← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 11516–11555 · переход к 11521.

стр. 11516

وحكى ابن قُدامة، والزرقانيّ اتفاق العلماء على وجوب القضاء من غير فدية فيما إذا خافت الحامل، والمرضع على أنفسهما. قال ابن قدامة في "المغني" جـ٣ ص ١٣٩: إن الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما، فلهما الفطر، وعليهما القضاء، فحسبُ، لا نعلم فيه بين أهل العلم اختلافًا؛ لأنهما بمنزلة المريض الخائف على نفسه. وقال الزرقانيّ: إذا خافتا على أنفسهما، فلا فدية باتفاق أهل المذاهب، وهو إجماع؛ إلا عند من أوجب الفدية على المريض انتهى. وأما إذا خافتا على ولديهما فقط، وأفطرتا، فاختلفوا فيه على خمسة أقوال: (أحدها): يُطعمان، ولا قضاء عليهما، وهو مرويّ عن ابن عمر، وابن عباس، رواه أبو داود، والبزّار، والدارقطنيّ، والبيهقيّ عن ابن عباس، ومالكٌ، وابنُ أبي حاتم، والدارقطنيّ، والبيهقيّ عن ابن عمر، وهو أحد أقوال مالك. (الثاني): يقضيان فقط، ولا إطعام عليهما، وبه قال عطاء، والزهريّ، والحسن، وسعيد بن جُبير، والنخعيّ، وأبو عبيد، وأبو ثور، وأبو حنيفة وأصحابه، والأوزاعيّ، والثوريّ، واسُتدلّ لهم بحديث الباب. قال الجصّاص: ووجه الدلالة على هذا إخباره ﷺ بأنّ وضعَ الصوم عن الحامل والمرضع هو كوضعه عن المسافر، ألا ترى أن وضع الصوم الذي جَعَلَه من حكم المسافر هو بعينه جَعَلَه من حكم الحامل والمرضع؛ لأنه عطفهما عليه من غير استثناء ذكر شيء غيره، فثبت بذلك أن حكم وضع الصوم عن الحامل والمرضع هو حكم وضعه عن المسافر، لا فرق بينهما، ومعلوم أن وضع الصوم عن المسافر إنما هو على جهة إيجاب قضائه بالإفطار من غير فدية، فوجب أن يكون ذلك حكمَ الحامل والمرضع. وفيه دلالة على أنه لا فرق بين الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما، أو ولديهما، إذ لم يفصّل النبيّ ﷺ -بينهما، وأيضًا لما كانت الحامل والمرضع يُرجى لهما القضاء، وإنما أبيح لهما الإفطار للخوف على النفس، أو الولد مع إمكان القضاء وجب أن تكونا كالمريض والمسافر انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله الجصّاص -رحمه اللَّه تعالى-، حسنٌ جدًّا. (الثالث): يقضيان، ويُطعمان، وهو المشهور من مذهب الشافعيّ، وهو ثاني أقوال مالك، وإليه ذهب أحمد. (الرابع): إن الحامل تقضي، ولا تطعم، والمرضع تقضي وتطعم. وبه قال الليث، وهو المشهور من أقوال مالك؛ لأن المرضع يمكن أن تسترضع لولدها بخلاف

стр. 11517

الحامل، ولأن الحمل متّصل بالحامل، فالخوف عليه كالخوف على بعض أعضائها. (الخامس): يطعمان، ولا قضاء عليهما، وإن شاءتا قضتا، ولا إطعام. حكاه الترمذيّ عن إسحاق بن راهويه (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يترجح عندي من هذه الأقوال قول من قال: يجب عليهما القضاء، فقط، دون الإطعام؛ لأنهما في حكم المريض، ولم يُجب اللَّه تعالى الإطعام عليه، فكذلك هما، وأيضًا فقد سوّى النبيّ ﷺ بينهما وبين المسافر في وضع الصوم عنهم، ومعلوم أن المسافر يقضي، ولا إطعام عليه، كما تقدّم تقريره في كلام الجصّاص -رحمه اللَّه تعالى-. والحاصل أن الحامل والمرضع إذا أفطرتا لما ذُكر تقضيان، ولا فدية عليهما. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٦٣ - (تَأْوِيلُ قَوْلِ اللَّه : ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]) ٢٣١٦ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: أَنْبَأَنَا بَكْرٌ -وَهُوَ ابْنُ مُضَرَ- عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ, عَنْ بُكَيْرٍ عَنْ يَزِيدَ, مَوْلَى سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ, عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ, قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ كَانَ مَنْ أَرَادَ مِنَّا أَنْ يُفْطِرَ, وَيَفْتَدِيَ, حَتَّى نَزَلَتِ الآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا, فَنَسَخَتْهَا). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١. ٢ - (بكر بن مضر) بن محمد، أبو محمد المصريّ، ثقة ثبت [٨] ١٢٢/ ١٧٣. ٣ - (عمرو بن الحارث) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقة

стр. 11518

ثبت فقيه [٧] ٦٣/ ٧٩. ٤ - (بكير) بن عبد اللَّه بن الأشجّ المدنيّ، ثم المصريّ، ثقة [٥] ١٣٥/ ٢١١. ٥ - (يزيد مولى سلمة بن الأكوع) بن أبي عبيد الأسلميّ المدنيّ، ثقة [٤] ٦٧/ ١٩٦١. ٦ - (سلمة بن الأكوع) هو سلمة بن عمرو بن الأكوع -نُسب لجده- الأسلميّ، أبو مسلم، أو أبو إياس الصحابيّ، شهد بيعة الرضوان، ومات سنة (٦٤) وتقدّم في ١٥/ ٧٦٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بثقات المصريين، وقتيبة، وإن كان بغلانيّا، إلا أنه دخل مصر للأخذ عن مشايخها، ونصفه الثاني مسلسل بالمدنيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ) هو ابن عمرو بن الأكوع نُسب لجدّه الصحابيّ الشهير ﵁، أنه (قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَدِهِ الآيَةُ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ كانَ مَنْ أَرَادَ مِنَّا أَنْ يُفْطِرَ، وَيفتَدِيَ) خبر "كان" محذوف، أي فَعَلَ ذلك (حتى نَزَلَتِ الآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا) أي قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] (فَنَسَخَتْهَا) حديثُ سلمة ﵁ هذا صريح في أن هذه الآية منسوخة، وثبت مثله عن ابن عمر ﵁، فقد أخرج البخاريّ في "صحيحه" من طريق نافع، عنه أنه قرأ: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال: هي منسوخة". ورجّح النسخَ ابنُ المنذر من جهة قوله: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾، قال: لأنها لو كانت في الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصيام لم يناسب أن يقال: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾، مع أنه لا يُطيق الصيام. وقيل: إن الناسخ قوله تعالى ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾. قال البخاريّ تعليقًا: وقال ابن نمير، حدثنا الأعمش، حدثنا عمرو بن مرّة، حدثنا ابن أبي ليلى، حدثنا أصحاب محمد ﷺ : "نزل رمضان، فشقّ عليهم، فكان من أطعم كلّ يوم مسكينًا، ترك الصوم، ممن يُطيقه، ورُخّص لهم في ذلك، فنسختها: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فأمروا بالصوم". وهذا التعليق وصله أبو نعيم في "المستخرج"، والبيهقيّ من طريقه، ولفظ البيهقيّ:

стр. 11519

"قَدِم النبيّ ﷺ المدينة، ولا عهد لهم بالصيام، فكانوا يصومون ثلاثة أيام من كلّ شهر، حتى نزل: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾، فاستكثروا ذلك، وشقّ عليهم، فكان من أطعم مسكينًا كلّ يوم ترك الصيام، ممن يُطيقه، ورخص لهم في ذلك، ثم نسخه: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾، فأُمروا بالصيام". قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وإذا تقرّر أن الإفطار والإطعام كان رخصة، ثم نسخ لزم أن يصير الصيام حتمًا واجبًا، فكيف يلتئم مع قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾، والخيريّة لا تدلّ على الوجوب، بل المشاركة في أصل الخير؟. أجاب الكرمانيّ -رحمه اللَّه تعالى- بأن المعنى: فالصوم خير من التطوّع بالفدية، والتطوّع بها كان ستة، والخير من السنة لا يكون إلا واجبًا، أي لا يكون شيء خيرًا من السنة إلا الواجب. كذا قال، ولا يخفى بعده، وتكلّفه. ودعوى الوجوب في خصوص الصيام في هذه الآية ليست بظاهرة، بل هو واجب مخيّر، من شاء صام، ومن شاء أفطر وأطعم، فنصّت الآية على أن الصوم أفضل، وكون بعض الواجب المخيّر أفضل من بعض لا إشكال فيه. واتفقت هذه الأخبار على أن قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ منسوخ. وخالف في ذلك ابن عباس ﵄، فذهب إلى أنها محكمة، لكنها مخصوصة بالشيخ الكبير ونحوه، كما يأتي في الرواية التالية، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث سلمة بن الأكوع ﵁ هذا متفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٦٣/ ٢٣١٦ - وفي "الكبرى" ٦٣/ ٢٦٢٥ و ٢٥/ ١١٠١٧. وأخرجه (خ) في "التفسير" ٤٥٠٧ (م) في "الصيام" ١١٤٥ (د) في "الصوم" ٢٣١٥ (ت) في "الصوم" ٧٩٨ (الدارميّ) في "الصوم" ١٧٣٤. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ثبوت النسخ في القرآن، وقد أجمعت الأمة على ذلك، ودلّ عليه قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ (ومنها): التدرّج في تشريع الصوم، تسهيلًا على المكلّفين، فكان أول ما شُرع من أراد أن يصوم صام، ومن أراد أن يُطعم أطعم وأفطر، حتى إذا أَلِفُوه، وسهل عليهم نزل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ

стр. 11520

فَلْيَصُمْهُ﴾، فأوجب اللَّه عليهم صيامه، ونسخ الفدية. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٣١٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ, قَالَ: أَنْبَأَنَا وَرْقَاءُ, عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ, عَنْ عَطَاءٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, فِي قَوْلِهِ : ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ يُطِيقُونَهُ: يُكَلَّفُونَهُ, فِدْيَةٌ, طَعَامُ مِسْكِينٍ وَاحِدٍ, ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ طَعَامُ مِسْكِينٍ آخَرَ, لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ لَا يُرَخَّصُ فِي هَذَا, إِلاَّ لِلَّذِي (١) لَا يُطِيقُ الصِّيَامَ, أَوْ مَرِيضٍ لَا يُشْفَى). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) المعروف أبوه بابن عُليّة البصريّ، نزيل دمشق، وقاضيها، ثقة حافظ [١١] ٢٢/ ٤٨٩. ٢ - (يزيد) بن هارون السلميّ، أبو خالد الواسطيّ، ثقة متقن عابد [٩] ١٥٣/ ٢٤٤. ٣ - (ورقاء) بن عمر اليشكريّ، أبو بشر الكوفيّ، نزيل المدائن، صدوقٌ في حديثه عن منصور لين [٧] ٦٠/ ٨٦٦. ٤ - (عمرو بن دينار) الأثرم الْجُمَحيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقة ثبت [٤] ١١٢/ ١٥٤. ٥ - (عطاء) بن أبي رباح أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقة فقيه فاضل، كثير الإرسال [٣] ١١٢/ ١٥٤. ٦ - (ابن عباس) عبد اللَّه البحر الحبر - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (فِي قَوْلِهِ ) أي في بيان ما يتعلّق به

стр. 11521

من المعانى (﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ ﴿يُطِيقُونَهُ﴾: يُكَلَّفُونَهُ) قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: أي يَعُدّونه مشقّة على أنفسهم، ويَحمِلونه بكلفة، وصعوبة، وفي "الكشّاف" وغيره من التفاسير أن هذا المعنى مبنيّ على قراءة ابن عباس ﵄، وهي يُطَوَّقُونه، -بتشديد الواو، من باب التفعيل، من الطوق، ثم ذكروا عنه روايات أُخَر، ثم ذكروا أنه يصحّ هذا المعنى على قراءة ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ أي يبلغون به غاية وسعهم، وطاقتهم، وعلى هذا لا حاجة إلى تقدير حرف النفي على القراء المشهورة، والمشهور أنه على القراءة المشهورة يُقدَّر حرف النفي. واللَّه تعالى أعلم انتهى (١). وقال الحافظ عند قول البخاريّ: "قال ابن عباس: ليست بمنسوخة، هو الشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة": ما نصّه: هذا مذهب ابن عباس، وخالفه الأكثر. وفي هذا الحديث، والذي بعده ما يدلّ على أنها منسوخة، وهذه القراءة تضعّف تأويل من زعم أن "لا" محذوفة من القراءة المشهورة، وأن المعنى: وعلى الذين لا يطيقونه فدية، وأنه كقول الشاعر: فَقُلْتُ يَمِينُ اللَّهِ أَبْرَحُ قَاعِدًا … أي لا أبرح قاعدًا، ورُدّ بدلالة القسم على النفي بخلاف الآية، وُيثَبِّت هذا التأويل أن الأكثر على أن الضمير في قوله: ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ للصيام، فيصير تقدير الكلام: وعلى الذين يطيقون الصيام فدية، والفدية لا تجب على المطيق، وإنما تجب على غيره. والجواب عن ذلك أن في الكلام حذفا تقديره: وعلى الذين يطيقون الصيام إذا أفطروا فدية، وكان هذا في أول الأمر عند الأكثر، ثم نُسخ، وصارت الفدية للعاجز إذا أفطر. وأما على قراءة ابن عباس -يعني يطوّقونه بالتضعيف- فلا نسخ؛ لأنه يجعل الفدية على من تكلّف الصوم، وهو لا يقدر عليه، فيفطر ويكفّر، وهذا الحكم باق. وفي هذا الحديث حجة لقول الشافعيّ، ومن وافقه: إن الشيخ الكبير، ومن ذكر معه إذا شق عليهم الصوم، فأفطروا، فعليهم الفدية؛ خلافًا لمالك ومن وافقه. واختلف في الحامل والمرضع، ومن أفطر لكبر، ثم قوي على القضاء بعدُ، فقال الشافعيّ، وأحمد: يقضون، ويطعمون. وقال الأوزاعيّ، والكوفيون: لا إطعام انتهى كلام الحافظ (٢).

стр. 11522

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تقدّم أن الراجح هو ما ذهب إليه الأوزاعيّ، والكوفيون؛ لأنه لا دليل على إيجاب الفدية مع الصوم. واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: قد اختلف السلف في الحدّ الذي إذا وجده المكلّف جاز له الفطر، والذي عليه الجمهور أنه المرض الذي يحيى له التيمم مع وجود الماء، وهو ما إذا خاف على نفسه لو تمادى على الصوم، أو على عضو من أعضائه، أو زيادة في المرض الذي بدأ به، أو تماديه. وعن ابن سيرين: متى حصل للإنسان حال يستحقّ بها اسم المرض، فله الفطر، وهو نحو قول عطاء. وعن الحسن والنخعيّ: إذا لم يقدر على الصلاة قائمًا يفطر. قاله في "الفتح" (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي ذهب إليه الجمهور هو الأرجح عندي؛ لأن اللَّه تعالى رخّص في الفطر للمريض، إزالة للضرر، فإذا كان مرضه خفيفًا لا يتضرّر بالصوم، ولا يشقّ معه فلا حاجة له للرخصة. واللَّه تعالى أعلم. (فدّيَةٌ، طَعَامُ مِسْكِينٍ وَاحِدٍ، ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ طَعَامُ مِسكِينٍ آخَرَ، لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ) أي الآية على هذا المعنى ليست منسوخة، وجملة "ليست منسوخة" معترضة بين تفسير الآية ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ لَا يُرَخَّصُ في هَذَا، إِلاَّ لِلَّذِي لَا يُطِيقُ الصِّيَامَ) قد يؤخذ منه الإشارة إلى التوجيه المشهور، وهو تقدير "لا" للقراءة المشهورة على هذا المعنى (أَوْ مَرِيضٍ لَا يُشْفَى) بالبناء للمفعول، والجملة صفة لـ "مريض". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عباس ﵄ هذا أخرجه البخاريّ. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٦٣/ ٢٣١٧ وفي "الكبرى" ٦٣/ ٢٦٢٦ وفي "التفسير" ٢٥/ ١١٠١٨ و ١١٠١٩ وأخرجه (خ) في "التفسير" ٤٥٠٥ (د) في "الصوم" ٢٣١٦ و ٢٣١٧ و ٢٣١٨. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". …

стр. 11523

٦٤ - (وَضْعُ الصِّيَامِ عَنِ الْحَائِضِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أراد بوَضْع الصيام إسقاطَ وجوب أدائه عنها حال الحيض، لا إسقاط وجوبه أصلاً، فإنه يجب عليها قضاؤه إذا طهرت بخلاف الصلاة. وقد ذكر العلماء في الفرق بين الصلاة والصيام، حيث إن الصيام وُضع عن الحائض إلى بدل، بخلاف الصلاة؛ لأنها تتكرّر، فلم يجب قضاؤها للحرج، بخلاف الصيام. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٣١٨ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) عَلِيٌّ -يَعْنِي ابْنَ مُسْهَرٍ- عَنْ سَعِيدٍ, عَنْ قَتَادَةَ,, عَنْ مُعَاذَةَ الْعَدَوِيَّةِ, أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ عَائِشَةَ, أَتَقْضِي الْحَائِضُ الصَّلَاةَ, إِذَا طَهُرَتْ, قَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ, كُنَّا نَحِيضُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , ثُمَّ نَطْهُرُ, فَيَأْمُرُنَا بِقَضَاءِ الصَّوْمِ, وَلَا يَأْمُرُنَا بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ). قال الجامع عفا اللَّه تعالَى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"سعيد": هو ابن أبي عروبة. وقوله: "امرأة سألت الخ" السائلة المبهمة هي معاذة نفسها، فقد بينه مسلم في رواية: "قالت: سألتُ عائشةَ … ". وقولها: "أحرورية أنت" -بفتح الحاء المهملة، وضم الراء الأولى-: أي أمنهم أنتِ؟، وهم طائفة من الخوارج، نُسبوا إلى حروراء بالمدّ والقصر، وهو موضع قريب من الكوفة، وكان عندهم تشدّد في أمر الحيض شبَهتها بهم في تشدّدهم في أمرهم، وكثرة مسائلهم، وتعنّتهم بها. وقيل: أرادت أنها خرجت عن السنّة كما خرجوا عنها، ولعلّ عائشة زعمت أن سؤالها تعنت؛ لظهور الحكم عند الخواصّ والعوامّ، فأغلظت عليها الجواب، واللَّه تعالى أعلم بالصواب. وهذا الحديث تقدّم شرحه، وبيان مسائله في "كتاب الحيض والاستحاضة"، رقم ١٧/ ٣٨٢، فقد رواه هناك عن عمرو بن زُرارة، عن إسماعيل ابن عليّة، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن مُعَاذة، عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، فراجعه تزدد علماً. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٣١٩ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ,

стр. 11524

قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ, يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: إِنْ كَانَ لَيَكُونُ عَلَيَّ الصِّيَامُ, مِنْ رَمَضَانَ, فَمَا أَقْضِيهِ حَتَّى يَجِيءَ شَعْبَانُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عمرو بن عليّ) الفلاّس الصيرفيّ، أبو حفص البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٢/ ٢. ٢ - (يحيي) بن سعيد القطّان، أبو سعيد البصريّ، ثقة ثبت حجة [٩] ٤/ ٤. ٣ - (يحيي بن سعيد) بن قيس الأنصاريّ، أبو سعيد المدنيّ القاضي، ثقة ثبت [٥] ٢٢/ ٢٣. ٤ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقة فقيه [٣] ١/ ١. ٥ - (عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن شيخه أحد المشايخ التسعة الذين روى الجماعة عنهم بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وشيخ شيخه، فبصريّان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه أبو سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وفيه عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها -، أنها (قَالَتْ: "إِنْ كَانَ") "إن" مخففة من الثقيلة، ولذا دخلت اللام في خبرها، واسمها ضمير الشأن محذوفًا، أي إن الشأن، قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: وأحد الكونين زائد انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لا يلزم ذلك، بل يحتمل أن يكون "يكون" تاما بمعنى "يجب"، أو"يثبت" (لَيَكُونُ) وفي نسخة: "فيكون" بالفاء بدل اللام، وهو تصحيف (عَلَيَّ الصِّيَامُ، مِنْ رَمَضَانَ) أي بسبب تركها لأجل الحيض (فَمَا أَقْضِيهِ حَتَّى يَجِيءَ شَعْبَانُ) قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: استُدلّ به على أن عائشة ﵂ -كانت لا تتطوّع بشيء من الصيام، لا في عشر ذي الحجة، ولا في عاشوراء، ولا غير ذلك. وهو مبنيّ على أنها كانت لا ترى جواز صيام التطوّع لمن عليه دينٌ من رمضان، ومن أين لقائله ذلك؟. زاد البخاريّ في آخر هذا الحديث: ما نصّه: قال يحيى: الشغلُ من النبيّ ﷺ ، أو بالنبيّ ﷺ انتهى.

стр. 11525

وهو خبر لمحذوف، أي المانع لها الشغل، أو مبتدأ محذوف الخبر، أي الشغل هو المانع لها. قال في "الفتح": وفي قوله: "قال يحيى" تفصيل لكلام عائشة من كلام غيرها. ووقع في رواية مسلم مدرجًا، لم يقل: قال يحيى، فصار كأنه من كلام عائشة، أو من روى عنها. وكذا أخرجه أبو عوانة من وجه آخر، عن زهير، عن يحيى بن سعيد. وأخرجه مسلم من طريق سليمان بن بلال، عن يحيى مدرجًا أيضًا، ولفظه: "وذلك لمكان رسول اللَّه ﷺ ". وأخرجه من طريق ابن جريج، عن يحيي، فبين إدراجه، ولفظه: "فظننت أن ذلك لمكانها من رسول اللَّه ﷺ " يحيى يقوله. وأخرجه أبو داود من طريق مالك، والنسائيّ من طريق يحيي القطّان، وسعيد بن منصور، عن ابن شهاب وسفيان، والإسماعيليّ من طريق أبي خالد كلهم عن يحيي بدون الزيادة. وأخرجه مسلم من طريق محمد بن إبراهيم التيميّ، عن أبي سلمة بدون هذه الزيادة، لكن فيه ما يشعر بها، فإنه قال فيه: ما معناه: "فما أستطيع قضاءها مع رسول اللَّه ﷺ ". ويحتمل أن يكون المراد بالمعيّة الزمان، أي أن ذلك كان خاصًا بزمانه. وللترمذيّ، وابن خزيمة من طريق عبد اللَّه البهيّ، عن عائشة: "ما قضيت شيئًا مما يكون عليّ من رمضان إلا في شعبان حتى قبض رسول اللَّه ﷺ ". ومما يدلّ على ضعف الزيادة أنه ﷺ كان يقسم لنسائه، فيعدل، وكان يدنو من المرأة في غير نوبتها، فيقبّل، ويلمس من غير جماع، فليس في شغلها بشيء من ذلك ما يمنع الصوم، اللَّهمّ إلا أن يقال: إنها كانت لا تصوم إلا بإذنه، ولم يكن يأذن لاحتمال احتياجه إليها، فإذا ضاق الوقت أذن لها، وكان هو ﷺ يكثر الصوم في شعبان، كما تقدّم، فلذلك كانت لا يتهيّأ لها القضاء إلا في شعبان. وفي الحديث دلالة على جواز تأخير قضاء رمضان مطلقًا، سواء كان لعذر، أو لغير عذر؛ لأن الزيادة كما بيناه مدرجة، فلو لم تكن مرفوعة (١) لكان الجواز مقيّدًا بالضرورة؛ لأن للحديث حكم الرفع؛ لأن الظاهر اطلاع النبيّ ﷺ على ذلك، مع توفّر دواعي أزواجه على السؤال منه عن أمر الشرع، فلولا أن ذلك كان جائزًا لم تواظب عائشة عليه. ويؤخذ من حرصها على ذلك في شعبان أنه لا يجوز تأخير القضاء حتى يدخل رمضان آخر.

стр. 11526

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: في الاستدلال به على عدم جواز التأخير المذكور نظر لا يخفى، والظاهر أن التأخير جائز، لإطلاق قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، لكن لا ينبغي للشخص أن يتساهل في التأخير إلا لعذر. واللَّه تعالى أعلم. قال: وأما الإطعام فليس فيه ما يُثبته، ولا ما ينفيه، وقد تقدّم البحث فيه. انتهى كلام الحافظ. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الراجح أنه لا يجب الإطعام؛ لعدم نصّ صحيح مرفوع بوجوبه، بل المنصوص عليه هو القضاء فقط، والأصل براءة الذمّة، حتى يوجد نصّ ملزم، قال الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى-: لم يَذكُر اللَّه الإطعام، إنما قال: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ وهو استنباط قويّ جدًّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا متفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٦٤/ ٢٣١٩ - وفي "الكبرى" ٦٤/ ٢٦٢٨. وأخرجه (خ) في "الصوم" ١٩٥٠ (م) في "الصوم" ١١٤٦ (د) في "الصوم" ٢٣٩٩ (ت) في "الصوم"٧٨٣ (ق) في "الصيام" ١٦٦٩ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٤٤٠٧ و ٢٤٩٣٤ (مالك في الموطإ) في "الصيام" ٦٨٦. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو وضع الصيام عن الحائض أيام حيضها (ومنها): وجوب القضاء على الحائض بعد ما طهرت عن الحيض (ومنها): جواز تأخير قضاء رمضان (ومنها): عدم وجوب الفدية لتاخيره، وقد اختلفوا في وجوبها إذا آخره عن رمضان الذي بعده، وسيأتى بيان ذلك قريبًا إن شاء اللَّه تعالى. (المسألة الرابعة): اختُلف في وجوب التتابع في قضاء رمضان: ذهب الجمهور إلى جواز التفريق، قال الشوكانيّ: وحكاه في "البحر" عن عليّ، وأبي هريرة، وأنس، ومعاذ ﵃ وذهب بعضهم إلى وجوب التتابع، نقله ابن المنذر عن عليّ، وعائشة ﵄. قال في "الفتح": وهو قول بعض أهل الظاهر. وروى عبد الرزاق بإسناده عن ابن عمر أنه قال: يقضيه تباعًا. وروي عن إبراهيم النخعيّ، وهو أحد قولي الشافعيّ. وتمسكوا

стр. 11527

بقراءة: ﴿فعدة من أيام أخر متتابعات﴾ قال في "الموطإ": هي قراءة أبيّ بن كعب ﵁. وأجيب بأن عائشة ﵂ قالت: نزلت ﴿فعدة من أيام أخر متتابعات﴾ فسقطت ﴿متتابعات﴾. قال الشوكانيّ -رحمه اللَّه تعالى-: على أنه قد اختلف في الاحتجاج بقراءة الآحاد؛ كما تقرر في "الأصول". وإذا سلم أنها لم تسقط فهي منزلة عند من قال بالاحتجاج بها منزلة أخبار الآحاد، وقد عارضها ما في الباب من الأحاديث. ومما احتُجّ به للتتابع ما أخرجه الدارقطنيّ عن أبي هريرة ﵁ أنه ﷺ قال: "من كان عليه صوم من رمضان، فليسرده، ولا يقطعه". لكن قال البيهقيّ: لا يصحّ، وفي إسناده عبد الرحمن بن إبراهيم القاضي، وهو مختلف فيه. قال الدارقطنيّ: ضعيف. وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، رَوَى حديثًا منكرًا. قال عبد الحق: يعني هذا. وتعقّبه ابن القطّان بأنه لم ينصّ عليه فلعله غيره. قال: ولم يأت مَن ضعفه بحجة، والحديث حسن. قال الحافظ: قد صرّح ابن أبي حاتم عن أبيه بأنه أنكر هذا الحديث بعينه على عبد الرحمن انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما ذهب إليه الجمهور من جواز تفريق قضاء رمضان هو الأرجح عندي؛ لإطلاق قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، وعدم صحة دليل على خلافه، والحديث المذكور قد عرفت ما فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): اختُلف أيضًا في وجوب الفدية على من أخّر قضاء رمضان حتى جاء رمضان آخر: ذهب الجمهور إلى وجوب الفدية عليه، وروي عن جماعة من الصحابة، منهم: ابن عمر، وابن عباس، وأبو هريرة. وقال الطحاويّ، عن يحيى بن أكثم، قال: وجدته عن ستة من الصحابة، لا أعلم لهم مخالفًا. وذهب إبراهيم النخعيّ، وأبو حنيفة، وأصحابه، إلى أن الفدية لا تجب. وقد مال الإمام البخاريّ إلى هذا القول، فقال في "صحيحه": ولم يذكر اللَّه الإطعام، إنما قال: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. وقال العلامة الشوكانيّ -رحمه اللَّه تعالى- بعد ذكر الخلاف: ما نصّه: وقد بيّنّا أنه لم يثبت في ذلك -أي في وجوب الفدية- عن النبيّ ﷺ شيء، وأقوال الصحابة لا حجة فيها، وذهاب الجمهور إلى قول لا يدلّ على أنه الحق، والبراءة الأصليّة قاضية بعدم

стр. 11528

وجوب الاشتغال بالأحكام التكليفية حتى يقوم الدليل الناقل عنها، ولا دليل ها هنا، فالظاهر عدم الوجوب انتهى كلام الشوكاني (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله الشوكانيّ -رحمه اللَّه تعالى- من عدم وجوب الفدية في التأخير حسنٌ جدًا، وهو الذي مال إليه الإمام البخاريّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، كما مرّ قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٦٥ - (إِذَا طَهُرَتِ الْحَائِضُ، أَوْ قَدِمَ الْمُسَافِرُ فِي رَمَضَانَ، هَلْ يَصُومُ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ؟) ٢٣٢٠ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ, أَبُو حَصِينٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْثَرٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ, عَنِ الشَّعْبِيِّ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَيْفِيٍّ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , يَوْمَ عَاشُورَاءَ: «أَمِنْكُمْ أَحَدٌ أَكَلَ الْيَوْمَ؟» , فَقَالُوا مِنَّا مَنْ صَامَ, وَمِنَّا مَنْ لَمْ يَصُمْ, قَالَ: «فَأَتِمُّوا بَقِيَّةَ يَوْمِكُمْ, وَابْعَثُوا إِلَى أَهْلِ الْعَرُوضِ, فَلْيُتِمُّوا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عبد اللَّه بن أحمد بن عبد اللَّه بن يونس) الْيَرْبوعيّ، أبو حَصِين -بفتح أوله، وكسر ثانيه- الكوفيّ، ثقة [١١]. قال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائيّ، والحضرميّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: مات سنة (٢٤٨) وكذا أرّخه مُطيّنٌ، وزاد: في ذي القعدة. انفرد بالرواية عنه الترمذيّ، والمصنف، وروى عنه في هذا الكتاب حديثين فقط: هذا ٢٣٢٠ و ٢٣٩٠ حديث "لكني أنا أقوم وأنام .. " الحديث. ٢ - (عَبْثر) -بفتح أوله، وسكون الموحّدة، وفتح المثلثة- ابن القاسم الزُّبيديّ- بالضمّ- أبو زُبيد- كذلك- الكوفيّ، ثقة [٨] ١٩٠/ ١١٦٤.

стр. 11529

٣ - (حُصين) بن عبد الرحمن السلميّ، أبو الْهُذيل الكوفيّ، ثقة تغيّر حفظه في الآخر [٥] ٤٧/ ٨٤٦. ٤ - (الشعبيّ) عامر بن شَرَاحيل الهمدانيّ، أبو عمرو الكوفيّ، ثقة فقيه فاضل مشهور [٣] ٦٦/ ٨٢. ٥ - (محمد بن صَيْفيّ) بن سهل بن الحارث بن عميد، ويقال: عُبيد بن عنان، ويقال: عتبان بن عامر بن خَطْمة بن جُشم بن مالك بن الأوس الأنصاريّ الخطميّ الصحابيّ المدنيّ، ثم الكوفيّ. روى عن النبيّ ﷺ حديث الباب فقط. وروى عنه الشعبيّ. قال الأزديّ: لم يرو عنه غير الشعبيّ. وقال البغويّ: لم يرو إلا هذا الحديث الواحد، وكذا قال ابن عبد البرّ. وقال البخاريّ، وابن حبّان: عِدَاده في أهل الكوفة. وأما أبو حاتم، فقال: إنه مدنيّ. كأنه أراد أن أصله منها. انفرد به المصنّف بهذا الحديث فقط، وابن ماجه، له عنده حديثان. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، والصحابيّ، كما مرّ آنفًا. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له إلا هذا الحديث عند المصنّف، وابن ماجه، وحديث في "كتاب الذبائح" عند ابن ماجه (١). واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَيْفِيِّ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، يَوْمَ عَاشُورَاءَ) هو اليوم العاشر من المحرّم. قال الفيّوميّ: وفيها لغات: المدّ، والقصر، مع الألف بعد العين، وعَشُوراء بالمدّ مع حذف الألف انتهى (٢). وقال في "الفتح": وعاشوراء بالمدّ على المشهور، وحكي فيه القصر، وزعم ابن دريد أنه اسم إسلاميّ، وأنه لا يعرف في الجاهليّة. وردّ عليه ابن دحية بأن ابن الأعرابيّ

стр. 11530

حكى أنه سمع في كلامهم خابوراء، وبقول عائشة: إن أهل الجاهلية كانوا يصومونه انتهى. قال الحافظ: وهذا الأخير لا دلالة فيه على ردّ ما قال ابن دريد انتهى (١). (أَمِنْكُمْ أَحَدٌ أَكَلَ الْيَوْمَ؟، فَقَالُوا: مِنَّا مَنْ صَامَ) أي أمسك عن الأكل (وَمنَّا مَنْ لَمْ يَصُمْ) أي من أكل الطعام (قَالَ) ﷺ ("فَأَتِمُّوا بَقِيَّةَ يَوْمِكُمْ) أي أكملوا صوم بقيّة يومكم. وهذا محلّ الترجمة، وسيأتي وجه الاستدلال في "المسألة الثالثة" إن شاء اللَّه تعالى (وَابْعَثُوا إِلَى أَهْلِ الْعَرُوضِ، فَليُتِمُّوا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ) "الْعَرُوض" -بفتح العين المهملة، وضمّ الراء- يطلق على مكة والمدينة، وما حولهما. كما في "القاموس". وقال ابن الأثير: أراد مَنْ بأكناف مكة والمدينة. يقال لمكة، والمدينة، واليمن: الْعَرُوض، ويقال للرَّسَاتيق بأرض الحجاز: الأَعْرَاض، واحدها عِرْض بالكسر انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث محمد بن صيفيّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٦٥/ ٢٣٢٠ - وفي "الكبرى" ٦٥/ ٢٦٢٩. وأخرجه (ق) في "الصيام" ١٧٣٥ (أحمد) في "مسند الكوفيين" ١٨٩٥٧. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما بوّب له المصنّف، وهو أن الحائض إذا طهرت، والمسافر إذا قدم من سفره، أو أراد الإقامة في مكان في أثناء النهار يجب عليهما أن يصوما بقية يومهما، ووجه دلالته على ذلك، أنه ﷺ أمر مَن أكل، ومن لم يأكل بإتمام صومه في أثناء النهار، فدلّ على أن الحائض إذا طهرت، أو أقام المسافر في أثناء النهار وجب عليهما الإمساك في بقية النهار، ويكون صومهما صومًا صحيحًا، ويعتبر الأكل قبل ذلك مغتفرًا، كما اغتُفِر أكل الناسي. (ومنها): أن على الإمام أن يُقيم من يُعلن بدخول وقت الصوم حتى يتنبّه من كان غافلاً (ومنها): وجوب صوم عاشوراء، وهذا قبل أن يفرض رمضان، ثم نسخ وجوبه، وبقي استحبابه (ومنها): أن وجوب تبييت النيّة إنما هو على من كان عالمًا بوجوب

стр. 11531

الصوم من الليل، أما من جهل ذلك بأن لم يعلم بدخول رمضان إلا في أثناء النهار، فصومه صحيح بنيّة النهار. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في تعيين يوم عاشوراء: ذهب أكثر العلماء إلى أن عاشوراء هو اليوم العاشر. قال القرطبيّ: عاشوراء مَعدُول عن عاشرة للمبالغة والتعظيم، وهو في الأصل صفة لليلة العاشرة؛ لأنه مأخوذ من العشر الذي هو اسم العقد، واليوم مضاف إليها، فإذا قيل: يوم عاشوراء، فكأنه قيل: يوم الليلة العاشرة؛ إلا أنهم لما عدلوا به عن الصفة غلبت عليه الاسميّة، فاستغنوا عن الموصوف، فحذفوا الليلة، فصار هذا اللفظ عَلَمًا على اليوم العاشر. وذكر أبو منصور الجواليقيّ أنه لم يُسمع فاعولاء إلا هذا، وضاروراء، وساروراء، ودالولاء، من الضارّ، والسارّ، والدالّ، وعلى هذا فيوم عاشوراء هو العاشر، وهذا قول الخليل وغيره. وقال الزين ابن الْمُنَيّر: أكثر على أن عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر اللَّه المحرّم، وهو مقتضى الاشتقاق والتسمية. وقيل: هو اليوم التاسع، فعلى الأول فاليوم مضاف لليلة الماضية، وعلى الثاني هو مضاف لليلته الآتية، وقيل: إنما سمي يوم التاسع عاشوراء أخذًا من إيراد الإبل، كانوا إذا رعوا الإبل ثمانية أيام، ثم أوردها في التاسع قالوا: وردنا عِشْرًا -بكسر العين- وكذلك إلى الثلاثة. وروى مسلم من طريق الحكم بن الأعرج، قال: "انتهيت إلى ابن عباس، وهو متوسّد رداءه، فقلت: أخبرني عن يوم عاشوراء، قال: إذا رأيت هلال المحرّم، فاعدد، وأصبح يوم التاسع صائمًا، قلت: أهكذا كان النبيّ ﷺ يصومه؟ قال: نعم. وهذا ظاهر أن عاشوراء هو اليوم التاسع، لكن قال الزين ابن المنيّر: قوله: إذا أصبحت من تاسعه، فأَصْبحْ يشعر بأنه أراد العاشر؛ لأنه لا يصبح صائمًا بعد أن أصبح من تاسعه إلا إذا نوى الصوم من الليلة المقبلة، وهي الليلة العاشرة. قال الحافظ: ويقوّي هذا الاحتمال ما رواه مسلم أيضًا من وجه آخر، عن ابن عبّاس أن النبيّ ﷺ -قال: "لئن بقيت إلى قابل لأصومنّ التاسع، فمات قبل ذلك". فإنه ظاهر في أنه كان يصوم العاشر، وهمّ بصوم التاسع، فمات قبل ذلك، ثم ما همّ به من صوم التاسع يحتمل معناه أنه لا يقتصر عليه، بل يضيفه إلى اليوم العاشر؛ إما احتياطًا له، وإما مخالفة لليهود والنصارى، وهو الأرجح، وبه يشعر بعض روايات مسلم. ولأحمد من وجه آخر عن ابن عباس مرفوعًا: "صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا اليهود، صوموا يومًا

стр. 11532

قبله، أو يومًا بعده". وهذا كان في آخر الأمر، وقد كان ﷺ يحبّ موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، ولا سيما إذا كان فيما يخالف فيه أهل الأوثان، فلما فُتحت مكة، واشتهر أمر الإسلام أحبّ مخالفة أهل الكتاب أيضًا، كما ثبت في "الصحيح"، فهذا من ذلك، فوافقهم أوّلاً، وقال: "نحن أحقّ بموسى منكم"، ثم أحبّ مخالفتهم، فأمر بأن يضاف إليه يوم قبله، أويوم بعده خلافًا لهم. ويؤيّده رواية الترمذيّ من طريق أخرى بلفظ: "أمرنا رسول اللَّه ﷺ بصيام عاشوراء، يوم العاشر". وقال بعض أهل العلم: قوله ﷺ في صحيح مسلم: "لئن عشت إلى قابل لأصومنّ التاسع" يحتمل أمرين: "أحدهما": أنه أراد نقل العاشر إلى التاسع. و"الثاني": أراد أن يضيفه إليه في الصوم، فلما توفّي ﷺ قبل بيان ذلك كان الاحتياط صوم اليومين، وعلى هذا فصيام عاشوراء على ثلاث مراتب: أدناها أن يصام وحده، وفوقه أن يصام التاسع معه، وفوقه أن يصام التاسع والحادي عشر. (١) واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): استدلّ بحديث الباب على صحة الصيام لمن لم ينوه من الليل، سواء كان رمضان، أو غيره؛ لأنه ﷺ -أمر بالصوم في أثناء النهار، فدلّ على أن النيّة لا تشترط من الليل. قال الحافظ: وأجيب بأن ذلك يتوقّف على أن صيام عاشوراء كان واجبًا، والذي يترجّح من أقوال العلماء أنه لم يكن فرضًا، وعلى تقدير أنه كان فرضًا، فقد نسخ بلا ريب، فنسخ حكمه، وشرائطه بدليل قوله: "من أكل فليتمّ"، ومن لا يشترط النيّة من الليل لا يجيز صيام من أكل من النهار. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "والذي يترجح من أقوال العلماء أنه لم يكن فرضًا"، إن أراد كونه مذهب الجمهور، فمسلم، وإن أراد أنه راجح من حيث الدليل فلا؛ لأن الذي يترجح بالأدلة الواضحة كونه فرضًا، لكنه نسخ برمضان. وقد ذكر الحافظ نفسه ما يناقض كلامه المذكور، فقال عند شرح حديث معاوية ﵁ "ولم يكتب اللَّه عليكم صيامه": ما ملخّصه: ويؤخذ من مجموع الأحاديث أنه كان واجبًا؛ لثبوت الأمر بصومه، ثم تأكُّد الأمر بذلك، ثم زيادة التأكيد بالنداء العامّ، ثم زيادته بأمر من أكل بالإمساك، ثم زيادته بأمر الأمهات أن لا يُرضعن فيه الأطفال، وبقول ابن مسعود الثابت في مسلم:

стр. 11533

"لما فُرض رمضان تُرك عاشوراء"، مع العلم بأنه ما ترك استحبابه، بل هو باق، فدلّ على أن المتروك وجوبه. وأما قول بعضهم: المتروك تأكد استحبابه، والباقي مطلق استحبابه، فلا يخفى ضعفه، بل تأكد استحبابه باق، ولا سيما مع استمرار الاهتمام به حتى في عام وفاته ﷺ ، حيث يقول: "لئِن عشت لأصومنّ التاسع والعاشر"، ولترغيبه في صومه، وأنه يكفّر سنة، وأيّ تأكيد أبلغ من هذا؟ انتهى. فتبيّن بهذا أن الصواب أن صوم عاشوراء كان فرضًا، ثم نسخ بفرض رمضان. واللَّه تعالى أعلم. قال: وصرّح ابن حبيب من المالكيّة بأن ترك التبييت لصوم عاشوراء من خصائص عاشوراء، وعلى تقدير أن حكمه باق، فالأمر بالإمساك لا يستلزم الإجزاء، فيحتمل أن يكون أمر بالإمساك لحرمة الوقت، كما يؤمر من قدم من سفر في رمضان نهارًا، وكما يؤمر من أفطر يوم الشكّ، ثم رأى الهلال، وكلّ ذلك لا ينافي أمرهم بالقضاء. بل ورد ذلك صريحًا في حديث أبي داود، والنسائيّ، من طريق قتادة، عن عبد الرحمن بن سلمة (١)، عن عمّه: أن أسلم أتت النبيّ ﷺ ، فقال: "صمتم يومكم هذا؟ "، قالوا: لا، قال: "فأتمّوا بقية يومكم، واقضوه". وعلى تقدير أن لا يثبت هذا الحديث في الأمر بالقضاء، فلا يتعيّن ترك القضاء، لأن من لم يدرك اليوم بكماله لا يلزمه القضاء، كمن بلغ، أو أسلم في أثناء النهار. واحتجّ الجمهور لاشتراط النية في الصوم من الليل بما أخرجه أصحاب "السنن" من حديث عبد اللَّه بن عمر، عن أخته حفصة ﵃ أن النبيّ ﷺ قال: "من لم يبيّت الصيام من الليل فلا صيام له". لفظ النسائيّ، ولأبي داود، والترمذيّ: "من لم يُجمِع الصيام قبل الفجر فلا صيام له". واختُلف في رفعه ووقفه، ورجّح الترمذيّ، والنسائيّ الموقوف، بعد أن أطنب النسائيّ في تخريج طرقه. وحكى الترمذيّ في "العلل" عن البخاريّ ترجيح وقفه. وعمل بظاهر الإسناد جماعة من الأئمة، فصحّحوا الحديث، منهم: ابن خزيمة، وابن حبّان، والحاكم، وابن حزم. وروى له الدارقطنيّ طريقًا آخر، وقال: رجالها ثقات. وأبعَدَ من خصّه من الحنفيّة بصيام القضاء والنذر، وأبعَدُ من ذلك تفرقة الطحاويّ

стр. 11534

بين صوم الفرض إذا كان في يوم بعينه، كعاشوراء، فتجزىء النيّة في النهار، أو لا في يوم بعينه، كرمضان، فلا يجزئ إلا بنيّة من الليل، وبين صوم التطوّع، فيجزىء في الليل وفي النهار. وقد تعقّبه إمام الحرمين بأنه كلام غثّ، لا أصل له. وقال ابن قُدامة: تعتبر النية في رمضان لكلّ يوم في قول الجمهور، وعن أحمد أنه يجزئه نية واحدة لجميع الشهر، وهو كقول مالك، وإسحاق. وقال زفر: يصحّ صوم رمضان في حقّ المقيم الصحيح بغير نية، وبه قال عطاء، ومجاهد. واحتجّ زفر بأنه لا يصحّ فيه غير صوم رمضان؛ لتعينه، فلا يفتقر إلى نية؛ لأن الزمن معيار له، فلا يتصوّر في يوم واحد إلا صوم واحد. وقال أبو بكر الرازيّ: يلزم قائل هذا أن يصحح صوم المغمى عليه في رمضان إذا لم يأكل، ولم يشرب؛ لوجود الإمساك بغير نيّة، قال: فإن التزمه كان مستشنعًا. وقال غيره: يلزمه أن من أخر الصلاة حتى لم يبق من وقتها إلا قدرها، فصلى حينئذ تطوعًا أنه يجزئه عن الفرض. واستدلّ ابن حزم بحديث الباب، وحديث سلمة ﵁ الآتي في الباب التالي، مرفوعًا: "من أكل، فليتمّ بقية يومه، ومن لم يكن أكل فليصم". على أن من ثبت له هلال رمضان بالنهار جاز له استدراك النية حينئذ، ويجزئه، وبناه على أن عاشوراء كان فرضًا أوّلاً، وقد أمروا أن يمسكوا في أثناء النهار، قال: وحكم الفرض لا يتغيّر. قال الحافظ: ولا يخفى ما يَرِدُ عليه مما قدمناه. وألحق بذلك من نسي أن ينوي من الليل؛ لاستواء حكم الجاهل والناسي. انتهى كلام الحافظ. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما ذهب إليه ابن حزم -رحمه اللَّه تعالى-، هو الراجح الذي يؤيّده الدليل الواضح البيّن، وما ادعاه الحافظ من أنه يَرِدُ عليه ما تقدّم غير مقبول؛ لأن ما قدمه من ترجيح عدم كون صوم عاشوراء فرضًا، غير مسلّم، فتنبّه. والحاصل أن الصوم فرضه ونفله لايصحّ إلا بنيّة من الليل، إلا ما خصّ بحديث الباب، ونحوه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 11535

٦٦ - (إِذَا لَمْ يُجْمِعْ مِنَ اللَّيْلِ، هَلْ يَصُومُ ذَلِكَ الْيَوْمَ مِنَ التَّطوُّعِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أن المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- يرى أن أمر النبيّ ﷺ بصوم يوم عاشوراء الذي في حديث الباب كان أمر استحباب، وبنى على ذلك جواز صوم التطوّع لمن لم ينو من الليل. لكن الذي يتضح من حديث الباب، وحديث الباب السابق، ونحوهما أن أمره ﷺ بصوم عاشوراء أمر وجوب، لا أمر استحباب، إذ الأمر للوجوب ما لم يصرفه صارف، ولا صارف هنا. فتأمّل. قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى- في "شرحه": والمصنف حمل الحديث على صوم النفل؛ لأن صوم عاشوراء ليس بفرض، ولكن استدلّ صاحب "الصحيح" على عموم الحكم، وذلك لأن الأحاديث تدلّ على افتراض صوم عاشوراء، من جملتها هذا الحديث، فإن هذا الاهتمام يقتضي الافتراض. وعلى هذا فالحديث ظاهر في جواز الصوم بنية من النهار في صوم الفرض. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: نعم هذا الاستدلال يتمّ، لو لم يصحّ لدينا حديث: "من لم يبيت الصيام من الليل، فلا صيام له"، وأما بعد صحته، فيحمل هذا الحديث على من كان جاهلاً بيوم الصوم مثل حال أهل صوم عاشوراء الذين أذّن فيهم بالأمر المذكور، وأما من علم ذلك، فلا بدّ من تبييت النية من الليل عملاً بالدليلين. فتنبّه. قال: وما قيل: إنه إمساك لا صوم، مردود بأنه خلاف الظاهر، فلا يصار إليه بلا دليل. نعم قد قام الدليل فيمن أكل قبل ذلك. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ليس هنا دليل يدلّ على أن من أكل لم يصحّ صومه، بل الدليل بالعكس، وهو أن صوم من أكل صحيح. فتنبّه. قال: وما قيل: إنه جاء في "سنن أبي داود" أنهم أتموا بقية اليوم، وقضوه. قلنا: هو شاهد لنا، عليكم، حيث خصّ القضاء بمن أتمّ بقية اليوم، لا بمن صام تمامه، فعلم أن من صام تمامه بنية من النهار فقد جاز صومه. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: كلام السنديّ هذا كله مبنيٌّ على نصرة مذهبه مذهب الحنفية، والحديث المذكور لا يصحّ، ولا يصلح للاحتجاج به، كما تقدّم، فكيف يُردّ به ما

стр. 11536

صحّ من أحاديث وجوب تبييت النيّة؟ فتبصّر بالإنصاف، ولا تَتَهَوَّرْ بتقليد ذوي الاعتساف. قال: لا يقال: يوم عاشوراء منسوخ، فلا يصحّ به الاستدلال؛ لأنا نقول: دلّ الحديث على شيئين: أحدهما وجوب صوم عاشوراء. والثاني: أن الصوم الواجب في يوم بعينه يصحّ بنية من نهار، والمنسوخ هو الأول، ولا يلزم من نسخه نسخ الثاني، ولا دليل على نسخه أيضًا. بقي فيه بحثٌ، وهو أن الحديث يقتضي أن وجوب الصوم عليهم ما كان معلومًا من الليل، وإنما عُلم من النهار، وحينئذ صار اعتبار النية من النهار في حقّهم ضروريا؛ كما إذا شهد الشهود بالهلال يوم الشكّ، فلا يلزم جواز الصوم بنية من النهار بلا ضرورة، وهو المطلوب. واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام السنديّ. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا البحث الأخير هو محطّ الأنظار لكلّ منصف، ولذا لم يتعرّض السنديّ لدفعه، حيث عَلِم أنه دليل مُفحِم. والحاصل أن الحقّ أنه لا يصحّ الصوم إلا بنية من الليل؛ لحديث حفصة ﵂ الآتي بعد باب، إلا لمن كان على مثل حال هؤلاء الذين بين حالهم حديثُ سلمة بن الأكوع ﵁، من الجهل بوجوب الصوم من الليل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٣٢١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, عَنْ يَزِيدَ, قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ لِرَجُلٍ: "أَذِّنْ" -يَوْمَ عَاشُورَاءَ- "مَنْ كَانَ أَكَلَ, فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ, وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَكَلَ, فَلْيَصُمْ"). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (محمد بن المثنى) بن عُبيد المعروف بالزَّمِنُ، أبو موسى الْعَنَزيّ البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٦٤/ ٨٠. ٢ - (يحيى) بن سعيد القطان المذكور قبل باب، وكذا الباقيان تقدّما قبل بابين. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من رباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (١٢٥) من رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن شيخه أحد المشايخ التسعة الذين يروي عنهم الجماعة بلا واسطة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ يَزِيدَ) بن أبي عُبيد، مولى سلمة بن الأكوع، أنه (قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ) بن عمرو

стр. 11537

ابن الّأكواع ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: لِرَجُلٍ: أَذِّنْ") من التأذين، ويحتمل أن يكون من الإيذان، فيكون بمدّ الهمزة. وفي رواية للشيخين: "بعث رسول اللَّه ﷺ رجلاً من أسلم، يوم عاشوراء، فأمره أن يؤذّن في الناس … ". قال في "الفتح": واسم هذا الرجل هند بن أسماء بن حارثة الأسلميّ، له ولأبيه، ولعمه هند بن حارثة صحبة، أخرج حديثه أحمد، وابن أبي خيثمة من طريق ابن إسحاق: حدثني عبد اللَّه بن أبي بكر، عن حبيب بن هند بن أسماء الأسلميّ، عن أبيه، قال: بعثني النبيّ ﷺ إلى قومي من أسلم، فقال: "مُرْ قومك أن يصوموا هذا اليوم، يوم عاشوراء، فمن وجدته منهم قد أكل في أول يومه، فليصم آخره". ورى أحمد أيضًا من طريق عبد الرحمن بن حرملة، عن يحيى بن هند، قال: وكان هند من أصحاب الحُدَيبية، وأخوه الذي بعثه رسول اللَّه ﷺ يأمر قومه بالصيام يوم عاشوراء. قال: فحدّثني يحيى بن هند، عن أسماء بن حارثة أن رسول اللَّه ﷺ بعثه، فقال: "مر قومك بصيام هذا اليوم"، قال: أرأيت إن وجدتهم قد طَعِمُوا؟ قال: "فليتمّوا آخر يومهم". قال الحافظ: فيحتمل أن يكون كلّ من أسماء، وولده هند أُرسلا بذلك. ويحتمل أن يكون أطلق في الرواية الأولى على الجدّ اسم الأب، فيكون الحديث من رواية حبيب ابن هند، عن جدّه أسماء، فتتحد الروايتان. واللَّه أعلم انتهى. (- يَوْمَ عَاشُورَاءَ-) متعلّق بـ"أذّن" (مَنْ كَانَ أَكَلَ، فَلْيُتِمّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ) ولفظ مسلم: "فليُتمّ صيامه إلى الليل"، وهو صريح في أن صومه بقية يومه صوم لكله، وإن تقدمه أكل، أو شرب، أو نحوه، فهو بمنزلة من أكل، أو شرب ناسيًا، فإن صومه صحيح بإجماع، ومن تأوله بأن المراد مجرد الإمساك لحرمة اليوم، فقد حمّله ما لا يتحمّله من دون ضرورة تُلجِىء إليه. واللَّه تعالى أعلم. (وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَكَلَ، فَليَصُمْ) قال النوويّ: احتجّ أبو حنيفة ﵀ بهذا الحديث لمذهبه أن صوم رمضان وغيره من الفرض يجوز نيته في النهار، ولا يشترط تبييتها، قال: لأنهم نووا في النهار، وأجزأهم. وقال الجمهور: لا يجوز رمضان، ولا غيره من الصوم الواجب إلا بنية من الليل، وأجابوا عن هذا الحديث بأن المراد إمساك بقية النهار، لا حقيقة الصوم، والدليل على هذا أنهم أكلوا، ثم أمروا بالإتمام، وقد وافق أبو حنيفة وغيره على أن شرط إجزاء النية في النهار في الفرض والنفل أن لا يتقدمها مفسد للصوم من أكل أو غيره. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الجواب فيه نظر لا يخفى، إذ هو مخالف لظاهر النصّ، فالنبيّ ﷺ يقول: "فليتمّ صيامه إلى الليل"، فيُثبِت كونه صومًا صحيحًا، بنصه

стр. 11538

الصريح، وهو إنما بعث لتبيين الحقائق الشرعيّة، وهم يقولون: ليس صومًا صحيحًا، إن هذا لشيءٌ عُجاب. والحاصل أن الصواب أن هذا الصوم صحيح، وجاز بنية من النهار للعذر بالجهل به، كما تقدّم. واللَّه تعالى أعلم. قال: وجواب آخر أن صوم عاشوراء لم يكن واجبًا عند الجمهور، وإنما كان سنة متأكدة. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد قدّمنا أن الصحيح كون صوم عاشوراء فرضًا، ثم نسخ، لظواهر النصوص. واللَّه تعالى أعلم. قال: وجواب ثالث أنه ليس فيه أنه يجزيهم، ولا يقضونه، بل لعلهم قضوه، وقد جاء في سنن أبي داود في هذا الحديث: "فأتموا بقية يومكم، واقضوه". انتهى كلام النوويّ. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "لعلهم قضوه" غير صحيح، فمن أين هذا الظنّ؟، والزيادة التي ذكرها من "سنن أبي داود" غير صحيحة، كما تقدم بيان ذلك. والحاصل أن صوم من لم يعلم يكون اليوم من رمضان، ثم تبين له في أثناء النهار أنه منه، فليتم يومه صائمًا سواء تقدّم له أكل ونحوه، أو لم يتقدم، فيكون صومه صحيحًا مجزئًا عن فرضه؛ لحديث الباب وغيره، فيكون كمن أكل، أو شرب ناسيًا، فإن صومه صحيح تامّ بلا خلاف. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث سلمة ﵁ هذا متفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٦٦/ ٢٣٢١ - وفي "الكبرى" ٦٦/ ٢٦٣٠. وأخرجه (خ) في "الصوم" ١٩٢٤ و ٢٠٠٧ وفي "أخبار الآحاد" ٧٢٦٥ (م) في "الصيام" ١١٣٥ (أحمد) في "مسند المدنيين" ١٦٠٧٢ (الدارميّ) في "الصوم" ١٧٦١. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 11539

٦٧ - (النِّيَّةُ فِي الصِّيَامِ، والاخْتِلَافُ عَلَى طَلْحَةَ بْنِ يَحيىَ بْنِ طَلْحَةِ فِي خَبَرِ عَائِشَةَ فِيهِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه الاختلاف المذكور أن أبا الأحوص، وشَريكًا، وسفيان في رواية رووه عن طلحة، عن مجاهد، عن عائشة ﵂. ورواه سفيان، في رواية، ويحيى القطّان، ووكيع، ثلاثتهم عن طلحة، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة ﵂. ورواه القاسم بن مَعْن في رواية، عن طلحة بن يحيى، عن عائشة بنت طلحة، ومجاهد كلاهما عن عائشة ﵂. ورواه القاسم في رواية، عن طلحة، عن مجاهد، وأم كلثوم: أن رسول اللَّه ﷺ دخل على عائشة، مرسلاً. والظاهر أن مثل هذا الاختلاف لا يضرّ كما في نظائره. وقد رجّح مسلم طريق طلحة ابن يحيى، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة ﵂، فأخرجها في "صحيحه". واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٣٢٢ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ يُوسُفَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ, عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ, عَنْ مُجَاهِدٍ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا, فَقَالَ: «هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟». فَقُلْتُ: لَا, قَالَ: «فَإِنِّي صَائِمٌ» , ثُمَّ مَرَّ بِي بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ, وَقَدْ أُهْدِيَ إِلَيَّ حَيْسٌ, فَخَبَأْتُ لَهُ مِنْهُ, وَكَانَ يُحِبُّ الْحَيْسَ, قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِنَّهُ أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ, فَخَبَأْتُ لَكَ مِنْهُ, قَالَ: «أَدْنِيهِ, أَمَا إِنِّي قَدْ أَصْبَحْتُ, وَأَنَا صَائِمٌ» , فَأَكَلَ مِنْهُ, ثُمَّ قَالَ: «إِنَّمَا مَثَلُ صَوْمِ الْمُتَطَوِّعِ, مَثَلُ الرَّجُلِ, يُخْرِجُ مِنْ مَالِهِ الصَّدَقَةَ, فَإِنْ شَاءَ أَمْضَاهَا, وَإِنْ شَاءَ حَبَسَهَا»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عمرو بن منصور) أبو سعيد النسائيّ، ثقة ثبت [١١] ١٠٨/ ١٤٧. ٢ - (عاصم بن يوسف) اليربوعيّ، أبي عمرو الخيّاط الكوفيّ، ثقة، من كبار [١٠]. قال أبو حاتم: لقيته، ولم أسمع منه. وقال الدارقطنيّ: ثقة. وقال أبو بكر البزّار: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال محمد بن عبد اللَّه الحضرميّ: مات

стр. 11540

سنة (٢٢٠) وكان ثقة. روى له البخاريّ، والترمذيّ، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث برقم ٢٣٢٢ و ٣٦٢٣ و ٤٠٨٩. ٣ - (أبو الأحوص) سلام بن سُليم الحنفيّ مولاهم الكوفيّ، ثقة متقن [٧] ٧٩/ ٩٦. ٤ - (طلحة بن يحيى بن طلحة) المدنيّ، نزيل الكوفة، صدوق يخطئ [٦] ٣٦/ ٥٨٠. ٥ - (مجاهد) بن جبر المخزوميّ مولاهم، أبو الحجّاج المكيّ، ثقة فقيه إمام [٣] ٢٧/ ٣١. ٦ - (عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فنسائي، ومجاهد، فمكيّ، والصحابية، فمدنيّة. (ومنها): أن فيه عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا، فَقَالَ: "هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟) وفي نسخة: "من شيء"، أي مما يُؤكل (فَقُلْتُ: لَا، قَالَ: "فَإِنِّي صَائِمٌ") فيه دليل على جواز صوم التطوّع بنية من النهار، وبه قال كثير من أهل العلم، وقد تقدّم الكلام عليه في الباب الماضي. (ثُمَّ مَرَّ بِي بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَقَدْ أُهْدِيَ) بالبناء للمفعول (إِلَيَّ حَيْسٌ) بفتح الحاء المهملة، وسكون التحتانيّة: هو شيء يُتّخذ من تمر، وسَمْن، وأُقِطِ. وقال الفيّوميّ: تمر يُنزَع نواه، ويُدَقّ مع أَقِطٍ، وُيعجنان بالسمن، ثم يُدلك باليد حتى يبقى كالثريد، وربما جُعل معه سويقٌ، وهو مصدرٌ في الأصل، يقال: حاسَ الرجلُ حَيْسًا، من باب باع: إذا اتخذ ذلك انتهى. (فَخَبَأْتُ لَهُ مِنْهُ) أي أفردت له بعضه، وتركته مستورًا عن أعين الناس (وَكَانَ يُحِبّ الْحَيْسَ، قَالَتْ) وفي نسخة: "قلت" (يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ، فَخَبَأْتُ لَكَ مِنْهُ، قَالَ: "أَدْنِيهِ") أمر من الإدناء، أي قرّبيه (أَمَا) أداة استفتاح، وتنبيه، مثل "ألا" (إِنِّي قَدْ أَصْبَحْتُ، وأَنَا صَائِمٌ، فَأَكَلَ مِنْهُ) وهذا يدلّ على جواز الفطر للصائم المتطوّع بلا عذر، وهو مذهب الجمهور، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى.

стр. 11541

(ثُمَّ قَالَ: "إِنَّمَا مَثَلُ صَوْمِ الْمُتَطَوَّعِ) وفي نسخة: "إنما مثل التطوّع" (مَثَلُ الرَّجُلِ، يُخْرِجُ مِنْ مَالِهِ الصَّدَقَةَ، فَإِنْ شَاءَ أَمْضَاهَا، وَإِنْ شَاءَ حَبَسَهَا") ظاهر رواية المصنّف يدلّ على أن قوله: "إنما مثل صوم المتطوّع الخ" من كلام النبيّ ﷺ لكن في "صحيح مسلم" ما يدلّ على أنه من كلام مجاهد، ولفظه من طريق عبد الواحد بن زياد، عن طلحة بن يحيى: "قال طلحة: فحدثت مجاهدًا بهذا الحديث، فقال: ذاك بمنزلة الرجل يُخرج الصدقة من ماله، فإن شاء أمضاها، وإن شاء أمسكها" انتهى. وصحح رفع هذه الزيادة بعض أهل العلم (١)، وقال: إن الرواي قد يرفع الحديث تارة، ويوقفه أخرى، فإذا صحّ السند بالرفع بدون شذوذ كما هنا، فالحكم له، ولذلك قالوا: زيادة الثقة مقبولة انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: كون الزيادة مرفوعة هو الظاهر، ولا ينافيها وقف من وقفها، إذ المرفوع، روايته، والموقوف فتواه، رواه لبعض الناس، وأفتى به بعضَ الناس، فلا تنافي بينهما. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عائشة ﵂ هذا أخرجه مسلم دون قوله: "إنما مثل الخ". (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٦٧/ ٢٣٢٢ و ٢٣٢٣ و ٢٣٢٤ و ٢٣٤٥ و ٢٣٢٦ و ٢٣٢٧ و ٢٣٢٨ و ٢٣٢٩ و ٢٣٣٠ - وفي "الكبرى" ٦٧/ ٢٦٣١ و ٢٦٣٢ و ٢٦٣٣ و ٢٦٣٤ و ٢٦٣٥ و ٢٦٣٦ و ٢٦٣٧ و ٢٦٣٨ و ٢٦٣٩. وأخرجه (م) في "الصيام" ١١٥٤ (د) في "الصوم" ٢٤٥٥ (ت) في "الصوم" ٧٣٣ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٣٧٠٠ و ٢٥٢٠٣. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو جواز صوم التطوّع بنيّة من النهار (ومنها): جواز الفطر للمتطوّع متى شاء، ولو بلا عذر (ومنها): ما كان عليه النبيّ ﷺ من التقلّل من الدنيا زهدًا في ملذات الدنيا الفانية، وإيثارًا لما عند اللَّه، من نعيم الآخرة: قال اللَّه تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ (ومنها): ما كان عليه

стр. 11542

الصحابة ﵃ من مواساة رسول اللَّه ﷺ بما عندهم من طيبات الطعام (ومنها): ما كان عليه النبيّ ﷺ من قبول الهدية (ومنها): ضرب المثل للتقريب إلى الأذهان (ومنها): أن من أخرج شيئًا من ماله للتصدق به، ثم بدا له أن لا يتصدّق، فله ذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف العلماء في حكم فطر الصائم المتطوّع: ذهبت طائفة إلى جواز الفطر لمن كان صائمًا تطوعا، ولا قضاء عليه. وبه قال عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وجابر، وحذيفة، وأبو الدرداء، والثوريّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق. واحتجّوا بحديث الباب، وبما رواه البخاريّ في"صحيحه" من طريق أبي العُمَيس، عن عون ابن أبي جحيفة، عن أبيه، قال: آخى النبي ﷺ بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء مُتَبَذِّلَه، فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء، ليس له حاجة في الدنيا، فجاء أبو الدرداء، فصنع له طعاما، فقال: كل، قال: فإني صائم، قال: ما أنا بآكل حتى تأكل، قال: فأكل، فلما كان الليل، ذهب أبو الدرداء يقوم، قال: نَمْ، فنام، ثم ذهب يقوم، فقال: ثم، فلما كان من آخر الليل، قال سلمان: قم الآن، فصليا، فقال له سلمان: إن لربك عليك حقا، ولنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه، فأتى النبي ﷺ ، فذكر ذلك له، فقال النبي ﷺ :"صدق سلمان". وبما رواه الترمذيّ، والنسائيّ، والدارقطنيّ، والبيهقيّ، عن أم هانئ، قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "الصائم المتطوّع أمير نفسه، إن شاء صام، وإن شاء أفطر". قال النوويّ في "شرح المهذّب": ألفاظ رواياتهم متقاربة المعنى، وإسنادها جيّد (١). وقال الترمذيّ: في إسناده مقال. ومن حجتهم حديث أم هانئ: أنها دخلت على النبيّ ﷺ ، وهي صائمة، فدعا بشراب، فشرب، ثم ناولها، فشربت، ثم سألته عن ذلك، فقال: "أكنت تقضين يوما من رمضان؟ "، قالت: لا، قال: "فلا بأس"، وفي رواية: "إن كان من قضاء، فصومي مكانه، وان كان تطوعا، فإن شئت فاقضه، وإن شئت فلا تقضه". أخرجه أحمد، والترمذيّ، والنسائيّ. وفي إسناده هارون ابن ابنة أم هانئ، لا يعرف.

стр. 11543

ويشهد له ما أخرجه البيهقيّ، من طريق إسماعيل بن أبي أويس، عن أبيه، عن ابن المنكدر، عن أبي سعيد الخدريّ ﵁، قال: صنعتُ للنبيّ ﷺ طعامًا، فلما وُضع، قال رجل: أنا صائم، فقال رسول اللَّه ﷺ : "دعاك أخوك، وتكلّف لك، أَفطِر، وصُمْ مكانه إن شئت". قال الحافظ: وإسناده حسن. وبما رواه البيهقيّ عن ابن مسعود، قال: إذا أصبحت، وأنت ناوي الصوم، فأنت بخير النظرين، إن شئت صمت، وإن شئت أفطرت". وبما رواه الدارقطنيّ، والبيهقيّ بإسناد صحيح عن جابر ﵁ أنه لم يكن يرى بإفطار المتطوّع بأسًا. وروى الشافعيّ، والبيهقيّ بإسناد صحيح عن ابن عباس ﵄ مثله. وبهذا قالت الشافعيّة، والحنابلة، وقالوا: إذا دخل في صوم التطوّع استحبّ له إتمامه، وإذا أفطر بعذر، أو بغير عذر، فلا إثم عليه، ولا يجب عليه القضاء، لكن يكره له الفطر بدون عذر، لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: في الاستدلال بهذه الآية لهذه المسألة نظر لا يخفى؛ لأن هذا الفطر بإذن من الشارع، وما كان بإذنه ليس إبطالاً، وأيضًا إن الآية عامة، والأحاديث الدالة على جواز الفطر -كحديث الباب، وكحديث سلمان ﵁ المذكور- خاصة والخاصّ يقضي على العامّ. واللَّه تعالى أعلم. قالوا: وخروجًا من خلاف من أوجب الإتمام، وإذا أفطر بعذر فلا كراهة، وعلى كل فيستحبّ قضاؤه. وذهب أبو حنيفة في ظاهر الرواية، ومالك إلى أنه يجب إتمام ما شَرَع فيه من نفل الصوم، ولا يجوز فطره بلا عذر، للآية المتقدمة، فإن أفطر بلا عذر أثم، وعليه القضاء، وإن أفطر بعذر فلا إثم عليه، ولا قضاء عند المالكية، وأوجبه الحنفيّة. قال الحافظ: وأغرب ابن عبد البرّ، فنقل الإجماع على عدم وجوب القضاء عمن أفسد صومه بعذر. واحتجّ من أوجب القضاء بما روى الترمذيّ، والنسائيّ من طريق جعفر بن بُرقان، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة، قالت: كنت أنا، وحفصة صائمتين، فعرض لنا طعام اشتهيناه، فأكلنا منه، فجاء رسول اللَّه ﷺ ، فبدرتني إليه حفصة، وكانت بنت أبيها، فقالت: يا رسول اللَّه … فذكرت ذلك، فقال: "اقضيا يومًا آخر مكانه". قال الترمذيّ: رواه ابن أبي حفصة، وصالح بن أبي الأخضر، عن الزهريّ مثل هذا. ورواه مالك، ومعمر، وزياد بن سعد، وابن عيينة، وغيرهم من الحفّاظ عن الزهريّ، عن عائشة مرسلاً، وهو أصحّ، لأن ابن جريج ذكر أنه سأل الزهريّ عنه، فقال: لم

стр. 11544

أسمع من عروة في هذا شيئا، ولكن سمعت من ناس عن بعض من سأل عائشة، فذكره، ثم أسنده كذلك. وقال النسائيّ: هذا خطأ، وقال ابن عيينة في روايته: سئل الزهريّ عنه، أهو عن عروة؟ فقال: لا. وقال الخلال: اتفق الثقات على إرساله، وشذّ من وصله. وتوارد الحفاظ على الحكم بضعف حديث عائشة هذا. وقد رواه من لا يوثق به عن مالك موصولاً ذكره الدارقطنيّ في "غرائب مالك"، وبيّن مالك في روايته، فقال: إن صيامهما كان تطوعًا. وله طريق آخر عن أبي داود، من طريق زُميل مولى عروة، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، قالت: أهدي لي ولحفصة طعام، وكنا صائمتين، فأفطرنا، ثم دخل رسول اللَّه ﷺ ، فقلنا له: يا رسول اللَّه، إنا أهديت لنا هدية، فاشتهيناها، فأفطرنا، فقال رسول اللَّه ﷺ : "لا عليكما، صوما مكانه يوما آخر". وهو حديث ضعيف؛ لأن زميلاً مجهول، وقال البخاريّ: لا يعرف لزميل سماع من عروة، ولا ليزيد سماع من زميل، ولا تقوم به الحجة. قال في "الفتح" وضعفه أحمد، والبخاريّ، والنسائيّ بجهالة حال زُميل (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الراجح عندي ما ذهب إليه الأولون؛ لحديث الباب وغيره من الأحاديث الصحيحة، وقد ذكرنا بعضها فيما مضى. والحاصل أنه يجوز للصائم المتطوّع الفطر مطلقًا، ولا قضاء عليه؛ إذ لم يصحّ دليل على وجوبه، وقد عرفت ضعف الأحاديث التي احتجّ بها الموجبون. وعلى تقدير صحتها، يحمل الأمر بالقضاء على الندب؛ جمعًا بين الأدلة. فتبصّر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٣٢٣ - (أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ, أَنْبَأَنَا شَرِيكٌ,, عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ, عَنْ مُجَاهِدٍ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: دَارَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَوْرَةً, قَالَ: «أَعِنْدَكِ شَيْءٌ» , قَالَتْ: (٢) لَيْسَ عِنْدِي شَيْءٌ, قَالَ: «فَأَنَا صَائِمٌ» , قَالَتْ: ثُمَّ دَارَ عَلَيَّ الثَّانِيَةَ, وَقَدْ أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ, فَجِئْتُ بِهِ, فَأَكَلَ, فَعَجِبْتُ مِنْهُ, فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, دَخَلْتَ عَلَيَّ, وَأَنْتَ صَائِمٌ, ثُمَّ أَكَلْتَ حَيْسًا, قَالَ: «نَعَمْ, يَا عَائِشَةُ, إِنَّمَا مَنْزِلَةُ مَنْ صَامَ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ, أَوْ غَيْرِ قَضَاءِ رَمَضَانَ, أَوْ فِي التَّطَوُّعِ, بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ, أَخْرَجَ صَدَقَةَ مَالِهِ, فَجَادَ مِنْهَا بِمَا شَاءَ, فَأَمْضَاهُ, وَبَخِلَ مِنْهَا بِمَا بَقِيَ, فَأَمْسَكَهُ»). قالَ الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أبو داود": سليمان بن سيف الحرّانيّ ثقة حافظ

стр. 11545

[١١] ١٠٣/ ١٣٦ من أفراد المصنّف. و"يزيد": هو ابن هارون. و"شريك": هو ابن عبد اللَّه النخعيّ القاضي الكوفيّ. وقولها: "ثم دار عليّ الثانية". قال السنديّ: ظاهره أنه في ذلك اليوم، والرواية السابقة صريحة في خلاف ذلك انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لا مانع من حمل القصّة على التعدد، ففي وقت دار عليها في يوم مرتين، وفي وقت آخر دار عليها في يوم آخر. والحديث صحيح، وقد تقدّم تمام البحث فيه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٣٢٤ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْهَيْثَمِ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى, عَنْ مُجَاهِدٍ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , يَجِيءُ, وَيَقُولُ: «هَلْ عِنْدَكُمْ غَدَاءٌ؟» , فَنَقُولُ: لَا. فَيَقُولُ: «إِنِّي صَائِمٌ» , فَأَتَانَا يَوْمًا, وَقَدْ أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ, فَقَالَ: «هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟» , قُلْنَا: نَعَمْ, أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ, قَالَ: «أَمَا إِنِّي قَدْ أَصْبَحْتُ, أُرِيدُ الصَّوْمَ» , فَأَكَلَ. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عبد اللَّه بن الهيثم" بن عثمان، ويقال: ابن محمد بن الهيثم العبديّ، أبو محمد البصريّ، نزيل الرّّقَّة، لا بأس به [١١]. قال النسائيّ: ثقة. وقال الخطيب: كان ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: سكن الجزيرة، ومات بناحية فارس سنة (٢٦١) وقال محمد بن سعيد الحرّانيّ: مات بالشام. انفرد به المصنّف، وله عنده أربعة أحاديث، برقم ٢٣٢٤ و ٢٥٦٠ و ٤٨٥٣ و ٥٥٩٧. و"أبو بكر الحنفيّ": هو عبد الكبير بن عبد المجيد. [تنبيه]: قوله: "الحنفيّ"- بحاء مهملة، ونون- هكذا وقع في معظم نسخ "المجتبى"، وهو الصواب (١)، ووقع في "الكبرى"، وبعض نسخ "المجتبى": "الخيفيّ" -بخاء بعجمة، وياء مثناة تحتانيّة- وهو غَلَطٌ فاحش، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. و"سفيان": هو الثوريّ. والحديث صحيح وقد تقدم تمام البحث فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وقول المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-:

стр. 11546

(خَالَفَهُ قَاسِمُ بْنُ يَزِيدَ) أي خالف أبا بكر الحنفي قاسمُ بنُ يزيد في روايته عن سفيان، فجعله عن طلحة، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة، بدل طلحة، عن مجاهد، عن عائشة، كما بيّنه بقوله: ٢٣٢٥ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا قَاسِمٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى, عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ, عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ, قَالَتْ: أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا, فَقُلْنَا أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ, قَدْ جَعَلْنَا (١) لَكَ مِنْهُ نَصِيبًا, فَقَالَ: «إِنِّي صَائِمٌ, فَأَفْطَرَ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أحمد بن حرب": هو الطائيّ الموصليّ، صدوق [١٠] ١٠٢/ ١٣٥. من أفراد المصنّف. و"قاسم": هو ابن يزيد الجرميّ، أبو يزيد الموصليّ، ثقة عابد [٩] ١٠٢/ ١٣٥. من أفراد المصنّف أيضًا. و"عائشة بنت طلحة" بن عُبيد اللَّه التيمية، أم عمران، عمة طلحة بن يحيى الراوي عنها، كانت فائقة الجمال، وهي ثقة [٣] ٥٦/ ١٩٤٧. والحديث صحيح، وقد سبق تمام البحث فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٣٢٦ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ بِنْتُ طَلْحَةَ, عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , كَانَ يَأْتِيهَا, وَهُوَ صَائِمٌ, فَقَالَ: «أَصْبَحَ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ, تُطْعِمِينِيهِ؟» , فَنَقُولُ (٢): لَا. فَيَقُولُ: «إِنِّي صَائِمٌ» , ثُمَّ جَاءَهَا بَعْدَ ذَلِكَ, فَقَالَتْ: أُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّةٌ, فَقَالَ: «مَا هِيَ؟» , قَالَتْ (٣): حَيْسٌ, قَالَ: «قَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا» , فَأَكَلَ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عمرو بن عليّ": هو الفلاّس. و"يحيى": هو القطّان. وقولها: "فقال: أصبح" هكذا بهمزة واحدة، وهو بتقدير همزة الاستفهام. ووقع في "الكبرى": فيقول: "أأصبح" بهمزتين. وقوله: "تُطعمينيه" بضم حرف المضارعة، من الإطعام. والحديث صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

стр. 11547

٢٣٢٧ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا وَكِيعٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى, عَنْ عَمَّتِهِ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ, عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ, قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , ذَاتَ يَوْمٍ, فَقَالَ: «هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟» , قُلْنَا: لَا. قَالَ: «فَإِنِّي صَائِمٌ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "إسحاق": هو المعروف بـ"ابن راهويه. وقولها: "ذات يوم" أي يوما من الأيام. والحديث صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٣٢٨ - (أَخْبَرَنِي (١) أَبُو بَكْرِ بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي, عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مَعْنٍ, عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى, عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ, وَمُجَاهِدٍ, عَنْ عَائِشَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَاهَا, فَقَالَ: «هَلْ عِنْدَكُمْ طَعَامٌ؟» , فَقُلْتُ (٢): لَا, قَالَ: «إِنِّي صَائِمٌ» , ثُمَّ جَاءَ يَوْمًا آخَرَ, فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِنَّا قَدْ أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ, فَدَعَا بِهِ, فَقَالَ: «أَمَا إِنِّي قَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا» , فَأَكَلَ). قالَ الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أبو بكر بن عليّ": هو أحمد بن عليّ بن سعيد المروزيّ، الثقة الحافظ [١٢] ١/ ٢٠٩٤ من أفراد المصنّف. و"نصر بن عليّ": هو ابن نصر بن عليّ الجهضميّ البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٢٠/ ٣٨٦. و"عليّ بن نصر" بن عليّ بن صُهبان بن أُبيّ الْجَهضميّ الحُدَّانيّ الأزديّ، أبو الحسن البصريّ الكبير، ثقة من كبار [٩]. قال أحمد بن حنبل: صالح الحديث، أثبت من أبي معاوية. وقال ابن معين، والنسائيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: ثقة صدوق. وقال صالح بن محمد: صدوق. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال محمد بن عبد اللَّه الحضرميّ، وأبو حاتم بن حبّان: مات سنة (١٨٧). روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديثان فقط: هذا ٢٣٢٨ وفي "كتاب الأشربة" ٥٦٠٧ حديث: "كل مسكر حرام". و"القاسم بن مَعن" المسعوديّ الكوفيّ، أبو عبد اللَّه القاضي، ثقة فاضل [٧] ٩٠/ ١١٩٩. والحديث صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

стр. 11548

٢٣٢٩ - (أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ الْحَارِثِ, قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعَافَى بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ, عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى, عَنْ مُجَاهِدٍ,, وَأُمِّ كُلْثُومٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ, فَقَالَ: «هَلْ عِنْدَكُمْ طَعَامٌ؟» , نَحْوَهُ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عمرو بن يحيى بن الحارث" الحمصيّ الزَّنْجَانيّ (١)، ثقة [١٢]. قال النسائيّ: ثقة. وقال في موضع آخر: لا بأس به. وهو من أفراده، روى عنه في هذا الكتاب سبعة عشر حديثًا. و"الْمُعَافَى بن سليمان" الجزريّ، أبو محمد الرَّسْعَنِيّ، صدوق [١٠] ١٠/ ١١٩٩. و"القاسم" بن مَعْن المذكور في السند السابق. و"أم كلثوم" بنت أبي بكر الصديق المدنيّة، توفي أبوها، وهي حمل، ثقة [٢] ٢١/ ٥٣٦. والحديث سبق الكلام فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وقوله: (قَالَ: أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ: وَقد رَوَاهُ سِمَاكُ بنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلحَةَ) يعني أن هذا الحديث رواه سماك بن حرب، فخالف، فرواه عن رجل أبهمه، عن عائشة بنت طلحة، ثم بين طريق سماك، بقوله: ٢٣٣٠ - (أَخْبَرَنِي صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو, قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ, عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ, عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ, عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ, قَالَتْ: جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا, فَقَالَ: «هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ طَعَامٍ؟» , قُلْتُ: لَا. قَالَ: «إِذًا أَصُومَ» , قَالَتْ: وَدَخَلَ عَلَيَّ مَرَّةً أُخْرَى, فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, قَدْ أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ, فَقَالَ: «إِذًا أُفْطِرَ الْيَوْمَ, وَقَدْ فَرَضْتُ الصَّوْمَ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "صفوان بن عمرو" الحمصيّ الصغير، صدوق [١١]. قال النسائيّ: لا بأس به. ووثّقه مسلمة بن قاسم. تفرّد به المصنّف، روى عنه حديثين فقط: هذا ٢٣٣٠ وفي "كتاب النكاح" ٢٨٤١. و"أحمد بن خالد" الوهبيّ الكنديّ، أبو سعيد، صدوق [٩] ٥٦/ ٢٣٠٠. و"إسرائيل": هو ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعيّ الكوفيّ الثقة [٧] ٧٥/ ١٠٠٦. و"سماك بن حرب" بو المغيرة الكوفيّ، صدوق تغيّر بآخره، فربما تلقّن [٤] ٢/ ٣٢٥.

стр. 11549

وقوله: "وقد فَرَضتُ" أي نويتُ. قال السنديّ: وقد يؤخذ منه أنه يلزم بالنية مع الشروع هو أو بدله، وهو القضاء. انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: استدلال السنديّ هذا غريب، فكيف فهمه من هذا الحديث؟، فأين موضع الاستدلال، إن هذا لشيء عجيب!!!. وهذا الحديث في سنده مبهم، لكن يشهد له ما تقدّم، فيصحّ به. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٦٨ - (ذِكْرُ اخْتِلَافِ النَّاقِلِينَ لِخَبَرِ حَفْصَةَ فِي ذَلِكَ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: اسم الإشارة يعود إلى ما تقدم من النية في الصيام. ووجه الاختلاف المذكور أن رواة الزهريّ اختلفوا عليه، فرواه عنه عبد اللَّه بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وابنُ جريج، عن سالم، عن عبد اللَّه بن عمر، عن حفصة أم المؤمنين ﵃، عن النبيّ ﷺ . ورواه عبد اللَّه بن أبي بكر أيضا عن سالم بن عبد اللَّه، فأسقط الزهريّ. ورواه عبيد اللَّه بن عمر، عن الزهريّ، عن سالم، عن أبيه، عن حفصة ﵂ قولَها. ورواه يونس، ومعمر، وابن عيينة، ثلاثتهم عن الزهريّ، عن حمزة بن عبد اللَّه بن عمر، عن أبيه، عن حفصة ﵂ قولَها. ورواه مالك، عن الزهريّ، عن عائشة، وحفصة ﵂ قولَهما، منقطعًا. وقال الإمام الحافظ أبو الحسن الدارقطنيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "سننه" -بعد أن ساق الحديث من طريق عبد اللَّه بن أبي بكر، عن سالم، عن ابن عمر، عن حفصة مرفوعًا، وعن ابن شهاب عن سالم، عن أبيه، عن حفصة مرفوعًا أيضًا-: ما نصه: رفعه عبد اللَّه ابن أبي بكر، عن الزهريّ، وهو من الثقات الرُّفَعَاء. واختُلِف على الزهريّ في إسناده، فرواه عبد الرزاق، عن عمر، عن الزهريّ، عن سالم، عن أبيه، عن حفصة من قولها، وتابعه الزُّبيديّ، وعبد الرحمن بن إسحاق، عن

стр. 11550

الزهريّ. وقال ابن المبارك، عن معمر، وابنِ عيينة، عن الزهريّ، عن حمزة بن عبد اللَّه، عن أبيه، عن حفصة. وكذلك قال بشر بن المفضّل، عن عبد الرحمن بن إسحاق. وكذلك قال إسحاق بن راشد، وعبد الرحمن بن خالد، عن الزهريّ. وغيرُ ابن المبارك يرويه، عن ابن عيينة، عن الزهريّ، عن حمزة، واختلف عن ابن عيينة في إسناده. وكذلك قال ابن وهب، عن يونس، عن الزهريّ. وقال ابن وهب أيضًا، عن يونس، عن الزهريّ، عن سالم، عن ابن عمر قولَه. وتابعه عبد الرحمن بن نَمِر، عن الزهريّ. وقال الليث، عن عقيل، عن الزهريّ، عن سالم أن عبد اللَّه، وحفصة قالا ذلك. ورواه عبيد اللَّه بن عمر، عن الزهريّ، واختلف عنه. انتهى كلام الحافظ الدراقطنيّ (١). وقال الحافظ في "التلخيص الحبير": واختَلَف الأئمة في رفعه، ووقفه، فقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: لا أدري أيهما أصحّ. -يعني رواية يحيي بن أيوب، عن عبد اللَّه بن أبي بكر، عن سالم بغير واسطة الزهريّ، كما هي رواية النسائيّ في أول الباب- لكن الوقف أشبه. وقال أبو داود: لا يصحّ رفعه. وقال الترمذيّ: الوقف أصحّ. ونقل في "العلل" عن البخاريّ أنه قال: هو خطأ، وهو حديث فيه اضطراب، والصحيح عن ابن عمر موقوف. وقال النسائيّ: الصواب عندي موقوف، ولم يصحّ رفعه (٢). وقال أحمد: ما له عندي ذلك الإسناد. وقال الحاكم في "الأربعين": صحيح على شرط الشيخين، وقال في "المستدرك": صحيح على شرح البخاريّ. وقال البيهقيّ: رواته ثقات إلا أنه روي موقوفًا. وقال الخطّابيّ: أسنده عبد اللَّه بن أبي بكر، وزيادة الثقة مقبولة. وقال ابن حزم: الاختلاف فيه يزيد الخبر قوّة. وقال الدارقطنيّ: كلهم ثقات انتهى كلام الحافظ (٣). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن كونه مرفوعًا أرجح؛ لكونه زيادة ثقة مقبولة، ولأن الموقوف في مثل هذا له حكم الرفع، لأنه لا يُدرَك بالرأي، فيحمل على أن الرفع رواية حفصة، والوقف فتواها، فتارة تروي عن النبيّ ﷺ ، وتارة تفتي بنفسها

стр. 11551

معتمدة على ما روته عن النبيّ ﷺ . قال أبو محمد ابن حزم -رحمه اللَّه تعالى- بعد أن ساق رواية ابن جريج، عن ابن شهاب، من طريق المصنّف- (١): ما نصّه: وهذا إسناد صحيح، ولا يضرّ إسنادَ ابن جريج له أَنْ وقفه معمر، ومالك، وعبيد اللَّه، ويونس، وابن عيينة، فابن جريج لا يتأخر عن أحدٍ من هؤلاء في الثقة والحفظ، والزهريُّ واسع الرواية، فمرّة يرويه عن سالم، عن أبيه، ومرّة عن حمزة، عن أبيه، وكلاهما ثقة، وابن عمر كذلك مرّة رواه مسندًا، ومرّة روى أن حفصة أفتت به، ومرّة أفتى هو به، وكلّ هذا قوّة للخبر. انتهى كلام ابن حزم (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: كان الأولى لابن حزم أن لا يقتصر على رفع ابن جريج فقط، إذ يوهم تفرّده برفعه، فقد رفعه أيضًا عبد اللَّه بن أبي بكر من الثقات الرفعاء، كما قال الدارقطنيّ، ومن الغريب أن رواية عبد اللَّه بن أبي بكر عند المصنّف قبل رواية ابن جريج التي ساقها ابن حزم من طريق المصنّف، فلماذا تعدّاها؟. والحاصل أن الحديث صحيح مرفوعًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٣٣١ - (أَخْبَرَنِي الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ دِينَارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ شُرَحْبِيلَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (٣) اللَّيْثُ, عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ, عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ, عَنْ حَفْصَةَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ, قَبْلَ الْفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (القاسم بن زكريّا بن دينار) القرشيّ، أبو محمد الكوفيّ الطحّان، وربما نُسب لجدّه، ثقة [١١] ٨/ ٤١٠. ٢ - (سعيد بن شُرَحبيل) الكنديّ الْعَفِيفيّ الكوفيّ، صدوق، من قدماء [١٠]. قال الدارقطنيّ: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، قال: وروى عنه الكوفيون. قال محمد بن عبد اللَّه الحضرميّ: مات سنة (٢١٢). أخرج له البخاريّ، والمصنف، وابن ماجه، وله عند المصنف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٣ - (الليث) بن سعد بن عبد الرحمن، أبو الحارث الفهميّ مولاهم المصريّ الإمام الحجة الثبت [٧] ٣١/ ٣٥.

стр. 11552

٤ - (يحيي بن أيوب) الغافقيّ، أبو العباس المصريّ، صدوق ربما أخطأ [٧] ٦٠/ ١٧٧١. ٥ - (عبد اللَّه بن أبي بكر) بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاريّ المدنيّ القاضي، ثقة [٥] ١١٨/ ١٦٣. ٦ - (سالم بن عبد اللَّه) بن عمر العدويّ المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ٢٣/ ٤٩٠. ٧ - (عبد اللَّه بن عمر) بن الخطاب - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٢/ ١٢. ٨ - (حفصة) بنت عمر بن الخطاب، أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها -، تزوّجها النبيّ ﷺ بعد خُنيس بن حُذافة سنة ثلاث من الهجرة، وماتت سنة (٤٥) تقدّمت في ٣٩/ ٥٨٣. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من ثمانيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من عبد اللَّه بن أبي بكر، وشيخة وشيخ شيخه كوفيان، والليث ويحيى مصريان. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وصحابيّ عن صحابية، والابن عن أبيه، عن شقيقته. (ومنها): أن فيه أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وهو سالم. (ومنها): أن فيه عبد اللَّه بن عمر أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا. وفيه واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَبدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطاب - رضي اللَّه تعالى عنهما - (عَنْ) أخته (حَفْصَةَ) بنت عمر، أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنهما - (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ) -بتشديد التحتانيّة- من التبييت، أي من لم ينو الصيام من الليل، يقال: بيّت فلان رأيه: إذا فكّر فيه، وخمّره، وكلّ ما فُكّر فيه، ودُبْر بليل، فقد بُيِّتَ. قاله ابن الأثير (١) (قَبْلَ الْفَجْرِ، فَلَا صِيَامَ لَهُ") قال الشوكاني -رحمه اللَّه تعالى-: نكرة في سياق النفي، فيعمّ كلّ صيام، ولا يخرج عنه إلا ما قام الدليل على أنه لا يشترط فيه التبييت، والظاهر أن النفي متوجه إلى الصحة، لأنها أقرب المجازين إلى الذات، أو متوجه إلى نفي الذات الشرعية، فيصلح الحديث للاستدلال به على عدم صحة صوم من لا يبيّت النيّة إلا ما خُصّ كالصورة المتقدّمة. والحديث أيضًا يردّ على الزهريّ، وعطاء، وزفر؛

стр. 11553

لأنهم لم يوجبوا النية في صوم رمضان، وهو يدلّ على وجوبها. وأيضًا يدلّ على الوجوب حديث: "إنما الأعمال بالنيات". والظاهر وجوب تجديدها لكلّ يوم لأنه عبادة مستقلة مسقطة لفرض وقتها، وقد وَهِمَ من قاس أيام رمضان على أعمال الحجّ باعتبار التعدد للأفعال؛ لأن الحجّ عمل واحد، ولا يتمّ إلا بفعل ما اعتبره الشارع من المناسك، والإخلال بواحد من أركانه يستلزم عدم إجزائه انتهى كلام الشوكاني (١). وقد تقدّم بيان اختلاف العلماء، وترجيح الراجح من أقوالهم في ٦٦/ ٢٣٢١، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث حفصة ﵂ هذا صحيح، وقد تقدّم الكلام عليه أول الباب. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٦٨/ ٢٣٣١ و ٢٣٣٢ و ٢٣٣٣ و ٢٣٣٤ و ٢٣٣٥ و ٢٣٣٦ و ٢٣٣٦ و ٢٣٣٧ و ٢٣٣٨ و ٢٣٣٩ و ٢٣٤٠ و ٢٣٤١ - وفي "الكبرى" ٦٨/ ٢٦٤٠ و ٢٦٤١ و ٢٦٤٢ و ٢٦٤٣ و ٢٦٤٤ و ٢٦٤٥ و ٢٦٤٦ و ٢٦٤٧ و ٢٦٤٨ و ٢٦٤٩ و ٢٦٥٠. وأخرجه (د) في "الصوم" ٢٤٥٤ (ت) في "الصوم" ٧٣٠ (ق) في "الصيام" ١٧٠٠ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٥٩١٨ (مالك: الموطأ) في "الصوم" ٦٣٧ (الدارميّ) في "الصوم" ١٦٩٨. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٣٣٢ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي, عَنْ جَدِّي, قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ,, عَنْ سَالِمٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ, عَنْ حَفْصَةَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ, قَبْلَ الْفَجْرِ, فَلَا صِيَامَ لَهُ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير مرّة. والحديث صحيح، وقد تقدّم تمام البحث فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٣٣٣ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ, عَنْ أَشْهَبَ, قَالَ: أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ, وَذَكَرَ آخَرَ, أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ,

стр. 11554

حَدَّثَهُمَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ,,, عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, عَنْ أَبِيهِ,,, عَنْ حَفْصَةَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ, قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ, فَلَا يَصُومُ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -:"محمد بن عبد اللَّه بن عبد الحكم" المصريّ الفقيه، ثقة [١١] ١٢٠/ ١٦٦. من أفراد المصنّف. و"أشهب" بن عبد العزيز بن داود القيسيّ، أبو عمرو المصريّ، يقال: اسمه مسكين، ثقة فقيه [١٠] ١٥١/ ٢٤٢. وقوله: "وذكر آخر" أي ذكر أشهب مع يحيى بن أيوب شيخا آخر، وهو عبد اللَّه بن لهيعة، كما بينه أبو داود من طريق عبد اللَّه بن وهب، حدثني ابن لهيعة، ويحيى بن أيوب، عن عبد اللَّه بن أبي بكر بن حزم … ومنِ عادة المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- أنه إذا أراد أن يروي بسند فيه ابن لهيعة، أبهمه، وقرنه بآخر، وهكذا يصنع البخاريّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وقد تقدّم هذا البحث غير مرّة. وقوله: "من لم يُجمِع" -بضمّ حرف المضارعة، وكسر الميم- من الإجماع، أي يَعزِم عليه، وَيجمَع رأيه على ذلك. وقال ابن الأثير: الإجماع: إحكام النيّةِ والعزيمةِ، أجمعتُ الرأيَ، وأَزْمَعْتُهُ، وعَزَمْتُ عليه بمعنًى انتهى. والحديث صحيح، وقد تقدّم البحث فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٣٣٤ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الأَزْهَرِ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ, عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ,, عَنْ سَالِمٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, عَنْ حَفْصَةَ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ, فَلَا صِيَامَ لَهُ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أحمد بن الأزهر" بن منيع، أبو الأزهر العبديّ النيسابوريّ، صدوق، كان يحفظ، ثم كَبِرَ فصار كتابه أتقن من حفظه [١١] ٦٦/ ١٨٠٢. من أفراد المصنّف، وابن ماجه. و"عبد الرزاق": هو ابن همام الصنعانيّ. والحديث صحيح، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٣٣٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ, قَالَ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ اللَّهِ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ سَالِمٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ, عَنْ حَفْصَةَ, أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ: "مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ (١) مِنَ اللَّيْلِ, فَلَا يَصُومُ").

стр. 11555

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد: كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير مرّة. و"محمد بن عبد الأعلى" هو الصنعانيّ البصريّ، ثقة [١٠] ٥/ ٥. و"معتمر": هو ابن سليمان التيميّ، أبو محمد البصريّ، ثقة، من كبار [٩] ١٠/ ١٠. و"عبيد اللَّه": هو ابن عُمر العُمريّ ثقة ثبت فقيه [٥] ١٥/ ١٥. والحديث موقوف صحيح، وقد تقدّم تمام البحث فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٣٣٦ - (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ,, قَالَ: أَخْبَرَنِي حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ, عَنْ أَبِيهِ,, قَالَ: قَالَتْ: حَفْصَةُ, زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ : "لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُجْمِعْ قَبْلَ الْفَجْرِ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه سليمان، وهو الجيزيّ، أو المراديّ، وكلاهما ثقتان. و"حمزة بن عبد اللَّه بن عمر" بن الخطاب، أبو عُمارة المدنيّ، شقيق سالم، ثقة [٣]. قال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. وقال العجلي: مدنيّ تابعيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وذكره ابن المدينيّ، عن يحيى بن سعيد في فقهاء أهل المدينة، وهو شقيق سالم. روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث: هذا، وقد كرره خمس مرّات ٢٤٤٦ و ٢٣٣٧ و ٢٣٣٨ و ٢٣٣٩ و ٢٣٤٠ وفي "كتاب الزكاة" ٢٥٨٥ حديث ابن عمر مرفوعًا: "ما يزال الرجل يسأل حتى يأتي يوم القيامة .. " الحديث. و ٣٥٦٩ حديثه أيضًا: "الشؤم في الدار والمرأة والفرس". والحديث موقوف صحيح، وقد تقدّم تمام البحث فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٣٣٧ - (أَخْبَرَنِي زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عِيسَى, قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ, عَنْ حَفْصَةَ, قَالَتْ: "لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُجْمِعْ قَبْلَ الْفَجْرِ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "زكريا بن يحيى": هو السِّجْزيّ، نزيل دمشق، المعروف بـ"خيّاط السنة" الثقة الحافظ [١٢] ١٨٩/ ١١٦١ من أفراد المصنّف. و"الحسن بن عيسى" بن ما سَرْجِس، أبو عليّ النيسابوريّ، ثقة [١٠] ١٨٩/ ١١٦١. والحديث موقوف صحيح، وقد تقدّم تمام البحث فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
следующие страницы →