المصنّف، بهذا الحديث فقط.
و"عبد اللَّه بن الشخير" بن عوف العامريّ، صحابيّ، من مسلمة الفتح تقدّم في ٣٤/ ٧٢٧. وقوله: "عن رجل" يأتي قريبًا أنه غلط، والصواب حذفه.
[تنبيه]: قوله: "بَلْحَرِيش" -بفتح الموحّدة، وكسر الراء- منحوت من "بني الحَرِيش" بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن قيس. أفاده في "اللباب" ١/ ٣٥٧.
وقوله: "ما وَضَعَ اللَّه عن المسافر": يحتمل أن تكون "ما" موصولة، مفعولَ "تعلم"، ويحتمل أن تكون مصدرية، والمصدر المؤوّل مفعول "تعلم" أيضًا. و"تعلم" هنا بمعنى "تعرف"، ولذا تعدّت إلِى مفعول واحد، كما قال ابن مالك في "الخلاصة":
لِعِلْمِ عِرْفَانٍ وَظَنٍّ تَهُمَهْ … تَعْدِيَةٌ لِواحِدٍ مُلْتَزَمَهْ
ويحتمل أن تكون "ما" استفهاميّة. وأما "ما" التي في قوله: "وما وَضَعَ عن المسافر" استفهامية، لا غير.
والحديث تفرّد به المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو صحيح عن هانئ بن عبد اللَّه، عن أبيه، بإسقاط "عن رجل"، كما هو رواية أبي زرعة الآتية، إن شاء اللَّه تعالى.
قال الحافظ أبو الحجّاج المزّيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "تحفة الأشراف": ما نصّه: والحديث حديث أبي زرعة -يعني الذي يأتي بعد حديث- والصواب حذف "عن" من حديث قتيبة، والطرسوسيّ -يعني الحديث التالي- و"هانئ" هو ابن عبد اللَّه بن الشخّير، أخو مطرّف، ويزيد. وقول قتيبة: "هانئ بن الشخّير" ينسبه إلى جدّه، وسقط ذكر "أبيه"، ولعله عن هانئ -رجل من بني الْحَرِيش- و"عن" مَزِيدة انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما قاله الحافظ المزيّ -رحمه اللَّه تعالى- أن الحديث صحيح عن هانئ بن عبد اللَّه بن الشّخّير، عن أبيه ﵁، بإسقاط "عن رجل"، كما هي رواية أبي زرعة الرازي الآتية. أو بإسقاط "عن"، فيكون "رجل من بلحريش" بدلاً من "هانئ". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٨٠ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلاَّمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ, عَنْ أَبِي بِشْرٍ, عَنْ هَانِئِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ, عَنْ رَجُلٍ, مِنْ بَلْحَرِيشٍ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: كُنَّا نُسَافِرُ مَا شَاءَ اللَّهُ, فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , وَهُوَ يَطْعَمُ, فَقَالَ: «هَلُمَّ, فَاطْعَمْ» , فَقُلْتُ: إِنِّي صَائِمٌ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أُحَدِّثُكُمْ عَنِ الصِّيَامِ, إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ الصَّوْمَ, وَشَطْرَ الصَّلَاةِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عبد الرحمن بن محمد بن سلاّم" -بتشديد اللام- أبو القاسم البغداديّ، ثم الطَّرَسُوسيّ، لا بأس به [١١] ١٧٢/ ١١٤١.
стр. 11482
و"أبو داود": هو سليمان بن داود الطيالسيّ. ويحتمل أن يكون عُمَر بن سَعْد الْحَفَريّ الكوفيّ، فكلاهما يرويان عن أبي عوانة، ويروي عنهما عبد الرحمن بن محمد بن سلاّم.
والحديث قد تقدّم تمام البحث فيه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٨١ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ, قَالَ: حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ, عَنْ أَبِي بِشْرٍ, عَنْ هَانِئِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ, عَنْ أَبِيهِ,, قَالَ: كُنْتُ مُسَافِرًا, فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ , وَهُوَ يَأْكُلُ, وَأَنَا صَائِمٌ, فَقَالَ: «هَلُمَّ» , قُلْتُ: إِنِّي صَائِمٌ, قَالَ: «أَتَدْرِي مَا وَضَعَ اللَّهُ عَنِ الْمُسَافِرِ؟» , قُلْتُ: وَمَا وَضَعَ اللَّهُ عَنِ الْمُسَافِرِ؟ , قَالَ: «الصَّوْمَ, وَشَطْرَ الصَّلَاةِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عبيد اللَّه بن عبد الكريم": هو الحافظ الإمام الجليل أبو زرعة الرازيّ [١١] ٩٣/ ١٣٥١.
و"سهل بن بَكّار"بن بشر الدارميّ، ويقال: الْبُرْجُمِيّ، ويقال: القيسيّ، أبو بشر البصريّ المكفوف، ثقة ربما وهم [١٠].
قال أبو حاتم: ثقة. ووثقه الدارقطنيّ. وقال ابن قانع: صالح. وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: صدوق. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: ربما وهم، وأخطأ. مات سنة (٢٢٧) وقيل: (٨). روى عنه البخاريّ، وأبو داود، والمصنف، وله عنده في هذا الكتاب حديثان فقط: هذا ٢٢٨١ و ٤٤٤٩.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تقدّم قريبًا أن هذه الرواية هي الصواب، وما تقدّم بزيادة "عن رجل من بلحريش" خطأ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٨٢ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا إِسْرَائِيلُ, عَنْ مُوسَى -هُوَ ابْنُ أَبِي عَائِشَةَ- عَنْ غَيْلَانَ, قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ أَبِي قِلَابَةَ فِي سَفَرٍ, فَقَرَّبَ طَعَامًا, فَقُلْتُ: إِنِّي صَائِمٌ, فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , خَرَجَ فِي سَفَرٍ, فَقَرَّبَ طَعَامًا, فَقَالَ لِرَجُلٍ «ادْنُ, فَاطْعَمْ» , قَالَ: إِنِّي صَائِمٌ, قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ, نِصْفَ الصَّلَاةِ, وَالصِّيَامَ فِي السَّفَرِ» , فَادْنُ, فَاطْعَمْ, فَدَنَوْتُ, فَطَعِمْتُ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وهو ثقة.
و"عبيد اللَّه": هو ابن موسى بن أبي المختار باذام العبسيّ الكوفيّ ثقة يتشيّع [٩] ٧٢/ ١٣٢٦.
стр. 11483
و"إسرائيل": هو ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعيّ الكوفيّ، ثقة [٧] ٧٥/ ١٠٠٦.
و"موسى بن أبي عائشة": هو أبو الحسن الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقة عابد [٥] ٤٠/ ٨٣٤.
و"غيلان": هو ابن جرير المِعْوليّ الأزديّ البصريّ، ثقة [٥] ١٢٤/ ١٠٨٢.
وقوله: "فادن، فأطعم" من كلام أبي قلابة. وقوله: "فدنوتُ، فطعمتُ" من كلام غيلان بن جرير. واللَّه تعالى أعلم.
والحديث مرسل صحيح بما تقدّم، وهو من أفراد المصنّف. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٥٢ - (فَضْلُ الإِفْطَارِ فِي السَّفَرِ عَلَى الصِّيَامِ) (١)
٢٢٨٣ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمٌ الأَحْوَلُ, عَنْ مُوَرِّقٍ الْعِجْلِيِّ, عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ, قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فِي السَّفَرِ, فَمِنَّا الصَّائِمُ, وَمِنَّا الْمُفْطِرُ, فَنَزَلْنَا فِي يَوْمٍ حَارٍّ, وَاتَّخَذْنَا ظِلَالاً, فَسَقَطَ الصُّوَّامُ, وَقَامَ الْمُفْطِرُونَ, فَسَقَوُا الرِّكَابَ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْمَ بِالأَجْرِ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهوية المروزيّ، ثقة ثبت [١٠] ٢/ ٢.
٢ - (أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقة، من كبار [٩] ٢٦/ ٣٠.
٣ - (عاصم الأحول) ابن سليمان، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقة [٤] ١٤٨/ ٢٣٩.
٤ - (موَرّق) -بتشديد الراء- ابن مُشَمّرِج -بضمّ أوله، وفتح المعجمة، وسكون الميم، وكسر الراء، بعدها جيم- ويقال: ابن عبد اللَّه، العجليّ، أبو المعتمر البصريّ، ويقال: الكوفيّ، ثقة عابد، من كبار [٣].
قال النسائيّ: ثقة. وقال العجليّ: بصريّ ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال:
стр. 11484
كان من العبّاد الخشن. وقال ابن سعد: كان ثقة عابدًا، قالوا: توفي في ولاية عُمَر بن هُبَيرة على العراق. مات سنة (١٠٥٣) وقيل (٣) وقيل (٨). أخرج له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٥ - (أنس بن مالك) بن النضر الأنصاريّ الصحابيّ الخادم المشهور - رضي اللَّه تعالى - عنه ٦/ ٦. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف ﵀. ومنها: أنه مسلسل بالبصريين غير شيخه، فمروزي، وأبي معاوية فكوفي. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي: عاصم عن مُوَرِّقِ. ومنها: أن فيه أنسًا ﵁ من المكثرين السبعة. وآخر من مات من الصحابة بالبصرة - رضي اللَّه تعالى عنهم -. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ) خادم رسول اللَّه ﷺ وليس هو أنس بن مالك الكعبيّ المذكور في الباب الماضي. فتنبّه (قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فِي السَّفَرِ، فَمِنَّا الصَّائِمُ) أراد به الجنس (وَمِنَّا الْمُفْطِرُ) وفي رواية: "فصام بعض، وأفطر بعض". وفيه دليل على جواز الصوم في السفِر، لتقرير النبيّ ﷺ للصائمين على صومهم (فَنَزَلْنَا فِي يَوْمٍ حَارٍّ) أي شديد الحرار (وَاتَّخَذْنَا ظِلَالَا) وفي رواية البخاريّ: "أكثرنا ظلاّ من يستظلّ بكسائه". ولمسلم: "أكثرنا ظلاًّ صاحب الكساء، ومنّا من يَتَّقِي الشمسَ بيده" (فَسَقَطَ الصُّوَّامُ) بالضمّ جمع صائم. أي ضعفوا عن الحركة، ومباشرة حوائجهم؛ لأجل ضعفهم (وَقَامَ الْمُفْطِرُونَ) أي بالخدمة. وفي رواية البخاريّ: "وأما الذين أفطروا، فبعثوا الركاب، وامْتَهَنوا، وعالجوا".
وفي رواية لمسلم: "فتحزّم المفطرون، وعملوا". -بالحاء المهملة، والزاي-.
ووقع في بعض النسخ: "فتخدّموا" -بالخاء المعجمة، والدال المهملة- وادعى بعضهم أنه الصواب؛ أي أنهم كانوا يخدمون. قال القاضي عياض: والأول صحيح أيضًا، ولصحته ثلاثة أوجه: أحدها: معناه شدّوا أوساطهم للخدمة. والثاني: أنه استعاره للاجتهاد في الخدمة، ومنه:"إذا دخل العشر اجتهد، وشدّ المئزر". والثالث: أنه من الحزم، وهو الاحتياط، والأخذ بالقوّة، والاهتمام بالمصلحة انتهى (١)
(فَسَقَوُا الرِّكَابَ) ولمسلم: "فضربوا الأخبية، وسقوا الركاب". و- الركاب" -بكسر الراء -أي الإبل التي يُسار عليها، واحدها راحلة، ولا واحد لها من لفظها (فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْمَ بِالْأَجْرِ) أي الأجر الوافر، وهو ما فعلوه من خدمة
стр. 11485
الصائمين بسقي الركاب، وضرب الخباء، ونحوهما؛ لما حصل منهم من النفع المتعدّي، وليس المراد نقص أجر الصوّام، بل المراد أن المفطرين حصل لهم أجر عملهم، ومثل أجر الصوّام؛ لتعاطيهم أشغالهم، وأشغال الصوّام، فلذلك قال: "بالأجر كله"؛ لوجود الصفات المقتضية لتحصيل الأجر منهم. قاله الحافظ.
وقال القاري: أي بالثواب الأكمل؛ لأن الإفطار كان في حقهم أفضل، وفي ذكر "اليوم" إشارة إلى عدم إطلاق هذا الحكم. وقال الطيبيّ: أي إنهم مضوا، واستصحبوا الأجر، ولم يتركوا لغيرهم شيئًا منه، على طريقة المبالغة، يقال: ذهب به: إذا استصحبه، ومضى به معه.
وقال ابن دقيق العيد: فيه وجهان:
أحدهما: أن يراد بالأجر أجر تلك الأفعال التي فعلوها، والمصالح التي جرت على أيديهم، ولا يراد مطلق الأجر على سبيل العموم.
والثاني: أن يكون أجرهم قد بلغ في الكثرة بالنسبة إلى أجر الصوم مبلغًا يَنغمر فيه أجر الصوم، فتحصل المبالغة بسبب ذلك، ويجعل كأنّ الأجر كله للمفطر انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أنس بن مالك ﵁ هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه- ٥٢/ ٢٢٨٣ - وفي "الكبرى" ٥٢/ ٢٥٩٢. وأخرجه (خ) في "الجهاد" ٢٨٩٠ (م) في "الصيام" ١١١٩. واللَّه تعالى أعلم.
[فائدة]: قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: هذا الحديث من الأحاديث التي أرودها البخاريّ في غير مظنتها؛ لكونه لم يذكرها في "الصيام"، واقتصر على إيرادها في "الجهاد" انتهى. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما بوّب له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو فضل الإفطار في السفر على الصيام (ومنها): الحضّ على المعاونة في الجهاد (ومنها): أن أجر الخدمة في الغزو أعظم من أجر الصيام. قاله ابن أبي صفرة. واعترض عليه الحافظ بأنه ليس ذلك على العموم (ومنها): جوزا الصوم في السفر؛ خلافًا لمن قال: لا ينعقد. واللَّه تعالى أعلم
стр. 11486
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٥٣ - (ذِكْرُ قَوْلِهِ: "الصَّائِمُ فِي السَّفَرِ كَالْمُفْطِرِ فِي الْحَضَرِ")
٢٢٨٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانَ الْبَلْخِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْنٌ, عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ, قَالَ: يُقَالُ: الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ, كَالإِفْطَارِ فِي الْحَضَرِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانَ الْبَلْخِيُّ) الملقّب حمدويه، مستملي وكيع، ثقة حافظ [١٠] ٤٤/ ٩٥١.
٢ - (معن) بن عيسى القزّاز الأشجعي مولاهم، أبو يحيى المدنيّ، ثقة ثبت، قال أبو حاتم: أثبت أصحاب مالك، من كبار [١٠] ٥٠/ ٦٢.
٣ - (ابن أبي ذئب) هو: محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب القرشيّ العامريّ، أبو الحارث المدنيّ، ثقة فقيه فاضل [٧] ٤١/ ٦٨٥.
٤ - (الزهريّ) محمد بن مسلم الإمام الحجة الفقيه المدنيّ [٤] ١/ ١.
٥ - (أبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقة فقيه [٣] ١/ ١.
٦ - (عبد الرحمن بن عوف) بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زُهرة القرشيّ الزهريّ، أحد العشرة، أسلم قديمًا، ومات سنة (٣٢) وقيل: غير ذلك، تقدّم في ٤٠/ ٢٢٠٨. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، إلا أن فيه انقطاعًا، فإن أبا سلمة لم يسمع من أبيه، كما سيأتي تحقيقه في المسألة الأولى، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فلبخي. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن صحابيه أحد العشرة المبشرين بالجنة - رضي اللَّه تعالى عنهم -. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) ﵁، أنه (قَالَ: يُقَالُ) هذا ليس من صيغ الرفع
стр. 11487
حكمًا، فإن قال قائل: إنه يحتمله نقول: إن الروايات الآتية التي تنصّ على أن الحديث موقوف على عبد الرحمن ﵁ تقدّم عليه ("الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ، كَالإِفْطَارِ فِي الْحَضَرِ) أي إن حكم الصيام في السفر كحكم الفطر، في الحضر، وهو المنع، وفيه مبالغة في المنع عن الصوم في السفر، وبهذا تمسك الظاهرية، فقالوا بالمنع عن صوم رمضان في السفر. وذهب الجمهور، وهو الحقّ إلى أنه محمول على حال عدم القدرة، ولحوق الضرر، أو الاستنكاف والإعراض عن العمل برخصة اللَّه تعالى.
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: هو محمول على ما تقدّم أوّلاً حيث يكون الفطر أولى من الصوم انتهى.
وقال الشوكانيّ -رحمه اللَّه تعالى-: هو محمول على الحالة التي يكون الفطر فيها أولى من الصوم؛ كحالة المشقّة، جمعًا بين الأدلّة.
وقال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: قوله: "كالمفطر في الحضر" أي في غير رمضان، فمرجعه إلى أن الصوم خلاف الأولى، أو كالمفطر في رمضان، فمدلوله أنه حرام، والأول أقرب، ومع ذلك لا بدّ عند الجمهور من حمله على حالة مخصوصة؛ كما إذا أجهده الصوم انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد الرحمن بن عوف هذا موقوف صحيح من رواية حميد بن عبد الرحمن، عنه وهي الآتية بعد حديث، وأما بهذا الإسناد فإنه منقطع؛ لأن أبا سلمة لم يسمع من أبيه. قال أحمد، وابن معين، وابن المدينيّ، وأبو حاتم، ويعقوب بن شيبة، وأبو داود: حديثه عن أبيه مرسل، قال أحمد: مات وهو صغير. وقال أبو حاتم: لا يصحّ عندي. وصرح الباقون بكونه لم يسمع. وقال ابن عبد البرّ: لم يسمع من أبيه، وحديث النضر بن شيبان في سماع أبي سلمة عن أبيه لا يصحّحونه (١).
وقال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- في "التلخيص الحبير": حديث: "الصائم في السفر كالمفطر في الحضر". رواه ابن ماجه، والبزّار (٢) من حديث عبد الرحمن بن عوف،
стр. 11488
والنسائيّ من حديثه بلفظ: "كان يقال"، وصوّب وقفه على عبد الرحمن، وأخرجه ابن عديّ من وجه آخر، وضعّفه، وكذا صحح كونه موقوفًا ابن أبي حاتم، عن أبيه، والدارقطنيّ في "العلل"، والبيهقيّ. انتهى (١). والحاصل أن الحديث مرفوعًا يصحّ، وإنما الصحيح أنه موقوف على عبد الرحمن بن عوف ﵁. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥٣/ ٢٢٨٤ و ٢٢٨٥ و ٢٢٨٦ - وفي "الكبرى" ٥٣/ ٢٥٩٣ و ٢٥٩٤ و ٢٥٩٥. وأخرجه (ق) في "الصيام" ١٦٦٦. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٨٥ - (أَخْبَرَنَا (٢) مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ الْخَيَّاطِ, وَأَبُو عَامِرٍ, قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ, قَالَ: الصَّائِمُ فِي السَّفَرِ, كَالْمُفْطِرِ فِي الْحَضَرِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، سوى:
شيخه، فقد انفرد به هو، والترمذيّ، وهو مروزي ثقة حافظ [١٠] ١٦٢/ ٢٥٤. وكلهم تقدموا، غير:
١ - (حماد ابن الخيّاط) وهو حماد بن خالد الخيّاط القرشيّ، أبو عبد اللَّه البصريّ، نزيل بغداد، ثقة أميّ [٩].
قال أحمد: كان حافظًا، كتبت عنه أنا ويحيى بن معين، وكان يحدّثنا، وهو يحفظ.
وقال الدوريّ، عن ابن معين: ثقة، كان أميّا لا يكتب، وكان يقرأ الحديث. وقال ابن عمّار، والنسائيّ: ثقة. وقال ابن المدينيّ: كان من أهل المدينة، وكان ثقة عندنا. وقال مجاهد بن موسى: كتبنا عنه، وهشيم حيّ، ومدحه يحمرو بن معين، ووثّقه. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، ثقة، وأنكر أن يكون أميا. وقال أبو زرعة: شيخ ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال الحسن بن عرفة: كان من خير من أدركنا. روى له الجماعة، سوى البخاريّ، وله عند المصنف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
[تنبيه]: قوله: "ابن خيّاط" هكذا نسخ "المجتبى"، والذي في "الكبرى": "حمادٌ الخيّاط"، ولعل الخياطة حرفة أبيه، ثم انتقلت إليه. واللَّه تعالى أعلم.
و"أبو عامر": هو عبد الملك بن عمرو العَقَديّ البصريّ، ثقة [٩] ٢/ ٣٢٧.
стр. 11489
والحديث موقوف، وفيه انقطاع، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٨٦ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: الصَّائِمُ فِي السَّفَرِ, كَالْمُفْطِرِ فِي الْحَضَرِ).
"أبو معاوية": هو محمد بن خازم. و"حُميد بن عبد الرحمن" بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقة [٢] ٣٢/ ٧٢٥.
والحديث موقوف صحيح، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٥٤ - (الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ، وَذِكْرُ اخْتِلَافِ خَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ (١) فيه)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أنه أراد الاختلاف على الحكم، وذلك أن شعبة رواه عنه، عن مقسم، عن ابن عبّاس ﵄، وخالفه العلاء بن المسيّب، فرواه عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس ﵄.
[تنبيه]: ذكر في "تهذيب التهذيب" جـ ١ص ٤٦٧ في ترجمة الحكم بن عتيبة أن الإمام أحمد وغيره قالوا: لم يسمع الحكم حديث مقسم، كتابٌ (٢)، إلا خمسة أحاديث، وعدّها يحيى القطّان: حديث الوتر، والقنوت، وعزمة الطلاق، وجزاء الصيد، والرجل يأتي امرأته، وهي حائض. رواه ابن أبي خيثمة في "تاريخه" عن عليّ بن المدينيّ، عن يحيى انتهى.
وقد نظمت ذلك بقولي:
اعْلَمْ بأَنَّ حَكَمَا قَدْ سَمِعَا … عَنْ مِقْسَمِ خَمْسًا فَقَطْ فَاسْتَمِعاَ
стр. 11490
حَدِيثُ وِتْرٍ وَقُنُوتٍ وَجَزَا … صَيْدٍ وَعَزْمَةُ الطَّلَاقِ أَنْجَزَا
وَرَجُلٌ جَامَعَ زَوْجًا حَائِضاَ … قَدْ عَدَّهَا الْقَطَّانُ يَحْيَى الْمُرْتَضَى
ذَكَرَهَا الحَافِظُ فِي التَّهْذِيبِ … نَظَمْتُهَا حِرْصًا عَلَى التَّقْرِيبِ
وعلى هذا تكون روايته هنا مما لم يسمعه، بل هي من قسم الوجادة. وكذا روايته عن مجاهد، فقد قال البخاريّ في "التاريخ الكبير": قال القطّان: قال شعبة: الحكم عن مجاهد كتاب، إلا ما قال: سمعت. وقال ابن حبّان في "الثقات": كان يدلّس، وكان سنّه سنّ إبراهيم النخعيّ. انتهى (١).
والحاصل أن رواية الحكم مُعَلَّة بما ذكر، لكن الحديث صحيح من رواية طاوس، ومجاهد عن ابن عباس ﵄، كما سيأتي في الباب التالي. إن شاء اللَّه تعالى.
٢٢٨٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا سُوَيْدٌ, قَالَ: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ, عَنْ شُعْبَةَ,, عَنِ الْحَكَمِ, عَنْ مِقْسَمٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : "خَرَجَ فِي رَمَضَانَ, فَصَامَ, حَتَّى أَتَى قُدَيْدًا, ثُمَّ أُتِيَ بِقَدَحٍ مِنْ لَبَنٍ, فَشَرِبَ, وَأَفْطَرَ هُوَ, وَأَصْحَابُهُ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "سويد": هو ابن نصر المروزيّ. و"عبد اللَّه": هو ابن المبارك. و"مِقسم": هو ابن بُجْرة، أو ابن نَجدة، كوفيّ صدوق يرسل [٤] ١٨٢/ ٢٨٩.
وقوله: "بقُديد" -بضمّ القاف، مصغرًا- موضع قريب من عُسفان. وقد تقدّم الجمع بين الرويات المختلفة في تعيين موضع الإفطار في شرح حديث جابر ﵁ ٤٩/ ٢٢٦٣.
وحديث ابن عباس ﵄ بهذا الإسناد معلٌّ؛ لما سبق من أن الحكم لم يسمعه عن مقسم، وسيأتي في الباب التالي أنه متفق عليه من رواية مجاهد، وطاوس. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٨٨ - (أَخْبَرَنَا الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّا, قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْثَرٌ, عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ, عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ, عَنْ مُجَاهِدٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: صَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , مِنَ الْمَدِينَةِ, حَتَّى أَتَى قُدَيْدًا, ثُمَّ أَفْطَرَ, حَتَّى أَتَى مَكَّةَ) (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "القاسم بن زكريا": الكوفيّ الطحّان، ثقة [١١] ٨/ ٤١٠. و"سعيد بن عمرو" بن سهل بن إسحاق بن محمد بن الأشعث بن قيس الكنديّ الأشعثيّ، أبو عثمان الكوفيّ، ثقة [١٠].
стр. 11491
قال ابن سعد: ثقة، صدوق، مأمون. وقال ابن قانع: كوفيّ صالح. وقال مطيّن: مات في صفر، سنة (٢٣٠) وكان ثقة، كتب عنه يحيى بن معين، تفرد به مسلم، والمصنّف. وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط برقم (١١٨٨)، و (٤٠٩٦)، و (٤٨١٢).
و"عَبْثَر": بن القاسم الزُّبَيديّ، أبو زُبيد الكوفيّ، ثقة [٨] ١٩٠/ ١١٦٤.
و"العلاء بن المسيَّب" بن رافع الكاهليّ الكوفيّ، ثقة ربما وهم [٦] ٧٨/ ١٠٠٩.
والسند مسلسل بالكوفيين إلى مجاهد، وهو وابن عباس، مكيّان. والحديث بهذا السند مُعلّ أيضًا؛ لأن الحكم عن مجاهد وجادة إلا ما قال: سمعت، كما سبق عن البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى-. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٨٩ - (أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى, قَالَ: أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ عِيسَى, قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ, عَنِ الْحَكَمِ, عَنْ مِقْسَمٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَامَ فِي السَّفَرِ, حَتَّى أَتَى قُدَيْدًا, ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ, مِنْ لَبَنٍ, فَشَرِبَ, فَأَفْطَرَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ").
"زكريا بن يحيى": هو السِّجْزيّ المعروف بـ"خيّاط السنّة" الثقة الحافظ [١٢] ١٨٩/ ١١٦١. من أفراد المصنّف.
و"الحسن بن عيسى": هو أبو عليّ النيسابوريّ، ثقة [١٠] ١٨٩/ ١١٦١.
[تنبيه]: كان الأولى للمصنف -رحمه اللَّه تعالى- تقديم هذا الحديث على الذي قبله؛ لأنه طريق آخر لرواية شعبة. وهو مما أخرجه هنا، ولم يخرجه في "الكبرى". وقد تقدم أنه منقطع. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٥٥ - (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى مَنْصُورٍ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه الاختلاف المذكور أن شعبة رواه عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس ﵄، وخالفه جرير، فرواه عن منصور، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس ﵄.
стр. 11492
لكن مثل هذا الاختلاف لا يضرّ في صحّة الحديث؛ لاحتمال أن يكون مجاهد أخذه عن ابن عباس بواسطة طاوس، ثم لقيه، فأخذه منه، أو ثَبَّتَه طاوس.
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- عند قول البخاريّ: "عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس": ما نصّه: كذا عنده من طريق أبي عوانة، عن منصور، عن مجاهد. وكذا أخرجه من طريق جرير، عن منصور في "المغازي". وأخرجه النسائيّ من طريق شعبة، عن منصور، فلم يذكر طاوسًا في الإسناد. وكذا أخرجه من طريق الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس.
فيحتمل أن يكون مجاهد أخذه عن طاوس، عن ابن عباس، ثم لقي ابن عباس، فحمله عنه، أو سمعه من ابن عباس، وثَبَّتَه فيه طاوس، وقد تقدّم نظير ذلك في حديث ابن عباس في قصّة الجريدتين على القبرين في "الطهارة" انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٢٩٠ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, عَنْ شُعْبَةَ, عَنْ مَنْصُورٍ, عَنْ مُجَاهِدٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: "خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى مَكَّةَ, فَصَامَ حَتَّى أَتَى عُسْفَانَ, فَدَعَا بِقَدَحٍ (٢) فَشَرِبَ".
قَالَ: شُعْبَةُ: فِي رَمَضَانَ, فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ, يَقُولُ: مَنْ شَاءَ صَامَ, وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "إسماعيل بن مسعود": هو الجَحدَريّ البصريّ، من أفراد المصنّف. و"خالد": هو ابن الحارث الْهُجَيميّ البصري الثّبت.
وقوله: "عُسفان" -بضمّ العين المهملة، وسكون السين المهملة-: قال الفيّوميّ: موضع بين مكة والمدينة، وُيذَكّر ويؤئث، ويسمّى في زماننا مَدْرَجَ عثمان، وبينه وبين مكة نحو ثلاث مراحل، ونونه زائدة انتهى (٣).
وقوله: "قال شعبة: في رمضان". ظاهر هذه الرواية أن قوله: "في رمضان" من قول شعبة، لكن الرواية السابقة من طريق ابن المبارك، عنه ظاهرة في أنه من نفس الحديث، ولفظه: "أن النبيّ ﷺ خرج في رمضان، فصام الخ"، وكذا رواية جرير، عن منصور التي بعد هذا بلفظ: "سافر رسول اللَّه ﷺ في رمضان"، ولعل شعبة أحيانًا يذكرها في آخر الحديث، فظنّ بعض الرواة أنها من كلامه. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "فكان ابن عباس الخ". يعني أن ابن عباس ﵄ فَهِم من فعله ﷺ ذلك أنه
стр. 11493
لبيان الجواز، لا للأولوية، وقد تقدّم في حديث جابر ﵁ ٤٩/ ٢٢٦٣ - ما يوضّح المراد. واللَّه تعالى أعلم.
والحديث متّفقٌ عليه، وأخرجه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في-٥٤/ ٢٢٨٧ و ٢٢٨٨ و ٢٢٨٩ و ٥٥/ ٢٢٩٠ و ٢٢٩١ و ٦١/ ٢٣١٣ و ٢٣١٤ وفي "الكبرى" ٥٤/ ٢٥٩٦ و ٢٥٩٧ و ٥٥/ ٢٥٩٨ و ٢٥٩٩ و ٦١/ ٢٦٢٣. وأخرجه (خ) في "الصوم" ١٩٤٨ وفي "المغازي" ٤٢٧٩ (م) في "الصيام" ١١١٣ (د) في "الصوم" ٢٤٠٤ (أحمد) في "مسند بني هاشم" ٢٠٥٨ و ٢٦٤٧ و ٢٩٨٧ و ٣٣٤٦ و٣١٥٢. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٩١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ, عَنْ جَرِيرٍ, عَنْ مَنْصُورٍ, عَنْ مُجَاهِدٍ,, عَنْ طَاوُسٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: "سَافَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (١) فِي رَمَضَانَ, فَصَامَ, حَتَّى بَلَغَ عُسْفَانَ, ثُمَّ دَعَا بِإِنَاءٍ (٢) , فَشَرِبَ نَهَارًا, يَرَاهُ النَّاسُ, ثُمَّ أَفْطَرَ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن قُدَامة": هو المصّيصيّ. و" جرير": هو ابن عبد الحميد.
والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه فيما قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٩٢ - (أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنِ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ, قَالَ: قُلْتُ لِمُجَاهِدٍ: الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ, قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ وَيُفْطِرُ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "سفيان": هو ابن حبيب البصريّ البزّاز، ثقة [٩] ٦٧/ ٨٢.
و"العوّام بن حَوْشب" بن يزيد بن الحارث الشيبانيّ الرِّبَعيّ، أبو عيسى الواسطيّ، أسلم جدّه على يد عليّ ﵁، فوهب له جارية، فولدت له حَوْشبًا، ثقة ثبت فاضل [٦].
قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: ثقة ثقة. وقال ابن معين، وأبو زرعة: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح ليس به بأس. وقال العجليّ: شيبانيّ، من أنفسهم، ثقة صاحب سنّة، ثبت صالح، وكان أبوه على شُرْطة الحجاج، روى نحوًا من مائتي حديث. وقال ابن سعد، عن يزيد بن هارون: كان صاحب أمر بالمعروف، ونهي عن المنكر، وكان ثقة.
وقال الحاكم: العوّام، ويوسف، وطلاب، أولاد حوشب ثقات يُجمَع حديثهم. وعن هُشيم قال: ما رأيت أقول بالحقّ من العوّام. قال ابن سعد: مات سنة (١٤٨). روى له
стр. 11494
الجماعة، وله عند المصنّف ثلاثة أحاديث فقط برقم ٢٢٩٢ و ١٥٢١ و ٥٦٩٦.
والحديث مرسل، لكنه صحيحٌ بما تقدّم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٩٣ - (أَخْبَرَنِي هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ, قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ, قَالَ: أَخْبَرَنِي مُجَاهِدٌ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , صَامَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ, وَأَفْطَرَ (١) فِي السَّفَرِ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -؛ "هلال بن العلاء": أبو عمرو الرقّيّ، صدوق [١١] ١٠/ ١١٩٩. و"حسين": بن عيّاش، أبو بكر الباجَدّائيّ، ثقة [١٠] ١٥/ ١٤٨٤. و"زهير": بن معاوية بن حديج، أبو خيثمة الجعفيّ الكوفي الثبت. "وأبو إسحاق": عمرو بن عبد اللَّه بن عُبيد السَّبيعيّ الكوفيّ المشهور.
والحديث مرسل صحيح بما سبق. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٥٦ - (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى سُلَيمَانَ ابْنِ يَسَارٍ فِي حَدِيثِ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو ﵁ فيه)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ضمير "فيه" يعود إلى ما تقدّم من الصوم والإفطار في السفر.
ووجه الاختلاف المذكور أن قتادة رواه عن سليمان، عن حمزة بن عمرو ﵁ متصلاً، وتابعه عمران بن أبي أنس في رواية، وبكير بن الأشج، وخالفه عمران أبي أنس في رواية ابن إسحاق، فرواه عن سليمان، عن أبي مُرَواح، عن حمزة، فأدخل واسطة بين سليمان، وبين حمزة ﵁.
стр. 11495
لكن مثل هذا الاختلاف لا يضرّ، كما تقدّم في الاختلاف في حديث ابن عباس ﵄ قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٢٩٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَزْهَرُ بْنُ الْقَاسِمِ, قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ, عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الأَسْلَمِيِّ, أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , عَنِ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ؟ , قَالَ: "إِنْ" ثُمَّ ذَكَرَ كَلِمَةً, مَعْنَاهَا: "إِنْ - شِئْتَ صُمْتَ, وَإِنْ شِئْتَ أَفْطَرْتَ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن رافع) القشيريّن أبو عبد اللَّه النيسابوريّ، ثقة عابد [١١] ٩٢/ ١١٤.
٢ - (أزهر بن القاسم) الراسبيّ، أبو بكر البصريّ، نزيل مكة، صدوق [٩].
قال أحمد، والنسائيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: شيخ يُكتب حديثه، ولا يُحتجّ به. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: يُخطىء. قال الذهبيّ: كان بعد المائتين. روى له أبو داود، والمصنف، وابن ماجه، وله عند المصنف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٣ - (هشام) بن أبي عبد اللَّه سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت، ورُمي بالقدر، من كبار [٧] ٣٠/ ٣٤.
٤ - (قتادة) بن دِعامة السدوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقة ثبت يُدلّس [٤] ٣٠/ ٣٤.
٥ - (سليمان بن يسار) الهلاليّ مولاهم المدنيّ، ثقة فاضل، من كبار [٧] ٢٢/ ١٥٦.
٦ - (حمزة بن عمرو) بن عُويمر الأسلميّ، أبو صالح، ويقال: أبو محمد المدنيّ.
روى عن النبيّ ﷺ ، وعن أبي بكر، وعمر ﵄. وعنه ابنه محمد، وحنظلة بن عليّ الأسلميّ، وسليمان بن يَسار، وأبو مُراوح، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وغيرهم.
قال البخاريّ في "التاريخ": حدثني أحمد بن الحجّاج، حدثنا سفيان بن حمزة، عن كثير بن زيد، عن محمد بن حمزة الأسلميّ، عن أبيه، قال: كنا مع رسول اللَّه ﷺ في ليلة ظلماء دَحْمَسَة (١)، فأضاءت أصابعيّ، حتى جمعوا عليها ظهرهم، وما هلك منهم، وإن أصابعي لَتُنِير (٢). قال ابن سعد، وغيره: مات سنة (٦١) وهو ابن (٧١) سنة، وقيل: إنه بلغ ثمانين. علّق له البخاريّ، وأخرج له مسلم، وأبو داود، والمصنف، وله عنده في هذا الكتاب هذا الحديث، كرره إحدى عشرة مرّة برقم ٢٢٩٤ و ٢٢٩٦ و ٢٢٩٧ و ٢٢٩٨ و ٢٢٩٩ و٢٣٠٠ و ٢٣٠١ و ٢٣٠٢ و ٢٣٠٣ و ٢٣٠٤ و ٢٣٠٥. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 11496
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير أزهر، كما سبق آنفًا. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، إلا شيخه، فنيسابوريّ، وسليمان، والصحابيّ، فمدنيان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه سليمان من الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة، وقد تقدموا غير مرّة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الْأَسْلَميّ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّه ﷺ ، عَنِ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ؟) وفي الرواية الآتية من طريق بكير، عن سليمان: "قال: يا رسول اللَّه، إني أجد قوّة على الصيام في السفر". وفي رواية أبي مُرواح، عن حمزة الآتية: "أجد قوّةً على الصيام في السفر، فهل عليّ جُنَاح" (قَالَ) ﷺ ("إِنْ" ثُمَّ ذَكَرَ كلِمَةً، مَعْنَاهَا: "إِنْ شِئْتَ صُمْتَ، وَإِنْ شِئْتَ أَفْطَرْتَ") معنى هذا الكلام أن الراوي لم يحفظ لفظ الكلمة التي ذكرها النبيّ ﷺ عد أداة الشرط، وهي "إن"، وإنما حفظ معناها، وهو: "إن شئتَ صُمتَ، وإن شئتَ أفطرتَ". وسمى الجملتين كلمة مجازًا. وفي نسخة: "إن شئت فصم، وإن شئت، فأفطر".
وفي رواية أبي مُراوح المذكورة: "قال: هي رخصة من اللَّه ، فمن أخذ بها، فحسن، ومن أحبّ أن يصوم فلا جناح عليه". وهذه الرواية ظاهرة في أن سؤاله كان عن صوم رمضان، إذ لا يقال: "هي رخصة الخ" إلا للفرض.
قال ابن دقيق العيد -رحمه اللَّه تعالى- في قوله: "أأصوم في السفر؟ "-: ليس فيه تصريح بأنه صوم رمضان، فلا يكون فيه حجة على مَنْ مَنَعَ صيام رمضان في السفر.
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وهو كما قال بالنسبة إلى سياق حديث الباب، لكن في رواية أبي مُراوح التي ذكرتها عند مسلم أنه قال: يا رسول اللَّه أجد بي قوّة … " الحديث. وهذا يشعر بأنه سأل عن صيام الفريضة، وذلك أن الرخصة إنما تطلق في مقابلة ما هو واجب. وأصرح من ذلك ما أخرجه أبو داود، والحاكم من طريق محمد بن حمزة بن عمرو، عن أبيه، أنه قال: "يا رسول اللَّه، إني صاحب ظهر أعالجه، أسافر عليه، وأكريه، وإنه ربما صادفني هذا الشهر -يعني رمضان- وأنا أجد القوّة، وأجدني أن أصوم أهون عليّ من أن أخّره، فيكون دينًا عليّ؟ فقال: "أيّ ذلك شئت يا حمزة" انتهى (١).
стр. 11497
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لكن هذه الرواية في سندها حمزة بن محمد بن حمزة الأسلميّ، وهو مجهول. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث حمزة بن عمرو الأسلمي ﵁ هذا أخرجه مسلم (١).
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكره، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥٦/ ٢٢٩٤ و ٢٢٩٥ و ٢٢٩٦ و٢٢٩٧ و ٢٢٩٨ و٢٢٩٩ و ٢٣٠٠ و ٢٣٠١ و ٢٣٠٢ و ٥٨/ ٠٣٢٣ و ٥٨/ ٢٣٠٤ و ٢٣٠٥ وفي "الكبرى" ٥٦/ ٢٦٠٢ و ٢٦٠٣ و ٢٦٠٤ و ٢٦٠٥ و ٢٦٠٦ و ٢٦٠٧ و ٢٦٠٨ و ٢٦٠٩ و ٢٣١٠ و ٥٧/ ٢٦١١ و ٢٦١٢٥٨/ ٢٦١٣. وأخرجه (خ) في "الصوم" ١٩٤٢ و ١٩٤٣ (م) في "الصيام" ١١٢١ (د) في "الصوم" ٢٤٠٢ و ٢٤٠٣ (ت) في "الصوم" ٧١١ (ق) في "الصوم" ١٦٦٢ (مالك) في "الصيام" ٦٥٦ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٣٦٧٦ و ٢٥٠٧٩ و ٢٥١٣٧ و ٢٥٢٠٢ (الدارمي) في "الصوم" ١٧٠٧. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٩٥ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنْ بُكَيْرٍ, عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ, أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو, قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, مِثْلَهُ مُرْسَلٌ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدموا. و"الليث": هو ابن سعد الإمام الحجة المشهور. و"بكير": هو ابن عبد اللَّه بن الأشجّ المدنيّ.
وقوله: "مرسل" بالرفع خبر لمحذوف، أي هو مرسل، ووجه كونه مرسلاً مبنيّ على القول بالفرق بين "عن فلان"، و"أن فلانًا"، فـ"عن" محمولة على الاتصال، و"أن" محمولة على الانقطاع، والمسألة فيها خلاف بين أهل العلم، وقد تقدّم تمام البحث فيه غير مرّة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 11498
٢٢٩٦ - (أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ, عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ, عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ, عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ, عَنْ حَمْزَةَ, قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ؟ , قَالَ: «إِنْ شِئْتَ أَنْ تَصُومَ فَصُمْ, وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تُفْطِرَ فَأَفْطِرْ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وهو ثقة، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و"عبد اللَّه": هو ابن المبارك. و "عبد الحميد بن جعفر" الأنصاريّ المدنيّ، صدوق رمي بالقدر، وربما وهم [٦] ٢٦/ ٩١٤. و"عمران بن أبي أنس" القرشيّ العامريّ المدنيّ، نزيل الإسكندريّة، ثقة [٥] ٨/ ٦٩٧.
والحديث صحيح، كما سبق. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٩٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ, عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ, عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ, عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو, قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , عَنِ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ؟ , فَقَالَ: «إِنْ شِئْتَ أَنْ تَصُومَ فَصُمْ, وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تُفْطِرَ فَأَفْطِرْ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا، غير:
١ - (أبي بكر) عبد الكبير بن عبد المجيد بن عُبيد اللَّه بن شريك بن زُهير بن سارية الحنفيّ البصريّ، ثقة [٩].
قال الأثرم، عن أحمد: ثقة. وقال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: أنا أحدّثك عنه.
وقال عثمان الدارميّ، عن يحيى بن معين: لا بأس به، هو صدوق. وقال أبو زرعة: هم ثلاث إخوة، وهم ثقات. وقال أبو حاتم: لا بأس به، صالح الحديث. وقال العجليّ: بصريّ ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: إخوة أربعة: أبو بكر، وأبو عليّ، وأبو المغيرة، واسمه عمير، وشَرِيك. وقال العقيليّ: عبد الكبير ثقة، وأخوه أبو عليّ ثقة، والأخ الثالث ضعيف -يعني عمرًا- وقال الدارقطنيّ: هم أربعة إخوة، لا يعتمد منهم إلا على أبي بكر، وأبي عليّ. وقال محمد بن سعد: كان ثقة، وتوفي بالبصرة سنة (٢٠٤) وفيها أرّخه أبو داود. روى له الجماعة، وله عند المصنف في هذا الكتاب أربعة أحاديث برقم ٢٢٩٧ و ٢٣٢٤ و ٣٥٩٦ و ٣٦٣٠.
والحديث صحيح، كما سبق. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 11499
٢٢٩٨ - (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ, وَاللَّيْثُ, وَذَكَرَ آخَرَ, عَنْ بُكَيْرٍ, عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ, عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الأَسْلَمِيِّ, قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً عَلَى الصِّيَامِ, فِي السَّفَرِ, قَالَ: «إِنْ شِئْتَ فَصُمْ, وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، "الربيع بن سليمان" الجيزيّ، وهو ثقة. وقوله: "فذكر آخر" أي ذكر ابن وهب مع عمرو بن الحارث، والليث بن سعد رجلاً آخر، أخبروه كلهم عن بكير بن عبد اللَّه ابن الأشجّ.
وسيأتي في ٥٧/ ٢٣٠٣ - أن الرجل الآخر هو عبد اللَّه بن لَهيعة.
والحديث صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٩٩ - (أَخْبَرَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي عِمْرَانُ بْنُ أَبِي أَنَسٍ, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو, أَنَّهُ سَأَلَ (١) رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , عَنِ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ؟ , قَالَ: «إِنْ شِئْتَ أَنْ تَصُومَ فَصُمْ, وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تُفْطِرَ فَأَفْطِرْ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و "هارون ابن عبد اللَّه" هو: أبو موسى الحمّال البغداديّ.
و"محمد بن بكر" بن عثمان البُرْسانيّ (٢) أبو عثمان، ويقال: أبو عثمان البصريّ، صدوق يخطئ [٩].
قال حنبل بن إسحاق، عن أحمد: صالح الحديث. وقال الدوريّ، عن ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: شيخ محلّه الصدق. وقال أبو داود، والعجليّ: ثقة. وقال ابن قانع: كان ثقة. وقال النسائيّ: في "كتاب المحاربة" من "سننه": ليس بالقويّ. وقال ابن عمار الموصليّ: لم يكن صاحب حديث، تركناه، لم نسمع منه. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال أبو موسى محمد بن المثنّى: مات سنة (٢٠٤). روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط برقم ٢٢٩٩ و ٣٧٣٣ و ٤٠٦٣.
стр. 11500
والحديث صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣٠٠ - (أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ بَكَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ, عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ, عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ, وَحَنْظَلَةَ بْنِ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَانِي جَمِيعًا, عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو, قَالَ: كُنْتُ أَسْرُدُ الصِّيَامَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِنِّي أَسْرُدُ الصِّيَامَ (١) فِي السَّفَرِ, فَقَالَ: «إِنْ شِئْتَ فَصُمْ, وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عمران بن بَكّار" الْكَلَاعيّ البَرّاد المؤذّن الحمصيّ، ثقة، من أفراد المصنّف ١٧/ ١٥٤١.
و"أحمد بن خالد" بن موسى، ويقال: ابن محمد الوهْبيّ (٢) الكنديّ، أبو سعيد بن أبي مخلد الحمصيّ، صدوق [٩].
قال الدارقطنيّ: لا بأس به. وأخرج له ابن خزيمة في "صحيحه". وذكره ابن حبّان في "الثقات". ونقل أبو حاتم الرازيّ أن أحمد امتنع من الكتابة عنه. مات سنة (٢١٤) وقيل: (٢١٥). روى عنه البخاريّ في " جزء القراءة"، وأخرج له الأربعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث برقم ٢٣٠٠ و ٢٣٣٠ و ٤٠٥٥ و ٤٧٦٥ و ٥٤٩٧.
و"محمد": هو ابن إسحاق المطلبيّ المدنيّ، نزيل العراق، إمام في المغازي، صدوق يدلّس، ورمي بالتشيّع والقدر [٥] ٥/ ٤٨٠.
و"حنظلة بن عليّ" بن الأسقع الأسلميّ المدنيّ، ثقة [٣] ٥٨/ ١٣٠١.
وقوله: "أسرُد الصيام" -بضم الراء- من باب نصر: أي أتابعه.
واستُدلّ به على أنه لا كراهة في صيام الدهر. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: ولا دلالة فيه؛ لأن التتابع يصدُق بدون صوم الدهر، فإن ثبت النهي عن صوم الدهر، لم يعارضه هذا الإذن بالسرد، بل الجمع بينهما واضح. قاله في "الفتح" (٣).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: سيأتي أن القول بتحريم صوم الدهر هو الحقّ، فالجمع الذي ذكره متعين، فتنبّه.
والحديث صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣٠١ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَمِّي, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي,
стр. 11501
عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ, عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ, عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ عَلِيٍّ, عَنْ حَمْزَةَ, قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ, إِنِّي رَجُلٌ أَسْرُدُ الصِّيَامَ, أَفَأَصُومُ فِي السَّفَرِ؟ , قَالَ: «إِنْ شِئْتَ فَصُمْ, وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عبيد اللَّه بن سعد بن إبراهيم" هو الزهريّ البغداديّ ثقة [١١] ١٧/ ٤٨٠. و"عمه": هو يعقوب بن إبراهيم الزهريّ البغداديّ ثقة فاضل، من صغار [٩] ١٩٦/ ٣١٤. و"أبوه": هو إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن ابن عوف الزهريّ المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة [٨] ١٩٦/ ٣١٤.
وقوله: "إني رجل أسرُد الصوم الخ" قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: هو بصيغة المتكلّم؛ نظرًا إلى المعنى، وإلا فالظاهر يسرد -أي بالياء- لأنه صفة لـ"رجل"، وليس بخبرِ آخر، وإلا لم يبق في قوله: "رجل" فائدة، فتأمّل انتهى (١).
والحديث صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣٠٢ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَمِّي, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي, عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ, قَالَ: حَدَّثَنِي عِمْرَانُ بْنُ أَبِي أَنَسٍ, أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ, حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا مُرَاوِحٍ, حَدَّثَهُ أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو, حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , وَكَانَ رَجُلاً يَصُومُ فِي السَّفَرِ, فَقَالَ: «إِنْ شِئْتَ فَصُمْ, وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أبو مُرَاوح" -بضمّ الميم- الغفاريّ، ويقال: الليثيّ المدنيّ، قيل: له صحبة، وإلا فبصريّ ثقة [٣].
قال العجليّ: مدنيّ تابعيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال الحاكم أبو أحمد: يُعدّ في النفر الذين وُلدوا في حياة النبيّ ﷺ ، وسمّاهم. وقال مسلم: اسمه سعد. وقال أبو داود: إنه أبو مُراوح الليثيّ، له صحبة. وذكره ابن منده في "الصحابة"، لكن سماه واقد بن أبي واقد، وعزاه لأبي داود، فاللَّه تعالى أعلم. أخرج له البخاريّ، ومسلم، والمصنف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، وأعاده بعده، وحديث رقم (٣١٢٩).
والحديث صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
стр. 11502
٥٧ - (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى عُرْوَةَ فِي حَدِيثِ حَمْزَةَ فِيهِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تقدّم أن الضمير في "فيه" يعود إلى ما تقدّم من جواز الصوم والفطر في السفر.
ووجه الاختلاف المذكور أن أبا الأسود رواه عن عروة، عن أبي مُرَاوح، عن حمزة ابن عمرو ﵁، وخالفه هشام بن عروة، كما سيأتي في الباب التالي، فرواه تارة عن أبيه، عن حمزة ﵁، فأسقط الواسطة بين عروة، وحمزة، وتارة عن أبيه، عن عائشة، عن حمزة، وسيأتي تمام الكلام عليه في الباب التالي، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٣٠٣ - (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَمْرٌو وَذَكَرَ آخَرَ- عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ, عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ أَبِي مُرَاوِحٍ, عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو, أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ (١): أَجِدُ فِىَّ قُوَّةً, عَلَى الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ, فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ, قَالَ: «هِيَ رُخْصَةٌ, مِنَ اللَّهِ , فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ, وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ, فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "وذكر آخر" أي ذكر ابن وهب رجلاً آخر مع عمرو بن الحارث، وقد تبيّن أن الرجل الآخر هو عبد اللَّه بن لَهِيعة، فيما رواه الدارقطنيّ في "سننه"، فقال:
حدثنا أبو بكر النيسابوريّ، ثنا الربيع بن سليمان، ثنا ابن وهب، أخبرني ابن لهيعة، وعمرو بن الحارث، عن أبي الأسود، عن عروة … الحديث. قال: وهذا إسناد صحيح. ثم ذكر مخالفة هشام بن عروة لأبي الأسود، فرواه عن أبيه، عن عائشة: أن حمزة بن عمرو سأل النبيّ ﷺ . قال: ويحتمل أن يكون القولان صحيحين. واللَّه أعلم انتهى كلام الدارقطنيّ (٢).
و"أبو الأسود" هو: محمد بن عبد الرحمن بن نوفل الأسديّ المدنيّ، يتيم عروة، ثقة [٦] ٤/ ٧٤٦.
وقوله: "جُناح" -بضمّ الجيم-: أي إثم.
стр. 11503
وقوله: "هي رخصة": الضمير للإفطار، والتأنيثُ باعتبار الخبر، والكلام جاء على اعتقاد السائل، فلا يلزم أن ظاهره ترجيح الإفطار، حيث قال: "فحسن"، وقال في الصوم: "فلا جُناح عليه". قاله السنديّ (١).
والحديث أخرجه مسلم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٥٨ - (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى هِشَامِ ابْنِ عُرْوَةَ فِيهِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه الاختلاف المذكور أن محمد بن بشر رواه عن هشام، عن أبيه، عن حمزة بن عمرو ﵁، وخالفه عبد الرحيم بن سليمان الرازيّ، فرواه عنه، عن أبيه، عن عائشة، عن حمزة. ورواه مالك، عنه، عن أبيه، عن عائشة، قالت: "إن حمزة قال لرسول اللَّه ﷺ ، ورواه ابن عجلان، وعبدة بن سليمان، كلاهما عنه، عن أبيه، عن عائشة بنحوه.
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- عند شرح قول البخاريّ: "عن عائشة ﵂ أن حمزة ابن عمرو الأسلمي الخ: ما نصّه:
هكذا رواه الحفّاظ عن هشام، وقال عبد الرحيم بن سليمان عند النسائيّ، والدراورديّ عند الطبرانيّ، ويحيى بن عبد اللَّه بن سالم عند الدارقطنيّ، ثلاثتهم: عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، عن حمزة بن عمرو، جعلوه من مسند حمزة، والمحفوظ أنه من مسند عائشة.
ويحتمل أن يكون هؤلاء لم يقصدوا بقولهم: "عن حمزة" الرواية عنه، وإنما أرادوا الإخبار عن حكايته، فالتقدير: "عن عائشة، عن قصّة حمزة أنه سأل".
لكن قد صحّ مجيء الحديث من رواية حمزة، فأخرجه مسلم من طريق أبي الأسود، عن عروة، عن أبي مُرَاوح، عن حمزة. وكذلك رواه محمد بن إبراهيم التيمي، عن عروة، لكنه أسقط أبا مُراوح، والصواب إثباته، وهو محمول على أن لعروة فيه
стр. 11504
طريقين: سمعه من عائشة، وسمعه من أبي مراوح، عن حمزة. انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "والصواب إثباته" فيه نظر، بل الصواب عندي صحة الطرق الثلاثة, لأن محمد بن إبراهيم لم ينفرد بإسقاط أبي مُرواح، بل تابعه عليه محمد بن بشر -كما عند المصنّف في هذه الرواية- ويحيى بنُ عبد الرحمن بن حاطب-كما ذكره الحافظ المزيّ في "تحفته" جـ٣ ص ٨٢ فرواه الثلاثة عن هشام، عن أبيه، عن حمزة، فيكون لعروة ثلاثة من الشيوخ: أبو مراوح، وعائشة، وحمزة نفسُه. فتأمّل. والحاصل أن الحديث صحيح من الطرق الثلاثة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٣٠٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ, عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ, عَنْ أَبِيهِ,, عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الأَسْلَمِيِّ, أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَصُومُ فِي السَّفَرِ؟ , قَالَ: «إِنْ شِئْتَ فَصُمْ, وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه "محمد بن إسماعيل بن إبراهيم" المعروف أبوه بـ"ابن عليّة"، قاضي دمشق، فإنه من أفراد المصنّف، وهو ثقة [١١] ٢٢/ ٤٨٩. و"محمد بن بشر": هو أبو عبد اللَّه العبديّ الكوفيّ ثقة حافظ [٩] ٥/ ٨٨٢.
[تنبيه]: هذا الحديث وقع في "الكبرى" في الباب المتقدّم، وهو ظاهر، حيث إن فيه بيان الاختلاف على عروة، ولِمَا هنا أيضًا وجهٌ صحيح، وهو بيان الاختلاف على هشام، ويتضح في ضمنه الاختلاف على عروة أيضًا.
والحديث صحيح كما أسلفته آنفًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣٠٥ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ اللاَّنِيُّ بِالْكُوفَةِ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ الرَّازِيُّ, عَنْ هِشَامٍ, عَنْ عُرْوَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو, أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِنِّي رَجُلٌ أَصُومُ, أَفَأَصُومُ فِي السَّفَرِ, قَالَ: «إِنْ شِئْتَ فَصُمْ, وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، سوى شيخه "عليّ بن الحسن" اللانيّ -بنون- الكوفيّ، صدوق [١٠].
روى عن عبد الرحيم بن سليمان، والمعافَى بن عمران الموصليّ. وعنه النسائيّ، وعبد اللَّه بن محمد بن ناجية. ذكره النسائيّ في "مشيخته"، وقال: لا بأس به. وهو من أفراده، روى عنه حديثين فقط: هذا ٢٣٠٥ وحديث ٢٤٠٩.
стр. 11505
[تنبيه]: قوله: "اللانيّ"، قال في "تهذيب الكمال": ولَانُ من فَزَارة، وبلدٌ بالعجم انتهى. وتعقّبه في "تهذيب التهذيب" بأنه وَهَمٌ تَبعَ فيه ابنَ السمعانيّ، وقد تعقّبه ابن الأثير، فأجاد. والذي من فزارة لاي -بتحتانيّة-، وقد يهمز، والنسبة إليه اللائيّ- بالهمزة الخفيفة- قال: وقد وجدت في نسخة من النسائيّ مصحّحة اللاَّئِيّ -بهمزة ثقيلة، نسبة إلى بيع اللؤلؤ، أو نَحْتِهِ، فليحرّر. والذي في "ثقات" ابن حبّان تصحيف من اللاني. انتهى (١).
و"عبد الرحيم الرازيّ": هو ابن سليمان الكنانيّ، أو الطائيّ، أبو عليّ الأشلّ المروزيّ، نزيل الكوفة، ثقة له تصانيف، من صغار [٨].
قال سهل بن عثمان: نظر وكيع في حديثه، فقال: ما أصحّ حديثه، كان عبد الرحيم، وحفص بن غياث يطلبان الحديث معًا. وقال ابن معين، وأبو داود: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، كان عنده مصنفات، قد صنّف الكتب. وقال ابن المدينيّ: لا بأس به. وقال العجليّ: ثقة متعبّدٌ، كثير الحديث. وقال ابن شاهين في "الثقات": قال عثمان بن أبي شيبة: ثقة صدوق، ليس بحجة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". قال محمد بن الحجّاج الضبّيّ: مات عبد السلام بن حرب سنة (١٨٧) ومات عبد الرحيم بن سليمان أظنّ آخر السنة. روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب تسعة أحاديث برقم ٢٣٠٥ و ٢٤٠٩ و ٣٠٤٩ و ٣٠٧٤ و ٣٨٨٥ و ٤٣٧٤ و ٥١٦٨ و ٥٥٦١ و٥٦٧١.
[تنبيه]: قوله: "الرازيّ" هكذا في نسخ "المجتبى"، والذي في كتب الرجال هو "المروزيّ"، لا الرازيّ، ولم يذكر في "الكبرى" لا هذا، ولا هذا، فليحرّر.
والحديث متفق عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣٠٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ الْقَاسِمِ, قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ, عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: إِنَّ حَمْزَةَ, قَالَ: لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : يَا رَسُولَ اللَّهِ, أَصُومُ فِي السَّفَرِ؟ -وَكَانَ كَثِيرَ الصِّيَامِ- فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنْ شِئْتَ فَصُمْ, وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، "محمد بن سلمة": هو المراديّ، المصريّ الثقة الثّبت. و"ابن القاسم": هو عبد الرحمن الْعُتَقيّ
стр. 11506
المصريّ الفقيه. و"مالك": هو ابن أنس إمام دار الهجرة.
والحديث متفق عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣٠٧ - (أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ هِشَامٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ, عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ, عَنْ أَبِيهِ,, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: إِنَّ حَمْزَةَ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, أَصُومُ فِي السَّفَرِ؟ , فَقَالَ: «إِنْ شِئْتَ فَصُمْ, وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه "عمرو بن هشام"، أبي أميّة الحرّانيّ، فإنه من أفراده، وهو ثقة [١٠] ١٤١/ ٢٢٢. و"محمد بن سلمة": هو الحرّانيّ أيضًا، ثقة [٩] ١٩١/ ٣٠٦.
[تنبيه]: محمد سلمة هذا ليس هو المذكور في السند الماضي، بل هذا من الطبقة التاسعة من شيوخ ذاك، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
و"ابن عجلان": هو محمد بن عجلان المدنيّ صدوق [٥] ٣٦/ ٤٠.
والحديث متفق عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهوحسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣٠٨ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَائِشَةَ, أَنَّ حَمْزَةَ الأَسْلَمِيَّ, سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , عَنِ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ, وَكَانَ رَجُلاً يَسْرُدُ الصِّيَامَ, فَقَالَ: «إِنْ شِئْتَ فَصُمْ, وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و "إسحاق ابن إبراهيم": هو المعروف بـ"ابن راهويه" الحافظ الحجة [١٠] ٢/ ٢ .. و"عبدة بن سليمان": هو الكلابيّ الكوفيّ الثقة الثبت، من صغار [٨] ٧/ ٣٣٩.
والحديث متفق عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 11507
٥٩ - (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى أَبِي نَضْرَةَ، الْمُنْذِرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ قُطَعَةَ فِيهِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تقدّم بيان مرجع الضمير في قوله: "فيه" قريبًا.
ووجه الاختلاف المذكور أن الْجُرَيريّ رواه عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدريّ ﵁، وتابعه أبو سلمة، وخالفهما عاصم الأحول، فتارة رواه عن أبي نضرة، عن جابر ﵁، وتارة رواه عن أبي سعيد، وجابر كليهما.
ومثل هذا الاختلاف لا يضرّ، كما تقدّم غير مرّة، ولهذا أخرج الحديثَ الإمام مسلم -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" من كلا الطريقين. واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: قوله: "ابن قُطَعة" المشهور في ضبطه أنه بضم القاف، وفتح الطاء، والعين المهملتين، هكذا ضبطه في "التقريب"، وضبطه في "الخلاصة" بكسر القاف، وسكون الطاء، وهكذا ضبطه النوويّ في أماكن من "شرح مسلم". واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٣٠٩ - (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ, عَنْ أَبِي نَضْرَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ, قَالَ: "كُنَّا نُسَافِرُ فِي رَمَضَانَ, فَمِنَّا الصَّائِمُ, وَمِنَّا الْمُفْطِرُ, لَا يَعِيبُ (١) الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ, وَلَا يَعِيبُ الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يحيى بن حبيب بن عربيّ) البصريّ، ثقة [١٠] ٦٠/ ٧٥.
٢ - (حماد) بن زيد بن درهم الجهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبت فقيه [٨] ٣/ ٣.
٣ - (سعيد الْجُرَيريّ) هو ابن إياس، أبو مسعود البصريّ، ثقة اختلط قبل موته بثلاث سنين [٥] ٣٢/ ٦٧٢.
٤ - (أبو نضرة) المنذر بن مالك بن قُطَعَة العبديّ الْعَوَقيّ البصريّ، ثقة [٣] ٢١/ ٥٣٨.
٥ - (أبو سعيد) سعد بن مالك بن سنان بن عُبيد الأنصاريّ الخدريّ الصحابيّ ابن
стр. 11508
الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٦٩/ ٢٦٢. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير الصحابيّ، فمدنيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه أبا سعيد - رضي اللَّه تعالى عنه - من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي نَضْرَةَ) المنذر بن مالك -رحمه اللَّه تعالى-، أنه (قَالَ: حَدّثَنَا أَبُو سَعِيدِ) الخدريّ، سعد بن مالك بن سنان الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄ (قَالَ: "كُنَّا نُسَافِرُ فِي رَمَضَانَ، فَمِنَّا الصَّائِمُ) وهم الأقوياء (وَمِنَّا الْمُفْطِرُ) وهم الضعفاء (لَا يَعِيبُ) بفتح الياء: أي لا يلوم، ولا يُعاتب (الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ) أي لأنه عَمِل بالرخصة، ومن أخذ بها لا لوم عليه (وَلَا يَعِيبُ الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ) لعمله بالعزيمة. يعني أنه لا ينكر الصائم على المفطر إفطاره أخذًا بالرخصة، ولَا المفطر على الصائم صومه أخذا بالعزيمة؛ لأنهما جائزان.
زاد مسلم في رواية من طريق ابن علية، عن الجريري: "يَرون أن من وجد قوّة فصام، فإن ذلك حسنٌ، ويرون من وجد ضعفًا، فأفطر، فإن ذلك حسن".
قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: وهذا صريح في ترجيح مذهب الأكثرين، وهو تفضيل الصوم لمن أطاقه بلا ضرر، ولا مشقّة ظاهرة. وقال بعض العلماء: الفطر والصوم سواء؛ لتعادل الأحاديث. والصحيح قول الأكثرين انتهى (١).
وقال في "الفتح" بعد ذكر هذا الحديث: ما لفظه: وهذا التفصيل هو المعتمد، وهو رافع للنزاع انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
стр. 11509
أخرجه هنا ٥٩/ ٢٣١٠ و ٢٣١١ و ٢٣١٢ - وفي "الكبرى" ٥٩/ ٢٦١٨ و ٢٦١٩ و ٢٦٢٠. وأخرجه (م) في "الصيام" ١١١٦ و ١١١٧ (ت) في "الصوم" ٧١٢ و ٧١٣ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ١١٠٢١ و ١١٠٧٩ و ١١٣٠٨ و ١٣٩٩. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): سماحة الشريعة، وسهولتها حيث شَرَع اللَّه تعالى الفطر في مواضع الضرورة، كالسفر، والمرض (ومنها): جواز الفطر للمسافر إذا كان يشُقّ عليه (ومنها): جواز صومه إذا لم يلحقه بذلك ضرر، خلافًا لمن منع ذلك (ومنها): أن من فعل شيئا مما شرعه اللَّه تعالى لا ينبغي للآخرين أن يعيبوا عليه ذلك، وإن كانوا يرونه خلاف الأولى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣١٠ - (أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ يَعْقُوبَ الطَّالْقَانِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ -وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْوَاسِطِيُّ- عَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ, عَنْ أَبِي نَضْرَةَ, عَنْ أَبِي سَعِيدٍ, قَالَ: كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَمِنَّا الصَّائِمُ, وَمِنَّا الْمُفْطِرُ, وَلَا يَعِيبُ (١) الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ, وَلَا يَعِيبُ الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ).
قال الجاَمع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه "سعيد بن يعقوب الطالقانيّ"، أبي بكر، ثقة، صاحب حديث [١٠].
قال الأثرم: رأيته عند أحمد يذاكره الحديث. وقال أبو زرعة، والنسائيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. ووثقه مسلمة، والدارقطنيّ. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: ربما أخطا، مات ببغداد سنة (٢٤٤) وكذا أرّخه البخاري.
وقال الحاكم في "تاريخه": هو محدّث خراسان في عصره، قَدِم نيسابور قديمًا، وحدّث بها، فسمع منه الذهليّ وأقرانه، ومن زعم أن ابن خزيمة سمع منه فقد وَهِم.
روى عنه المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
[تنبيه]: قوله: "الطالقانيّ": بسكون اللام، بعدها قاف نسبة إلى بلد بخراسان، وبقزوين. قاله في "لبّ اللباب" ج ٢ ص ٨٤. وضبطه بعضهم بفتح اللام. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 11510
و"خالد بن عبد اللَّه الطحّان" الواسطيّ الثقة الثبت [٨] ٦٧/ ١٨٠٧.
و"أبو مسلمة" سعيد بن يزيد بن مسلمة الأزديّ، ثم الطاحي البصريّ القصير، ثقة [٤] ٢٤/ ٧٧٥.
[تنبيه]: وقع في نسخ "المجتبى"، و"الكبرى" في هذا السند: "أبو سلمة"، وهو تصحيف فاحش، والصواب "أبو مسلمة" بالميم، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
والحديث أخرجه مسلم، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣١١ - (أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَوَارِيرِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مَنْصُورٍ, عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ, عَنْ أَبِي نَضْرَةَ, عَنْ جَابِرٍ, قَالَ: سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَصَامَ بَعْضُنَا, وَأَفْطَرَ بَعْضُنَا).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أبو بكر بن عليّ": هو أحمد بن عليّ بن سعيد بن إبراهيم المروزيّ القاضي الثقة الحافظ [١٢] ١/ ٢٠٩٤. من أفراد المصنّف.
و"القواريريّ": هو عبيد اللَّه بن عُمَر بن ميسرة، أبو سعيد البصريّ، نزيل بغداد، ثقة ثبت [١٠] ٥٩/ ٢٣١١.
و"بشر بن منصور" السَّليميّ -بفتح المهملة، وبعد اللام تحتانيّة- أبو محمد الأزديّ البصريّ، ثقة (١) عابد زاهد [٨].
قال ابن المدينّي: ما رأيت أحدًا أخوف للَّه منه، وكان يصلي كلّ يوم خمسمائة ركعة، وكان وِرْده ثلثَ القرآن. وقال القواريريّ: هو من أفضل من رأيت من المشايخ.
وقال أبو زرعة: ثقة مأمون. وقال أبو حاتم، والنسائيّ: ثقة. وقال عليّ بن نصر بن عليّ الجهضميّ: ثبت في الحديث. وقال ابن حبّان في "الثقات": كان من خيار أهل البصرة، وعبّادهم، مات بعد ما عمي. وقال يعقوب بن شيبة: كان قد سمع، ولم يكن له عناية بالحديث. مات سنة (١٨٠) روى له مسلم، والمصنف، وأبو داود، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا ٢٣١١ وفي "كتاب الاستعاذة" ٥٥٠٢.
والحديث أخرجه مسلم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣١٢ أ- (أَخْبَرَنِي (٢) أَيُّوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمٌ,
стр. 11511
عَنْ أَبِي نَضْرَةَ الْمُنْذِرِ, عَنْ أَبِي سَعِيدٍ, وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, أَنَّهُمَا سَافَرَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَيَصُومُ الصَّائِمُ, وَيُفْطِرُ الْمُفْطِرُ, وَلَا يَعِيبُ (١) الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ, وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، سوى شيخه "أيوب بن محمد" الوزّان، أبي محمد الرقّيّ، فإنه من أفرأده هو، وأبي داود، وابن ماجه، وهو ثقة [١٠] ٢٨/ ٣٢.
و"مروان" بن معاوية الفزاريّ الكوفيّ، ثم المكيّ، ثم الدمشقيّ، ثقة حافظ، يدلّس أسماء الشيوخ [٨] ٥٠/ ٨٥٠. و "عاصم": هو ابن سليمان الأحول.
والحديث أخرجه مسلم، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٦٠ - (الرُّخْصَةُ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يَصُومَ بَعْضًا، وَيُفْطِرَ بَعْضًا)
٢٣١٣ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: "خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ صَائِمًا, فِي رَمَضَانَ, حَتَّى إِذَا كَانَ بِالْكَدِيدِ أَفْطَرَ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، وهو من أصحّ الأسانيد لابن عباس ﵄.
و"سفيان": هو ابن عيينة. و "عبيد اللَّه بن عبد اللَّه": هو ابن عتبة بن مسعود.
قوله: "بالكديد": -بفتح الكاف، وكسر الدال المهملة- قال النوويّ ﵀ تَعَالَى-: هي عين جارية بينها وبين المدينة سبع مراحل، أو نحوها، وبينها وبين مكة قريب من مرحلتين، وهي أقرب إلى المدينة من عُسفان. قال القاضي عياض: الكَدِيد عين جارية على اثنين وأربعين ميلاً من مكة، قال: وعُسْفان قرية جامعة بها منبر على ستة وثلاثين ميلاً من مكة، قال: والْكَدِيد ما بينها وبين قُدَيد.
стр. 11512
وفي الحديث الآخر: "فصام حتى بلغ كُرَاع الغميم"، وهو بفتح الغين المعجمة، وهو وادٍ أمامَ عُسفان بثمانية أميال، يُضاف إليه هذا الكُرَاع، وهو جبل أسود متصل به، والكُراع كلّ أنف سال من جبل أو حرّة.
قال القاضي: وهذا كله في سفر واحد في غَزَاة الفتح، قال: وسميت هذه المواضع في هذه الأحاديث لتقاربها، وإن كانت عُسفان متباعدة شيئًا عن هذه المواضع، لكنها كلها مضافة إليها، ومن عَمَلِها، فاشتمل اسم عُسفان عليها، قال: وقد يكون عَلِمَ حالَ الناس، ومشقّتهم في بعضها، فأفطر، وأمرهم بالفطر في بعضها. هذا كلام القاضي.
قال النوويّ: وهو كما قال، إلا في مسافة عسفان، فإن المشهور أنها على أربعة بُرُد من مكة، وكل بَرِيد أربعة فراسخ، وكلّ فرسخ ثلاثة أميال، فالجملة ثمانية وأربعون ميلاً، هذا هو الصواب المعروف الذي عليه الجمهور انتهى كلام النووي (١).
وقوله: "حتى إذا بلغ الكَديد أفطر": هذا محلّ الترجمة، حيث إنه يدلّ على جواز صوم بعض الشهر، وفطر بعضه للمسافر. واللَّه تعالى أعلم.
والحديث متفق عليه، وقد تقدّم تخريجه في-٥٤/ ٢٢٨٧ - واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٦١ - (الرُّخْصَةُ فِي الإِفْطَارِ لِمَنْ شَهِدَ شَهْرَ رَمَضَانَ، فَصَامَ، ثُمَّ سَافَرَ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الفرق بين هذه الترجمة والتي قبلها أن تلك لبيان جواز صوم المسافر بعض الشهر، وفطره بعضه مطلقًا، سواء وقع ذلك البعض في الحضر، أم في السفر، وهذه خاصّة بمن صام بعضه في الحضر، ثم سافر.
ووجه الاستدلال لما ترجم له من جهة أن النبيّ ﷺ سافر في أثناء رمضان، وذلك في
стр. 11513
عاشر رمضان، وقد شَهِدَ الشهرَ، وصام أيامًا في الحضر.
وأشار بهذه الترجمة إلى تضعيف ما روي عن عليّ ﵁؛ وإلى ردّ ما روي عن غيره في ذلك، قال ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: رُوي عن عليّ بإسناد ضعيف، وقال به عَبِيدة بن عمرو، وأبو مِجْلَز، وغيرهما، ونقله النوويّ عن أبي مجلز وحده، ووقع في بعض الشروح أبو عبيدة، وهو وَهَمٌ، قالوا: إنّ من استهلّ عليه رمضان في الحضر ثم سافر بعد ذلك، فليس له أن يفطر؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، قال: وقال أكثر أهل العلم: لا فرق بينه وبين من استهلّ عليه رمضان في السفر، ثم ساق ابن المنذر بإسناد صحيح عن ابن عمر، قال: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ نسخها قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ الآية. ثم احتجّ للجمهور بحديث ابن عباس ﵄ المذكور في هذا الباب. قاله في "الفتح" (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٣١٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُفَضَّلٌ, عَنْ مَنْصُورٍ, عَنْ مُجَاهِدٍ, عَنْ طَاوُسٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: سَافَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ عُسْفَانَ, ثُمَّ دَعَا بِإِنَاءٍ, فَشَرِبَ نَهَارًا, لِيَرَاهُ النَّاسُ, ثُمَّ أَفْطَرَ حَتَّى دَخَلَ مَكَّةَ, فَافْتَتَحَ مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ, قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَصَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي السَّفَرِ وَأَفْطَرَ, فَمَنْ شَاءَ صَامَ, وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غيرا مرّة. و"مفضل": هو ابن مُهلْهَل السعديّ الكوفي، ثقة ثبت نَبِيل عابد [٧] ٢٥/ ١٢٤٠.
و"منصور": هو ابن المعتمر.
وقول ابن عباس ﵄ هذا هو الذي عليه الجمهور، وهو الحقّ.
قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- عند الكلام على الحديث المذكور: ما نصّه: فيه دليل لمذهب الجمهور أن الصوم والفطر جائزان. وفيه أن المسافر له أن يصوم بعض رمضان، دون بعض، ولا يلزمه بصوم بعضه إتمامه، وقد غَلِطَ بعضُ العلماء في فهم هذا الحديث، فتوهّم أن الكديد، وكراع الغميم قريب من المدينة، وأن قوله: "فصام حتى بلغ الكديد، وكراع الغميم" كان في اليوم الذي خرج فيه من المدينة، فزعم أنه خرج من المدينة صائمًا، فلما بلغ كراع الغميم في يومه أفطر في النهار، واستدلّ به هذا
стр. 11514
القائل على أنه إذا سافر بعد طلوع الفجر صائمًا له أن يفطر في يومه، ومذهب الشافعيّ والجمهور أنه لا يجوز الفطر في ذلك اليوم، وإنما يجوز لمن طلع عليه الفجر في السحفر، واستدلال هذا القائل بهذا الحديث من العجائب الغريبة؛ لأن الكديد، وكراع الغميم على سبع مراحل، أو أكثر من المدينة. واللَّه أعلم انتهى كلام النوويّ.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لكن أين الدليل لمنع الفطر لمن طلع عليه الفجر، وهو في الحضر، هيهات هيهات، بل النصوص الدّالّة على إباحة الفطر للمسافر مطلقة، فالحقّ ما ذهب إليه أحمد، وإسحاق، والمزنيّ --رحمهم اللَّه تعالى-- أنه يجوز الفطر للمسافر مطلقًا، سواء طلع عليه الفجر، وهو مقيم، أم لا، وقد تقدّم بيان ذلك في شرح حديث جابر ﵁ في ٤٩/ ٢٢٦٣ - فلا تغفل، وباللَّه تعالى التوفيق.
والحديث متفق عليه، كما تقدّم البحث فيه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٦٢ - (وَضْعُ الصِّيَامِ عَنِ الْحُبْلَى وَالْمُرْضِعِ)
٢٣١٥ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, عَنْ وُهَيْبِ بْنِ خَالِدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَوَادَةَ الْقُشَيْرِيُّ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ, رَجُلٌ مِنْهُمْ, أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ, وَهُوَ يَتَغَدَّى, فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «هَلُمَّ إِلَى الْغَدَاءِ» , فَقَالَ: إِنِّي صَائِمٌ, فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ , وَضَعَ لِلْمُسَافِرِ الصَّوْمَ, وَشَطْرَ الصَّلَاةِ, وَعَنِ الْحُبْلَى, وَالْمُرْضِعِ»).
رجال هذا الإسناد:
كلهم رجال الصحيح، سوى شيخه، فإنه من أفراده، وهو نسائيّ ثقة. و"مسلم بن إبراهيم": هو الأزديّ البصريّ الثقة المأمون المكثر، من صغار [٩] و"وهيب بن خالد": هو الباهليّ البصريّ الثقة الثبت [٧].
و"عبد اللَّه بن سَوَادة" بن حنظلة القشيريّ البصريّ، ثقة [٤].
روى عن أبيه، وأنس بن مالك الكعبيّ. وعنه أبو هلال الراسبيّ، ووُهيب بن خالد،
стр. 11515
وعبد الوارث، وحماد بن زيد، وابن علية. قال ابن معين: ثقة. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وقال العجليّ: ثقة. روى له مسلم، والأربعة، وله عند المصنف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وعندهم هذا، وحديث "لا يَغُرَّنَّ أحدَكُم أذان بلال من السحور .. " الحديث.
و"أبوه": هو سوادة بن حنظلة القشيريّ البصريّ، صدوقٌ [٣] ٣٠/ ٢١٧١.
والسند مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فنسائيّ، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والابن عن أبيه. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "للمسافر" اللام بمعنى "عن"، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١].كما قاله ابن الحاجب. أي عن المسافر، ويحتمل أن تكون للتعليل، أي لأجل الرفق بالمسافر، وبه قال ابن مالك وغيره في الآية. أفاده ابن هشام في "مغنيه" (١).
وقوله: "وعن الحبلى والمرضع" أي وَضَعَ الصوم عنهما فقط، فليس شطر الصلاة موضوعًا عنهما. فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث أنس بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا حسن، وقد تقدّم شرحه، وبيان مسائله في- ٥١/ ٢٢٧٤ - إلا "الْحُبْلَى"، و"المرضع"، وهذا موضع البحث في حكمهما، فأقول:
(مسألة): في اختلاف أهل العلم في حكم الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما، أو على أولادهما لو صامتا:
قال الإمام الترمذيّ -رحمه اللَّه تعالى-بعد أن أخرج الحديث-: ما نصّه: والعمل على هذا عند أهل العلم، وقال بعض أهل العلم: الحامل والمرضع يفطران، ويقضيان، ويُطعمان، وبه يقول سفيان، ومالك، والشافعيّ، وأحمد. وقال بعضهم: يفطران، ويُطعمان، ولا قضاء عليهما، وإن شاءتا قضتا، ولا طعام عليهما، وبه يقول إسحاق. انتهى (٢).
وقال في "الفتح": اختُلِفَ في الحامل والمرضع، ومن أفطر لكِبَر، ثم قَوِي على القضاء بعدُ، فقال الشافعيّ: يقضون، وُيطعمون، وقال الأوزاعيّ، والكوفيون: لا إطعام. انتهى.
стр. 11516
وحكى ابن قُدامة، والزرقانيّ اتفاق العلماء على وجوب القضاء من غير فدية فيما إذا خافت الحامل، والمرضع على أنفسهما. قال ابن قدامة في "المغني" جـ٣ ص ١٣٩: إن الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما، فلهما الفطر، وعليهما القضاء، فحسبُ، لا نعلم فيه بين أهل العلم اختلافًا؛ لأنهما بمنزلة المريض الخائف على نفسه.
وقال الزرقانيّ: إذا خافتا على أنفسهما، فلا فدية باتفاق أهل المذاهب، وهو إجماع؛ إلا عند من أوجب الفدية على المريض انتهى.
وأما إذا خافتا على ولديهما فقط، وأفطرتا، فاختلفوا فيه على خمسة أقوال:
(أحدها): يُطعمان، ولا قضاء عليهما، وهو مرويّ عن ابن عمر، وابن عباس، رواه أبو داود، والبزّار، والدارقطنيّ، والبيهقيّ عن ابن عباس، ومالكٌ، وابنُ أبي حاتم، والدارقطنيّ، والبيهقيّ عن ابن عمر، وهو أحد أقوال مالك.
(الثاني): يقضيان فقط، ولا إطعام عليهما، وبه قال عطاء، والزهريّ، والحسن، وسعيد بن جُبير، والنخعيّ، وأبو عبيد، وأبو ثور، وأبو حنيفة وأصحابه، والأوزاعيّ، والثوريّ، واسُتدلّ لهم بحديث الباب.
قال الجصّاص: ووجه الدلالة على هذا إخباره ﷺ بأنّ وضعَ الصوم عن الحامل والمرضع هو كوضعه عن المسافر، ألا ترى أن وضع الصوم الذي جَعَلَه من حكم المسافر هو بعينه جَعَلَه من حكم الحامل والمرضع؛ لأنه عطفهما عليه من غير استثناء ذكر شيء غيره، فثبت بذلك أن حكم وضع الصوم عن الحامل والمرضع هو حكم وضعه عن المسافر، لا فرق بينهما، ومعلوم أن وضع الصوم عن المسافر إنما هو على جهة إيجاب قضائه بالإفطار من غير فدية، فوجب أن يكون ذلك حكمَ الحامل والمرضع.
وفيه دلالة على أنه لا فرق بين الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما، أو ولديهما، إذ لم يفصّل النبيّ ﷺ -بينهما، وأيضًا لما كانت الحامل والمرضع يُرجى لهما القضاء، وإنما أبيح لهما الإفطار للخوف على النفس، أو الولد مع إمكان القضاء وجب أن تكونا كالمريض والمسافر انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله الجصّاص -رحمه اللَّه تعالى-، حسنٌ جدًّا.
(الثالث): يقضيان، ويُطعمان، وهو المشهور من مذهب الشافعيّ، وهو ثاني أقوال مالك، وإليه ذهب أحمد.
(الرابع): إن الحامل تقضي، ولا تطعم، والمرضع تقضي وتطعم. وبه قال الليث، وهو المشهور من أقوال مالك؛ لأن المرضع يمكن أن تسترضع لولدها بخلاف
стр. 11517
الحامل، ولأن الحمل متّصل بالحامل، فالخوف عليه كالخوف على بعض أعضائها.
(الخامس): يطعمان، ولا قضاء عليهما، وإن شاءتا قضتا، ولا إطعام. حكاه الترمذيّ عن إسحاق بن راهويه (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يترجح عندي من هذه الأقوال قول من قال: يجب عليهما القضاء، فقط، دون الإطعام؛ لأنهما في حكم المريض، ولم يُجب اللَّه تعالى الإطعام عليه، فكذلك هما، وأيضًا فقد سوّى النبيّ ﷺ بينهما وبين المسافر في وضع الصوم عنهم، ومعلوم أن المسافر يقضي، ولا إطعام عليه، كما تقدّم تقريره في كلام الجصّاص -رحمه اللَّه تعالى-.
والحاصل أن الحامل والمرضع إذا أفطرتا لما ذُكر تقضيان، ولا فدية عليهما. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٦٣ - (تَأْوِيلُ قَوْلِ اللَّه : ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤])
٢٣١٦ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: أَنْبَأَنَا بَكْرٌ -وَهُوَ ابْنُ مُضَرَ- عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ, عَنْ بُكَيْرٍ عَنْ يَزِيدَ, مَوْلَى سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ, عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ, قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ كَانَ مَنْ أَرَادَ مِنَّا أَنْ يُفْطِرَ, وَيَفْتَدِيَ, حَتَّى نَزَلَتِ الآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا, فَنَسَخَتْهَا).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (بكر بن مضر) بن محمد، أبو محمد المصريّ، ثقة ثبت [٨] ١٢٢/ ١٧٣.
٣ - (عمرو بن الحارث) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقة
стр. 11518
ثبت فقيه [٧] ٦٣/ ٧٩.
٤ - (بكير) بن عبد اللَّه بن الأشجّ المدنيّ، ثم المصريّ، ثقة [٥] ١٣٥/ ٢١١.
٥ - (يزيد مولى سلمة بن الأكوع) بن أبي عبيد الأسلميّ المدنيّ، ثقة [٤] ٦٧/ ١٩٦١.
٦ - (سلمة بن الأكوع) هو سلمة بن عمرو بن الأكوع -نُسب لجده- الأسلميّ، أبو مسلم، أو أبو إياس الصحابيّ، شهد بيعة الرضوان، ومات سنة (٦٤) وتقدّم في ١٥/ ٧٦٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بثقات المصريين، وقتيبة، وإن كان بغلانيّا، إلا أنه دخل مصر للأخذ عن مشايخها، ونصفه الثاني مسلسل بالمدنيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ) هو ابن عمرو بن الأكوع نُسب لجدّه الصحابيّ الشهير ﵁، أنه (قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَدِهِ الآيَةُ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ كانَ مَنْ أَرَادَ مِنَّا أَنْ يُفْطِرَ، وَيفتَدِيَ) خبر "كان" محذوف، أي فَعَلَ ذلك (حتى نَزَلَتِ الآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا) أي قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] (فَنَسَخَتْهَا) حديثُ سلمة ﵁ هذا صريح في أن هذه الآية منسوخة، وثبت مثله عن ابن عمر ﵁، فقد أخرج البخاريّ في "صحيحه" من طريق نافع، عنه أنه قرأ: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال: هي منسوخة".
ورجّح النسخَ ابنُ المنذر من جهة قوله: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾، قال: لأنها لو كانت في الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصيام لم يناسب أن يقال: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾، مع أنه لا يُطيق الصيام.
وقيل: إن الناسخ قوله تعالى ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾.
قال البخاريّ تعليقًا: وقال ابن نمير، حدثنا الأعمش، حدثنا عمرو بن مرّة، حدثنا ابن أبي ليلى، حدثنا أصحاب محمد ﷺ : "نزل رمضان، فشقّ عليهم، فكان من أطعم كلّ يوم مسكينًا، ترك الصوم، ممن يُطيقه، ورُخّص لهم في ذلك، فنسختها: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فأمروا بالصوم".
وهذا التعليق وصله أبو نعيم في "المستخرج"، والبيهقيّ من طريقه، ولفظ البيهقيّ:
стр. 11519
"قَدِم النبيّ ﷺ المدينة، ولا عهد لهم بالصيام، فكانوا يصومون ثلاثة أيام من كلّ شهر، حتى نزل: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾، فاستكثروا ذلك، وشقّ عليهم، فكان من أطعم مسكينًا كلّ يوم ترك الصيام، ممن يُطيقه، ورخص لهم في ذلك، ثم نسخه: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾، فأُمروا بالصيام".
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وإذا تقرّر أن الإفطار والإطعام كان رخصة، ثم نسخ لزم أن يصير الصيام حتمًا واجبًا، فكيف يلتئم مع قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾، والخيريّة لا تدلّ على الوجوب، بل المشاركة في أصل الخير؟.
أجاب الكرمانيّ -رحمه اللَّه تعالى- بأن المعنى: فالصوم خير من التطوّع بالفدية، والتطوّع بها كان ستة، والخير من السنة لا يكون إلا واجبًا، أي لا يكون شيء خيرًا من السنة إلا الواجب. كذا قال، ولا يخفى بعده، وتكلّفه. ودعوى الوجوب في خصوص الصيام في هذه الآية ليست بظاهرة، بل هو واجب مخيّر، من شاء صام، ومن شاء أفطر وأطعم، فنصّت الآية على أن الصوم أفضل، وكون بعض الواجب المخيّر أفضل من بعض لا إشكال فيه. واتفقت هذه الأخبار على أن قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ منسوخ.
وخالف في ذلك ابن عباس ﵄، فذهب إلى أنها محكمة، لكنها مخصوصة بالشيخ الكبير ونحوه، كما يأتي في الرواية التالية، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث سلمة بن الأكوع ﵁ هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٦٣/ ٢٣١٦ - وفي "الكبرى" ٦٣/ ٢٦٢٥ و ٢٥/ ١١٠١٧. وأخرجه (خ) في "التفسير" ٤٥٠٧ (م) في "الصيام" ١١٤٥ (د) في "الصوم" ٢٣١٥ (ت) في "الصوم" ٧٩٨ (الدارميّ) في "الصوم" ١٧٣٤. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ثبوت النسخ في القرآن، وقد أجمعت الأمة على ذلك، ودلّ عليه قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ (ومنها): التدرّج في تشريع الصوم، تسهيلًا على المكلّفين، فكان أول ما شُرع من أراد أن يصوم صام، ومن أراد أن يُطعم أطعم وأفطر، حتى إذا أَلِفُوه، وسهل عليهم نزل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ
стр. 11520
فَلْيَصُمْهُ﴾، فأوجب اللَّه عليهم صيامه، ونسخ الفدية. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣١٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ, قَالَ: أَنْبَأَنَا وَرْقَاءُ, عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ, عَنْ عَطَاءٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, فِي قَوْلِهِ : ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ يُطِيقُونَهُ: يُكَلَّفُونَهُ, فِدْيَةٌ, طَعَامُ مِسْكِينٍ وَاحِدٍ, ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ طَعَامُ مِسْكِينٍ آخَرَ, لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ لَا يُرَخَّصُ فِي هَذَا, إِلاَّ لِلَّذِي (١) لَا يُطِيقُ الصِّيَامَ, أَوْ مَرِيضٍ لَا يُشْفَى).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) المعروف أبوه بابن عُليّة البصريّ، نزيل دمشق، وقاضيها، ثقة حافظ [١١] ٢٢/ ٤٨٩.
٢ - (يزيد) بن هارون السلميّ، أبو خالد الواسطيّ، ثقة متقن عابد [٩] ١٥٣/ ٢٤٤.
٣ - (ورقاء) بن عمر اليشكريّ، أبو بشر الكوفيّ، نزيل المدائن، صدوقٌ في حديثه عن منصور لين [٧] ٦٠/ ٨٦٦.
٤ - (عمرو بن دينار) الأثرم الْجُمَحيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقة ثبت [٤] ١١٢/ ١٥٤.
٥ - (عطاء) بن أبي رباح أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقة فقيه فاضل، كثير الإرسال [٣] ١١٢/ ١٥٤.
٦ - (ابن عباس) عبد اللَّه البحر الحبر - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ.
(ومنها): أن فيه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (فِي قَوْلِهِ ) أي في بيان ما يتعلّق به