٣ - (الأوزاعيّ) عبد الرحمن بن عمرو، أبو عمرو الدمشقيّ ثقة حجة [٧] ٤٥/ ٥٦.
٤ - (عطاء بن أبي رباح) أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقة فقيه فاضل، كثير الإرسال [٣] ١١٢/ ١٥٤.
٥ - (عبد اللَّه بن عمر) بن الخطّاب - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٢/ ١٢. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، وشيخ شيخه، فإنهما من أفراده. (ومنها): أن فيه ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة ومن المشهورين بالفتوى. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "مَن صَامَ الْأَبَدَ، فَلَا صَامَ") وفي الرواية التالية: "فلا صام، ولا أفطر".
قال الخطابيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "المعالم": معناه لم يصم، ولم يفطر، وقد يوضع "لا" بمعنى "لم"، كقوله تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾ [القيامة: ٣١]، أي لم يصدق، ولم يصلّ. وقد يحتمل أن يكون معناه الدعاء عليه؛ كراهة لصنيعه، وزجرًا له عن ذلك. انتهى (١).
وقال الجزريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "النهاية": قوله: "لا صام، ولا أفطر" أي لم يصم، ولم يفطر، وهو إحباط لأجره على صومه، حيث خالف السنّة. وقيل: دعاء عليه؛ كراهية لصنيعه انتهى (٢).
وقال التوربشتيّ -رحمه اللَّه تعالى-: فُسّر هذا على وجهين: أحدهما على معنى الدعاء عليه زجرًا له على صنيعه، والآخرِ سبيل الإخبار، والمعنى لم يكابد سَوْرة الجوع، وحرّ الظمأ؛ لاعتياده الصوم حتى خَفّ عليه، ولم يفتقر إلى الصبر على الجهد الذي يتعلّق به الثواب، فصار كأنه لم يصم. انتهى.
وقال العلامة الشوكانيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "السيل الجرّار": حديث "لا صام من صام الأبد" في "الصحيحين" في حديث عبد اللَّه بن عمرو، وكذلك حديث: "لا صام، ولا أفطر"، أو "لم يصم، ولم يفطر" في حديث أبي قتادة: معناهما أنه لما خالف الهدي النبويّ الذي رغّب فيه ﷺ كان بمنزلة من لم يصم صومًا مشروعًا، يؤجر عليه، ولا أفطر فطرًا ينتفع به، ويؤيد أن هذا المعنى هو المراد أن رسول اللَّه ﷺ قال لعبد اللَّه
стр. 11587
ابن عمرو، وقد كان أراد أن يصوم الدهر، فقال له: "صم من كلّ شهر ثلاثة أيام"، فقال: إني أقوى من ذلك، فلم يزل يرفعني حتى قال: "صم يومًا، وأفطر يومًا، فإنه أفضل الصيام، وهو صوم أخي داود"، فقلت: إني أطيق أفضل من ذلك، فقال النبيّ ﷺ : "لا أفضل من ذلك". هكذا في "الصحيحين" وغيرهما من حديثه.
وقد ثبت في "الصحيح" من حديث أنس ﵁ أنه ﷺ قال للثلاثة الذين قال أحدهم: إنه يصوم، ولا يفطر، وقال الثاني: إنه يقوم الليل، ولا ينام، وقال الثالث: إنه لا يأتي النساء، فقال ﷺ : "أمّا أنا فأصوم، وأفطر، وأقوم، وأنام، وآتي النساء، فمن رغب عن سنتي، فليس مني". فهذا الحديث الصحيح يدلّ على أن صيام الدهر من الرَّغْبَة عن سنة رسول اللَّه ﷺ ، فيسحقّ فاعله ما رتبه عليه من الوعيد بقوله: "فمن رغب عن سنتي، فليس منّي".
وقد أخرج أحمد، وأبو داود، وابن ماجه أن النبيّ ﷺ قال للرجل الذي أخبره أنه يصوم الدهر: "من أمرك أن تعذّب نفسك". انتهى كلام الشوكاني (١). وهو حسنٌ جدًّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد اللَّه بن عمر ﵄ هذا ضعيف (٢)؛ لأن فيه انقطاعًا، كما سبق بيانه، وهو متفق عليه من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄، كما سيأتي آخر الباب، إن شاء اللَّه تعالى.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له:
أخرجه هنا-٧١/ ٢٣٧٣ و ٢٣٧٤ و ٢٣٧٥ و ٢٣٧٦ - وفي "الكبرى" ٧٣ م ٢٦٨٧ و ٢٦٨٨ و ٢٦٨٩ و ٢٦٩٠. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم صوم الدهر:
ذهب إسحاق بن راهويه، وأهل الظاهر إلى كراهته مطلقا، سواء أفطر الأيام الخمسة المنهيّ عنها، وهي رواية عن أحمد، قال الأثرم: قيل لأبي عبد اللَّه: فَسَّرَ مسدّدٌ قول أبي موسى: "من صام الدهر ضُيّقت عليه جهنم": أي فلا يدخلها. فضحك، وقال: من قال هذا؟، فأين حديث عبد اللَّه بن عمرو أن النبيّ ﷺ كره ذلك، وما فيه من الأحاديث (٣).
وقال ابن حزم: لا يحلّ صوم الدهر أصلاً -يعني أنه يحرم.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما ذهب إليه ابن حزم هو الحقّ عندي، كما يأتي
стр. 11588
تحقيقه، إن شاء اللَّه تعالى.
وإلى الكراهة مطلقًا ذهب ابن العربيّ من المالكية، فقال: قوله ﷺ : "لا صام من صام الأبد" في حديث عبد اللَّه بن عمرو، إن كان معناه الدعاء، فيا وَيحَ من أصابه دعاء النبيّ ﷺ ،وإن كان معناه الخبر، فيا وَيحَ من أخبر عنه النبيّ ﷺ أنه لم يصم، وإذا لم يصم شرعًا، لم يكتب له الثواب؛ لوجوب صدق قوله ﷺ ؛ لأنه نفى عنه الصوم، وقد نفى عنه الفضل، كما تقدّم، فكيف يطلب الفضل فيما نفاه النبيّ ﷺ انتهى.
واستُدلّ للكراهة والمنع بقوله ﷺ : "لا صام، ولا أفطر"، وقد تقدم وجه الاستدلال به في كلام ابن العربيّ، والجزريّ، والشوكانيّ، وغيرهم.
وقد روي مثل هذا مرفوعًا عن جماعة من الصحابة، منهم:
عبد اللَّه بن الشخير عند أحمد، والمصنّف (١)، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم. وعمرانُ بن حُصين، عند المصنّف (٢)، والحاكم. وابنُ عمر عند المصنّف (٣).
واستدل أيضا لذلك بقصّة عبد اللَّه بن عمرو التي تقدمت الإشارة إليها.
قال ابن التين: استُدلّ على كراهة صوم الدهر من هذه القصّة من أوجه: نهيُهُ ﷺ عن الزيادة على صوم نصف الدهر، وأمره بأن يصوم ويفطر، وقوله: "لا أفضل من ذلك"، ودعاؤه على من صام الأبد انتهى.
وبحديث أنس الذي تقدمت الإشارة إليه أيضًا في كلام الشوكانيّ مع وجه الاستدلال منه. وبحديث رجل من أصحاب النبيّ ﷺ قال: قيل للنبيّ ﷺ -رجل يصوم الدهر؟ قال: "وددت أنه لم يطعم الدهر شيئًا … " الحديث. أخرجه المصنّف (٤).
قال السنديّ: أي وددت أنه ما أكل ليلاً، ولا نهارًا حتى مات جوعًا، والمقصود بيان كراهة عمله، وأنه مذموم العمل، حتى يتمنى له الموت بالجوع.
وبحديث أبي موسى، رفعه: "من صام الدهر ضُيّقت عليه جهنم هكذا، وقبض كفّه". أخرجه أحمد، والنسائيّ، وابن خزيمة، وابن حبّان، والبيهقيّ (٥)، وابن أبي شيبة، والبزّار، ولفظ ابن حبّان، والبزار، والبيهقيّ: "ضيّقت عليه جهنم هكذا، وعقد - تسعين ". وأخرجه أيضًا الطبرانيّ، قال الهيثميّ (٦): رجاله رجال الصحيح.
стр. 11589
قال الحافظ: ظاهره أنها تضيّق عليه حصرًا له فيها لتشديده على نفسه، وحمله عليها، ورغبته عن سنة نبيّه ﷺ ، واعتقاده أن غير سنته أفضل منها، وهذا يقتضي الوعيد الشديد، فيكون حرامًا انتهى.
وقال ابن التركماني: ظاهر هذا الحديث يقتضي المنع من صوم الدهر. وقد أورده ابن أبي شيبة في "باب من كره صوم الدهر". واستدلّ به ابن حزم على المنع، وقال: إنما أورده رواته كلهم على التشديد، والنهيِ عن صومه. وقال ابن حبّان:
"ذكر الأخبار عن نفي جواز سرد المسلم صوم الدهر". وذكر هذا الحديث.
واستدلّ للمنع أيضًا بما روى ابن أبي شيبة بسند صحيح عن أبي عمرو الشيبانيّ، قال: بلغ عمر أن رجلا يصوم الدهر، فأتاه، فعلاه بالدّرّة، وجعل يقول: كُلْ يا دهريّ.
قال ابن حزم: قد صحّ عن عمر تحريم صيام الدهر، كما رويناه، فذكر هذا الأثر، ثم قال: هذا في غاية الصحّة عنه، فصح أن تحريم صوم الدهر كان من مذهبه، ولو كان عنده مباحًا لما ضرب فيه، ولا أمر بالفطر انتهى.
وبما روى ابن أبي شيبة أيضًا من طريق أبي إسحاق أن عبد الرحمن بن أبي نُعْم كان يصوم الدهر، فقال عمرو بن ميمون لو رآى هذا أصحابُ محمد ﷺ لرجموه.
وبما روى الطبرانيّ عن عمرو بن سلمة، قال: سئل ابن مسعود عن صوم الدهر؟ فكرهه. قال الهيثميّ: إسناده حسن.
وذهب آخرون إلى استحباب صيام الدهر لمن قوي عليه، ولم يفوت فيه حقّا، وأفطر الأيام المنهيّ عنها، وإلى هذا ذهب الجمهور، منهم: مالك، والشافعيّ، وأحمد في رواية.
قال مالك في "الموطإ": إنه سمع أهل العلم يقولون لا بأس بصيام الدهر إذا أفطر الأيام التي نهى رسول اللَّه ﷺ عن صيامها، وذلك أحبّ ما سمعت إلى في ذلك انتهى.
وصرّح الزرقاني، وغيره من المالكية باستحبابه بالشروط المذكورة.
وقال النوويّ: مذهب الشافعي، وأصحابه أن سرد الصيام إذا أفطر العيدين، والتشريق، لا كراهة فيه، بل هو مستحبّ بشرط أن لا يلحقه به ضرر، ولا يفوّت حقّا، فإن تضرّر، أو فوّت حقا فمكروه انتهى.
وقال ابن قُدامة: قال أبو الخطاب: إنما يكره إذا أدخل فيه يومي العيدين، وأيام التشريق؛ لأن أحمد قال: إذا أفطر يومي العيدين، وأيام التشريق رجوت أن لا يكون بذلك بأس. وروي نحو هذا عن مالك، وهو قول الشافعيّ؛ لأن جماعة من الصحابة كانوا يسرون الصوم، منهم أبو طلحة. قال ابن قدامة: والذي يَقوَى عندي أن صوم
стр. 11590
الدهر مكروه، وإن لم يصم هذه الأيام، فإن صامها فقد فعل محرّمًا، وإنما كره صوم الدهر لما فيه من المشقّة والضعف، وشبه التبتّل المنهي عنه؛ بدليل أن النبيّ ﷺ قال لعبد اللَّه بن عمرو: "إنك تصوم الدهر، وتقوم الليل"، فقلت: نعم، قال: "إنك إذا فعلت ذلك هَجَمَت له عينك، ونَفِهَت له نفسك، لا صام من صام الدهر … " الحديث.
واحتجّ الجمهور على الاستحباب بما صحّ من حديث حمزة بن عَمْرو الأسلميّ ﵁، أنه قال: يا رسول اللَّه، إني أسرد الصوم، أفأصوم في السفر؟ فقال: "إن شئت فصم"، فأقرّه ﷺ على سرد الصيام، ولو كان مكروهًا لم يقرّه.
وأجيب عن هذا: أولاً بأن سؤال حمزة إنما كان عن صوم الفرض في السفر، لا عن صوم الدهر، كما سبق. وثانيًا بأن سرد الصوم لا يستلزم صوم الدهر؛ لأن التتابع يصدق بدون صوم الدهر، بل المراد إني أكثر الصوم، وكان هو كثير الصوم، كما ورد في بعض الروايات، ويؤيّد عدم الاستلزام ما أخرجه أحمد، والنسائيّ من حديث أسامة ابن زيد أن النبيّ ﷺ كان يسرد الصوم، مع ما ثبت أنه لم يصم الدهر، بل لم يصم شهرًا كاملاً إلا رمضان. وبهذا يجاب عما رُوي عن عمر، وعائشة أنهما كانا يسردان الصوم.
واحتجّوا أيضًا بما وقع في بعض طرق حديث عبد اللَّه بن عمرو الآتي: "صم من الشهر ثلاثة أيام، فإن الحسنة بعشر أمثالها، وذلك مثل صيام الدهر". وفي حديث أبي أيوب ﵁ مرفوعًا: "من صام رمضان، ثم أتبعه ستًا من شوّال كان كصيام الدهر". رواه مسلم. قالوا: والمشبّه به يكون أفضل من المشبه، فدلّ ذلك على أن صوم الدهر أفضل من هذه المشبهات، فيكون مستحبّا، وهو المطلوب.
وتُعُقّب بأن التشبيه في الأمر المقدّر لا يقتضي جوازه، فضلًا عن استحبابه، وإنما المراد حصول الثواب على تقدير مشروعية صيام ثلاثمائة وستين يومًا. ومن المعلوم أن المكلّف لا يجوز له صيام جميع السنة، فلا يدلّ التشبيه على أفضلية المشبه به من كل وجه. كذا ذكره الحافظ.
وقد بسط هذا الجواب ابن القيّم في "الهدي"، فأجاد.
وأجاب الجمهور عن حديث "لا صام من صام الأبد"، وحديث "لا صام، ولا أفطر" بأجوبة:
(أحدها): أنه محمول على حقيقته بأن يصوم معه العيدين، وأيام التشريق.
وفيه نظر؛ لأنه ﵁ قد قال جوابًا لمن سأله عن صوم الدهر: "لا صام، ولا أفطر"، وهو يؤذن بأنه ما أُجر، ولا أثم، ومن صام الأيام المحرّمة لا يقال فيه ذلك؛
стр. 11591
لأنه عند من أجاز صوم الدهر إلا الأيام المحرّمة يكون قد فعل مستحبّا وحرامًا، وأيضا فإن أيام التحريم مستثناة بالشرع غير قابلة للصوم شرعًا، فهي بمنزلة الليل، وأيام الحيض، فلم تدخل في السؤال عند من علم تحريمها، ولا يصلح الجواب بقوله: "لَا صام، ولا أفطر" لمن لم يعلم تحريمها. كذا ذكره الحافظ في "الفتح"، وهو ملخّص كلام ابن القيّم في "الهدي".
وقد تعقّب ابن دقيق العيد تأويل الجمهور هذا بوجه آخر، من شاء الوقوف عليه رجع إلى "شرح العمدة" (١).
(الثاني): أنه محمول على من تضرّر به، أو فوّت به حقّا، قالوا: ويؤيده أن النهي كان خطابا لعبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وقد ذكر مسلم أنه عجز في آخر عمره، ونَدِم على كونه لم يقبل الرخصة، قالوا: فنهى ابن عمرو لعلمه بأنه سيعجز عنه، ويضعف، وأقرّ حمزة لعلمه بقدرته بلا ضرر.
وفيه أن هذا التأويل أيضًا مردود لما سبق من قوله ﷺ في حديث أنس ﵁: "ومن رغب عن سنتي، فليس مني"، ويردّه أيضًا قوله: "لا أفضل من ذلك". ويردّه أيضًا ورود قوله: "لا صام، ولا أفطر"، وقوله: "لا صام من صام الأبد" عن غير واحد من الصحابة، سوى عبد اللَّه بن عمرو، كما تقدّم. ويردّه أيضًا حديث أبي موسى المتقدّم، وكلّ ذلك يدلّ على أن هذا الحكم ليس خاصًا بابن عمرو، بل هو عامّ لجميع المسلمين، وأما إقراره لحمزة على سرد الصوم، فلا حجة فيه، كما سبق.
(الثالث): أن معنى "لا صام" أنه لا يجد من مشقّته ما يجدها غيره، فيكون خبرًا لا دعاء.
وتعقّبه الطيبيّ بأنه مخالف لسياق الحديث، ألا تراه كيف نهاه عن صيام الدهر كله، ثم حثّه على صوم داود، والأولى أن يكون خبرًا عن أنه لم يمتثل أمر الشارع، أو دعاء كما تقدّم.
وأجابوا عن حديث أبي موسى المتقدم ذكره بأن معناه ضُيّقت عليه، فلا يدخلها، فعلى هذا تكون "على" بمعنى "عن"، أي ضيقت عنه، وهذا التأويل حكاه الأثرم عن مسدّد، وحكى ردّه عن أحمد، كما سبق.
وقال ابن خزيمة: سألت المزنيّ عن هذا الحديث؟ فقال: يشبه أن يكون معناه ضُيقت عنه، فلا يدخلها، ولا يشبه أن يكون على ظاهره؛ لأن من ازداد عملاً وطاعةً
стр. 11592
ازداد عند اللَّه رفعةً، وعنه كرامة.
ورجّح هذا التأويلَ جماعةٌ، منهم الغزالي، فقالوا: له مناسبة من جهة أن الصائم لما ضيّق على نفسه مسالك الشهوات بالصوم ضيّق اللَّه عليه النار، فلا يبقى له فيها مكان؛ لأنه ضيّق طرقها بالعبادة.
وتُعقّب بأنه ليس كلّ عمل صالح إذا ازداد العبد منه ازداد من اللَّه تقرّبًا، بل ربّ عمل صالح إذا ازداد منه ازداد بعدًا، كالصلاة في الأوقات المكروهة، وأيضًا لو كان المراد ما ذكروه لقال: ضيّقت عنه، وأما التضييق عليه فلا يكون إلا وهو فيها.
قال ابن حزم بعد ذكر التأويل: ما لفظه: هذه لُكْنة وكَذِبٌ، أما اللكنة فإنه لو أراد هذا لقال: ضيّقت عنه، ولم يقل: عليه. وأما الكذب فإنما أورده رواته كلهم على التشديد، والنهي عن صومه انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الصواب إجراء الحديث على ظاهره، والقول بمنع صيام الدهر مطلقًا.
قال الشوكانيّ في "السيل الجرّار" -بعد ذكر حديث أبي موسى-: هذا وعيد ظاهر، وتأويله بما يخالف هذا المعنى تعسّف وتكلّف، والعجب ذهاب الجمهور إلى استحباب صوم الدهر، وهو مخالف للهدي النبويّ، وهو أمر لم يكن عليه أمر رسول اللَّه ﷺ ، وقد قال ﷺ فيما صحّ عنه: "كلّ أمر ليس عليه أمرنا، فهو ردّ"، وهو أيضًا من الرغبة عن سنة رسول اللَّه ﷺ ، ومن رغب عن سنته، فليس منه، كما تقدّم، وهو أيضًا من التعسير والتشديد المخالف لما استقرّت عليه هذه الشريعة المطهّرة، قال اللَّه تعالى ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] وقال ﷺ : "يسّروا، ولا تُعسّروا، ولن يُشادَّ الدين أحد إلا غلبه"، وقال: "أمِرتُ بالشريعة السمحة السهلة" (٢).
فالحاصل أن صوم الدهر إذا لم يكن محرمًا بحتا، فأقلّ أحواله أن يكون مكروهًا
كراهة شديدة. هذا لمن لا يضعف بالصوم من شيء من الواجبات، أما من كان يضعف بالصوم عن بعض الواجبات الشرعيّة، فلا شك في تحريمه من هذه الحيثية بمجرّدها من غير نظر إلى ما قدّمنا من الأدلةّ انتهى كلام الشوكاني (٣).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تَبَيَّنَ بما ذُكِرَ أن أرجحَ الأقوال قولُ من قال بتحريم
стр. 11593
صيام الدهر؛ لظواهر الأدلة، كحديث "لا صام من صام الأبد"، وحديث "من رغب عن سنتي فليس مني"، قاله ﷺ -لمن قال: أصوم، ولا أفطر، وحديث: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا، فهو ردّ"، وحديث: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو ردّ"، وحديث "ضُيّقت عليه جهنم"، وحديث: "كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار"، وغير ذلك.
فهذه الأدلةُ إذا لم تفد التحريم، فما الذي يفيده؟، إن هذا لشيء عجاب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣٧٤ - (حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ مُسَاوِرٍ, عَنِ الْوَلِيدِ, قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ, قَالَ: أَخْبَرَنِي (١) عَطَاءٌ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ح وَأَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ, عَنِ الأَوْزَاعِيِّ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَطَاءٌ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ صَامَ الأَبَدَ, فَلَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عيسى بن مُساور" الجوهريّ، أبو موسى البغداديّ، صدوق، من صغار [١٠].
قال النسائيّ: لا بأس به. وقال السرّاج: كان محمد بن إشكاب يُحسن الثناء عليه. وقال الخطيب: كان ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان راويًا للوليد بن مسلم، وسُويد بن عبد العزيز. مات في شوال سنة (٢٤٤) وقيل: سنة (٢٤٥). انفرد به المصنّف. وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث برقم (٢٣٧٤) و (٢٤٣٧) و (٣٧٤١) و (٤١٧٢).
و"محمد بن عبد اللَّه" هو أبو بكر الإسكندرانيّ، بغداديّ الأصل، صدوق، من صغار [١٠]
قال ابن أبي حاتم: كتبتُ عنه بالإسكندرية، وهو صدوق ثقة. وقال مسلمة بن قاسم: تُكلّم فيه، ورُمي بالكذب، ولم يترك أحد الكتابة عنه. وقال ابن يونس: كان ثقة، وخرج إلى الإسكندرية، فأقام بها، وتوفي يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، سنة (٢٦٢).
روى. عنه أبو داود، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب أربعة أحاديث بالأرقام المذكورة في الترجمة التي قبله.
و"الوليد": هو ابن مسلم الدمشقيّ، ثقة لكنه كثير التدليس والتسوية [٨] ٥/ ٤٥٤.
والحديث ضعيف؛ لأن فيه انقطاعًا وقد تقدم تمام البحث فيه في الحديث الماضي.
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 11594
٢٣٧٥ - (أَخْبَرَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي, وَعُقْبَةُ, عَنِ الأَوْزَاعِيِّ, قَالَ: حَدَّثَنِي عَطَاءٌ, قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ, يَقُولُ: قَالَ: النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ صَامَ الأَبَدَ فَلَا صَامَ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "العباس بن الوليد" بن مَزْيَد البَييروتيّ، صدوق عابد [١١] ٤٠/ ١٧١١. و"الوليد بن مَزْيَد" أبو العباس البَيروتيّ، ثقة ثبت، قال المصنّف: لا يدلّس، ولا يُخطىء [٨] ٤٠/ ١٧١١.
و"عُقبة" بن عَلْقمة بن حُديج الْمَعَافريّ البيروتيّ، صدوق [٩].
قال ابن أبي خيثمة: حدثني أبو محمد من بني تميم، صاحب لي ثقة، قال: قال أبو مسهر: حدثني عقبة بن علقمة المعافريّ، من أصحاب الأوزاعيّ، من أهل أطرابلس، من المغرب، سكن الشام، وكان خيارًا ثقة. وقال المفضّل الغلابيّ، عن ابن معين: دمشقيّ لا بأس به. وقال أبو حاتم: هو أحبّ إليّ من الوليد بن مَزْيد. وقال ابن خراش: ثقة. وقال الحاكم: ثقة مأمون. وقال ابن حبّان في "الثقات": يعتبر بحديثه من غير رواية ابنه محمد بن عقبة عنه؛ لأن محمدًا كان يُدخل عليه الحديث، فيجيب فيه. وقال العقيليّ: لا يتابع على حديثه. وقال ابن عديّ: رَوَى عن الأوزاعيّ ما لم يوافقه عليه أحد، من رواية ابنه محمد عنه. وقال النسائيّ: ثقة. وقال ابن قانع: صالح. قال العباس بن الوليد: مات سنة (٢٠٤). انفرد به المصنّف، وابن ماجه، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث ٢٣٧ و ٥١٥٩ حديث معاوية ﵁ في النهي عن لبس الذهب.
والحديث ضعيف؛ لأن في سنده مبهمًا، وقد تقدّم تمام البحث فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣٧٦ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ يَعْقُوبَ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي, عَنِ الأَوْزَاعِيِّ, عَنْ عَطَاءٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «مَنْ صَامَ الأَبَدَ, فَلَا صَامَ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "إسماعيل بن يعقوب" بن إسماعيل بن صَبِيح الصبّيحيّ، أبو محمد الحرّانيّ، ثقة [١١].
قال النسائيّ: لا بأس به، من الثقات. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وأخرج عنه ابن خزيمة في "صحيحه". قال أبو عروبة: مات قبل أبي داود الحرّاني بعد سنة (٢٧٠) وموت أبي داود سنة (٢٧٢). انفرد به المصنّف، روى عنه في هذا الكتاب حديثين فقط: هذا ٢٣٧٦ و ٥١٢٧ حديث يعلي بن مرّة، مرفوعًا: "اذهب فاغسله، ثم اغسله .. " الحديث.
و"محمد بن موسى" بن أعين أبو يحيى الحرّانيّ، صدوق، من كبار [١٠] ٤/ ٤٠٣.
стр. 11595
و "موسى بن أعين" الجزريّ، أبو سعيد، ثقة عابد [٨] ١١/ ٤١٥.
والحديث ضعيف؛ لأن فيه مبهمًا، كما سبق تمام البحث فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣٧٧ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَائِذٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, عَنِ الأَوْزَاعِيِّ, عَنْ عَطَاءٍ, أَنَّهُ حَدَّثَهُ, قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ صَامَ الأَبَدَ, فَلَا صَامَ, وَلَا أَفْطَرَ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أحمد بن إبراهيم بن محمد" بن عبد اللَّه بن بكّار بن عبد الملك بن الوليد بن بُسْر بن أرطأة، العامريّ القرشيّ البُسْريّ، أبو عبد الملك الدمشقيّ، صدوق [١١].
قال النسائيّ: لا بأس به. وقال ابن عساكر: كان ثقة، مات في شوّال سنة (٢٨٩) انفرد به المصنّف، وروى عنه في هذا الكتاب أربعة أحاديث برقم ٢٣٧٧ و ٤٧٨٩ و ٤٨٤٢ و ٥١٩٢.
و"محمد بن عائذ" بن أحمد، ويقال: سعيد، ويقال: عبد الرحمن القرشيّ، أبو أحمد، ويقال: أبو عبد اللَّه الدمشقيّ، صاحب المغازي، صدوق رمي بالقدر [١٠].
قال إبراهيم بن الجنيد، عن ابن معين: ثقة. وقال صالح بن محمد: ثقة إلا أنه قدريّ.
وقال أبو زرعة الرازيّ، عن دُحيم: ثقة. وقال الآجريّ: سألت أبا داود عنه؟ فقال: هو كما شاء اللَّه، قال أبو داود: وَليَ خراجًا. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وذكره أبو زرعة الدمشقيّ في أهل الفتوى، وقال: مات سنة (٢٣٤) وقال عمرو ابن دُحَيم: مات بدمشق في ربيع الآخر سنة (٢٣٣) وكان مولده سنة (١٥٠).
روى له أبو داود، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب الأحاديث المذكورة في ترجمة شيخ المصنّف قبله.
و"يحيى": هو ابن حمزة، أبو عبد الرحمن الدمشقيّ القاضي، ثقة رُمي بالقدر [٨] ٦٠/ ١٧٦٨.
والحديث صحيح [فإن قلت]: كيف يصح، وفي سنده مبهم، كالأسانيد السابقة؟
[قلت]: إنما صح؛ لأن المبهم هنا مفسر في الرواية التالية، وهو أبو العباس الشاعر، بخلاف المبهم في الروايات السابقة؛ فإنه لم يعرف، فتبصر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣٧٨ - (أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ, قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ, سَمِعْتُ عَطَاءً, أَنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ الشَّاعِرَ, أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ
стр. 11596
الْعَاصِ, قَالَ: بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ , أَنِّي أَصُومُ أَسْرُدُ الصَّوْمَ (١) , وَسَاقَ الْحَدِيثَ, قَالَ: قَالَ عَطَاءٌ: لَا أَدْرِي كَيْفَ ذَكَرَ صِيَامَ الأَبَدِ؟ , "لَا صَامَ مَنْ صَامَ الأَبَدَ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "إبراهيم بن الحسن": هو أبو إسحاق الخَثعميّ المصّيصيّ. و"حجاج بن محمد": هو الأعور المصّيصيّ أيضًا.
و"أبو العباس" الشاعر": هو السائب بن فَرّوخ الأعمى المكيّ، ثقة [٣]
قال شعبة، عن حبيب: سمعت أبا العباس الأعمى، وكان صدوقًا. وقال أحمد، والنسائيّ: ثقة. وقال الدوريّ، عن ابن معين: ثبت. وقال مسلم: كان ثقة عدلاً. وقال ابن سعد: كان بمكة زمن ابن الزبير، وهواه مع بني أمية، وكان قليل الحديث. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث برقم ٢٣٨٨ و ٢٣٩٧ و ٢٣٩٩ و ٢٤٠٠ و ٢٤٠١ و ٢٤٠٢. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "وساق الحديث" الضمير لابن جريج، يعني أنه ساق هذا الحديث المختصر بتمامه، وسيأتي مطولاً في ٧٨/ ٢٤٠٠. إن شاء اللَّه تعالى.
(وقوله: "قَالَ عَطَاءٌ") أي بالإسناد السابق، فهو موصول. وقوله: "لَا أَدْرِي كَيْفَ ذَكَرَ صِيَامَ الْأَبَدِ؟ الخ) أي إن عطاء لم يحفظ كيف جاء ذكر صيام الأبد في هذه القصّة، إلا أنه حفظ أن فيها أنه ﷺ -قال: "لا صام من صام الأبد". وقد تقدّم في الرواية السابقة أن عطاء روى هذه الجملة وحدها. والحديث متفق عليه، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٧٢ - (النَّهْي عَنْ صِيَامِ الدَّهْرِ، وَذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِاللَهِ فِي الْخَبَرِ فِيهِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تقدم تفاصيل المذاهب في حكم صوم الدهر في الباب السابق، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
стр. 11597
ووجه الاختلاف المذكور أن يزيد بن عبد اللَّه بن الشخّير رواه عن أخيه مطرّف، عن عمران ابن حصين ﵄ وخالفه قتادة، فرواه عن مطرّف، عن أبيه.
لكن مثل هذا الاختلاف لا يضرّ، فيحمل على أن مطرفًا حمله عن أبيه، وعن عمران ابن حصين ﵃، فكان يحدّث به عنهما، كما تقدّم نظير هذا غير مرّة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٣٧٩ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) إِسْمَاعِيلُ, عَنِ الْجُرَيْرِيِّ, عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ, عَنْ أَخِيهِ, مُطَرِّفٍ عَنْ عِمْرَانَ, قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِنَّ فُلَانًا, لَا يُفْطِرُ نَهَارًا, الدَّهْرَ, قَالَ: «لَا صَامَ, وَلَا أَفْطَرَ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدموا غير مرّة.
و"إسماعيل": هو ابن عليّة. و"الْجُريريّ": هو سعيد بن إياس .. ومعنى الحديث تقدّم في شرح الحديث الذي مرّ في الباب الماضي.
وقوله: "نهارًا الدهر" منصوبان على الظرفيّة، متعلّقان بـ"لا يفطر".
وهو حديث صحيح، تفرّد به المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا-٧٢/ ٢٣٧٩ - وفي "الكبرى" ٧١/ ٢٦٨٢.
[فإن قلت]: كيف يصح، وفيه الجريري، وقد اختلط قبل موته بثلاث سنين؟.
[قلت]: إنما صح لأنه من رواية إسماعيل ابن علية، وهو ممن روى عنه قبل اختلاطه، راجع ترجمة الجريري في "تهذيب التهذيب" جـ ٢ ص ٧. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣٨٠ - (أَخْبَرَنِي (٢) عَمْرُو بْنُ هِشَامٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَخْلَدٌ, عَنِ الأَوْزَاعِيِّ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ, أَخْبَرَنِي أَبِي, أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , وَذُكِرَ عِنْدَهُ رَجُلٌ, يَصُومُ الدَّهْرَ, قَالَ: «لَا صَامَ, وَلَا أَفْطَرَ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، عمرو بن هشام" الحرّانيّ، فإنه من أفراده، وهو ثقة.
و"مخلد": هو ابن يزيد القرشيّ الحرّانيّ.
والحديث صحيح، ولا يضرُّه عنعنة قتادة؛ لأنه صرح بالسماع في الرواية التالية، أخرجه المصنّف هنا -٧٢/ ٢٣٨٠ و ٢٣٨١ - وفي "الكبرى" ٧١/ ٢٦٨٣ و ٢٦٨٤.
стр. 11598
وأخرجه (ق) في "الصيام" ١٧٠٥ (أحمد) في "مسند المدنيين" ١٥٨٦٩ و ١٥٨٧٣ و ١٥٨٨ (الدارميّ) في "الصوم" ١٧٤٤. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣٨١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى,, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ,, عَنْ قَتَادَةَ,, قَالَ: سَمِعْتُ مُطَرِّفَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ, يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ,, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: فِي صَوْمِ الدَّهْرِ: «لَا صَامَ, وَلَا أَفْطَرَ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وهو مسلسل بثقات البصريين، و"أبو داود": هو سليمان بن داود بن الجارود الطياليسيّ.
وقوله: "في صوم الدهر": أي في شأن صوم الدهر، أو في بيان حكمه. واللَّه تعالى أعلم. والحديث صحيح، كما سبق بيانه فيما قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٧٣ - (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى غَيْلَانَ ابْنِ جَرِيرِ فِيهِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه الاختلاف المذكور أن أن أبا هلال الراسبيّ رواه عن غيلان، عن عبد اللَّه بن مَعبد، عن أبي قتادة، عن عمر، فجعله من مسند عمر ﵁. وخالفه شعبة، فرواه عن غيلان، عن عبد اللَّه بن معبد، عن أبي قتادة: ﵁، فجعله من مسند أبي قتادة.
وهذا هو المحفوظ، لأن أبا هلال ممن لا يُحتَمل مخالفته، كما سيأتي أقوال أهل العلم فيه في ترجمته. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٣٨٢ - (أَخْبَرَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى, قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو هِلَالٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا غَيْلَانُ -وَهُوَ ابْنُ جَرِيرٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ -وَهُوَ ابْنُ مَعْبَدٍ الزِّمَّانِيُّ- عَنْ أَبِي قَتَادَةَ, عَنْ عُمَرَ, قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَمَرَرْنَا بِرَجُلٍ, فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ, هَذَا لَا يُفْطِرُ, مُنْذُ كَذَا وَكَذَا, فَقَالَ (١): «لَا صَامَ, وَلَا أَفْطَرَ»).
стр. 11599
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير أبي هلال، فمن رجال الأربعة، و "هارون بن عبد اللَّه": هو أبو موسى الحمال البغداديّ. و"الحسن ابن موسى": هو الأشيب البغداديّ.
و"أبو هلال": هو محمد بن سُليم الراسبي -بمهملة، ثم موحدة- البصريّ، مولى بني سامة بن لؤيّ، نزل في بني راسب، فنُسب إليهم، قيل: كان مكفوفًا، صدوق، فيه لين [٦].
قال عمرو بن عليّ: كان يحيى لا يحدّث عنه، وكان عبد الرحمن يحدّث عنه، وسمعت يزيد بن زُريع يقول: عَدَلت عن أبي بكر الْهُذَليّ، وأبي هلال الراسبيّ عمدًا.
وقال عثمان الدارميّ: قلت لابن معين: حماد بن سلمة أحبّ إليك في قتادة، أو أبو هلال؟ فقال: حماد أحبّ إليّ، وأبو هلال صدوق. وقال مرّة: ليس به بأس، وليس بصاحب كتاب. وقال ابن أبي حاتم: أدخله البخاريّ في "الضعفاء"، وسمعت أبي يقول: يُحوّل منه. وقال الآجرّيّ، عن أبي داود: أبو هلال ثقة، ولم يكن له كتاب، وهو فوق عمران القطّان. وقال أحمد بن حنبل: يُحتمل في حديثه، إلا أنه يُخالف في قتادة، وهو مضطرب الحديث. وقال الساجي: رُوي عنه حديث منكر. وقال النسائيّ: ليس بالقويّ. وقال البزّار: احتمل الناس حديثه، وهو غير حافظ. وقال ابن عديّ بعد أن ذكر له أحاديث: كلُّها، أو عامتها غير محفوظة، وله غير ما ذكرت، وفي بعض رواياته ما لا يوافقه عليه الثقات، وهو ممن يكتب حديثه. وقال البخاريّ: قال محمد ابن محبوب: مات في ذي الحجة سنة (١٦٧).
وقال ابن سعد: فيه ضعف، أخبرنا موسى بن إسماعيل، قال: كان أعمى، وكان لا يحدّث حتى يُنسب من عنده، وقالوا: توفي في خلافة المهديّ سنة (١٦٩).
علّق عنه البخاريّ، وروى له الباقون، سوى مسلم، وله عند المصنف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
و"غيلان بن جرير": هو الْمِعْوَليّ الأزديّ البصريّ.
و"عبد اللَّه بن معبد الزِّمَّانيّ" -بكسر الزاي، وتشديد الميم- البصريّ، ثقة [٣].
قال النسائيّ: ثقة. وقال أبو زرعة: لم يدرك عمر. وقال البخاريّ: لا يُعرف سماعه من أبي قتادة. وقال العجليّ: بصريّ تابعيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن خلفون: وثّقه الْبَرْقيّ. روى له الجماعة، سوى البخاريّ، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، كرره ثلاث مرّات برقم ٢٣٨٢ و ٢٣٨٣ و ٢٣٨٧.
[تنبيه]: قول البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى-: لا يعرف سماعه من أبي قتادة، لعله ثبت سماعه منه عند مسلم، فإنه أخرج هذا الحديث في "صحيحه" من طريقه. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 11600
والحديث بهذا السند ضعيف؛ لمخالفة أبي هلال الراسبي للإمام الحجة شعبة بن الحجاج الآتي في السند التالي، وهو بهذا السند من أفراد المصنّف ﵀ أخرجه هنا- ٧٢/ ٢٣٨٢ و ٢٣٨٣ (١) و ٢٣٨٧ - وفي "الكبرى" ٧٢/ ٢٦٨٥ و ٢٦٨٦ و٧٤/ ٢٦٩٥ وأخرجه بالسند التالي (م) في "الصيام" ١١٦٢ (د) في "الصوم" ٢٤٢٥ (ت) في "الصوم" ٧٦٧ (ق) في "الصيام" ١٧١٣ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢١٤٩٨ و ٢١٥٩٨. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣٨٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ غَيْلَانَ, أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَعْبَدٍ الزِّمَّانِيَّ, عَنْ أَبِي قَتَادَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , سُئِلَ عَنْ صَوْمِهِ, فَغَضِبَ, فَقَالَ: عُمَرُ: رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا, وَبِالإِسْلَامِ دِينًا, وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً, وَسُئِلَ عَمَّنْ صَامَ الدَّهْرَ؟ (٢) , فَقَالَ: "لَا صَامَ, وَلَا أَفْطَرَ", أَوْ "مَا صَامَ, وَمَا أَفْطَرَ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و"محمد" شيخ ابن بشّار: هو ابن جعفر المعروف بـ"غندر".
وقوله: "فغضب": قال العلماء -رحمهم اللَّه تعالى-: سبب غضبه ﷺ أنه كره مسألته؛ لأنه يحتاج إلى أن يُجيبه، ويخشى من جوابه مفسدة، وهي أنه ربما اعتقد السائل وجوبه، أو استقلّه، أو اقتصر عليه، وكان يقتضي حاله أكثر منه، وإنما اقتصر عليه النبيّ ﷺ لشغله بمصالح المسلمين، وحقوقهم، وحقوق أزواجه، وأضيافه، والوافدين إليه؛ لئلا يقتدي به كل أحد، فيؤدي إلى الضرر في حقّ بعضهم، وكان حقّ السائل أن يقول: كم أصومُ؟، أو كيف أصوم؟ فيخصّ السؤال بنفسه؛ ليجيبه بما يقتضيه حاله، كما أجاب غيره بمقتضى أحوالهم. ذكره النوويّ في "شرح مسلم" (٣).
وقوله: "فقال عمر: رضينا الخ" إنما قال عمر ﵁ ذلك، خشيةَ أن يغضب اللَّه تعالى لغضب رسول اللَّه ﷺ ، فينزل العقاب عليهم.
والحديث أخرجه مسلم، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
стр. 11601
٧٤ - (سَرْدِ الصِّيَامِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: المراد بالسرد المتابعة، ولا يستلزم ذلك أن يستوعب الدهر كلّه، بل يصدق على من تابع صوم شهر أو شهرين أنه يسرد الصيام، كما تقدّم في حديث أسامة بن زيد ﵄ -٧٠/ ٢٣٥٩ - "أن رسول اللَّه ﷺ -كان يسرد الصوم … " الحديث.
فبهذا يتبيّن خطأ من استدك بحديث حمزة بن عمرو ﵁ هذا على استحباب صيام الدهر، وقد تقدّم تمام البحث في ذلك قبل بابين، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٣٨٤ - (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, عَنْ هِشَامٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَائِشَةَ, أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الأَسْلَمِيَّ, سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ (١) ﷺ , فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِنِّي رَجُلٌ أَسْرُدُ الصَّوْمَ, أَفَأَصُومُ فِي السَّفَرِ؟ , قَالَ: «صُمْ إِنْ شِئْتَ, أَوْ أَفْطِرْ إِنْ شِئْتَ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"حماد": هو ابن زيد. و"هشام": هو ابن عروة.
والحديث متفق عليه، ومحل الاستدلال للباب واضح في قوله: "إني رجل أسرد الصوم"، وقد تقدّم في ٥٧/ ٢٣٠٣ - وتقدم تمام البحث فيه هناك، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٧٥ - (صَوْمُ ثُلثَيِ الدَّهْرِ، وَذِكْرُ اخْتِلَافِ النَّاقِلِينَ للْخَبَرِ فِي ذَلِكَ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه الاختلاف المذكور أن سفيان الثوريّ رواه عن الأعمش، عن أبي عمار، عن عمرو بن شُرحبيل، عن رجل من أصحاب النبيّ ﷺ ، فجعله متصلاً، وخالفه أبو معاوية، فرواه عن الأعمش، عن أبي عمار، عن عمرو بن
стр. 11602
شرحبيل، أتي رجل الخ، فجعله منقطعًا؛ لأن عمرو بن شُرحبيل لم يحضر القصّة، والقاعدة أن من حكى قصّة لم يشهدها تكون حكايته منقطعة، كما أشار إليه الحافظ السيوطيّ في "ألفية الحديث" حيث قال:
وَكُلُّ مَنْ أدْرَكَ مَا لَهَ رَوَى … مُتَّصِلٌ وَغَيْرُهُ قَطْعًا حَوَى
ثم إن الأرجح هنا هو الوصل؛ لأن سفيان أحفظ، وأتقن، وأبو معاوية، وإن كان مقدّمًا في الأعمش إلا أن سفيان يقدّم عليه، كما معلوم في محلّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٣٨٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنْ أَبِي عَمَّارٍ, عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ, عَنْ رَجُلٍ, مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : رَجُلٌ يَصُومُ الدَّهْرَ, قَالَ: «وَدِدْتُ أَنَّهُ لَمْ يَطْعَمِ الدَّهْرَ» , قَالُوا: فَثُلُثَيْهِ, قَالَ: «أَكْثَرَ» , قَالُوا: فَنِصْفَهُ, قَالَ: «أَكْثَرَ» , ثُمَّ قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا يُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ, صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (محمد بن بشار) العبديّ المعروف ببُندار، أبو بكر البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٢٤/ ٢٧.
٢ - (عبد الرحمن) بن مهديّ بن حسان البصريّ، ثقة ثبت إمام [٩] ٤٢/ ٤٩.
٣ - (سفيان) بن سعيد الثوريّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقة ثبت حجة [٧] ٣٣/ ٣٧.
٤ - (الأعمش) سليمان بن مِهران الكوفيّ، ثقة ثبت ورع، لكنه يدلّس [٥] ١٧/ ١٨.
٥ - (أبو عمّار) عَرِيب -بفتح أوله، وكسر الراء بعدها تحتانيّة، ثم موحّدة- ابن حُمَيد الدُّهْنيّ -بضم، فسكون- الكوفيّ، ثقة [٣].
قال ابن أبي خيثمة: سألت أحمد، ويحيى عن أبي عقار الدهني، فقال: اسمه عَريب بن حُميد، وهو كوفيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: يَروي المراسيل. تفرّد به المصنّف، وابن ماجه، وله عند المصنف في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا ٢٣٨٥ وأعاده بعده ٢٣٨٦ و ٢٥٠٧ حديث قيس بن سعد: "أمرنا رسول اللَّه ﷺ بصدقة الفطر .. " الحديث، و ٥٠٠٩ حديث: "ملىء عمار إيمانًا إلى مُشاشه".
٦ - (عمرو بن شُرحبيل) الهمدانيّ، أبو ميسرة الكوفيّ، مخضرم ثقة عابد [٢] ١٨٠/ ٢٨٥.
٧ - (الصحابيّ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، وسيأتي الكلام عليه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 11603
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير أبي عمار، كما مرّ آنفًا. (ومنها): أنه مسلسل بثقات الكوفيين. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، عن أبي عمّار، عن عمرو ابن شُرحبيل. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ رَجُلِ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ) لم أر من سمّاه، لكن جهالته لا تضرّ؛ لأن الصحابة ﵃ كلهم عدول بإجماع من يُعتدّ بإجماعه، كما هو مقرّر في كتب مصطلح الحديث (قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : رَجُلٌ يَصُومُ الدَّهْرَ) "رجل" مبتدأ، وما بعده صفته، والخبر محذوف، أي ما حكمه؟. ويحتمل أن يكون "قيل" بمعنى ذُكِرَ، و "رجل" نائب فاعله، وجملة "يصوم الدهر" صفة لـ"رجل". ويؤيّد الاحتمال الأول وقوعه في الرواية التالية بلفظ الاستفهام: "ما تقول في رجل صام الدهر؟ ". (قَالَ: (وَدِدْتُ أنَّهُ لَمْ يَطْعَمِ الدَّهْرَ") أي وددت أنه ما أكل ليلاً، ولا نهارًا، حتى مات جوعًا، والمقصود بيان كراهة عمله، وأنه مذموم العمل حتى يتمنّى له الموت بالجوع (قَالُوا: فَثلُثَيْهِ) بالنصب مفعولا لمقدّر، أي إن صام ثلثي الدهر، فما حكمه؟ (قَالَ: "أَكْثَرَ) يحتمل أن يكون أفعل تفضيل، مرفوعًا خبرًا لمحذوف، أي هو أكثر من الحد المطلوب. ويحتمل أن يكون فعلاً ماضيا، أي أكثر الرجل من الصوم حتى جاوز الحدّ ينبغي أن لا يتجاوزه عع (قَالُوا: فَنِصْفَهُ) أي إن صام نصف الدهر (قَالَ: "أَكْثَرَ") هذا بناء على النظر إلى أحوال غالب الناس، فإنه بالنظر إلى غالبهم يضعف، ويُخلّ في إقامة الفرائض وغيره، وإلا فهو صوم داود ﵇، وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: "أفضل الصيام صيام داود ﵇"، كما يأتي في الباب التالي (ثُمَّ قَالَ: "أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا يُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ) - بفتحتين- قيل: غَشّه، ووساوسه. وقيل: الحقد والغيظ. وقيل: العداوة. وقيل: أشدّ الغضب. وقيل: ما يحصل في القلب من الكدورات، والقسوة، وينبغي أن يراد ههنا الحاصلة بالاعتياد على الأكل والشرب، فإن الصوم إنما شُرع لتصقيل القلب، كما قال اللَّه : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]، فكأنه أشار إلى أن هذا القدر يكفي في ذلك. ويحتمل أن يقال: طالب العبادة لا يطمئن قلبه بلا عبادة، فأشار إلى أن القدر الكافي في الاطمئنان هذا القدر، والباقي زائد عليه. واللَّه تعالى أعلم. قاله السنديّ (١).
стр. 11604
(صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّام) بالرفع على أنه خبر لمحذوف، أي هو صوم ثلاثة أيام (مِنْ كُلِّ شَهْرٍ).
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيح، ولا يقال: فيه سفيان والأعمش من المدلسين؛ لأنه تشهد له الأحاديث الآتية، وهو من أفراد المصنّف، أخرجه هنا-٧٥/ ٢٣٨٥ و ٢٣٨٦ - وفي "الكبرى" ٧٥/ ٢٦٩٣ و ٢٦٩٤. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣٨٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ, عَنْ أَبِي عَمَّارٍ, عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ, قَالَ: أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ, فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ, صَامَ الدَّهْرَ كُلَّهُ؟ , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَدِدْتُ أَنَّهُ لَمْ يَطْعَمِ الدَّهْرَ شَيْئًا, قَالَ: فَثُلُثَيْهِ؟ , قَالَ: «أَكْثَرَ» , قَالَ: فَنِصْفَهُ؟ , قَالَ: «أَكْثَرَ» , قَالَ: «أَفَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا يُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ؟» , قَالُوا: بَلَى, قَالَ: «صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ, مِنْ كُلِّ شَهْرٍ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد هم المذكورون في السند الماضي، غير شيخه، محمد بن العلاء، أبي كريب، وغير أبي معاوية محمد بن خازم الضرير.
والحديث مرسل؛ لأن عمرو بن شُرحبيل تابعيّ، لكن يشهد له ما قبله، فهو صحيح به. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣٨٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, عَنْ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدٍ الزِّمَّانِيِّ, عَنْ أَبِي قَتَادَةَ, قَالَ: قَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, كَيْفَ بِمَنْ يَصُومُ الدَّهْرَ كُلَّهُ؟ , قَالَ: "لَا صَامَ, وَلَا أَفْطَرَ" أَوْ "لَمْ يَصُمْ, وَلَمْ يُفْطِرْ", قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, كَيْفَ بِمَنْ يَصُومُ يَوْمَيْنِ, وَيُفْطِرُ يَوْمًا؟ , قَالَ: أَوَيُطِيقُ ذَلِكَ أَحَدٌ؟ , قَالَ: فَكَيْفَ بِمَنْ يَصُومُ يَوْمًا, وَيُفْطِرُ يَوْمًا؟ قَالَ: «ذَلِكَ صَوْمُ دَاوُدَ ﵇» , قَالَ: فَكَيْفَ بِمَنْ يَصُومُ يَوْمًا, وَيُفْطِرُ يَوْمَيْنِ؟ , قَالَ: «وَدِدْتُ أَنِّي أُطِيقُ ذَلِكَ» , قَالَ: ثُمَّ قَالَ: «ثَلَاثٌ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ, وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ, هَذَا صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و"حماد": هو ابن زيد.
وقوله: أَوَ يطيق ذلك" الهمزة للاستفهام، والواو عاطفة، قال السنديّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: كأنه كرهه؛ لأنه مما يُعجَز عنه في الغالب، فلا يُرغَب فيه في دين سَهْلٍ سَمْحٍ انتهى.
وقوله: "ذاك صوم داود" أي وصومه أفضل الصيام، وكأنه تركه لتقريره ذلك غير مرّة. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 11605
وقوله: "وددت أني أُطيق ذلك" أي أقدر عليه مع أداء حقوق النساء، فمرجع هذا إلى خوف ذوات حقوق النساء، فإن إدامة الصوم يُخلّ بحظوظهنّ منه، وإلا فكان يُطيق أكثر منه، فإنه كان يواصل. قاله السنديّ.
والحديث أخرجه مسلم، وقد تقدّم قبل باب برقم -٧٣/ ٢٣٨٢ - وتقدم تمام البحث فيه هناك، فراجعه تزدد علمًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٧٦ - (صَوْمُ يَوْمٍ، وَإِفْطَارُ يَوْمٍ، وَذِكْرُ اخْتِلَافِ أَلْفَاظَ النَّاقِلِينَ (١) لِخَبَرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو فِيهِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه الاختلاف المذكور أنه في روايات مجاهد سمى صوم يوم وإفطار يوم أفضل الصيام، وفي رواية أبي سلمة سماه صوم نصف الدهر، وفي رواية ابن المسيّب، وأبي سلمة سماه أعدل الصيام، وفي رواية أبي سلمة الأخيرة سماه أعدل الصيام عند اللَّه.
ولا تخالف بينها، فإن الأعدل لا ينافي كونه أفضل؛ لأن العدل في الأمور هو الاقتصاد، وهو خلاف الجور، كما في "المصباح"، والاقتصاد أفضل الأمور، وهو أيضًا صوم نصف الدهر؛ لأن صوم يوم، وفطر يوم هو صوم نصف الدهر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٣٨٨ - (قَالَ: وَفِيمَا قَرَأَ عَلَيْنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ, قَالَ: أَنْبَأَنَا حُصَيْنٌ, وَمُغِيرَةُ, عَنْ مُجَاهِدٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَفْضَلُ الصِّيَامِ, صِيَامُ دَاوُدَ ﵇, كَانَ يَصُومُ يَوْمًا, وَيُفْطِرُ يَوْمًا»).
قال الجامعَ - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: (قال: وفيما قرأ علينا الخ" هكذا العبارة هنا، وفي "الكبرى" على خلاف عادته، حيث يقول: "أخبرنا" بكثرة، و"حدثنا"، أو نحو
стр. 11606
ذلك بقلة، ولما هنا أيضًا وجه صحيح.
وذلك أن قائل "قال" هو الراوي عن المصنّف، وهو الحافظ أبو بكر ابن السنّيّ؛ لأنه المشهور برواية "المجتبى" عنه، ويحتمل أن يكون غيره، وفاعل "قال" ضمير النسائيّ، وقوله: "فيما قرأ علينا الخ" متعلّق بحال مقدّر، أو بـ"قال"، من قوله: "قال: حدثنا هشيم"، وفاعل "قال" ضمير أحمد بن منيع، وجملة "حدثنا هشيم" مقول القول، والتقدير: قال النسائيّ: قال أحمد بن منيع فيما قرأه علينا من الأحاديث: حدثنا هشيم الخ.
و"هشيم": هو ابن بشير الواسطيّ. و"حصين": هو ابن عبد الرحمن. و"مغيرة": هو ابن مقسم.
والحديث صحيح، ويأتي تمام البحث فيه في الحديث الذي بعده، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣٨٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ, عَنْ مُغِيرَةَ, عَنْ مُجَاهِدٍ, قَالَ: قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: أَنْكَحَنِي أَبِي امْرَأَةً, ذَاتَ حَسَبٍ, فَكَانَ يَأْتِيهَا, فَيَسْأَلُهَا عَنْ بَعْلِهَا, فَقَالَتْ: نِعْمَ الرَّجُلُ, مِنْ رَجُلٍ, لَمْ يَطَأْ لَنَا فِرَاشًا, وَلَمْ يُفَتِّشْ لَنَا كَنَفًا, مُنْذُ أَتَيْنَاهُ, فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ , فَقَالَ: «ائْتِنِي بِهِ» , فَأَتَيْتُهُ مَعَهُ, فَقَالَ: «كَيْفَ تَصُومُ؟» , قُلْتُ: كُلَّ يَوْمٍ, قَالَ: «صُمْ مِنْ كُلِّ جُمُعَةٍ, ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ» , قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ (١) مِنْ ذَلِكَ, قَالَ: «صُمْ يَوْمَيْنِ, وَأَفْطِرْ يَوْمًا» , قَالَ: إِنِّي أُطِيقُ, أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ, قَالَ: «صُمْ أَفْضَلَ الصِّيَامِ, صِيَامَ دَاوُدَ ﵇, صَوْمُ يَوْمٍ, وَفِطْرُ يَوْمٍ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن مَعْمَر) بن ربعيّ القيسيّ البحرانيّ البصريّ، صدوق، من كبار [١١] ٥/ ١٨٢٩.
٢ - (يحيي بن حمّاد) بن أبي زياد الشيبانيّ مولاهم البصريّ، خَتَنُ أبي عوانة، ثقة عابد، من صغار [٩] ٤٣/ ٢٢٢٥.
٣ - (أبو عوانة) الوضّاح بن عبد اللَّه اليشكريّ الواسطي البزّاز، ثقة ثبت [٧] ٤١/ ٤٦.
٤ - (مغيرة) بن مِقْسَم الضبّيّ مولاهم، أبو هشام الكوفيّ الأعمى، ثقة متقنٌ، إلا أنه
стр. 11607
يدلس [٦] ١٨٨/ ٣٠١.
٥ - (مجاهد) بن جبر المخزوميّن أبو الحجاج المكيّ، ثقة فقيه فاضل [٣] ٢٧/ ٣١.
٦ - (عبد اللَّه بن عمرو) بن العاص بن وائل السهميّ، أبو محمد، أو أبو عبد الرحمن الصحابيّ ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٨٩/ ١١١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن شيخه أحد المشايخ التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وهم الذين جمعتهم بقولي:
اشْتَرَ الأَئِمَّةُ الْهُدَاةُ .... ذَوُو الأُصُولِ السِّتَّةِ الْوُعَاةُ
فِي تِسْعَةٍ مِنَ الشُّيُوخِ الْمَهَرَهْ … الْحَافِظِينَ النَّاقِدِينَ الْبَرَرَهْ
أُولَئِكَ الأَشَجُّ وَابْنُ مَعْمَرٍ … نَصْرٌ وَيَعْقُوبُ وَعَمْرٌ السَّرِي
وَابْنُ الْعَلَاءِ وَابْنُ بَشَّارٍ … كَذَا ابْنُ المُثَنَّى وَزِيَادٌ يُحْتَذَى
(ومنها): أن صحابيّه - رضي اللَّه تعالى عنه - أحد السابقين إلى الإسلام، وأحد العبادلة الأربعة المجموعين في قول السيوطيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "ألفية الحديث":
وَالْحَبْرُ وَابْنَا عُمَرٍ وَعَمْرِو .... وَابنُ الزُّبَيْرِ فِي اشْتِهَار يَجْرِي
دُونَ ابْنِ مَسْعُودٍ لَهُمْ عَبَادِلَهْ .... وَغَلَّطُوا مَنْ غَيْرَ هَذَا مَالَ لَهْ
وتقدّم كل هذا غير مرّة، وإنما أعدته تذكيرًا؛ لطول العهد به. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ مُجَاهِدٍ) بن جَبْر -رحمه اللَّه تعالى-، أنه (قَالَ: قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو) ابن العاص - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنْكَحَنِي أَبِي) أي زوّجني، وهذا ظاهر في كون أبيه هو الذي تولّى تزويجه، كما جرت العادة بذلك، فإن أبا الرجل يتولّى تزويج ابنه، وإن كان كبيرًا، وذلك بأن يستشيره بالتزويج، ويتقدّم لخِطْبة المرأة المناسبة له، ويتولّى ما يتعلّق بأمر العقد، من دفع المهر، ونحو ذلك، فلا حاجة لما ذكره في "الفتح" من قوله: وهو محمول على أنه كان المشير عليه بذلك، وإلا فعبد اللَّه بن عمرو حينئذ كان رجلاً كاملاً.
قال: ويحتمل أن يكون قام عنه بالصداق، ونحو ذلك انتهى.
قلت: وهذا الأخير هو المقصود هنا. واللَّه تعالى أعلم (امْرَأَةٌ، ذَاتَ حَسَبِ) وفي
стр. 11608
رواية أحمد عن هشيم، عن مغيرة، وحصين، عن مجاهد في هذا الحديث: "امرأة من قريش". وهي أمّ محمد بنت مَحْمِيَة -بفتح الميم، وسكون المهملة، وكسر الميم، بعها تحتانيّة مفتوحة خفيفة- ابن جَزْء الزُّبيديّ، حليف قريش، ذكرها الزبير وغيره. قاله في "الفتح" (١) (فَكَانَ يَأْتِيهَا) وفي رواية البخاريّ في "فضائل القرآن": "فكان يأتي كَنَّتَه"،- بفتح الكاف، وتشديد النون: هي زوج الولد (فَيَسْأَلُهَا عَنْ بَعْلِهَا) أي عن شأنه، هل يتفقّدها؟، أو لا يلتفت إليها لشغله بالطاعة، ويحتمل أن يكون السؤال عن غير ذلك، كصحته، أو مرضه، لكن جواب المرأة يقويّ الاحتمال الأول. واللَّه تعالى أعلم.
(فَقَالَتْ: نِعْمَ الرَّجُلُ، مِنْ رَجُلٍ) قال ابن مالك -رحمه اللَّه تعالى-: يُستفاد منه وقوع التمييز بعد فاعل "نعم" الظاهرِ، وقد منعه سيبويه، وأجازه المبرّد. وقال الكرمانيّ: يحتمل أن يكون التقدير: نعم الرجل من الرجال، قال: وقد تفيد النكرة في الإثبات التعميم، كما في قوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤]، قال: ويحتمل أن تكون "من" للتجريد، كأنه جرّد من رجل موصوف بكذا وكذا رجلاً، فقال: نعم الرجل المجرد من كذا، صفته كذا انتهى (لَمْ يَطَأْ لَنَا فِرَاشًا) أي لم يضاجعنا، حتى يطأ فراشنا (وَلَمْ يُفَتِّشْ لَنَا كَنَفًا) قال في "الفتح": كذا للأكثر -بفاء، ومثناة ثقيلة، وشين معجمة- وفي رواية لأحمد، والنسائيّ، والكشميهنيّ: "ولم يَغْشَ"-بغين معجمة ساكنة، بعدها شين معجمة- و"كنَفًا" -بفتح الكاف والنون، بعدها فاء-: هو الستر، والجانب، وأرادت بذلك الكنايةَ عن عدم جماعه لها؛ لأن عادة الرجل أن يدخل يده مع زوجته في داخل أمرها. وقال الكرمانيّ: يحتمل أن يكون المراد بالكنف الكنيف، وأرادت أنه لم يطعم عندها حتى يحتاج إلى أن يفتّش عن موضع قضاء الحاجة. كذا قال، والأول أولى. وزاد في الرواية التالية من طريق عَبْثر، عن حُصين: "فوقع بي، وقال: زوجتك امرأة من المسلمين، فعَضَلْتها، فجعلت، لا ألتفت إلى قوله مما أرى عندي من القوّة والاجتهاد، فبلغ ذلك النبيّ ﷺ … ".
(مُنْذُ أَتَيْنَاهْ) تعني من أول وقت أن تزوّجها (فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنبِي ﷺ ) وفي رواية البخاريّ: "فلما طال ذلك عليه ذكر للنبيّ ﷺ "، وفيه أنه أباه تَأَنَّى في شكواه إلى النبيّ ﷺ رجاءَ أن يتدارك، فلما تمادى على حاله، خشي أن يلحقه الإثم بتضييع حقوق زوجته، فشكاه (فَقَالَ) ﷺ ("ائْتِنِي بِهِ) وفي رواية البخاريّ: "القَني به" (فَأَتَيتُهُ مَعَهُ، فَقَالَ: "كَيْفَ تَصُومُ؟ "، قُلْتُ: كُلَّ يَوْمٍ، قَالَ: "صُمْ مِنْ كُلِّ جُمْعَةٍ، ثَلَاَثةَ أَيَّامِ، قُلْتُ:
стр. 11609
إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: "صُمْ يَوْمَيْنِ، وَأَفْطِرْ يَوْمًا") ووقع عند البخاريّ في "فضائل القرآن" بلفظ: "صم ثلاثة أيام في الجمعة، قال: قلت: أطيق أكثر من ذلك، قال: أفطر يومين، وصم يومًا".
قال الداوديّ: هذا وَهَمٌ من الراوي؛ لأن ثلاثة أيام من الجمعة أكثر من فطر يومين، وصيام يوم، وهو إنما يُدَرِّجه من الصيام القليل إلى الصيام الكثير. قال الحافظ: وهو اعتراض متّجه، فلعلّه وقع من الراوي فيه تقديم وتأخير، وقد سلمت رواية هشيم من ذلك، ولفظه: "صم في كل شهر ثلاثة أيام، قال: إنى أقوى من ذلك، فلم يزل يرفعني، حتى قال: صم يومًا، وأفطر يومًا انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رواية المصنّف سالمة من الاعتراض المذكور، خلاف مما يوهمه ما قاله السنديّ في "شرحه" (١).
(قَالَ: إِنِّي أُطِيقُ، أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: "صُمْ أَفْضَلَ الصِّيَامِ، صِيَامَ دَاوُدَ ﵇ بنصب "صيام" على البدلية، أو البيان، أو بتقدير "أعني"، ويجوز رفعه على أنه خبر لمبتدإ محذوف، أي هو، ولا يجوز جرّه.
وفي رواية لمسلم: "فصم صوم داود نبيّ اللَّه ﵇، فإنه كان أعبد الناس". قال القرطبيّ: إنما أحاله على صوم داود، ووصفه بأنه كان أعبد الناس؛ لقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ١٧]، قال ابن عباس ﵄: "الأَيْدُ" هنا القوة على العبادة، و"الأواب" الرجّاع إلى اللَّه تعالى، وإلى عبادته، وتسبيحه انتهى (٢) (صَوْمُ يَوْمٍ، وَفِطْرُ يَوْمٍ") بالرفع على الخبرية لمحذوف، أي هو، ويجوز النصب، كما تقدّم فيَ الذي قبله.
وزاد في رواية: "ولا تزد عليه"، وفي أخرى: "قلت: إني أطيق أفضل من ذلك، فقال النبيّ ﷺ : "لا أفضل من ذلك"، وفي رواية: "ولكن أدلّك على صوم الدهر، ثلاثة أيام من الشهر"، قلت: يا رسول اللَّه، إني أطيق أكثر من ذلك، قال: "صم خمسة أيام"، قلت: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: "فصم عشرًا"، فقلت: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: "فصم صوم داود ﵇ … ". وفي رواية: "صوم يوما" -يعني من كل عشرة أيام- ولك أجر ما بقي"، قال: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: "صم يومين، ولك أجر ما بقي"، قال: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: "صم ثلاثة أيام، ولك أجر ما بقي"، قال: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: "صم أربعة أيام، ولك أجر ما بقي"، قال: إني
стр. 11610
أطيق أكثر من ذلك، قال: "صم أفضل الصيام عند اللَّه، صوم داود ﵇".
وهذا يقتضي أنه ﷺ -أمره بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، ثم بستة، ثم بتسعة، ثم باثني عشر، ثم بخمسة عشر، فالظاهر من مجموع الروايات الواردة في الباب أنه أمره بالاقتصار على ثلاثة أيام من كلّ شهر، فلما قال: إنه يطيق أكثر من ذلك زاده بالتدريج إلى أن أوصله إلى خمسة عشر يومًا، فذكر بعض الرواة عنه ما لم يذكره الآخرون، ويدلّ على ذلك رواية عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن عمرو، عند أبي داود: "فلم يزل يناقصني، وأناقصه".
ووقع عند المصنّف في رواية محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة الآتية -٢٣٩٣ - : "فصم من الجمعة يومين: الاثنين، والخميس". وهو فرد من أفراد ما تقدّم ذكره. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد اللَّه بن عمرو - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٧٦/ ٢٣٨٨ و ٢٣٨٩ و ٢٣٩٠ و ٢٣٩١ و ٢٣٩٢ و ٢٣٩٣ و ٧٧/ ٢٣٩٤ و ٢٣٩٥ و ٢٣٩٦ و ٧٨/ ٢٣٩٧ و ٢٣٩٨ و ٢٣٩٩ و ٢٤٠٠ و ٢٤٠١ و ٧٩/ ٢٤٠٢ و ٨٠/ ٢٤٠٣ و ١٤/ ١٦٣٠ و ٦٩/ ٢٣٤٤ - وفي " الكبرى" ٧٦/ ٢٦٩٦ و ٢٦٩٧ و ٢٦٩٨ و ٢٦٩٩ و ٢٦٧٠ و ٢٦٧٠١ و ٧٧/ ٢٧٠٢ و ٢٧٠٣ و ٢٧٠٤ و ٧٨/ ٢٧٠٥ و ٢٧٠٦ و ٢٧٠٧ و ٢٧٠٨ و ٢٧٠٩ و ٧٩/ ٢٧١٠ و ٨٠/ ٢٧١١ و ٦٩/ ٢٦٥٣ و ٢٢/ ١٣٢٧.
وأخرجه (خ) في "الجمعة" ١١٣١ و ١١٥٣ و"الصوم" ١٩٧٤ و ١٩٧٥ و ١٩٧٦ و ١٩٧٧ و ١٩٧٨ و ١٩٧٩ و ١٩٨٠ و"أحاديث الأنبياء" ٣٤١٨ و ٣٤١٩ و ٣٤٢٠ "فضائل القرآن" ٥٠٥٢ و ٥٠٥٣ و ٥٠٥٤ و"النكاح" ٥١٩٩ و"الأدب" ٦١٣٤ و"الاستئذان" ٦٢٧٧ (م) في "الصيام" ١٩٦٢ و ١٩٦٣ و ١٩٦٤ و ١٩٦٦ و ١٩٦٧ و ١٩٦٨ و ١٩٦٩ و ١٩٧٠ و ١٩٧١ و ١٩٧٢ و ١٩٧٣ (د) في "الصلاة" ١٣٨٨ و ١٣٨٩ و١٣٩٠ و ١٣٩١ و"الصوم" ٢٤٢٧ و ٢٤٤٨ (ت) في "الصوم"٧٧٠ (ق) في "الصلاة" ١٣٤٦ و"الصيام" ١٧٠٦ و ١٧١٢ (أحمد) في "مسند المكثرين من الصحابة" ٦٤٤١ و ٦٤٥٥ و ٦٤٧٠ و ٦٤٨٠ و ٦٤٩١ و ٦٧٢١ و ٦٧٢٥ و ٦٧٥٠ و ٦٧٩٣ و ٦٨٠٢ و ٦٨٢٣ و ٦٨٢٤ و ٦٨٣٤ و ٦٨٣٧ و ٦٨٧٥ و ٦٨٨٢ و ٦٩٨٤ و ٧٠٥٨ (الدارميّ) في ١٧٥٢ و"فضائل القرآن" ٣٤٨٦. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 11611
(المسألة الثالثة): في فوائد حديث عبد اللَّه بن عَمْرٍو ﵁ على اختلاف ألفاظه (١):
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو أفضيلة صوم يوم، وإفطار يوم (ومنها): مشروعية قيام الأب بتزويج ابنه، ليصونه عن الوقوع في المحرمات (ومنها): تفقّد الأب ابنه في شأن زوجته؛ لئلا يضيع حقوقها (ومنها): يجوز للمرأة أن تشكو زوجها في عدم جماعها، ونحو ذلك؛ لئلا يلحقها ضرر بذلك (ومنها): شكوى الأب ابنه إلى وليّ الأمر إذا رأى منه تفريطًا في الحقوق؛ حفظا له عن المأثم (ومنها): تفقّد الإمام لأمور رعيته كلياتها، وجزئياتها، وتعليمهم ما يُصلحهم (ومنها): بيان رفق النبيّ ﷺ بأمته، وشفقته عليهم، وإرشاده إياهم إلى ما يُصلحهم، وحثه لهم على ما يطيقون الدوام عليه، ونهيهم عن التعمّق في العبادة؛ لما يُخشى من إفضائه إلى الملل المفضي إلى الترك، أو ترك البعض، وقد ذمّ اللَّه تعالى قومًا لازموا العبادة، ثم فرّطوا فيها (ومنها): الندب إلى الدوام على ما وظّفه الإنسان على نفسه من العبادة (ومنها): جواز الإخبار عن الأعمال الصالحة، والأوراد، ومحاسن الأعمال، ولا يخفى أن محلّ ذلك عند أمن الرياء (ومنها): الحضّ على ملازمة العبادة؛ لأنه- ﷺ مع كراهته لعبد اللَّه بن عمرو تشدّده على نفسه حضّه على الاقتصاد، كانه قال له: ولا يمنعك اشتغالك بحقوق من ذكر من النفس، والأهل، والأضياف أن تضيّع حقّ العبادة، وتتروك المندوب جملة، ولكن اجمع بينهما. (ومنها): أنه لا يجوز للإنسان أن يُجهد نفسه بالعبادة حتى يَضعُف عن القيام بحقوق زوجته، من الجماع، والاكتساب.
وقد اختلف العلماء فيمن كفّ عن جماع زوجته، فقال مالك: إن كان بغير ضرورة أُلزم به، أو يفترق بينهما، ونحوه عن أحمد، والمشهور عند الشافعيّة أنه لا يجب عليه. وقيل: يجب مرّة. وعن بعض السلف في كلّ أربع ليلة. وعن بعضهم في كل طهر مرّة (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الأرجح عندي ما ذهب إليه مالك، وأحمد من وجوب جماعها؛ لأن هذا من المعاشرة بالمعروف التي أوجبها اللَّه تعالى بقوله: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ الآية [النساء: ١٩]، وقال أيضًا: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٣١]، وسيأتي تمام البحث في ذلك في موضعه من "كتاب النكاح"، إن شاء اللَّه تعالى.
(ومنها): جواز القَسَمِ على التزام العبادة، وفائدته الاستعانة باليمين على النشاط لها،
стр. 11612
وأن ذلك لا يخلّ بصحة النية، والإخلاص فيها (ومنها): أن اليمين على التزام العبادة لا يُلحقها بالنذر الذي يجب الوفاء به (ومنها): جواز الحلف من غير استحلاف (ومنها): أن النفل المطلق لا ينبغي تحديده، بل يختلف الحال باختلاف الأشخاص، والأوقات، والأحوال (ومنها): جواز التفدية بالأب والأمّ (ومنها): الإشارة إلى الاقتداء بالأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - في أنواع العبادات (ومنها): أن طاعة الوالد لا تجب في ترك العبادة، ودهذا احتاج عمرو إلى شكوى ولده عبد اللَّه، ولم ينكر عليه النبيّ ﷺ ترك طاعته لأبيه في ذلك (ومنها): زيارة الفاضل للمفضول في بيته (ومنها): إكرام الضيف بإلقاء الفُرُش، ونحوها تحته، وتواضع الزائر بجلوسه دون ما يفرش له، وأنه لا حرج عليه في ذلك، إذا كان على سبيل التواضع والإكرام للمزور. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣٩٠ - (أَخْبَرَنَا أَبُو حَصِينٍ, عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْثَرٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ, عَنْ مُجَاهِدٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو, قَالَ: زَوَّجَنِي أَبِي امْرَأَةً, فَجَاءَ يَزُورُهَا, فَقَالَ: كَيْفَ تَرَيْنَ بَعْلَكِ, فَقَالَتْ: نِعْمَ الرَّجُلُ, مِنْ رَجُلٍ, لَا يَنَامُ اللَّيْلَ, وَلَا يُفْطِرُ النَّهَارَ, فَوَقَعَ بِي, وَقَالَ: زَوَّجْتُكَ امْرَأَةً, مِنَ الْمُسْلِمِينَ, فَعَضَلْتَهَا,
قَالَ: فَجَعَلْتُ لَا أَلْتَفِتُ إِلَى قَوْلِهِ, مِمَّا أَرَى عِنْدِي, مِنَ الْقُوَّةِ وَالاِجْتِهَادِ, فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ , فَقَالَ: «لَكِنِّي أَنَا أَقُومُ وَأَنَامُ, وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ, فَقُمْ وَنَمْ, وَصُمْ وَأَفْطِرْ» , قَالَ: «صُمْ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ» , فَقُلْتُ: أَنَا (١) أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ, قَالَ: «صُمْ صَوْمَ دَاوُدَ ﵇, صُمْ يَوْمًا, وَأَفْطِرْ يَوْمًا» , قُلْتُ: أَنَا أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ, قَالَ: "اقْرَإِ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ شَهْرٍ» , ثُمَّ انْتَهَى إِلَى خَمْسَ عَشْرَةَ", وَأَنَا أَقُولُ أَنَا أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، وهو: "أبو حَصِين" -بفتح أوله، وكسر ثانيه- هو اليربوعيّ الكوفيّ، ثقة [١١] ٦٥/ ٢٣٢٠ فإنه ممن انفرد به هو والترمذيّ.
و"عبثر": هو ابن القاسم الزُّبَيديّ الكوفيّ، ثقة [٨] ٩٠/ ١١٦٤.
و"حُصين": هو ابن الرحمن.
وقوله: "فوقع بي": أي سَبَّني، يقال: وقع فلان في فلان وُقُوعًا، ووَقِيعةً: إذا سبَّه، وثَلَبَه. أفاده في "المصباح".
وقوله: "ثم انتهى إلى خمس عشرة الخ" هذه الرواية فيها اختصار، وسيأتي في
стр. 11613
الرواية الآتية من طريق أبي العباس الشاعر، عن عبد اللَّه بن عمرو ما يوضّح ذلك، ولفظه: "اقرإ القرآن في شهر، قلت: إني أطيق أكثر من ذلك، فلم أزل أطلب إليه، حتى قال: في خمسة أيام" … " الحديث.
وفي رواية الدارميّ في "مسنده" من طريق أبي فروة (١)، عن عبد اللَّه بن عمرو: قال: "قلت: يا رسول اللَّه في كم أختم القرآن؟ قال: اختمه في شهر، قلت: إني أطيق، قال: اختمه في خمسة وعشرين، قلت: إني أطيق، قال: اختمه في عشرين، قلت: إني أطيق، قال: اختمه في خمس عشرة، قلت: إني أطيق، قال: اختمه في خمس، قلت: إني أطيق، قال: لا".
وفي رواية: "قال: فاقرأه في كلّ شهر، قلت: إني أجدني أقوى من ذلك، قال: فاقرأه في كلّ عشرة أيام، قلت: إني أجدني أقوى من ذلك، قال: فاقرأه في كلّ ثلاث".
وعند أبي داود والترمذيّ مصححًا من طريق يزيد بن عبد اللَّه بن الشّخّير، عن عبد اللَّه ابن عمرو، مرفوعًا: "لا يفقه من قرأ القرآن في أقلّ من ثلاث"، وشاهده عند سعيد بن منصور بإسناد صحيح من وجه آخر عن ابن مسعود: "اقرؤوا القرآن في سبع، ولا تقرؤوه في أقلّ من ثلاث"، ولأبي عبيد من طريق الطيب بن سلمان، عن عمرة، عن عائشة ﵂: "أن النبيّ ﷺ -كان لا يختم القرآن في أقلّ من ثلاث".
ولأبي داود، والترمذيّ، والنسائيّ من طريق وهب بن منبه، عن عبد اللَّه بن عمرو أنه سأل رسول اللَّه ﷺ في كم يقرأ القرآن؟ قال: "في أربعين يومًا"، ثم قال: "في شهر"، ثم قال: "في عشرين"، ثم قال:"في خمس عشرة"، ثم قال: "في عشر"، ثم قال: "في سبع"، ثم لم ينزل عن سبع.
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وهذا إن كان محفوظًا احتمل في الجمع بينه، وبين رواية أبي فَرْوة تعدد القصّة، فلا مانع أن يتعدد قول النبيّ ﷺ لعبد اللَّه بن عمرو ذلك تأكيدًا، ويؤيده الاختلافُ الواقع في السياق.
[تنبيه]: قراءة القرآن في ثلاث هو اختيار أحمد، وأبي عبيد، وإسحاق بن راهويه، وغيرهم، وثبت عن كثير من السلف أنهم قرؤو القرآن في دون ذلك، قال النوويّ: والاختيار أن ذلك يختلف بالأشخاص، فمن كان من أهل الفهم، وتدقيق الفكر استُحبّ له أن يقتصر على القدر الذي لا يُخلّ به المقصود، من التدبّر، واستخراج المعاني،
стр. 11614
وكذا من كان له شغل بالعلم، أو غيره، من مهمات الدين، ومصالح المسلمين العامّة يستحبّ له أن يقتصر منه على القدر الذي لا يُخلّ بما هو فيه، ومن لم يكن كذلك، فالأولى له الاستكثار ما أمكنه من غير خروج إلى الملل، ولا يقرؤه هذرمة. واللَّه أعلم انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "فالأولى له الاستكثار ما أمكنه الخ" فيه نظر، بل الأولى له التقيّد بما صحّ عنه ﷺ من عدم تجاوز الثلاث. واللَّه تعالى أعلم.
وقال الحافظ في موضع آخر: وكأن النهي عن الزيادة ليس على التحريم، كما أن الأمر في جميع ذلك ليس للوجوب، وعُرف ذلك من قرائن الحال التي أرشد إليها السياق، وهو النظر إلى عجزه عن سوى ذلك في الحال، أو في المآل.
وأغرب بعض الظاهريّة، فقال: يحرم أن يقرأ القرآن في أقلّ من ثلاث. وقال النوويّ: أكثر العلماء على أنه لا تقدير في ذلك، وإنما هو بحسب النشاط والقوّة، فعلى هذا يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: في هذا الكلام نظر من أوجه:
(أحدها): أن قوله: وكأن النهي ليس للتحريم، وتشبيهه بالأمر غير صحيح, لأنه ليس هنا قرينة تدلّ على أنه ليس للتحريم، بل القرائن كلها إنما تدلّ على عدم كون الأمر للوجوب، كما لا يخفى لمن تأمل.
و (الثاني): قوله: "وأغرب بعض الظاهرية الخ" هذا عجيب منه، فهل يوصف من كان ظاهر النصوص معه بأنه يُغرب، بل الذي يُغرب هو الذي خالف ظواهر النصوص المتقدّمة، وتأولها بما يخرجها عن موضوعها.
(والثالث): قول النوويّ: إنما هو بحسب النشاط، والقوّة عجيب أيضًا، فهل هناك نشاط أكثر من نشاط عبد اللَّه بن عمرو الذي شدّد، فشدّد النبيّ ﷺ عليه، فنهاه أن يقرأ في أقلّ من ثلاث؟، وهل بعد صحة قوله ﷺ -كما في حديث ابن مسعود-: "لا تقرؤوه في أقلّ من ثلاث" مجال لتعليق الأمر على النشاط؟ فهيهات هيهات.
(والرابع): قوله أيضًا: "أكثر العلماء على أنه لا تقدير في ذلك" غريبٌ، فهل كثرة
القائلين مع مخالفة النصّ الصريح لهم تكون حجة، كلاّ، وإنما الحجة في قوله ﷺ : "لا تقرؤوا القرآن في أقلّ من ثلاث"، فقط، وأما الأكثرون، فيُعتذر لهم بعدم ثبوت الخبر لديهم، أو نحو ذلك.
والحاصل أن قراءة القرآن في أقلّ من ثلاث ممنوع؛ لصحة الأدلة بذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
стр. 11615
والحديث صحيح، كما سبق بيانه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣٩١ - (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ دُرُسْتَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْمَاعِيلَ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ, أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ حَدَّثَهُ, أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ, قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حُجْرَتِي, فَقَالَ: «أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَقُومُ اللَّيْلَ, وَتَصُومُ النَّهَارَ؟» , قَالَ: بَلَى, قَالَ: «فَلَا تَفْعَلَنَّ, نَمْ وَقُمْ, وَصُمْ وَأَفْطِرْ, فَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا, وَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا, وَإِنَّ لِزَوْجَتِكَ (١) عَلَيْكَ حَقًّا, وَإِنَّ لِضَيْفِكَ عَلَيْكَ حَقًّا, وَإِنَّ لِصَدِيقِكَ عَلَيْكَ حَقًّا, وَإِنَّهُ عَسَى أَنْ يَطُولَ بِكَ عُمُرٌ, وَإِنَّهُ حَسْبُكَ أَنْ تَصُومَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثًا, فَذَلِكَ صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ, وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا» , قُلْتُ إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً فَشَدَّدْتُ فَشُدِّدَ عَلَيَّ, قَالَ: «صُمْ مِنْ كُلِّ جُمُعَةٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ» , قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ, فَشَدَّدْتُ فَشُدِّدَ عَلَيَّ, قَالَ: «صُمْ صَوْمَ نَبِيِّ اللَّهِ دَاوُدَ ﵇» , قُلْتُ: وَمَا كَانَ صَوْمُ دَاوُدَ؟ , قَالَ: «نِصْفُ الدَّهْرِ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "يحيى بن دُرُست" -بضمتين، وسكون المهملة- البصريّ، ثقة [١٠] ٢٣/ ٢٤. و"أبو إسماعيل": هو إبراهيم بن عبد الملك القَنّاد البصريّ، صدوق في حفظه شيء [٧] ٢٣/ ٢٤.
و"أبو سلمة": هو ابن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ الفقيه الثبت.
وقوله: "ألم أُخْبَر الخ" -بضم الهمزة، وسكون المعجمة، وفتح الموحّدة، مبنيًا
للمفعول، وهمزة "ألم" للاستفهام، ولكنه خرج عن الاستفهام الحقيقيّ، فمعناه هنا حمل المخاطب على الإقرار بأمر، قد استقرّ عنده ثبوته.
وفيه أن الحكم لا ينبغي إلا بعد التثبّت؛ لأنه ﷺ لم يكتف بما نُقل له عن عبد اللَّه حتى لقيه، واستثبته فيه؛ لاحتمال أن يكون قال ذلك بغير عزم، أو علّقه بشرط لم يطّلع عليه الناقل، ونحو ذلك. قاله في "الفتح" (٢).
ثم إن الذي أخبر النبيّ ﷺ -بذلك هو عمرو بن العاص والد عبد اللَّه ﵄، كما بينته الرواية السابقة.
وقوله" نَمْ" بفتح النون.
وقوله: "فَإِن لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا) بالإفراد، وفي رواية بالتثنية، وذلك لأنه من المعلوم نقصان قوة الباصرة من دوام الصوم والسهر.
وقوله: (وَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا): أي بأن ترعاه، وترفق به، ولا تضرّه حتى تُقعَد
стр. 11616
عن القيام بالفرائض ونحوها.
وقوله: (وَإِنَّ لِزَوْجَتِكَ عَلَيْكَ حَقًّا): أي في الوطء، فإذا سرد الزوج الصوم، ووالى القيام في الليل ضعف عن حقها.
وقوله: (وإِن لِضَيْفِكَ عَلَيْكَ حقًّا): أي في البسط، والمؤانسة، وغيرهما، فيعجز بالصام والقيام عن حسن معاشرته، والقيام بخدمته، ومجالسته، إما لضعف البدن، أو لسوء خلقه، أو يدخل الوحشة عليه بعدم الأكل معه بسبب صومه.
وقوله: (وَإِنَّ لِصَدِيقِكَ عَلَيْكَ حقًّا): من عطف الخاصّ على العامّ.
وفي رواية: "ولأهلك حقا" والمراد بالأهل هنا الأولاد، والقرابة، وحقهم هو الرفق بهم، والانفاق عليهم، ومؤاكلتهم، وتأنيسهم، وملازمةُ ما التزم من سرد الصوم، وقيام الليل يؤدي إلى امتناع تلك الحوق كلها، ويفيد أن الحقوق إذا تعارضت قُدّم الأولى. قاله القرطبيّ (١).
وقوله: "فشددتُ، فشُدِّد عليّ" الأول بالبناء للفاعل، والثاني بالبناء للمفعول، يعني أنه شدد في مطالبة النبيّ ﷺ -بالزيادة، وشدد ﷺ عليه في مطالبة التنقيص.
والحديث صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣٩٢ - (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ, وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ, قَالَ: ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ يَقُولُ: لأَقُومَنَّ اللَّيْلَ, وَلأَصُومَنَّ النَّهَارَ, مَا عِشْتُ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :: «أَنْتَ الَّذِي تَقُولُ ذَلِكَ؟» , فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ قُلْتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «فَإِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ, فَصُمْ وَأَفْطِرْ, وَنَمْ وَقُمْ, وَصُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ, فَإِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا, وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ» , قُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ, قَالَ: «صُمْ يَوْمًا, وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ» , فَقُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ, قَالَ: «فَصُمْ يَوْمًا, وَأَفْطِرْ يَوْمًا, وَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ, وَهُوَ أَعْدَلُ الصِّيَامِ». قُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ» , قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: لأَنْ أَكُونَ قَبِلْتُ الثَّلَاثَةَ الأَيَّامَ, الَّتِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَهْلِي وَمَالِي).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، وهو
стр. 11617
مصريّ، ثقة.
وقوله: "لأن أكون قبلت الثلاثة الأيام الخ" كذا في رواية لمسلم، وفي لفظ للبخاريّ: "وكان عبد اللَّه يقول بعد ما كَبِرَ: يا ليتني قبدت رخصة النبيّ ﷺ "، ولمسلم: قال: فصرت إلى الذي قال لي النبيّ ﷺ ، فلما كبرت وددت أني كنت قبلت رخصة نبيّ اللَّه ﷺ .
ومعنى كلامه هذا: أنه كبر، وعجز عن المحافظة على ما التزمه، ووظّفه على نفسه عند رسول اللَّه ﷺ ، فشقّ عليه فعله لعجزه، ولم يعجبه أن يتركه لالتزامه له، ولأن النبيّ ﷺ قال له: "يا عبد اللَّه لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل، فترك قيام الليل"، فتمنى أن لو قبل الرخصة، فأخذ بالأخفّ.
ومع عجزه، وتمنّيه الأخذ بالرخصة لم يترك العمل بما التزمه، بل صار يتعاطى فيه نوع تخفيف، فقد ثبت عنه أنه كان حين ضعف، وكبر يصوم تلك الأيام كذلك، يصل بعضها إلى بعض، ثم يفطر بعدد تلك الأيام، فيقوى بذلك، وكان يقول: لأن أكون قبلت الرخصة أحبّ إليّ مما عُدل به، لكنني فارقته على أمر أكره أن أخالفه إلى غيره أفاده في "الفتح" (١).
وقال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: هذا إنما قاله عبد اللَّه لما انتهى من العمر إلى الكبر الذي كان النبيّ ﷺ قد أخبره به بقوله: "إنك لا تدري لعله يطول بك عمر"، قال: فصرت للذي قال النبيّ ﷺ ، قال: فلما كبرتُ وددتُ أني كنت قبلت رخصة رسول اللَّه ﷺ وهذا من عبد اللَّه يدلّ على أنه كان قد التزم الأفضل مما نقله إليه النبيّ ﷺ ، والأكثر، إما بحكم التزامه الأول، إذ قال: لأصومنّ الدهر، ولأقومنّ الليل ما عشتُ، وإما بحكم أنه هو الحال الذي فارق النبيّ ﷺ عليه، وكره أن ينقص من عمل فارق النبيّ ﷺ عليه، فلم ير أن يرجع عنه، وإن كان قد ضعف عنه. واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ (٢).
والحديث متّفق عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣٩٣ - (أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ بَكَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ -وَهُوَ ابْنُ سَلَمَةَ- عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو, قُلْتُ: أَيْ عَمِّ حَدِّثْنِي, عَمَّا قَالَ: لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي, إِنِّي كُنْتُ أَجْمَعْتُ
стр. 11618
عَلَى أَنْ أَجْتَهِدَ, اجْتِهَادًا شَدِيدًا, حَتَّى قُلْتُ: لأَصُومَنَّ الدَّهْرَ, وَلأَقْرَأَنَّ الْقُرْآنَ, فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ, فَسَمِعَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , فَأَتَانِي, حَتَّى دَخَلَ عَلَيَّ فِي دَارِي, فَقَالَ: «بَلَغَنِي أَنَّكَ قُلْتَ: لأَصُومَنَّ الدَّهْرَ, وَلأَقْرَأَنَّ الْقُرْآنَ» , فَقُلْتُ: قَدْ قُلْتُ: ذَلِكَ, يَا رَسُولَ اللَّهِ, قَالَ: «فَلَا تَفْعَلْ, صُمْ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ» , قُلْتُ: إِنِّي أَقْوَى عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ, قَالَ: «فَصُمْ مِنَ الْجُمُعَةِ, يَوْمَيْنِ الاِثْنَيْنِ, وَالْخَمِيسَ» , قُلْتُ: فَإِنِّي أَقْوَى عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ, قَالَ: «فَصُمْ صِيَامَ دَاوُدَ ﵇, فَإِنَّهُ أَعْدَلُ الصِّيَامِ, عِنْدَ اللَّهِ, يَوْمًا صَائِمًا, وَيَوْمًا مُفْطِرًا, وَإِنَّهُ كَانَ إِذَا وَعَدَ لَمْ يُخْلِفْ, وَإِذَا لَاقَى لَمْ يَفِرَّ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "أحمد بن بكّار": هو الحرّانيّ، صدوق، من أفراد المصنّف. و"محمد بن سلمة": هو الحرّانيّ أيضًا.
و"ابن إسحاق": هو محمد صاحب المغازي. و"محمد بن إبراهيم": هو التيميّ. وكلهم من رجال الصحيح، غير شيخه.
وقوله: "يومًا صائمًا الخ" منصوب على أنه خبر "يكون" مقدرًا، أي يكون داود يومًا صائمًا، ويكون يومًا مفطرًا، ويحتمل أن يكون خطابًا لعبد اللَّه بن عمرو ﵄، أي تكون يومًا صائمًا، ويومًا مفطرًا.
وقوله: "كان إذا وعد لم يُخلف" هذه الزيادة لم تذكر في غير هذا الطريق، بل المذكور قوله: "ولا يفرّ إذا لاقى".
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: ولها مناسبة بالمقام، وإشارة إلى أن سبب النهي خشية أن يعجز عن الذي يلزمه، فيكون كمن وعد، فأخلف، كما أن في قوله: "ولا يفرّ إذا لاقى" إشارة إلى حكمة صوم يوم، وفطر يوم.
وقال الخطابي -رحمه اللَّه تعالى-: محصّل قصّة عبد اللَّه بن عمرو أن اللَّه تعالى لم يتعبّد عبده بالصوم خاصّة، بل تعبّده بأنواع من العبادات، فلو استفرغ جهده لقصّر في غيره، فالأولى الاقتصاد فيه؛ ليستبقي بعض القوّة لغيره، وقد أشير إلى ذلك بقوله ﷺ في داود ﵇: "وكان لا يفرّ إذا لاقى"؛ لأنه كان يتقوّى بالفطر؛ لأجل الجهاد. انتهى (١).
وقال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: قوله: "ولا يفرّ إذا لاقى" تنبيه على أن صوم يوم، وإفطار يوم لا يُضعُف ملتزمه، بل يحفظ قوّته، ويجدُ من الصوم مشقّته، كما قدمناه، وذلك بخلاف سرد الصوم، فإنه يُنهك البدن والقوّة، ويزيل روح الصوم؛ لأنه يعتاده،
стр. 11619
فلا يُبالي به، ولا يجد له معنى. انتهى (١).
والحديث في إسناده عنعنة ابن إسحاق، وهو مدلسٌ، لكن يشهد له ما سبق. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٧٧ - (ذِكْرُ الزِّيَادَةِ فِي الصِّيَامٍ، وَالنُّقْصَانِ مِنَ الأَجْرِ، وَذِكْرُ اخْتِلافِ النَّاقِلِينَ لِخَبِرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فِيهِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هكذا ترجمة "الكبرى" بزيادة لفظة "من الأجر"، ولم يقع في نسخ "المجتبى"، ولا بدّ منه، لأن حذفه يوهم أن النقصان من الصوم أيضًا، وليس كذلك، بل المراد أن الزيادة في الصيام، مع النقص في الأجر.
ووجه الاختلاف المذكور، أن في رواية أبي عياض قال: "صم يومًا، ولك أجر ما بقي"، ولم يقيده بعشرة، ولا بشهر، وخالف ابن أبي ربيعة، فرواه مقيّدًا، فقال: "صم من كلّ عشرة أيام يومًا، ولك أجر تلك التسعة الخ، وخالفه شعيب، فقال: "صم يوما، ولك أجر عشرة الخ".
لكن الذي يظهر أنه لا اختلاف في الحقيقة، فرواية أبي عياض المطلقة تحمل على الرواية المفسّرة، وأما رواية شعيب فمعنى قوله: "صم يومًا، ولك أجر عشرة" أي مع أجر يوم الصوم، وكذلك ما بعده. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٣٩٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ زِيَادِ بْنِ فَيَّاضٍ, سَمِعْتُ أَبَا عِيَاضٍ يُحَدِّثُ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: لَهُ «صُمْ يَوْمًا, وَلَكَ أَجْرُ مَا بَقِيَ» , قَالَ: إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنَ ذَلِكَ, قَالَ: «صُمْ يَوْمَيْنِ, وَلَكَ أَجْرُ مَا بَقِيَ» , قَالَ: إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ, قَالَ: «صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ, وَلَكَ أَجْرُ مَا بَقِيَ» , قَالَ: إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ, قَالَ: «صُمْ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ, وَلَكَ أَجْرُ مَا بَقِيَ» , قَالَ:
стр. 11620
إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ, قَالَ: «صُمْ أَفْضَلَ الصِّيَامِ عِنْدَ اللَّهِ, صَوْمَ دَاوُدَ ﵇, كَانَ يَصُومُ يَوْمًا, وَيُفْطِرُ يَوْمًا»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و"محمد": هو ابن جعفر، غندر.
و"زياد بن فياض": الخُزاعيّ، أبو الحسن الكوفيّ، ثقة عابد [٦].
قال ابن معين، والنسائيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: ثقة، وهو أحبّ إليّ من زياد بن عِلَاقة. وقال أبو زرعة: شيخ. وقال يعقوب بن سفيان: كوفيّ ثقة ثقة. وقال ابن خلفون: وثقه ابن نُمير، وعلي ابن المدينيّ، وغيرهما. وذكره ابن حبّان في الثقات، وقال: مات سنة (١٢٩).
روى له مسلم، وأبو داود، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وأعاده برقم ٢٤٠٣.
و"أبو عياض": ويقال: أبو عبد الرحمن، عمرو بن الأسود الْعَنسيّ -بالنون- ويقال: الهمدانيّ، الدمشقيّ، ويقال: الحمصيّ، سكن دَارِيَا، ويقال له: عُمير بن الأسود أيضًا -مصغّرًا-، مخضرم ثقة عابد، من كبار التابعين.
قال ضمرة بن حبيب: مَرّ عمرو بن الأسود على عمر بن الخطاب، فقال: من سرّه أن ينظر إلى هدي محمد ﷺ فلينظر هدي هذا. وقال محمد بن عوف: عمرو بن الأسود يُكنى أبا عياض، وهو والد حكيم بن عمير. وقيل: إن أبا عياض الذي يروي عنه زياد بن فيّاض والعراقيون رجل آخر. كذا حكى ابن أبي حاتم، عن أبيه، وقال: اسمه مسلم بن نُذير. وقيل: إن أبا عياض اسمه قيس بن ثعلبة، حكاه النسائيّ في "الكنى"، والحاكم أبو أحمد. وقال ابن حبّان في "الثقات": عُمير بن الأسود كان من عُبّاد أهل الشام، وزُهّادهم، وكان يُقسم على اللَّه فيُبرّه. وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. وروى الحاكم في "الكنى" من طريق مجاهد، قال: حدثنا أبو عياض في خلافة معاوية. وقال ابن عبد البرّ: أجمعوا على أنه كان من العلماء الثقات، مات في خلافة معاوية. وذكره أبو موسى المدينيّ في "ذيل الصحابة"، وحكاه عن ابن أبي عاصم أنه ذكره فيهم، قال أبو موسى: وليس بصحابيّ، إنما يَروي عن الصحابة. وحكى ابن أبي خيثمة، عن مجاهد أنه قال: ما رأيت بعد ابن عباس أعلم من أبي عياض (١).
وروى الطبرانيّ في "مسند الشاميين" من طريق أرطأة بن المنذر، حدثنا رُزيق أبو عبد اللَّه
стр. 11621
الألهانيّ أن عمرو بن الأسود قدم المدينة، فرآه عبد اللَّه بن عمر يصلي، فقال: من سرّه أن ينظر إلى أشبه الناس برسول اللَّه ﷺ ، فلينظر إلى هذا. روى له الجماعة، سوى الترمذيّ، وله عند المصنف في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، وفي "كتاب الأشربة" حديث رقم ٥٦٥٢.
وقوله: "صم يوما، ولك أجر ما بقي" أي صم من كلّ عشرة أيام يومًا واحدًا، ولك أجر عشرة أيام.
قال الحافظ: هذا يقتضي أنه أمره بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، ثم بستة، ثم بتسعة، ثم باثني عشر، ثم بخمسة عشر، فالظاهر أنه أمره بالاقتصار على ثلاثة أيام من كلّ شهر، فلما قال: إنه يطيق أكثر من ذلك زاده بالتدريج إلى أن وصله إلى خمسة عشر يومًا، فذكر بعض الرواة عنه ما لم يذكره الآخر، ويدلّ على ذلك رواية عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن عمرو عند أبي داود: "فلم يزل يناقصني، وأناقصه". انتهى (١).
وقد استُشكل قولُهُ: "صم من كلّ عشرة أيام يومًا، ولك أجر ما بقي " مع قوله: "صم من كل عشرة أيام يومين، ولك أجر ما بقي الخ"، لأنه يقتضي الزيادة في العمل، والنقص من الأجر، وبذلك ترجم المصنّف هذا الباب.
وأجيب بأن المراد لك أجر ما بقي بالنسبة إلى التضعيف. قال عياض: قال بعضهم: معنى "صم يومًا، ولك أجر ما بقي" أي من العشرة، وقوله: "صم يومين، ولك أجر ما بقي" أي من العشرين، وفي الثلاثة ما بقي من الشهر، وحمله على ذلك استبعاد كثرة العمل، وقلّة الأجر.
وتعقّبه عياض بأن الأجر إنما اتحد في كل ذلك لأنه كان نيته أن يصوم جميع الشهر، فلما منعه ﷺ من ذلك إبقاء عليه لما ذكر بقي أجر نيته على حاله، سواء صام منه قليلاً، أو كثيرًا، كما تأوله في حديث: "نية المرء خير من عمله"، أي إن أجره في نيته أكثر من أجر عمله؛ لامتداد نيته بما لا يقدر على عمله انتهى.
قال الحافظ: والحديث المذكور ضعيف، وهو في "مسند الشهاب"، والتأويل المذكور لا بأس به.
ويحتمل أيضًا إجراء الحديث على ظاهره، والسبب فيه أنه كلما ازداد من الصوم ازداد من المشقّة الحاصلة بسببه المقتضية لتفويت بعض الأجر الحاصل من العبادات التي قد يفوّتها مشقّة الصوم، فينقص الأجر باعتبار ذلك.
стр. 11622
على أن قوله في نفس الخبر: "صم أربعة أيام، ولك أجر ما بقي" يردّ الحمل الأول، فإنه يلزم منه على سياق التأويل المذكور أن يكون التقدير: ولك أجر أربعين، وقد قيّده في نفس الحديث بالشهر، والشهر لا يكون أربعين.
وكذلك قوله في رواية المصنّف التالية من طريق ابن أبي ربيعة، عن عبد اللَّه بن عمرو بلفظ: "صم من كلّ عشرة أيام يومًا، ولك أجر تلك التسعة"، ثم قال: "صم من كلّ تسعة أيام يومًا، ولك أجر تلك الثمانية"، ثم قال: "من كلّ ثمانية أيام يومًا، ولك أجر السبعة"، قال: فلم يزل، حتى قال: "صم يومًا، وأفطر يومًا"، وله من طريق شعيب بن محمد بن عبد اللَّه بن عمرو، عن جدّه بلفظ: "صم يومًا، ولك أجر عشرة"، قلت: زدني، قال: "صم يومين، ولك أجر تسعة"، قلت: زدني، قال: "صم ثلاثة، ولك أجر ثمانية". فهذا يدفع في صدر التأويل الأول، واللَّه أعلم. أفاده في "الفتح" (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الأقرب عندي حمل الحديث على ظاهره، وهو الاحتمال الأخير الذي مرّ آنفًا في "الفتح"، وإنما نقص الأجر مع زيادة العمل؛ لما ذُكِرَ من ترتب تفويت بعض العبادات بسبب مشقة الصوم. واللَّه تعالى أعلم.
والحديث صحيح، وقد تقدّم تمام البحث فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣٩٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَلَاءِ, عَنْ مُطَرِّفٍ, عَنِ ابْنِ أَبِي رَبِيعَةَ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو, قَالَ: ذَكَرْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ الصَّوْمَ, فَقَالَ: «صُمْ مِنْ كُلِّ عَشْرَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا, وَلَكَ أَجْرُ تِلْكَ التِّسْعَةِ» , فَقُلْتُ: إِنِّي أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ, قَالَ: «صُمْ مِنْ كُلِّ تِسْعَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا, وَلَكَ أَجْرُ تِلْكَ الثَّمَانِيَةِ» , قُلْتُ: إِنِّي أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ, قَالَ: «فَصُمْ مِنْ كُلِّ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا, وَلَكَ أَجْرُ تِلْكَ السَّبْعَةِ» , قُلْتُ: إِنِّي أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ, قَالَ: فَلَمْ يَزَلْ, حَتَّى قَالَ: «صُمْ يَوْمًا, وَأَفْطِرْ يَوْمًا»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و"أبو العلاء": هو يزيد بن عبد اللَّه بن الشّخّير، أخو مطرّف.
و"ابن أي ربيعة": هو الحارث بن عبد اللَّه بن أبي ربيعة، ويقال: ابن عياش بن أبي ربيعة عَمْرو بن المغيرة بن عبد اللَّه بن عُمَر بن مخزوم المخزوميّ المكيّ، أمير الكوفة، المعروف بـ"القُبَاع" -بضم القاف، وتخفيف الموحدة- صدوق [٢].
قال الزبير بن بكّار: استعمله ابن الزبير على البصرة، فرأى مكيالاً، فقال: إن مكيالكم هذا لقُبَاع، فلقّبوه به. وقال ابن سعد: كان قليل الحديث، رَوَى عن عمر.
стр. 11623
وذكره بعض من ألف في الصحابة. وذكره ابن معين في تابعي أهل مكة. وذكره ابن حبّان في ثقات التابعين. وقال ابن سعد: كانت ولايته على البصرة سنةٌ، واستعمل ابنُ الزبير بعده أخاه مصعبًا. وقال المبرد: القُبَاع -بالتخفيف- الذي يُخفِي ما فيه. روى له مسلم، وأبو داود في "المراسيل"، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا ٢٣٩٥ و ٢٨٧٩ حديث "يُبعث جند إلى هذا الحرم .. " الحديث.
والحديث صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣٩٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ح وَأَخْبَرَنِي زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, عَنْ ثَابِتٍ, عَنْ شُعَيْبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «صُمْ يَوْمًا, وَلَكَ أَجْرُ عَشْرَةٍ» , فَقُلْتُ: زِدْنِي. فَقَالَ: «صُمْ يَوْمَيْنِ, وَلَكَ أَجْرُ تِسْعَةٍ» , قُلْتُ زِدْنِي. قَالَ: «صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ, وَلَكَ أَجْرُ ثَمَانِيَةٍ» , قَالَ ثَابِتٌ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِمُطَرِّفٍ, فَقَالَ: مَا أُرَاهُ إِلاَّ يَزْدَادُ فِي الْعَمَلِ, وَيَنْقُصُ مِنَ الأَجْرِ, وَاللَّفْظُ لِمُحَمَّدٍ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن إسماعيل بن إبراهيم": هو المعروف أبوه بـ"ابن عُليّة. و"زكريا بن يحيي": هو السِّجزيّ المعروف بـ"خياط السنّة". و"يزيد": هو ابن هارون الواسطيّ.
و"عبد الأعلى": هو ابن حماد بن نصر الباهليّ مولاهم البصريّ، أبو يحيى المعروف بـ"النَّرْسيّ" -بفتح النون، وسكون الراء، وبالهملة- لا بأس به، من كبار [١٠].
قال ابن معين: النرسيّان (١) ثقات، وقال مرّة: لا بأس بهما. وقال أبو حاتم: ثقة. وقال صالح بن محمد، وابن خراش: صدوق. وقال النسائيّ: ليس به بأس. ووثقه ابن قانع، والدارقطنيّ، ومسلمة بن قاسم، والخليليّ. وذكره ابن حبان في "الثقات". مات في جمادى الآخرة سنة (٢٣٧). أخرج له البخاريّ، وأبو داود، والمصنّف، وله عنده ستة أحاديث برقم ٢٣٩٦ و ٢٤٠٨ و ٥٤٠٧ و ٥٦٧٨ و ٥٧٠٨ و ٥٧٢٢.
و"حماد": هو ابن سلمة. و"ثابت": هو ابن أسلم البُنَانيّ. و"شعيب بن عبد اللَّه": هو شعيب بن محمد بن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، نسب لجدّه.
وقوله: "مما أراه الخ" أراد مطرّف بهذا الكلام أن المراد زيادة العمل، ونقصان الأجر، فإنه إذا صام يومين، وأعطي أجر تسعة كان أنقص ممن صام يومًا، وأعطي أجر عشرة
стр. 11624
أيام، وهكذا.
وقوله: "واللفظ لمحمد" يعني أن لفظ الحديث المذكور لشيخه محمد بن إسماعيل، وأما شيخه زكريا فرواه بالمعنى.
[تنبيه]: زاد في "الكبرى" في آخر هذا الحديث: ما نصّه: قال أبو عبد الرحمن: زاد بعضهم على بعض انتهى، ولم يذكر: "واللفظ لمحمد". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٧٨ - (صَوْمُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ مِنَ الشَّهْرِ، وَاخْتِلَافِ أَلْفَاظِ النَّاقِلِينَ لِخَبَرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فِيهِ)
٢٣٩٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ, عَنْ أَسْبَاطٍ, عَنْ مُطَرِّفٍ, عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ, عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكَ تَقُومُ اللَّيْلَ, وَتَصُومُ النَّهَارَ» , قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, مَا أَرَدْتُ بِذَلِكَ إِلاَّ الْخَيْرَ, قَالَ: «لَا صَامَ مَنْ صَامَ الأَبَدَ, وَلَكِنْ أَدُلُّكَ عَلَى صَوْمِ الدَّهْرِ, ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ, مِنَ الشَّهْرِ» , قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ, قَالَ: «صُمْ خَمْسَةَ أَيَّامٍ» , قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ, قَالَ: «فَصُمْ عَشْرًا» , فَقُلْتُ (١): إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ, قَالَ: «صُمْ صَوْمَ دَاوُدَ ﵇, كَانَ يَصُومُ يَوْمًا, وَيُفْطِرُ يَوْمًا»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه "محمد بن عبيد" أبي جعفر النحاس الكوفيّ، وهو صدوق [١٠] ١٤٤/ ٢٢٦.
و"أسباط": هو ابن محمد، أبو محمد القرشيّ الكوفيّ، ثقة [٩] ٩٢/ ١٣٤٩.
و"مطرّف": هو ابن طَريف الكوفيّ، ثقة فاضل، من صغار [٦] ٢/ ٣٢٧.
و"أبو العباس": هو السائب بن فَرُّوخ الشاعر المكيّ.
стр. 11625
وقوله: "ولم أُرِد إلا الخير" يعني أنه ما أراد بهذه العبادة إلا وجه اللَّه تعالى، لا رياء، ولا سمعة.
والحديث متفق عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣٩٨ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ, عَنْ شُعْبَةَ,, عَنْ حَبِيبٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْعَبَّاسِ, وَكَانَ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ الشَّامِ, وَكَانَ شَاعِرًا, وَكَانَ صَدُوقًا, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو, قَالَ: قَالَ: لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ … وَسَاقَ الْحَدِيثَ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه "عليّ بن الحسين" الدِّرْهميّ البصريّ، وهو صدوق، من كبار [١١] ١٧/ ١٥٤٧.
و"أُمَيَّة": هو ابن خالد القيسيّ البصريّ، أخو هُدْبة، أكبر منه، صدوق [٩] ٤٢/ ١٩٠٦.
وقوله: "وكان رجلاً من أهل الشام الخ". ولفظ البخاريّ من رواية آدم بن أبي إياس، عن شعبة: "سمعت أبا العباس المكيّ، وكان شاعرًا، وكان لا يتّهم في حديثه".
قال في "الفتح": فيه إشارة إلى أن الشاعر بصدد أن يُتّهم في حديثه لما تقتضيه صناعته من سلوك المبالغة في الإطراء وغيره، فأخبر الراوي عنه أنه مع كونه شاعرًا كان غير متهم في حديثه.
وقوله: "في حديثه" يحتمل مرويه من الحديث النبويّ، ويحتمل فيما هو أعمّ من ذلك، والثاني أليق، وإلا لكان مرغوبًا عنه، والواقع أنه حجة عند كلّ من أخرج الصحيح، وأفصح بتوثيقه أحمد، وابن معين، وآخرون، وليس له في البخاريّ سوى هذا الحديث، وحديثين آخرين: أحدهما في "الجهاد"، والآخر في "المغازي"، وأعادهما معًا في "الأدب" انتهى ما في "الفتح" (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وليس له عند المصنّف إلا حديث عبد اللَّه بن عمرو هذا، وحديثه الآخر في "الجهاد" في استئذان رجلِ النبيَّ ﷺ في الجهاد، فقاله: "أَحَيٌّ والداك" الحديث. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣٩٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, قَالَ: أَخْبَرَنِي حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ, قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ, هُوَ الشَّاعِرُ, يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ