّان -رحمه اللَّه تعالى-. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٢٥٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا بَكْرٌ, عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , رَأَى نَاسًا, مُجْتَمِعِينَ عَلَى رَجُلٍ, فَسَأَلَ, فَقَالُوا: رَجُلٌ أَجْهَدَهُ الصَّوْمُ, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (بكر) بن مضر بن محمد بن حكيم، أبو محمد، أو أبو عبد الملك المصريّ، ثقة ثبت [٨] ١٢٢/ ١٧٣.
٣ - (عمارة بن غَزِيّة) الأنصاريّ المازنيّ المدنيّ، لا بأس به [٦] ١٦٨/ ١١٣٧.
٤ - (محمد بن عبد الرحمن) بنْ سعد بن زُرارة الأنصاريّ، وهو محمد بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن سعد بن زُرارة، ويقال: ابن محمد بدل عبد اللَّه، ومنهم من ينسبه إلى جدّه لأمه، فيقول: محمد بن عبد الرحمن بن أسعد (٢) بن زرارة، ثقة [٦] ٤٠/ ٩٤٦.
[تنبيه]: ظاهر تصرّف المصنّف أن محمد بن عبد الرحمن في رواية عمارة بن غزية هنا هو ابن ثوبان، لكن الصحيح أنه ابن سعد، فقد صرّح به ابن حبّان في "صحيحه" (٣) -٣٥٥٦ - من طريق بشر بن المفضّل، قال: حدثنا عمارة بن غزية، عن محمد بن عبد الرحمن بن زُرارة (٤)، و-٣٥٥٧ - من طريق بكر بن مضر عن عمارة، عن محمد بن عبدابرحمن بن سعد، وقد ذكر الحافظ أبو الحسن ابن القطان في كتابه "بيان الوهم والإيهام" أنه جاء مصرحًا به بأنه ابن سعد بن زُرارة في كتاب بَقِيّ بن مخلد.
стр. 11448
وسيأتي نصّ كلامه إن شاء اللَّه تعالى.
فتبيّن بهذا أن ما أشار إليه المصنّف من أن محمد بن عبد الرحمن في رواية عمارة بن غزية هو ابن ثوبان غير صحيح. فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
٥ - (جابر بن عبد اللَّه) بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٣١/ ٣٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وبكر، فمصريان. (ومنها): أن فيه جابرًا - رضي اللَّه تعالى عنه - من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبدِ اللَّهِ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، رَأَى نَاسًا، مُجْتَمِعِينَ عَلَى رَجُلٍ) وفي الرواية التالية: "مرّ برجل في ظلّ شجرة، يُرشّ عليه الماء … "، وفي الرواية الآتية بعد باب من طريق محمد بن عمرو بن حسن، عن جابر ﵁: "أن رسول اللَّه ﷺ ، رأى رجلاً قد ظُلّل عليه في السفر … "، وفي رواية ابن خزيمة من طريق حماد بن سلمة: "فشقّ على رجل الصومُ، فجعلت راحلته تهيم به تحت الشجرة، فأُخبر النبيّ ﷺ بذلك، فأمره أن يفطر".
وقد بُيّن بالرواية الآتية من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر أن ذلك السفر كان إلى مكة عام الفتح في رمضان (فَسَأَلَ) وفي الرواية التالية: "قال: "ما بال صاحبكم هذا؟ " (فَقَالُوا: رَجُلٌ) قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: لم أقف على اسم هذا الرجل، ولولا ما قدّمته من أن عبد اللَّه بن رواحة استُشهِد قبل غزوة الفتح لأمكن أن يفسّر به؛ لقول أبي الدرداء: إنه لم يكن من الصحابة في تلك السفرة صائمًا غيرُهُ. وزعم مغلطاي أنه أبو إسرائيل، وعزا ذلك لـ"مبهمات الخطيب"، ولم يقل الخطيب ذلك في هذه القصّة، وإنما أورد حديث مالك، عن حميد بن قيس وغيره: "أن النبيّ ﷺ رأى رجلاً قائمًا في الشمس، فقالوا: نذر أن لا يستظلّ، ولا يتكلّم، ولا يجلس، ويصوم … " الحديث، ثم قال: هذا الرجل هو أبو إسرائيل القرشيّ العامريّ، ثم ساق بإسناده إلى أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس: "كان رسول اللَّه ﷺ يخطب يوم الجمعة، فنظر إلى رجل من قريش، يقال له: أبو إسرائيل، فقالوا: نذر أن يصوم، ويقوم في الشمس … "
стр. 11449
الحديث، فلم يزد الخطيب على هذا، وبين القصّتين مغايرات ظاهرة، أظهرها أنه كان في الحضر في المسجد، وصاحب القصّة في حديث جابر كان في السفر، تحت ظلال الشجرة. واللَّه أعلم. انتهى. (أَجْهَدَهُ الصَّوْمُ) أي بلغ منه الغايةَ من المشقّة، يقال: جهده الأمرُ، والمرض جَهْدًا، من باب نفع: إذا بلغ منه المشقّة، ومنه جَهْدُ البلاء، ويقال: جَهَدتُ فلانًا جهدًا: إذا بلغت مشقّته، وجهدت الدّابّةَ، وأجهدتها: إذا حملت عليها في السير فوق طاقتها. أفاده في "المصباح".
(قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ") أي ليس مثلُ صوم هذا الرجل طاعةً محمودةً، بل هي مذمومة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث جابر بن عبد اللَّه ﵁ هذا متفق عليه. (١)
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٢٥٧ و ٢٢٥٨ و ٢٢٥٩ و ٤٨/ ٢٢٦٠ و ٢٢٦١ و ٤٩/ ٢٢٦٢ - وفي "الكبرى" ٤٧/ ٢٥٦٥ و ٢٥٦٦ و ٢٥٦٧ و ٤٨/ ٢٥٧٠. وأخرجه (خ) في "الصوم" ١٩٤٦ (م) في "الصيام" ١١١٥ (د) في "الصوم" ٢٤٠٧ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ١٤٠٠١ (الدارمي) في "الصوم" ١٧٠٩. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٥٨ - (أَخْبَرَنِي شُعَيْبُ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ إِسْحَاقَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, قَالَ: أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , مَرَّ بِرَجُلٍ, فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ, يُرَشُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ, قَالَ: «مَا بَالُ صَاحِبِكُمْ هَذَا؟» , قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ صَائِمٌ, قَالَ: «إِنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ, أَنْ تَصُومُوا فِي السَّفَرِ, وَعَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللَّهِ الَّتِي رَخَّصَ لَكُمْ, فَاقْبَلُوهَا»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد ثقات، وهو مسلسل بالدمشقيين إلى يحيى بن أبي كثير، وهو يماميّ، وسكن المدينة عشر سنين، وكلهم تقدّموا، غير:
١ - (محمد بن عبد الرحمن) بن ثوبان العامريّ مولاهم، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقة [٣].
стр. 11450
قال أبو حاتم: هو من التابعين لا يسأل عن مثله. وقال ابن سعد، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقة. وقال ابن سعيد: كان كثير الحديث. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وذكر أنه مولى الأخنس بن شَرِيق. أخرج له الجماعة، وله عند المصنف في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط برقم ٢٢٥٧ و ٢٢٥٨ و ٢٢٦٠ و ٢٢٦١ و ٣٢٤٤ و ٣٤٩٧ و ٤٢٥٤.
وقوله: "إنه ليس من البرّ أن تصوموا في السفر": قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: معناه إذا شقّ عليكم، وخفتم الضرر، وسياق الحديث يقتضي هذا التأويل، وهذه الرواية مُبَيِّنَة للروايات المطلقة: "ليس من البرّ الصيام في السفر"، ومعنى الجميع فيمن تضرّر. انتهى (١).
وقوله: "عليكم برخصة اللَّه". "عليكم" اسم فعل، منقول من الجارّ والمجرور، بمعنى "الْزَمُوا"، و"برخصة اللَّه" الباء زائدة، و"رخصة اللَّه" مفعول به لـ"عليكم"، وقيل: إن الباء للتعدية، فيكون المعنى استمسكوا برخصة اللَّه. و"الرخصة" وزان غُرْفة، وتضم الخاء للإتباع، والجمع رُخَص، ورُخُصَات مثل غُرَف، وغُرُفات: التسهيل في الأمر والتيسيبر فيه، والمعنى هنا: استمسكوا بتسهيل اللَّه تعالى لكم فيما شرع لكم من الفطر في السفر، كما قال اللَّه تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ الآية.
[تنبيه]: قال في "الفتح": أوهم صاحب "العمدة" (٢) أن قوله ﷺ : "عليكم برخصة اللَّه التي رخّص لكم" مما أخرجه مسلم بشرطه، وليس كذلك، وإنما هو بقية في الحديث لم يوصل إسنادها كما تقدّم بيانه، نعم وقعت عند النسائيّ موصولة في حديث يحيى بن أبي كثير بسنده، وعند الطبرانيّ من حديث كعب بن عاصم الأشعريّ، كما تقدّم انتهى (٣).
[تنبيه آخر]: زاد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بعد إخراج هذا الحديث في "الكبرى": ما نصّه: قال أبو عبد الرحمن: هذا خطأ، ومحمد بن عبد الرحمن لم يسمع هذا الحديث من جابر انتهى.
يعني أن تصريح محمد بن عبد الرحمن بالإخبار من جابر ﵁ في هذا الإسناد، خطأ، فإنه لم يسمع منه هذا الحديث.
هذا حاصل ما أشار إليه، لكن سيأتي قريبًا أن دعوى الخطإ غير صحيحة، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.