← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 11656–11695 · переход к 11661.

стр. 11656

ثم سكن البصرة، ويقال: إنه كان من الأجواد. روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، وله عنده هذا الحديث ٢٤٣٣ و ٢٤٣٤. وقوله: "سألت رسول اللَّه ﷺ عن الصوم": أي عن مقدار ما أصومه من الأيام. وقوله: "تقول: يا رسول اللَّه ﷺ زدني زدني"، وفي "الكبري": قال: "يقول رسول اللَّه ﷺ "زني زدني". وظاهر هذا الكلام منه ﷺ على سبيل الاستنكار، كأنه ﷺ -استنكر طلب الزيادة منه، ويوضّح هذا المعنى ما يأتي في الرواية التالية من قوله: "فما كاد أن يزيده". وقوله: "لَيَرُدُّني": -بالراء- من الرّدّ، وفي "الكبرى": "إن يزيدُني" -بالزاي- من الزيادة، وعليه فـ"إن" نافية، أي ما يزيدني، فيكون معنى النسختين واحدًا. وقوله: "يومين من كلّ شهر": أي صُمْ يومين. واللَّه تعالى أعلم. والحديث صحيح الإسناد، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا- ٨٥/ ٢٤٣٣ و ٢٤٣٤ - وفي "الكبرى" ٨٥/ ٢٧٤٠ و ٢٧٤١. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٤٣٤ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلاَّمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا الأَسْوَدُ بْنُ شَيْبَانَ, عَنْ أَبِي نَوْفَلِ بْنِ أَبِي عَقْرَبٍ, عَنْ أَبِيهِ, أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ , عَنِ الصَّوْمِ, فَقَالَ: «صُمْ يَوْمًا مِنْ كُلِّ شَهْرٍ» , وَاسْتَزَادَهُ قَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي أَجِدُنِي قَوِيًّا فَزَادَهُ قَالَ: «صُمْ يَوْمَيْنِ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ» , فَقَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي, يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِنِّي أَجِدُنِي قَوِيًّا, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنِّي أَجِدُنِي قَوِيًّا, إِنِّي أَجِدُنِي قَوِيًّا» , فَمَا كَادَ أَنْ يَزِيدَهُ, فَلَمَّا أَلَحَّ عَلَيْهِ, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عبد الرحمن بن محمد بن سَلّام" -بتشديد اللام- ابن ناصح البغداديّ، ثم الطرَسوسيّ، أبو القاسم، مولى بني هاشم، وقد ينسب لجده، لا بأس به [١١] ١٧٢/ ١١٤١. وقوله: "بأبي أنت وأمي". الضمير مبتدأ، والجارّ والمجرور متعلّق بالخبر المقدّر: والتقدير: أنت مَفْديّ بأبي، وأمي. وقوله: "إني أجدني قويا، إني أجدني قويا" مكررًا استنكار منه ﷺ لطلب المزيد، لأنه ربما يشقّ عليه، ويقع في حرج بسبب كثرة الصيام، فأراد أن يكتفي بصوم يومين من الشهر، فلما ألحّ عليه قال له: "صم ثلاثة أيامِ من الشهر". اللَّهُمَّ زِدْنَا، وَلَا تَنْقُصّنَا، وَأَكْرِمْنَا، وَلَا تُهِنَّا، وَأعْطِنَا، وَلَا تحرِمْنَا، وَآثِرْنَا، وَلَا تُؤْثِرْ

стр. 11657

عَلَيْنَا، وَارْضِنَا، وَارْضَ عَنا. اللَّهم آمين، آمين، آمين (١). [تنبيه]: هذا الباب آخر ما في "المجتبى" من الصيام، ويوجد في النسخة الهندية هنا: ما نصّه: هذا آخر ما عند الشيخ من الصيام، والحمد للَّه رب العالمين. انتهى. وقد اختصر المصنّف كتاب الصوم من "الكبرى" اختصارًا شديدًا، وذلك أن عدة أبواب كتاب الصوم فيه نحو (٢١٦) بابًا، وعدد أحاديثه نحو (٩٣٢) فحذف منه نحوَ (٣٤) بابًا، ونحوَ (٥٩٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". …

стр. 11658

٢٢ - (كِتَابُ الزَّكَاةِ) أي هذا كتاب تُذكر فيه الأحاديث الدّالة على أحكام الزكاة. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تقدّم في أول "كتاب الصيام" وجه تأخير المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- لـ "كتاب الزكاة" عن "كتاب الصيام"، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. قال العلامة ابن الأثير -رحمه اللَّه تعالى-: قد تكرر في الحديث ذكر "الزكاة"، و"التزكية"، وأصل "الزكاة" في اللغة: الطهارة، والنماء، والبركة، والمدح، وكلّ ذلك قد استُعمِل في القرآن، والحديث، ووزنها فَعَلَة كالصدقة، فلما تحركت الواو، وانفتح ما قبلها انقلبت ألفًا، وهي من الأسماء المشتركة بين الْمُخرَج، والفعل، فتُطلَق على العين، وهي الطائفة من المال المزَكَّى بها، وعلى المعنى، وهو التزكية. ومن الجهل بهذا البيان أتِي من ظَلَم نفسه بالطعن على قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤] ذاهبًا إلى العين، وإنما المراد المعنى الذي هو التزكية، فالزكاة طُهْرة للأموال، وزكاة الفطر طُهرة للأبدان انتهى (١). وقال الفيّوميّ -رحمه اللَّه تعالى-: والزكاء بالمدّ: النماء، والزيادة، يقال: زكا الزرع والأرض تزكو زُكُوًّا، من باب قعد، وأزكى بالألف مثله، وسُمّي القدرُ الْمُخرَج من المال زكاةً؛ لأنه سبب يُرجى به الزكاءُ، وزكى الرجلُ ماله -بالتشديد تزكيةً، والزكاةُ اسم منه، وأزكى اللَّه المالَ، وزكّاه بالألف، والتثقيل. وإذا نسبت إلى الزكاة وجب حذفُ الهاء، وقلبُ الألف واوًا، فيقال: زكويّ، كما يقال في النسبة إلى حصاة حَصَويّ؛ لأن النسبة تردّ إلى الأصول، وقولهم: زكاتيّةٌ عاميّ، والصواب زكويّة انتهى (٢). وقال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- في "المجموع": قال الإمام أبو الحسن الواحديّ: الزكاة تطهير للمال، وإصلاح له، وتمييز، وإنماء، كلّ ذلك قد قيل، قال: والأظهر أن أصلها عن الزيادة، يقال: زكا الزرع يزكو زَكَاءً ممدود، وكلّ شيء ازداد فقد زكا، قال: والزكاة أيضًا الصلاح، وأصلها من زيادة الخير، يقال: رجلٌ زَكِيٌّ: أي زائد الخير، من قوم أزكياء، وزَكَّى القاضي الشهودَ: إذا بيّن زيادتهم في الخير، وسمي ما يُخرَج من المال للمساكين بإيجاب الشرع زكاة؛ لأنها تزيد في المال الذي أُخرِجت منه، وتوفّره

стр. 11659

في المعنى، وتقيه الآفات. هذا كلام الواحديّ. وأما الزكاة في الشرع، فقال صاحب "الحاوي" وآخرون: هو اسم لأخذ شيء مخصوص، من مال مخصوص، على أوصاف مخصوصة، لطائفة مخصوصة. و (اعلم): أن الزكاة لفظة عربيّة معروفة قبل ورود الشرع، مستعملة في أشعارهم، وذلك كثير من أن يُستدلّ له. قال صاحب "الحاوي": وقال داود الظاهريّ: لا أصل لهذا الاسم في اللغة، وإنما عُرف بالشرع، قال صاحب "الحاوي": وهذا القول -وإن كان فاسدًا- فليس الخلاف فيه مؤثرًا في أحكام الزكاة. انتهى كلام النوويّ (١). وقال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- في "الفتح": والزكاة في اللغة: النماء، يقال: زكا الزرع: إذا نما، وتَرِد أيضًا في المال، وترد أيضًا بمعنى التطهير. وشرعًا بالاعتبارين معًا. أما بالأول فلأن إخراجها سبب للنماء في المال، أو بمعنى أن الأجر بسببها يكثر، أو بمعنى أن متعلّقها الأموال، ذات النماء، كالتجارة، والزراعة، ودليل الأول: "ما نقص مالٌ من صدقة" (٢)، ولأنها يضاعف ثوابها، كما جاء: "إن اللَّه يربّي الصدقة" (٣). وأما بالثاني: فلأنها طهرة للنفس من رذيلة البخل، وتطهير من الذنوب. وهي الركن الثالث من الأركان التي بني الإسلام عليها. وقال ابن العربيّ: تطلق الزكاة على الصدقة الواجبة، والمندوبة، والنفقة، والحقّ، والعفو. وتعريفها في الشرع: إعطاء جزء من النصاب الحوليّ إلى فقير ونحوه، غير هاشميّ، ولا مطّلبيّ. ثم لها ركنٌ، وهو الإخلاص، وشرطٌ، هو السبب، وهو ملك النصاب الحوليّ، وشرطُ من تجب عليه، وهو العقل، والبلوغ، والحرّيّة. ولها حكم، وهو سقوط الواجب في الدنيا، وحصول الثواب في الأخرى. وحكمة: وهي التطهير من الأدناس، ورفع الدرجة، واسترقاق الأحرار، فإن الإنسان عبد الإحسان انتهى. وهو جيدٌ لكن في شرط من تجب عليه اختلاف. والزكاة أمر مقطوع به في الشرع، يَستغني عن تكلّف الاحتجاج له، وإنما وقع الاختلاف في فروعه، وأما أصل فرضية الزكاة فمن جحدها كفر. انتهى كلام الحافظ (٤).

стр. 11660

وقال العلامة ابن الملّقن -رحمه اللَّه تعالى- في كتابه "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام": الزكاة في اللغة: النماء، والتطهير. فمن الأول قولهم: زَكَى الزرعُ: أي نما، فالمال ينمو بإخراج الزكاة من حيث لا يُرى، وإن كان في الظاهر يُحسّ بالنقصان، وقد صحّ أنه ﷺ -قال: "ما نقص مال من صدقة". وقد وقع لبعض الصالحين، فوجد وزن ما عنده كما كان قبل الصدقة. وقيل: يزكو عند اللَّه أجرها، كما صحّ أن اللَّه تعالى يربّي الصدقة حتى تكون كالجبل. وقيل: لأن متعلقها الأموال ذات النماء، فسميت بالنماء لتعلقها به. ومن الثاني: قوله تعالى: ﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ الآية [التوبة: ١٠٣]، وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس: ٩]: أي طهّرها من دنس المعاصي والمخالفات، دليله قوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ١٠]: أي أخملها بالمعاصي، فالزكاة تطهّر النفس من رذيلة البخل وغيره. وقد قيل: من أدّى زكاة ماله لم يُسَمّ بخيلاً، وتطهّر أيضًا من الذنوب، وتطهّر المال أيضًا من الخبث. وقيل: سميت زكاةً لأنها تزكي صاحبها، وتشهد بصحّة إيمانه؛ ولهذا قال ﷺ : "والصدقة بُرهان" رواه مسلم. وقد قيل في قوله تعالى: ﴿لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٧]: لا يشهدون أن لا إله إلا اللَّه. وتسمى أيضًا صدقةً؛ كما نصّ عليه القرآن والسنّة؛ لأنها دليل لتصديق صاحبها، وصحّة إيمانه ظاهرًا وباطنًا. وتسمى أيضًا حقّا، قال تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، ونفقةً، قال تعالى: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤]، وعفوًا، قال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، فهذه خمسة أسماء. وقوله تعالي: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ [الكهف: ٧٤] وقوله تعالى ﴿غُلَامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٩] أي طاهرًا. وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: ١٤] وقوله: ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ [الليل: ١٨] أي يتقرّب. وقيل: يعمل صالحًا. وجاء في القرآن بمعنى الإسلام، قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ [عبس: ٧]. وبمعنى الحلال، قال تعالى: ﴿أَزْكَى طَعَامًا﴾ [الكهف: ١٩].ومن العجب إنكار داود الظاهريّ وجود الزكاة لغة، وقال: إنما عُرفت بالشرع. وهي في الشرع: اسم لما يُخرج من المال طهارةً له. وشُرعت لمصلحة الدافع طهرةً له، وتضعيفًا لأجره، ولمصلحة الآخذ سدّا لخلّته. وأفهم الشرع أنها وجبت للمساواة، وأنها لا تكون إلا في مال له بالٌ، وهو النصاب، ثم جعلها في الأموال النامية، وهي العين، والزرع، والماشية. وأجمعوا على أن وجوب الزكاة في هذه الأنواع، واختلفوا فيما سواها كالعروض، والجمهورُ على الوجوب

стр. 11661

فيها؛ خلافًا لداود، مستدلاّ بحديث: "ليس على المسلم في عبده، ولا في فرسه صدقة". متفق عليه. وحمله الجمهور على ما كان للقنية. وحدّد الشرع نصاب كلّ جنس بما يحتمل المواساة. فنصاب الفضّة خمس أواق، وهي مائتا درهم بنصّ الحديث. وأما الذهب، فعشرون مثقالاً بنصّ الحديث، والإجماع أيضًا، وإن كان فيه خلاف شاذّ. وأما الزرع والثمار والماشية، فنُصُبُها معلومة. ورتّب الشرع مقدار الواجب بحسب المؤنة والتعب في المال، فأعلاها، وأقلها تعبًا الركاز، وفيه الخمس؛ لعدم التعب فيه، ويليه الزرع والثمر، فإن سُقي بماء السماء، ونحوه، ففيه العشر، وإلا فنصفه؛ لأن في الأول التعبَ من طرف (١)، والثاني من طرفين، ويليه الذهب والفضّة، والتجارة، ففيها ربع العشر؛ لأنه يحتاج إلى العمل فيه جميع السنة، ويليه الماشية، فإنه يدخلها الأوقاص (٢)، بخلاف الأنواع السابقة. فالمأخوذ إذًا: الْخُمُس، ونصفه، وربعه، وثمنه، وهذا من حسن ترتيب الشريعة، وهو التدريج في المأخوذ انتهى كلام ابن الملقن (٣). وقال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: وتسمى الزكاة صدقةً مأخوذة من الصدق، إذ هي دليل على صحّة إيمانه، وصدق باطنه مع ظاهره. قال: وشرعها اللَّه تعالى مواساة للفقراء، وتطهيرًا للأغنياء من البخل، وإنما تجب على من كان له من المال ما له بالٌ، وأقلّ ذلك النصاب على ما يأتي بيانه. ثم موضوعها الأموال النامية، أي الصالحة للنماء، وهي العين، والحرث، والماشية، ثم هذه الأصول منها ما ينمو بنفسه، كالحرث والماشية، ومنها ما ينو بتغيير عينه وتقليبه كالعين. والإجماع منعقدٌ على تعلّق الزكاة بأعيان هذه المسميات، فأما تعلّق الزكاة بما سواها من العروض، والديون، ففيها ثلاثة أقوال: فأبو حنيفة يوجبها على الإطلاق، وداود يُسقطها في ذلك، ومالك يوجبها في عروض التجارة، وفي الديون تفصيل يعرف في كتب الفقه، وسيأتي حجة كل فريق في تضاعيف الكلام انتهى كلام القرطبيّ (٤). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله القرطبيّ من إيجاب الإمام أبي حنيفة الزكاة في

стр. 11662

الديون على الإطلاق، ليس كما قال، بل في مذهبه تفصيلٌ، فليُرجَع لكتب مذهبه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. … ١ - (بَابُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ) ٢٤٣٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمَّارٍ الْمَوْصِلِيُّ, عَنِ الْمُعَافَى, عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ إِسْحَاقَ الْمَكِّيِّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِيٍّ, عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , لِمُعَاذٍ -حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ-: «إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا, أَهْلَ كِتَابٍ, فَإِذَا جِئْتَهُمْ, فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ, وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ, فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ بِذَلِكَ, فَأَخْبِرْهُمْ, أَنَّ اللَّهَ , فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ, فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ, فَإِنْ هُمْ -يَعْنِي أَطَاعُوكَ بِذَلِكَ- فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ , فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً, تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ, فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ, فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ بِذَلِكَ, فَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن عبد اللَّه بن عَمّار الموصليّ) ثقة حافظ [١٠] ٢٠/ ١٢٢٠. ٢ - (الْمُعَافَى) بن عمران الموصليّ، ثقة فقيه عابد، من كبار [٩]. ٣ - (زكريا بن إسحاق المكيّ) ثقة رمي بالقدر [٦] ٦٠/ ٨٦٥. ٤ - (يحيي بن عبد اللَّه بن صَيفيّ) ويقال: يحيى بن عبد اللَّه بن محمد بن صَيفيّ، ويقال: يحيي بن محمد، مولى بني مخزوم، ويقال: مولى عثمان، المكيّ، ثقة [٦]. قال ابن معين، والنسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن سعد: يحيى بن عبد اللَّه بن صيفيّ كان ثقة، وله أحاديث. أخرج له الجماعة، وله عند المصنّف هذا الحديث فقط، وأعاده برقم ٢٥٢٢. ٥ - (أبو معبد) نافذ -بالذال المعجمة- مولى ابن عباس المكيّ، ثقة [٤] ٧٩/ ١٣٣٥. ٦ - (ابن عباس) - رضي اللَّه تعالى عنهما -. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين غير شيخه وشيخ شيخه، فموصليان. (ومنها): إن فيه ابنَ عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من المكثرين

стр. 11663

السبعة روى (١٦٩٦) حديثًا، وهو آخر من مات بالطائف من الصحابة - رضي اللَّه تعالى - عنهم، ومن المشهورين بالفتوى. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، لِمُعَاذ) ابن جبل ﵁. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: كذا في جميع الطرق، إلا ما أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، وأبي كُريب، وإسحاق بن إبراهيم، ثلاثتهم عن وكيع، فقال فيه:"عن ابن عباس، عن معاذ بن جبل، قال: بعثني رسول اللَّه ﷺ "، فعلى هذا فهو من مسند معاذ، وظاهر سياق مسلم أن اللفظ مدرج، لكن لم أر ذلك في غير رواية أبي بكر بن أبي شيبة، وسائر الرواة أنه من مسند ابن عباس، فقد أخرجه الترمذيّ، عن أبي كريب، عن وكيع، فقال فيه: "عن ابن عباس أن رسول اللَّه ﷺ بعث معاذًا"، وكذا هو في مسند إسحاق بن إبراهيم، وهو ابن راهويه، قال: "حدثنا وكيع به". وكذا رواه عن وكيع أحمد في "مسنده"، أخرجه أبو داود عن أحمد، وللبخاريّ في "المظالم" عن يحيى بن موسى، عن وكيع كذلك. وأخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" عن محمد بن عبد اللَّه المخرِّميّ، وجعفر بن محمد الثعلبيّ. وللإسماعيليّ من طريق أبي خيثمة، وموسى بن السديّ، والدارقطنيّ من طريق يعقوب بن إبراهيم الدَّوْرَقِيّ، وإسحاق بن إبراهيم البَغَويّ، كلهم عن وكيع كذلك. فإن ثبتت رواية أبي بكر، فهو من مرسل ابن عباس، لكن ليس حضور ابن عباس لذلك ببعيد؛ لأنه كان في أواخر حياة النبيّ ﷺ ، وهو إذ ذاك مع أبويه بالمدينة انتهى كلام الحافظ (١). وقال ابن الملقّن ﵀ بعد أن ذكر الاختلاف المذكور-: ما نصّه: ويُجمع بينهما بأن يكون سمع ابن عباس الحديث مرّة من معاذ، فرواه متّصلاً، وأرسله تارة، ومرسله حجة على المشهور، كيف وقد عُرف من أرسل عنه، ويحتمل أن ابن عباس سمعه من معاذ، وحضر القصّة، فرواه تارة بلا واسطة، وتارة بها، إما لنسيانه، وإما لمعنى آخر انتهى (٢). (حِينَ بَعَثَهُ اِلَى الْيَمَنِ) وكان بَعْثُ معاذ ﵁ إلى اليمن سنة عشر، قبل حج النبيّ ﷺ ، كما ذكره البخاريّ في أواخر "المغازي". وقيل: كان ذلك في أواخر سنة تسع عند منصرفه ﷺ من تبوك، رواه الواقديّ بإسناده إلى كعب بن مالك، وأخرجه ابن سعد في "الطبقات" عنه. ثم حكى ابن سعد أنه كان في ربيع الآخر سنة تسع (٣). وقيل: بعثه

стр. 11664

عام الفتح سنة ثمان. واتفقوا على أنه لم يزل على اليمن إلى أن قدم في عهد أبي بكر ﵄، ثم توجّه إلى الشام، فمات بها، واختلف هل كان معاذ واليًا، أو قاضيًا؛ فجزم ابن عبد البرّ بالثاني، والغسّانيّ بالأول قاله الحافظ (١). (إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا، أَهْلَ كِتَابٍ) هي كالتوطئة للوصيّة لتستجمع همته عليها، لكون أهل الكتاب أهل علم في الجملة، فلا تكون العناية في مخاطبتهم كمخاطبة الجهّال من عبدة الأوثان، وليس فيه أن جميع من يُقْدِمُ عليهم من أهل الكتاب، بل يجوز أن يكون فيهم من غيرهم، وإنما خصّهم بالذكر تفضيلاً لهم على غيرهم. (فَإِذَا جِئْتَهُمْ، فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّه، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ) وفي رواية: "وأني رسول اللَّه". قال في "الفتح": كذا في رواية زكريا بن إسحاق لم يُختلف عليه فيها، وأما إسماعيل بن أمية، ففي رواية رَوْح بن القاسم عنه: "فأول ما تدعوهم إليه عبادة اللَّه، فإذا عرفوا اللَّه". وفي رواية الفضل بن العلاء عنه: "إلى أن يوحّدوا اللَّه، فإذا عرفوا ذلك". ويجمع بينها بأن المراد بعبادة اللَّه توحيده، وبتوحيده الشهادة له بذلك، ولنبيّه ﷺ بالرسالة. ووقعت البداءة بهما لأنهما أصل الدين الذي لا يصحّ شيء غيرهما إلا بهما، فمن كان منهم غير موحّد، فالمطالبة متوجّهة إليه بكلّ واحدة من الشهادتين على التعيين، ومن كان موحدًا فالمطالبة له بالجمع بين الإقرار بالوحدانيّة، والإقرار بالرسالة، وإن كانوا يعتقدون ما يقتضي الإشراك، أو يستلزمه، كمن يقول ببنوّة عُزير، أو يعتقد التشبيه، فتكون مطالبتهم بالتوحيد لنفي ما يلزم من عقائدهم. واستَدَلّ به من قال من العلماء: إنه لا يشترط التبرّي من كلّ دين يخالف دين الإسلام؛ خلافًا لمن قال: إن من كان كافرًا بشيء، وهو مؤمن بغيره لم يدخل في الإسلام إلا بترك اعتقاد ما كفر به. والجواب أن اعتقاد الشهادتين يستلزم ترك اعتقاد التشبيه، ودعوى بُنُوّة عزير، وغيره، فيكتفى بذلك. واستُدلّ به على أنه لا يكفي في الإسلام الاقتصار على شهادة أن لا إله إلا اللَّه، حتى يُضيف إليها الشهادة لمحمد ﷺ بالرسالة، وهو قول الجمهور. وقال بعضهم: يصير بالأولى مسلمًا، ويطالب بالثانية. وفائدة الخلاف تظهر في الحكم بالردّة.

стр. 11665

[تنبيهان]: (أحدهما): كان أصل دخول اليهودية في اليمن في زمن أسعد أبي كُريب، وهو تُبّعٌ الأصغر، كما حكاه ابن إسحاق في أوائل "السيرة النبويّة". (ثانيهما): قال ابن العربيّ في "شرح الترمذيّ": تبرّأت اليهود في هذه الأزمان من القول بأن عزيزًا ابنُ اللَّه، وهذا لا يمنع كونه موجودًا في زمن النبيّ ﷺ ؛ لأن ذلك نزل في زمنه، واليهود معه بالمدينة وغيرها، فلم يُنقل عن أحد منهم أنه ردّ ذلك، ولا تعقّبه، والظاهر أن القائل بذلك طائفة منهم، لا جميهم بدليل أن القائل من النصارى: إن المسيح ابن اللَّه طائفة منهم، لا جميعهم، فيجوز أن تكون تلك الطائفة انقرضت في هذه الأزمان، كما انقلب اعتقاد معظم اليهود عن التشبيه إلى التعطيل، وتحوّل معتقد النصارى في الابن، والأب إلى أنه من الأمور المعنوية، لا الحسيّة، فسبحان مقلّب القلوب. (١). وكتب العلامة الصنعانيّ -رحمه اللَّه تعالى- على قول ابن العربيّ: ولم ينقل عن أحد منهم ردّ ذلك، ولا تعقّبه: ما نصّهُ: ونقول: إنهم لا يُصَدَّقون الآن في دعوى البراءة، فإنهم يُكَذّبون نصّ القرآن، فإن اللَّه أخبرنا بأن صفات رسولنا محمد ﷺ عندهم، يجدونه مكتوبا في التوراة والإنجيل، وأنكروا ذلك، فكيف تقبل براءتهم مما حكاه اللَّه عنهم من قولهم: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، وإن أراد ابن العربي أن الموجودين في زمنه تبرأوا من قولهم بذلك، فلا يُجدي نفعًا، ولا ينفي إشراك آبائهم، وإن قيل: إن بعض اليهود كان يقول ذلك، فكذلك قد قيل: إن بعض النصارى يقول ذلك، وقد نسب اللَّه القول إلى اليهود والنصارى جملة. انتهى. كلام الصنعانيّ (٢). وهو بحث نفيس. واللَّه تعالى أعلم. (فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ بذَلِكَ) ولفظ "الكبرى": "فإن هم أطاعوا بذلك": أي انقادوا، وفي رواية ابن خُزيمة: "فإن هم أجابوا لذلك"، وفي رواية الفضل بن العلاء: "فإذا عرفوا ذلك". واستُدلّ به على أن أهل الكتاب ليسوا بعارفين، وإن كانوا يعبدون اللَّه، وُيظهرون معرفته.، لكن قال حذاق المتكلّمين: ما عَرَفَ اللَّهَ من شبّهه بخلقه، أو أضاف إليه اليد، أو أضاف إليه الولد، فمعبودهم الذي عبد وه ليس هو اللَّه، وإن سمّوه به. قاله في "الفتح". قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله هؤلاء المتكلّمون مشتمل على حقّ

стр. 11666

وباطل، أما الحقّ، فقولهم: من سننه اللَّه بخلقه، أو أضاف إليه الولد. وأما الباطل، فقولهم: أو أضاف إليه اليد، فإن هذا باطل بلا شكّ، فكيف يقال: من أضاف إلى اللَّه ما أضافه لنفسه في كتابه العزيز، في قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠]، وقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، وأضافه إليه النبيّ ﷺ في أحاديثه الصحيحة، كما هو منصوص عليه في محلّه: إنه لا يعرف اللَّه، إن هذا لهو العجب العجاب، فمن اعتقد أن للَّه تعالى يدًا، لا تشبه أيدي المخلوقين، بل على ما يليق بجلاله، فهو العارف بربه حقّ معرفته، وإنه هو الذي على الحقّ، ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس: ٣٢] فتبصّر بالإنصاف، ولا تَتَهَوَّرْ بالاعتساف، واللَّه الهادي إلى سواء السبيل. واستدلّ به على أن الكفار غير مخاطبين بالفروع، حيث دُعُوا أولاً إلى الإيمان فقط، ثم دُعُوا إلى العمل، ورتب ذلك بالفاء. وأيضًا فإن قوله: "فإن هم أطاعوا، فأَخْبِرْهُم" يُفهَم منه أنهم لو لم يطيعوا لا يجب عليهم شيء. وفيه نظر؛ لأن مفهوم الشرط مُختَلَفٌ في الاحتجاج به. وأجاب بعضهم عن الأول بأنه استدلال ضعيف؛ لأن الترتيب في الدعوة لا يستلزم الترتيب في الوجوب، كما أن الصلاة، والزكاة لا ترتيب بينهما في الوجوب، وقد قُدّمت إحداهما على الأخرى في هذا الحديث، ورُتبت الأخرى عليها بالفاء، ولا يلزم من عدم الإتيان بالصلاة إسقاط الزكاة. [تنبيه]: كتب العلامة الصنعانيّ -رحمه اللَّه تعالى- في مسألة خطاب الكفّار بالفروع بحثا مفيدًا، أحببت إيراده هنا لنفاسته: قال -رحمه اللَّه تعالى-: قوله: "غير مخاطبين بالفروع" أقول: هكذا أطبق الناس عليه، ولا يخفى أن اللَّه بعث الرسل تدعو العباد إلى طاعته تعالى في كلّ ما أمرت به الرسل، من غير تفرقة بين فروع ولا أصول، بل هذه التفرقة والتسمية حادثة اصطلاحًا قطعًا، وقد بيّن ﷺ في حديث عمر ﵁، وإتيان جبريل ﵇ يسأله عن الإيمان، والإسلام، فأجابه بأن: "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحجّ البيت إن استطعت إليه سبيلًا". فقال له جبريل: "صدقت". وإذا كان هذا مسمّى الإسلام بالنصّ النبويّ. ورواية "بني الإسلام على خمس"، وذكر هذه، أخرج الأولى مسلم، والترمذيّ، والنسائيّ. وأخرج الثانية الشيخان، والترمذيّ، وأبو داود، والنسائيّ. وإذا عرفت أن هذا مسمى الإسلام، وقد عرفت أنه ﷺ بُعث يدعوا الأمة إلى الإسلام، وقال في كتابه إلى قيصر الذي أخرجه البخاريّ وغيره: "أَسْلِمْ تَسْلَمْ" فقد دعا

стр. 11667

إلى هذا المركّب من الخمسة الأجزاء، وهي سواء في صدقه عليها، فلا فروع، ولا أصول، بل هذه تسمية مبتدعة، وإذا كان كذلك، فالدخول في هذا الإسلام مخاطب به كلّ مكلّف، الكافر مكلّف بالدخول فيه، والاتصاف به، والمسلم مكلّف بالاستمرار عليه، فإن امتنع الكافر عن الدخول فيه عُذّب على تركه كما يُعذّب المسلم على تركه لأيّ أجزائه عمدًا، فالكفار مخاطبون بهذا الذي اصطلحوا على تسميته فروعًا، فإن امتنع الكافر عن الإسلام عوقب على تركه الإسلام بجميع أجزائه بلا فرق. وقالت الكفّار لَمّا سُئلوا: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ الآية [المدثر: ٤٢، ٤٣].والرسل من أولهم إلى آخرهم يقولون لأممهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩]، وعبادته المأمور بها شاملة لكلّ ما تأمرهم به الرسل مما سَمَّوه أصولاً، وفروعًا، وهذا شيء دخيل. قال: ولكن لما قسموا الإسلام إلى الأمرين، فشا لهم الخلاف في مسألة خطاب الكفار بالفروع، وأطالوا المسألة، والمقاولة في الأصول الفقهيّة، وإلا فهذا شيء لا يُعرَف في سلف الأمّة، وعصر النبوّة انتهى كلام الصنعانيّ (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله العلاّمة الصنعانيّ -رحمه اللَّه تعالى- بحثٌ نفيس، وتحرير أنيس. واللَّه تعالى أعلم. وقيل: الحكمة في ترتيب الزكاة على الصلاة أن الذي يقرّ بالتوحيد، ويجحد الصلاة يكفر بذلك، فيصير ماله فيئًا، فلا تنفعه الزكاة. قال الحافظ: وأما قول الخطابي: إن ذكر الصدقة أُخّر عن ذكر الصلاة؛ لأنها إنما تجب على قوم دون قوم، وأنها لا تكرر تكرار الصلاة. فهو حسن، وتمامه أن يقال: بدأ بالأهمّ، فالأهمّ، وذلك من التلطّف في الخطاب، لأنه لو طالبهم بالجميع في أول مرّة لم يأمن النفرة (٢). وقال الإمام ابن دقيق العيد -رحمه اللَّه تعالى-: قوله ﷺ : "فإن هم أطاعوا لك بذلك". طاعتهم في الإيمان بالتلفّظ بالشهادتين، وأما طاعتهم في الصلاة، فتحتمل وجهين: أحدهما أن يكون المراد إقرارهم بوجوبها، وفرضيتها عليهم، والتزامهم لها. والثاني: أن يكون المراد الطاعة بالفعل، وأداء الصلاة، وقد رجّح الأول بأن المذكور في لفظ الحديث هو الإخبار بالفرضيّة، فتعود الإشارة بذلك إليها. ويترجّح الثاني بأنهم لو أُخبروا بالوجوب، فبادروا بالامتثال بالفعل لكفى، ولم يشترط تلفّظهم بالإقرار بالوجوب، وكذلك نقول في الزكاة: لو امتثلوا بأدائها من غير تلفّظ بالإقرار

стр. 11668

لكفى، فالشرط عدم الإنكار، والإذعان للوجوب، لا التلفّظ بالإقرار انتهى (١). وذكر ابن المقّن وجهًا ثالثًا، وهو أن يكون المراد مجموع ذلك، قال: وهو الظاهر (٢). وقال الحافظ: الذي يظهر أن المراد القدر المشترك بين الأمرين، فمن امتثل بالإقرار بالفعل كفاه، أو بهما فأولى، وقد وقع في رواية الفضل بن العلاء بعد ذكر الصلاة: "فإذا صلّوا"، وبعد ذكر الزكاة: "فإذا أقرّوا بذلك، فخذ منهم". انتهى (٣). وقال الصنعانيّ: ويظهر أن المراد: فأخبرهم أن اللَّه قد فرض عليهم فعل خمس صلوات في اليوم والليلة، لا أنه فَرَضَ الإقرار بوجوبها خمس مرّات كما عبّر في غيره بقوله ﷺ : "وتقيم الصلاة"، وإقامتها فعلها، فطاعتهم بفعلها، وهو المطلوب، لا مجرّد الإقرار، ولذا ضمّن أطاعوا انقادوا، وعدّاه باللام (٤)، إذ الانقياد زيادة على مجرّد الطاعة، فالمطلوب منهم في الصلاة فعلها، وهو يتضمّن الإقرار بفرضيتها، واعتقاده ظاهرًا، وأما التلفّظ بالإقرار بالفرضيّة لها، فليس بمراد، ولا ورد طلب الشارع لذلك، إلا في الشهادتين، لا غير، فقول الشارح: ولو بادروا بالامتثال بالقول لكفى غير ظاهر، بل نقول: التلفّظ بالوجوب بها غير مطلوب منهم، ومثله يجري في الزكاة. وإنما قلنا ظاهراً لأنهم لو فعلوها غير معتقدين وجوبها، كصلاة المنافقين قبلنا ظاهر فعلهم، وأدخلناهم في حكم الإسلام، ووكلنا سرائرهم إلى اللَّه، كما تقرّر في غير هذا انتهى كلام الصنعانيّ (٥). وهو حسن جدًّا. واللَّه تعالى أعلم. (فَأَخْبِرْهُمْ، أَنَّ اللَّهَ ، فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ، فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةِ) استُدلّ به على أن الوتر ليس بواجب، وكذا ركعتا الفجر، فإن بَعْثَ معاذ إلى اليمن قبل وفاة النبيّ ﷺ -بقليل، بعد الأمر بالوتر، وركعتي الفجر. وقد قال بوجوب الوتر أبو حنيفة، دون صاحبيه، وبوجوب ركعتي الفجر الحسن البصريّ، وذلك مردود عليهما، وقد تقدّم تمام البحث في ذلك في موضعه، فراجعه تستفد، واللَّه تعالى وليّ التوفيق. (فَإِنْ هُمْ -يَعْنِي أَطَاعُوكَ بِذَلِكَ) ولفظ "الكبرى": "فإن يعني هم أطاعوا لك بذلك".

стр. 11669

ولعلّ بعض الرواة شكّ، فزاد "يعني". وسيأتي في ٤٦/ ٢٥٢٢ - من طريق وكيع، عن زكريا بن إسحاق بدونها (فأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ ، فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً) زاد في رواية أبي عاصم، عن زكريا: "في أموالهم". وفي رواية الفضل بن العلاء: "افترض عليهم زكاة في أموالهم، تؤخذ من غنيّهم، فتُردّ على فقيرهم" (تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ) استُدلّ به على أن الإمام هو الذي يتولّى قبض الزكاة، وصرفها، إما بنفسه، وإما بنائبه، فمن امتنع منها أُخذت منه قهرًا (فَتُرَدُّ) وفي نسخة: "وتردّ" بالواو (عَلَى فُقَرَائِهِمْ) استُدلّ به لقول مالك وغيره: إنه يكفي إخراج الزكاة في صنف واحد. قال الحافظ: وفيه بحث -كما قال ابن دقيق العيد- لاحتمال أن يكون ذكر الفقراء لكونهم الغالب في ذلك، وللمطابقة بينهم وبين الأغنياء انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: القول الأول هو الأظهر، فيقدّم على الاحتمال المذكور. واللَّه تعالى أعلم. وقال الخطابيّ: وقد يَستَدِلّ به من لا يرى على المديون زكاة ما في يده إذا لم يفضل من الدين الذي عليه قدر نصاب، لأنه ليس بغنيّ، إذا كان إخراج ماله مستحقًا لغرمائه. (فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ بِذَلِكَ) ولفظ "الكبرى": "فإن هم أطاعوا لك بذلك، (فَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ") وفي الرواية الآتية في -٤٦/ ٢٥٢٢ - :"فإن هم أطاعوك بذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين اللَّه حجاب". و"إياك" منصوب بفعل مضمر، لا يجوز إظهاره، والتقدير: باعد، واتق كرائم أموالهم، وهو من باب إياك والأسد، وأهلك والليل، وأشباه ذلك. قال ابن قتيبة: ولا يجوز: "إياك كرائم" بحذف الواو. قال ابن مالك في "خلاصته": إِيَّاكَ وَالشَّرَّ وَنَحْوَهُ نَصَبْ … مُحَذِّرٌ بِمَا اسْتِتَارُهُ وَجَبْ والكرائم جمع كريمة، وهي جامعة الكمال الممكن في حقّها، من غزارة لبن، وكمال صورة، أو كثرة لحم، أو صوف، وهي النفائس التي تتعلّق بها نفس مالكها، أو يختصّها لنفسه، ويؤثرها، كالأكولة (١)، والرُّبّى، وهي التي تُربّي ولدها، أو الحديثة العهد بالنتاج، والماخض، وهي الحامل، وفحلِ الغنم، وحَزَرَاتِ المال (٢) -بتقديم الزاي، وقيل: بتأخيرها- وهي التي تُحرَز بالعين، وتُرمَق لشرفها عند أهلها.

стр. 11670

والحكمة في منع الساعي ذلك أن الزكاة وجبت مواساة للفقراء في مال الأغنياء، فلا يناسب ذلك الإجحاف بأرباب الأموال، فسامحهم الشرع بما يضنّون به، ونهى الساعي عن أخذه، فيحرم عليه أخذها، بل يأخذ الوسط، ويحرم على ربّ المال إخراج شرّ المال، نعم لو رضي المالك بإخراج الكريمة قُبلت منه. وفي وجه عند الشافعية: أن الرجل لا تؤخذ؛ لأنها لقرب عهدها بالولادة مهزولة، والهزال عيب. وفي وجه آخر: أنه لا تقبل الكريمة إذا تبرّع المالك بها للنهي المذكور، وهذان الوجهان فاسدان، كما قال العلامة ابن الملقّن -رحمه اللَّه تعالى- (١). وقوله: "واتق دعوة المظلوم": أي تجنّب الظلم؛ لئلا يدعو عليك المظلوم. وفيه تنبيه على المنع من جميع أنواع الظلم، والنكتة في ذكره عقب المنع من أخذ الكرائم الإشارة إلى أن أخذها ظلم. وقال بعضهم: عطف "واتق" على عامل "إياك" المحذوف وجوبًا، فالتقدير اتق نفسك أن تتعرّض للكرائم. وأشار بالعطف إلى أن أخذ الكرائم ظلم. ولكنه عمم إشارة إلى التحرّز عن الظلم مطلقًا. وقوله: "فإنها ليس بينها وبين اللَّه حجاب" أي ليس لها صارف يصرفها، ولا مانع، والمراد أنها مقبولة، وإن كان عاصيًا، كما جاء في حديث أبي هريرة ﵁. عند أحمد مرفوعًا: "دعوة المظلوم مستجابة، وإن كان فاجرًا، ففجوره على نفسه". وإسناده حسن. وقال الطيبيّ: قوله: "اتق دعوة المظلوم" تذييل لاشتماله على الظلم الخاصّ من أخذ الكرائم، وعلى غيره. وقوله: "فإنه ليس بينها وبين اللَّه حجاب" تعليل للاتقاء، وتمثيل للدعاء، كمن يقصد دار السلطان متظلّمًا، فلا يُحجب. قال ابن العربيّ: إلا أنه وإن كان مطلقًا، فهو مقيد بالحديث الآخر أن الداعي على ثلاث مراتب: إما أن يُعجّل له ما طلب، وإما أن يدّخر له أفضل منه، وإما أن يدفع عنه من السوء مثله. وهذا كما قُيّد قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ الآية [النمل: ٦٢] بقوله تعالى: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ الآية [الأنعام: ٤١] انتهى. [تنبيه]: كتب ابن الملقّن في "شرح العمدة" على قوله: "ليس بينها وبين اللَّه حجاب": ما نصّه: الحجاب يقتضي الاستقرار في المكان، والباري منزّه عن ذلك، إلا أنه ﷺ -كان يُخاطب العرب بما تَفهم. والمراد أنها مقبولة على كلّ حال، لا أن للباري

стр. 11671

جلّ وتعالى حجابًا يحجبه عن الناس. ويحتمل كما قال الفاكهيّ أن يراد بالحجاب هنا المعنويّ، دون الحسيّ انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ليت شعري ما الذي يعنيه بنفي الحجاب؟، كيف ينفي حجاب اللَّه تعالى، من يسمع الحديث الصحيح، كحديث أبي موسى الأشعريّ ﵁، قال: قام فينا رسول اللَّه ﷺ ، بخمس كلمات، فقال: "إن اللَّه لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يَخفِض القسط، وَيرفعه، يُرفَع إليه عملُ الليل، قبل عمل النهار، وعمل النهار، قبل عمل الليل، حجابه النورُ". وفي روايةٍ: "النارُ"، لو كشفه، لأحرقت سُبُحاتُ وجهه، ما انتهى إليه بصره، من خلقه". أخرجه مسلم في "صحيحه". وغير ذلك من النصوص الصحيحة الصريحة في إثبات الحجاب؟، إن هذا لهو العَجَب العُجَاب. ومن العجيب أن صاحب "الفتح" قد ذكر أيضًا نحو هذا الكلام مُقررًا له، وراضيا به. والحقّ أننا نثبت ما أثبته اللَّه تعالى لنفسه، من حجاب، أو غيره، على المعنى اللائق به ، فلا نعطّل، ولا نشبّه. ولقد صدق في قوله: كان ﷺ يخاطب العرب بما تفهم. ونحن- وللَه الحمد- نكتفي بما تفهمه العرب، واكتفت به من ظواهر النصوص التي بلّغها النبيُّ ﷺ أُمَّتَهُ، لأنه هو الصراط المستقيم الذي أوجب اللَّه على عموم الثقلين أن يتّبعوه، وأوجب عليهم أيضًا اعتقاد ما فهموه، فلو كان هذا الذي فهمته العرب غير مراد لبادر ﷺ إلى أنه غير مراد، وبيّن أن المراد كذا وكذا، فقد بيّن جميع ما يحتاج إليه المكلّف، من المعتقدات، والأعمال بيانا شافيًا. كما أمره اللَّه بقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية [النحل: ٤٤] فيا أيها العاقل لا تكن أسير التقليد، فإنه حجة البليد، وملجأ العنيد. اللَّهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عباك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختُلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم، اللَّهمّ أرنا الحقّ حقًا، وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه، آمين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته:

стр. 11672

حديث ابن عباس ﵄ هذا متفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ١/ ٢٤٣٥ و ٤٦/ ٢٥٢٢ - وفي "الكبرى" ١/ ٢٢١٥. وأخرجه (خ) في "الزكاة" ١٣٨٥ و ١٤٥٨ و ١٤٩٦ وفي "المظالم والغصب" ٢٤٤٨ و"المغازي" ٤٣٤٧ و"التوحيد" ٧٣٧١ و ٧٣٧٢ (م) في "الإيمان" ١٩ وفي "الزكاة" ٦٢٥ و"البر والصلة" ٢٠١٤ (د) في "الزكاة" ١٥٨٤ (ق) في "الزكاة" ١٧٨٣ (أحمد) في "مسند بني هاشم" ٢٠٧٢ (الدارميّ) في ١٦١٤. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف، وهو وجوب الزكاة (ومنها): وجوب الدعوة إلى اللَّه تعالى (ومنها): مشروعيّة الدعاء إلى التوحيد قبل القتال (ومنها): توصية الإمام عامله فيما يحتاج إليه من الأحكام وغيرها (ومنها): بَعْثُ السعاة لأخذ الزكاة (ومنها): قبول خبر الواحد، ووجوب العمل به (ومنها): إيجاب الزكاة في مال الصبيّ والمجنون؛ لعموم قوله: "من أغنيائهم". قاله عياض، وفيه بحث (ومنها): أن الزكاة لا تدفع إلى الكافر؛ لعود الضمير في "فقرائهم" إلى المسلمين، سواء قلنا بخصوص البلد، أو العموم (ومنها): أن الفقير لا زكاة عليه (ومنها): أن من ملك نصابًا لا يُعطى من الزكاة، من حيث جعل المأخوذ منه غنيًا، وقابله بالفقير، ومن ملك النصاب فالزكاة مأخوذة منه، فهو غنيّ، والغنى مانع من إعطاء الزكاة؛ إلا من استشني (١). قال ابن دقيق العيد -رحمه اللَّه تعالى-: وليس هذا البحث بالشديد القوة، وهذا مذهب أبي حنفية، وبعض أصحاب مالك (ومنها): ما قاله البغويّ: فيه أن المال إذا تلف قبل التمكن من الأداء سقطت الزكاة؛ لإضافة الصدقة إلى المال، وفيه نظر أيضًا (ومنها): أنه دليل على تعظيم أمر الظلم (ومنها): استجابة دعوة المظلوم، وأنه لا يحجبها عن اللَّه تعالى حجاب، وإن كان صاحبها فاجرًا، فقد أخرج أحمد بإسناد صحيح عن أنس ﵁، قال رسول اللَّه ﷺ : "اتقوا دعوة المظلوم، وإن كان كافرًا، فإنه ليس دونها حجاب". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): [إن قيل]: لِمَ لم يقع في هذا الحديث ذكر الصوم، والحجّ، مع أن بعث معاذ كما تقدّم كان آخر الأمر؟.

стр. 11673

[قلت]: أجاب ابن الصلاح -رحمه اللَّه تعالى- بأن ذلك تقصير من بعض الرواة. وتُعُقّب بأنه يفضي إلى ارتفاع الوثوق بكثير من الأحاديث النبويّة؛ لاحتمال الزيادة والنقصان. وأجاب الكرمانيّ بأن اهتمام الشارع بالصلاة والزكاة أكثر، ولهذا كرّرا في القرآن، فمن ثَمّ لم يُذكر الصوم والحجّ في هذا الحديث مع أنهما من أركان الإسلام. والسرّ في ذلك أن الصلاة والزكاة إذا وجبا على المكلّف لا يسقطان عنه أصلاً، بخلاف الصوم، فإنه يسقط بالفدية، والحجّ فإن الغير قد يقوم مقامه فيه كما في المعضوب (١)، ويحتمل أنه لم يكن شُرع انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الاحتمال الأخير باطلٌ، لما تقدّم آنفًا من أن بعث معاذ ﵁ كان متأخرًا. واللَّه تعالى أعلم. وقال الحافظ: وأجاب شيخنا شيخ الإسلام- يريد البلقينيّ-: إذا كان الكلام في بيان الأركان لم يُخلّ الشارع منه بشيء، كحديث ابن عمر: "بُني الإسلام على خمس"، فإذا كان في الدعاء إلى الإسلام اكتفى بالأركان الثلاثة: الشهادة، والصلاة، والزكاة، ولو كان بعد وجود فرض الصوم والحجّ، كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ الآية [التوبة: ٥ و١١]، في موضعين من "براءة" مع أن نزولها بعد فرض الصوم والحجّ قطعًا، وحديث ابن عمر أيضًا: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه، ويقيموا الصلاة، ويؤتو الزكاة"، وغير ذلك من الأحاديث. قال: والحكمة في ذلك أن الأركان الخمسة اعتقاديّ، وهو الشهادة، وبدنيّ، وهو الصلاة، وماليّ، وهو الزكاة، فاقتصر في الدعاء إلى الإسلام عليها لتفرّع الركنين الأخيرين عليها، فإن الصوم بدنيّ محض، والحجّ بدنيّ ماليٌّ. وأيضًا فكلمة الإسلام هي الأصل، وهي شاقّة على الكفّار، والصلوات شاقّة لتكرّرها، والزكاة شاقّة لما في جِبلّة الإنسان من حبّ المال، فإذا أذعن المرء لهذه الثلاثة كان ما سواها أسهل عليه بالنسبة إليها. انتهى (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله شيخ الإسلام البلقينيّ -رحمه اللَّه تعالى- حسنٌ جدًّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في السنة التي فُرضت فيها الزكاة: ذهب الأكثرون إلى أنّ فرضيتها وقع بعد الهجرة، فقيل: كان في السنة الثانية، قبل

стр. 11674

فرض رمضان، أشار إليه النوويّ في "باب السير" من كتابه "الروضة". وجزم ابن الأثير في "التاريخ" بأن ذلك كان في السنة التاسعة: وهذا -كما قال الحافظ- فيه نظر، فقد ثبت في حديث ضمام بن ثعلبة، وفي حديث وقد عبد القيس، وفي عدّة أحاديث ذكر الزكاة، وكذا مخاطبة أبي سفيان مع هرقل، وكانت في أول السابعة، وقال فيها: "يأمرنا بالزكاة"، لكن يمكن تأويل كلّ ذلك، كما سيأتي في آخر الكلام. وقوّى بعضهم ما ذهب إليه ابن الأثير بما وقع في قصّة ثعلبة بن حاطب المطوّلة، ففيها: "لما أنزلت آية الصدقة بعث النبيّ ﷺ عاملاً فقال: ما هذه إلا جزيةٌ، أو أخت الجزية". والجزية إنما وجبت في التاسعة، فتكون الزكاة في التاسعة. لكن الحديث ضعيف، لا يُحتجّ به. وادعى ابن خزيمة في "صحيحه" أن فرضها كان قبل الهجرة، واحتجّ بما أخرجه من حديث أم سلمة في قصّة هجرتهم إلى الحبشة، وفيها أن جعفر بن أبي طالب، قال للنجاشيّ في جملة ما أخبره به عن النبيّ ﷺ :"ويأمرنا بالصلاة، والزكاة، والصيام" انتهى. قال الحافظ: وفي استدلاله بذلك نظرٌ، لأن الصلوات الخمس لم تكن فُرضت بعدُ، ولا صيام رمضان، فيحتمل أن تكون مراجعة جعفر لم تكن في أول ما قدم على النجاشيّ، وإنما أخبره بذلك بعد مدّة، قد وقع فيها ما ذكر، من قصّة الصلاة، والصيام، وبلغ ذلك جعفرًا، فقال:"يأمرنا" بمعنى يأمر به أمته، وهو بعيدٌ جدًّا. وأولى ما حُمل عليه حديث أم سلمة هذا -إن سَلِمَ من قدح في إسناده- أن المراد بقوله: "يأمرنا بالصلاة، والزكاة، والصيام"، أي في الجملة، ولا يلزم من ذلك أن يكون المراد بالصلاة الصلوات الخمس، ولا بالصيام صيام رمضان، ولا بالزكاة هذه الزكاة المخصوصة ذات النصاب والحول. ومما يدلّ على أن فرض الزكاة كان قبل السنة التاسعة حديث أنس ﵁ في قصّة ضمام بن ثعلبة، المتقدّم للنسائيّ في "الصيام"- ١/ ٢٠٩٢ - وقوله: أنشدك اللَّه، آالله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا، فتردها على فقرائنا"، وكان قدوم ضمام سنة خمس، كما تقدّم، وإنما الذي وقع في التاسعة بعث العمّال لأخذ الصدقات، وذلك يقتضي تقدّم فريضة الزكاة قبل ذلك. ومما يدلّ على أن فرض الزكاة وقع بعد الهجرة اتفاقهم على أن صيام رمضان إنما فُرض بعد الهجرة؛ لأن الآية الدّالة على فرضيته مدنيّة بلا خلاف.

стр. 11675

وثبت عند أحمد، وابن خزيمة أيضًا، والنسائيّ (١)، وابن ماجه، والحاكم، من حديث قيس بن سعد بن عُبادة، قال: "أمرنا رسول اللَّه ﷺ الفطر قبل أن تنزل الزكاة، ثم نزلت الزكاة، فلم يأمرنا، ولم ينهنا، ونحنُ نفعله". إسناد صحيح، ورجاله رجال الصحيح، إلا أبا عمّار الراوي له عن قيس بن سعد، وهو كوفيّ، اسمه عَرِيب -بالمهملة المفتوحة- ابن حُميد، وقد وثقه أحمد، وابن معين، وهو دالّ على أن فرض صدقة الفطر كان قبل فرض الزكاة، فيقتضي وقوعها بعد فرض رمضان، وذلك بعد الهجرة، وهو المطلوب. ووقع في "تاريخ الإسلام": في السنة الأولى فُرِضت الزكاة. وقد أخرج البيهقيّ في "الدلائل" حديث أم سلمة المذكور من طريق "المغازي" لابن إسحاق" من طريق يونس ابن بُكير، عنه، وليس فيه ذكر الزكاة، وابن خزيمة أخرجه من حديث ابن إسحاق، لكن من طريق سلمة بن الفضل، عنه، وفي سلمة مقال (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحاصل أن الراجح أن فرض الزكاة كان بعد الهجرة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم فيمن تجب عليه الزكاة: قال الإمام محمد بن رُشد -رحمه اللَّه تعالى- في كتابه "بداية المجتهد، ونهاية المقتصد": اتفقوا على أنها تجب على كل مسلم حرّ، بالغ، عاقل، مالك للنصاب، ملكًا تامًّا. واختلفوا في وجوبها على اليتيم، والمجنون، والعبيد، وأهل الذمّة، والناقص الملك، مثل الذي عليه دينٌ، أو له الدين، ومثل المال المحبّس الأصل. فأما الصغار، فإن قومًا قالوا: تجب عليهم الزكاة في أموالهم، وبه قال عمر، وعليّ، وابن عمر، وجابر، وعائشة، والحسن بن عليّ من الصحابة ﵃، وبه قال جابر بن زيد، وابن سيرين، وعطاء، ومجاهد، وربيعة، ومالك، والشافعيّ، والثوريّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وغيرهم من فقهاء الأمصار. وقال قوم: ليس في مال اليتيم صدقة أصلاً. وبه قال النخعيّ، والحسن، وسعيد بن جبير، من التابعين. وفرق قوم بين ما تخُرج الأرض، وبين ما لا تُخرجه، فقالوا: عليه الزكاة فيما تُخرجه الأرض، وليس عليه زكاة فيما عدا ذلك، من الماشية، والنّاضّ (٣)، والعُرُوض، وغير

стр. 11676

ذلك. وهو قول أبي حنيفة، وأصحابه. وفرق آخرون بين الناضّ وغيره، فقالوا: عليه الزكاة إلا في الناضّ. قال ابن رشد: وسبب اختلافهم في إيجاب الزكاة عليه، أو لا إيجابها هو اختلافهم في مفهوم الزكاة الشرعية، هل هي عبادة كالصلاة، والصيام؟ أم هي حقّ واجب للفقراء على الأغنياء؟ فمن قال: إنها عبادة اشترط فيها البلوغ، ومن قال: إنها حقّ واجبٌ للفقراء والمساكين في أموال الأغنياء، لم يَعتَبِر في ذلك بلوغًا من غيره، وأما من فرّق بين ما تُخرجه الأرض، أو لا تخرجه، وبين الخفيّ والظاهر، فلا أعلم له مستندًا في هذا الوقت. انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: المذهب الأول عندي هو الأرجح؛ لعموم النصوص الصحيحة في إيجاب الزكاة، ولما روي من آثار الصحابة: عمر، وعليّ، وعائشة، وجابر ﵃، رواها أبو عبيد، والبيهقيّ، والدارقطنيّ وغيرهم. واللَّه تعالى أعلم. قال: وأما أهل الذمّة، فإن الأكثر على أن لا زكاة على جميعهم؛ إلا ما روت طائفة من تضعيف الزكاة على نصارى بني تغلب -أعني أن يؤخذ منهم مثلا ما يؤخذ من المسلمين في كلّ شيء-. وممن قال بهذا الشافعيّ، وأبو حنيفة، وأحمد، والثوريّ، وليس عن مالك في ذلك قولٌ، وإنما صار هؤلاء لهذا لأنه ثبت أنه فعل عمر بن الخطّاب بهم، وكأنهم رأوا أن مثل هذا هو توقيفٌ، ولكن الأصول تعارضه. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: كون هذا الذي أخذ من نصارى بني تغلب زكاةً فيه نظرٌ لا يخفى. واللَّه تعالى أعلم. قال: وأما العبيد فإن الناس فيهم على ثلاثة مذاهب: فقوم قالوا: لا زكاة في أموالهم أصلاً، وهو قول ابن عمر، وجابر من الصحابة ﵃، ومالك، وأحمد، وأبي عُبيد، من الفقهاء. وقال آخرون: بل زكاة مال العبد على سيده، وبه قال الشافعيّ، فيما حكاه ابن المنذر، والثوريّ، وأبو حنيفة، وأصحابه. وأوجبت طائفة أخرى على العبد في ماله الزكاة، وهو مرويّ عن ابن عمر، من الصحابة، وبه قال عطاء، من التابعين، وأبو ثور من الفقهاء، وأهل الظاهر، وبعضهم (١). وجمهور من قال: لا زكاة في مال العبد هو على أن لا زكاة في مال المكاتب حتى يعتق. وقال أبو ثور: في مال المكاتب زكاة.

стр. 11677

وسبب اختلافهم في زكاة مال العبد اختلافهم في هل يملك العبد ملكًا تامّا أو غير تام؟ فمن رأى أنه لا يملك ملكًا تامًّا، وأن السيّد هو المالك، إذ كان لا يخلو مال من مالك، قال: الزكاة على السيّد، ومن رأى أنه لا واحد منهما يملكه ملكا تامًا، لا السيّد، إذ كانت يد العبد هي التي عليه، لا يد السيّد، ولا العبد أيضًا؛ لأن للسيّد انتزاعه منه، قال: لا زكاة في ماله أصلًا. ومن رأى أن اليد على المال توجب الزكاة فيه لمكان تصرّفها فيه تشبيهًا بتصرّف يد الحرّ قال: الزكاة عليه، لا سيّما من كان عنده أن الخطاب العامّ يتناول الأحرار والعبيد، وأن الزكاة عبادة تتعلّق بالمكلّف لتصرّف اليد في المال. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا القول الأخير هو الظاهر عندي؛ لأن النصوص تعمّ الحرّ والعبد، وظواهر النصوص أن العبد يملك إذا أذن له السيّد في التصرّف. واللَّه تعالى أعلم. قال: وأما المالكون الذين عليهم الديون التي تستغرق أموالهم، أو تستغرق ما تجب فيه الزكاة من أموالهم، وبأيديهم أموال تجب فيها الزكاة، فإنهم اختلفوا في ذلك، فقال: قوم: لا زكاة في مال حبًّا كان، أو غيره حتى تُخرج منه الديون، فإن بقي ما تجب فيه الزكاة زُكّي، وإلا فلا وبه قال الثوريّ، وأبو ثور، وابن المبارك، وجماعة. وقال أبو حنيفة وأصحابه: الدين لا يمنع زكاة الحبوب، ويمنع ما سواها. وقال مالك: الدين يمنع زكاة الناضّ فقط، إلا أن يكون له عُروض فيها وفاء من دينه، فإنه لا يَمنع. وقال قوم بمقابل القول الأول، وهو أن الدين لا يمنع زكاة أصلاً. والسبب في اختلافهم اختلافُهم، هل الزكاة عبادة، أو حقّ مرتّبٌ في المال للمساكين؟ فمن رأى أنها حقّ لهم قال: لا زكاة في مال من عليه الدين, لأن حقّ صاحب الدين متقدّم بالزمان على حقّ المساكين، وهو في الحقيقة مال صاحب الدين، لا للذي المالُ بيده، ومن قال: هي عبادة قال: تجب على من بيده مالٌ لأن ذلك هو شرط التكليف، وعلامته المقتضية الوجوب على المكلّف، سواء كان عليه دينٌ، أو لم يكن؛ وأيضًا فإنه قد تعارض هنالك حقّان: حقّ للَّه، وحقّ للآدميّ، وحقّ اللَّه أحقّ أن يُقضى. والأشبه بغرض الشرع إسقاط الزكاة عن المديون؛ لقوله ﷺ : "صدقة تؤخذ من أغنيائهم، وتُردّ على فقرائهم … " والمديون ليس بغنيّ. وأما من فرق بين الحبوب، وغير الحبوب، وبين الناضّ، وغير النّاضّ، فلا أعلم له شبهة بيّنة. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الأقرب عندي أن من عليه دين يستغرق بماله، لا زكاة عليه أصلاً، ومن عليه دين لا يستغرق لا زكاة عليه بقدر الدين، ويزكي ما عداه؛

стр. 11678

لظاهر النصّ المذكور، فإنه شرط في أخذ الزكاة أن يكون غنيّا، والمديون لا يسمّى غنيّا. واللَّه تعالى أعلم. قال: وأما المال الذي هو في الذّمّة -أعني في ذمة الغير- وليس هو بيد المالك، وهو الدين، فإنهم اختلفوا فيه أيضًا، فقدم قالوا: لا زكاة فيه، وإن قُبض حتى يستكمل شرط الزكاة عند القابض له، وهو الحول، وهو أحد قولي الشافعيّ، وبه قال الليث، أو هو قياس قوله. وقوم قالوا: إذا قبضه زكّاه لما مضى من السنين. وقال مالك: يزكيه لحول واحد، وإن أقام عند المديون سنين إذا كان أصله عن عوض، وأما إذا كان عن غير عوض، مثل الميراث، فإنه يستقبل به الحول انتهى كلام ابن رشد ببعض تصرف (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يترجّح عندي أنه إن كان الدين عند مقرّ به، أو له عليه بيّنة، فإنه يزكّيه، وإلا فلا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في اشتراط الحول في الزكاة: ذكر ابن رشد -رحمه اللَّه تعالى- أن جمهور الفقهاء يشترطون في وجوب الزكاة في الذهب والفضّة والماشية الحولَ، لثبوت ذلك عن الخلفاء الأربعة، ولانتشاره في الصحابة ﵃ ولانتشار العمل به، ولاعتقادهم أن مثل هذا الانتشار من غير خلاف لا يجوز أن يكون إلا عن توقيف. وقد روي مرفوعًا من حديث ابن عمر ﵄، عن النبيّ ﷺ ، أنه قال: "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول"، وهذا مجمع عليه عند فقهاء الأمصار، وليس فيه في الصدر الأول خلاف، إلا ما روي عن ابن عباس، ومعاوية ﵃، وسبب اختلافهم أنه لم يرد في ذلك حديث ثابت. قاله ابن رشد ﵀ تعالى (٢). وقال النووي -رحمه اللَّه تعالى-: ما معناه: هذا الأثر المذكور عن أبي بكر، وعثمان، وعليّ ﵃ صحيح عنهم، رواه البيهقيّ وغيره، وقد روي عن عليّ، وعائشة ﵂ عن النبيّ ﷺ ، أنه قال: "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول". قال: وإنما لم يحتجّ المصنّف -يعني صاحب "المهذّب"- بالحديث؛ لأنه ضعيف، فاقتصر على الآثار المفسّرة. قال البيهقيّ: الاعتماد في اشتراط الحول على الآثار "الصحيحة, فيه عن أبي بكر الصدّيق، وعثمان، وابن عمر، وغيرهم ﵃. قال العبدريّ: أموال الزكاة ضربان: (أحدهما): ما له نماء في نفسه، كالحبوب

стр. 11679

والثمار، فهذا تجب الزكاة فيه لوجوده. (والثاني): ما هو مُرَصَّدٌ للنماء، كالدراهم، والدنانير، وعروض التجارة، والماشية، فهذا يُعتبر فيه الحول، فلا زكاة في نصابه حتى يحول عليه الحول، وبه قال الفقهاء كافّةً، قال: وقال ابن مسعود، وابن عباس ﵃: تجب الزكاة فيه يوم ملك النصاب، قال: فإذا حال الحول وجبت زكاة ثانية. (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: مذهب الجمهور، في اشتراط الحول عندي هو الأرجح؛ للآثار الصحيحة المذكور، والحديث المذكور صحيح موقوفًا، لكن الموقوف في مثل هذا في حكم المرفوع، وأما رفعه فضعيف. وقد صححه بعض أهل العلم من المعاصرين، وفيه نظر لا يخفى، لأن فيه عنعنة أبي إسحاق السبيعيّ، وهو معروف بالتدليس، وأن جرير بن حازم خالف الثقات في رفعه، فقد رواه الثوريّ، وشريك، وزكريا بن أبي زائدة، وغيرهم عن أبي إسحاق عن عليّ موقوفًا (٢). وفيه علّة أخرى، نبّه عليها ابن الموّاق، وهي أن جرير بن حازم لم يسمعه من أبي إسحاق، فقد رواه الحفّاظ أصحاب ابن وهب: سحنون، وحرملة، ويونس، وبحر بن نصر، وغيرهم عن ابن وهب، عن جرير بن حازم، والحارث بن نبهان، عن الحسن بن عمارة، عن أبي إسحاق، فذكره. ذكره الحافظ في "التلخيص الحبير" (٣). وهذه العلة بمفردها تكفي، فإن الحسن بن عمارة متروك الحديث. وقد روي الحديث أيضًا عن ابن عمر، وعائشة، بأسانيد ضعيفة، لا تصلح للاحتجاج بها، ولا للاستشهاد. والحاصل أن الاعتماد في المسألة على الآثار الصحيحة المتقدّمة، لا على المرفوع، كما نبّه عليه البيهقيّ -رحمه اللَّه تعالى-، فيما تقدّم من كلامه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٤٣٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ, قَالَ: سَمِعْتُ بَهْزَ بْنَ حَكِيمٍ, يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ, عَنْ جَدِّهِ, قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ, مَا أَتَيْتُكَ حَتَّى حَلَفْتُ أَكْثَرَ مِنْ عَدَدِهِنَّ, لأَصَابِعِ يَدَيْهِ, أَنْ لَا آتِيَكَ, وَلَا آتِيَ دِينَكَ, وَإِنِّي كُنْتُ امْرَأً, لَا أَعْقِلُ شَيْئًا, إِلاَّ مَا عَلَّمَنِي اللَّهُ , وَرَسُولُهُ, وَإِنِّي أَسْأَلُكَ بِوَحْيِ اللَّهِ, بِمَا بَعَثَكَ رَبُّكَ إِلَيْنَا؟ , قَالَ: «بِالإِسْلَامِ» , قُلْتُ: وَمَا آيَاتُ الإِسْلَامِ؟ , قَالَ: «أَنْ تَقُولَ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ إِلَى اللَّهِ, وَتَخَلَّيْتُ, وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ, وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ»).

стр. 11680

رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (محمد بن عبد الأعلى) الصنعانيّ البصريّ، ثقة [١٠] ٥/ ٥. ٢ - (معتمر) بن سليمان التيميّ البصريّ، ثقة، من كبار [٩] ١٠/ ١٠. ٣ - (بهز بن حَكِيم) بن معاوية القشيريّ، أبو عبد الملك البصريّ، صدوق [٦]. قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة. وقال أيضًا: إسناد صحيح، إذا كان دون بهز ثقة. وقال ابن البراء، عن ابن المدينيّ: ثقة. وقال أبو زرعة: صالح، ولكنه ليس بالمشهور. وقال أبو حاتم: هو شيخ يُكتب حديثه، ولا يحتجّ به. وقال أيضًا: عمرو بن شُعيب، عن أبيه عن جدّه أحبّ إليّ. وقال النسائيّ: ثقة. وقال صالح جَزَرَة: إسناد أعرابيّ. وقال الحاكم: كان من الثقات ممن يُجمع حديثه، وإنما أسقط من الصحيح روايته عن أبيه، عن جدّه لأنها شاذّة، لا متابع له عليها. وقال ابن عديّ: قد روى عنه ثقات الناس، وقد روى عنه الزهريّ، وأرجو أنه لا بأس به، ولم أر له حديثًا منكرًا، وإذا حدّث عنه ثقة، فلا بأس به. وقال الآجريّ، عن أبي داود: هو عندي حجة، وعند الشافعيّ ليس بحجة، ولم يُحدّث شعبة عنه، وقال له: من أنت؟، ومن أبوك؟. وقال ابن حبّان: كان يُخطىء كثيرًا، فأما أحمد، وإسحاق فهما يحتجان به، وتركه جماعة من أئمتنا، ولولا حديثه: "وإنا آخذوها، وشطرَ ماله" لأدخلناه في "الثقات"، وهو ممن أستخير اللَّه فيه. وقال الترمذيّ: وقد تكلّم شعبة في بهز، وهو ثقة عند أهل الحديث. وقال أبو جعفر محمد بن الحسن البغداديّ في "كتاب التمييز": قلت لأحمد -يعني ابن حنبل-: ما تقول في بهز بن حكيم؟ قال: سألت غندرًا عنه، فقال: قد كان شعبة مسّه، ثم تبيّن معناه، فكتب عنه. قال: وسألت ابن معين: هل روى شعبة عن بهز؟ قال: نعم، حديث "أَتَرْعَوُون عن ذكر الفاجر"، وقد كان شعبة متوقّفًا عنه. وقال أبو جعفر السبتيّ: بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جدّه صحيح. وقال ابن قُتيبة: كان من خيار الناس. وقال أحمد بن بشير: أتيت البصرة في طلب الحديث، فأتيت بهزًا، فوجدته يَلعب بالشطرنج مع قوم، فتركته، ولم أسمع منه. علّق له البخاريّ، وأخرج له الأربعة، وروى له المصنف برقم ٢٤٣٦ و ٢٤٤٤ و ٢٤٤٩ و ٢٥٦٦ و ٢٥٦٨ و ٢٦١٣ و ٤٨٧٧ و ٤٨٧٨. ٤ - (أبوه) حكيم بن معاوية القشيريّ، صدوق [٣]. قال العجليّ: ثقة. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وذكره أبو الفضائل الصغاني فيمن اختُلف في صحبته، وهو وهَمٌ منه، فإنه تابعيٌّ قطعًا. علّق له البخاريّ، وأخرج له الأربعة، وروى له المصنف بالأرقام المذكورة في الترجمة الماضية.

стр. 11681

٥ - (جدّه) معاوية بن حَيْدَة بن معاوية بن قُشير بن كعب بن رَبيعة بن عامر بن صَعْصَعة القشيريّ، نزل البصرة. روى عن النبيّ ﷺ وعنه ابنه حكيم، وعُروة بن رُوَيم اللَّخْميّ، وحميد المزنيّ. قال ابن سعد: وَفَد على النبيّ ﷺ ،وصحبه. وقال ابن الكلبيّ: أخبرني أبي أنه أدركه بخُرَاسان، ومات بها. وذكر الحاكم أبو عبد اللَّه، وتبعه ابن الصلاح أنه تفرّد بالرواية عنه ابنه. لكن فيه نظر، فقد مرّ آنفًا أنه رَوى عنه عروة بن رُوَيم، وحميد المزني. علّق له البخاريّ، وروى له الأربعة، وروى له المصنف في هذا الكتاب بالأرقام المذكورة أيضًا. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه رواية الراوي، عن أبيه، عن جدّه. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث عن معاوية بن حيدة ﵁، أنه قال: (قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، مَا أَتَيْتُكَ) "ما" نافية، أي لم أجىء إليك (حَتْى حَلَقْتُ أَكْثَرَ مِنْ عَدَدِهِنَّ، لِأَصَابعِ يَدَيْهِ) يريد أن ضمير "عددهنّ" لأصابع يديه، وفي رواية أحمد عن يحيى بن سعيد، عن بهزة: "واللَّه ما أتيتك، حتى حلفت أكثر من عدد أُولاء، وضرب إحدى يديه على الأخرى" (أَنْ لَا آتِيَكَ، وَلَا آتِيَ دِينَكَ) يريد أنه كان كارهًا للنبيّ ﷺ ، ولدين الإسلام، إلا أن اللَّه تعالى من عليه، فهداه للإسلام، فجاء، مسترشدًا، وطالبًا معرفة حقيقة الأمر الذي جاء به النبيّ ﷺ (وَإِنِّي كُنْتُ امْرَأً) الظاهر أن "كان" هنا زائدة، والمراد أني في الحال لا أعقل شيئًا الخ. وليس المراد أنه كان في سالف الزمان كذلك، ومقصوده أنه ضعيف الرأي، عقيم النظر، فينبغي للنبيّ ﷺ أن يجتهد في تعليمه، وتفهيمه. قاله السنديّ (١). (لَا أَعْقِلُ شَيْئًا، إِلاَّ مَا عَلَّمَنِي اللَّهُ ، وَرَسُولُهُ) ﷺ (وَإِنِّي أَسْاَلُكَ بِوَحيِ اللَّهِ) وفي "الكبرى": "بوجه اللَّه"، وأشار في هامش "الهندية" أنه هكذا في بعض نسخ "المجتبى"، وهو الذي ترجم عليه في الرواية الآتية -٧٣/ ٢٥٦٨ - باب "من سأل بوجه اللَّه " (بِمَا بَعَثَكَ رَبُّكَ إِلَيْنَا؟) وفي "الكبرى" "بم بعثك الخ"، بحذف الألف، وهو البخاريّ على غالب الاستعمال، لأن "ما" الاستفهامية إذا جرّت تُحذفُ ألفها غالباً،

стр. 11682

سواء جُرّت بحرف، كما في قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [النبأ: ١]، أو باسم، كما في قولك: "اقتضاءَ مَ اقتَضَى زيدٌ"، وقَلّ إثباتها، كقول حسّان [من الوافر]: عَلَى مَا قَامَ يَشْتِمُنِي لَئِيمٌ … كَخِنْزِيرِ تَمَرَّغَ فِي الرَّمَادِ وكقراءة بعضهم: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾، وكهذا الحديث، وتلحقها هاء السكت في الوقف غالبًا، وإلى هذه القاعدة أشار ابن مالك في "الخلاصة" بقوله: و"مَا" في الاسْتِفْهَامِ إِنْ جُرّتْ حُذِفْ … أَلِفُهَا وَأَوْلِهَا الْهَا إِنْ تَقِفْ وَلَيْسَ حَتْمَا فِي سِوَى مَا انْخَفَضَا … بِاسْمٍ كَقَوْلِكَ اقْتِضَاءَ مَ اقْتَضَى (قَالَ) ﷺ (بِالْإِسْلَامِ) متعلّق بمقدّر، دلّ عليه السؤال، أي بعثني بالإِسلام (قُلْتُ: وَمَا آيَاتُ الْإِسْلَامِ؟) أي ما هي الأشياء التي تكون دالّة على تحقق الدخول فيه، واستحقاق من تمسّك بها أن يسمّى مسلمًا (قَالَ) ﷺ ("أَنْ تَقُولَ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَى اللَّهِ) أي جعلت جميع أجِزائي منقادًا لحكمه تعالى، واستسلمت له، فالمراد بالوجه تمام النفس، أي كله (وَتَخلَّيْتُ) أي تبرّأت من الشرك، وانقطعت عنه. قاله ابن الأثير (١). وقال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: والتخلّي: التفرّغ، أراد البعد من الشرك، وعقدَ القلب على الإيمان، أي تركتُ جميع ما يُعبد من دون اللَّه، وصِرتُ عن الميل إليه فارغًا، ولعلّ هذا كان بعد أن نطق بالشهادتين، لزيادة رُسُوخ الإيمان في القلب. ويحتمل أن يكون هذا إنشاءَ الإسلام؛ لأنه في معنى الشهادة بالتوحيد، والشهادة بالرسالة قد سبقت منه بقوله: "إلا ما علّمني اللَّه ورسوله"، أو أن هذا الكلام يتضمّن الشهادة بالرسالة؛ لما في أسلمت وجهي من الدلالة على قبول جميع أحكامه تعالى، ومن جملة تلك الأحكام أن يشهد الإنسان لرسوله بالرسالة، ففيه أن المقصود الأصليّ هو إظهار التوحيد، والشهادة بالرسالة بأيّ عبارة كانت. واللَّه تعالى أعلم انتهى كلام السنديّ (٢). (وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ) أي تؤديها مراعيًا شروطها، وأركانها، وسننها (وَتُؤتِيَ الزَّكَاةَ") زاد في الرواية الآتية: "كُلُّ مسلم على مسلم مُحْرِمٌ، أخوان نصيران، لا يقبل اللَّه من مشرك عملاً، أو يفارقَ المشركين إلى المسلمين". فقوله: "كلّ مسلم على مسلم مُحْرِمٌ". وهو بصيغة اسم الفاعل كما قال ابن الأثير، وعبارته في "النهاية": يقال: إنه لَمُحْرِمٌ عنك، أي يَحَرِّمَ أذاك عليه، ويقال: مسلم

стр. 11683

مُحْرِمٌ، وهو الذي لم يُحلَّ من نفسه شيئًا يوقع به، يريد أن المسلم معتصم بالإسلام، ممتنع بحرمته ممن أراده، أو أراد ماله انتهى (١). ومثله لابن منظور في "لسانه": ونصّه: ورُوي عن النبيّ ﷺ أنه قال: "كلُّ مسلم على مسلم مُحرِمٌ، أخوان نصيران". قال أبو العبّاس: قال ابن الأعرابيّ: يقال: إنه لَمُحْرِمٌ عنك: أي يُحَرِّمُ أذاك عليه؛ قال الأزهريّ: وهذا بمعنى الخبر، أراد أنه يَحْرُم على كلّ واحد منهما أن يؤذي صاحبه لِحُرْمة الإسلام المانعة عن ظلمه. ويقال: مسلم مُحْرِمٌ، وهو الذي لم يُحِلّ من نفسه شيئًا يوقع به، إلى آخر ما تقدّم في كلام ابن الأثير (٢). وقوله: "أخوان نصيران": خبر لمحذوف، أي هما أخوان، "نصيران" أي يتناصران، ويتعاضدان، والنصير: فَعِيل بمعنى فاعل، ويجوز أن يكون بمعنى مفعول (٣). وقوله: "لا يَقبل اللَّه من مسلم الخ": يعني أن من شرط قبول الإسلام الهجرةَ، ومفارقةَ دار المشركين إلى دار الإسلام، فإن ذلك واجب على كلّ من آمن، فمن ترك فهو عاص يستحقّ ردّ العمل، والظاهر أن هذا محمول على ما قبل فتح مكة، أو يُحمل على من لا يستطيع أن يظهر شعائر الإسلام في دار الكفر. وقوله: "أو يفارقَ" منصوب بـ"أن مضمرة بعد "أو" التي بمعنى "حتى"، على حدّ قول الشاعر [من الطويل]: لأَسْتَسْهِلنَّ الصَّعْبَ أَو أُدْرِكَ الْمُنَى … فَمَا انْقَادَتِ الآمَالُ إِلاَّ لِصَابِرِ وإلى هذا أشار ابن مالك في "خلاصته" بقوله: كذَاكَ بَعْدَ "أو" إِذَا يَصْلَحُ فِي … مَوْضِعِهَا "حَتَّى" أَوِ "إلَّا" "أَنْ" خَفِي زاد في رواية أحمد المتقدّمة: "ما لي أُمسك بِحُجَزِكُم عن النار، أَلَا إن ربي داعيَّ، وإنه سائلي، هل بَلَّغتَ عبادي، وأنا قائل له: رب قد بلغتهم، ألا فليبلغ الشاهد، منكم الغائب، وثم إنكم مَدعُوُّون، ومُفَدَّمَة أفواهكم بالفِدَام (٤)، وإن أول ما يبين"، وقال بواسط: "يترجم" قال: وقال رسول اللَّه ﷺ بيده، على فخذه، قال: قلت: يا رسول اللَّه، هذا ديننا، قال: "هذا دينكم، وأينما تحسن يكفك" انتهى. واللَّه تعالى أعلم

стр. 11684

بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث معاوية بن حيدة ﵁ هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، أخرجه هنا-١/ ٢٤٣٦ و ٧٣/ ٢٥٦٨ - وفي "الكبرى" ١/ ٢٢١٦ و ٧٥/ ٢٣٤٩. وأخرجه (أحمد) في "مسند البصريين" ١٩٥١١. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف، وهو وجوب الزكاة، ووجه دلالته عليه، أنّ النبيّ ﷺ غير عدّه من علامات الإسلام التي لا يوجد تحقق الإسلام للشخص إلا بها، فصار ركنا من أركان الإسلام (ومنها): وجوب إسلام الوجه للَّه تعالى، ومعناه الاستسلام له، والانقياد لأمره (ومنها): وجوب التبرّي عن جميع ما يُضادّ الإسلام (ومنها): وجوب إقامة الصلاة (ومنها): تحريم تعرّض المسلم للمسلم بأيّ وجه من الأذى، إلا بما أوجب اللَّه عليه من العقوبة، وهذا هو معنى ما أشار إليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨] (ومنها): أن نصر المسلم لأخيه المسلم من واجبات الإسلام (ومنها): أنه لا يقبل عمل المسلم إلا بمفارقة المشركين إلى المسلمين مفارقة تامّة، بحيث لا يكون له علاقة قلبية بهم، ولا ينافي ذلك التعامل الظاهريّ معهم في الأمور الدنيوية، وهذا هو معنى ما أشار إليه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ الآية [البقرة: ٢٠٨]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٤٣٧ - (أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ مُسَاوِرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ شَابُورَ, عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ سَلاَّمٍ, عَنْ أَخِيهِ, زَيْدِ بْنِ سَلاَّمٍ, أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ جَدِّهِ أَبِي سَلاَّمٍ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ, أَنَّ أَبَا مَالِكٍ الأَشْعَرِيَّ, حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ شَطْرُ الإِيمَانِ, وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأُ الْمِيزَانَ, وَالتَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ يَمْلأُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ, وَالصَّلَاةُ نُورٌ, وَالزَّكَاةُ بُرْهَانٌ, وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ, وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ, أَوْ عَلَيْكَ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عيسى بن مُساور) الجوهريّ، أبو موسى البغداديّ، صدوق، من صغار [١٠] ٧١/ ٢٣٧٤. ٢ - (محمد بن شُعيب بن شابور) الدمشقيّ، نزيل بيروت، صدوق، صحيح الكتاب، من كبار [٩] ٦/ ١١٩٠.

стр. 11685

٣ - (معاوية بن سلاّم) أبو سلاّم الدمشقيّ، ثم الحمصيّ، ثقة [٧] ١٣/ ١٤٧٩. ٤ - (زيد بن سلاّم) الدمشقيّ، ثقة [٦] ٢/ ١٣٧٠. ٥ - (أبو سلاّم) -بشديد اللام- ممطور الحبشيّ، ثقة يُرسل [٣] ٢/ ١٣٧٠. ٦ - (عبد الرحمن بن غَنْم) -بفتح الغين المعجمة، وسكون النون- الأشعريّ، مختلف في صحبته. ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل الشام، وقال: كان ثقة إن شاء اللَّه، بعثه عمر بن الخطاب يفقّه الناس، وكان أبوه قَدِم على رسول اللَّه ﷺ صُحْبة أبي موسى. وقال ابن يونس: عبد الرحمن بن غَنْم بن كريب بن هانئ بن ربيعة، وساق نسبه إلى أشعر ممن قدم على رسول اللَّه ﷺ في السفينة، وقدم مصر مع مروان سنة (٦٥). وقال ابن منده: ذكر يحيى بن بُكير عن الليث، وابن لهيعة أنهما كانا يقولان: لعبد الرحمن بن غنم صحبة. وقال أبو زرعة الدمشقيّ: ناظرت عبد الرحمن بن إبراهيم، قلت: أرأيت الطبقة التي أدركت رسول اللَّه ﷺ ، ولم تره، وأدركت أبا بكر، وعمر، ومن بعدهما من أهل الشام، مَن المقدّم منهم: الصنابحيّ، أو عبد الرحمن بن غنم؟ قال: ابن غنم المقدّم عندي، وهو رجل أهل الشام. وقال العجليّ: شاميّ تابعيّ ثقة، من كبار التابعين. وقال يعقوب بن شيبة: مشهور من ثقات الشاميين، وقد حدّث عن غير واحد من الصحابة، وأدرك عمر، وسمع منه. وذكره ابن حبّان في ثقات التابعين، وقال: زعموا أن له صحبة، وليس ذلك بصحيح عندي. وقال ابن عبد البرّ: كان مسلمًا على عهد رسول اللَّه ﷺ ، ولم يره، ولازم معاذ بن جبل إلى أن مات، وسمع من عمر، وكان أفقه أهل الشام، وهو الذي فقّه عامة التابعين بالشام، وكانت له جلالة وقدر. وقال أبو القاسم البغويّ: لا أدري أدرك النبيّ ﷺ ، أم لا، وقيل: ولد على عهده. وقال حرب بن إسماعيل، عن أحمد: عبد الرحمن بن غنم قد أدرك النبيّ ﷺ ، ولم يسمع منه. قال خليفة وغيره: مات سنة (٧٨). علق عنه البخاريّ، وأخرج له الأربعة، وله عند المصنف في هذا الكتاب حديثان برقم ٢٤٣٧ و ٣٦٤١ و ٣٦٤٢. ٧ - (أبو مالك الأشعريّ) له صحبة. قيل: اسمه الحارث بن الحارث، وقيل: عبيد اللَّه، وقيل: عمرو، وقيل: كعب بن عاصم، وقيل: كعب بن كعب، وقيل: عامر ابن الحارث بن هانئ بن كلثوم. روى عن النبيّ ﷺ . وعنه عبد الرحمن بن غنم الأشعريّ، وأبو صالح الأشعريّ، وربيعة بن عمرو الْجُرَشيّ، وشُريح بن عُبيد

стр. 11686

الحضرميّ، وشهر بن حوشب، وأبو سلاّم الأسود، وغيرهم. وروى أبو سلاّم أيضًا عن عبد الرحمن بن غنم، عنه. وقيل: إن الذي روى عنه أبو سلاّم آخر. قال شَهْر بن حَوْشَب، عن عبد الرحمن بن غنم: طُعن معاذ بن جبل، وأبو عُبيدة بن الجراح، وشُرحبيل بن حسنة، وأبو مالك الأشعريّ في يوم واحد. وقال ابن سعد، وخليفة: توفي في خلافة عمر. وقال الحافظ في "تهذيب التهذيب": ما خلاصته: أبو مالك الأشعريّ الذي روى عنه أبو سلاّم، وشهر بن حوشب، ومن في طبقتهما هو الحارث بن الحارث الأشعريّ، وقد ذكرت في ترجمته ما يدلّ على ذلك، وبيّنت أنه تأخرت وفاته، وأما أبو مالك الأشعريّ هذا فهو آخر قديم، كما تقدّم هنا أنه مات في خلافة عمر، هو، ومعاذ بن جبل، وغيرهما، قال: والفصل بينهما في غاية الإشكال انتهى. علّق له البخاريّ، وأخرج له الباقون، وله عند المصنف هذا الحديث فقط. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات. (ومنها): أنه مسلسل بالشاميين، غير شيخه، فإنه بغدادي. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، وروية الراوي عن أخيه، عن جده. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ غَنْمٍ) الأشعريّ، ورواه مسلم من طريق أبي سلاّم، عن أبي مالك، بإسقاط عبد الرحمن بن غنم، فتكلّم فيه الدارقطنيّ وغيره، وقال النوويّ: يمكن أن يجاب عن مسلم بأن الظاهر من حاله أنه علم سماع أبي سلاّم لهذا الحديث من أبي مالك، فيكون أبو سلاّم سمعه من أبي مالك، وسمعه أيضًا من عبد الرحمن بن غنم، عن أبي مالك، فرواه مرّة عنه، ومرّة عن عبد الرحمن، عنه انتهى (أَنَّ أَبَا مَالِكٍ الأَشْعَرِيّ) ﵁ (حَدَّثَهُ) أي حدّث عبد الرحمن بن غنم (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ شَطْرُ الْإِيمَانِ) ولفظ مسلم: "الطهور شطر الإيمان". قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: وَذَكَرُوا في توجيهه وجوهًا لا تناسب رواية الكتاب: منها: أن الإيمان يطهّر نجاسة الباطن، والوضوء يطهّر نجاسة الظاهر، وهذا إن تمّ يفيد أن الوضوء شطر الإيمان، كرواية مسلم، لا أن إسباغه شطر الإيمان، كما في رواية الكتاب، مع أنه لا يتمّ, لأنه يقتضي أن يُجعل الوضوء مثل الإيمان، وعديله، لا نصفه، أو شطره، وكذا غالب ما ذكروا.

стр. 11687

والأظهر الأنسب لما في الكتاب أن يقال: أراد بالإيمان الصلاة، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٤٣]، والكلام على تقدير مضاف، أي إكمال الوضوء شطر إكمال الصلاة، وتوضيحُهُ أن إكمال الصلاة بإكمال شرائطها الخارجة عنها، وأركانها الداخلة فيها، وأعظم الشرائط الوضوء، فجُعل إكماله نصف إكمال الصلاة. ويحتمل أن المراد الترغيب في إكمال الوضوء، وتعظيم ثوابه حتى بلغ إلى نصف ثواب الإيمان. واللَّه تعالى أعلم انتهى كلام السنديّ (١). وقال العلاّمة القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: وقد اختُلف في معنى قوله ﷺ : "الطهور شطر الإيمان" على أقوال كثيرة: أَوْلَاها: أن يقال: إنه أراد بالطهور الطهارة من المستخبثات الظاهرة والباطنة، والشطر النصف، والإيمان هنا هو بالمعنى العامّ، كما قد دلّلْنا عليه بقوله ﷺ : "الإيمان تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، وعملٌ بالأركان" (٢) ولا شكّ أن هذا الإيمان ذو خصال كثيرة، وأحكام متعدّدة، غير أنها منحصرة فيما ينبغي التنزّه والتطهّر منه، وهي كلّ ما نهى الشرع عنه، وفيما ينبغي التلبّس، والاتصاف به، وهي كلّ ما أمر الشرع به، فهذان الصنفان عُبّر عن أحدهما بالطهارة على مستعمل اللغة، وهو كما قد روي مرفوعًا: "الإيمان نصفان: نصف شكر، ونصف صبر" (٣). وقد قيل: إن الطهارة الشرعيّة لما كانت تكفّر الخطايا السابقة، كانت كالإيمان الذي يَجُبّ ما قبله". فكانت شطر الإيمان بالنسبة إلى هو الخطايا. وهذا فيه بُعْد؛ إذ الصلاة وغيرها من الأعمال الصالحة، تكفّر الخطايا؛ فلا يكون لخصوصية الطهارة بذلك معنى. ثم لا يصحّ أيضًا معنى كون الطهارة نصف الإيمان بذلك الاعتبار؛ لأنها إنما تكون مثلًا له في التكفير؛ ولا يقال على المثل للشيء: شطره. وقيل: إن الإيمان هنا يُراد به الصلاة، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٤٣] أي صلاتكم على قول المفسّرين، ومعناه على هذا: أن الصلاة لما كانت مفتقرة إلى الطهارة، كانت كالشطر لها. وهذا أيضًا فاسد؛ إذْ لا يكون

стр. 11688

شرط الشيء شطره، لا لغة، ولا معنى، فالأولى التأويل الأول. واللَّه أعلم. انتهى كلام القرطبيّ. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما تقدّم ترجيح السنديّ -رحمه اللَّه تعالى- له هو الأقرب، وهو الذي رجحه النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-، وما ردّ به القرطبيّ فيه نظر، لأنه لا مانع من كونه من باب التشبيه، وذلك أنه لما كانت الطهارة من أعظم شروط الصلاة، جُعلت كأنها شطرها، فما المانع من هذا التشبيه لأجل المبالغة؟. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. (وَالْحَمْدُ لِلَهِ تَمْلَاُ الْمِيزَانَ) بالتاء الفوقانية، وإنما أنثها باعتبار الكلمة، ومعناه أن نفس هذا الذكر يوزن، فيملأ الميزان" وفيه أن الأعمال تتجسّد، فتوزن. قال النووي -رحمه اللَّه تعالى-: معناه عظم أجرها، وأنه يملأ الميزان، وقد تظاهرت نصوص الكتاب والسنّة على وزن الأعمال، وثقل الميزان، وخفتها انتهى (١). (وَالتَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ يَمْلَاُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ) بالإفراد، أي كلّ واحد منهما، أو مجموعهما، وفي بعض النسخ: "يملآن" بالتثنية، وهو واضحٌ. والظاهر أن هذا يكون عند الوزن، وأن الأعمال تصير أجسامًا لطيفة نورانيّة لا تتزاحم فيما بينها، ولا تُزاحم غيرها، كما هو المشاهد في الأنوار، إذ يمكن أن يُسرج ألف سراج في بيت واحد، مع أنه يمتلئ نورًا من واحد من تلك السرج، لكن كونه لا يزاحم يجتمع معه نور الثاني والثالث، ثم لا يمتنع امتلاء البيت من النور جلوسَ القاعدين فيه لعدم المزاحمة، فلا يرد أنه كيف يتصوّر ذلك مع كثرة التسبيحات والتقديسات، مع أنه يلزم من وجود واحد أن لا يبقى مكان لشخص من أهل المحشر، ولا لعمل آخر متجسّد مثل تجسّد التسبيح وغيره. واللَّه تعالى أعلم. أفاده السنديّ (٢). وأما ما ذكره النوويّ من أنه يحتمل أن يقال: لو قُدّر ثوابهما جسمًا الخ (٣) فمما لا حاجة إليه؛ لأنه لا مانع من ذلك، لا شرعًا، ولا عقلاً، فإن ظواهر النصوص تدلّ على أن نفس الأعمال توزن، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. وقال القرطبيّ: ما حاصله: أن الحمد راجع إلى الثناء على اللَّه تعالى بأوصاف

стр. 11689

كماله، فإذا حمد اللَّه تعالى حامدٌ مستحضرًا معنى الحمد في قلبه امتلأ ميزانه من الحسنات، فإذا أضاف إلى ذلك "سبحان اللَّه" الذي معناه تبرئة اللَّه، وتنزيهه عن كلّ ما لا يليق به من النقائص ملأت حسناته، وثوابها زيادة على ذلك ما بين السموات والأرض؛ إذ الميزان مملوء بثواب التحميد، وذكر السموات والأرض على جهة الإغياء (١) على العادة العربية، والمراد أن الثواب على ذلك كثير جدًّا، بحيث لو كان أجساماً لملأ ما بين السموات والأرض انتهى (٢). [تنبيه]: ذكر الإمام ابن كثير -رحمه اللَّه تعالى- في "تفسيره" ٢/ ٢٠٣ اختلاف العلماء فيما هو الموزون، هل هي الأعمال، أم ثوابها؟ فقال: عند قوله : ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ﴾ الآية [الأعراف: ٨]-: والذي يوضع في الميزان يوم القيامة قيل: الأعمال، وإن كانت أعراضا، إلا أن اللَّه تعالى يقلبها يوم القيامة أجساما، قال البغوي: يُرْوَى نحوُ هذا عن ابن عباس، كما جاء في "الصحيح" من "أن البقرة، وآل عمران، يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو غيايتان، أو فرقان من طير صواف" .. ومن ذلك في "الصحيح" قصة القرآن، وإنه "يأتي على صاحبه في صورة شاب شاحب اللون، فيقول. من أنت؟ فيقول: أنا القرآن الذي أسهرت ليلك، وأظمأت نهارك". وفي حديث البراء في قصة سؤال القبر: "فيأتي المؤمن شاب حسن اللون طيب الريح، فيقول: من أنت؟ فيقول أنا عملك الصالح"، وذكر عكسه في شأن الكافر والمنافق. وقيل: يوزن كتاب الأعمال، كما جاء في حديث البطاقة في الرجل الذي يؤتى به، ويوضع له في كفة تسعة وتسعون سِجِلاًّ، كل سِجِلّ مد البصر، ثم يؤتى بتلك البطاقة فيها لا إله إلا اللَّه، فيقول: يا رب وما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول اللَّه تعالى: إنك لا تظلم، فتوضع تلك البطاقة في كفة الميزان, قال رسول اللَّه ﷺ : "فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة"، رواه الترمذي بنحو من هذا، وصححه. وقيل: يوزن صاحب العمل، كما في الحديث: "يؤتى يوم القيامة بالرجل السمين، فلا يزن عند اللَّه جناح بعوضة، ثم قرأ: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥]، وفي مناقب عبد اللَّه بن مسعود، أن النبيّ ﷺ قال: "أتعجبون من دقة ساقيه، والذي نفسي بيده لهما في الميزان أثقل من أحد". وقد يمكن الجمع بين هذه الآثار بأن يكون ذلك كله صحيحا، فتارة توزن الأعمال، وتارة توزن محالها، وتارة يوزن فاعلها. واللَّه أعلم. انتهى كلام ابن كثير -رحمه اللَّه تعالى-.

стр. 11690

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الجمع الذي ذكره الإمام ابن كثير -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في وجه الجمع حسنٌ جدّا؛ إذ به تجتمع النصوص المذكورة ونحوها، دون تعارض. واللَّه تعالى أعلم. (وَالصَّلَاةُ نُورٌ) قال أبو العباس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: معناه: أن الصلاة إذا فُعلت بشروطها المصحّحة، والمكمّلة نوّرت القلب؛ بحيث تشرق فيه أنوار المكاشفات والمعارف، حتى ينتهي أمر من يراعيها حقّ رعايتها أن يقول: "وجُعلت قرّة عيني في الصلاة" (١) وأيضًا فإنها تنوّر بين يدي مُراعيها يوم القيامة في تلك الظُّلَم. وأيضًا تنوّر وجه المصليّ يوم القيامة، فيكون ذا غرّة وتحجيل، كما ورد في حديث عبد اللَّه بن بُسْر ﵁، مرفوعًا: "أمتي يوم القيامة غُرٌّ من السجود، محجّلون من الوضوء" (٢) انتهى كلام القرطبيّ (٣) واللَّه تعالى أعلم. وقال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: معناه: أنها تمنع من المعاصي، وتنهى عن الفحشاء والمنكر، وتهدي إلى الصواب؛ كما أن النور يُستضاء به. وقيل: معناه أنه يكون أجرها نورًا لصاحبها يوم القيامة. وقيل: لأنها سبب لإشراق أنوار المعارف، وانشراح القلب، ومكاشفات الحقائق؛ لفراغ القلب فيها، وإقباله إلى اللَّه تعالى بظاهره وباطنه، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ الآية [البقرة: ٤٥]. وقيل: معناه أنها تكون نورًا ظاهرًا على وجهه يوم القيامة، ويكون في الدنيا أيضا على وجهه البهاء، بخلاف من لم يصلّ. واللَّه أعلم. انتهى (٤). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لا مانع من إرادة جميع هذه المعاني في هذا الحديث، فلا تدافع بين هذه الأقوال، لأن النصّ يحتمل جميعها. واللَّه تعالى أعلم. (وَالزَّكَاةُ بُرْهَانٌ) ولفظ مسلم: "والصدقة برهان". أي دليل على صدق صاحبها في دعوى الإيمان؛ إذ الإقدام على بذل المال خالصًا للَّه تعالى لا يكون إلا ممن هو صادق في إيمانه. وقال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: قال صاحب "التحرير": معناه يُفزَع إليها كما يُفزَع إلى البراهين، كأن العبد إذا سئل يوم القيامة عن مصرف ماله كانت صدقاته براهين في جواب هذا السؤال، فيقول: تصدّقت به. قال: ويجوز أن يوسم المتصدّق بسيماء

стр. 11691

يعرف بها، فيكون برهانًا له على حاله، ولا يسأل عن مصرف ماله. وقال غير صاحب "التحرير": معناه الصدقة حجة على إيمان فاعلها، فإن المنافق يمتنع منها؛ لكونه لا يعتقدها، فمن تصدّق استُدلّ بصدقته على صدق إيمانه. واللَّه أعلم انتهى كلام النوويّ (١). وقال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: برهان على صحة إيمان المتصدّق، أو على أنه ليس من المنافقين الذين يَلمزون المطّوعين من المؤمنين في الصدقات. أو على صحّة محبة المتصدّق للَّه تعالى، ولما لديه من الثواب؛ إذ قد آثر محبّة اللَّه تعالى، وابتغاء ثوابه على ما جُبل عليه من حبّ الذهب والفضّة؛ حتى أخرجه للَّه تعالى (٢). (وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ) قال أبو العباس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: كذا صحّت روايتنا فيه، وقد رواه بعض المشايخ: "والصوم ضياء" بالميم، ولم تقع لنا تلك الرواية، على أنه يصحّ أن يعبّر بالصبر عن الصوم، وقد قيل ذلك في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ الآية [البقرة: ٤٥] فإن تنزّلنا (٣) على ذلك؛ فيقال في كون الصبر ضياء؛ كما قيل في كون الصلاة نورًا، وحينئذ لا يكون بين النور والضياء فرقٌ معنويٌّ، بل لفظيٌّ. والأَوْلَى أن يقال: إن الصبر في هذا الحديث غير الصوم، بل هو الصبرُ على العبادات، والمشاقّ، والمصائب، والصبرُ عن المخالفات، والمنهيّات؛ كاتباع هوى النفس، والشهوات، وغير ذلك، فمن كان صابرًا في تلك الأحوال متثبّتًا فيها؛ مقابلًا لكلّ حال بما يليق به ضاءت له عواقب أحواله، ووضَحَت له مصالح أعماله، فظَفِرَ بمطلوبه، وحَصَل من الثواب على مرغوبه، كما قيل [من الطويل]: فَقَلَّ مَنْ جَدَّ فِي أَمْرٍ تَطَلَّبَهُ … وَاسْتعمَلَ الصَّبْرَ إِلاَّ فَازَ بِالظَّفَرِ انتهى كلام القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- (٤). وقال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: معناه: الصبر المحبوب في الشرع، وهو الصبر على طاعة اللَّه تعالى، والصبر عن معصيته، والصبر أيضًا على النائبات، وأنواع المكاره في الدنيا، والمراد أن الصبر محمود، ولا يزال صاحبه، مستضيئا، مهتديًا، مستمرًا على الصواب. قال إبراهيم الخوّاص: الصبر هو الثبات على الكتاب والسنّة. وقال ابن عطاء: الصبر الوقوف مع النبلاء بحسن الأدب. وقال الأستاذ أبو عليّ الدّقّاق: حقيقة

стр. 11692

الصبر أن لا يعترض على المقدور، فأما إظهار النبلاء، لا على وجه الشكوى، فلا ينافي الصبر، قال اللَّه تعالى في أيوب ﵇: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ الآية [ص: ٤٤]. مع أنه قال: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ الآية [الأنبياء: ٨٣]. واللَّه تعالى أعلم انتهى كلام النوويّ (١). (وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ، أَوْ عَلَيْكَ") قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: يعني أنك إذا امتثلت أوامره؛ واجتنبت نواهيه، كان حجة لك في المواقف التي تُسأل فيها عنه، كمسألة الملكين في القبر، والمسألة عند الميزان" وفي عقبات الصراط، وإن لم تمتثل ذلك احتُجّ به عليك. ويحتمل أن يُراد به أن القرآن هو الذي يُنتهى إليه عند التنازع في المباحث الشرعية، والوقائع الحكمية، فيه تَستَدلّ على صحّة دعواك، وبه يَستَدلّ عليك خصمك انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: المعنى الأول هو الذي يدلّ عليه السياق، فافهم، واللَّه تعالى أعلم. زاد مسلم في روايته: "كلّ الناس يَغدو، فبايعٌ نفسه، فمعتقها، أو موبقها". قال القرطبيّ في شرحه: "يغدو": بمعنى يُبكّر، يقال: الناس فريقان: غَدَا: إذا خرج صباحًا في مصالحه يغدو، وراح: إذا رجع بعشيّ، ومعنى ذلك أن كلّ إنسان يُصبح ساعيًا في أموره، متصرفًا في أغراضه، ثم إما أن تكون تصرّفاته بحسب دواعي الشرع والحقّ، فهو الذي يبيع نفسه من اللَّه، وهو بيع آثل إلى عتق وحرّيّة؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ الآية [التوبة: ١١١] ومنه قول ابن مسعود ﵁: "الناس غاديان، فبائع نفسه، فموبقها، أو مُفاديها، فمعتقها" (٢) انتهى كلام القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي مالك الأشعريّ ﵁ هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ١/ ٢٤٣٧ - وفي "الكبرى" ٢٢١٧. وأخرجه (م) في "الطهارة" ٢٢٣

стр. 11693

(ت) في "الدعوات" ٣٥١٧ (ق) في "الطهارة" ٢٨٠ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٢٣٩٥ و ٢٢٤٠١ (الدارميّ) في "الطهارة" ٦٥٣. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما بوّب له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان وجوب الزكاة، ووجه ذلك أنه لما كان أداء الزكاة برهانًا على صدق إيمان الشخص، وعدم نفاقه، دلّ على أن من لم يزكّ كاذب في دعواه الإيمان، فيدلّ على وجوب أداء الزكاة (ومنها): فضل إسباغ الوضوء، حيث جُعِل شطر الإيمان (ومنها): أن "الحمد، والتسبيح، والتكبير" توزن، كالأجسام، فتملأ الميزان, والسموات والأرض (ومنها): فضل الصلاة، حيث إنها تكون نورًا للمصلي (ومنها): فضل الصبر، وأنه ضياء يستضيء به العبد في ظلمة المصائب، والمشاقّ، وفيه المثوبة العظيمة، كما قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] (ومنها): أن القرآن إما أن يتنفع به صاحبه، فيكون حجة له، وذلك إذا قام به حقّ القيام، وإما أن لا ينتفع به، فيكون حجة عليه، وذلك إذا لم يقم بحقه، وهذا بمعنى الحديثِ الصحيح: "القرآنُ شافع مُشَفَّع، ومَاحِلٌ مُصَدّق، مَن جعله أمامه، قاده إلى الجنّة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار". أخرجه ابن حبّان في "صحيحه" والبيهقيّ من حديث جابر ﵁، والطبرانيّ، والبيهقيّ من حديث ابن مسعود ﵁. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. ٢٤٣٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ, عَنْ شُعَيْبٍ, عَنِ اللَّيْثِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا خَالِدٌ, عَنِ ابْنِ أَبِي هِلَالٍ, عَنْ نُعَيْمٍ الْمُجْمِرِ, أَبِي عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: أَخْبَرَنِي صُهَيْبٌ, أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, وَمِنْ أَبِي سَعِيدٍ, يَقُولَانِ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا, فَقَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ» , ثَلَاثَ مَرَّاتٍ, ثُمَّ أَكَبَّ, فَأَكَبَّ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا يَبْكِي, لَا نَدْرِي عَلَى مَاذَا حَلَفَ, ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ, فِي وَجْهِهِ الْبُشْرَى, فَكَانَتْ أَحَبَّ إِلَيْنَا, مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ, ثُمَّ قَالَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ, يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ, وَيَصُومُ رَمَضَانَ, وَيُخْرِجُ الزَّكَاةَ, وَيَجْتَنِبُ الْكَبَائِرَ السَّبْعَ, إِلاَّ فُتِّحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ, فَقِيلَ لَهُ: ادْخُلْ بِسَلَامٍ»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (محمد بن عبد اللَّه بن عبد الحكم) المصريّ الفقيه، ثقة [١١] ١٢٠/ ١٦٦. من أفراد المصنّف. ٢ - (شعيب) بن الليث المصريّ، أبو عبد الملك، ثقة نبيل فقيه، من كبار [١٠] ١٢٠/ ١٦٦.

стр. 11694

٣ - (الليث) بن سعد، أبو الحارث الفهمي، إمام أهل مصر الفقيه الثقة الثبت الحجة [٧] ٣١/ ٣٥. ٤ - (خالد) بن يزيد الجُمَحِيُّ السَّكْسَكِيُّ، أبو عبد الرحيم المصريّ ثقة فقيه [٦] ٤١/ ٦٨٦. ٥ - (ابن أبي هلال) هو سعيد بن أبي هلال الليثي مولاهم، أبو العلاء المصريّ، صدوق [٦] ٤١/ ٦٨٦. ٦ - (نعيم) بن عبد اللَّه المجمر -بضم الميم، وسكون الجيم، وكسر الميم الثانية- أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقة [٣] ٢١/ ٩٠٥. ٧ - (صهيب) مولى العُتواريين -بمهملة، ومثناة ساكنة- المدنيّ مقبول [٤]. روى عن أبي هريرة ﵁، وأبي سعيد ﵄ وعنه نُعيم بن عبد اللَّه المجمر. ذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: رَوَى عنه نُعيم المجمر، وقد ذكر الحاكم أنه لم يرو عنه غيره، وكذا أخرج ابن حبّان حديثه في "صحيحه" من طريق نُعيم عنه. انفرد به المصنّف بهذا الحديث فقط. ٨ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من ثمانيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، وصهيب كما سبق آنفًا. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين إلى ابن أبي هلال، ومن بعده مدنيون. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا. (ومنها): أن فيه أبا سعيد الخدري ﵁ من المكثرين السبعة، (١١٧٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث عن نُعيم المجمر أنه (قال: أَخْبَرَني صُهَيْبٌ) الْعُتْوَاريّ (أنَّهُ سَمِعَ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَمِنْ أَبِي سَعِيدٍ) ﵄ (يَقُولَانِ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا، فَقَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ"، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) أي كرّر هذا الحلف ثلاث مرّات، تأكيدًا، وإيذانًا يكون المحلوف عليه أمرًا عظيمًا (ثُمَّ أَكَبَّ) أي طأطأ رأسه (فَأَكَبَّ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا يَبْكِي، لَا نَدْرِي عَلَى مَاذَا حَلَفَ) جملة تعليلية، أي وإنما بكينا لأنا لا ندري تعيين الشيء الذي حلف عليه، وإن كان يُعلم جملةً أنه من الأمور الشديدة، حيث اكده بحلفه (ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ، في وَجْهِهِ الْبُشْرَى) متعلّق بحال مقدّر، أي حال كونه ظاهرًا في وجهه البشارة (فَكَانَتْ أَحَبَّ إِلَيْنَا) أي كانت البشرى التي شاهدناها في وجهه ﷺ -أحبّ إلينا (مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ) لأنها ما ظهرت على وجهه إلا بسبب خير عظيم، من خيرات

стр. 11695

الدنيا والآخرة. و"الحمر" بضم الحاء المهملة، وسكون الميم، جمع "أحمر"، و"حُمْرُ النعم" هي الإبل الحُمْر، وهي أنفس أموال العرب، وكانوا يشبهون بها أشرف الأشياء عندهم (ثُمَّ قَالَ) ﷺ ("مَا مِنْ عَبْدٍ، يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، وَيَصُومُ رَمَضَانَ، وَيُخْرِجُ الزَّكَاةَ) هذا محلّ الترجمة، ووجه الاستدلال به على وجوب الزكاة، أن من أخلّ بشيء من هذه الأمور ليس له هذه البشرى، ولا يدخل الجنّة بسلام، بل يعذّب، وإن دخل الجنّة بعد ذلك لإيمانه، وهذا التعذيب لا يكون إلا بترك واجب، فدلّ على أن هذه الأشياء كلها من الواجبات، والزكاةُ فرد من أفرادها. واللَّه تعالى أعلم. (وَيَجْتَنِبُ الْكَبَائِرَ السَّبْعَ" ولفظ "الكبرى" "الموبقات السبع": أي المهلكات السبع، وهي التي ورد تفسيرها في حديث أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ ، قال: "اجتنبوا السبع الموبقات"، قالوا: يا رسول اللَّه، وما هُنَّ؟، قال: "الشرك باللَّه، والسحر، وقتل النفس التي حرم اللَّه، إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات، المؤمنات، الغافلات". متفق عليه (إِلاَّ فُتِّحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، فَقِيلَ لَهُ: ادْخُلْ بِسَلَامٍ") وفيه أن مرتكب الصغائر إذا أتى بالفرائض لا يُعذّب، إذ لا يُناسب أن يقال: يمكن أن يكون هذا بعد خروجه من العذاب، إذ يأبى عنه قوله: "ادخل بسلام"، وهذا هو الذي دلّ عليه قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث ضعيف؛ لأن في سنده صهيبًا مولى العُتْواريين، وهو مجهول الحال، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا- ١/ ٢٤٣٨ - وفي "الكبرى" ١/ ٢٢١٨. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٤٣٩ - (أَخْبَرَنِي (١) عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي, عَنْ شُعَيْبٍ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, قَالَ: أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ, قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَقُولُ: «مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ, مِنْ شَيْءٍ مِنَ الأَشْيَاءِ, فِي سَبِيلِ اللَّهِ, دُعِيَ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ, يَا عَبْدَ اللَّهِ, هَذَا خَيْرٌ لَكَ, وَلِلْجَنَّةِ أَبْوَابٌ, فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ, دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ, وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ, دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ, وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ, دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ, وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ, دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ» , قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَلْ عَلَى مَنْ (٢) يُدْعَى مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ؟ , فَهَلْ يُدْعَى مِنْهَا كُلِّهَا أَحَدٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ , قَالَ: «نَعَمْ, وَإِنِّي أَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ» -يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ-).
следующие страницы →