محمد بن عبد الرحمن الأنصاريّ، عن محمد بن عمرو بن الحسن بن عليّ، عن جابر ابن عبد اللَّه ﵄ …
فقال في "الفتح": ما نصّه: أدخل محمد بن عبد الرحمن بن سعد بينه وبين جابر محمدَ بنَ عمرو بن الحسن في رواية شعبة عنه، واختلف في حديثه على يحيى بن أبي كثير، فأخرجه النسائيّ من طريق شعيب بن إسحاق، عن الأوزاعيّ، عن يحيي، عن محمد بن عبد الرحمن، حدثني جابر بن عبد اللَّه … فذكره. قال النسائيّ (١): هذا خطأ، ثم ساقه من طريق الفريابيّ، عن الأوزاعيّ، عن يحيى، عن محمد بن عبد الرحمن، حدثني من سمع جابرًا، ومن طريق علي بن المبارك، عن يحيى، عن محمد بن عبد الرحمن، عن رجل، عن جابر، ثم قال:
[ذِكرُ تسمية هذا الرجل المبهم]، فساق طريق شعبة، ثم قال: هذا هو الصحيح - يعني إدخال رجل بين محمد بن عبد الرحمن، وبين جابر.
وتعقّبه المزّيّ، فقال: ظنّ النسائيّ أن محمد بن عبد الرحمن شيخ شعبة في هذا الحديث هو محمد بن عبد الرحمن شيخ يحيي بن أبي كثير فيه. وليس كذلك؛ لأن شيخ يحيى هو محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، وشيخ شعبة هو ابن عبد الرحمن بن سعد بن زُرَارة انتهى.
قال الحافظ: والذي يترجّح في نظري أن الصواب مع النسائيّ؛ لأن مسلمًا لما روى الحديث من طريق أبي داود، عن شعبة، قال في آخره: قال شعبة: كان بلغني هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير أنه كان يزيد في هذا الإسناد في هذا الحديث: "عليكم برخصة اللَّه الذي رَخَّصَ لكم"، فلما سألته لم يحفظه انتهى.
والضمير في "سألت" يرجع إلى محمد بن عبد الرحمن شيخ يحيى؛ لأن شعبة لم يلق يحيي، فدلّ على أن شعبة أَخبَرَ أنه كان يبلغه عن يحيى، عن محمد بن عبد الرحمن، عن محمد بن عمرو، عن جابر في هذا الحديث زيادة، ولأنه (٢) لما لقي محمد بن عبد الرحمن شيخ يحيى سأله عنها، فلم يحفظها.
وأما ما وقع في رواية الأوزاعيّ، عن يحيى أنه نسب محمد بن عبد الرحمن، فقال فيه "ابن ثوبان"، فهو الذي اعتمده المزيّ، لكن جزم أبو حاتم -كما نقله عنه ابنه في "العلل"- بأن من قال فيه: "عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان"، فقد وَهِمَ، وإنما هو ابن عبد الرحمن بن سعد انتهى.
стр. 11447
وقد اختلف فيه مع ذلك على الأوزاعيّ، وجلّ الرواة عن يحيي بن أبي كثير لم يزيدوا على "محمد بن عبد الرحمن"، لا يذكرون جدّه، ولا جدّ جدّه. واللَّه أعلم. انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي ردّ به الحافظ كلام الحافظ المزّيّ فيه نظر، بل الصواب -واللَّه تعالى أعلم- ما قاله المزّيّ -رحمه اللَّه تعالى-، كما سيأتي بيانه في كلام الحافظ أبي الحسن ابن القطّان -رحمه اللَّه تعالى-. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٢٥٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا بَكْرٌ, عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , رَأَى نَاسًا, مُجْتَمِعِينَ عَلَى رَجُلٍ, فَسَأَلَ, فَقَالُوا: رَجُلٌ أَجْهَدَهُ الصَّوْمُ, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (بكر) بن مضر بن محمد بن حكيم، أبو محمد، أو أبو عبد الملك المصريّ، ثقة ثبت [٨] ١٢٢/ ١٧٣.
٣ - (عمارة بن غَزِيّة) الأنصاريّ المازنيّ المدنيّ، لا بأس به [٦] ١٦٨/ ١١٣٧.
٤ - (محمد بن عبد الرحمن) بنْ سعد بن زُرارة الأنصاريّ، وهو محمد بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن سعد بن زُرارة، ويقال: ابن محمد بدل عبد اللَّه، ومنهم من ينسبه إلى جدّه لأمه، فيقول: محمد بن عبد الرحمن بن أسعد (٢) بن زرارة، ثقة [٦] ٤٠/ ٩٤٦.
[تنبيه]: ظاهر تصرّف المصنّف أن محمد بن عبد الرحمن في رواية عمارة بن غزية هنا هو ابن ثوبان، لكن الصحيح أنه ابن سعد، فقد صرّح به ابن حبّان في "صحيحه" (٣) -٣٥٥٦ - من طريق بشر بن المفضّل، قال: حدثنا عمارة بن غزية، عن محمد بن عبد الرحمن بن زُرارة (٤)، و-٣٥٥٧ - من طريق بكر بن مضر عن عمارة، عن محمد بن عبدابرحمن بن سعد، وقد ذكر الحافظ أبو الحسن ابن القطان في كتابه "بيان الوهم والإيهام" أنه جاء مصرحًا به بأنه ابن سعد بن زُرارة في كتاب بَقِيّ بن مخلد.
стр. 11448
وسيأتي نصّ كلامه إن شاء اللَّه تعالى.
فتبيّن بهذا أن ما أشار إليه المصنّف من أن محمد بن عبد الرحمن في رواية عمارة بن غزية هو ابن ثوبان غير صحيح. فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
٥ - (جابر بن عبد اللَّه) بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٣١/ ٣٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وبكر، فمصريان. (ومنها): أن فيه جابرًا - رضي اللَّه تعالى عنه - من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبدِ اللَّهِ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، رَأَى نَاسًا، مُجْتَمِعِينَ عَلَى رَجُلٍ) وفي الرواية التالية: "مرّ برجل في ظلّ شجرة، يُرشّ عليه الماء … "، وفي الرواية الآتية بعد باب من طريق محمد بن عمرو بن حسن، عن جابر ﵁: "أن رسول اللَّه ﷺ ، رأى رجلاً قد ظُلّل عليه في السفر … "، وفي رواية ابن خزيمة من طريق حماد بن سلمة: "فشقّ على رجل الصومُ، فجعلت راحلته تهيم به تحت الشجرة، فأُخبر النبيّ ﷺ بذلك، فأمره أن يفطر".
وقد بُيّن بالرواية الآتية من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر أن ذلك السفر كان إلى مكة عام الفتح في رمضان (فَسَأَلَ) وفي الرواية التالية: "قال: "ما بال صاحبكم هذا؟ " (فَقَالُوا: رَجُلٌ) قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: لم أقف على اسم هذا الرجل، ولولا ما قدّمته من أن عبد اللَّه بن رواحة استُشهِد قبل غزوة الفتح لأمكن أن يفسّر به؛ لقول أبي الدرداء: إنه لم يكن من الصحابة في تلك السفرة صائمًا غيرُهُ. وزعم مغلطاي أنه أبو إسرائيل، وعزا ذلك لـ"مبهمات الخطيب"، ولم يقل الخطيب ذلك في هذه القصّة، وإنما أورد حديث مالك، عن حميد بن قيس وغيره: "أن النبيّ ﷺ رأى رجلاً قائمًا في الشمس، فقالوا: نذر أن لا يستظلّ، ولا يتكلّم، ولا يجلس، ويصوم … " الحديث، ثم قال: هذا الرجل هو أبو إسرائيل القرشيّ العامريّ، ثم ساق بإسناده إلى أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس: "كان رسول اللَّه ﷺ يخطب يوم الجمعة، فنظر إلى رجل من قريش، يقال له: أبو إسرائيل، فقالوا: نذر أن يصوم، ويقوم في الشمس … "
стр. 11449
الحديث، فلم يزد الخطيب على هذا، وبين القصّتين مغايرات ظاهرة، أظهرها أنه كان في الحضر في المسجد، وصاحب القصّة في حديث جابر كان في السفر، تحت ظلال الشجرة. واللَّه أعلم. انتهى. (أَجْهَدَهُ الصَّوْمُ) أي بلغ منه الغايةَ من المشقّة، يقال: جهده الأمرُ، والمرض جَهْدًا، من باب نفع: إذا بلغ منه المشقّة، ومنه جَهْدُ البلاء، ويقال: جَهَدتُ فلانًا جهدًا: إذا بلغت مشقّته، وجهدت الدّابّةَ، وأجهدتها: إذا حملت عليها في السير فوق طاقتها. أفاده في "المصباح".
(قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ") أي ليس مثلُ صوم هذا الرجل طاعةً محمودةً، بل هي مذمومة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث جابر بن عبد اللَّه ﵁ هذا متفق عليه. (١)
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٢٥٧ و ٢٢٥٨ و ٢٢٥٩ و ٤٨/ ٢٢٦٠ و ٢٢٦١ و ٤٩/ ٢٢٦٢ - وفي "الكبرى" ٤٧/ ٢٥٦٥ و ٢٥٦٦ و ٢٥٦٧ و ٤٨/ ٢٥٧٠. وأخرجه (خ) في "الصوم" ١٩٤٦ (م) في "الصيام" ١١١٥ (د) في "الصوم" ٢٤٠٧ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ١٤٠٠١ (الدارمي) في "الصوم" ١٧٠٩. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٥٨ - (أَخْبَرَنِي شُعَيْبُ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ إِسْحَاقَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, قَالَ: أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , مَرَّ بِرَجُلٍ, فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ, يُرَشُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ, قَالَ: «مَا بَالُ صَاحِبِكُمْ هَذَا؟» , قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ صَائِمٌ, قَالَ: «إِنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ, أَنْ تَصُومُوا فِي السَّفَرِ, وَعَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللَّهِ الَّتِي رَخَّصَ لَكُمْ, فَاقْبَلُوهَا»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد ثقات، وهو مسلسل بالدمشقيين إلى يحيى بن أبي كثير، وهو يماميّ، وسكن المدينة عشر سنين، وكلهم تقدّموا، غير:
١ - (محمد بن عبد الرحمن) بن ثوبان العامريّ مولاهم، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقة [٣].
стр. 11450
قال أبو حاتم: هو من التابعين لا يسأل عن مثله. وقال ابن سعد، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقة. وقال ابن سعيد: كان كثير الحديث. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وذكر أنه مولى الأخنس بن شَرِيق. أخرج له الجماعة، وله عند المصنف في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط برقم ٢٢٥٧ و ٢٢٥٨ و ٢٢٦٠ و ٢٢٦١ و ٣٢٤٤ و ٣٤٩٧ و ٤٢٥٤.
وقوله: "إنه ليس من البرّ أن تصوموا في السفر": قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: معناه إذا شقّ عليكم، وخفتم الضرر، وسياق الحديث يقتضي هذا التأويل، وهذه الرواية مُبَيِّنَة للروايات المطلقة: "ليس من البرّ الصيام في السفر"، ومعنى الجميع فيمن تضرّر. انتهى (١).
وقوله: "عليكم برخصة اللَّه". "عليكم" اسم فعل، منقول من الجارّ والمجرور، بمعنى "الْزَمُوا"، و"برخصة اللَّه" الباء زائدة، و"رخصة اللَّه" مفعول به لـ"عليكم"، وقيل: إن الباء للتعدية، فيكون المعنى استمسكوا برخصة اللَّه. و"الرخصة" وزان غُرْفة، وتضم الخاء للإتباع، والجمع رُخَص، ورُخُصَات مثل غُرَف، وغُرُفات: التسهيل في الأمر والتيسيبر فيه، والمعنى هنا: استمسكوا بتسهيل اللَّه تعالى لكم فيما شرع لكم من الفطر في السفر، كما قال اللَّه تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ الآية.
[تنبيه]: قال في "الفتح": أوهم صاحب "العمدة" (٢) أن قوله ﷺ : "عليكم برخصة اللَّه التي رخّص لكم" مما أخرجه مسلم بشرطه، وليس كذلك، وإنما هو بقية في الحديث لم يوصل إسنادها كما تقدّم بيانه، نعم وقعت عند النسائيّ موصولة في حديث يحيى بن أبي كثير بسنده، وعند الطبرانيّ من حديث كعب بن عاصم الأشعريّ، كما تقدّم انتهى (٣).
[تنبيه آخر]: زاد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بعد إخراج هذا الحديث في "الكبرى": ما نصّه: قال أبو عبد الرحمن: هذا خطأ، ومحمد بن عبد الرحمن لم يسمع هذا الحديث من جابر انتهى.
يعني أن تصريح محمد بن عبد الرحمن بالإخبار من جابر ﵁ في هذا الإسناد، خطأ، فإنه لم يسمع منه هذا الحديث.
هذا حاصل ما أشار إليه، لكن سيأتي قريبًا أن دعوى الخطإ غير صحيحة، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 11451
٢٢٥٩ - (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى, قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ جَابِرًا نَحْوَهُ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الفريابيّ" -بكسر الفاء، وسكون الراء، بعدها تحتانيّة، وبعد الألف موحّدة-: هو محمد بن يوسف الضبّيّ مولاهم، ثقة فاضل [٩] ١٤/ ٤١٨.
وغرض المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بهذا الإشارةُ إلى بيان وجه الخطإ الذي ادعاه في السند السابق، وذلك أن الفريابيّ روى الحديث عن الأوزاعيّ، عن يحيي، عن محمد ابن عبد الرحمن، قال: حدثني من سمع جابرًا، فأدخل بين محمد بن عبد الرحمن، وبين جابر ﵁ واسطة مبهمة.
فتبيّن بهذا أن الصواب أن محمد بن عبد الرحمن لم يسمعه من جابر، وإنما سمعه ممن سمعه منه، وأن تصريحه بإخبار جابر له في السند السابق مما أخطأ فيه شعيب، هذا حاصل ما أشار إليه -رحمه اللَّه تعالى-.
لكن الذي يظهر لي صحة رواية شعيب؛ لأنه لم ينفرد بها، فقد تابعه "الوليد بن مسلم عند الطحاويّ في "شرح معاني الآثار"، فقال -رحمه اللَّه تعالى-:
حدثنا محمد بن عبد اللَّه بن ميمون البغداديّ، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: ثنا الأوزاعيّ، عن يحيي بن أبي كثير، قال: حدثني محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، قال: حدثني جابر بن عبد اللَّه، قال: مرّ النبيّ ﷺ برجل في سفر، في ظلّ شجرة، يُرشّ عليه الماء، فقال: "ما بال هذا؟ "، قالوا: صائم يا رسول اللَّه، قال: "ليس من البرّ الصيام في السفر، فعليكم برخصة اللَّه التي رخّص لكم، فاقبلوها". انتهى (١).
ورواه الفريابيّ في "الصيام" عن الوليد، نا الأوزاعيّ، حدثني يحيي، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر (٢).
والحاصل أن الحديث صحيح متصل لتصريح محمد بن عبد الرحمن بالإخبار من جابر ﵁ في هذه الرواية.
وقد وجدت للحافظ أبي الحسن ابن القطّان الفاسيّ -رحمه اللَّه تعالى- تحقيقًا نفيسًا في كتابه "بيان الوهم والإيهام"، أحببت إيراده هنا لحسنه، قال -رحمه اللَّه تعالى- في باب ذكر الأحاديث التي ردّها عبد الحقّ في "أحكامه" بالانقطاع، وهي متصلة: ما ملخّصه:
وذكر -يعني عبد الحقّ- أيضًا من طريق النسائيّ في حديث: "ليس من البرّ الصيام في
стр. 11452
السفر" زيادة، وهي: "عليكم برخصة اللَّه التي رخصها لكم، فاقبلوها". ثم قال: رواه من حديث محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر، قال: ولم يسمع من جابر انتهى
ما قال (١).
وهو خطأ، وإنما هو قول النسائيّ، تلقاه عنه، ولم ينظر فيه، ولا تفقّد صحته، ولا نقله عنه كما قاله، فإن النسائيّ إنما قال: لم يسمع هذا الحديث محمد بن عبد الرحمن من جابر، فقال هو: لم يسمع من جابر، هكذا بإطلاق، وزاد من عنده أنه ابن ثوبان، وأصاب في ذلك، ولكنه لم يصب من حيث القضاء عليه بأنه لم يسمع من جابر.
والنسائيّ إنما قال فيه: إنه لم يسمع من جابر هذا الحديث، وذلك أنه اعتقد فيه أنه رجل آخر.
ثم قال الفاسيّ: فأما بيان اتصال الحديث المذكور، وأنه ليس بمنقطع، كما ذَكَر، فهو بأن تعلم أنه حديث يرويه رجلان، كل واحد منهما يقال له: محمد بن عبد الرحمن: أحدهما ابن ثوبان، والآخر ابن سعد بن زُرارة، وهذا هو الذي لم يسمعه من جابر، فأما ابن ثوبان، فإنه يقول فيه: حدثني جابر.
فلنذكر أحاديثهم بنصّها حتى يتبيّن الاتصال في أحدهما، والانقطاع في الآخر.
قال النسائيّ: حدثنا شعيب بن شعيب بن إسحاق، قال: حدثنا عبد الوهاب، قال: حدثنا شعيب، قال: حدثنا الأوزاعيّ، قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير، الخ.
قال: هذا إسناد صحيح متصل، يذكر كل واحد منهم "حدثني" حتى انتهى ذلك إلى محمد بن عبد الرحمن، فقال: حدثني جابر (٢).
وهذا هو الذي أورد أبو محمد، وفسّر محمد بن عبد الرحمن بأنه ابن ثوبان، وأصاب في ذلك، وأخطأ في قوله: لم يسمع من جابر، وهو يروي من قوله، ويسمع: حدثني جابر.
والذي بعده من قول النسائيّ: "هذا خطأ، ومحمد بن عبد الرحمن لم يسمع هذا
الحديث من جابر".
نبيّن الآن -إن شاء اللَّه- أنه إنما قال ذلك معتقدًا أنه محمد بن عبد الرحمن بن سعد، لا محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، وذلك أن كل ما أورد بعده منقطعًا إنما هو لمحمد ابن عبد الرحمن بن سعد، لا لابن ثوبان.
стр. 11453
فمما أورده بعده: نبأني محمود بن خالد، حدثنا الفريابيّ، حدثنا الأوزاعيّ، حدثنا يحيي، حدثنا محمد بن عبد الرحمن، أخبرني من سمع جابرًا نحوه.
فهذا محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، لا ابن ثوبان.
وأورد من رواية وكيع، عن عليّ بن المبارك، عن يحيى، عن محمد بن عبد الرحمن ابن ثوبان، عن جابر. هكذا معنعنًا، لم يقل: أخبرني جابر، كما قال شعيب، عن الأوزاعيّ، وصرِّح فيه بأنه ابن ثوبان.
وقال عثمان بن عمر: عن عليّ بن المبارك، عن يحيى، عن محمد بن عبد الرحمن، عن رجل، عن جابر.
وهذا أيضًا هو ابن سعد، لا ابن ثوبان، فعرف النسائيّ أن محمد بن عبد الرحمن هذا الذي يقول في رواية الفريابيّ -عن الأوزاعي، عن يحيى، عنه: حدثني من سمع جابرًا- وفي رواية عثمان بن عمر، عن عليّ بن المبارك، عن يحيى، عنه: عن رجل، عن جابر- أنه محمد بن عبد الرحمن بن سعد، فقضى لذلك بانقطاع روايته للحديث عن جابر، وزاد إلى ذلك أَنْ ظَنّ أنه الذي في رواية شعيب، عن الأوزاعيّ فخطّأ من قال عنه: حدثني جابر، وجزم بأن بينهما رجلاً، ثم أخذ في بيان من هو هذا الرجل الذي بينهما، فقال:
("ذكر اسم الرجل")
حدثنا عمرو بن عليّ، قال: حدثنا يحيى، وخالد بن الحارث، عن شعبة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن محمد بن عمرو بن حسن، عن جابر، أن رسول اللَّه ﷺ رأى رجلاً قد ظُلّل عليه في السفر، فقال: "ليس البرُّ الصيامَ في السفر". ثم قال: حديث شعبة هذا هو الصحيح. انتهى ما أورده النسائيّ في بيان انقطاع رواية محمد بن عبد الرحمن بن سعد فيما بينه، وبين جابر في هذا الحديث.
والخطأ فيه هو في أن اعتقد في محمد بن عبد الرحمن القائل: حدثني جابر أنه ابن سعد، وليس الأمر كذلك، وإنما هو ابن ثوبان، وهو قد سمعه من جابر، كما أخبر عن نفسه في قوله: "حدثني جابر"، وقد صرّح بكونه ابن ثوبان في رواية وكيع، عن عليّ بن المبارك.
فإن هذا الذي يرويه شعبة عنه، عن محمد بن عمرو بن حسن، عن جابر ليس هو محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، وإنما هو محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زُرارة.
وبيان ذلك في كتاب مسلم، وأبي داود في نفس هذا الإسناد، وهو أنصاريّ، وليس في روايته ذكرّ للزيادة المذكورة، وإنما هي في رواية محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان،
стр. 11454
ويحيى بن أبي كثير معروف الرواية عن الرجلين، أما عن ابن ثوبان فهو مصرّح به في الإسناد المذكور، من رواية وكيع، عن عليّ بن المبارك، وروايته عن ابن سعد بن زُرارة مصرّح به أيضًا في كتاب مسلم في الحديث المذكور دون الزيادة المذكورة (١).
وفي كتاب البخاريّ في "فضائل القرآن" من رواية شيبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن، عن أبي سلمة، عن عبد اللَّه بن عمرو، أن النبيّ ﷺ قال له: "في كم تقرأ القرآن؟ " الحديث، وهذا هو ابن سعد بلا خلاف.
فإذا كان الأمر هكذا، فلا ينبغي أن يبت على الذي يقول: "حدثني جابر" بأنه محمد ابن عبد الرحمن بن سعد، كما فعل النسائيّ، ثم يقضي على قوله: "أخبرني جابر" بالخطإ، من أجل إدخال الآخر بينه وبين جابر رجلاً، بل يجب أن يقال: إنه ابن ثوبان الصحيح السماع من جابر، ولو لم يثبت أنهما رجلان لما جاز أن يقول في روايته: إنها منقطعة، وهو قد قال: "حدثني جابر"، ولو رواه بواسطة عنه، فإنه لا مانع من أن يكون سمعه منه، وحدثه به غيره عنه، فأدّاه على الوجهين.
وقد تقرّر أنهما رجلان، فالقائل منهما: "حدثني جابر" هو ابن ثوبان، والقائل: "عن رجل، عن جابر" هو ابن سعد بن زُرارة.
[فإن قيل]: فهل عُلم سماعُ محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، من جابر غير هذا الحديث؟.
[قلنا]: نعم، روى شيبان النحويّ، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، أن جابر بن عبد اللَّه أخبره، أن رسول اللَّه ﷺ : "كان يصلي التطوّع، وهو راكب في غير القبلة".
وقال هشام الدستوائيّ: عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، حدثني جابر بن عبد اللَّه: "أن النبيّ ﷺ كان يصلي على راحلته نحو المشرق، فإذا أراد أن يصلي المكتوبة نزل، فاستقبل القبلة".
فهذا نصّ سماعه منه في هذين الحديثين، وهما صحيحان، ذكرهما جميعًا البخاريّ في "جامعه".
ومنهما يتبيّن الخطأ في إطلاق القول بأنه لم يسمع من جابر، ولو قال كما قال
стр. 11455
النسائيّ كان أعذر، على أنه قد تبيّن أنه سمع ذلك الحديث كما قدّمناه.
وقد ذكر مسلم إثر رواية شعبة، عن محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، عن محمد بن عمرو بن حسن، عن جابر أن شعبة قال: كان يبلغني عن يحيى بن أبي كثير أنه كان يزيد في هذا الحديث، وفي هذا الإسناد: "عليكم برخصة اللَّه التي رخّص لكم". قال: فلما سألته لم يحفظه.
فجاء من هذا أن رواية شعبة التي جعلها النسائيّ حجة على انقطاع رواية شعيب، عن الأوزاعيّ، ليس فيها ذكر الزيادة المذكورة. فإذن الزيادة المذكورة في حديث محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر كما بيّنّاه.
وهنالك أيضًا غلط آخر للنسائيّ في هذا الحديث، وذلك أنه ظنّ في رواية عُمارة بن غَزِية، عن محمد بن عبد الرحمن، عن جابر لهذا الحديث أنه أيضًا ابن ثوبان، وهو خطأ منه، وإنما يرويه عمارة بن غزية، عن محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، عن جابر منقطعًا، ساقطًا من بينهما محمد بن عمرو بن حسن.
وقع البيان فيه أنه ابن سعد بن زرارة في كتاب بَقِيّ بن مَخلَد، فاعلم ذلك، واللَّه الموفّق انتهى كلام الحافظ أبي الحسن بن القطّان الفاسي -رحمه اللَّه تعالى- (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي حقّقه الحافظ أبو الحسن بن القطّان -رحمه اللَّه تعالى- تحقيق حسنٌ جدّا.
وحاصله أن الحديث صحيح متصل بسماع محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر ﵁، وأن زيادة: "عليكم برخصة اللَّه التي رخّص لكم، فاقبلوها" زيادة صحيحة، وأن ما ادعاه المصنّف من الانقطاع إنما هو لظنه أن محمد بن عبد الرحمن رجل واحد، والصواب أنهما رجلان:
أحدهما: ابن ثوبان، وهو صرح بالسماع من جابر، وهو الذي وقع في سند شعيب ابن إسحاق. والثاني: ابن سعد بن زرارة، وهو الذي أدخل بينه وبين جابر واسطة، وهو الذي وقع في سند الفريابيّ.
وخلاصة القول أن رواية شعيب بالزيادة المذكورة صحيحة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
стр. 11456
٤٨ - (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى عَليِّ بْنِ الْمُبَارَكِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه الاختلاف المذكور أن وكيعًا رواه عن عليّ بن المبارك، عن يحيي بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر ﵁ وخالفه عثمان بن عمر، فرواه عن عليّ، عن يحيى، عن محمد بن عبد الرحمن، عن رجل، عن جابر ﵁، فأدخل واسطة بين محمد بن عبد الرحمن، وبين جابر رجلاً.
ثم إن دعوى الاختلاف المذكور مبنيّ على جعل محمد بن عبد الرحمن رجلا واحدًا، كما هو رأي المصنّف، وقد تقدّم قريبًا أن الصواب أنهما رجلان، فمحمد بن عبد الرحمن الذي في رواية وكيع غير محمد بن عبد الرحمن الذي في سند عثمان بن عمر، فالأول هو ابن ثوبان، كما صرّح به، والثاني هو ابن سعد بن زرارة، ويحيى بن أبي كثير معروف بالرواية عنهما، قد روى عنهما حديث جابر ﵁ هذا.
والحاصل أن الحديث صحيح من كلا الطريقين، فأما طريق ابن ثوبان، فقد تقدّم أنه صرح بسماعه من جابر، وأما طريق ابن سعد، فإن الواسطة المبهم هو محمد بن عمرو ابن حسن الآتي في رواية شعبة في الباب التالي، فتبصّر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٢٦٠ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا وَكِيعٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ, عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ, عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, ﵄, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ, عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللَّهِ , فَاقْبَلُوهَا»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عليّ بن المبارك": هو الْهُنَائيّ البصريّ، ثقة، كان له عن يحيي بن أبي كثير كتابان، أحدهما سماع، والآخر إرسال، فحديث الكوفيين عنه فيه شيء، من كبار [٧] ٢٨/ ١٤١١. والحديث صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٦١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ, عَنْ يَحْيَى, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ رَجُلٍ, عَنْ جَابِرٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ, الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عثمان بن عمر" بن فارس العبديّ، البصريّ، بخاريّ الأصل، ثقة [٩] ١٥١/ ١١١٨. و"محمد بن عبد الرحمن" هو ابن سعد بن
стр. 11457
زُرارة، كما قد مرّ آنفًا، فتنبّه. والحديث أيضًا صحيح؛ لأن الرجل المبهم سيأتي أنه محمد ابن عمرو بن حسن، وهو ثقة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٤٩ - (ذِكْرُ اسْمِ الرَّجُلِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أراد بالرجلِ الرجلَ الذي أُبهِمَ في السند الماضي، لا الرجل الذي أجهده الصوم، فقال النبيّ ﷺ من أجله: "ليس من البرّ الصيام في السفر". فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٢٦٢ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ (١) , وَخَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ, عَنْ شُعْبَةَ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَسَنٍ, عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , رَأَى رَجُلاً, قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ فِي السَّفَرِ, فَقَالَ: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ, الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير مرّة.
و"عمرو بن عليّ": هو الفلاّس. ويحيى بن سعيد": هو القطان. و"خالد بن الحارث": هو الهجيميّ. و"محمد بن عبد الرحمن": هو ابن سعد، كما تقدّم بيانه في الباب الماضي. و"محمد بن عمرو بن حسن" بن عليّ بن أبي طالب، ثقة [٤] تقدّم في ١٧/ ٥٢٧.
والسند مسلسل بالبصريين إلى شعبة، ومَن بعده مدنيون. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "قد ظُلّل عليه" بتشديد اللام الأولى، والبناء للمجهول، أي جُعل عليه شيء يُظله من الشمس لغلبة العطش عليه، وحرّ الشمس.
[تنبيه]: زاد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في "الكبرى" بعد إخراجه الحديث المذكور: ما نصّه:
стр. 11458
قال أبو عبد الرحمن: حديث شعبة هذا هو الصحيح انتهى.
أراد بهذا أن ما تقدّم من رواية يحيى بن أبي كثير من تصريح محمد بن عبد الرحمن بإخبار جابر ﵁ له ليس بصحيح، بل إنما سمعه من محمد بن عمرو بن حسن، عن جابر ﵁.
لكن تقدّم أن الصواب أن الحديث صحيح من الطريقين؛ لأن محمد بن عبد الرحمن الذي صرَّح بالسماع من جابر هو ابن ثوبان، والذي روى عن محمد بن عمرو بن حسن هو ابن سعد بن زرارة.
والحاصل أن الحديث صحيح بالطريقين. فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٦٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ, عَنْ شُعَيْبٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ, عَنِ ابْنِ الْهَادِ, عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ جَابِرٍ, قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , إِلَى مَكَّةَ, عَامَ الْفَتْحِ, فِي رَمَضَانَ, فَصَامَ, حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ, فَصَامَ النَّاسُ, فَبَلَغَهُ أَنَّ النَّاسَ, قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمُ الصِّيَامُ, فَدَعَا بِقَدَحٍ مِنَ الْمَاءِ, بَعْدَ الْعَصْرِ, فَشَرِبَ, وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ, فَأَفْطَرَ بَعْضُ النَّاسِ, وَصَامَ بَعْضٌ (١) , فَبَلَغَهُ أَنَّ نَاسًا (٢) صَامُوا, فَقَالَ: «أُولَئِكَ الْعُصَاةُ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (محمد بْنُ عَبدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ) بن أعين المصريّ ثقة فقيه [١١] ١٢٠/ ١٦٦.
٢ - (شعيب) بن الليث بن سعد، أبَو عبد الملك المصريّ، ثقة فقيه نبيل، من كبار [١٠] ١٢٠/ ١٦٦.
٣ - (الليث) بن سعد بن عبد الرحمن الفهميّ مولاهم، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبت حجة [٧] ٣١/ ٣٥. وهو والد شعيب الراوي عنه في هذا السند.
٤ - (ابن الهاد) هو يزيد بن عبد اللَّه بن أسامة بن الهاد الليثيّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقة مكثر [٥] ٧٣/ ٩٠.
٥ - (جعفر بن محمد) بن عليّ المعرف بـ"الصادق"، أبو عبد اللَّه المدنيّ، صدوق إمام [٦] ١٢٣/ ١٨٢.
٦ - (أبوه) محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب الهاشميّ المعروف بـ "الباقر"، أبو جعفر المدنيّ، ثقة فاضل [٤] ١٢٣/ ١٨٢. والصحابيّ تقدم في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
стр. 11459
الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، من ابن الهاد، والباقون مصريون. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ جَابِرٍ) بن عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، إِلَى مَكَّةَ، عَامَ الْفَتْحِ) هو العام الثامن من الهجرة.
وفي حديث ابن عباس ﵄ عند البخاريّ في "المغازي": أنه خرج لعشر مضين من رمضان. ووقع في مسلم من حديث أبي سعيد اختلاف من الرواة في ضبط ذلك. والذي اتفق عليه أهل السير أنه خرج في عاشر رمضان، ودخل مكة لتسع عشرة ليلة خلت منه (١).
(فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ) فيه دليل على جواز الصوم في السفر، وهو مذهب الجمهور، وهو الحقّ، وقد تقدّم تمام البحث فيه في-٤٦/ ٢٢٥٥ - (حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ) -بضمّ الكاف، وتخفيف الراء-، و"الغميم -بالغين المعجمة-: اسم واد أَمَامَ عُسفان. وقال الفيّوميّ: وكُرَاع الغَمِيم، وزان كَريم: واد بينه وبين المدينة نحو مائة وسبعين ميلاً، وبينه وبين مكة نحو ثلاثين ميلاً، ومن عُسفان إليه ثلاثة أميال، وكُرَاعُ كلّ شيء طَرَفُه انتهى (٢).
وقال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: و"الغميم" -بفتح الغين-: واد أمام عُسفان بثمانية أميال. و"كُرَاع" جبل أسود هناد يُضاف إلى "الغميم"، والكُراع لغة: هو كلّ أنفٍ مال، من جبل أو غيره. انتهى.
وفي حديث ابن عباس ﵄ الآتي -٥٤/ ٢٢٨٧ - "حتى أتى قُدَيدًا"، وفي ٤٥/ ٣٣٩٠ - "حتى أتى عُسفان"، وفي ٦٠/ ٢٣١٣: "حتى إذا كان بالْكَدِيدَ أفطر".
قال القرطبيّ بعد أن ساق روايات مسلم: ما نصّه: وهذه الأحاديث المشتملة على ذكر هذه المواضع الثلاثة (٣) كلها ترجع إلى معنى واحد، وهي حكاية حاله ﷺ عند سفره في قدومه إلى مكة، وكان في رمضان في ستة عشرة منه، كما جاء في حديث أبي سعيد، وهذه المواضع متقاربة، ولذا عبّر كلّ واحد من الرواة بما حضر له من تلك المواضع لتقاربها انتهى (٤).
стр. 11460
وقال في "الفتح" عند قوله: "فلما بلغ الكَدِيد": بفتح الكاف، وكسر الدال المهملة: مكان معروف، وقع تفسيره في نفس الحديث بأنه بين عُسفان وقُديد -يعني بضم القاف، على التصغير- وفي رواية ابن عباس من وجه آخر: "حتى بلغ عُسفان" بدل "الكَدِيد"، وفيه مجاز القرب؛ لأن الكَديد أقرب إلى المدينة من عُسفان، وبين الكديد ومكة مرحلتان. قال البكريّ: هو بين أَمَج -بفتحتين، وجيم- وعُسفان، وهو ماء عليه نخل كثير.
قال عياض: اختلفت الروايات في الموضع الذي أفطر ﷺ فيه، والكلّ في قصة واحدة، وكلها متقاربة، والجميع من عمل عُسفان انتهى.
وأخرج البخاريّ في "المغازي" من طريق معمر، عن الزهريّ، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، عن ابن عباس ﵄: "خرج النبيّ ﷺ في رمضان من المدينة، ومعه عشرة آلاف من المسلمين، وذلك على رأس ثمان سنين ونصف من مقدمه المدينة، فسار، ومن معه، من المسلمين يصوم، ويصومون حتى بلغ الكديد، فأفطر، وأفطروا". قال الزهريّ: وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من أمره ﷺ . وهذه الزيادة التي في آخره من قول الزهريّ وقعت مدرجة عند مسلم، من طريق الليث، عن الزهريّ، ولفظه: "حتى بلغ الكديد أفطر، قال: وكان أصحاب رسول اللَّه ﷺ يتبعون الأحدث، فالأحدث من أمره". وأخرجه من طريق سفيان، عن الزهريّ، قال: مثله. قال سفيان: لا أدري من قول من هو؟. ثم أخرجه من طريق معمر، ومن طريق يونس كلاهما، عن الزهريّ، وبيّنا أنه من قول الزهريّ، وبذلك جزم البخاريّ في "الجهاد".
وظاهره أن الزهريّ ذهب إلى أن الصوم في السفر منسوخ، ولم يُوافَق على ذلك. وأخرج البخاريّ في "المغازي" أيضًا من طريق خالد الحذّاء، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: "خرج النبيّ ﷺ ، والناس صائم، ومفطر، فلما استوى على راحلته دعا بإناء من لبن، أو ماء، فوضعه على راحلته، ثم نظر الناس"، زاد في رواية أخرى من طريق طاوس، عن ابن عباس: "ثم دعا بماء، فشرب نهارًا ليراه الناس".
وأخرج الطحاويّ من طريق أبي الأسود، عن عكرمة أوضح من سياق خالد، ولفظه: "فلما بلغ الكديد بلغه أن الناس شقّ عليهم الصيام، فدعا بقدح من لبن، فأمسكه بيده حتى رآه الناس، وهو على راحلته، ثم شرب، فأفطر، فناوله رجلاً إلى جنبه، فشرب" (١).
стр. 11461
(فَصَامَ النَّاسُ، فَبَلَغَهُ أَنَّ النَّاسَ، قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمُ الصِّيَامُ) زاد مسلم من طريق الدراورديّ، عن جعفر: "وإنما ينظرون فيما فعلتَ" (فَدَعَا بقَدَحٍ) بفتحتين، جمعه أقداحٌ، كسَبَبٍ وأسباب: إناء يُشرَب فيه (مِنَ الْمَاءِ، بَعْدَ الْعَصْرِ، فَشَرِبَ) بفتح الشين، وكسر الراء.
فيه دليل على جواز الفطر للمسافر في أثناء رمضان، ولو استهلّ رمضان في الحضر، إذ لا خلاف أنه ﷺ استهلّ رمضان في عام غزوة الفتح، وهو بالمدينة، ثم سافر في أثنائه.
واستدلّ به على أن للمرء أن يفطر، ولو نوى الصيام من الليل، وأصبح صائمًا، فله أن يفطر في أثناء النهار، وهو قول الجمهور، وقطع به أكثر الشافعيّة، وفي وجه ليس له أن يفطر.
وهذا كله فيما لو نوى الصوم في السفر، فأما لو نوى الصوم، وهو مقيم، ثم سافر في أثناء النهار، فهل له أن يفطر في ذلك النهار؟، منعه الجمهور، وقال أحمد، وإسحاق بالجواز، واختاره المزنيّ، محتجّا بهذا الحديث، فقيل له (١) قال كذلك ظنّا منه أنه ﷺ أفطر في اليوم الذي خرج فيه من المدينة، وليس كذلك، فإن بين المدينة والكديد عدة أيام. وقد وقع في البويطيّ مثل ما وقع عند المزنيّ، فسلم المزنيّ. وأبلغ من ذلك ما رواه ابن أبي شيبة، والبيهقيّ، عن أنس أنه كان إذا أراد السفر يفطر في الحضر قبل أن يركب.
ثم لا فرق عند المجيزين في الفطر بكلّ مُفَطِّر، وفرق أحمد في المشهور عنه بين الفطر بالجماع وغيره، فمنعه في الجماع، قال: فلو جامع، فعليه الكفّارة، إلا أن يفطر بغير الجماع قبل الجماع.
واعْتَرَض بعضُ المانعين في أصل المسألة، فقال: ليس في الحديث دلالة على أنه ﷺ نوى الصيام في ليلة اليوم الذي أفطر فيه، فيحتمل أن يكون نوى أن يصبح مفطرًا، ثم أظهر الإفطار ليفطر الناس. لكن سياق الأحاديث ظاهر في أنه كان أصبح صائمًا، ثم أفطر. أفاده في "الفتح" (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله هذا البعض عجيب منه، فلو سلمنا أنه ﷺ لم ينو ليلاً، فبماذا يُجيب عن حال الصحابة، فإنهم أفطروا بعد ما نووا الصيام بلا شكّ.
стр. 11462
ومما يرد به عليه أيضًا حديث أبي هريرة ﵁ الآتي بعد هذا، فإن النبيّ ﷺ قال لأبي بكر وعمر بمرّ الظهران: "ادنوا فكلا"، فقالا: إنا صائمان … الحديث، فإنه دليل واضح في جواز الفطر للصائم في السفر بعد مضيّ بعض النهار.
والحاصل أن الصواب ما ذهب إليه الجمهور من جواز الفطر للمسافر أثناءَ النهار، وإن نوى الصوم من الليل. واللَّه تعالى أعلم.
(وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ) جملة في محلّ نصب على الحال من فاعل "شرب" (فَأَفْطَرَ بَعْضُ النَّاسِ) أي اقتداء به ﷺ (وَصَامَ بَعْضٌ) أي ظنًا منهم أن الفطر رخصة، ورأوا أن لهم قوّة على الصوم (فَبَلَغَهُ أَنَّ نَاسَاً صَامُوا، فَقَالَ: "أُولَئِكَ العُصَاةُ" وقع في، "صحيح مسلم": "أولئك العصاة، أولئك العصاة" مكررًا.
وهذا محمول على من تضرَر بالصوم، أو أنهم أُمروا بالفطر أمرًا جازمًا لمصلحة بيان الجواز، فخالفوا الواجب، وعلى التقديرين لا يكون الصائم اليوم عاصيًا، إذا لم يتضرّر به، ويؤيّد التأويل الأول قوله: في الحديث: "إن الناس قد شقّ عليهم الصيام". أفاده النوويّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث جابر ﵁ هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٩/ ٢٢٦٣ - وفي "الكبرى" ٤٩/ ٢٥٧١. وأخرجه (م) في "الصيام" ١١١٤ (ت) في "الصوم" ٧١٠. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): جواز الفطر في رمضان للمسافر (ومنها): جواز الفطر أثناء النهار لمن بات ناويًا للصوم (ومنها): ما كان عليه النبيّ ﷺ من الشفقة بأمته (ومنها): ما كان عليه الصحابة ﵃ من متابعته ﷺ ، ولو شقّ عليهم ذلك (ومنها): سماحة الشريعة، وسهولة تكاليفها، حيث أباحت الفطر للمسافر، وخففت شطر الصلاة، لما يلحقه من التعب بسبب عناء السفر (ومنها): أن من لم يقبل رخصة الشرع في مواضع الترخيص، وأبى إلا العزيمة، يكون عاصيًا بسبب إعراضه عن قبول رخصة اللَّه تعالى، فإن الرخصة في مواضعها لا تقلّ عن العزيمة في مواضعها، فإتيانها كإتيانها، والإعراض عنها كالإعراض عنها.
فقد أخرج أحمد في "مسنده"، والبيهقيّ في "سننه"، من حديث ابن عمر ﵄،
стр. 11463
والطبرانيّ في "معجمه الكبير" من حديث ابن عباس، وابن مسعود ﵃، مرفوعًا: "إن اللَّه تعالى يُحبّ أن تؤتى رُخَصُه، كما يُحبّ أن تؤتى عزائمه" (١). وأخرج أحمد، وابن حبّان في "صحيحه"، والبيهقيّ في "شعب الإيمان" عن ابن عمر ﵄، مرفوعًا أيضًا: "إن اللَّه تعالى يحبّ أن تؤتى رخصه، كما يكره أن تؤتى معصيته" (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٦٤ - (أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلاَّمٍ, قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ, عَنْ سُفْيَانَ عَنِ الأَوْزَاعِيِّ, عَنْ يَحْيَى, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِطَعَامٍ, بِمَرِّ الظَّهْرَانِ, فَقَالَ: لأَبِى بَكْرٍ وَعُمَرَ: «أَدْنِيَا, فَكُلَا» (٣) , فَقَالَا: إِنَّا صَائِمَانِ, فَقَالَ: «ارْحَلُوا لِصَاحِبَيْكُمُ, اعْمَلُوا لِصَاحِبَيْكُمْ»).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (هارون بن عبد اللَّه) بن مرون الحمّال البزّاز، أبو موسى البغداديّ، ثقة [١٠] ٥٠/ ٦٢.
٢ - (عبد الرحمن بن محمد بن سلاّم) بن ناصح الهاشميّ مولاهم، أبو القاسم البغداديّ، ثم الطوسيّ، وقد يُنسب لجده، لا بأس به [٢] ١٧/ ١١٤١.
٣ - (أبو داود) عُمَر بن سَعْد بن عبيد الكوفيّ الْحَفَريّ، ثقة عابد [٩] ١٥/ ٥٢٣.
٤ - (سفيان) بن سعيد الثوريّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقة ثبت حجة [٧] ٣٣/ ٣٧.
٥ - (الأوزاعيّ) عبد الرحمن بن عمرو، أبو عمرو الدمشقيّ، ثقة فقيه فاضل [٧] ٤٥/ ٥٦.
٦ - (يحيى) بن أبي كثير الطائيّ مولاهم، أبو نصر اليماميّ، ثقة ثبت، يدلّ ويرسل [٥] ٢٣/ ٢٤.
٧ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقة فقيه [٣] ١/ ١.
٨ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه عبد الرحمن، فقد تفرّد به هو وأبو داود. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه أبو سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وفيه أبو هريرة
стр. 11464
- ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنه (قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِطَعَامٍ) ببناء الفعل للمفعول (بِمَرِّ الظَّهْرَانِ) قال الفيّومي: ومَرٌّ، وِزَان فَلْس: موضع بقرب مكة، من جهة الشام، نحو مرحلة، وهو منصرف؛ لأنه اسم واد، ويقال له: بَطْنُ مَرّ، ومَرّ الظهران أيضًا انتهى (١) (فَقَالَ: لِأَبِي بَكْرِ وَعُمَرَ) ﵄ (أَدْنِيَا) من الإدناء، رباعيّا، ولفظ "الكبرى": "ادنوا" من الدنوّ ثلاثيًا. قال في "القاموس": دَنَا يَدْنُو دُنُوًا، ودَنَاوَةً: قَرُب، كأدنى، ودَنّاه تَدْنيةً، وأدناه: قَرَّبَه انتهى.
فدلّ على أن هذا الفعل يستعمل في حالتي اللزوم والتعدّي ثلاثيّا، ورباعيّا، والمناسب هنا اللزوم، ويحتمل أن يكون من المتعدّي، والمفعول محذوف، والمعنى قرّبا أنفسكما من الطعام (فَكُلَا، فَقَالَا: إِنَّا صَائِمَانِ) أي فاعتذرا لعدم امتثال الأمر بكونهما صائمين، وهذا يدلّ على أنهما فهما أن أمره ليس أمر إيجاب، يجب امتثاله، وإنما هو أمر إباحة وتخيير (فَقَالَ) ﷺ (ارْحَلُوا) -بفتح الحاء المهملة- أمر من الرَّحْل، يقال: رَحَلْتُ البعيرَ رَحْلاً، من باب نفع: شددت عليه عليه رَحْلَه. والرَّحْلُ: كلُّ شيء يُعَدّ للرحيل، من وِعَاءٍ للمتاع، ومَرْكَب للبعير، وحِلْسٍ، ورَسَنٍ، وجمعُهُ أرْحَل، ورِحالٌ، مثل أَفْلُس، وسِهَام. أفاده في "المصباح" (لِصَاحِبَيْكُمُ) بالتثنية، وفي "الكبرى": لصاحبكم" بالإفراد في الموضعين (اعْمَلُوا لِصَاحِبَيكُمْ).
يعني أنه ﷺ قال لسائر الصحابة المفطرين: ارحلوا لصاحبيكم، أي شُدّوا الرحل لهما على البعير، واعملوا لهما، فالمراد الحثّ على معاونتهما فيما يحتاجان إليه، لكونهما صائمين، فيكون المقصود إقرارهما على الصوم، واستحسانه منهما.
ويحتمل أن يكون المراد الإشارة إلى أن صاحب الصوم في السفر يكون كَلاًّ على غيره، فيكون ذمّا، وإنكارًا عليهما، وأن الأفضل أن يفطرا، ولا يحوجا الناس إلى خدمتهما.
ويكون هذا بمعنى ما أخرجه الفريابيّ بإسناد رجاله ثقات عن ابن عمر ﵄، قال: "لا تصم في السفر، فإنهم إذا أكلوا طعامًا قالوا: ارفعوا للصائم، وإذا عملوا عملاً قالوا: اكفلوا للصائم، فيذهبوا بأجرك" (٢).
стр. 11465
قال الإمام ابن خزيمة -رحمه اللَّه تعالى- بعد أن أخرج الحديث: ما نصّه: هذا الخبر أيضًا من الجنس الذي ذكرتُ قبلُ أن للصائم في السفر الفطرَ بعد مُضِيّ بعضِ النهار، إذ النبيّ ﷺ قد أمرهما بالأكل بعد ما أعلماه أنهما صائمان انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث أبي هريرة ﵁ هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا-٤٩/ ٢٢٦٤ و ٢٢٦٥ و ٢٢٦٦ - وفي "الكبرى" ٤٩/ ٢٥٧٢ و ٢٥٧٣ و ٢٥٧٤ و ٢٥٧٥. وأخرجه (ابن أبي شيبة في مصنّفه) ج٢ ص ١٤٩ و (ابن خزيمة) في "صحيحه" ٢٠٣١ و (الحاكم) في "مستدركه" ج١ ص٤٣٣، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبيّ، لكن في قوله: على شرط الشيخين نظر، إذ أبو داود الحَفَريّ ليس من رجال البخاريّ، بل من رجال مسلم، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٦٥ - (أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ يَزِيدَ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي الأَوْزَاعِيُّ, عَنْ يَحْيَى, أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ, قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , يَتَغَدَّى بِمَرِّ الظَّهْرَانِ, وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ, فَقَالَ: «الْغَدَاءَ». مُرْسَلٌ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عمران بن يزيد": هو ابن خالد بن يزيد القرشيّ الدمشقيّ، نسب لجدّه، صدوق [١٠] ١٨/ ٤٢٢ من أفراد المصنّف.
و"محمد بن شعيب" بن شابور الدمشقيّ، تقدّم قبل بابين. و"عثمان بن عمر" تقدّم في الباب الماضي.
وقوله: "الغداء" مفعول لفعل محذوف، أي احضرا أكل الغداء، ويحتمل الرفعَ على أنه مبتدأ محذوف الخبر، أي الغداء حاضر لديكما.
وقوله: "مرسل" بالرفع: خبر لمحذوف، أي هذا الحديث مرسل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٦٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيٌّ, عَنْ يَحْيَى, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ, كَانُوا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ … مُرْسَلٌ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عليّ": هو ابن المبارك الهُنَانيّ البصريّ تقدم في الباب الماضي.
стр. 11466
وغرض المصنّف بهذين الإسنادين بيان الاختلاف على الأوزاعيّ، فقد رواه عنه سفيان في الماضي متصلاً بذكر أبي هريرة ﵁، وخالفه محمد بن شعيب، فرواه عنه، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة: أن رسول اللَّه ﷺ … مرسلاً، وتابعه عليه عليّ ابن المبارك الهنائيّ.
لكن الذي يظهر لي أن الوصل هو الأرجح؛ لكون راويه، وهو سفيان إمامًا مُقَدَّمًا في الحفظ والإتقان، فتكون زياته زيادة ثقة مقبولة، فالحديث صحيح متصل، كما صححه ابن خزيمة، والحاكم، كما سبق بيانه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٥٠ - (ذِكْرُ وَضْعِ الصِّيَامِ عَنِ الْمُسَافِرِ، وَالاخْتِلَافِ عَلَى الأَوْزَاعِيِّ فِي خَبَرِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ فِيهِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أراد بالوضع ترك التكليف به، أي هذا باب ذكر الأحاديث الدّالّة على ترك تكليف المسافر بالصيام في حال سفره.
فـ"وضع" مصدر مضاف إلى مفعوله بعد حذف فاعله، أي وَضْعِ اللَّهِ الصيامَ عن المسافر.
وقوله: "والاختلاف" بالجرّ عطفًا على "وضع". وقوله: "على الأوزاعيّ" متعلق بـ"الاختلاف"، وكذا قوله: "في خبر عمرو". وقوله: "فيه" متعلق بمحذوف صفة لـ"خبر"، والضمير عائد على "وضع الصيام".
ثم وجه الاختلاف المذكور أن محمد بن شعيب رواه عن الأوزاعيّ، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عمرو بن أميّة ﵁. وخالفه الوليد بن مسلم، فرواه عن الأوزاعيّ، عن أبي قلابة، عن جعفر بن عمرو بن أميّة، عن أبيه. وخالفهما أبو المغيرة، فرواه عن الأوزاعيّ، عن يحيى، عن أبي قلابة، عن أبي المهاجر -والصواب عن أبي المهلّب- عن أبي أميّة الضمريّ، وهو عمرو بن أمية
стр. 11467
- ﵁. ووافقه عليه محمد بن حرب الحمصيّ. وخالفهم شعيب بن إسحاق، فرواه عن الأوزاعيّ، عن يحيى، عن أبي قلابة، عن أبي أمية ﵁، فأسقط الواسطة بين أبي قلابة، وأبي أميّة، وتابعه عليه معاوية بن سَلاّم.
وسيأتي أن المصنّف يضعّف رواية شعيب، ومعاوية، ويرجّح إثبات الواسطة بين أبي قلابة، وعمرو بن أمية، لكن الظاهر أن الحديث محفوظ بالطريقين، كما سيأتي التنبيه عليه، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٢٦٧ - (أَخْبَرَنِي عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شُعَيْبٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ, عَنْ يَحْيَى, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ, قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ, قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , مِنْ سَفَرٍ, فَقَالَ: «انْتَظِرِ الْغَدَاءَ, يَا أَبَا أُمَيَّةَ» , فَقُلْتُ: إِنِّي صَائِمٌ. فَقَالَ: «تَعَالَ, ادْنُ مِنِّي, حَتَّى أُخْبِرَكَ, عَنِ الْمُسَافِرِ, إِنَّ اللَّهَ , وَضَعَ عَنْهُ الصِّيَامَ, وَنِصْفَ الصَّلَاةِ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عبدة بن عبد الرحيم) بن حسّان المروزيّ، نزيل دمشق، صدوق، من صغار [١٠] ٤٥/ ٥٩٧.
٢ - (محمد بن شعيب) بن شابور، الدمشقيّ، صدوق، من كبار [٩] ٦/ ١١٩٠.
٣ - (عمرو بن أمية) بن خُويلد بن عبد اللَّه، أبي أميّة الضَّمْريّ الصحابيّ المشهور، أول مشاهده بئرُ مَعُونة، مات في خلافة معاوية ﵄، تقدمت ترجمته في-٩٦/ ١١٩. والباقون تُرْجموا قريبًا. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله عندهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه ممن روى عنه البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنف فقط، وغير محمد بن شُعيب، فإنه من رجال الأربعة فقط. (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالدمشقيين، ونصفه الثاني مسلسل بالمدنيين، ويحيى، وإن كان يماميّا إلا أنه سكن المدينة عشر سنين يطلب العلم، كما في " تهذيب التهذيب" ٣١/ ٥١٠. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ الثقة الفقيه، أنه (قَالَ: أَخبَرَني عَمْرُو ابْنُ أُمَيَّةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (الضَّمْرِيُّ) -بفتح الضاد المعجمة،
стр. 11468
وسكون الميم-: نسبة إلى ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خُزيمة بن إلياس بن مضر. قاله في "لبّ اللباب" ٢/ ٨١.
(قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ من سَفَرٍ) زاد في الرواية الآتية-٢٢٦٩ - من طريق أبي المغيرة، عن الأوزاعيّ: "فسلّمتُ عليه، فلما ذهبت لأخرج (فَقَالَ: "انْتَظِرِ الْغَدَاءَ) أي امكث هنا حتى يحضر الغداء، فتأكل معنا (يَا أَبَا أُمَيَّةَ") كنية عمرو بن أميّة ﵁ (فَقُلْتُ: إِنِّي صَائِمٌ) أي لا أنتظر الغداء, لأني صائم، فلا أتمكّن من أكله (فَقَالَ: "تَعَالَ) أي أقبل إليّ. وهو أمر من تعالى يتعالى: إذا ارتفع، وأصله أن الرجل العالي كان ينادي السافل، فيقول: تعال، ثم أكثر في كلامهم حتى استُعمِل بمعنى هَلُمَّ مطلقًا، وسواء كان موضع المدعوّ أعلى أو مساويًا، فهو في الأصل لمعنى خاصّ، ثم استعمل في معنى عامّ، ويتّصل به الضمائر باقيًا على فتحه، فيقال: تعالوا، تعاليا، تعالين، وربما ضُمّت اللام مع جمع المذكّر السالم، وكسرت مع المؤنّثة، وبه قرأ الحسن البصريّ في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا﴾ الآية؛ لمجانسة الواو. قاله في "المصباح".
(ادْنُ مِنِّي) أمر من الدنُوّ، وهو القرب، أي اقترب منّي، والفعل بدل من الفعل الذي قبله، كما قال في "الخلاصة":
وُيبْدَلُ الْفِعْلُ مِنَ الفِعْلِ كَـ"مَنْ … يَصِلْ إِلَيْنَا يَسْتَعِنْ بِنَا يُعَنْ"
(حَتَّى أُخْبِرَكَ) تعليل لأمره بالدنوّ منه (عَنِ الْمُسَافِرِ) أي عن شأن المسافر في حال سفره (إِنَّ اللَّه ، وَضَعَ) أي أسقط (عَنْهُ الصِّيَامَ) أي وجوب أدائه في السفر. وقال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: أنت مسافر، وقد وضع اللَّه عن المسافر صوم الفرض، بمعنى وضع عنه لزومه في تلك الأيام، وخيّره بين أن يصوم تلك الأيام، وبين عدّة من أيام أخر، فكيف صوم النفل انتهى (١).
وقال القاري: "وضع" أي رفع ابتداءً عنه. وقال ابن حجر الهيتميّ: "وضع" بمعنى أسقط، وإسقاط الشيء يقتضي إسقاط وجوبه الأخصّ، لا جوازه الأعمّ، ففيه حجة لما عليه الشافعيّ أن القصر جائز، لا واجب انتهى. وقد ردّ عليه القاري بأن موضوع "وضع" ليس بالمعنى الذي ذكر، لا لغة، ولا اصطلاحًا، أما لغة فظاهر، وأما الاصطلاح الشرعيّ فقد ورد: إن اللَّه تعالى وضع عن أمتي الخطأ والنسيان". أي كلفتهما، وما يترتّب عليهما من الحرج والإثم، وكذا قوله تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ
стр. 11469
إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ الآية [الأعراف: ١٥٧] انتهى.
(وَنِصْفَ الصَّلَاةِ) أي الرباعية، وهي الظهر، والعصر، والعشاء. ثم إن الوضع المذكور وإن مشتركًا بين الصوم والصلاة، إلا أنه مختلف، فمعنى وضع الصوم إسقاط وجوب أدائه حالَ السفر، لا مطلقًا، ومعنى وضع نصف الصلاة إسقاط وجوب نصفها مطلقاً، فلا تجب عليه لا في السفر، ولا في الحضر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عمرو بن أمية ﵁ هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥٠/ ٢٢٦٧ و ٢٢٦٨ و ٢٢٦٩ و ٢٢٧٠ و ٢٢٧١ و ٥١ و ٢٢٧٢ و ٢٢٧٣ - وفي "الكبرى" ٥٠/ ٢٥٧٦ و ٢٥٧٧ و ٢٥٧٨ و ٢٥٧٩ و ٢٥٨٠ و ٥١/ ٢٥٨١ و ٢٥٨٢. وأخرجه (الدارميّ) في "الصوم" ١٧١٢. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٦٨ - (أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ, عَنِ الأَوْزَاعِيِّ, قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو قِلَابَةَ, قَالَ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَلَا تَنْتَظِرُ الْغَدَاءَ, يَا أَبَا أُمَيَّةَ» , قُلْتُ: إِنِّي صَائِمٌ, فَقَالَ: «تَعَالَ أُخْبِرْكَ عَنِ الْمُسَافِرِ, إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْهُ (١) الصِّيَامَ, وَنِصْفَ الصَّلَاةِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه عمرو بن عثمان القرشيّ، أبي حفص الحمصيّ، فإنه لم يخرج له الشيخان، وهو صدوق [١٠].
والإسناد صحيح، قد صرّح كل رواته بالتحديث، وقد صرّح الوليد بالتحديث عن الأوزاعيّ في "الكبرى".
[تنبيه]: كون شيخ المصنّف عمرَو بنَ عثمان هو الذي في "المجتبى"، وأما في "الكبرى" فقال: "عمرو بن قتيبة"، وهو الصوريّ الشاميّ، صدوق [١١].
روى عن الوليد بن مسلم. وعنه النسائيّ، روى عنه حديث الباب فقط، وسعد بن محمد البيروتيّ، وأحمد بن يزيد القاضي، وأحمد بن عمير بن يوسف بن جَوْصا
стр. 11470
مكاتبةً. قال النسائيّ في "مشيخته": كتبنا عنه، لا بأس به. وقال مسلمة في "الصلة": صوريّ، لا بأس به، روى عنه النسائيّ بحمص.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لعلّ المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- روى هذا الحديث عن الشيخين، فلا تخالف بين ما في الكتابين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
والحديث صحيح الإسناد، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٦٩ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ, قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ, عَنْ يَحْيَى, عَنْ أَبِي قِلَابَةَ, عَنْ أَبِي الْمُهَاجِرِ, عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ, قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ سَفَرٍ, فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ, فَلَمَّا ذَهَبْتُ لأَخْرُجَ, قَالَ: «انْتَظِرِ الْغَدَاءَ, يَا أَبَا أُمَيَّةَ» , قُلْتُ: إِنِّي صَائِمٌ, يَا نَبِيَّ اللَّهِ, قَالَ: «تَعَالَ أُخْبِرْكَ عَنِ الْمُسَافِرِ, إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَضَعَ عَنْهُ الصِّيَامَ, وَنِصْفَ الصَّلَاةِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "إسحاق بن منصور": هو الكَوْسَج. و"أبو المغيرة": هو عبد القدوس بن الحجاج الْخَوْلانيّ الحمصيّ، ثقة [٩] ٣٠/ ٥٥٦. و"أبو قلابة": هو عبد اللَّه بن زيد الجَرْميّ البصريّ، ثقة فاضل كثير الإرسال [٣] ١٠٣/ ٣٢٢.
[تنبيه]: قوله: "أبو المهاجر" هكذا في هذه الرواية، والتي بعدها "أبو المهاجر".
قال الحافظ أبو الحجّاج المزيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "تحفة الأشراف" جـ٨ ص ١٤٠ - : هكذا يقول الأوزاعيّ، وغيره يقول: "عن أبي المهلّب"، وهو المحفوظ.
وقال في "تهذيب الكمال" ج ٣٤ ص ٣٢٥ - ٣٢٦: "أبو المهاجر" عن بُريدة الأسلميّ حديث: "بكّروا بالصلاة في الغيم"، وعن أبي أمية عمرو بن أمية الضَّمْريّ حديث: "انتظر الغداء يا أبا أمية، قال: إني صائم"، وعن عمران بن حصين حديث: "الجهنية التي أقرّت أنها حبلى من الزنا". وعنه أبو قلابة الْجَرْميّ.
قاله الأوزاعيّ، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة. روى له النسائيّ، وابن ماجه. هكذا يقول الأوزاعيّ، وغيره لا يذكر أبا المهاجر في شيء من هذه الأحاديث الثلاثة. أما الحديث الأول، فرواه الوليد بن مسلم، عن الأوزاعيّ كذلك، ورواه هشام الدستوائيّ، عن يحيي، عن أبي قلابة، عن أبي المليح، عن بُريدة، وهو المحفوظ.
وأما الحديث الثاني، فرواه محمد بن حرب الأبرش، وأبو المغيرة الخَوْلانيّ، عن الأوزاعيّ كذلك، وفيه اختلاف كثير على الأوزاعيّ.
وأما الحديث الثالث، فرواه الوليد بن مسلم، وغير واحد، عن الأوزاعيّ كذلك.
стр. 11471
ورواه هشام الدستوائيّ، وغير واحد، عن يحيي بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن أبي المهلّب، عن عمران بن حصين، وهو المحفوظ، وقد قيل عن الأوزاعيّ أيضًا كذلك أيضًا، واللَّه أعلم. انتهى.
وقال ابن حبّان: وَهِمَ فيه الأوزاعيّ، فقال: عن أبي المهاجر، وإنما هو أبو المهلّب، عن أبي قلابة انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما ذُكر أن الصواب في هذا الإسناد، والذي بعده أنه أبو المهلّب، لا أبو المهاجر، فتنبّه.
و"أبو المهلّب": هو الجَرْميّ البصريّ، عمّ أبي قلابة، واسمه عمرو، أو عبد الرحمن ابن معاوية، وقيل: غيره، ثقة [٢] ٢١/ ١٢٣٦.
والحديث صحيح الإسناد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٧٠ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مَرْوَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ, عَنِ الأَوْزَاعِيِّ, قَالَ: أَخْبَرَنِي يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو قِلَابَةَ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْمُهَاجِرِ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو أُمَيَّةَ -يَعْنِي الضَّمْرِيَّ- أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ , فَذَكَرَ نَحْوَهُ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أحمد بن سليمان": هو الرُّهَاويّ، ثقة حافظ، من أفراد المصنّف [١١] ٣٨/ ٤٢. و"موسى بن مروان" أبو عمران التمّار البغداديّ، نزيل الرَّقَّة، مقبول [١٠].
ذكره ابن حبّان في "الثقات"، مات بالرَّقَّة في صفر سنة (٢٤٦) أخرج له المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
و"محمد بن حرب": هو الأبرش الخولانيّ الحمصيّ ثقة [٩] ١٢٢/ ١٧٢. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٧١ - (أَخْبَرَنِي (٢) شُعَيْبُ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ إِسْحَاقَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ, قَالَ: حَدَّثَنِي الأَوْزَاعِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو قِلَابَةَ الْجَرْمِيُّ, أَنَّ أَبَا أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ, حَدَّثَهُمْ, أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ سَفَرٍ, فَقَالَ (٣): «انْتَظِرِ الْغَدَاءَ يَا أَبَا أُمَيَّةَ» , قُلْتُ: إِنِّي صَائِمٌ, قَالَ: «ادْنُ أُخْبِرْكَ عَنِ الْمُسَافِرِ, إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْهُ الصِّيَامَ, وَنِصْفَ الصَّلَاةِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الإسناد تقدّم قبل بابين.
стр. 11472
و"شعيب بن شعيب": هو الدمشقيّ، ولد شعيب شيخ شيخه، كان حَمْلاً عند وفاة والده، فسمي باسمه، صدوق [١١] ٦٠/ ١٧٦٦.
و"عبد الوهاب": هو ابن سعيد السلميّ الدمشقيّ، صدوق [١٠] ٦٠/ ١٧٦٦.
و"شعيب": هو ابن إسحاق والد شعيب شيخ المصنّف البصريّ، ثم الدمشقيّ، ثقة رمي بالإرجاء، من كبار [٩] ٦٠/ ١٧٦٦.
[تنبيه]: نقل الحافظ أبو الحجاج المزّيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "تحفة الأشراف" جـ٨ ص ١٣٨ عقب هذا الإسناد عن المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- أنه قال: هذا خطأ، وكذلك قال عقب الإسناد الذي بعد هذا: هذا خطأ أيضًا. انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حاصل ما أشار إليه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- أن إسقاط الواسطة بين أبي قلابة، وبين عمرو بن أمية في رواية شعيب بن إسحاق، ومعاوية بن سلاّم، عن الأوزاعي، خطأ، وأن الصواب إدخال الواسطة بينهما كما رواه الآخرون الذين أدخلوا الواسطة بينهما، وهم: الوليد بن مسلم-٢٢٦٨ وأبو المغيرة- ٢٢٦٩ ومحمد بن حرب ٢٢٧٠ وعليّ بن المبارك- ٢٢٧٣.
لكن الذي يظهر لي أن هذا يحمل على أن أبا قلابة سمعه من عمرو بن أمية بواسطة، ثم سمعه منه، كما هو الحال في نظائره من أحاديث الثقات، فإن شعيب بن إسحاق، ومعاوية بن سلاّم ثقتان، وقد صرّح أبو قلابة في روايتهما بأنه سمعه من عمرو بن أميّة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٥١ - (ذِكْرُ اخْتِلَافِ مُعَاوَيةَ بْنِ سَلَّامٍ، وَعَليِّ بْنِ الْمُبَارَكِ في هَذَا الْحَدِيثِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه الاختلاف المذكور أن معاوية رواه عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، أن أبا أمية ﵁ أخبره. وخالفه علي بن المبارك، فرواه عن يحيي، عن أبي قلابة، عن رجل، أن أبا أميّة أخبره، فأدخل واسطة بين أبي قلابة، وبين
стр. 11473
أبي أمية، وهو الرجل المبهم.
وهذا الاختلاف مثل الاختلاف الواقع في الباب الذي قبل هذا، وقد عرفت الجواب عنه، فلا تغفل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٢٧٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْحَرَّانِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ, عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ, عَنْ أَبِي قِلَابَةَ, أَنَّ أَبَا أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ أَخْبَرَهُ, أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ سَفَرٍ, وَهُوَ صَائِمٌ, فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَلَا تَنْتَظِرِ الْغَدَاءَ؟» , قَالَ: إِنِّي صَائِمٌ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تَعَالَ أُخْبِرْكَ عَنِ الصِّيَامِ, إِنَّ اللَّهَ (١) , وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ الصِّيَامَ, وَنِصْفَ الصَّلَاةِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد تقدّموا غير اثنين:
١ - (محمد بن عبيد اللَّه بن يزيد بن إبراهيم) الشيبانيّ، أبي جعفر الحرّاني المعروف بـ"القَرْدُوَانيّ" (٢) قاضي حرّان، صدوق، فيه لين [١١].
ذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالمتين عندهم. وقال أبو عروبة: كان من عدول الحُكّام، ولم يكن يَعرف الحديث، وكان عنده كُتب ذكر أنه سمعها من أبيه، ولم يدرك أحدًا في البلد كتب عن أبيه، ولا حدّث عنه، مات بحرّان سنة (٢٦٨) في ذي القعدة. تفرّد به المصنّف، وله عنده في هذا الكتاب حديثان فقط برقم ٢٢٧٢ و ٤٨١٢.
[تنبيه]: وقع في "الكبرى" محمد بن عبد اللَّه -مكبّرًا- بدل "عبيد اللَّه" -مصغّرًا"، و"الحواني" بالواو، بدل "الحرّانيّ" بالراء، وكلاهما تصحيف فاحش، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
٢ - (عثمان بن عبد الرحمن) بن مسلم الْحَرّاني، أبي عبد الرحمن، ويقال: أبو محمد، ويقال: أبو هاشم المكتب المعروف بـ"الطرائفيّ (٣) "، مولى منصور بن محمد بن مروان، وقيل: مولى بني تيم، صدوق، أكثر الرواية عن الضعفاء والمجاهيل، فضُعّف بسبب ذلك، حتى نسبه ابن نُمير إلى الكذب، وقد ثقه ابن معين [٩].
قال البخاريّ: يروي عن قوم ضعاف. وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن إسحاق بن
стр. 11474
منصور، عن ابن معين: عثمان بن عبد الرحمن التيميّ ثقة. قال: وسألت أبي عنه؟ فقال: صدوق، وأنكر على البخاريّ إدخاله في "الضعفاء"، يشبه بَقِيَّة في روايته عن الضعفاء. وقال أبو أحمد الحاكم: إنما لُقّب بـ"الطرائفي"؛ لأنه كان يتتبّع طرائف الحديث، يروي عن قوم ضعاف، حديثه ليس بالقائم. وقال ابن عديّ: سمعت أبا عَرُوبة ينسبه إلى الصدق، وقال: لا بأس به، متعبّد، ويحدّث عن قوم مجهولين بالمناكير، وعنده عجائب، وهو في الْجَزِيرة كبقيّة في الشاميين. قال أبو أحمد: وصورة عثمان أنه لا بأس به، وتلك العجائب من جهة المجهولين، وما يقع في حديثه من الإنكار، فإنما يقع من جهة من يروي عنه. وقال ابن أبي عاصم: صدوق اللسان. ووثّقه ابن شاهين. وقال الساجيّ: عنده مناكير. وقال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: لا أجيزه. وقال الأزديّ: متروك. وقال ابن نمير: كذّاب. وقال ابن حبّان: يروي عن قوم ضعاف أشياء يدلّسها، لا يجوز الاحتجاج به.
وقال أبو عروبة: قال لي محمد بن يحيي: ليّن، مات سنة (٢٠٣) وقال غيره: سنة (٢٠٢).
روى له المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه، وله عند المصنّف في هذا الكتاب الحديثان المذكوران في الترجمة التي قبله.
و"معاوية": هو ابن سلاّم، أبو سلاّم الدمشقيّ الحمصيّ، ثقة [٧] ١٣/ ١٤٧٩.
والحديث صحيح الإسناد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٧٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى,, قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَلِيٌّ, عَنْ يَحْيَى, عَنْ أَبِي قِلَابَةَ, عَنْ رَجُلٍ, أَنَّ أَبَا أُمَيَّةَ أَخْبَرَهُ, أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ , مِنْ سَفَرٍ, نَحْوَهُ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: غرض المصنّف بهذا بيان مخالفة عليّ بن المبارك لمعاوية بن سلاّم في إسقاط الواسطة بين أبي قلابة، وأبي أمية، كما تقدّم أوّل الباب.
و"عثمان بن عمر"، و"عليّ" بن المبارك الْهُنائيّ تقدّما قبل بابين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٧٤ - (أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ التَّلِّ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ, عَنْ أَيُّوبَ, عَنْ أَبِي قِلَابَةَ, عَنْ أَنَسٍ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ, نِصْفَ الصَّلَاةِ, وَالصَّوْمَ, وَعَنِ الْحُبْلَى, وَالْمُرْضِعِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هكذا أدخل المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- حديث أنس بن مالك القشيريّ تحت باب بيان الاختلاف في حديث عمرو بن أمية، وكان الأولى أن
стр. 11475
يترجم له بترجمة خاصّة كسائر الأبواب التي بيّن بها الاختلاف الواقع في أحاديث الصحابة المتقدمين. واللَّه تعالى أعلم.
ورجاله رجال الصحيح، غير الصحابيّ، فمن رجال الأربعة. وكلهم تقدّموا، غير ثلاثة:
١ - (عمر بن محمد بن الحسن) بن الزبير الأسديّ -بفتح المهملة- الكوفيّ المعروف بـ"ابن التلّ" -بفتح المثنّاة، بعدها لام- صدوق ربّما وهم [١١].
قال أبو حاتم: محله الصدق. وقال النسائيّ: صدوق. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يُعتبر بحديثه، ما حدّث من كتاب أبيه، فإن في روايته التي يرويها من حفظه بعضَ المناكير. وقال الدارقطنيّ: لا بأس به. وقال الحاكم، عن الدارقطنيّ: ثقة. وقال مسلمة في "الصلة": صدوق ثقة. وقال البخاريّ: مات في شوّال سنة (٢٥٠). روى عنه البخاريّ، والمصنف، وله عنده هذا الحديث فقط.
٢ - (أبوه) محمد بن الحسن بن الزبير الأسديّ، أبو عبد اللَّه، ويقال: أبو جعفر، الكوفيّ، لقبه "التَّلّ" -بفتح المثناة، وتشديد اللام- صدوق فيه لين [٩].
قال الدوريّ، عن ابن معين: شيخ. وقال مرّة: قد أدركته، وليس بشيء. وقال أبو حاتم: شيخ. وقال الآجرّيّ، عن أبي داود: صالح يكتب حديثه. وقال يعقوب بن سفيان: محمد بن الحسن الْهَمْدانيّ، ومحمد بن الحسن الأسديّ ضعيفان. وقال العُقيليّ: لا يُتابع على حديثه. وقال ابن عديّ: له أحاديث أفراد، وحدّث عنه الثقات، ولم أر بحديثه بأسًا. وقال العجليّ: كوفي لا بأس به. وقال ابن شاهين في "الثقات": قال عثمان بن أبي شيبة: هو ثقة صدوق، قيل: هو حجة؟ قال: أما حجة فلا. وقال الساجيّ: ضعيف، وقد أدركت ابنه عمر، وكتبت عنه، عن أبيه أحاديث. وقال البزّار، والدارقطنيّ: ثقة. قال البخاريّ: مات سنة (٢٠٠) أو نحوها. روى له البخاريّ، والمصنف، وابن ماجه، وله عند المصنف هذا الحديث فقط.
٣ - (أنس) بن مالك القُشيريّ، أبو أُميّة، وقيل: أبو أُمَيمة، ويقال: أبو مَيّةَ، صحابيّ نزل البصرة، روى عن النبيّ ﷺ -حديثًا واحدًا: "إن اللَّه وضع عن المسافر الصيام، وشطر الصلاة"، ومنهم من ذكر فيه قصّة، وعنه أبو قلابة، وعبد اللَّه بن سَوَادة، وفي إسناده اختلاف، وحسّن الترمذيّ حديثه. وهو من بني قُشير بن كعب بن ربيعة بن عامر ابن صعصعة. ووقع في رواية ابن ماجه رجلٌ من بني عبد الأشهل، وهو غلط. روى له الأربعة، له عندهم هذا الحديث فقط، كرره المصنف ثلاث مرات برقم ٢٢٧٤ و ٢٢٧٦ و ٢٣١٥.
стр. 11476
وقوله: "والصوم" بالنصب، عطفًا على "شطرَ"، ولا يجوز جرّه عطفًا على "الصيام"؛ لأن الموضوع في الصوم كله، لا شطره. فتنبّه. وسيأتي شرح الحديث، والكلام على مسائله في الذي بعده، إن شاء اللَّه تعالى.
والحديث بهذا الإسناد ضعيف، لعنعنة أبي قلابة، وقد طعنه بعضهم بالتدليس (١)، وقد دلّت الرواية الآتية أن بينهما رجلاً مبهمًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٧٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا حِبَّانُ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ عَنِ (٢) ابْنِ عُيَيْنَةَ (٣) , عَنْ أَيُّوبَ, عَنْ شَيْخٍ مِنْ قُشَيْرٍ, عَنْ عَمِّهِ, حَدَّثَنَا, ثُمَّ أَلْفَيْنَاهُ (٤) فِي إِبِلٍ لَهُ, فَقَالَ لَهُ أَبُو قِلَابَةَ: حَدِّثْهُ, فَقَالَ الشَّيْخُ: حَدَّثَنِي عَمِّي, أَنَّهُ ذَهَبَ فِي إِبِلٍ لَهُ, فَانْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ , وَهُوَ يَأْكُلُ -أَوْ قَالَ: يَطْعَمُ- فَقَالَ: "ادْنُ, فَكُلْ", أَوْ قَالَ: «ادْنُ فَاطْعَمْ» , فَقُلْتُ: إِنِّي صَائِمٌ, فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ, شَطْرَ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامَ, وَعَنِ الْحَامِلِ, وَالْمُرْضِعِ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن حاتم) بن نُعيم المروزيّ، ثقة [١٢] ٦٦/ ١٨٠٠. من أفراد المصنّف.
٢ - (حِبّان) -بكسر الحاء المهملة- ابن موسى بن سَوّار السلميّ، أبو محمد المروزيّ، ثقة [١٠] ١/ ٣٩٧.
٣ - (عبد اللَّه) بن المبارك بن واضح الحنظليّ المروزيّ، ثقة ثبت حجة [٨] ٣٢/ ٣٦.
٤ - (ابن عيينة) هو سفيان، أبو محمد المكيّ، ثقة ثبت حجة [٨] ١/ ١.
٥ - (أيوب) بن أبي تميمة السختيانيّ البصريّ، ثقة ثبت فقيه حجة [٥] ٤٢/ ٤٨.
واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أيوب) السختيانيّ (عَنْ شَيْخٍ من قُشَيْرِ) لم يسمّ (عَنْ عَمِّهِ) هو أنس بن مالك
стр. 11477
القشيريّ، كما أوضحته الرواية الآتية (حَدَّثَنَا، ثُمَّ أَلْفَيْنَاهُ) بالفاء، أي وجدناه، وفي نسخة: "ثم لقيناه" بالقاف، من اللقاء، وهو بمعنى الأول.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أن في هذه الرواية حذفًا يتبيّن بالرواية التالية، ولفظها: "عن أيوب، قال: حدثني أبو قلابة هذا الحديث، ثم قال: هل لك في صاحب الحديث، فدلّني عليه، فلقيته، فقال: حدّثني قريب لي، يقال له: أنس بن مالك … ". فيكون التقدير هنا: حدثنا أبو قلابة، عن شيخ، ثم ألفيناه، أي ثم بعد أن حدّثنا أبو قلابة وجدنا ذلك الشيخ. واللَّه تعالى أعلم.
(فِي إِبِلٍ لَهُ، فَقَالَ: لَهُ أَبُو قِلَابَةَ: حَدِّثْهُ) أمر من التحديث، أي قال أبو قلابة لذلك الشيخ: حدّث أيوبَ الحديث الذي حدثتنيه (فَقَالَ: الشَّيْخُ: حَدَّثَنِي عَمِّي، أنَّهُ ذَهَبَ فِي إِبِلٍ لَهُ) أي في طلب إبل أغار عليها المسلمون، فأخذوها ظنّا منهم أنها للكفار، ففي رواية أحمد: "قال: أغارت علينا خيل رسول اللَّه ﷺ ، فأتيته، وهو يتغدى … " (فَانْتَهَى) أي وصل (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ) الجار والمجرور متعلّق بـ"ذهب"، أو بـ"انتهى" على سبيل التنازع (وَهُوَ يَأْكُلُ) جملة في محلّ نصب على الحال، أي والحال أنه ﷺ يأكل الغداء، وفي الرواية التالية: "فهذا هو يتغذى" (-أَوْ قَالَ: يَطْعَمُ-) شكّ من الراوي (فَقَالَ) ﷺ ("ادْنُ) أمر من الدنوّ، أي اقرُب، وفي الرواية التالية: "فقال: هلمّ إلى الغداء" (فَكُلْ"، أَوْ قَالَ: "ادْنُ فَاطْعَمْ"، فَقُلْتُ: إِنِّي صَائمٌ، فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ ، وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ، شَطْرَ الصَّلَاةِ) أي الرباعيّة، لا إلى بدل، بخلاف الصوم (وَالصِّيَامَ) بالنصب عطفًا على "شطر"، ولا يجوز جرّه؛ لأن الوضع بالنسبة للصوم كلّه، لا بعضه، فافهم، أي وضع عنه لزوم الصيام في تلك الأيام، وخيّره بين أن يصوم تلك الأيام، وبين عدّة من أيام أخر.
ولفظ أبي داود: "إن اللَّه وضع عن المسافر شطر الصلاة، والصومَ عن المسافر، وعن المرضع والحبلى".
قال الطيبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: وإنما ذَكَرَ "عن المسافر" بعد الصوم ليصحّ عطف "عن المرضع" عليه، لأن شطر الصلاة ليس موضوعًا عن المرضع انتهى.
ورواه أحمد بلفظ: "إن اللَّه وضع عن المسافر شطر الصلاة، وعن المسافر، والحامل، والمرضع الصومَ، أو"الصيام".
قال التوربشتيّ -رحمه اللَّه تعالى-: "الصوم" منصوب، والعامل فيه "وَضَع"، وشتان بين الوضعين، فإن الموضوع عن الصلاة ساقط لا إلى قضاء، ولا كذلك الصوم، وإنما ورد البيان على تقرير الرخصة، فأتى بقضايا منسوقة في الذكر، مختلفة في الحكم،
стр. 11478
وذلك لاتكاله على بيان التنزيل من قوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، ثم على المخاطبين بذلك انتهى (١).
(وَ) وضع الصوم أيضًا (عَنِ) المرأة (الْحَامِل) إنما لم تدخله تاء التأنيث لاختصاصه بالأنثى كالحائض، ومثله قوله (وَالْمُرْضِع) يعَني أن اللَّه تعالى وضع عن الحامل، والمرضع وجوب أداء الصوم إذا خافتا علىَ أنفسهما، أو على الحمل والرضيع، ثم هل هو وضع إلى قضاء، أو فداء، أو لا قضاء، ولا فداء قد اختلف فيه أهل العلم، وسيأتي تمام الكلام على ذلك مستوفًى في -٦٢/ ٢٣١٥ باب "وضع الصيام عن الحبلى، والمرضع"، إن شاء اللَّه تعالى.
وزاد في رواية أبي داود في آخر هذا الحديث: "فتلهّفت نفسي أن لا أكون أكلت من طعام رسول اللَّه ﷺ ". أي أسفت، وندمت على عدم أكلي مع رسول اللَّه ﷺ بعد أن عرفتُ الرخصة. وفي رواية أحمد، والترمذيّ: "فيا لهف نفسي". وهذا يدلّ على أن أنس بن مالك الكعبيّ ﵁ كان مسافرًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أيوب عن شيخ من قُشَير، عن عمه حديث حسن.
[تنبيه]: اعلم أن هذا الحديث مضطرب اضطرابًا شديدًا، وقد بين المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- ذلك فيما ساقه من هذه الروايات في هذا الباب، وقال الإمام الترمذيّ -رحمه اللَّه تعالى- بعد أن أخرجه من طريق أبي هلال الراسبيّ، عن عبد اللَّه بن سوادة، عن أنس ﵁: حديث أنس بن مالك الكعبيّ حديث حسن، ولا نعرف لأنس بن مالك هذا عن النبيّ ﷺ غير هذا الحديث الواحد انتهى، وهي الرواية الآتية للمصنّف -٦٢/ ٢٣١٥ - ونقل المنذريّ تحسين الترمذيّ (٢)، وأقرّه عليه (٣) وهو الذي يظهر لي. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥١/ ٢٢٧٤ و ٢٢٧٦ و ٢٣١٥ - وفي "الكبرى" ٥١/ ٢٥٨٣ و٢٥٨٤ و ٢٥٨٥ و ٢٥٨٦ و ٦٢/ ٢٦٢٤. وأخرجه (د) في "الصوم" ٢٤٠٨ (ت) في "الصوم" ٧١٥ (ق) في "الصيام" ١٦٦٧ وفي "الأطعمة" ٣٢٩٩ (أحمد) في "مسند الكوفيين" ١٨٥٦٨ وفي "مسند البصريين" ١٩٨١٤ (الدارمي) في "الصوم" ١٧١١. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 11479
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): سماحة الشريعة، وسهولتها، حيث يسرت في مواضع الضرورة، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحجّ: ٧٨]، وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقال النبيّ ﷺ : "أحبّ الدين إلى اللَّه الحنيفية السمحة" رواه أحمد بسند حسن. وقال: "إن الدين يسر، ولن يشادّ الدين أحد إلا غلبه … " الحديث، متفق عليه (ومنها): مشروعية قصر الصلاة للمسافر (ومنها): عدم وجوب الصوم على المسافر حال سفره (ومنها): عدم وجوب الصوم على الحامل والمرضع الخائفتين عليهما، أو على أولادهما. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٧٦ - (أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُرَيْجٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ, عَنْ أَيُّوبَ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو قِلَابَةَ هَذَا الْحَدِيثَ (١) , ثُمَّ قَالَ: هَلْ لَكَ فِي صَاحِبِ الْحَدِيثِ؟ فَدَلَّنِي عَلَيْهِ, فَلَقِيتُهُ, فَقَالَ: حَدَّثَنِي قَرِيبٌ لِي, يُقَالُ لَهُ: أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ, قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي إِبِلٍ, كَانَتْ (٢) لِي أُخِذَتْ, فَوَافَقْتُهُ, وَهُوَ يَأْكُلُ, فَدَعَانِي إِلَى طَعَامِهِ, فَقُلْتُ: إِنِّي صَائِمٌ, فَقَالَ: «ادْنُ أُخْبِرْكَ عَنْ ذَلِكَ, إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ (٣) عَنِ الْمُسَافِرِ الصَّوْمَ, وَشَطْرَ الصَّلَاةِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أبو بكر بن عليّ": هو أحمد بن عليّ بن سعيد المروزيّ القاضي، ثقة حافظ [١٢] ١/ ٢٠٩٤. من أفراد المصنّف.
و"سُريج": هو ابن يونس بن إبراهيم البغداديّ، أبو الحارث مَزُوذيُّ الأصل، ثقة عابد [١٠].
قال الميموني عن أحمد بن حنبل: رجل صالح، صاحب خير ما علمت. وقال أبو داود عن أحمد: ليس به بأس. وقال أيضًا: سمعت أحمد يثني عليه. وقال ابن أبي خيثمة وغيره: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن سعد وابن قانع: ثقة ثبت. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الغلابي عن ابن معين: سُرَيج بن النعمان ثقة، وسريج بن يونس أفضل منه. أخرج له البخاري، ومسلم، والمصنف، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (٢٢٧) و (٥٦٦٨) و (٥٦٨٤).
[تنبيه]: وقع في النسخة الهندية: "شُرَيح" بالشين المعجمة، آخره حاء مهملة، بدل "سُريج"، وهو تصحيف فاحش، فتنبّه.
стр. 11480
والحديث حسنٌ، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٧٧ - (أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ, عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ, عَنْ أَبِي قِلَابَةَ, عَنْ رَجُلٍ, قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ لِحَاجَةٍ, فَإِذَا هُوَ يَتَغَدَّى, قَالَ: هَلُمَّ إِلَى الْغَدَاءِ, فَقُلْتُ: إِنِّي صَائِمٌ, قَالَ: «هَلُمَّ أُخْبِرْكَ عَنِ الصَّوْمِ, إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ, نِصْفَ الصَّلَاةِ, وَالصَّوْمَ, وَرَخَّصَ لِلْحُبْلَى, وَالْمُرْضِعِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عبد اللَّه": هو ابن المبارك. وقوله: "عن رجل، قال: أتيت النبيّ ﷺ الخ". هذا الإسناد مخالف لما قبله، فقد أسقط خالدٌ الواسطة بين أبي قلابة، وبين الصحابيّ في إسناد أيوب الماضي. ثم إنه يحتمل أن يكون هذا الرجل المبهم هو أنس بن مالك الكعبيّ ﵁.
والحديث حسنٌ، تفرّد به المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٧٨ - (أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ, عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ, عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ بْنِ الشِّخِّيرِ, عَنْ رَجُلٍ (١) نَحْوَهُ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أبو العلاء بن الشِّخِّير": هو يزيد بن عبد اللَّه بن الشِّخِّير العامريّ البصريّ، ثقة [٢] ٣٢/ ٦٧٢.
والحديث تفرّد به المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، كما سبق بيانه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٧٩ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ, عَنْ أَبِي بِشْرٍ, عَنْ هَانِئِ بْنِ الشِّخِّيرِ, عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَلْحَرِيشٍ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: كُنْتُ مُسَافِرًا, فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ , وَأَنَا صَائِمٌ, وَهُوَ يَأْكُلُ, قَالَ: «هَلُمَّ» , قُلْتُ: إِنِّي صَائِمٌ, قَالَ: «تَعَالَ, أَلَمْ تَعْلَمْ, مَا وَضَعَ اللَّهُ, عَنِ الْمُسَافِرِ؟» , قُلْتُ: وَمَا وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ؟ , قَالَ: «الصَّوْمَ, وَنِصْفَ الصَّلَاةِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أبو عوانة": هو الوضّاح بن عبد اللَّه اليشكريّ. و"أبو بشر": هو جعفر بن إياس البصريّ، ثم الواسطيّ.
و"هانئ بن الشخير" -بكسر المعجمتين، وتثقيل ثانيه، ثم تحتانيّة ساكنة، ثم راء- ابن عوف بن كعب بن وَقْدان بن الحَرِيش العامريّ، نُسب لجدّه- مقبول [٣].
روى عن أبيه، وقيل: عن رجل من بَلْحَرِيش -وهو وَهَم- في الرخصة في الفطر في السفر. وعنه أبو بشر جعفر بن أبي وحشيّة. ذكره ابن حبّان في "الثقات". انفرّد به
стр. 11481
المصنّف، بهذا الحديث فقط.
و"عبد اللَّه بن الشخير" بن عوف العامريّ، صحابيّ، من مسلمة الفتح تقدّم في ٣٤/ ٧٢٧. وقوله: "عن رجل" يأتي قريبًا أنه غلط، والصواب حذفه.
[تنبيه]: قوله: "بَلْحَرِيش" -بفتح الموحّدة، وكسر الراء- منحوت من "بني الحَرِيش" بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن قيس. أفاده في "اللباب" ١/ ٣٥٧.
وقوله: "ما وَضَعَ اللَّه عن المسافر": يحتمل أن تكون "ما" موصولة، مفعولَ "تعلم"، ويحتمل أن تكون مصدرية، والمصدر المؤوّل مفعول "تعلم" أيضًا. و"تعلم" هنا بمعنى "تعرف"، ولذا تعدّت إلِى مفعول واحد، كما قال ابن مالك في "الخلاصة":
لِعِلْمِ عِرْفَانٍ وَظَنٍّ تَهُمَهْ … تَعْدِيَةٌ لِواحِدٍ مُلْتَزَمَهْ
ويحتمل أن تكون "ما" استفهاميّة. وأما "ما" التي في قوله: "وما وَضَعَ عن المسافر" استفهامية، لا غير.
والحديث تفرّد به المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو صحيح عن هانئ بن عبد اللَّه، عن أبيه، بإسقاط "عن رجل"، كما هو رواية أبي زرعة الآتية، إن شاء اللَّه تعالى.
قال الحافظ أبو الحجّاج المزّيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "تحفة الأشراف": ما نصّه: والحديث حديث أبي زرعة -يعني الذي يأتي بعد حديث- والصواب حذف "عن" من حديث قتيبة، والطرسوسيّ -يعني الحديث التالي- و"هانئ" هو ابن عبد اللَّه بن الشخّير، أخو مطرّف، ويزيد. وقول قتيبة: "هانئ بن الشخّير" ينسبه إلى جدّه، وسقط ذكر "أبيه"، ولعله عن هانئ -رجل من بني الْحَرِيش- و"عن" مَزِيدة انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما قاله الحافظ المزيّ -رحمه اللَّه تعالى- أن الحديث صحيح عن هانئ بن عبد اللَّه بن الشّخّير، عن أبيه ﵁، بإسقاط "عن رجل"، كما هي رواية أبي زرعة الرازي الآتية. أو بإسقاط "عن"، فيكون "رجل من بلحريش" بدلاً من "هانئ". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٨٠ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلاَّمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ, عَنْ أَبِي بِشْرٍ, عَنْ هَانِئِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ, عَنْ رَجُلٍ, مِنْ بَلْحَرِيشٍ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: كُنَّا نُسَافِرُ مَا شَاءَ اللَّهُ, فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , وَهُوَ يَطْعَمُ, فَقَالَ: «هَلُمَّ, فَاطْعَمْ» , فَقُلْتُ: إِنِّي صَائِمٌ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أُحَدِّثُكُمْ عَنِ الصِّيَامِ, إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ الصَّوْمَ, وَشَطْرَ الصَّلَاةِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عبد الرحمن بن محمد بن سلاّم" -بتشديد اللام- أبو القاسم البغداديّ، ثم الطَّرَسُوسيّ، لا بأس به [١١] ١٧٢/ ١١٤١.
стр. 11482
و"أبو داود": هو سليمان بن داود الطيالسيّ. ويحتمل أن يكون عُمَر بن سَعْد الْحَفَريّ الكوفيّ، فكلاهما يرويان عن أبي عوانة، ويروي عنهما عبد الرحمن بن محمد بن سلاّم.
والحديث قد تقدّم تمام البحث فيه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٨١ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ, قَالَ: حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ, عَنْ أَبِي بِشْرٍ, عَنْ هَانِئِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ, عَنْ أَبِيهِ,, قَالَ: كُنْتُ مُسَافِرًا, فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ , وَهُوَ يَأْكُلُ, وَأَنَا صَائِمٌ, فَقَالَ: «هَلُمَّ» , قُلْتُ: إِنِّي صَائِمٌ, قَالَ: «أَتَدْرِي مَا وَضَعَ اللَّهُ عَنِ الْمُسَافِرِ؟» , قُلْتُ: وَمَا وَضَعَ اللَّهُ عَنِ الْمُسَافِرِ؟ , قَالَ: «الصَّوْمَ, وَشَطْرَ الصَّلَاةِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عبيد اللَّه بن عبد الكريم": هو الحافظ الإمام الجليل أبو زرعة الرازيّ [١١] ٩٣/ ١٣٥١.
و"سهل بن بَكّار"بن بشر الدارميّ، ويقال: الْبُرْجُمِيّ، ويقال: القيسيّ، أبو بشر البصريّ المكفوف، ثقة ربما وهم [١٠].
قال أبو حاتم: ثقة. ووثقه الدارقطنيّ. وقال ابن قانع: صالح. وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: صدوق. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: ربما وهم، وأخطأ. مات سنة (٢٢٧) وقيل: (٨). روى عنه البخاريّ، وأبو داود، والمصنف، وله عنده في هذا الكتاب حديثان فقط: هذا ٢٢٨١ و ٤٤٤٩.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تقدّم قريبًا أن هذه الرواية هي الصواب، وما تقدّم بزيادة "عن رجل من بلحريش" خطأ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٨٢ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا إِسْرَائِيلُ, عَنْ مُوسَى -هُوَ ابْنُ أَبِي عَائِشَةَ- عَنْ غَيْلَانَ, قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ أَبِي قِلَابَةَ فِي سَفَرٍ, فَقَرَّبَ طَعَامًا, فَقُلْتُ: إِنِّي صَائِمٌ, فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , خَرَجَ فِي سَفَرٍ, فَقَرَّبَ طَعَامًا, فَقَالَ لِرَجُلٍ «ادْنُ, فَاطْعَمْ» , قَالَ: إِنِّي صَائِمٌ, قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ, نِصْفَ الصَّلَاةِ, وَالصِّيَامَ فِي السَّفَرِ» , فَادْنُ, فَاطْعَمْ, فَدَنَوْتُ, فَطَعِمْتُ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وهو ثقة.
و"عبيد اللَّه": هو ابن موسى بن أبي المختار باذام العبسيّ الكوفيّ ثقة يتشيّع [٩] ٧٢/ ١٣٢٦.
стр. 11483
و"إسرائيل": هو ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعيّ الكوفيّ، ثقة [٧] ٧٥/ ١٠٠٦.
و"موسى بن أبي عائشة": هو أبو الحسن الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقة عابد [٥] ٤٠/ ٨٣٤.
و"غيلان": هو ابن جرير المِعْوليّ الأزديّ البصريّ، ثقة [٥] ١٢٤/ ١٠٨٢.
وقوله: "فادن، فأطعم" من كلام أبي قلابة. وقوله: "فدنوتُ، فطعمتُ" من كلام غيلان بن جرير. واللَّه تعالى أعلم.
والحديث مرسل صحيح بما تقدّم، وهو من أفراد المصنّف. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٥٢ - (فَضْلُ الإِفْطَارِ فِي السَّفَرِ عَلَى الصِّيَامِ) (١)
٢٢٨٣ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمٌ الأَحْوَلُ, عَنْ مُوَرِّقٍ الْعِجْلِيِّ, عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ, قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فِي السَّفَرِ, فَمِنَّا الصَّائِمُ, وَمِنَّا الْمُفْطِرُ, فَنَزَلْنَا فِي يَوْمٍ حَارٍّ, وَاتَّخَذْنَا ظِلَالاً, فَسَقَطَ الصُّوَّامُ, وَقَامَ الْمُفْطِرُونَ, فَسَقَوُا الرِّكَابَ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْمَ بِالأَجْرِ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهوية المروزيّ، ثقة ثبت [١٠] ٢/ ٢.
٢ - (أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقة، من كبار [٩] ٢٦/ ٣٠.
٣ - (عاصم الأحول) ابن سليمان، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقة [٤] ١٤٨/ ٢٣٩.
٤ - (موَرّق) -بتشديد الراء- ابن مُشَمّرِج -بضمّ أوله، وفتح المعجمة، وسكون الميم، وكسر الراء، بعدها جيم- ويقال: ابن عبد اللَّه، العجليّ، أبو المعتمر البصريّ، ويقال: الكوفيّ، ثقة عابد، من كبار [٣].
قال النسائيّ: ثقة. وقال العجليّ: بصريّ ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال:
стр. 11484
كان من العبّاد الخشن. وقال ابن سعد: كان ثقة عابدًا، قالوا: توفي في ولاية عُمَر بن هُبَيرة على العراق. مات سنة (١٠٥٣) وقيل (٣) وقيل (٨). أخرج له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٥ - (أنس بن مالك) بن النضر الأنصاريّ الصحابيّ الخادم المشهور - رضي اللَّه تعالى - عنه ٦/ ٦. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف ﵀. ومنها: أنه مسلسل بالبصريين غير شيخه، فمروزي، وأبي معاوية فكوفي. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي: عاصم عن مُوَرِّقِ. ومنها: أن فيه أنسًا ﵁ من المكثرين السبعة. وآخر من مات من الصحابة بالبصرة - رضي اللَّه تعالى عنهم -. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ) خادم رسول اللَّه ﷺ وليس هو أنس بن مالك الكعبيّ المذكور في الباب الماضي. فتنبّه (قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فِي السَّفَرِ، فَمِنَّا الصَّائِمُ) أراد به الجنس (وَمِنَّا الْمُفْطِرُ) وفي رواية: "فصام بعض، وأفطر بعض". وفيه دليل على جواز الصوم في السفِر، لتقرير النبيّ ﷺ للصائمين على صومهم (فَنَزَلْنَا فِي يَوْمٍ حَارٍّ) أي شديد الحرار (وَاتَّخَذْنَا ظِلَالَا) وفي رواية البخاريّ: "أكثرنا ظلاّ من يستظلّ بكسائه". ولمسلم: "أكثرنا ظلاًّ صاحب الكساء، ومنّا من يَتَّقِي الشمسَ بيده" (فَسَقَطَ الصُّوَّامُ) بالضمّ جمع صائم. أي ضعفوا عن الحركة، ومباشرة حوائجهم؛ لأجل ضعفهم (وَقَامَ الْمُفْطِرُونَ) أي بالخدمة. وفي رواية البخاريّ: "وأما الذين أفطروا، فبعثوا الركاب، وامْتَهَنوا، وعالجوا".
وفي رواية لمسلم: "فتحزّم المفطرون، وعملوا". -بالحاء المهملة، والزاي-.
ووقع في بعض النسخ: "فتخدّموا" -بالخاء المعجمة، والدال المهملة- وادعى بعضهم أنه الصواب؛ أي أنهم كانوا يخدمون. قال القاضي عياض: والأول صحيح أيضًا، ولصحته ثلاثة أوجه: أحدها: معناه شدّوا أوساطهم للخدمة. والثاني: أنه استعاره للاجتهاد في الخدمة، ومنه:"إذا دخل العشر اجتهد، وشدّ المئزر". والثالث: أنه من الحزم، وهو الاحتياط، والأخذ بالقوّة، والاهتمام بالمصلحة انتهى (١)
(فَسَقَوُا الرِّكَابَ) ولمسلم: "فضربوا الأخبية، وسقوا الركاب". و- الركاب" -بكسر الراء -أي الإبل التي يُسار عليها، واحدها راحلة، ولا واحد لها من لفظها (فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْمَ بِالْأَجْرِ) أي الأجر الوافر، وهو ما فعلوه من خدمة
стр. 11485
الصائمين بسقي الركاب، وضرب الخباء، ونحوهما؛ لما حصل منهم من النفع المتعدّي، وليس المراد نقص أجر الصوّام، بل المراد أن المفطرين حصل لهم أجر عملهم، ومثل أجر الصوّام؛ لتعاطيهم أشغالهم، وأشغال الصوّام، فلذلك قال: "بالأجر كله"؛ لوجود الصفات المقتضية لتحصيل الأجر منهم. قاله الحافظ.
وقال القاري: أي بالثواب الأكمل؛ لأن الإفطار كان في حقهم أفضل، وفي ذكر "اليوم" إشارة إلى عدم إطلاق هذا الحكم. وقال الطيبيّ: أي إنهم مضوا، واستصحبوا الأجر، ولم يتركوا لغيرهم شيئًا منه، على طريقة المبالغة، يقال: ذهب به: إذا استصحبه، ومضى به معه.
وقال ابن دقيق العيد: فيه وجهان:
أحدهما: أن يراد بالأجر أجر تلك الأفعال التي فعلوها، والمصالح التي جرت على أيديهم، ولا يراد مطلق الأجر على سبيل العموم.
والثاني: أن يكون أجرهم قد بلغ في الكثرة بالنسبة إلى أجر الصوم مبلغًا يَنغمر فيه أجر الصوم، فتحصل المبالغة بسبب ذلك، ويجعل كأنّ الأجر كله للمفطر انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أنس بن مالك ﵁ هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه- ٥٢/ ٢٢٨٣ - وفي "الكبرى" ٥٢/ ٢٥٩٢. وأخرجه (خ) في "الجهاد" ٢٨٩٠ (م) في "الصيام" ١١١٩. واللَّه تعالى أعلم.
[فائدة]: قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: هذا الحديث من الأحاديث التي أرودها البخاريّ في غير مظنتها؛ لكونه لم يذكرها في "الصيام"، واقتصر على إيرادها في "الجهاد" انتهى. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما بوّب له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو فضل الإفطار في السفر على الصيام (ومنها): الحضّ على المعاونة في الجهاد (ومنها): أن أجر الخدمة في الغزو أعظم من أجر الصيام. قاله ابن أبي صفرة. واعترض عليه الحافظ بأنه ليس ذلك على العموم (ومنها): جوزا الصوم في السفر؛ خلافًا لمن قال: لا ينعقد. واللَّه تعالى أعلم