معتمدة على ما روته عن النبيّ ﷺ .
قال أبو محمد ابن حزم -رحمه اللَّه تعالى- بعد أن ساق رواية ابن جريج، عن ابن شهاب، من طريق المصنّف- (١): ما نصّه:
وهذا إسناد صحيح، ولا يضرّ إسنادَ ابن جريج له أَنْ وقفه معمر، ومالك، وعبيد اللَّه، ويونس، وابن عيينة، فابن جريج لا يتأخر عن أحدٍ من هؤلاء في الثقة والحفظ، والزهريُّ واسع الرواية، فمرّة يرويه عن سالم، عن أبيه، ومرّة عن حمزة، عن أبيه، وكلاهما ثقة، وابن عمر كذلك مرّة رواه مسندًا، ومرّة روى أن حفصة أفتت به، ومرّة أفتى هو به، وكلّ هذا قوّة للخبر. انتهى كلام ابن حزم (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: كان الأولى لابن حزم أن لا يقتصر على رفع ابن جريج فقط، إذ يوهم تفرّده برفعه، فقد رفعه أيضًا عبد اللَّه بن أبي بكر من الثقات الرفعاء، كما قال الدارقطنيّ، ومن الغريب أن رواية عبد اللَّه بن أبي بكر عند المصنّف قبل رواية ابن جريج التي ساقها ابن حزم من طريق المصنّف، فلماذا تعدّاها؟.
والحاصل أن الحديث صحيح مرفوعًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٣٣١ - (أَخْبَرَنِي الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ دِينَارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ شُرَحْبِيلَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (٣) اللَّيْثُ, عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ, عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ, عَنْ حَفْصَةَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ, قَبْلَ الْفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ»).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (القاسم بن زكريّا بن دينار) القرشيّ، أبو محمد الكوفيّ الطحّان، وربما نُسب لجدّه، ثقة [١١] ٨/ ٤١٠.
٢ - (سعيد بن شُرَحبيل) الكنديّ الْعَفِيفيّ الكوفيّ، صدوق، من قدماء [١٠].
قال الدارقطنيّ: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، قال: وروى عنه الكوفيون. قال محمد بن عبد اللَّه الحضرميّ: مات سنة (٢١٢). أخرج له البخاريّ، والمصنف، وابن ماجه، وله عند المصنف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٣ - (الليث) بن سعد بن عبد الرحمن، أبو الحارث الفهميّ مولاهم المصريّ الإمام الحجة الثبت [٧] ٣١/ ٣٥.
стр. 11552
٤ - (يحيي بن أيوب) الغافقيّ، أبو العباس المصريّ، صدوق ربما أخطأ [٧] ٦٠/ ١٧٧١.
٥ - (عبد اللَّه بن أبي بكر) بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاريّ المدنيّ القاضي، ثقة [٥] ١١٨/ ١٦٣.
٦ - (سالم بن عبد اللَّه) بن عمر العدويّ المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ٢٣/ ٤٩٠.
٧ - (عبد اللَّه بن عمر) بن الخطاب - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٢/ ١٢.
٨ - (حفصة) بنت عمر بن الخطاب، أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها -، تزوّجها النبيّ ﷺ بعد خُنيس بن حُذافة سنة ثلاث من الهجرة، وماتت سنة (٤٥) تقدّمت في ٣٩/ ٥٨٣. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من ثمانيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من عبد اللَّه بن أبي بكر، وشيخة وشيخ شيخه كوفيان، والليث ويحيى مصريان. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وصحابيّ عن صحابية، والابن عن أبيه، عن شقيقته. (ومنها): أن فيه أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وهو سالم. (ومنها): أن فيه عبد اللَّه بن عمر أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا. وفيه واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطاب - رضي اللَّه تعالى عنهما - (عَنْ) أخته (حَفْصَةَ) بنت عمر، أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنهما - (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ) -بتشديد التحتانيّة- من التبييت، أي من لم ينو الصيام من الليل، يقال: بيّت فلان رأيه: إذا فكّر فيه، وخمّره، وكلّ ما فُكّر فيه، ودُبْر بليل، فقد بُيِّتَ. قاله ابن الأثير (١) (قَبْلَ الْفَجْرِ، فَلَا صِيَامَ لَهُ") قال الشوكاني -رحمه اللَّه تعالى-: نكرة في سياق النفي، فيعمّ كلّ صيام، ولا يخرج عنه إلا ما قام الدليل على أنه لا يشترط فيه التبييت، والظاهر أن النفي متوجه إلى الصحة، لأنها أقرب المجازين إلى الذات، أو متوجه إلى نفي الذات الشرعية، فيصلح الحديث للاستدلال به على عدم صحة صوم من لا يبيّت النيّة إلا ما خُصّ كالصورة المتقدّمة. والحديث أيضًا يردّ على الزهريّ، وعطاء، وزفر؛
стр. 11553
لأنهم لم يوجبوا النية في صوم رمضان، وهو يدلّ على وجوبها. وأيضًا يدلّ على الوجوب حديث: "إنما الأعمال بالنيات". والظاهر وجوب تجديدها لكلّ يوم لأنه عبادة مستقلة مسقطة لفرض وقتها، وقد وَهِمَ من قاس أيام رمضان على أعمال الحجّ باعتبار التعدد للأفعال؛ لأن الحجّ عمل واحد، ولا يتمّ إلا بفعل ما اعتبره الشارع من المناسك، والإخلال بواحد من أركانه يستلزم عدم إجزائه انتهى كلام الشوكاني (١).
وقد تقدّم بيان اختلاف العلماء، وترجيح الراجح من أقوالهم في ٦٦/ ٢٣٢١، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث حفصة ﵂ هذا صحيح، وقد تقدّم الكلام عليه أول الباب.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٦٨/ ٢٣٣١ و ٢٣٣٢ و ٢٣٣٣ و ٢٣٣٤ و ٢٣٣٥ و ٢٣٣٦ و ٢٣٣٦ و ٢٣٣٧ و ٢٣٣٨ و ٢٣٣٩ و ٢٣٤٠ و ٢٣٤١ - وفي "الكبرى" ٦٨/ ٢٦٤٠ و ٢٦٤١ و ٢٦٤٢ و ٢٦٤٣ و ٢٦٤٤ و ٢٦٤٥ و ٢٦٤٦ و ٢٦٤٧ و ٢٦٤٨ و ٢٦٤٩ و ٢٦٥٠.
وأخرجه (د) في "الصوم" ٢٤٥٤ (ت) في "الصوم" ٧٣٠ (ق) في "الصيام" ١٧٠٠ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٥٩١٨ (مالك: الموطأ) في "الصوم" ٦٣٧ (الدارميّ) في "الصوم" ١٦٩٨. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣٣٢ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي, عَنْ جَدِّي, قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ,, عَنْ سَالِمٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ, عَنْ حَفْصَةَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ, قَبْلَ الْفَجْرِ, فَلَا صِيَامَ لَهُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير مرّة. والحديث صحيح، وقد تقدّم تمام البحث فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣٣٣ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ, عَنْ أَشْهَبَ, قَالَ: أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ, وَذَكَرَ آخَرَ, أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ,
стр. 11554
حَدَّثَهُمَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ,,, عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, عَنْ أَبِيهِ,,, عَنْ حَفْصَةَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ, قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ, فَلَا يَصُومُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -:"محمد بن عبد اللَّه بن عبد الحكم" المصريّ الفقيه، ثقة [١١] ١٢٠/ ١٦٦. من أفراد المصنّف.
و"أشهب" بن عبد العزيز بن داود القيسيّ، أبو عمرو المصريّ، يقال: اسمه مسكين، ثقة فقيه [١٠] ١٥١/ ٢٤٢.
وقوله: "وذكر آخر" أي ذكر أشهب مع يحيى بن أيوب شيخا آخر، وهو عبد اللَّه بن لهيعة، كما بينه أبو داود من طريق عبد اللَّه بن وهب، حدثني ابن لهيعة، ويحيى بن أيوب، عن عبد اللَّه بن أبي بكر بن حزم … ومنِ عادة المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- أنه إذا أراد أن يروي بسند فيه ابن لهيعة، أبهمه، وقرنه بآخر، وهكذا يصنع البخاريّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وقد تقدّم هذا البحث غير مرّة.
وقوله: "من لم يُجمِع" -بضمّ حرف المضارعة، وكسر الميم- من الإجماع، أي يَعزِم عليه، وَيجمَع رأيه على ذلك. وقال ابن الأثير: الإجماع: إحكام النيّةِ والعزيمةِ، أجمعتُ الرأيَ، وأَزْمَعْتُهُ، وعَزَمْتُ عليه بمعنًى انتهى.
والحديث صحيح، وقد تقدّم البحث فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣٣٤ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الأَزْهَرِ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ, عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ,, عَنْ سَالِمٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, عَنْ حَفْصَةَ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ, فَلَا صِيَامَ لَهُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أحمد بن الأزهر" بن منيع، أبو الأزهر العبديّ النيسابوريّ، صدوق، كان يحفظ، ثم كَبِرَ فصار كتابه أتقن من حفظه [١١] ٦٦/ ١٨٠٢. من أفراد المصنّف، وابن ماجه. و"عبد الرزاق": هو ابن همام الصنعانيّ.
والحديث صحيح، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣٣٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ, قَالَ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ اللَّهِ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ سَالِمٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ, عَنْ حَفْصَةَ, أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ: "مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ (١) مِنَ اللَّيْلِ, فَلَا يَصُومُ").
стр. 11555
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد: كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير مرّة. و"محمد بن عبد الأعلى" هو الصنعانيّ البصريّ، ثقة [١٠] ٥/ ٥.
و"معتمر": هو ابن سليمان التيميّ، أبو محمد البصريّ، ثقة، من كبار [٩] ١٠/ ١٠.
و"عبيد اللَّه": هو ابن عُمر العُمريّ ثقة ثبت فقيه [٥] ١٥/ ١٥.
والحديث موقوف صحيح، وقد تقدّم تمام البحث فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣٣٦ - (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ,, قَالَ: أَخْبَرَنِي حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ, عَنْ أَبِيهِ,, قَالَ: قَالَتْ: حَفْصَةُ, زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ : "لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُجْمِعْ قَبْلَ الْفَجْرِ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه سليمان، وهو الجيزيّ، أو المراديّ، وكلاهما ثقتان.
و"حمزة بن عبد اللَّه بن عمر" بن الخطاب، أبو عُمارة المدنيّ، شقيق سالم، ثقة [٣].
قال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. وقال العجلي: مدنيّ تابعيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وذكره ابن المدينيّ، عن يحيى بن سعيد في فقهاء أهل المدينة، وهو شقيق سالم. روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث: هذا، وقد كرره خمس مرّات ٢٤٤٦ و ٢٣٣٧ و ٢٣٣٨ و ٢٣٣٩ و ٢٣٤٠ وفي "كتاب الزكاة" ٢٥٨٥ حديث ابن عمر مرفوعًا: "ما يزال الرجل يسأل حتى يأتي يوم القيامة .. " الحديث. و ٣٥٦٩ حديثه أيضًا: "الشؤم في الدار والمرأة والفرس".
والحديث موقوف صحيح، وقد تقدّم تمام البحث فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣٣٧ - (أَخْبَرَنِي زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عِيسَى, قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ, عَنْ حَفْصَةَ, قَالَتْ: "لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُجْمِعْ قَبْلَ الْفَجْرِ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "زكريا بن يحيى": هو السِّجْزيّ، نزيل دمشق، المعروف بـ"خيّاط السنة" الثقة الحافظ [١٢] ١٨٩/ ١١٦١ من أفراد المصنّف.
و"الحسن بن عيسى" بن ما سَرْجِس، أبو عليّ النيسابوريّ، ثقة [١٠] ١٨٩/ ١١٦١.
والحديث موقوف صحيح، وقد تقدّم تمام البحث فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 11556
٢٣٣٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا حِبَّانُ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ, عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ, وَمَعْمَرٍ, عَنِ الزُّهْرِيِّ,,,, عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ, عَنْ أَبِيهِ,,,, عَنْ حَفْصَةَ, قَالَتْ: "لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن حاتم" بن نُعيم المروزيّ، ثقة [١٢] ٦٦/ ١٨٠٠ من أفراد المصنّف.
"حبّان" -بكسر المهملة- ابن موسى، أبو محمد المروزيّ، ثقة [١٠] ١/ ٣٩٧.
و"عبد اللَّه": هو ابن المبارك.
والحديث موقوف صحيح، وتقدّم تمام البحث فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣٣٩ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ, عَنِ الزُّهْرِيِّ,,, عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ, عَنْ حَفْصَةَ, قَالَتْ: "لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ, قَبْلَ الْفَجْرِ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "إسحاق": هو ابن راهويه. و"سفيان": هو ابن عيينة. والحديث موقوف صحيح، تقدّم البحث فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣٤٠ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ, حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنِ الزُّهْرِيِّ,, عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, عَنْ حَفْصَةَ, قَالَتْ: "لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ, قَبْلَ الْفَجْرِ". أَرْسَلَهُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أحمد بن حرب" تقدّم في الباب الماضي.
والحديث موقوف صحيح، وقد تقدّم تمام البحث فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله: (أرْسَلَهُ مَالِكُ بْنُ أَنَسِ) يعني أن هذا الحديث رواه الإمام مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن عائشة، منقطعًا، والإرسال كثيرًا ما يطلقه المصنّف على الانقطاع، ثم بين طريق مالك، فقال:
٢٣٤١ - قَالَ: الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ: وَأَنَا أَسْمَعُ, عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ, قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ عَائِشَةَ, وَحَفْصَةَ, مِثْلَهُ: "لَا يَصُومُ إِلاَّ مَنْ أَجْمَعَ الصِّيَامَ, قَبْلَ الْفَجْرِ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "ابن القاسم": هو عبد الرحمن بن القاسم الْعُتَقيّ المصريّ الفقيه الثقة، من كبار [١٠] ١٩/ ٢٠.
والحديث موقوف منقطع؛ لأن الزهريّ لم يسمع من عائشة، وحفصة - رضي اللَّه
стр. 11557
تعالى عنهما -، لكنه صحيح بما سبق. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣٤٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى,,, قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ, قَالَ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ اللَّهِ, عَنْ نَافِعٍ,,, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, قَالَ: "إِذَا لَمْ يُجْمِعِ الرَّجُلُ الصَّوْمَ, مِنَ اللَّيْلِ, فَلَا يَصُمْ") (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير مرّة. و"المعتمر": هو ابن سليمان بن طرخان. و"عُبيد اللَّه": هو ابن عمر العمريّ الحافظ. والحديث موقوف صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣٤٣ - (قَالَ: الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ, عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ, قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ, عَنْ نَافِعٍ,, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: "لَا يَصُومُ إِلاَّ مَنْ أَجْمَعَ الصِّيَامَ, قَبْلَ الْفَجْرِ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو وأبو داود، وهو ثقة حافظ، وكلهم تقدّموا غير مرّة، والحديث موقوف صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٦٩ - (صَوْمُ نَبِيِّ اللَّهِ دَاوُدَ ﵇ -)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: من هذا الباب إلى آخر الكتاب لبيان صيام التطوّع، ولذا كتب هنا في "الكبرى": [أبواب صيام التطوّع]- "صوم نبي اللَّه داود". واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٣٤٤ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ, عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ, أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ, يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ , صِيَامُ دَاوُدَ ﵇, كَانَ يَصُومُ يَوْمًا, وَيُفْطِرُ يَوْمًا, وَأَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ , صَلَاةُ دَاوُدَ ﵇, كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ, وَيَقُومُ
стр. 11558
ثُلُثَهُ, وَيَنَامُ سُدُسَهُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"سفيان": هو ابن عيينة. و"عمرو بن أوس" هو: الثقفي الطائفي تابعي كبير من [٢] ١٧/ ٦٥٣.
والحديث متفق عليه وقد تقدّم سندًا ومتنًا في-١٤/ ١٦٣٠ - وتقدّم شرحه، والكلام على مسائله هناك، فراجعه، تستفد، وأورده المصنّف هنا استدلالاً على أن المستحبّ في صوم التطوّع صوم يوم، وفطر يوم، كما كان النبيّ داود ﵇ يفعله، لأنه لا يؤثّر في قوى الشخص، مع إدامة العبادة المحبوبة للَّه تعالى، فقد صحّ عنه ﷺ "إن أحبّ الدين إلى اللَّه ما دووم عليه، وإن قلّ" (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٧٠ - (صَوْمُ النَّبِيِّ ﷺ بأَبِي هُوَ وَأُمِّي، وَذِكْرُ اخْتِلَافِ النَّاقِلِينَ لِلْخَبَرِ فِي ذَلِكَ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "بأبي هو وأمي" متعلّق بمحذوف، أي أَفديه بأبي، وأمي، أو مَفْديّ بأبي وأمي.
[تنبيه]: عقد الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" لجواز قول الرجل: "فداك أبي وأمي"، وأورد قول النبي ﷺ لسعد ﵁: "ارم فداك أبي وأمي"، ثم عقد بعده بابًا لقول الرجل: "جعلني اللَّه فداءك"، قال: وقال أبو بكر للنبيّ ﷺ : "فديناك بآبائنا، وأمهاتنا"، وأخرج بسنده حديث أنس ﵁ أنه أقبل هو وأبو طلحة مع النبيّ ﷺ … الحديث، وفيه قول أبي طلحة للنبيّ ﷺ : يا نبيّ اللَّه جعلني اللَّه فداءك، هل أصابك من شيء … ".
قال الحافظ: وقد استوعب الأخبار الدّالّة على الجواز أبو بكر بن أبي عاصم في أول
стр. 11559
كتابه "آداب الحكماء"، وجزم بجواز ذلك لسلطانه، ولكبيره، ولذوي العلم، ولمن أحبّ من إخوانه، غير محظور عليه ذلك، بل يثاب عليه إذا قصد توقيره، واستعطافه، ولو كان ذلك محظورًا لنهى النبيّ ﷺ -قائل ذلك، ولأعلمه أن ذلك غير جائز أن يقال لأحد غيره انتهى.
قال الطبرانيّ (١): في هذه الأحاديث دليل على جواز قول ذلك. وأما ما رواه مبارك ابن فَضالة، عن الحسن، قال: دخل الزبير على النبيّ ﷺ ، وهو شَاكٍ، فقال: كيف تجدك جعلني اللَّه فداءك؟ قال: "ما تركتَ أعرابيتك بعدُ"، ثم ساقه من هذا الوجه، ومن وجه آخر، ثم قال: لا حجة في ذلك على المنع؛ لأنه لا يقاوم تلك الأحاديث في الصحّة. وعلى تقدير ثبوت ذلك، فليس فيه صريح المنع، بل فيه إشارة إلى أنه ترك الأولى في القول للمريض، إما بالتأنيس والملاطفة، وإما بالدعاء والتوجّع.
[فإن قيل]: إنما ساغ ذلك لأن الذي دعا بذلك كان أبواه مشركين.
[فالجواب]: أن قول أبي طلحة كان بعد أن أسلم، وكذا أبو ذرّ ﵁ (٢)، وقول أبي بكر ﵁ كان بعد أن أسلم أبواه انتهى ملخّصًا.
قال الحافظ: ويمكن أن يُعْتَرَض بأنه لا يلزم من تسويغ قول ذلك للنبيّ ﷺ أن يسوغ لغيره؛ لأن نفسه أعزّ من أنفس القائلين، وآبائهم، ولو كانوا أسلموا.
فالجواب: ما تقدّم من كلام ابن أبي عاصم، فإن فيه إشارة إلى أن الأصل عدم الخصوصية. وأخرج ابن أبي عاصم من حديث ابن عمر أن النبيّ ﷺ قال لفاطمة: "فداكِ أبوك"، ومن حديث ابن مسعود ﵁، أن النبيّ ﷺ قال لأصحابه: "فداكم أبي وأمي"، ومن حديث أنس ﵁ أنه ﷺ قال مثل ذلك للأنصار انتهى (٣). واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٣٤٥ - (أَخْبَرَنَا الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّا, قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ, عَنْ جَعْفَرٍ, عَنْ سَعِيدٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , لَا يُفْطِرُ أَيَّامَ الْبِيضِ, فِي حَضَرٍ, وَلَا سَفَرٍ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (القاسم بن زكريا) المذكور قبل باب.
стр. 11560
٢ - (عبيد اللَّه) بن موسى بن أبي المختار باذام العبسيّ الكوفيّ، ثقة يتشيّع [٩] ٧٢/ ١٣٢٦.
٣ - (يعقوب) بن عبد اللَّه بن سَعْد بن مالك بن هانئ بن عامر بن أبي عامر الأشعريّ، أبو الحسن القُميّ -بضمّ القاف، وتشديد الميم- صدوق يَهِم [٨].
قال النسائيّ: ليس به بأس. وقال أبو القاسم الطبرانيّ: كان ثقة. وقال الدارقطنيّ: ليس بالقويّ. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال أبو نُعيم الأصبهانيّ: كان جرير بن عبد الحميد إذا رآه قال: هذا مؤمن آل فرعون. وقال محمد بن حميد الرازيّ: دخلت بغداد، فاستقبلني أحمد، وابن معين، فسألاني عن أحاديث يعقوب الْقُمّيّ. وقال الذهبيّ: عالم أهل قُمّ. قال أبو نعيم: مات سنة (١٧٤) علق عنه البخاريّ، وأخرج له الباقون، سوى مسلم، وله عند المصنف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٤ - (جعفر) بن أبي المغيرة الْخُزَاعيّ القمّي، صدوق يَهِم [٥].
قال أبو الشيخ: رأى ابنَ الزبير، ودخل مكة أيام ابن عمر مع سعيد بن جبير. وذكره ابن حبان في "الثقات"، ونقل عن أحمد بن حنبل توثيقه. وقال ابن منده: ليس بالقويّ في سعيد بن جبير. وقال الذهبيّ: صدوق. وقال أبو نعيم الأصبهانيّ: اسم أبي المغيرة دينار. أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنف، وأبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه في "التفسير"، وله عند المصنف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٥ - (سعيد) بن جُبير الأسديّ الوالبيّ مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه عابد [٣] ٢٨/ ٤٣٦.
٦ - (ابن عباس) عبد اللَّه البحر - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، ومن المكثرين السبعة، ومن المشهورين بالفتوى. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، لَا يُفْطِرُ أَيَّامَ الْبِيضِ) قال في "النهاية": هذا على حذف المضاف، يريد أيام الليالي البيض،
стр. 11561
وهي الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، وسميت بيضًا لأن القمر يطلع فيها من أولها إلى آخرها. وأكثر ما تجيء الرواية "الأيامُ البيضُ، والصواب أن يقال: "أيام البِيض" بالإضافة؛ لأن البيض من صفة الليالي. انتهى (١) (في حَضَرِ، وَلَا سَفَرٍ") الظاهر أن هذا محمول على الغالب.
وفيه استحباب ملازمة صيام أيام البيض. وسيأتي من حديث أبي ذرّ ﵁ -٨٤/ ٢٤٢٢ - : "أمرنا رسول اللَّه ﷺ أن نصوم من الشهر ثلاثة أيام، البيضَ؛ ثلاثَ عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة". واللَّه تعالى أعلم.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحديث حسن، تفرّد به المصنّف، أخرجه هنا- ٧٠/ ٢٣٤٥ - وفي "الكبرى"٧٠/ ٢٦٥٤. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣٤٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ أَبِي بِشْرٍ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ, حَتَّى نَقُولَ: لَا يُفْطِرُ, وَيُفْطِرُ, حَتَّى نَقُولَ: مَا يُرِيدُ أَنْ يَصُومَ, وَمَا صَامَ شَهْرًا مُتَتَابِعًا, غَيْرَ رَمَضَانَ, مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن بشّار) بن عثمان العبديّ المعروف بببُندار، أبو بكر البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٢٤/ ٢٧.
٢ - (محمد) بن جعفر الهذليّ، أبو عبد اللَّه البصريّ المعروف بغندر، ثقة صحيح الكتاب [٩] ٢١/ ٢٢.
٣ - (شعبة) بن الحجّاج الإمام الحجة الثبت البصريّ [٧] ٢٤/ ٢٧.
٤ - (أبو بِشر) بن أبي وحشية جعفر بن إياس البصريّ، ثم الواسطيّ، ثقة [٥] ١٣/ ٢٠. والباقيان تقدّما في السند الماضي. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن شيخه أحد شيوخ الجماعة الذين يرون عنهم بلا واسطة. (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين إلى أبي بشر. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 11562
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ، حَثى نَقُولَ: لَا يُفْطِرُ) أي من مواصلة صومه (وَيُفْطِرُ، حَتَّى نَقُولَ: مَا يُرِيدُ أَنْ يَصُومَ) أي من مواصلة فطره، يعني أنه ﷺ أحيانًا يواصل الصوم حتى يَظُنّ الظان أنه لا يريد أن يفطر في هذا الشهر، وأحيانًا يواصل الفطر حتى يَظُن الظانّ أنه لا يريد أن يصوم من هذا الشهر (وَمَا صَامَ شَهرًا مُتَتَابِعًا غَيْرَ رَمَضَانَ) أي متواليًا صيامُ أيامه كلها، ولفظ البخاريّ من طريق أبي عوانة، عن أَبي بشر: "وما صام النبيّ ﷺ شهرًا كاملاً غير رمضان" (مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ") حذف غايته، أي إلى أن مات، يعني أنه ﷺ لم يصم شهرًا كاملاً من ابتداء هجرته من مكة إلى المدينة إلى أن مات إلا رمضان. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٧٠/ ٢٣٤٦ - وفي "الكبرى"٧٠/ ٢٦٥٥. وأخرجه (خ) في "الصوم" ١٩٧١ (م) في "الصيام" ١١٥٧ (د) في "الصوم" ٢٤٣٠ (ق) في "الصيام" ١٧١١ (أحمد) في "مسند بني هاشم" ١٩٩٩ و ٢٠٤٧ و ٢١٥٢ و ٢٩٤١ و ٣٠٠٢ "الدارميّ" في "الصوم" ١٧٤٣. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣٤٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ النَّضْرِ بْنِ مُسَاوِرٍ الْمَرْوَزِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, عَنْ مَرْوَانَ أَبِي لُبَابَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ: مَا يُرِيدُ أَنْ يُفْطِرَ, وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ: مَا يُرِيدُ أَنْ يَصُومَ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن النضر بن مُساور بن مِهْران المروزيّ"، صدوق [١٠].
قال النسائيّ: لا بأس به. وكذا قال مسلمة. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: مات سنة (٢٣٩). روى عنه أبو داود، والمصنّف، روى عنه في هذا الكتاب خمسة أحاديث برقم ٢٣٤٧ و ٢٥٨٠ و ٣٢٥٦ و ٣٣٤١ و ٥١٢٦.
و"حماد": هو ابن زيد.
стр. 11563
و"مروان أبو لبابة": هو الورّاق البصريّ، مولى عائشة، ويقال: مولى هند بنت المهلّب، ويقال: مولى عبد الرحمن بن زياد، ثقة [٤].
قال ابن أبي خيثمة: سألت ابن معين عن أبي لبابة الذي يروي عنه حماد بن زيد؟ قال: اسمه مروان بصريّ ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". انفرد به الترمذيّ، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
والحديث صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا-٧٠/ ٢٣٤٧ - وفي "الكبرى" ٧٠/ ٢٦٥٦. وفي "عمل اليوم والليلة" ٧١٢. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣٤٨ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ, عَنْ خَالِدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ, عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى, عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: "لَا أَعْلَمُ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ , قَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ فِي لَيْلَةٍ, وَلَا قَامَ لَيْلَةً حَتَّى الصَّبَاحِ, وَلَا صَامَ شَهْرًا قَطُّ كَامِلاً, غَيْرَ رَمَضَانَ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وهو بصريّ ثقة. و"خالد": هو ابن الحارث الْهُجيميّ البصريّ الثقة الثبت. و"سعيد": هو ابن أبي عروبة.
والحديث أخرجه مسلم، وقد تقدّم في ١٧/ ١٦٤١ - رواه هناك عن هارون بن إسحاق، عن عبدة بن سليمان، عن سعيد به، وتقدّم البحث فيه مستوفًى هناك، فراجعه، تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣٤٩ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, عَنْ أَيُّوبَ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ, قَالَ: سَأَلْتُ (١) عَائِشَةَ, عَنْ صِيَامِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَتْ: كَانَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ: قَدْ صَامَ, وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ قَدْ أَفْطَرَ, وَمَا صَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَهْرًا كَامِلاً, مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ إِلاَّ رَمَضَانَ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و"حماد": هو ابن زيد. و"أيوب": هو السختيانيّ، والحديث أخرجه مسلم، وقد تقدّم في ٣٥/ ٢١٨٣ - رواه هناك عن محمد بن أحمد الصَّيْدَلانيّ، عن محمد بن سلمة، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن عبد اللَّه بن شقيق به، وتقدم تمام البحث فيه هناك، فراجعه، تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 11564
٢٣٥٠ - (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ, أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي قَيْسٍ, حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ, تَقُولُ: كَانَ أَحَبَّ الشُّهُورِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنْ يَصُومَهُ شَعْبَانُ, بَلْ كَانَ يَصِلُهُ بِرَمَضَانَ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الربيع بن سليمان": هو المصريّ الجيزيّ، ثقة [١١] ١٢٢/ ١٧٣. و"معاوية بن صالح": هو ابن حُدَير الحمصيّ، صدوق له أوهام [٧] ٥٠/ ٦٢. و"عبد اللَّه بن أبي قيس"، ويقال: ابن قيس، ويقال: ابن أبي موسى، أبو الأسود النصريّ -بالنون- الحمصيّ، ثقة مخضرم [٢] ٥/ ٤٠٤.
وقولها: "كان أحبّ المشهور الخ" سيأتي قريبًا سبب محبته له، أنه شهر يَغفُل فيه الناس بين رجب ورمضان، وهو شهر تُرفَع فيه الأعمال إلى اللَّه تعالى، فأحبَّ أن يُرفَع عمله وهو صائم.
وقولها: "بل كان يصله برمضان" أي بل كان يصومه كله، فيصله بصوم رمضان، والمراد أنه يصوم غالبه، أو محمول على بعض الأحيان. واللَّه تعالى أعلم.
والحديث صحيح، أخرجه المصنّف هنا - ٧٠/ ٢٣٥١ - وفي "الكبرى" ٧٠/ ٢٦٥٩.
وأخرجه (د) في "الصوم" ٢٤٣١. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣٥١ - (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي مَالِكٌ, وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ, وَذَكَرَ آخَرَ قَبْلَهُمَا, أَنَّ أَبَا النَّضْرِ حَدَّثَهُمْ, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ مَا يُفْطِرُ وَيُفْطِرُ, حَتَّى نَقُولَ: مَا يَصُومُ, وَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي شَهْرٍ, أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (الربيع بن سليمان بن داود) الجيزيّ، أبو محمد المصريّ الأعرج، ثقة [١١] ١٢٢/ ١٧٣.
٢ - (ابن وهب) هو عبد اللَّه المصريّ، ثقة ثبت فقيه عابد [٩] ٩/ ٩.
٣ - (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة الحجة الثبت الفقيه [٧] ٧/ ٧.
٤ - (عمرو بن الحارث) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقة ثبت فقيه [٧] ٦٣/ ٧٩.
[تنبيه]: قوله: "وذكر آخر قبلهما" الظاهر أنه ابن لهيعة، كما تقدّم غير مرّة. واللَّه تعالى أعلم.
٥ - (أبو النضر) سالم بن أبي أمية، مولى عمر بن عبيد اللَّه التيميّ المدنيّ، ثقة ثبت،
стр. 11565
يرسل [٥] ٩٨/ ١٢١.
٦ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقة فقيه [٣] ١/ ١.
٧ - (عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من مالك، وعمرو، والربيع، وابن وهب مصريون. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها -، وفي رواية يحيي بن أبي كثير، عن أبي سلمة أن عائشة حدثته، فصرّح بالتحديث.
قال في "الفتح": اتفق أبو النضر، ويحيى -يعني ابن أبي كثير- ووافقهما محمد بن إبراهيم، وزيد بن أبي عَتّاب، عند النسائيّ، ومحمد بن عمرو عند الترمذيّ على روايتهم إياه عن أبي سلمة، عن عائشة، وخالفهم يحيي بن سعيد، وسالم بن أبي الجعد، فرياه عن أبي سلمة، عن أمّ سلمة، أخرجهما النسائيّ (١)، وقال الترمذيّ عقب طريق سالم بن أبي الجعد: هذا إسناد صحيح. ويحتمل أن يكون أبو سلمة رواه عن كل من عائشة، وأم سلمة ﵄.
قال الحافظ: ويؤيّده أن محمد بن إبراهيم التيميّ رواه عن أبي سلمة، عن عائشة تارة، وعن أمّ سلمة تارة أخرى، أخرجهما النسائيّ (٢) انتهى كلام الحافظ (٣).
(قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّه ﷺ ، يَصُومُ حَتىِ نَقُولَ مَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ: مَا يَصُومُ، وَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ فِي شَهْرٍ، أكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ) قال الزركشيّ ﵀ تعالى في "التنقيح": "صيامًا" بالنصب، وروي بالخفض، قال السهيليّ ﵀ تعالى: وهو وَهَمٌ، وربما بَنَى اللفظَ على الخطّ، مثل أن يكون رآه مكتوبًا بميم مطلقة على مذهب من رأى الوقف على المنوّن المنصوب بغير ألف، فتوهمه مخفوضًا، لا سيما وصيغة أفعل تضاف كثيرًا، فتوهمها مضافة، وإضافته هنا لا تجوز قطعًا انتهى (٤).
стр. 11566
واللَّه تعالى أعلم.
("فِي شَعْبَانَ") متعلق بـ"صيامًا"، والمعنى أنه كان يصوم في شعبان، وغيره، وكان صيامه في شعبان أكثر من صيامه فيما سواه.
وسمي شعبان لتشعبهم في طلب الماء، أو في الغارات بعد أن يخرج شهر رجب الحرام، وهذا أولى من الذي قبله، وقيل فيه غير ذلك. قاله في "الفتح". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٧٠/ ٢٣٥٢ - وفي "الكبرى" ٧٠/ ٢٦٦٠. وأخرجه (خ) في "الصوم" ١٩٦٩ (م) في "الصيام" ١٧٥ (د) في "الصوم" ٢٤٣٤ (ت) في "الشمائل" ٢٩٠. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣٥٢ - (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ, عَنْ مَنْصُورٍ, قَالَ: سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ أَبِي الْجَعْدِ, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ, عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , كَانَ لَا يَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ, إِلاَّ شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"أبو داود": هو سليمان بن داود بن الجارود الطيالسيّ.
والحديث صحيح، وقد تقدّم في ٣٣/ ٢١٧٥ - رواه هناك عن شعيب بن يوسف، ومحمد بن بشّار، كلاهما عن عبد الرحمن بن مهديّ، عن سفيان الثوريّ، عن منصور به، وتقدم البحث فيه مستوفى هناك، فراجعه، تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣٥٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ تَوْبَةَ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ, عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَصُومُ, مِنَ السَّنَةِ شَهْرًا تَامًّا, إِلاَّ شَعْبَانَ, وَيَصِلُ بِهِ رَمَضَانَ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير:
١ - (محمد بن الوليد) بن عبد المجيد القرشيّ الْبُسريّ -بضمّ الموحدة، وسكون المهملة- من ولد بُسْر بن أرطأة العامريّ، أبي عبد اللَّه البصريّ، لقبه حمدان، ثقة [١٠].
стр. 11567
قال ابن أبي حاتم: سمع منه أبي بالبصرة في الرحلة الثالثة، وسئل عنه، فقال: صدوق. وقال النسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". قيل: إنه مات بعد سنة (٢٥٠). روى له الجماعة، سوى أبي داود، والترمذيّ، وروى عنه المصنّف في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث: هذا ٢٣٥٣ و ٤١٥٦ و ٥٢٦٨.
و"محمد": هو ابن جعفر، المعروف بـ"غُندر". و"توبة": هو العنبريّ، أبو الْمُوَرِّع البصريّ، ثقة [٤] ٣٤/ ٢١٧٦.
والحديث صحيح، وقد تقدّم في ٣٤/ ٢١٧٦ رواه هناك عن إسحاق بن إبراهيم، عن النضر بن شُميل، عن شعبة به، وتقدم تمام البحث فيه هناك، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣٥٤ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَمِّي, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي, عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ, قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: "لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِشَهْرٍ, أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ لِشَعْبَانَ, كَانَ يَصُومُهُ, أَوْ عَامَّتَهُ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"عبيد اللَّه بن سعد": هو الزهريّ، أبو الفضل البغداديّ. وقوله: "عن عمه" هو: يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهريّ البغداديّ.
والحديث صحيح، وقد تقدّم في ٣٥/ ٢١٨٠، وسبق البحث عنه مستوفًى هناك، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣٥٥ - (أَخْبَرَنِي (١) عَمْرُو بْنُ هِشَامٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ, عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , يَصُومُ شَعْبَانَ إِلاَّ قَلِيلاً").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه "عمرو بن هشام" أبي أمية الحرّانيّ، فإنه من أفراده، وهو ثقة. و"محمدُ بنُ سلمة": هو الحرّانيّ أيضًا.
والحديث صحيح، وقد تقدّم بأتمّ من هذا في ٣٤/ ٢١٧٨ وتقدّم البحث فيه مستوفًى هناك، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 11568
٢٣٥٦ أ- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا بَحِيرٌ, عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ, عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ, أَنَّ (١) عَائِشَةَ, قَالَتْ: "إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عمرو بن عثمان": هو الحمصيّ. و"بقية": هو ابن الوليد الحمصيّ. و"بَحِير"-بفتح الموحدة، مكبرًا- ابن سَعْد الحمصيّ.
وقولها: "كان يصوم شعبان كلّه" قال الزركشيّ: يحتاج إلى الجمع بين هذا، وبين روايتها الأولى: "ما رأيته أكثر صيامًا منه في شعبان الخ"، فقيل: الأول مفَسِّر للثاني، ومخصّص له، وأن المراد بالكلّ الأكثر. وقيل: كان يصوم مرّة كله، ومرة ينقص منه لئلا يُتوهّم وجوبه. وقيل: معنى قولها: "كله" أي يصوم في أوله، وأوسطه، وفي آخره، ولا يخصّ شيئا منه، ولا يعمّه بصيامه. وذكر هذه الأقوال الثلاثة النوويّ في "شرح مسلم"، قال: وقيل في تخصيص شعبان بكثرة الصوم لكونه تُرفع فيه أعمال العباد. وقيل: غير ذلك.
فإن قيل: في الحديث الآخر إن أفضل الصوم بعد رمضان صوم المحرّم، فكيف أكثر منه في شعبان دون المحرّم.
فالجواب لعله لم يعلم فضلَ المحرّم إلا في آخر الحياة قبل التمكّن من صومه، أو لعله كان يعرض فيه أعذار تمنع من إكثار الصوم، كسفر، ومرض، ونحوهما انتهى (٢).
والحديث صحيح، وقد تقدّم سندًا ومتنًا في ٣٦/ ٢١٨٦ - وتقدّم تمام البحث فيه هناك، فراجعه، تزدد علمًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣٥٧ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ, أَبُو الْغُصْنِ, شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ, قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْرًا, مِنَ الشُّهُورِ, مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ, قَالَ: «ذَلِكَ شَهْرٌ, يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ, بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ, وَهُوَ شَهْرٌ, تُرْفَعُ (٣) فِيهِ الأَعْمَالُ, إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ, فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي, وَأَنَا صَائِمٌ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عمرو بن عليّ) الفلاّس، أبو حفص البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٤/ ٤.
стр. 11569
٢ - (عبد الرحمن) بن مهديّ بن حسان العنبريّ البصريّ، ثقة ثبت إمام [٩] ٤٢/ ٤٩.
٣ - (ثابت بن قيس) الغفاريّ مولاهم، أبو الغُصْن المدنيّ، صدوق يهم [٥].
قال أبو طالب، عن أحمد: ثقة. وقال عباس، عن ابن معين: ليس به بأس. وقال في موضع آخر: حديثه ليس بذاك، وهو صالح. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وقال ابن عديّ: هو ممن يكتب حديثه. وقال الآجرّيّ، عن أبي داود: ليس حديثه بذاك. وقال مسعود السجزيّ، عن الحاكم: ليس بحافظ، ولا ضابط. وقال ابن حبّان في "الضعفاء": كان قليل الحديث، كثير الوهم فيما يرويه، لا يحتجّ بخبره إذا لم يتابعه عليه غيره، وأعاده في "الثقات". وقال ابن سعد: مات سنة (١٦٨) وهو يومئذ ابن مائة سنة، وكان قديما، قد رأى الناس، وروى عنهم، وهو شيخ قليل الحديث. روى له البخاريّ في "جزء رفع اليدين"، وأبو داود، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، كرّره ثلاث مرّات برقم ٢٣٥٧ و ٢٣٥٨ و ٢٣٥٩.
٤ - (أبو سعيد المقبريّ) كيسان المدنيّ، مولى أم شريك، ثقة ثبت [٣] ٦٣/ ٨٧٢.
[تنبيه]: وقع في "الكبرى" "أبو معبد" بدل "أبي سعيد"، وهو تصحيف فاحش، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
٥ - (أسامة بن زيد) بن حارثة بن شَرَاحيل الكلبيّ الأمير، أبو محمد، أو أبو زيد الصحابيّ ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما -، مات سنة (٥٤) بالمدينة، وهو ابن (٧٥) سنة، وتقدّم في ٩٦/ ١٢٠. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير ثابت بن قيس، كما سبق آنفًا. (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين يروي عنهم الجماعة بلا واسطة. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وشيخ شيخه، فبصريّان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن أسامة بن زيد - رضي اللَّه تعالى عنهما - حبّ رسول اللَّه ﷺ ، وابن حبّه. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن أبي سعيد المقبريّ -رحمه اللَّه تعالى-، أنه (قَالَ: حدّثني أسامة بن زيد) حِبُّ رسول اللَّه ﷺ ، وابن حِبّه ﵄ (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ أرَكَ تَصُومُ شَهرًا، مِنَ الشُّهُورِ، مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ) "ما" يحتمل أن تكون مصدرية، والمصدر المؤل مفعول "أر" أي لم أَرَ صومَكَ، ويحتمل أن تكون اسما موصولاً، أي لم أر الذي تصومه من شعبان صائما إياه في سائر المشهور (قَالَ) ﷺ مبيّنا سبب إكثاره الصوم في شعبان ("ذَلِكَ
стр. 11570
شَهْرٌ، يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ) بضم الفاء، من باب قعد: إذا ترك وسها (بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ) أراد -واللَّه أعلم- أنهم يكثرون العبادة في هذين الشهرين، ويتساهلون بينهما في شعبان (وَهُوَ شَهْرٌ، تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ، إِلَى رَبِّ العَالَمِينَ) أي فينبغي أن تكون الأعمال فيه صالحة، ولا سيما أفضل الأعمال، وهو الصوم، فلذا قال (فَأُحِبُّ أَنْ يرفَعَ عَمَلِي، وَأَنَا صَائِمٌ) قال الشيخ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: إن قلت: ما معنى هذا مع ما ثبت في "الصحيحين" أن اللَّه تعالى يُرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل"؟.
قلت: يحتمل أمرين:
(أحدهما): أن أعمال العباد تُعرض على اللَّه تعالى كلّ يوم، ثم تعرض عليه أعمال الجمعة في كلّ اثنين وخميس، ثم تعرض عليه أعمال السنة في شعبان، فتعرض عرضًا بعد عرض، ولكلّ عرض حكمة يُطْلِع عليها من يشاء من خلقه، أو يستأثر بها عنده مع أنه تعالى لا يخفى عليه من أعمالهم خافية ..
(ثانيهما): أن المراد أنها تُعرض في اليوم تفصيلاً، ثم في الجمعة جملة، أو بالعكس انتهى (١) واللَّه تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث أسامة بن زيد ﵄ هذا حديث حسن، وهو من أفراد المصنّف، أخرجه هنا- ٧٠/ ٢٣٥٧ - وفي "الكبرى" ٧٠/ ٢٦٦٦. وأخرجه (أحمد) في "مسند الأنصار" ٢١٢٤٦. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣٥٨ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ, أَبُو الْغُصْنِ, شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ, قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِنَّكَ تَصُومُ حَتَّى لَا تَكَادَ تُفْطِرُ, وَتُفْطِرُ حَتَّى لَا تَكَادَ أَنْ تَصُومَ, إِلاَّ يَوْمَيْنِ, إِنْ دَخَلَا فِي صِيَامِكَ, وَإِلاَّ صُمْتَهُمَا, قَالَ: «أَيُّ يَوْمَيْنِ؟» , قُلْتُ: يَوْمَ الاِثْنَيْنِ, وَيَوْمَ الْخَمِيسِ, قَالَ: «ذَانِكَ يَوْمَانِ, تُعْرَضُ فِيهِمَا الأَعْمَالُ, عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ, فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي, وَأَنَا صَائِمٌ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث جزء من الحديث السابق، فرّقه المصنّف، ولعله سمعه من شيخه مفرّقًا، فساقه كما سمعه، وقد ساقه الإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى- بسند المصنّف مساقًا واحدًا، في "مسنده"، فقال:
стр. 11571
٢١٢٤٦ حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا ثابت بن قيس، أبو غُصْن، حدثني أبو سعيد المقبريّ، حدثني أسامة بن زيد، قال: كان رسول اللَّه ﷺ ، يصوم الأيام يسرد، حتى يقال: لا يفطر، ويفطر الأيام حتى لا يكاد أن يصوم، إلا يومين، من الجمعة، إن كانا في صيامه، وإلا صامهما، ولم يكن يصوم من شهر من الشهور، ما يصوم من شعبان، فقلت: يا رسول اللَّه، إنك تصوم، لا تكاد أن تفطر، وتفطر حتى لا تكاد أن تصوم، إلا يومين، إن دخلا في صيامك، وإلا صمتهما، قال: "أي يومين؟ "، قال: قلت: يوم الاثنين، ويوم الخميس، قال: "ذانك يومان، تعرض فيهما الأعمال، على رب العالمين، وأحب أن يعرض عملي، وأنا صائم"، قال: قلت: ولم أرك تصوم، من شهر من الشهور، ما تصوم من شعبان، قال: ذاك شهر، يغفل الناس عنه، بين رجب ورمضان، وهو شهر يُرفَع فيه الأعمال، إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملي، وأنا صائم" انتهى.
وقوله: "لا تكاد" جرّد خبرها في الأول عن "أن"، وقرنه في الثاني، وكلاهما جائز، إلا أن التجريد هو الأكثر، عكس "عسى"، كما قال ابن مالك في "الخلاصة":
كَكَانَ كَادَ وَعَسَى لَكِن نَدَرْ .... غَيْرُ مُضَارعِ لِهَذَيْنِ خَبَرْ
وَكوْنُهُ بِدُونِ "أَنْ" بَعْدَ عَسَى … نَزْرٌ وَكَادَ الأَمْرُ فِيهِ عُكِسَا
وقوله: "إن دخلا في صيامك" جواب "إن" محذوف، أي صُمْتَهما. وقوله: "وإلا صمتهما" أي وإن لم يدخلا في صيامك صمتهما أيضًا.
والمعنى أنه ﷺ -لا يترك صوم يومي الاثنين والخميس، سواء وقعتا في جملة الأيام التي يصومها بالتوالي، أم لم تقع.
والحديث حسن، كما سبق بيانه قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣٥٩ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ, قَالَ: أَخْبَرَنِي ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ الْغِفَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ, عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , كَانَ يَسْرُدُ الصَّوْمَ, فَيُقَالُ: "لَا يُفْطِرُ, وَيُفْطِرُ, فَيُقَالُ: لَا يَصُومُ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أحمد بن سليمان" هو الرُّهاويّ الثقة الحافظ [١١] ٣٨/ ٤٢ من أفراد المصنّف. و"زبد بن الْحُبَاب": هو أبو الحسين الْعُكْليّ الكوفيّ، صدوق [٩] ٣٣/ ٣٧.
والحديث صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا-٧٠/
стр. 11572
٢٣٥٩ - وفي "الكبرى" ٧٠/ ٢٦٦٨.
[تنبيه]: وقع في هذا الإسناد زيادة "أبي هريرة ﵁" بين أبي سعيد، وبين أسامة، بخلافه في الإسناد السابق، ولعل أبا سعيد يرويه عن أسامة بالوجهين، ولذلك صرّح بالتحديث فيهما. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣٦٠ - (أَخْبَرَنَا (١) عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ, عَنْ بَقِيَّةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا بَحِيرٌ, عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ, عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ, أَنَّ عَائِشَةَ, قَالَتْ: "إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , كَانَ يَتَحَرَّى صِيَامَ الاِثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيح، وقد تقدّم في ٣٦/ ٢١٨٦ - سندا ومتنًا، ولفظه هناك: "كان يصوم شعبان كله، ويتحرّى صيام الاثنين والخميس"، ففرقه هنا، فأورد الجزء الأول قبل أربعة أحاديث، وأورد الجزء الثاني هنا، وتقدم تمام البحث فيه بالرقم المذكور، فراجعه تستفد، واللَّه تعالى وليّ التوفيق.
و"بقية": هو ابن الوليد. و"بَحِير" -بفتح، فكسر-: هو ابن سَعْد الحمصيّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣٦١ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ,, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ, قَالَ: أَخْبَرَنِي ثَوْرٌ, عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ, عَنْ رَبِيعَةَ الْجُرَشِيِّ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , يَتَحَرَّى يَوْمَ الاِثْنَيْنِ, وَالْخَمِيسِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيح أيضًا، وقد تقدّم في ٣٦/ ٣١٨٧ - سندًا ومتنًا، وقد مضى البحث فيه مستوفًى هناك، فراجعه، تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
و"عبد اللَّه بن داود": هو الخُرْيبيّ الثقة العابد [٩] ٧١/ ١٣٢٢. و"ثور": هو ابن يزيد الحمصيّ الثقة الثبت [٧] ٧/ ٥٠٤. و"ربيعة الْجُرَشيّ": هو ابن عمرو، أو ابن الحارث الدمشقيّ، ثقة، وقيل: له صحبة ٣٦/ ٢١٨٧. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣٦٢ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ الأُمَوِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ ثَوْرٍ, عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , يَتَحَرَّى الاِثْنَيْنِ, وَالْخَمِيسَ).
стр. 11573
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و"إسحاق": هو ابن راهويه. و"عبيد اللَّه بن سعيد الأمويّ": هو عُبيدُ اللَّه بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص، أبو محمد الكوفيّ، ثقة [٩].
قال عبد اللَّه بن أحمد، عن ابن معين: ثقة، ليس به بأس، قد رأيته كان أصغر من أبي أحمد الزُّبَيريّ. وقال أبو حاتم: ثقة صدوق، وقال أبو زرعة: ثقة. وقال الدارقطنيّ: هم أربعة إخوة: يحيى، ومحمد، وعبد اللَّه، وعبيد اللَّه، وهم ثقات.
وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: مات سنة (٢٠٠). روى له مسلم، والمصنّف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. و"سفيان": هو الثوريّ.
والحديث صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا-٧٠/ ٢٣٦٢ - وفي "الكبرى" ٧٠/ ٢٦٧١. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣٦٣ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ, عَنْ سُفْيَانَ, عَنْ مَنْصُورٍ, عَنْ خَالِدِ بْنِ سَعْدٍ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , يَتَحَرَّى يَوْمَ الاِثْنَيْنِ, وَالْخَمِيسِ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أبو داود": هو عُمَر بن سَعْد الْحَفَريّ الثقة العابد. و"سفيان": هو الثوريّ. و"منصور": هو ابن المعتمر. و"خالد بن سَعْد": هو الكوفيّ، ثقة [٢] ٣٥/ ٢١٨١.
والحديث صحيح، وقد تقدّم في ٣٥/ ٢١٨١ - بلفظ: "كان يصوم شعبان كلّه"، وتقدم تمام البحث فيه هناك، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣٦٤ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ, عَنْ سُفْيَانَ, عَنْ عَاصِمٍ, عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ, عَنْ سَوَاءٍ الْخُزَاعِيِّ, عَنْ عَائِشَةَ, قَالَتْ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ , يَصُومُ الاِثْنَيْنِ وَالْخَمِيسَ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد" البصريّ الشَّهِيديّ، أبو يعقوب البصريّ، ثقة [١٠].
قال أحمد: صدوق. وقال النسائيّ: ثقة. وقال الدارقطنيّ: ثقة مأمون. وقال أيضًا: هو، وأبوه، وجدّه ثقات. وقال ابن أبي حاتم: كتب عنه أبي، وسألت أبا زُرعة عنه، فقال: صدوق، وذكره ابن حبّان في "الثقات". قال إبراهيم بن محمد الكنديّ: توفي في جمادى الآخرة سنة (٢٥٧). روى عنه المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط،
стр. 11574
وروى عنه أبو داود في "المراسيل"، والترمذيّ، وابن ماجه.
و"يحيى بن يمان" العجليّ، أبو زكريّا الكوفيّ، صدوق عابد يخطئ كثيرًا، وقد تغيّر، من كبار [٩].
قال أبو بكر بن عياش: ذاك راهب. -يعني لعبادته-. وقال زكريا الساجيّ: ضعّفه أحمد، وقال: حدّث عن الثوريّ بعجائب. وقال حنبل بن إسحاق، عن أحمد: ليس بحجة. وقال إبراهيم بن الجنيد، عن ابن معين: ليس بثبت، لم يكن يُبالي أيّ شيء حدّث، كان يتوهّم الحديث. قال: وقال وكيع: هذه الأحاديث التي يحدث بها يحيى ابن يمان ليست من أحاديث الثوريّ. وقال عثمان الدارميّ، عن يحيى بن معين: أرجو أن يكون صدوقًا. وقال عبد الخالق ابن منصور، عن ابن معين: ليس به بأس. وقال عبد اللَّه بن عليّ ابن المدينيّ، عن أبيه: صدوق، كان قد فُلِجَ، فتغيّر حفظه. وقال أبو بكر بن عفّان الصوفيّ، عن وكيع: ما كان أحد من أصحابنا أحفظ منه، ثم نسي، فلا أعلم بالكوفة أحفظ من داود ابنه. وقال يعقوب ابن شيبة: كان صدوقًا كثير الحديث، وإنما أَنكَر عليه أصحابنا كثرة الغلط، وليس بحجة إذا خولف، وهو من متقدّمي أصحاب سفيان في الكثرة عنه. وقال الآجريّ، عن أبي داود: يخطئ في الأحاديث، ويقلبها. وقال النسائيّ: ليس بالقويّ. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: ربما أخطأ، وكان متقشّفًا. وقال ابن عديّ: عامة ما يرويه غير محفوظ، وهو في نفسه لا يتعمّد الكذب، إلا أنه يخطئ، ويشتبه عليه. وقال العجليّ: كان من كبار أصحاب الثوريّ، وكان ثقة، جائز الحديث، متعبدًا، معروفًا بالحديث، صدوقًا، إلا أنه فُلج بآخره، فتغيّر حفظه، وكان فقيرًا صبورًا. وقال يعقوب بن شيبة أيضًا: يحيى بن يمان ثقة، أحد أصحاب سفيان، وهو يخطئ كثيرًا في حديثه. وقال ابن أبي شيبة: كان سريع الحفظ، سريع النسيان. وقال هارون بن حاتم: مات سنة (١٨٨) وقال أبو هاشم الرفاعيّ: مات سنة (١٨٩). روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والباقون، وله عند المصنف في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا ٢٣٦٤، وفي "كتاب الأشربة" ٥٧٠٥ حديث: "عطش النبيّ ﷺ ، حول الكعبة، فاستسقى، فأتي بنبيذ .. " الحديث.
و"سفيان": هو الثوريّ. و"عاصم": هو ابن بَهْدَلة المقرئ الكوفيّ، صدوق له أوهام [٦] ٢٠/ ١٢٢١.
و"المسيّب بن رافع": هو الأسديّ الكاهليّ، أبو العلاء الكوفيّ، ثقة [٤] ٥/ ١١٨٤.
و"سواء الْخُزَاعيّ": هو أخو مُغِيث مقبول [٣].
стр. 11575
روى عن حفصة، وأم سلمة، وعائشة ﵅ إن كان محفوظًا. وعنه معبد ابن خالد، والمسيّب بن رافع، وعاصم بن بَهْدلة. ذكره ابن حبّان في "الثقات". وأخرج ابن خزيمة في "صحيحه" حديثه عن عائشة ﵂. وله عند المصنّف ثلاثة أحاديث برقم ٢٣٦٤ و ٢٣٦٥ و ٢٣٦٦.
والحديث حسن، أخرجه هنا- ٧٠/ ٢٣٦٤ - وفي "الكبرى"٧٠/ ٢٦٧٣. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣٦٥ - (أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نَصْرٍ التَّمَّارُ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ, عَنْ عَاصِمٍ, عَنْ سَوَاءٍ, عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ, قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , يَصُومُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ, ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ, الاِثْنَيْنِ, وَالْخَمِيسَ, مِنْ هَذِهِ الْجُمُعَةِ, وَالاِثْنَيْنِ, مِنَ الْمُقْبِلَةِ).
قال الجامع -- عفا اللَّه تعالى عنه -: "أبو بكر بن عليّ": هو أحمد بن عليّ بن سعيد المروزيّ الثقة الحافظ [١٢] ١/ ٢٠٩٤ من أفراد المصنّف.
و"أبو نصر التمّار" هو: عبد الملك بن عبد العزيز القشيريّ الدَّقِيقيّ النَّسَويّ البغداديّ، قيل: اسم جدّه الحارث والد بِشْرِ الحافي. وقيل: اسمه عبد الملك بن ذكوان بن يزيد ابن محمد بن عبيد اللَّه، ثقة عابد، من صغار [٩].
قال أبو حاتم: ثقة، يُعدّ من الأبدال. وقال أبو داود، والنسائيْ: ثقة. وقال أبو زرعة: كان أحمد لا يرى الكتابة عن أحد ممن أجاب في المحنة، كأبي نصر التمّار.
وقال الميمونيّ: صحّ عندي أن أحمد لم يحضره لما مات. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن سعد: ذكر أنه وُلد بعد قتل أبي مسلم بستة أشهر، ونزل بغداد، واتجر بها في التمر، وكان ثقة فاضلاً خيّرًا ورعًا، توفي في أول يوم من المحرّم سنة (٢٢٨) وهو ابن (٩١) سنة وقد ذهب بصره، وكذا أرّخ البغويّ وفاته. انفرد به مسلم، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
والحديث حسن، أخرجه المصنّف هنا -٧٠/ ٢٣٦٥ - وفي "الكبرى" ٧٠/ ٢٦٧٤.
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣٦٦ - (أَخْبَرَنِي (١) زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ, قَالَ: أَنْبَأَنَا النَّضْرُ, قَالَ: أَنْبَأَنَا حَمَّادٌ, عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ, عَنْ سَوَاءٍ, عَنْ حَفْصَةَ, قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , يَصُومُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ, يَوْمَ الْخَمِيسِ, وَيَوْمَ الاِثْنَيْنِ, وَمِنَ الْجُمُعَةِ الثَّانِيَةِ يَوْمَ الاِثْنَيْنِ").
قال الجامع عفا اللَّهَ تعالى عنه: "زكريا بن يحيى": هو السِّجْزيّ، المعروف بخيّاط
стр. 11576
السنّة. و"إسحاق": هو ابن راهويه. و"النضر": هو ابن شُميل. و"حماد": هو ابن سلمة.
وقوله: "يوم الخميس، ويوم الاثنين" أي من الجمعة الأولى، ففيه حذف من الأول لدلالة الثاني عليه، وقد ثبت في رواية "الكبرى"، ولفظها: "كان رسول اللَّه ﷺ يصوم ثلاثة أيام من كلّ شهر، يوم الخميس، ويوم الاثنين من الجمعة الأولى، ومن الجمعة الثانية يوم الاثنين". انتهى.
والحديث حسن، أخرجه المصنّف هنا -٧٠/ ٢٣٦٦ - وفي "الكبرى" ٧٠/ ٢٦٧٥.
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣٦٧ أ- (أَخْبَرَنَا الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ دِينَارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ, عَنْ زَائِدَةَ, عَنْ عَاصِمٍ عَنِ الْمُسَيَّبِ, عَنْ حَفْصَةَ, قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ, جَعَلَ كَفَّهُ الْيُمْنَى (١) , تَحْتَ خَدِّهِ الأَيْمَنِ, وَكَانَ يَصُومُ الاِثْنَيْنَ وَالْخَمِيسَ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"القاسم بن زكريا بن دينار": هو الكوفيّ الطحان، ثقة [١١] ٨/ ٤١٠.
و"حسين": هو ابن عليّ الجعفيّ المقرئ العابد الكوفيّ، ثقة [٩] ٧٤/ ٩١.
و"زائدة": هو ابن قُدامة الثقفيّ، أبو الصَّلّت الكوفيّ، ثقة ثبت [٧] ٧٤/ ٩١. و"عاصم"، و "المسيّب" تقدما قبل حديثين.
وقولها: "إذا أخذ مضجعه الخ": فيه اسحباب وضع الكف اليمنى تحت الخدّ الأيمن، واستحباب النوم على الشقّ الأيمن، لأنه لا يمكن وضع الكفّ اليمنى تحت الخد الأيمن إلا إذا نام على الشقّ الأيمن.
والحديث حسن، أخرجه المصنّف هنا -٧٠/ ٢٣٦٧ - وفي "الكبرى" ٧٠/ ٢٦٧٦.
[فإن قلت]: كيف يكون حسنًا، وفيه انقطاع؛ لأن المسيّب لم يسمع من حفصة ﵂، كما في ترجمته من "تهذيب التهذيب" جـ ٤ ص٨٠؟.
[قلت]: قد تقدّم قبل حديثين ذكر الواسطة بينهما، وهو سَوَاءٌ الخزاعي، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣٦٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ, قَالَ: أَبِي, أَنْبَأَنَا أَبُو حَمْزَةَ, عَنْ عَاصِمٍ, عَنْ زِرٍّ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ, قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , يَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ, مِنْ غُرَّةِ كُلِّ شَهْرٍ, وَقَلَّمَا يُفْطِرُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن عليّ بن الحسن" المروزيّ، ثقة، صاحب حديث [١١] ٢٢/ ٢٠٦.
стр. 11577
و"عليّ بن الحسن بن شقيق بن دينار"، أبو عبد الرحمن المروزيّ، ثقة حافظ، من كبار [١٠] ٢٢/ ٩٠٦.
و"أبو حمزة": السُّكَّريّ، محمد بن ميمون المروزيّ، ثقة فاضل [٧] ٢٢/ ٢٠٦.
و"زِرّ" بن حُبيش بن حُباشة، أبو مريم الأسديّ الكوفيّ، ثقة جليل مخضرم [٢] ١٩٨/ ١٢٦.
وقوله: "من غُرّة كل شهر": أي من أول كلّ شهر، فإن غُرّة كل شيء أوّله. ويحتمل أن المراد بالغرّة أيام البيضِ، وهي الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر. واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: ذكر المصنّف في "الكبرى" عقب هذا الحديث: ما نصّه:
قال أبو عبد الرحمن: أبو حمزة هذا اسمه محمد بن ميمون، مروزيّ، لا بأس به، إلا أنه كان ذهب بصره في آخر عمره، فمن كتب عنه قبل ذلك، فحيثه جيّد. وأبو حمزة صاحب إبراهيم النخعيّ، اسمه ميمون الأعور، وليس بثقة. وأبو حمزة ثابت بن أبي صفية، كوفيّ، وليس بثقة. وأبو حمزة عمران بن أبي عطاء يروي عن ابن عبّاس، روى عنه شعبة، وسفيان، وأبو عوانة، وليس بالقويّ. وأبو حمزة طلحة بن يزيد كوفيّ ثقة. وأبو حمزة محمد بن كعب القرظي، مدني ثقة. وأبو حمزة سعد بن عبيدة، كوفيّ ثقة. وأبو حمزة أنس بن سيرين، ثقة، وهم أربعة إخوة: محمد بن سيرين، ويحيى بن سيرين، ومعبد بن سيرين، وأنس بن سيرين، وحفصة بنت سيرين، وكريمة بنت سيرين، وهم موالي أنس بن مالك الأنصاريّ انتهى كلام المصنّف (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: جملة ما ذكره ممن يكنى بأبي حمزة من رواة الأحاديث ثمانية، ويزاد عليهم أنسُ بن مالك الأنصاريّ الصحابيّ: ﵁ خادم رسول اللَّه ﷺ ، فإن كنيته أبو حمزة أيضًا. واللَّه تعالى أعلم.
والحديث حسن، أخرجه المصنّف هنا -٧٠/ ٢٣٦٨ - وفي "الكبرى" ٧٠/ ٢٦٧٧.
وأخرجه (د) في "الصوم" ٢٤٥٠ (ت) في "الصوم" ٧٤٢ (ق) في "الصيام" ١٧٢٥.
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣٦٩ - (أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ, عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ, عَنْ رَجُلٍ, عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ هِلَالٍ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: "أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , بِرَكْعَتَيِ الضُّحَى, وَأَنْ لَا أَنَامَ (٢) إِلاَّ عَلَى وِتْرٍ, وَصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنَ الشَّهْرِ").
стр. 11578
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: و "زكريا بن يحيى": هو: السجزيّ المعروف بخيّاط السنّة.
و"أبو كامل": فضيل بن الحسين بن طلحة الْجَحْدريّ البصريّ، ثقة حافظ [١٠].
قال أبو طالب، عن أحمد: أبو كامل بصير بالحديث، متقنٌ، يشبه الناس، وله عقل. وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن عليّ ابن المدينيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وذكر ابن السمعانيّ أن مولده كان سنة (١٤٥) وقال مطيّن، وموسى بن هارون: مات سنة (٢٣٧). علّق له البخاريّ، وأخرج له مسلم، وأبو داود، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب هذا الحديث فقط ٢٣٦٩ وأعاده برقم ٢٤٠٦.
و"أبو عوانة": هو الوضاح بن عبد اللَّه اليشكريّ الواسطيّ الثقة الثبت [٧] ٤١/ ٤٦.
و"الأسود بن هلال" المحاربيّ الكوفيّ، ثقة جليل مخضرم [٢] ١٧/ ١٥٢٩. واللَّه تعالى أعلم.
والحديث قد تقدّم في "كتاب قيام الليل" "باب الحثّ على الوتر قبل النوم" ٢٨/ ١٦٧٧ - فقد أخرجه هناك من طريق أبي عثمان النَّهْديّ، عن أبي هريرة ﵁، وهو متفق عليه من هذا الوجه.
وأما من الوجه الذي أخرجه به هنا، ففيه اختلاف، فقد رواه هنا ٧٠/ ٢٣٦٩ و ٨١/ ٢٤٠٦ - من طريق أبي كامل، عن أبي عوانة، عن عاصم، عن رجل، عن الأسود بن هلال، عن أبي هريرة ﵁، فأدخل واسطة بين عاصم، وبين الأسود. ورواه في ٨١/ ٢٤٠٥ و ٢٤٠٧ - من طريق أبي حمزة السكّري، وأبي معاوية شيبان بن عبد الرحمن، كلاهما عن عاصم، عن الأسود، عن أبي هريرة ﵁، فأسقط الواسطة.
والظاهر أن هذه الطريق أرجح؛ لاتفاق أبي حمزة، وأبي معاوية عليها.
والحاصل أن الحديث صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣٧٠ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ, أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ, وَسُئِلَ عَنْ صِيَامِ عَاشُورَاءَ, قَالَ: مَا عَلِمْتُ النَّبِيَّ ﷺ , صَامَ يَوْمًا, يَتَحَرَّى فَضْلَهُ عَلَى الأَيَّامِ, إِلاَّ هَذَا الْيَوْمَ -يَعْنِي شَهْرَ رَمَضَانَ, وَيَوْمَ عَاشُورَاءَ-).
رجال هذا الإسناد: أريبعة:
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (سفيان) بن عيينة الهلاليّ مولاهم، أبو محمد المكيّ الإمام الحجة الثبت [٨] ١/ ١.
стр. 11579
٣ - (عبيد اللَّه) بن أبي يزيد المكيّ، مولى آل قارظ بن شيبة، ثقة كثير الحديث [٤].
قال ابن المدينيّ، وابن معين، والعجليّ، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقة. وقال ابن سعد: ثقة كثير الحديث. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن عيينة: مات سنة (٢٢٦) وله (٨٦) سنة. روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث برقم ٢٢٧٠ و ٢٨٩٦ و ٣٠٣٢ و ٤٢١٧ وأعاده بعده ٤٢١٨ و ٤٥٨٠.
٤ - (ابن عباس) عبد اللَّه البحر - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من رباعيات المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (١٢٦) من رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين، غير شيخه، فبغلانيّ. (ومنها): أن فيه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ) بن أبي يزيد (أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسِ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (وَسُئِلَ عَنْ صِيَامِ عَاشُورَاءَ) جملة في محلّ نصب على الحال (قَالَ: مَا عَلِمْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، صَامَ يَوْمًا، يَتَحَرَّى) أي يقصده، ويعتقدُ (فَضْلَه عَلَى الْأَيَّامِ) هذا يقتضي أن يوم عاشوراء أفضل الأيام للصائم بعد رمضان، لكن ابن عباس ﵄ أسند ذلك إلى علمه، فليس فيه ما يردّ علم غيره، فقد روى مسلم من حديث أبي قتادة ﵁، مرفوعًا: "إن صوم عاشوراء يكفّر سنة، وإن صوم يوم عرفة يكفّر سنتين". وظاهره أن صيام يوم عرفة أفضل من صيام يوم عاشوراء.
وقد قيل في الحكمة في ذلك: إن يوم عاشوراء منسوب إلى موسى ﵇، ويوم عرفة منسوب إلى النبيّ ﷺ ، فلذلك كان أفضل. قاله في "الفتح" (١) (إِلاَّ هَذَا الْيَوْمَ - يَعْنِي شَهْرَ رَمَضَانَ، وَيَوْمَ عَاشُورَاءَ-) هكذا لفظ المصنّف هنا، ولفظه في "الكبرى": "ما علمت النبيّ ﷺ صام يومًا يتحرّى فضله على الأيام إلا هذا اليوم -يعني يوم عاشوراء-". ولم يذكر "شهر رمضان".
ولفظ البخاريّ: "ما رأيت النبيّ ﷺ يتحرّى صيام يوم فضّله على غيره إلا هذا اليوم، يوم عاشوراء، وهذا الشهر -يعني شهر رمضان-".
стр. 11580
قال في "الفتح": كذا ثبت في جميع الروايات، وكذا هو عند مسلم وغيره، وكأن ابن عباس اقتصر على قوله: "وهذا الشهر" وأشار بذلك إلى شيء مذكور، كأنه تقدّم ذكر رمضان، وذكر عاشوراء، أو كانت المقابلة في أحد الزمانين، وذكر الآخر، فلهذا قال الراوي عنه: "يعني رمضان"، أو أخذه الراوي من جهة الحصر في أن لا شهر يُصام إلا رمضان، لما تقدّم له عن ابن عباس أنه كان يقول: "لم أر رسول اللَّه ﷺ صام شهرًا كاملاً غير رمضان.
وإنما جمع ابن عباس بين عاشوراء ورمضان -وإن كان أحدهما واجبًا، والآخر مندوبًا- لاشتراكهما في حصول الثواب؛ لأن معنى "يتحرّى" أي يقصد صومه لتحصيل ثوابه، والرغبة فيه انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٧٠/ ٢٣٧٠ - وفي "الكبرى" ٧٠/ ٣٦٧٩. وأخرجه (خ) في "الصوم" ٢٠٥٦ (م) في "الصيام" ١١٣٢ (أحمد) في "مسند بني هاشم" ١٩٣٩ و ٢٨٥١ و ٢٤٦٥. واللَّه تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣٧١ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, عَنْ سُفْيَانَ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ, قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ, يَوْمَ عَاشُورَاءَ, وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ, يَقُولُ: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ, أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ؟ , سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَقُولُ, فِي هَذَا الْيَوْمِ: «إِنِّي صَائِمٌ, فَمَنْ شَاءَ, أَنْ يَصُومَ فَلْيَصُمْ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (الزهريّ) محمد بن مسلم الإمام الحجة الثبت الفقيه [٤] ١/ ١.
٢ - (حميد بن عبد الرحمن بن عوف) الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ ثقة [٢] ٣٢/ ٧٢٥.
٣ - (معاوية) بن أبي سفيان صخر بن حرب الأمويّ الخليفة الشهير الصحابي ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما -، مات سنة (٦٠) وقد قارب الثمانين، وتقدم في ٢٨٦/ ٢٩٤. والباقيان تقدّما في السند الماضي. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 11581
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ، وسفيان، فمكيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ حُمَيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) هكذا رواه ابن عيينة، وتابعه مالك، ويونس، وصالح ابن كيسان، وغيرهم كلهم عن الزهريّ، عن حميد بن عبد الرحمن، عن معاوية ﵁، وقال الأوزاعيّ، عن الزهريّ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن. وقال النعمان بن راشد: عن الزهريّ، عن السائب بن يزيد، كلاهما عن معاوية ﵁. والمحفوظ رواية الزهريّ، عن حميد بن عبد الرحمن. قاله النسائيّ وغيره. ووقع عند مسلم في رواية يونس، عن الزهريّ: أخبرني حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية. قاله في "الفتح". (قَالَ: سَمِعتُ مُعَاوِيَةَ) بن أبي سفيان ﵄ (يَوْمَ عَاشُورَاءَ) زاد في رواية البخاريّ من طريق مالك، عن الزهريّ: "عامَ حَجّ"، وزاد في رواية يونس: "بالمدينة"، وقال في روايته: "في قَدْمَةٍ قَدِمَها". قال الحافظ: وكأنه تأخّر بمكة، أو المدينة في حجته إلى يوم عاشوراء. وذكر أبو جعفر الطبريّ أن أول حجة حجها معاوية بعد أن استُخلف كانت في سنة أربع وأربعين، وآخر حجة حجها سنة سبع وخمسين، والذي يظهر أن المراد بها في هذا الحديث الحجة الأخيرة انتهى (١).
(وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، يَقُولُ: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ، أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ؟) أي حتى يصدّقوني فيما أقول.
وقال في "الفتح": في سياق القصّة إشعار بأن معاوية لم ير لهم اهتمامًا بصيام عاشوراء، فلذلك سأل عن علمائهم، أو بلغه عمن ينكر صيامه، أو يوجبه انتهى.
[تنبيه]: نقل القاضي عياض -رحمه اللَّه تعالى- أن بعض السلف كان يرى بقاء فرضيّة عاشوراء. لكن انقرض القائلون بذلك. ونقل ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى- الإجماع على أنه الآن ليس بفرض، والإجماع على أنه مستحبّ، وكان ابن عمر ﵄ يَكره قصده بالصوم، ثم انقرض القول بذلك. قاله في "الفتح" (٢).
(سَمِعْتُ رَسولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ، فِي هَذَا الْيَوْمِ: (إِنِّي صائِمٌ") ولفظ البخاري:
стр. 11582
"سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "هذا يوم عاشوراء، ولم يَكتُب اللَّه عليكم صيامه، وأنا صائم … ".
قال في "الفتح": وقد استُدِلّ به على أنه لم يكن فرضا قط، ولا دلالة فيه لاحتمال أن يريد": ولم يكتب اللَّه عليكم صيامه على الدوام، كصيام رمضان، وغايته أنه عامّ خُصّ بالأدلّة الدالّة على تقدّم وجوبه، أو المراد أنه لم يدخل في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٨٣]، ثم فسّره بأنه شهر رمضان. ولا يناقض هذا الأمر السابق بصيامه الذي صار منسوخًا، ويؤيّد ذلك أن معاوية إنما صحب النبيّ ﷺ -من سنة الفتح، والذين شهدوا أمره بصيام عاشوراء، والنداء بذلك شهدوه في السنة الأولى، أو أوائل العام الثاني انتهى (فَمَنْ شَاءَ، أَنْ يَصُومَ فَلْيَصُمْ") زاد في رواية البخاريّ: "ومن شاء فليفطر". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث معاوية ﵁ هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٧٠/ ٢٣٧١ - وفي "الكبرى"٧٠/ ٢٦٨٠. وأخرجه (خ) في "الصوم" ٢٠٠٦ (م) في "الصيام" ١١٣٢ (أحمد) في "مسند الشاميين" ١٦٤٢٥ و ١٦٤٤٨ (مالك) في "الصيام" ١٦٦٦. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣٧٢ أ- (أَخْبَرَنِي زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ, عَنِ الْحُرِّ بْنِ صَيَّاحٍ (١) , عَنْ هُنَيْدَةَ بْنِ خَالِدٍ, عَنِ امْرَأَتِهِ, قَالَتْ: حَدَّثَتْنِي بَعْضُ نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ , "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , كَانَ يَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ, وَتِسْعًا مِنْ ذِى الْحِجَّةِ, وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنَ الشَّهْرِ, أَوَّلَ اثْنَيْنِ مِنَ الشَّهْرِ, وَخَمِيسَيْنِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زكريا بن يحيى) بن إياس، أبو عبد الرحمن السجزي، نزيل دمشق المعروف بخيّاط السنّة، ثقة حافظ [١٢] ١٨٩/ ١١٦١.
٢ - (شيبان) بن أبي شيبة فَرُّوخ الْحَبَطيّ -بمهملة، وموحّدة مفتوحتين- أبو محمد
стр. 11583
الأُبُلّيّ (١) -بضم الهمزة، والموحّدة، وتشديد اللام- صدوق يَهِم، ورمي بالقدر، من صغار [٩].
قال أحمد بن سعد بن إبراهيم، عن أحمد بن حنبل: ثقة. وقال أبو زرعة: صدوق. وقال أبو حاتم: كان يَرى القدر، واضطرّ الناس إليه بأَخَرَة. وقال أبو الشيخ، عن عبدان الأهوازيّ: كان شيبان أثبت عندهم من هُدْبَة. وقال مسلمة: ثقة. وقال الساجيّ: قدريّ إلا أنه كان صدوقًا. مولده في حدود سنة (١٤٠) ومات سنة (٦) وقيل: (٢٣٥). أخرج له مسلم، وأبو داود، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٣ - (أبو عوانة) الوضّاح بن عبد اللَّه اليشكريّ الواسطيّ، ثقة ثبت [٧] ٤١/ ٤٦.
٤ - (الحرّ) -بضم أوله، وتشديد ثانيه- ابن صيّاح -بمهملة، ثم تحتانيّة، وآخره مهملة- النخعيّ الكوفيّ، ثقة [٣].
قال ابن معين، والنسائيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: ثقة صالح الحديث. روى له أبو داود، والترمذيّ، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب هذا الحديث ٢٣٧٢ وأعاده برقم ٢٤١٣ و ٢٤١٤ و ١٢٤٥ و ٢٤١٦ و ٢٤١٧ و ٢٤١٨.
٥ - (هُنيدة بن خالد) -بنون مصغّرًا- الخزاعيّ، ويقال: النخعيّ، كانت أمه تحت عمر بن الخطاب ﵁، مذكور في الصحابة، وقيل: تابعيّ [٢].
ذكره ابن حبّان في "الثقات"، وذكره أيضًا في "الصحابة"، وقال: له صحبة. وكذا ذكره ابن عبد البرّ في "الاستيعاب"، وأخرج له أبو نُعيم حديثين عن النبيّ ﷺ ، قال الحافظ: لكن ليس فيهما تصريح. روى له أبو داود، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب هذا الحديث كرره بالأرقام المذكورة في الترجمة التي قبله. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ هُنَيْدَةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ امْرَأَتِه) قال الحافظ في "التقريب": هنيدة بن خالد، عن أم المؤمنين، هي حفصة، وعن امرأته، لم أقف على اسمها، وهي صحابيّة، روت عن أم سلمة، زوج النبيّ ﷺ ، وعن أمه كانت تحت عمر صحابية أيضًا، وقد تقدم أن هنيدة المذكور معدود في الصحابة. انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هكذا أثبت الحافظ في "التقريب": لامرأة هُنيدة، وأمه الصحبة، ولم يذكر لذلك مُستنده، ولا ذكرهما في "الإصابة"، وقال الحافظ أبو بكر الهيثميّ -رحمه اللَّه تعالى- في "مجمع الزوائد" بعد أن أورد الحديث من "مسند أحمد" بلفظ:
стр. 11584
"كان النبيّ ﷺ -يأمرني أن أصوم ثلاثة أيام من كلّ شهر، أوّلها الاثنين، والجمعة، والخميس": ما نصّه: قلت: رواه النسائيّ، خلا "والجمعة"، وأم هنيدة لم أعرفها انتهى. فالظاهر أنها مجهولة. واللَّه تعالى أعلم.
(قَالَتْ: حَدَّثَتْي بعضُ نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ ) هي حفصة ﵂، كما مرّ آنفًا (أَن النَّبِيَّ ﷺ ، كَانَ يَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَتِسْعًا مِنْ ذِي الْحِجَّةِ) أي يصوم تسعة أيام من أول شهر ذي الحجة لغاية اليوم التاسع (وَثَلَاَثةَ أَيَّامٍ مِنَ الشَّهْرِ، أَوَّلَ اثْنَيْنِ مِنَ الشَّهْرِ، وَخَمِيسَيْنِ") أي يصوم يوم الاثنين الذي في الأسبوع الأول، ثم يوم الخميس من الأسبوع التالي، ثم يوم الخميس من الأسبوع الذي يليه. وفي حديث ابن عمر ﵄ الآتي في-٨٣/ ٢٤١٤ - : "كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، يوم الاثنين، من أول الشهر، والخميس الذي يليه، ثم الخميس الذي يليه". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث بعض أزواج النبيّ ﷺ هذا في إسناده امرأة هنيدة، وهي مجهولة، لكنه صحيح، من حديث هنيدة نفسه، عن حفصة ﵁، وسيأتي في ٨٣/ ٢٤١٥ و ٢٤١٦ إن شاء اللَّه تعالى.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٧٠/ ٢٣٧٢ و ٨٣/ ٢٤١٥ و ٢٤١٦ و ٢٤١٧ و ٢٤١٨ و ٢٤١٩ - وفي "الكبرى" ٧٠/ ٢٦٨١ و ٨٣/ ٢٧٢٣ و ٢٧٢٤ و ٢٧٢٥ و٢٧٢٦ و ٢٧٢٧. وأخرجه (د) في "الصوم" ٢٤٥٢. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب"
…
٧١ - (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى عَطَاءٍ فِي الْخَبَرِ فِيهِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الضمير في "فيه" يعود إلى صوم التطوّع،
ووجه الاختلاف المذكور أن الحارث بن عطية، والوليد بن مسلم روياه عن
стр. 11585
الأوزاعيّ، عن عطاء بن أبي رباح، عن عبد اللَّه بن عُمَر ﵄.
وخالفهما الوليد بن مزيد، وعقبة بن علقمة، وموسى بن أعين فرووه عن الأوزاعيّ، عن عطاء، عمن سمع ابن عمر ﵄، فأدخلوا واسطة بين عطاء، وابن عمر، وهو راو مبهم.
وخالفهم يحيي بن حمزة، عن الأوزاعيّ، عن عطاء، عمن سمع عبد اللَّه بن عمرو ابن العاص، فجعله من مسند عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄.
ورواه ابن جريج، عن عطاء، عن أبي العباس الشاعر، عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄، وهذه الرواية هى الصحيحة، ولذا اتفقا الشيخان على إخراجها. والحاصل أن الحديث صحيح من مسند عبد اللَّه بن عمرو، وأما حديث عبد اللَّه بن عُمَرَ فلا يصح، وذلك لأن عطاء لم يسمع من ابن عمر، كما قاله الإمام أحمد وابن المدينيّ، انظر ترجمته في "تهذيب التهذيب" جـ ٣ ص ١٠٣، وإلى هذا يشير صنيع المصنّف ﵀، حيث جرى على عادته في تقديم الأخبار المعلّة، فقد بدأ برواية الحارث بن عطية، والوليد بن مسلم كلاهما عن الأوزاعيّ، عن عطاء، عن ابن عمر، ثم أتبع ذلك برواية الوليد بن مزيد، وعقبة بن علقمة، وموسى بن أعين، ثلاثتهم عن الأوزاعيّ، عن عطاء، عمن سمع ابن عمر، وروايتهم أرجح من روايد الأولَيْن؛ لكثرتهم، فيكون الواسطة بين عطاء وابن عمر مبهمًا. ثم أتى برواية يحيي بن حمزة عن الأوزاعيّ، عن عطاء، عمن سمع عبد اللَّه بن عَمْرو، فجعده من مسند عبد اللَّه بن عمرو، وهي رواية صحيحة؛ لأن المبهم فيها مفَسَّر في الرواية التالية.
ثم أتى برواية ابن جريج، عن عطاء، عن أبي العباس، عن عبد اللَّه بن عمرو، وهذه هي الرواية الصحيحة التي اتفق عليها الشيخان.
وخلاصة القول أن الحديث صحيح من مسند عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄ لا من مسند عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب ﵄ واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٣٧٣ - (أَخْبَرَنِي حَاجِبُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ عَطِيَّةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ, عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ صَامَ الأَبَدَ, فَلَا صَامَ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (حاجب بن سليمان) الْمنبجيّ، أبي سعيد، مولى بني شيبان، صدوق يَهِم [١٠] ٧/ ٦٣٤. من أفراد المصنف.
٢ - (الحاث بن عطية) البصريّ، نزيل الْمِصِّيصة، صدوق يَهِم [٩] ١٩٠/ ١١٦٨. وهو من أفراده أيضًا.
стр. 11586
٣ - (الأوزاعيّ) عبد الرحمن بن عمرو، أبو عمرو الدمشقيّ ثقة حجة [٧] ٤٥/ ٥٦.
٤ - (عطاء بن أبي رباح) أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقة فقيه فاضل، كثير الإرسال [٣] ١١٢/ ١٥٤.
٥ - (عبد اللَّه بن عمر) بن الخطّاب - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٢/ ١٢. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، وشيخ شيخه، فإنهما من أفراده. (ومنها): أن فيه ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة ومن المشهورين بالفتوى. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "مَن صَامَ الْأَبَدَ، فَلَا صَامَ") وفي الرواية التالية: "فلا صام، ولا أفطر".
قال الخطابيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "المعالم": معناه لم يصم، ولم يفطر، وقد يوضع "لا" بمعنى "لم"، كقوله تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾ [القيامة: ٣١]، أي لم يصدق، ولم يصلّ. وقد يحتمل أن يكون معناه الدعاء عليه؛ كراهة لصنيعه، وزجرًا له عن ذلك. انتهى (١).
وقال الجزريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "النهاية": قوله: "لا صام، ولا أفطر" أي لم يصم، ولم يفطر، وهو إحباط لأجره على صومه، حيث خالف السنّة. وقيل: دعاء عليه؛ كراهية لصنيعه انتهى (٢).
وقال التوربشتيّ -رحمه اللَّه تعالى-: فُسّر هذا على وجهين: أحدهما على معنى الدعاء عليه زجرًا له على صنيعه، والآخرِ سبيل الإخبار، والمعنى لم يكابد سَوْرة الجوع، وحرّ الظمأ؛ لاعتياده الصوم حتى خَفّ عليه، ولم يفتقر إلى الصبر على الجهد الذي يتعلّق به الثواب، فصار كأنه لم يصم. انتهى.
وقال العلامة الشوكانيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "السيل الجرّار": حديث "لا صام من صام الأبد" في "الصحيحين" في حديث عبد اللَّه بن عمرو، وكذلك حديث: "لا صام، ولا أفطر"، أو "لم يصم، ولم يفطر" في حديث أبي قتادة: معناهما أنه لما خالف الهدي النبويّ الذي رغّب فيه ﷺ كان بمنزلة من لم يصم صومًا مشروعًا، يؤجر عليه، ولا أفطر فطرًا ينتفع به، ويؤيد أن هذا المعنى هو المراد أن رسول اللَّه ﷺ قال لعبد اللَّه
стр. 11587
ابن عمرو، وقد كان أراد أن يصوم الدهر، فقال له: "صم من كلّ شهر ثلاثة أيام"، فقال: إني أقوى من ذلك، فلم يزل يرفعني حتى قال: "صم يومًا، وأفطر يومًا، فإنه أفضل الصيام، وهو صوم أخي داود"، فقلت: إني أطيق أفضل من ذلك، فقال النبيّ ﷺ : "لا أفضل من ذلك". هكذا في "الصحيحين" وغيرهما من حديثه.
وقد ثبت في "الصحيح" من حديث أنس ﵁ أنه ﷺ قال للثلاثة الذين قال أحدهم: إنه يصوم، ولا يفطر، وقال الثاني: إنه يقوم الليل، ولا ينام، وقال الثالث: إنه لا يأتي النساء، فقال ﷺ : "أمّا أنا فأصوم، وأفطر، وأقوم، وأنام، وآتي النساء، فمن رغب عن سنتي، فليس مني". فهذا الحديث الصحيح يدلّ على أن صيام الدهر من الرَّغْبَة عن سنة رسول اللَّه ﷺ ، فيسحقّ فاعله ما رتبه عليه من الوعيد بقوله: "فمن رغب عن سنتي، فليس منّي".
وقد أخرج أحمد، وأبو داود، وابن ماجه أن النبيّ ﷺ قال للرجل الذي أخبره أنه يصوم الدهر: "من أمرك أن تعذّب نفسك". انتهى كلام الشوكاني (١). وهو حسنٌ جدًّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد اللَّه بن عمر ﵄ هذا ضعيف (٢)؛ لأن فيه انقطاعًا، كما سبق بيانه، وهو متفق عليه من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄، كما سيأتي آخر الباب، إن شاء اللَّه تعالى.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له:
أخرجه هنا-٧١/ ٢٣٧٣ و ٢٣٧٤ و ٢٣٧٥ و ٢٣٧٦ - وفي "الكبرى" ٧٣ م ٢٦٨٧ و ٢٦٨٨ و ٢٦٨٩ و ٢٦٩٠. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم صوم الدهر:
ذهب إسحاق بن راهويه، وأهل الظاهر إلى كراهته مطلقا، سواء أفطر الأيام الخمسة المنهيّ عنها، وهي رواية عن أحمد، قال الأثرم: قيل لأبي عبد اللَّه: فَسَّرَ مسدّدٌ قول أبي موسى: "من صام الدهر ضُيّقت عليه جهنم": أي فلا يدخلها. فضحك، وقال: من قال هذا؟، فأين حديث عبد اللَّه بن عمرو أن النبيّ ﷺ كره ذلك، وما فيه من الأحاديث (٣).
وقال ابن حزم: لا يحلّ صوم الدهر أصلاً -يعني أنه يحرم.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما ذهب إليه ابن حزم هو الحقّ عندي، كما يأتي
стр. 11588
تحقيقه، إن شاء اللَّه تعالى.
وإلى الكراهة مطلقًا ذهب ابن العربيّ من المالكية، فقال: قوله ﷺ : "لا صام من صام الأبد" في حديث عبد اللَّه بن عمرو، إن كان معناه الدعاء، فيا وَيحَ من أصابه دعاء النبيّ ﷺ ،وإن كان معناه الخبر، فيا وَيحَ من أخبر عنه النبيّ ﷺ أنه لم يصم، وإذا لم يصم شرعًا، لم يكتب له الثواب؛ لوجوب صدق قوله ﷺ ؛ لأنه نفى عنه الصوم، وقد نفى عنه الفضل، كما تقدّم، فكيف يطلب الفضل فيما نفاه النبيّ ﷺ انتهى.
واستُدلّ للكراهة والمنع بقوله ﷺ : "لا صام، ولا أفطر"، وقد تقدم وجه الاستدلال به في كلام ابن العربيّ، والجزريّ، والشوكانيّ، وغيرهم.
وقد روي مثل هذا مرفوعًا عن جماعة من الصحابة، منهم:
عبد اللَّه بن الشخير عند أحمد، والمصنّف (١)، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم. وعمرانُ بن حُصين، عند المصنّف (٢)، والحاكم. وابنُ عمر عند المصنّف (٣).
واستدل أيضا لذلك بقصّة عبد اللَّه بن عمرو التي تقدمت الإشارة إليها.
قال ابن التين: استُدلّ على كراهة صوم الدهر من هذه القصّة من أوجه: نهيُهُ ﷺ عن الزيادة على صوم نصف الدهر، وأمره بأن يصوم ويفطر، وقوله: "لا أفضل من ذلك"، ودعاؤه على من صام الأبد انتهى.
وبحديث أنس الذي تقدمت الإشارة إليه أيضًا في كلام الشوكانيّ مع وجه الاستدلال منه. وبحديث رجل من أصحاب النبيّ ﷺ قال: قيل للنبيّ ﷺ -رجل يصوم الدهر؟ قال: "وددت أنه لم يطعم الدهر شيئًا … " الحديث. أخرجه المصنّف (٤).
قال السنديّ: أي وددت أنه ما أكل ليلاً، ولا نهارًا حتى مات جوعًا، والمقصود بيان كراهة عمله، وأنه مذموم العمل، حتى يتمنى له الموت بالجوع.
وبحديث أبي موسى، رفعه: "من صام الدهر ضُيّقت عليه جهنم هكذا، وقبض كفّه". أخرجه أحمد، والنسائيّ، وابن خزيمة، وابن حبّان، والبيهقيّ (٥)، وابن أبي شيبة، والبزّار، ولفظ ابن حبّان، والبزار، والبيهقيّ: "ضيّقت عليه جهنم هكذا، وعقد - تسعين ". وأخرجه أيضًا الطبرانيّ، قال الهيثميّ (٦): رجاله رجال الصحيح.
стр. 11589
قال الحافظ: ظاهره أنها تضيّق عليه حصرًا له فيها لتشديده على نفسه، وحمله عليها، ورغبته عن سنة نبيّه ﷺ ، واعتقاده أن غير سنته أفضل منها، وهذا يقتضي الوعيد الشديد، فيكون حرامًا انتهى.
وقال ابن التركماني: ظاهر هذا الحديث يقتضي المنع من صوم الدهر. وقد أورده ابن أبي شيبة في "باب من كره صوم الدهر". واستدلّ به ابن حزم على المنع، وقال: إنما أورده رواته كلهم على التشديد، والنهيِ عن صومه. وقال ابن حبّان:
"ذكر الأخبار عن نفي جواز سرد المسلم صوم الدهر". وذكر هذا الحديث.
واستدلّ للمنع أيضًا بما روى ابن أبي شيبة بسند صحيح عن أبي عمرو الشيبانيّ، قال: بلغ عمر أن رجلا يصوم الدهر، فأتاه، فعلاه بالدّرّة، وجعل يقول: كُلْ يا دهريّ.
قال ابن حزم: قد صحّ عن عمر تحريم صيام الدهر، كما رويناه، فذكر هذا الأثر، ثم قال: هذا في غاية الصحّة عنه، فصح أن تحريم صوم الدهر كان من مذهبه، ولو كان عنده مباحًا لما ضرب فيه، ولا أمر بالفطر انتهى.
وبما روى ابن أبي شيبة أيضًا من طريق أبي إسحاق أن عبد الرحمن بن أبي نُعْم كان يصوم الدهر، فقال عمرو بن ميمون لو رآى هذا أصحابُ محمد ﷺ لرجموه.
وبما روى الطبرانيّ عن عمرو بن سلمة، قال: سئل ابن مسعود عن صوم الدهر؟ فكرهه. قال الهيثميّ: إسناده حسن.
وذهب آخرون إلى استحباب صيام الدهر لمن قوي عليه، ولم يفوت فيه حقّا، وأفطر الأيام المنهيّ عنها، وإلى هذا ذهب الجمهور، منهم: مالك، والشافعيّ، وأحمد في رواية.
قال مالك في "الموطإ": إنه سمع أهل العلم يقولون لا بأس بصيام الدهر إذا أفطر الأيام التي نهى رسول اللَّه ﷺ عن صيامها، وذلك أحبّ ما سمعت إلى في ذلك انتهى.
وصرّح الزرقاني، وغيره من المالكية باستحبابه بالشروط المذكورة.
وقال النوويّ: مذهب الشافعي، وأصحابه أن سرد الصيام إذا أفطر العيدين، والتشريق، لا كراهة فيه، بل هو مستحبّ بشرط أن لا يلحقه به ضرر، ولا يفوّت حقّا، فإن تضرّر، أو فوّت حقا فمكروه انتهى.
وقال ابن قُدامة: قال أبو الخطاب: إنما يكره إذا أدخل فيه يومي العيدين، وأيام التشريق؛ لأن أحمد قال: إذا أفطر يومي العيدين، وأيام التشريق رجوت أن لا يكون بذلك بأس. وروي نحو هذا عن مالك، وهو قول الشافعيّ؛ لأن جماعة من الصحابة كانوا يسرون الصوم، منهم أبو طلحة. قال ابن قدامة: والذي يَقوَى عندي أن صوم
стр. 11590
الدهر مكروه، وإن لم يصم هذه الأيام، فإن صامها فقد فعل محرّمًا، وإنما كره صوم الدهر لما فيه من المشقّة والضعف، وشبه التبتّل المنهي عنه؛ بدليل أن النبيّ ﷺ قال لعبد اللَّه بن عمرو: "إنك تصوم الدهر، وتقوم الليل"، فقلت: نعم، قال: "إنك إذا فعلت ذلك هَجَمَت له عينك، ونَفِهَت له نفسك، لا صام من صام الدهر … " الحديث.
واحتجّ الجمهور على الاستحباب بما صحّ من حديث حمزة بن عَمْرو الأسلميّ ﵁، أنه قال: يا رسول اللَّه، إني أسرد الصوم، أفأصوم في السفر؟ فقال: "إن شئت فصم"، فأقرّه ﷺ على سرد الصيام، ولو كان مكروهًا لم يقرّه.
وأجيب عن هذا: أولاً بأن سؤال حمزة إنما كان عن صوم الفرض في السفر، لا عن صوم الدهر، كما سبق. وثانيًا بأن سرد الصوم لا يستلزم صوم الدهر؛ لأن التتابع يصدق بدون صوم الدهر، بل المراد إني أكثر الصوم، وكان هو كثير الصوم، كما ورد في بعض الروايات، ويؤيّد عدم الاستلزام ما أخرجه أحمد، والنسائيّ من حديث أسامة ابن زيد أن النبيّ ﷺ كان يسرد الصوم، مع ما ثبت أنه لم يصم الدهر، بل لم يصم شهرًا كاملاً إلا رمضان. وبهذا يجاب عما رُوي عن عمر، وعائشة أنهما كانا يسردان الصوم.
واحتجّوا أيضًا بما وقع في بعض طرق حديث عبد اللَّه بن عمرو الآتي: "صم من الشهر ثلاثة أيام، فإن الحسنة بعشر أمثالها، وذلك مثل صيام الدهر". وفي حديث أبي أيوب ﵁ مرفوعًا: "من صام رمضان، ثم أتبعه ستًا من شوّال كان كصيام الدهر". رواه مسلم. قالوا: والمشبّه به يكون أفضل من المشبه، فدلّ ذلك على أن صوم الدهر أفضل من هذه المشبهات، فيكون مستحبّا، وهو المطلوب.
وتُعُقّب بأن التشبيه في الأمر المقدّر لا يقتضي جوازه، فضلًا عن استحبابه، وإنما المراد حصول الثواب على تقدير مشروعية صيام ثلاثمائة وستين يومًا. ومن المعلوم أن المكلّف لا يجوز له صيام جميع السنة، فلا يدلّ التشبيه على أفضلية المشبه به من كل وجه. كذا ذكره الحافظ.
وقد بسط هذا الجواب ابن القيّم في "الهدي"، فأجاد.
وأجاب الجمهور عن حديث "لا صام من صام الأبد"، وحديث "لا صام، ولا أفطر" بأجوبة:
(أحدها): أنه محمول على حقيقته بأن يصوم معه العيدين، وأيام التشريق.
وفيه نظر؛ لأنه ﵁ قد قال جوابًا لمن سأله عن صوم الدهر: "لا صام، ولا أفطر"، وهو يؤذن بأنه ما أُجر، ولا أثم، ومن صام الأيام المحرّمة لا يقال فيه ذلك؛