← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 11691–11730 · переход к 11696.

стр. 11691

يعرف بها، فيكون برهانًا له على حاله، ولا يسأل عن مصرف ماله. وقال غير صاحب "التحرير": معناه الصدقة حجة على إيمان فاعلها، فإن المنافق يمتنع منها؛ لكونه لا يعتقدها، فمن تصدّق استُدلّ بصدقته على صدق إيمانه. واللَّه أعلم انتهى كلام النوويّ (١). وقال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: برهان على صحة إيمان المتصدّق، أو على أنه ليس من المنافقين الذين يَلمزون المطّوعين من المؤمنين في الصدقات. أو على صحّة محبة المتصدّق للَّه تعالى، ولما لديه من الثواب؛ إذ قد آثر محبّة اللَّه تعالى، وابتغاء ثوابه على ما جُبل عليه من حبّ الذهب والفضّة؛ حتى أخرجه للَّه تعالى (٢). (وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ) قال أبو العباس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: كذا صحّت روايتنا فيه، وقد رواه بعض المشايخ: "والصوم ضياء" بالميم، ولم تقع لنا تلك الرواية، على أنه يصحّ أن يعبّر بالصبر عن الصوم، وقد قيل ذلك في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ الآية [البقرة: ٤٥] فإن تنزّلنا (٣) على ذلك؛ فيقال في كون الصبر ضياء؛ كما قيل في كون الصلاة نورًا، وحينئذ لا يكون بين النور والضياء فرقٌ معنويٌّ، بل لفظيٌّ. والأَوْلَى أن يقال: إن الصبر في هذا الحديث غير الصوم، بل هو الصبرُ على العبادات، والمشاقّ، والمصائب، والصبرُ عن المخالفات، والمنهيّات؛ كاتباع هوى النفس، والشهوات، وغير ذلك، فمن كان صابرًا في تلك الأحوال متثبّتًا فيها؛ مقابلًا لكلّ حال بما يليق به ضاءت له عواقب أحواله، ووضَحَت له مصالح أعماله، فظَفِرَ بمطلوبه، وحَصَل من الثواب على مرغوبه، كما قيل [من الطويل]: فَقَلَّ مَنْ جَدَّ فِي أَمْرٍ تَطَلَّبَهُ … وَاسْتعمَلَ الصَّبْرَ إِلاَّ فَازَ بِالظَّفَرِ انتهى كلام القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- (٤). وقال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: معناه: الصبر المحبوب في الشرع، وهو الصبر على طاعة اللَّه تعالى، والصبر عن معصيته، والصبر أيضًا على النائبات، وأنواع المكاره في الدنيا، والمراد أن الصبر محمود، ولا يزال صاحبه، مستضيئا، مهتديًا، مستمرًا على الصواب. قال إبراهيم الخوّاص: الصبر هو الثبات على الكتاب والسنّة. وقال ابن عطاء: الصبر الوقوف مع النبلاء بحسن الأدب. وقال الأستاذ أبو عليّ الدّقّاق: حقيقة

стр. 11692

الصبر أن لا يعترض على المقدور، فأما إظهار النبلاء، لا على وجه الشكوى، فلا ينافي الصبر، قال اللَّه تعالى في أيوب ﵇: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ الآية [ص: ٤٤]. مع أنه قال: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ الآية [الأنبياء: ٨٣]. واللَّه تعالى أعلم انتهى كلام النوويّ (١). (وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ، أَوْ عَلَيْكَ") قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: يعني أنك إذا امتثلت أوامره؛ واجتنبت نواهيه، كان حجة لك في المواقف التي تُسأل فيها عنه، كمسألة الملكين في القبر، والمسألة عند الميزان" وفي عقبات الصراط، وإن لم تمتثل ذلك احتُجّ به عليك. ويحتمل أن يُراد به أن القرآن هو الذي يُنتهى إليه عند التنازع في المباحث الشرعية، والوقائع الحكمية، فيه تَستَدلّ على صحّة دعواك، وبه يَستَدلّ عليك خصمك انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: المعنى الأول هو الذي يدلّ عليه السياق، فافهم، واللَّه تعالى أعلم. زاد مسلم في روايته: "كلّ الناس يَغدو، فبايعٌ نفسه، فمعتقها، أو موبقها". قال القرطبيّ في شرحه: "يغدو": بمعنى يُبكّر، يقال: الناس فريقان: غَدَا: إذا خرج صباحًا في مصالحه يغدو، وراح: إذا رجع بعشيّ، ومعنى ذلك أن كلّ إنسان يُصبح ساعيًا في أموره، متصرفًا في أغراضه، ثم إما أن تكون تصرّفاته بحسب دواعي الشرع والحقّ، فهو الذي يبيع نفسه من اللَّه، وهو بيع آثل إلى عتق وحرّيّة؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ الآية [التوبة: ١١١] ومنه قول ابن مسعود ﵁: "الناس غاديان، فبائع نفسه، فموبقها، أو مُفاديها، فمعتقها" (٢) انتهى كلام القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي مالك الأشعريّ ﵁ هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ١/ ٢٤٣٧ - وفي "الكبرى" ٢٢١٧. وأخرجه (م) في "الطهارة" ٢٢٣

стр. 11693

(ت) في "الدعوات" ٣٥١٧ (ق) في "الطهارة" ٢٨٠ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٢٣٩٥ و ٢٢٤٠١ (الدارميّ) في "الطهارة" ٦٥٣. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما بوّب له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان وجوب الزكاة، ووجه ذلك أنه لما كان أداء الزكاة برهانًا على صدق إيمان الشخص، وعدم نفاقه، دلّ على أن من لم يزكّ كاذب في دعواه الإيمان، فيدلّ على وجوب أداء الزكاة (ومنها): فضل إسباغ الوضوء، حيث جُعِل شطر الإيمان (ومنها): أن "الحمد، والتسبيح، والتكبير" توزن، كالأجسام، فتملأ الميزان, والسموات والأرض (ومنها): فضل الصلاة، حيث إنها تكون نورًا للمصلي (ومنها): فضل الصبر، وأنه ضياء يستضيء به العبد في ظلمة المصائب، والمشاقّ، وفيه المثوبة العظيمة، كما قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] (ومنها): أن القرآن إما أن يتنفع به صاحبه، فيكون حجة له، وذلك إذا قام به حقّ القيام، وإما أن لا ينتفع به، فيكون حجة عليه، وذلك إذا لم يقم بحقه، وهذا بمعنى الحديثِ الصحيح: "القرآنُ شافع مُشَفَّع، ومَاحِلٌ مُصَدّق، مَن جعله أمامه، قاده إلى الجنّة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار". أخرجه ابن حبّان في "صحيحه" والبيهقيّ من حديث جابر ﵁، والطبرانيّ، والبيهقيّ من حديث ابن مسعود ﵁. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. ٢٤٣٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ, عَنْ شُعَيْبٍ, عَنِ اللَّيْثِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا خَالِدٌ, عَنِ ابْنِ أَبِي هِلَالٍ, عَنْ نُعَيْمٍ الْمُجْمِرِ, أَبِي عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: أَخْبَرَنِي صُهَيْبٌ, أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, وَمِنْ أَبِي سَعِيدٍ, يَقُولَانِ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا, فَقَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ» , ثَلَاثَ مَرَّاتٍ, ثُمَّ أَكَبَّ, فَأَكَبَّ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا يَبْكِي, لَا نَدْرِي عَلَى مَاذَا حَلَفَ, ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ, فِي وَجْهِهِ الْبُشْرَى, فَكَانَتْ أَحَبَّ إِلَيْنَا, مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ, ثُمَّ قَالَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ, يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ, وَيَصُومُ رَمَضَانَ, وَيُخْرِجُ الزَّكَاةَ, وَيَجْتَنِبُ الْكَبَائِرَ السَّبْعَ, إِلاَّ فُتِّحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ, فَقِيلَ لَهُ: ادْخُلْ بِسَلَامٍ»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (محمد بن عبد اللَّه بن عبد الحكم) المصريّ الفقيه، ثقة [١١] ١٢٠/ ١٦٦. من أفراد المصنّف. ٢ - (شعيب) بن الليث المصريّ، أبو عبد الملك، ثقة نبيل فقيه، من كبار [١٠] ١٢٠/ ١٦٦.

стр. 11694

٣ - (الليث) بن سعد، أبو الحارث الفهمي، إمام أهل مصر الفقيه الثقة الثبت الحجة [٧] ٣١/ ٣٥. ٤ - (خالد) بن يزيد الجُمَحِيُّ السَّكْسَكِيُّ، أبو عبد الرحيم المصريّ ثقة فقيه [٦] ٤١/ ٦٨٦. ٥ - (ابن أبي هلال) هو سعيد بن أبي هلال الليثي مولاهم، أبو العلاء المصريّ، صدوق [٦] ٤١/ ٦٨٦. ٦ - (نعيم) بن عبد اللَّه المجمر -بضم الميم، وسكون الجيم، وكسر الميم الثانية- أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقة [٣] ٢١/ ٩٠٥. ٧ - (صهيب) مولى العُتواريين -بمهملة، ومثناة ساكنة- المدنيّ مقبول [٤]. روى عن أبي هريرة ﵁، وأبي سعيد ﵄ وعنه نُعيم بن عبد اللَّه المجمر. ذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: رَوَى عنه نُعيم المجمر، وقد ذكر الحاكم أنه لم يرو عنه غيره، وكذا أخرج ابن حبّان حديثه في "صحيحه" من طريق نُعيم عنه. انفرد به المصنّف بهذا الحديث فقط. ٨ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من ثمانيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، وصهيب كما سبق آنفًا. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين إلى ابن أبي هلال، ومن بعده مدنيون. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا. (ومنها): أن فيه أبا سعيد الخدري ﵁ من المكثرين السبعة، (١١٧٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث عن نُعيم المجمر أنه (قال: أَخْبَرَني صُهَيْبٌ) الْعُتْوَاريّ (أنَّهُ سَمِعَ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَمِنْ أَبِي سَعِيدٍ) ﵄ (يَقُولَانِ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا، فَقَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ"، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) أي كرّر هذا الحلف ثلاث مرّات، تأكيدًا، وإيذانًا يكون المحلوف عليه أمرًا عظيمًا (ثُمَّ أَكَبَّ) أي طأطأ رأسه (فَأَكَبَّ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا يَبْكِي، لَا نَدْرِي عَلَى مَاذَا حَلَفَ) جملة تعليلية، أي وإنما بكينا لأنا لا ندري تعيين الشيء الذي حلف عليه، وإن كان يُعلم جملةً أنه من الأمور الشديدة، حيث اكده بحلفه (ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ، في وَجْهِهِ الْبُشْرَى) متعلّق بحال مقدّر، أي حال كونه ظاهرًا في وجهه البشارة (فَكَانَتْ أَحَبَّ إِلَيْنَا) أي كانت البشرى التي شاهدناها في وجهه ﷺ -أحبّ إلينا (مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ) لأنها ما ظهرت على وجهه إلا بسبب خير عظيم، من خيرات

стр. 11695

الدنيا والآخرة. و"الحمر" بضم الحاء المهملة، وسكون الميم، جمع "أحمر"، و"حُمْرُ النعم" هي الإبل الحُمْر، وهي أنفس أموال العرب، وكانوا يشبهون بها أشرف الأشياء عندهم (ثُمَّ قَالَ) ﷺ ("مَا مِنْ عَبْدٍ، يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، وَيَصُومُ رَمَضَانَ، وَيُخْرِجُ الزَّكَاةَ) هذا محلّ الترجمة، ووجه الاستدلال به على وجوب الزكاة، أن من أخلّ بشيء من هذه الأمور ليس له هذه البشرى، ولا يدخل الجنّة بسلام، بل يعذّب، وإن دخل الجنّة بعد ذلك لإيمانه، وهذا التعذيب لا يكون إلا بترك واجب، فدلّ على أن هذه الأشياء كلها من الواجبات، والزكاةُ فرد من أفرادها. واللَّه تعالى أعلم. (وَيَجْتَنِبُ الْكَبَائِرَ السَّبْعَ" ولفظ "الكبرى" "الموبقات السبع": أي المهلكات السبع، وهي التي ورد تفسيرها في حديث أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ ، قال: "اجتنبوا السبع الموبقات"، قالوا: يا رسول اللَّه، وما هُنَّ؟، قال: "الشرك باللَّه، والسحر، وقتل النفس التي حرم اللَّه، إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات، المؤمنات، الغافلات". متفق عليه (إِلاَّ فُتِّحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، فَقِيلَ لَهُ: ادْخُلْ بِسَلَامٍ") وفيه أن مرتكب الصغائر إذا أتى بالفرائض لا يُعذّب، إذ لا يُناسب أن يقال: يمكن أن يكون هذا بعد خروجه من العذاب، إذ يأبى عنه قوله: "ادخل بسلام"، وهذا هو الذي دلّ عليه قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث ضعيف؛ لأن في سنده صهيبًا مولى العُتْواريين، وهو مجهول الحال، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا- ١/ ٢٤٣٨ - وفي "الكبرى" ١/ ٢٢١٨. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٤٣٩ - (أَخْبَرَنِي (١) عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي, عَنْ شُعَيْبٍ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, قَالَ: أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ, قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَقُولُ: «مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ, مِنْ شَيْءٍ مِنَ الأَشْيَاءِ, فِي سَبِيلِ اللَّهِ, دُعِيَ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ, يَا عَبْدَ اللَّهِ, هَذَا خَيْرٌ لَكَ, وَلِلْجَنَّةِ أَبْوَابٌ, فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ, دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ, وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ, دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ, وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ, دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ, وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ, دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ» , قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَلْ عَلَى مَنْ (٢) يُدْعَى مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ؟ , فَهَلْ يُدْعَى مِنْهَا كُلِّهَا أَحَدٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ , قَالَ: «نَعَمْ, وَإِنِّي أَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ» -يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ-).

стр. 11696

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدّم للمصنف ﵀ في ٤٣/ ٢٢٣٨ واستوفيت شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. و"عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرٍ": هو أبو حفص الحمصيّ، صدوق [١٠]. و"أبوه": هو عثمان بن سعيد بن كثير" أبو عمرو الحمصيّ، ثقة عابد [٩]. و"شعيب": هو ابن حمزة الحمصيّ الثقة الثبت [٧]. وقوله: "من أنفق زوجين" الزوج: الصنف والنوع من كلّ شيء، يعني أنفق صنفين من ماله. وقوله: "من شيء من الأشياء" أي من صنف من أصناف المال: فرسين، أو بعيرين، أو شاتين، أو نحوها. وقيل: يحتمل أن يكون الحديث في جميع أعمال البرّ، من صلاتين، أو صيام يومين، والمطلوب تشفيع صدقته بأخرى. والأول أظهر. وقوله: "في سبيل اللَّه" قيل: هو على العموم في جميع وجوه الخير. وقيل: مخصوص في الجهاد. قال القاضي عياض -رحمه اللَّه تعالى-: والأول أصحّ، وأظهر. وقوله: "يا عبد اللَّه هذا خير" قيل: معناه: لك هنا خير ثواب، وغبطة. وقيل: هذا الباب فيما نعتقده خير لك من غيره من الأبواب؛ لكثرة ثوابه، ونعيمه، فأدخل منه. وقوله: "فمن كان من أهل الصلاة الخ" أي من كان الغالب عليه في عمله وطاعته الصلاة، والمراد في الكلّ النوافل، لا الفرائض، إذ يشترك فيها كثير من المكلّفين، فلا خصوصية فيها لبعضهم. وقوله: "هل على من يُدعَى من تلك الأبواب من ضروة" "هل" هنا للنفي، بدليل الرواية السابقة: "ما على أحد يدعى من تلك الأبواب من ضرورة". وورود "هل" للنفي ثابت في اللغة، كما في قوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]، وأما "هل" في قوله: "فهل يُدعى أحد الخ" فللاستفهام الحقيقيّ. واللَّه تعالى أعلم. وفي استدلال المصنّف بهذا الحديث على وجوب الزكاة خفاء. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير، محمد ابن الشيخ عليّ بن آدم بن موسى الإِتْيُوبيّ الولّويّ، نزيل مكة المكرّمة، - عفا اللَّه تعالى عنه - وعن والديه ومشايخه آمين:

стр. 11697

قد انتهيت من كتابة الحادي والعشرون من شرح سنن الإمام الحافظ الحجة أبي عبد الرحمن النسائيّ -رحمه اللَّه تعالى-، المسمّى "ذخيرةَ العُقْبَى في شرح المجتبى"، أو "غاية المنى في شرح المجتبى". وذلك بحيّ الزهراء، مخطط الأمير طلال، في مكة المكرمة زادها اللَّه تعالى تشريفًا وتعظيمًا، وجعلني من خيار أهلها حيًّا وميتًا، وأعْظِمْ به تكريمًا. وأخر دعوانا ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾. ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ "اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد". "السلام عليك أيها النبيّ ﷺ ، ورحمة اللَّه، وبركاته". ويليه -إن شاء اللَّه تعالى- الجزء الثاني والعشرون مفتتحًا بالباب ٢ "باب التغليظ في حبس الزكاة" الحديث رقم ٢٤٤٠. "سبحانك اللهمّ، وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك".

стр. 11698

شرح سُنن النّسَائي المُسَمَّى ذَخِيْرَة العُقَبى في شَرْحِ المجْتَبَى لجَامِعه الفَقير إلى مَوْلَاه الغَنيّ القَديْر محمد ابن الشيخ العلامة على بن آدم بن موسى الأيتُوبي الوَلَّوِي المُدرّس بدَار الحَديثْ الخيريَّة بمكّة المكرَّمة عَفَا اللَّه عَنْه وَعَنْ والدَيه آمِينْ الجزْء الحَادي والعشرون

стр. 11699

شرح سنن النسائيّ

стр. 11700

جَمِيع الحقُوق مَحفُوظة الطبعة الأولى ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م دَار آل بُروم للِنشر وَالتّوزيع المملكة العَربيّهَ السّعوديّة - مكّة المكرّمة - المكتب الرئيسي التنعيم صَ بْ: ٤١٤٥ - (تلفاكس ٥٢١١٥٧٦ - جوّال ٠٥٥٥٤١٠٢٦)

стр. 11701

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 11702

٢ - (بَابُ التَّغْلِيظِ فِي حَبْسِ الزَّكَاةِ) أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالّة على تشديد العقوبة على من حبس الزكاة، ومنعها من مستحقّها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٤٤٠ - (أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ, فِي حَدِيثِهِ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ, عَنْ أَبِي ذَرٍّ, قَالَ: جِئْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ , وَهُوَ جَالِسٌ, فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ, فَلَمَّا رَآنِي مُقْبِلاً, قَالَ: «هُمُ الأَخْسَرُونَ, وَرَبِّ الْكَعْبَةِ» , فَقُلْتُ: مَا لِي, لَعَلِّي أُنْزِلَ فِىَّ شَيْءٌ, قُلْتُ: مَنْ هُمْ؟ , فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي, قَالَ: «الأَكْثَرُونَ أَمْوَالاً, إِلاَّ مَنْ قَالَ هَكَذَا, وَهَكَذَا, وَهَكَذَا, حَتَّى بَيْنَ يَدَيْهِ, وَعَنْ يَمِينِهِ, وَعَنْ شِمَالِهِ» , ثُمَّ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ, لَا يَمُوتُ رَجُلٌ, فَيَدَعُ إِبِلاً, أَوْ بَقَرًا, لَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهَا, إِلاَّ جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ, أَعْظَمَ مَا كَانَتْ, وَأَسْمَنَهُ, تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا, وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا, كُلَّمَا نَفِدَتْ أُخْرَاهَا, أُعِيدَتْ أُولَاهَا, حَتَّى يُقْضَي بَيْنَ النَّاسِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (هناد بن السريّ) أبو السري الكوفي، ثقة [١٠] تقدم ٢٣/ ٢٥. ٢ - (أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقة من أثبت الناس في الأعمش [٩] تقدم ٢٦/ ٣٠. ٣ - (الأعمش) سليمان بن مهران، أبو محمد الكوفي الثقة الحجة الثبت، لكنه يدلس [٥] تقدم ١٧/ ١٨. ٤ - (مَغْرُور بن سُويد) الأسديّ، أبي أُميّة الكوفيّ، ثقة [٢]. قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة. وكذا قال أبو حاتم. وقال العجليّ: تابعيّ ثقة، من أصحاب عبد اللَّه. وقال الأعمش: رأيته وهو ابن عشرين ومائة سنة. وقال ابن مهديّ، عن شعبة، عن واصل: كان المعرور يقول لنا: تعلّموا مني يا بَنِي أخي، وكان كثير الحديث. وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل الكوفة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له الجماعة. وليس له عند المصنّف في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، وأعاده في-١١/ ٢٤٥٦. [تنبيه]: ليس في الكتب الستة من اسمه معرور إلا معرور بن سويد هذا. واللَّه تعالى أعلم. ٥ - (أبو ذرّ) جندب بن جنادة الصحابيّ المشهور ﵁ تقدم ٢٠٣/ ٣٢٢. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 11703

لطائف هذا الإسناد: منها:- أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) جُندب بن جُنادة ﵁ (قَالَ: جِئْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ جَالِسٌ، فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، فَلَمَّا رَآنِي، مُقْبِلاً، قَالَ: "هُمُ الْأَخْسَرُونَ) يأتي تفسيره بقوله: "الأكثرون أموالاً" (وَرَبِّ الْكَعْبَةِ") فيه جواز القسم بهذه الصيغة (فَقُلْتُ: مَا لِي) أي أيُ شيء ثبت لي حتى حلف رسول اللَّه ﷺ في وجهي هذا الحلف (لَعَلِّي أُنْزِلَ فِيَّ شَيْءٌ) مما يُستَحَقُّ به الوعيدُ (قُلْتُ: مَنْ هُمْ؟، فِدَاكَ أَبِي وَأمِّي) ولفظ مسلم: "قال: فجئت حتى جلست، فدم أتقارّ أن قمتُ، فقلت: يا رسول اللَّه، فداك أبي وأمي من هم؟ (قَالَ: "الأَكْثَرُونَ أَمْوَالًا) أي هم الذين كانوا أكثر الناس أموالاً (إِلاَّ مَنْ قَالَ: هَكَذَا، وَهَكَذَا، وَهَكَذَا) قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: استثناءٌ من هذا الحكم، وفيه رجوع الضمير إلى الحاضر في الذهن، ثم تفسيره للمخاطب إذا سأل عنه، ومعنى: "إلا من قال هكذا": أي إلا من تصدق من الأكثرين في جميع الجوانب، وهو كناية عن كثرة التصدّق، فذاك ليس من الأخسرين. وقوله: "قال" إما بمعنى "تصدّق"، وقوله: "هكذا" إشارة إلى حَثْيِهِ في الجوانب الثلاث، أي تصدّق في جميع جهات الخير، تصدّقًا كالحثي في الجهات الثلاث. أو بمعنى "فَعَل" أي إلا من فعل بماله فعلاً مثل الحثْيِ في الجهات الثلاث، وهو كناية عن التصدّق العامّ في جهات الخير، وحَثْيُهُ ﷺ بيان للمشار إليه بـ"هكذا"، والعرب تجعل القول عبارة عن جميع الأفعال انتهى كلام السنديّ. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله السنديّ -رحمه اللَّه تعالى- حسنٌ، إلا قوله: "أو بمعنى فعل الخ، فإنه لا فرق بينه وبين المعنى الأول، فما الذي دعاه إلى أن يذكره احتمالاً ثانيًا؟. فليُتَأَمّل. وقوله (حَتَّى) هكذا نسخ "المجتبى" التي بين يديّ "حتى" بالتاء المثناة، وهو مصحف من "حتى" بالثاء المثلثة، بدون شكّ، ووقع في "الكبرى" على الصواب، ولفظه: "فَحَثَى بين يديه الخ". و"الْحَثْيُ": قبض الشيء، ثم رميه، قال الفيّوميّ -رحمه اللَّه تعالى-: حَثَا الرجلُ الترابَ يَحثُوه حَثوًا -ويَحثِيه حَثْيًا، من باب رمى لغةٌ-: إذا هاله بيده، وبعضهم يقول قبضه بيده،

стр. 11704

ثم رماه، ومنه "فاحثوا التراب في وجهه"، ولا يكون إلا بالقبض، والرمي. انتهى (١). (بَيْنَ يَدَيْهِ) زاد في رواية مسلم: "ومن خلفه" (وَعَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ شِمَالِهِ) هذا تفسير لاسم الإشارة في قوله: "هكذا الخ. وإشارته ﷺ إلى قُدّام، ووراء، والجانبين، فمعناه أنه ينفق في وجوه الخير، ولا يقتصر على نوع واحد من وجوه البرّ، بل ينبغي أن ينفق متى حضر أمرٌ مهمّ. أفاده النوويّ (٢). (ثُمَّ قَالَ: "وَالذي نَفْسِي بيَدِهِ، لَا يَمُوتُ رَجُلٌ، فَيَدَعُ اِبلًا، أَوْ بَقَرًا، لَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهَا، إِلاَّ جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَعْظَمَ مًا كَانَتْ، وَأَسْمَنَهُ، تَطَؤُهُ بِأخْفَافِهَا) راجع للإبل؛ لأن الخفّ مخصوص بها، كما أن الظِّلْفَ وهو الْمُنشَقُّ من القوائم- مختصّ بالبقرِ، والغنم، والظباءِ، والحافرَ مختصّ بالفرس، والبغل، والحمارِ، والقدمَ للآدميّ. ذكره الحافظ الَسيوطيّ في "حاشية الترمذيّ" (٣) (وَتنْطَحُهُ بقرُونِهَا) راجع للبقر، والمشهور في الرواية كسر الطاء، ويجوز الفتح (كُلَّمَا نَفِدَتْ أُخْرَاهًا) بكسر الفاء، وإهمال الدال، أو بفتحها، وإعجام الذال. قال النووى: ضبطناه بالدال المهملة أي مع كسر الفاء- وبالمعجمة، وفتح الفاء، وكلاهما صحيح (أُعِيدَتْ أُولَاهَا، حَتَّى يُقْضَى) بالبناء للمفعول (بَيْنَ النَّاسِ") أي يمتدّ عليه هذا التعذيب إلى أن يفرغ اللَّه تعالى من الحكم بين الناس في عرصات القيامة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي ذرّ ﵁ هذا متفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٢/ ٢٤٤٠ - وفي "الكبرى" ٢/ ٢٢٢٠. وأخرجه (خ) في "الزكاة" ١٤٦٠ (م) في "الزكاة" ٩٩٠ (ت) في "الزكاة" ٦١٧ (ق) في "الزكاة" ١٧٨٥ (أحمد) في "مسند الأنصار" ٢٠٨٤٤ و ٢٠٨٩٠ و٢٠٩٨٠. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان تغليظ العقوبة في منع الزكاة (ومنها): أن من كان أكثر الناس مالاً، ثم لم يَقُم بحقّه من أداء الزكاة، وغيره، يعاقب بالعقاب المذكور، وهو أن يكون جنسُ ذلك المال عذابا يعذّب به (ومنها):

стр. 11705

الحثّ على الصدقة في وجوه الخير، وأنه لا يقتصر على نوع من وجوه البرّ، بل ينفق في كلّ وجه من وجوه الخير (ومنها): جواز الحلف بغير تحليف، قال النوويّ: بل هو مستحبّ إذا كانت فيه مصلحة، كتوكيد أمر، وتحقيقه، ونفي المجاز عنه، وقد كثرت الأحاديث الصحيحة في حلف رسول اللَّه ﷺ في هذا النوع لهذا المعنى انتهى (١). (ومنها): أن بعض العصاة يُعذّب عذابًا خاصًا في عرصات القيامة قبل فصل القضاء (ومنها): أن البعث في القيامة لا يخصّ العقلاء، بل يعم سائر الحيوانات. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٤٤١ - (أَخْبَرَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ, عَنْ جَامِعِ بْنِ أَبِي رَاشِدٍ, عَنْ أَبِي وَائِلٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْ رَجُلٍ, لَهُ مَالٌ, لَا يُؤَدِّي حَقَّ مَالِهِ, إِلاَّ جُعِلَ لَهُ طَوْقًا, فِي عُنُقِهِ, شُجَاعٌ أَقْرَعُ, وَهُوَ يَفِرُّ مِنْهُ, وَهُوَ يَتْبَعُهُ» , ثُمَّ قَرَأَ مِصْدَاقَهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ : ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١٨٠]). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مجاهد بن موسى) الْخُتّليّ، نزيل بغداد، ثقة [١٠] ٨٥/ ١٠٢. ٢ - (ابن عيينة) سفيان الإمام الحجة الثبت [٨]. ٣ - (جامع بن أبي راشد) الكاهليّ الصيرفيّ الكوفيّ، ثقة فاضل [٥]. قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: شيخ ثقة. وقال النسائيّ: ثقة. وقال العجليّ: ثقة ثبتٌ صالح، وأخوه ربيع، يقال: إنه لم يكن بالكوفة في زمانه أفضل منه، وهما في عِدَاد الشيوخ، ليس حديثهم بكثير. وقال يعقوب بن سفيان: كوفيّ ثقة ثقة. وقال البخاريّ في "التاريخ": قال عليّ، عن سفيان: جامع أحبّ إليّ من عبد الملك بن أعين. وقال ابن حبّان في "الثقات": جامع بن أبي راشد، وربما رَوَى عنه شريكٌ، فقال: جامع بن راشد، والصحيح ما قاله سفيان، وغيره -يعني ابن أبي راشد-. روى له الجماعة، وله عند المصنف في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا ٢٤٤١ و ٣٧٩٨ حديث: "هذا البيع يحضره الحلف والكذب .. " الحديث. ٤ - (أبو وائل) شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي، مخضرم ثقة [٢] ٢/ ٢. ٥ - (عبد اللَّه) بن مسعود ﵁ ٣٥/ ٣٩. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال

стр. 11706

الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين غير شيخه كما سبق آنفًا. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي مخضرم. (ومنها): أن فيه "عبد اللَّه" مهملًا وقد سبق أنه إذا وقع "عبد اللَّه" مهملاً في الصحابة يُنظَرُ فيمن روى عنه فإن كان كوفيًا كما هنا فهو ابن مسعود، وإن كان مدنيًا فهو ابن عمر، وإن كان مكيًّا فهو ابن الزبير، وإن كان بصريًا فهو ابن عباس، وإن كان مصريًا أو شاميًا فهو ابن عمرو بن العاص - رضي اللَّه تعالى عنهم - أجمعين، وإلى هذا أشار السيوطي في "نظم الدرر" حيث قال: وَحَيثُمَا أُطْلِقَ "عَبدُ اللَّهِ" فِي … طَيْبَةَ فَابْنُ عُمَرٍ وَإِنْ يَفِي بِمَكَّةٍ فَابْنُ الزُّبَيْرِ أَوْجَرَى … بِكُوفَةٍ فَهْوَ ابْنُ مَسْعُودِ يُرَى وَالْبَصْرَةِ الْبَحْرُ وَعِنْدَ مِصْرِ … وَالشَّامِ مهْمأ أُطْلِقَ ابْنُ عَمْرِو واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) بن مسعود ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "مَا مِنْ رَجُلٍ، لَهُ مَالٌ، لَا يُؤَدِّي حَقَّ مَالِهِ) أي لا يؤدي زكاته، أو أعمّ من ذلك (إِلَّا جُعِلَ لَهُ) أي ذلك المال حقيقة، والظاهر جميع المال، لا قدر الزكاة فقط، فضمير "جُعِلَ" يعود إلى المال، وهو المفعول الأول، والمفعول الثاني قوله (طَوْقًا فِي عُنُقِهِ) بفتح الطاء المهملة: أي حلقةً تعلّق في عنقه. قال في "القاموس": الطَّوْق: حَلْيٌ للعنق، وكل ما استدار بشيء، والجمع أطواق انتهى (شُجَاعٌ) بالرفع خبر لمحذوف، أي هو شجاع، والجملة حال. ويحتمل أن يكون "شجاع" هو النائب عن فاعل "جُعل"، لكن الأولى جعل النائب ضمير المال، كما أسلفناه. وفي بعض النسخ، وهو الذي في "الكبرى": "شجاعًا" بالنصب، فيكون منصوبًا على الحال، أو بدلاً من "طوقًا". قال في "القاموس": الشجاع: كغُرَاب، وكِتَاب: الحيّة، أو الذكر منها، أو ضرب منها صغير، جمعه شِجعانٌ، بالكسر، والضمّ انتهى. وقال القرطبيّ: والشجاع من الحيّات الذكر الذي يواثب الفارس، والراجل، ويقوم على ذنبه، وربما بلغ رأس الفارس، ويكون في الصحارى. وقيل: هو الثعبان انتهى (١) (أَقْرَعُ) قال في "النهاية": هو الذي لا شعر له على رأسه، يريد حيّة قد تَمَعّط جلد رأسه لكثرة سمه، وطُول عمره. وقال القاضي عياض: قيل: هو الأبيض الرأس من كثرة السمّ. وقيل: نوع من الحيّات أقبح منظرًا. قال: وظاهر هذه الرواية: أنّ ماله صُيِّرَ،

стр. 11707

وخُلق على صورة الشجاع. ويحتمل أن اللَّه تعالى خلق الشجاع لعذابه. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: المعنى الأول هو الأقرب، لظاهر النصّ. واللَّه تعالى أعلم. قال: وقيل: خصّ الشجاع بذلك لشدّة عداوة الحيّات لبني آدم انتهى. وزاد في حديث أبي هريرة ﵁: "له زَبيبتان": وهو تثنية زَبيبة -بفتح الزاي، وموحدتين- وهما الزبدتان اللتان في الشدقين، يقال: تكلّم حتى زبد شدقاه، أي خرج الزبد منهما. وقيل: هما النكتتان السوداوان فوق عينيه. وقيل: نقطتان يكتنفان فاه. وقيل: هما في حلقه بمنزلة زَنَمَتي العَنْز. وقيل: لحمتان على رأسه مثل القرنين. وقيل: نابان يخرجان من فيه (١). (وَهُوَ يَفِرُّ مِنْهُ) أي يفرّ صاحب المال من ذلك الشجاع خوفًا من أذاه، وهذا في أول الأمر قبل أن يصير طَوْقًا في عنقه. ولفظ "الكبرى": "وهو يَقدُمُه"، والظاهر أنه بضم الدال، أي يتقدّمه فرارًا منه (وَهُوَ يتْبَعُهُ) أي يتبع الشجاعُ الرجلَ، وفي حديث جابر ﵁ عند مسلم: "يتبعه فاتحًا فاه، فإذا أتاه فرّ منه، فيناديه: خذ كنزك الذي خبأته، فأنا عنه غنيّ، فإذا رأى أن لا بدّ منه، سلك يده في فيه، فيَقْضِمها قَضْمَ الفحل". (ثُمَّ قَرَأَ) النبيّ ﷺ ، وفي رواية للترمذيّ: "قرأ رسول اللَّه ﷺ "، ولابن ماجه: "ثم قرأ علينا رسول اللَّه ﷺ " (مِصْدَاقَهُ) -بكسر، فسكون- أي ما يشهد لصدقه. قال في "القاموس": مِصْداق الشيء: ما يُصَدِّقُهُ انتهى (مِنْ كِتَابِ اللَّه : ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ﴾ بالمدّ أي أعطاهم (﴿مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٠]) ظاهر الآية أنه يُجعل قدر الزكاة طَوْقًا له؛ لأنه الذي بخل به، وظاهر الحديث أنه كلّ المال، ويمكن أن يقال: المراد في الآية ما بخلوا بزكاته، وهو كلّ المال، فيرجع إلى معنى الحديث. واللَّه تعالى أعلم. والحديث يدلّ على أن المراد بالتطويق في الآية الحقيقة، خلافا لمن قال: إن معناه سيطوقون الإثم. [فإن قلت]: كيف يجمع بين هذه الآية، وبين قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ الآية؟ [التوبة: ٣٤، ٣٥] [قلت]: فيه جوابان:

стр. 11708

(أحدهما): أنه يُحمل على أن بعض أنواع المال يكون طَوْقًا، وبعضها يُحمى عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه، وجبينه، وظهره. (والثاني): أنه يحمل على أنه يُعَذّب حينًا بهذه الصفة، وحينًا بتلك الصفة. واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: في قراءة النبيّ ﷺ الآية دلالة على أنها نزلت في مانعي الزكاة، وهو قول أكثر أهل العلم بالتفسير. وقيل: إنها نزلت في اليهود الذين كتموا صفة النبيّ ﷺ . وقيل: نزلت فيمن له قرابة لا يَصِلهم. قاله مسروق (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁ هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٢/ ٢٤٤١ - وفي "الكبرى" ٢/ ٢٢٢١. وأخرجه (ت) في "التفسير" ٣٠١٢ (ق) في "الزكاة" ١٧٨٤٠.واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٤٤٢ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ, حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ, عَنْ أَبِي عَمْرٍو الْغُدَانِيِّ, أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ, قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَقُولُ: «أَيُّمَا رَجُلٍ, كَانَتْ لَهُ إِبِلٌ, لَا يُعْطِي حَقَّهَا, فِي نَجْدَتِهَا وَرِسْلِهَا» , قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ, مَا نَجْدَتُهَا وَرِسْلُهَا؟ , قَالَ: «فِي عُسْرِهَا وَيُسْرِهَا, فَإِنَّهَا تَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ, كَأَغَذِّ مَا كَانَتْ, وَأَسْمَنِهِ, وَآشَرِهِ, يُبْطَحُ لَهَا, بِقَاعٍ قَرْقَرٍ, فَتَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا, إِذَا جَاءَتْ أُخْرَاهَا, أُعِيدَتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا, فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ, حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ, فَيَرَى سَبِيلَهُ, وَأَيُّمَا رَجُلٍ, كَانَتْ لَهُ بَقَرٌ, لَا يُعْطِي حَقَّهَا فِي نَجْدَتِهَا وَرِسْلِهَا, فَإِنَّهَا تَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ, أَغَذَّ مَا كَانَتْ, وَأَسْمَنَهُ, وَآشَرَهُ, يُبْطَحُ لَهَا, بِقَاعٍ قَرْقَرٍ, فَتَنْطَحُهُ كُلُّ ذَاتِ قَرْنٍ بِقَرْنِهَا, وَتَطَؤُهُ كُلُّ ذَاتِ ظِلْفٍ بِظِلْفِهَا, إِذَا جَاوَزَتْهُ أُخْرَاهَا, أُعِيدَتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا, فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ, حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ, فَيَرَى سَبِيلَهُ, وَأَيُّمَا رَجُلٍ كَانَتْ لَهُ غَنَمٌ, لَا يُعْطِي حَقَّهَا, فِي نَجْدَتِهَا وَرِسْلِهَا, فَإِنَّهَا تَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ, كَأَغَذِّ مَا كَانَتْ, وَأَكْثَرِهِ, وَأَسْمَنِهِ, وَآشَرِهِ, ثُمَّ يُبْطَحُ لَهَا بِقَاعٍ

стр. 11709

قَرْقَرٍ, فَتَطَؤُهُ كُلُّ ذَاتِ ظِلْفٍ بِظِلْفِهَا, وَتَنْطَحُهُ كُلُّ ذَاتِ قَرْنٍ بِقَرْنِهَا, لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ, وَلَا عَضْبَاءُ, إِذَا جَاوَزَتْهُ أُخْرَاهَا, أُعِيدَتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا, فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ, حَتَّى يُقْضَي بَيْنَ النَّاسِ, فَيَرَى سَبِيلَهُ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إسماعيل بن مسعود) الجحدري، أبو مسعود البصري، ثقة [١٠] من أفراد المصنف. ٢ - (يزيد بن زريع) أبو معاوية البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٥/ ٥. ٣ - (سعيد بن أبي عروبة) مِهران، أبو النضر البصري، ثقة ثبت، يدلس، واختلط بآخره [٦]. ٤ - (قتادة) بن دعامة السدوسي البصري الثقة الثبت الحجة، كان يدلس [٤]. ٥ - (أبو عُمَر الْغُدَانيّ) ويكال: "أبو عَمْرو" بفتح، فسكون، وهو الواقع في بعض النسخ. و"الغدانيّ" بضم المعجمة، وتخفيف الدّال المهملة، البصريّ، مقبول [٣]. حديثه في البصريين. روى عن أبي هريرة حديث الباب بطوله. وعنه قتادة. ذكره ابن حبّان في "الثقات". وروى حديثه الحاكم في "المستدرك"، وقال: إن اسمه يحيى بن عُبيد الْبَهْرَانيّ. لكن قال في "ت": ووهم من قال: اسمه يحيى بن عبيد. انتهى. تفرّد به أبو داود، والمصنّف وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٦ - (أبو هريرة) ﵁ -١/ ١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، والغداني كما سبق آنفًا. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي عُمَرَ) بضم العين المهملة، وفتح الميم، ويقال: أبو عمرو بفتح العين، كما في بعض النسخ، كما مرّ آنفًا (الْغُدَانِيِّ) -بضم الغين المعجمة، وتخفيف الدال المهملة: نسبة إلى غُدَانة بن يَرْبوع بن حنظلة بن بن مالك بن زيد مناة بن تميم. قاله في "اللباب" (١) (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: "أَيُّمَا رَجُلٍ)، ومثله في ذلك المرأة، فليس التنصيص للتخصيص، بل نظرًا للأغلبية، فتبصَّر واللَّه

стр. 11710

تعالى أعلم (كَانَتْ لَهُ إِبِلٌ، لَا يُعْطِي حَقَّهَا) أي لا يؤدّي زكاتها، أو أعمّ من ذلك. وسأتي من طريق الأعرج، عن أبي هريرة -٦/ ٢٤٤٨ - زيادة: "ومن حقها أن تُحلب على الماء"، ويأتي الكلام عليه هناك، إن شاء اللَّه تعالى (فِي نَجْدَتَهِا وَرِسْلِهَا") قال في "النهاية": النَّجْدة -أي بفتح، فسكون-: الشدّة، والرِّسْلُ -بالكسر-: الْهِينَة، والتأنّي. قال الجوهريّ: يقال: افعل كذا وكذا على رِسْلِكَ -بالكسر-: أي اتْئد فيه، كما يقال: على هِينَتك. قال: ومنه الحديث: "إلا من أعطى في نَجْدتها، ورسلها": أي الشّدّة والرخاء، يقول: يُعطي، وهي سِمَانٌ حِسَانٌ، يشتدّ عليه إخراجها، فتلك نجدتها، وُيعطي في رِسْلِها، وهي مَهَازيلُ مُقاربة. وقال الأزهريّ: معناه: إلا من أعطى في إبله ما يَشُقّ عليه إعطاؤه، فيكون نَجْدةً عليه، أي شِدَّةً، ويعطي ما يَهُون عليه إعطاؤه منها مُستَهِينًا على رِسْلِهِ. وقال الأزهريّ: وقال بعضهم (١): "في رِسْلِها": أي بطيب نفس منه. وقيل: ليس للَّهُزال فيه معنى؛ لأنه ذَكَرَ الرِّسْل بعد النّجْدة على جهة التفخيم للإبل، فجرى مجرى قولهم: إلا من أعطَى في سِمَنها وحُسْنها، ووُفُور لبنها، وهذا كلّه يرجع إلى معنى واحد، فلا معنى للهُزَالِ, لأن من بذل حقّ اللَّه من المضنون به، كان إلى إخراجه مما يَهُون عليه أسهل، فليس لِذكرِ الْهُزَال بعد السمن معنى. قال صاحب "النهاية": والأحسن -واللَّه أعلم- أن يكون المراد بالنجدة الشدّة، والْجَدْب، وبالرسل الرخاء والْخِصْب؛ لأن الرسل اللبنُ، وإنما يكثر في حال الرخاء والخصب، فيكون المعنى أنه يُخرج حقّ اللَّه في حال الضيق والسعة، والجدب والخصب؛ لأنه إذا أخرج حقّها في سنة الضيق والجدب، كان ذلك شاقّا عليه، فإنه إجحاف، وإذا أخرجها في حال الرخاء، كان ذلك سهلاً عليه، ولذلك (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا نَجْدَتُهَا وَرِسْلُهَا؟، قَالَ: "فِي عُسْرِهَا وَيُسْرِهَا) فسَمَّى النَّجْدَة عُسرًا، والرِّسْلَ يُسرًا؛ لأن الجدب عسر، والخصب يُسر، فهذا الرجل يعطي حقّها في حال الجدب والضيق، وهو المراد بالنجدة، وفي حال الخصب والسعة، وهو المراد بالرسل، واللَّه أعلم انتهى كلام صاحب "النهاية" بتغيير يسير (٢). (فَإِنَّهَا تَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَأَغَذٍّ مَا كَانَتْ) بالغين، والذال المعجمتين: أي أسرع، وأنشط، يقال: أغَذّ يُغَذّ: إذا أسرع في السير. و"أغذّ" مضاف إلى "ما" المصدية، والوقتُ مقدّر، وهو متعلق بحال محذوف، أو الكاف اسم بمعنى "مثل": أي تأتي حال كونها مماثلة لأكمل أحوالها، من الإسراع، والنشاط.

стр. 11711

ووقع في "الكبرى": "كأعدّ" بالعين، والدال المهملتين، في الموضعين بَدَلَ "كأغذّ" بالمعجمتين"، وأظنه تصحيفًا. واللَّه تعالى أعلم. وفي رواية مسلم من طريق أبي صالح، عن أبي هريرة: "أوفر ما كانت". قال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: قوله: "أوفر ما كانت" أي عند مانع زكاتها؛ لأنها قد تكون عنده على حالات، مرّةً هَزيلة، ومرة سمينةً، ومرّة صغيرة، وأخرى كبيرة، فتأتي يوم القيامة على أوفر أحوالها عنده؛ زيادة في عقوبته بقوّتها، وكمال خَلْقها، فتكون أثقل في وطئها، وأيضًا فيأتي جميها، لا يفقد منها شيئًا، حتى الفصيل - بفتحِ الفاء، وكسر الصاد-: ولد الناقة إذا فُصل عن أمه، وقد تجب فيه الزكاة، إما لبلوغه حولاً، وإما لبناء حوله على حول أمه. قال: وهذا الذي ذكرته هو الظاهر، وذكر والدي -رحمه اللَّه تعالى-يعني الحافظ العراقيّ- في "شرح الترمذيّ" احتمالين آخرين: (أحدهما): أنها تأتي أوفر ما كانت عليه في الدنيا مطلقًا، فقد تكون عند صاحبها الذي منع زكاتها هزيلة في جميع مدّتها عنده، وتسمن بعد ذلك عند غيره، أو تكون قبل أن يملكها سمينة، فتحشر على أتمّ حالاتها؛ تغليظًا عليه. (الثاني): أنها تجيء على أعظم حالات الإبل مطلقًا، هي وغيرها، وكذلك البقر، والغنم، ويدلّ له قوله بعد ذلك: "ليس فيها عقصاء، ولا جلحاء، ولا عضباء"، وفي حديث جابر ﵁ عند مسلم أيضًا: "ليس فيها جمّاء، ولا منكسرٌ قرنُها". وربما كان في بقره، وغنمه في الدنيا ما هو بهذه الصفة من النقص، فأخبر ﷺ أنها تأتي تامّة الخلقة؛ تغليظًا انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الاحتمال الثاني هو الظاهر. واللَّه تعالى أعلم. (وَأَسْمَنِهِ، وَآشَرِهِ) -بمدّ الهمزة، والشين المعجمة، وتخفيف الراء-: أي كأبطر ما كانت، وأنشطه. وفي بعض النسخ: "وأَسَرِّهِ" -بالسين المهملة، وتشديد الراء-: أي كأسمن ما كانت، وأوفره، من سِرٍّ كلّ شيء، وهو لُبُّهُ ومُخُّهُ. وقيل: من السرور؛ لأنها إذا سمنت سَرَّتْ الناظر إليها. ويروى: "وأَبْشَره": أي أحسنه، من البِشْر، وهو طلاقة الوجه، وبشاشته. أفاده في "النهاية" (٢). (يُبْطَحُ) بالبناء للمفعول: أي يُلقى على وجهه. وقال النوويّ: قوله: "بُطح" قال جماعة: معناه أُلقي على وجهه. قال القاضي: قد جاء في رواية البخاريّ: "تَخبِط وجهه بأخفافها" قال: وهذا يقتضي أنه ليس من شرط البَطْح كونه على الوجه، وإنما هو في

стр. 11712

اللغة بمعنى البسط والمدّ، فقد يكون على وجهه، وقد يكون على ظهره، ومنه سمّيت بطحاء مكة؛ لانبساطها انتهى (١) (لَهَا) أي لأجل تلك الإبل، وهو متعلّق بما قبله. (بِقَاعٍ قَرْقَرٍ) "القاع": المستوي الواسع من الأرض، يعلوه ماء السماء، فيمسكه. قال الهرويّ: وجمعه قِيَعَة، وقِيعان، مثل جار، وجيَرَة، وجِيران، و"القرقر" -بفتح القافين-: المستوي أيضًا من الأرض الواسعُ. قاله اَلنوويّ. وقال في "النهاية": القاع المكان المستوي من الأرض الواسع، والقَرْقَرُ: الأملس انتهى. فيكون ذكر القرقر بعد القاع تأكيدًا (فَتَطَؤُهُ بأخْفَافِهَا) جمع خُفّ، وهو للبعير، كالقدم للآدميّ، والحافر للفرس، والبغل، والحمار (إِذَا جَاءَتْ أُخْرَاهَا، أُعِيدَتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا) ووقع في "صحيح مسلم" من طريق زيد بن أسلم، عن أبي صالح: "كلما مرّ عليه أولاها ردّ عليه أُخراها". قال القاضي عياض: قالوا هو تغيير، وتصحيف، وصوابه ما في الرواية التي بعده، من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه: "كلما مرّ عليه أُخراها، رُدّ عليه أولاها"، وبهذا ينتظم الكلام. وكذا وقع عند مسلم من حديث أبي ذرّ أيضًا. وأقرّه النوويّ على هذا، وحكاه القرطبيّ، وأوضَحَ وجهَ الردّ بأنه إنما يُردّ الأول الذي قد مرّ قبلُ، وأما الآخرُ فلم يردّ بعدُ، فلا يقال فيه: رُدّت. قال: ويظهر لي أن الرواية الصحيحة ليس فيها تغيير، لأن معناها: أن أول الماشية كلما وصلت إلى آخر ما تمشي عليه، تلاحقت بها أخراها، ثم إذا أرادت الأولى الرجوع بدأت الأخرى بالرجوع، فعادت الأخرى أولى، حتى تنتهي إلى آخره، وهكذا إلى أن يقضي اللَّه بين العباد. واللَّه تعالى أعلم (٢). وكذا وجّهه الطيبيّ، فقال: إنّ المعنى: أولاها إذا مرّت عليه تتابع إلى أن تنتهي إلى الأخرى، ثم ردّت الأخرى من هذه الغاية، وتبعها ما كان يليها، فما يليها إلى أن تنتهي أيضًا إلى الأولى، حصل الغرض من التتابع والاستمرار انتهى. فيكون الابتداء في المرّة الأولى من الإبل الأولى، وفي المرّة الثانية من الأخرى، والحاصل أنه يحصل هذا بعد أخرى (٣). (فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) أي على هذا المعذب، وإلا فقد جاء أنه يُخفّف على المؤمن حتى يكون أخفّ عليه من صلاة مكتوبة (٤). قاله السنديّ. وقيل:

стр. 11713

لو حاسب فيه غير اللَّه سبحانه لكان بهذا العدد (حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ) بالبناء للمفعول: أي حتى يُفرغ من حساب الناس. قال الحافظ العراقيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "شرح الترمذيّ": يمكن أن يؤخذ منه أن مانع الزكاة آخر من يُقضَى فيه، وأنه يُعذّب بما ذُكر حتى يُفرغ من القضاء بين الناس، فيُقضى فيه بالنار، أو الجنّة. ويحتمل أن المراد حتى يُشرع في القضاء بين الناس، ويجيء القضاء فيه، إما في أولهم، أو وسطهم، أو آخرهم على ما يريد اللَّه، وهذا أظهر انتهى. قال ولده وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: قد يشير إلى الأول قوله: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤]، ويقال: إنما ذُكر في معرض استيعاب ذلك اليوم بتعذيبه؛ لجواز أن يكون القضاء فيه آخر الناس، وإن احتمل أن يكون فصل أمره في وسطه، واللَّه أعلم انتهى (١). (فَيَرَى سَبِيلَهُ) زاد في رواية مسلم: "إما إلى الجنّة، وإما إلى النار". قال النوويّ: قوله: "فيرى سبيله": ضبطناه بضم الياء، وفتحها، وبرفع لام "سبيله"، ونصبها انتهى (٢). وقال الحافظ وليّ الدين: الوجهان في رفع لام "سبيله" ونصبها إنما يجيئان مع ضمّ الياء، فأما مع فتح الياء، فيتعيّن نصب اللام انتهى (٣). (وَأَيَّمَا رَجُلٍ، كَانَتْ لَهُ بَقَرٌ) اسم جنس، واحدته بقرة بهاء (لَا يُعْطِي حَقَّهَا) أي لا يؤدي زكاتها، أو ما هو أعمّ من ذلك. وفيه دليل على وجوب الزكاة في البقر، قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: وهذا أصحّ الأحاديث الواردة في زكاة البقر انتهى (فِي نَجْدَتهِا وَرِسلِهَا، فَإِنهَا تَأتي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أغَذ مَا كَانَتْ، وَأَسْمَنَهُ، وَآشَرَهُ، يُبْطَحُ لَهَا، بِقَاع قَرْقَرِ، فَتَنْطَحُهُ) -بكسر الطاء المهملة، وفتحها لغتان، حكاهما الجوهريّ وغيره، والكسر أفصح، وهو المعروف في الرواية. قاله النوويّ (كُلُّ ذَاتِ قَرْنٍ بِقَرْنَها، وَتَطَؤُهُ كُلُّ ذَاتِ ظِلْفٍ بِظِلْفِهَا) "الظلف" -بكسر، فسكون-: للبقر، والغنم، والظباء، وهو المنشقّ من القوائم. قاله النوويّ. وقال القرطبيّ: هو الظفر من كلّ دابّة مشقوقة الرجل، ومن الإبل الخفّ، ومن الخيل، والبغال، والحمير: الحافر انتهى (٤) (إِذَا جَاوَزَتهُ) أي مرّت عليه، وتعدّته (أُخْرَاهَا،

стр. 11714

أُعِيدَتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّي يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ) زاد في رواية مسلم أيضًا: "إما إلى الجنّة، وإما إلى النار"، وتقدّم ضبطه قريبًا. (وَأَيُّمَا رَجُل كَانَتْ لَهُ غنَمٌ) قال الفيّوميّ: "الغنم": اسم جنس يُطلق على الضأن، والمعز، وقد تُجمع على أغنام، على معنى قُطَعَانات من الغنم، ولا واحد للغنم من لفظها، قاله ابن الأنباريّ. وقال الأزهريّ أيضًا: الغنمُ الشاء، الواحدة شاة. وتقول العرب: راح على فلان غَنَمانٍ: أي قَطيعان من الغنم، كلُّ قَطيع منفردٌ بمرعًى، وراعٍ. وقال الجوهريّ: الغنم اسمٌ مؤنثٌ موضوع لجنس الشاء، يقع على الذكور، والإناث، وعليهما، ويُصغّر، فتدخل الهاء، فيقالى: غُنَيمةٌ؛ لأن أسماء المجموع التي لا واحد لها من لفظها، إذا كانت لغير الآدميين، وصُغّرت، فالتأنيث لازم لها انتهى كلام الفيّوميّ (١). (لَا يُعْطِي حَقَّهَا، فِي نَجْدَتَهِا وَرسْلِهَا، فَإِنَّهَا تَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كأَغَذِّ مَا كَانَتْ، وَأَكْثَرِهِ، وَأَسْمَنِهِ، وَآشَرِهِ، ثُمَّ يُبْطَحُ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرِ، فَتَطَؤُهُ كُلُّ ذَاتِ ظِلْفٍ بظِلْفِهَا، وَتَنْطَحُهُ كُلُّ ذَاتِ قَرْنِ بِقَرْنِها لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ، وَلَا عَضْبَاءُ) ولفظ مسلم من طريق أبي صالح: "ليس فيها عَقصاء، ولا جَلْحاء، ولا عَضْبَاء". قال النوويّ: قال أهل اللغة: العقصاء: ملتوية القرنين، والجلحاء التي لا قرن لها، والعضباء التي انكسر قرنها الداخل انتهى (٢). ووقع في "الكبرى": "عقصة، ولا عضة"، بدل "عقصاء، ولا عضباء"، والظاهر أنه تصحيف. واللَّه تعالى أعلم. (إِذَا جَاوَزَتهُ) أي مرّت عليه، وتعدّته (أُخْرَاهَا، أُعِيدَتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ") زاد مسلم في روايته أيضًا: "إما إلى الجنة، وإما إلى النار". واللهَ تعالى أعلمَ بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا متفق عليه.

стр. 11715

[فإن قلت]: كيف يكون متفقًا عليه، وقد تقدم أن أبا عمر الغُدَانيّ ليس من رجال الشيخين؟. [قلت]: ليس الحديث من روايته فقط، بل أخرجه البخاريّ من طريق معمر، عن همام، عن أبي هريرة ﵁، ومسلم من طريق زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، وأخرجه البخاريّ من هذا الوجه أيضًا مختصرًا، ومن طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة مختصرًا أيضًا، وله طرق أخرى أيضًا. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٢/ ٢٤٤٢ و ٦/ ٢٤٤٨ - وفي "الكبرى" ٢/ ٢٢٢٢ و ٦/ ٢٢٢٨. وأخرجه (خ) في "الزكاة" ١٤٠٢ و ١٤٠٣ (م) في "الزكاة" ٩٨٧ (د) في "الزكاة" ١٦٥٨ (ق) في "الزكاة" ١٧٨٦ (أحمد) في باقي مسند المكثرين" ٧٥٥٩ و ٧٦٦٣ و ٧٦٩٨ و ٢٧٤٠١ و ٨٤٤٧ و ٢٧٣٣ و ٨٧٥٤ و ٩٩٧١ و ١٠٤٧٤ (الموطأ) في "الزكاة" ٥٩٦. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف، وهو التغليظ في عقوبة منع الزكاة (ومنها): الدلالة على وجوب الزكاة في الإبل، والبقر، والغنم (ومنها): التنفير من جمع المال، لمن لا يقوم بواجبه، بل يمنع الحقوق الواجبة فيه؛ لما فيه من الوعيد الشديد (ومنها): أنه لا يُقطع لمانع الزكاة بالنار، إن لم يستحلّ ذلك؛ لقوله: "فيرى سبيله إما إلى الجنّة، أو إلى النار". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): قال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: فيه أن هذا الوعيد في حقّ المسلمين والكفّار، فإن الذي يرى سبيله إلى الجنّة هو المسلم، وأما الذي يرى سبيله إلى النِاِر، فيحتمل أن يكون على سبيل التأبيد فيها، فهو الكافر، ويحتمل أن يكون على سبيل التعذيب والتمحيص، ثم دخول الجنة، وهو المسلم. وفي دخول المسلم في هذا الوعيد الرّدّ على المرجئة الذين يقولون: إنه لا يضرّ مع الإسلام معصية؛ كما لا ينفع مع الكفر طاعة، والكتاب والسنّة مشحونان بما يُخالف قولهم، واعتذروا عن ذلك بأن المراد به التخويف؛ لينزجر الناس عن المعصية، وليس على حقيقته وظاهرِهِ، وهو باطل، ولو صحّ قولهم لارتفع الوثوق عما جاءت به الشرائع، واحتمل في كلّ منها ذلك، وهذا يؤدّي إلى هدم الشرائع، وسقوط فائدتها. وفي دخول الكافر في هذا الوعيد دليل على أن الكفّار مخاطبون بفروع الشريعة، وبه قال الشافعيّة، خلافًا للمعتزلة، والحنفيّة، وقد يجيبون عن هذا بأن المراد دخوله النار

стр. 11716

على سبيل التعذيب، لا على سبيل التخليد، وليس في اللفظ ما يدلّ على ذلك. واللَّه أعلم انتهى كلام وفي الدين (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: مسألة الخلاف في تكليف الكفار بالفروع قد تقدّم تحقيقها قبل باب مُسْتَوفًى، وأن الحقَّ هو القول بتكليفهم، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٣ - (بَابُ مَانِعِ الزَّكَاةِ) أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على حكم مانع الزكاة، وهو مقاتلته. وقد عقد الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "كتاب استتابة المرتدين" من "صحيحه"، لحديث الباب ترجمة عامّة، فقال: "باب قتل من أبى قبول الفرائض، وما نُسبوا إلى الرّده". فقال في "الفتح": أي جواز قتل من امتنع من التزام الأحكام الواجبة، والعمل بها. قال المهلّب: من امتنع من قبول الفرائض نُظر، فإن أقرّ بوجوب الزكاة مثلاً، أخذت منه قهرًا، ولا يُقتل، فإن أضاف إلى امتناعه نصب القتال قوتل إلى أن يرجع. قال مالك في "الموطإ": الأمر عندنا فيمن منع فريضة من فرائض اللَّه تعالى، فلم يستطع المسلمون أخذها منه كان حقّا عليهم جهاده. قال ابن بطّال: مراده إذا أقرّ بوجوبها لا خلاف في ذلك انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٤٤٣ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنْ عُقَيْلٍ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ, وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ, قَالَ عُمَرُ لأَبِى بَكْرٍ: كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ؟ , وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ, حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ, فَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ, عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ, وَنَفْسَهُ, إِلاَّ بِحَقِّهِ, وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ» , فَقَالَ (٣) أَبُو بَكْرٍ

стр. 11717

- ﵁: لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ, فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ, وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالاً, كَانُوا يُؤَدُّونَهُ, إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ, قَالَ عُمَرُ ﵁: فَوَاللَّهِ مَا هُوَ, إِلاَّ أَنْ رَأَيْتُ اللَّهَ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ, فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ). رجال هذا الإسناد: سنة: ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقة الثبت [١٠] ١/ ١. ٢ - (الليث) بن سعد الإمام المصريّ الثقة الحجة [٧] ٣١/ ٣٥. ٣ - (عُقيل) -مصغرًا- بن خالد بن عَقِيل- مكبرًا-، أبو خالد الأموي مولاهم، الأيلي، ثم المدني، ثم الشامي، ثم المصري، ثقة ثقة [٦] ١٢٥/ ١٨٧. ٤ - (الزهريّ) محمد بن مسلم الإمام الحجة الثبت الحافظ [٤] ١/ ١. ٥ - (عُبيد اللَّه بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ) المدني الفقيه الثقة الثبت [٣] ٤٥/ ٥٦. ٦ - (أبو هريرة) ﵁ ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين غير شيخه، فبغلانيّ، والليث، فمصري. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، وفيه أحد الفقهاء السبعة، عبيد اللَّه، وفيه أبو هريرة ﵁ رأس المكثرين من الرواية، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنه (قَالَ) قال في "الفتح": وهكذا رواه الأكثرون عن الزهريّ بهذا السند على أنه من رواية أبي هريرة عن عمر، وأبي بكر ﵃، وقال يونس بن يزيد، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيّب أن أبا هريرة أخبره أن رسول اللَّه ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس … " الحديث، فساقه على أنه من مسند أبي هريرة، ولم يذكر أبا بكر، ولا عمر. أخرجه مسلم. وهو محمول على أن أبا هريرة سمع أصل الحديث من النبيّ ﷺ ، وحضر مناظرة أبي بكر وعمر، فقصّها كما هي، ويؤيّده أنه جاء عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ بلا واسطة من طرُق، فأخرجه مسلم من طريق العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، عن أبيه- ومن طريق أبي صالح ذكوان- كلاهما عن أبي هريرة. وأخرجه ابن خزيمة من طريق أبي الْعَنْبَس سعيد بن كثير بن عُبيد، عن أبيه- وأخرجه أحمد من طريق همّام بن منبّه- ورواه مالك خارج "الموطإ" عن أبي الزناد، عن الأعرج- وذكره ابن منده في "كتاب الإيمان" من رواية عبد الرحمن بن أبي عمرة- كلهم

стр. 11718

عن أبي هريرة ﵁. ورواه أيضًا ابن عمر، وجابر، وطارق الأشجعيّ عند مسلم. وأخرجه أبو داود، والترمذيّ من حديث أنس، وأصله عند البخاريّ. وأخرجه الطبريّ من وجه آخر عن أنس، وهو عند ابن خزيمة من وجه آخر عنه، لكن قال: "عن أنس، عن أبي بكر". وأخرجه البزّار من حديث النعمان بن بشير. وأخرجه الطبرانيّ من حديث سهل بن سعد، وابن عباس، وجرير البجليّ. وفي "الأوسط" من حديث سمرة، وسيأتي ما في رواياتهم من فائدة زائدة، إن شاء اللَّه تعالى (١). (لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ) ببناء الفعلين للمفعول (وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ العَرَبِ) وفي حديث أنس عند ابن خزيمة: "لما توفي رسول اللَّه ﷺ ارتدّ عامّة العرب". قال القاضي عياض وغيره: كان أهل الرّدّة ثلاثة أصناف: صنف عادوا إلى عبادة الأوثان. وصنف تبعوا مسيلمة، والأسود العنسيّ، وكان كلّ منهما ادعى النبوّة قبل موت النبيّ ﷺ ، فصدّق مسيلمةَ أهلُ اليمامة، وجماعةٌ غيرهم، وصدّق الأسودَ أهلُ صنعاء، وجماعةٌ غيرهم، فَقُتِل الأسودُ قبل موت النبيّ ﷺ بقليل، وبقي بعض من آمن به، فقاتلهم عُمّال النبيّ ﷺ في خلافة أبي بكر ﵁ وأما مسيلمة فجهّز إليه أبو بكر الجيش، وعليهم خالد بن الوليد، فقتلوه. وصنف ثالثٌ استمروا على الإسلام، لكنهم جحدوا الزكاة، وتأوّلوا بأنها خاصّة بزمن النبيّ ﷺ ، وهم الذين ناظر عمرُ أبا بكر في قتالهم، كما وقع في حديث الباب. وقال أبو محمد بن حزم في "الملل والنحل": انقسمت العرب بعد موت النبيّ ﷺ على أربعة أقسام: طالْفة بقيت على ما كانت عليه في حياته، وهم الجمهور. وطائفة بقيت على الإسلام أيضًا، إلا أنهم قالوا: نقيم الشرائع إلا الزكاة، وهم كثير، لكنهم قليل بالنسبة إلى الطائفة الأولى. والثالث أعلنت بالكفر، والردّة، كأصحاب طُلَيحة، وسَجَاح، وهم قليل بالنسبة لمن قبلهم، إلا أنه كان في كلّ قبيلة من يقاوم من ارتدّ. وطائفة توقّفت، فلم تُطع أحدًا من الطوائف الثلاثة، وتربّصوا لمن تكون الغلبة، فأخرج أبو بكر إليهم البعوث، وكان فيروز، ومن معه غلبوا على بلاد الأسود، وقتلوه، وقُتل مسيلمة باليمامة، وعاد طُليحة إلى الإسلام، وكذا سَجَاحِ، ورجع غالب من كان ارتدّ إلى الإسلام، فلم يَحُلِ الحولُ إلا والجميع قد راجعوا دين الإسلام، ولله الحمد انتهى (٢).

стр. 11719

(قَالَ: عُمَرُ لِأَبِي بَكْرٍ) ﵄ (كَيْفَ نُقَاتِلُ النَّاسَ؟) وفي حديث أنس: "أتريد أن تقاتل العرب (وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :) الواو واو الحال ("أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ، حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ) كذا ساقه الأكثر، وفي رواية طارق عند مسلم: "من وحّد اللَّه، وكفر بما يُعبَد من دونه حَرُمَ دمه وماله". وأخرجه الطبرانيّ من حديثه كرواية الجمهور. وفي حديث ابن عمر: "حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه ﷺ ، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة". ونحوه في حديث أبي العنبس. وفي حديث أنس عند أبي داود: "حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن يستقبلوا قبلتنا، ويأكلوا ذبيحتنا، ويصلّوا صلاتنا". وفي رواية العلاء بن عبد الرحمن: "حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا عبده ورسوله، ويؤمنوا بي، وبما جئت به". قال الخطّابيّ -رحمه اللَّه تعالى-: زعم الروافض أن حديث الباب متناقض؛ لأن في أوله أنهم كفروا، وفي آخره أنهو ثبتوا على الإسلام؛ إلا أنهم منعوا الزكاة، فإن كانوا مسلمين، فكيف استَحَلّ قتالهم وسبي ذراريهم؟، وإن كانوا كفّارًا، فكيف احتجّ على عمر بالتفرقة بين الصلاة والزكاة؟، فإن في جوابه إشارة إلى أنهم كانوا مقرّين بالصلاة. قال: والجواب عن ذلك أن الذين نُسبوا إلى الردّة كانوا صنفين: صنف رجعوا إلى عبادة الأوثان. وصنف منعوا الزكاة، وتأولوا قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ١٠٣]، فزعموا أن دفع الزكاة خاصّ به ﷺ ؛ لأن غيره لا يطهّرهم، ولا يصلي عليهم,، فكيف تكون صلاته سكنًا لهم، وإنما أراد عمر بقوله: "تقاتل الناس" الصنف الثاني؛ لأنه لا يتردّد في جواز قتل الصنف الأول؛ كما أنه لا يتردّد في قتال غيرهم من عبّاد الأوثان، والنيران، واليهود، والنصارى، قال: وكأنه لم يستحضر من الحديث إلا القدر الذي ذكره، وقد حفظ غيره في الصلاة والزكاة معًا، وقد رواه عبد الرحمن بن يعقوب بلفظ يعمّ جميع الشريعة، حيث قال فيها: "ويؤمنوا بي، وبما جئت به"، فإن مقتضى ذلك أن من جحد شيئًا مما جاء به ﷺ ، ودُعي إليه، فامتنع، ونَصَب القتالَ أنه يجب قتاله، وقتله إذا أصرّ، قال: وإنما عَرَضت الشبهة لما دخله من الاختصار، وكأن راويه لم يقصد سياق الحديث على وجهه، وإنما أراد سياق مناظرة أبي بكر وعمر، واعتمد على معرفة السامعين بأصل الحديث انتهى مُلَخَّصًا. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وفي هذا الجواب نظر؛ لأنه لو كان عند عمر في الحديث "حتى يقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة" ما استشكل قتالهم؛ للتسوية في كون غاية القتال ترك كلّ من التلقظ بالشهادتين، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة. قال عياض: حديث

стр. 11720

ابن عمر نصّ في قتال من لم يُصلّ، ولم يتركّ، كمن لم يقر بالشهادتين، واحتجاج عمر على أبي بكر، وجواب أبي بكر دلّ على أنهما لم يسمعا في الحديث الصلاة والزكاة، إذ لو سمعه عمر لم يحتجّ على أبي بكر، ولو سمعه أبو بكر لردّ به على عمر، ولم يَحْتجْ إلى الاحتجاج بعموم قوله: "إلا بحقّه". قال الحافظ: إن كان الضمير في قوله: "بحقّه" للإسلام، فمهما ثبت أنه من حقّ الإسلام تناوله، ولذلك اتفق الصحابة على قتال من جحد الزكاة انتهى (١). (فَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّه، عَصَمَ مِنِّي) أي منع مني، وأصل العصمة من العصام، وهو الخيط الذي يُشدّ به فم القِرْبَة؛ ليمنع سيلان الماء (مَالَهُ، وَنَفْسَهُ، إِلاَّ بِحَقِّهِ) المراد بالحقّ بالنسبة للمال، فهو الزكاة، ونحوها من الحقوق المتعلّقة به. وأما بالنسبة للنفس فهو ما سيأتي بيانه للمصنّف في "كتاب تحريم الدم" -١٤/ ٤٠٥٧ - بسند صحيح عن ابن عمر، أن عثمان، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ ، يقول: "لا يحل دم امرئ مسلم، إلا بإحدى ثلاث: رجل زنى بعد إحصانه، فعليه الرجم، أو قَتَل عمدًا، فعليه الْقَوَد، أو ارتد بعد إسلامه، فعليه القتل". واللَّه تعالى أعلم. (وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ") أي حساب سريرته على اللَّه تعالى؛ لأنه المطّلع عليه، فمن أخلص في إيمانه، وأعماله، جازاه اللَّه عليها جزاء المخلصين، ومن لم يُخلص في ذلك كان من المنافقين، يُحكم له في الدنيا بأحكام المسلمين، وهو عند اللَّه من أسوإ الكافرين. ويستفاد منه أن أحكام الإسلام إنما تُدار على الظواهر الجليّة، لا الأسرار الخفيّة. قاله القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- (٢). وقال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: معنى قوله: "وحسابه على اللَّه" أي فيما يستسرون به، ويُخفونه، دون ما يُخِلُّون به في الظاهر، وهذا قول أكثر العلماء. وذهب مالك إلى أن توبة الزنديق لا تُقبل. وُيحكى ذلك أيضًا عن أحمد بن حنبل -رحمهما اللَّه-. هذا كلام الخطّابيّ. وذكر القاضي عياض معنى هذا، وزاد عليه، وأوضحه، فقال: اختصاص عصمة المال والنفس بمن قال: لا إله إلا اللَّه تعبير عن الإجابة إلى الإيمان، وأن المراد بهذا مشركو العرب، وأهل الأوثان، ومن لا يوحّد، وهم كانوا أول من دُعي إلى الإسلام، وقوتل عليه، فأما غيرهم ممن يقرّ بالتوحيد، فلا يُكتفى في عصمته بقوله: لا إله إلا اللَّه، إذ كان يقولها في كفره، وهي من اعتقاده، فلذا جاء في الحديث الآخر:

стр. 11721

"وأني رسول اللَّه، ويقم الصلاة، ويؤتي الزكاة". هذا كلام القاضي. قلت (١): ولا بدّ مع هذا من الإيمان بجميع ما جاء به رسول اللَّه ﷺ ، كما جاء في الرواية الأخرى لأبي هريرة ﵁، هي مذكورة في "صحيح مسلم": "حئى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه، ويؤمنوا بي، وبما جئت به". واللَّه أعلم. قال: واختلف أصحابنا في قبول توبة الزنديق، وهو الذي ينكر الشرع جملة، فذكروا فيه خمسة أوجه لأصحابنا: أصحها، والأصوب منها قبولها مطلقًا، للأحاديث الصحيحة المطلقة. والثاني: لا تُقبل، ويتحتّم قتله، لكنه إن صدق في توبته نفعه ذلك في الدار الآخرة، وكان من أهل الجنّة. والثالث: إن تاب مرّة واحدة قبلت توبته، فإن تكرّر ذلك منه لم تقبل. والرابع: إن أسلم ابتداءً من غير طلب قبل منه، وإن كان تحت السيف فلا. والخامس: إن كان داعيًا إلى الضلال لم يقبل منه، وإلا قبل منه. واللَّه تعالى أعلم انتهى كلام النوويّ (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما صححه النووي -رحمه اللَّه تعالى- من قبول توبة الزنديق مطلقًا هو الأرجح عندي؛ لما ذكره، ولإطلاق قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ الآية [الأنفال: ٣٨]، والزنديق كافر، تعمّه هذه الآية، ولحديث عمرو بن العاص ﵃ مرفوعًا: "أما علمت أن الإسلام يَهْدِمُ ما كان قبله". أخرجه مسلم. واللَّه تعالى أعلم. (فَقَالَ أبو بَكْرٍ ﵁: لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ) وفي رواية: "واللَّه لأقاتلنّ الخ". قال النوويّ: ضبطناه بوجهين، "فَرَقَ"، و"فَرَّق" بتشديد الراء، وتخفيفها، ومعناه: من أطاع في الصلاة، وجحد الزكاة، أو منعها. انتهى. وعبارة الحافظ: يجوز تشديد "فرّق" وتخفيفه، والمراد بالفرق من أقرّ بالصلاة، وأنكر الزكاة، جاحدًا، أو مانعًا مع الاعتراف، وإنما أطلق في أول القصّة الكفر ليشمل الصنفين، فهو في حقّ من جحد حقيقةٌ، وفي حقّ الآخرين مجازٌ تغليبًا، وإنما قاتلهم الصدّيق ﵁، ولم يَعْذُرهم بالجهل، لأنهم نصبوا القتال، فجهّز إليهم من دعاهم إلى الرجوع، فلما أصرّوا قاتلهم. قال المازريّ: ظاهر السياق أن عمر كان موافقًا على قتال من جحد الصلاة، فألزمه الصدّيق بمثله في الزكاة، لورودهما في الكتاب والسنّة مَوْرِدًا واحدًا انتهى (٣).

стр. 11722

(فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ) يشير إلى دليل منع التفرقة التي ذكرها أن حقّ النفس الصلاة، وحق المال الزكاة، فمن صلّى عصم نفسه، ومن زكّى عصم ماله، فإن لم يصلّ قوتل على ترك الصلاة، ومن لم يُزكّ أُخذت الزكاة من ماله قهرًا، وإن نصب الحرب لذلك قوتل، وهذا يوضّح أنه لو كان سمع في الحديث: "ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة" لما احتاج إلى هذا الاستنباط، لكنه يحتمل أن يكون سمعه، واستظهر بهذا الدليل النظريّ. (وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالاً) هكذا وقع بلفظ: "عِقَالاً" هنا -٣/ ٢٤٤٣ وفي "تحريم الدم" -١/ ٣٩٧٠ - ووقع في "الجهاد"-١/ ٣٠٩١ و ٣٠٩٢ و ٣٠٩٣ و ٣٠٩٤ - وفي "تحريم الدم" أيضًا في ١/ ٣٩٧٣ و ٣٩٧٥ بلفظ: "عَنَاقاً" بدل "عِقَالًا". قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- في "الفتح" بعد أن ذكره بلفظ "عناقًا": ووقع في رواية قتيبة، عن الليث، عند مسلم "عقالاً"، وأخرجه البخاريّ في "كتاب الاعتصام" عن قتيبة، فكنى بهذه اللفظة، فقال: "لو منعوني كذا". واختلف في هذه اللفظة، فقال قوم: هي وَهَم، وإلى هذا أشار البخاريّ بقوله في "الاعتصام" عقب إيراده: قال لي ابنُ بُكير -يعني شيخه فيه هنا- وعبدُالله -يعني ابن صالح- عن الليث: "عَنَاقًا"، وهو أصحّ، ووقع في رواية ذكرها أبو عُبيدة: "لو منعوني جَدْيًا أَذْوَط"، وهو يؤيّد أن الرواية "عَناقًا". و "لأذوط" الصغير الفَكِّ والذَّقَنِ. قال: و"العَنَاق" -بفتح المهملة، والنون-: الأنثى من ولد المعز. انتهى (١) وقال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- في "شرح مسلم": هكذا في مسلم "عِقَالاً" وكذا في بعض روايات البخاريّ، وفي بعضها "عَنَاقًا" -بفتح العين، وبالنون، وهي الأنثى من ولد المعز، وكلاهما صحيح، وهو محمول على أنه كرّر الكلام مرتين (٢)، فقال في مرّة: "عقّالًا"، وفي الأخرى: "عناقاً"، فرُوي عنه اللفظان. فأما رواية العَنَاق، فهي محمولة على ما إذا كانت الغنم صغارًا كلها بأن ماتت أمهاتها في بعض الحول، فإذا حال حول الأمهات زُكي السِّخَال الصغار بحول الأمهات، سواء بقي من الأمهات شيء، أم لا. هذا هو الصحيح المشهور. وقال أبو القاسم الأنماطيّ من الشافعيّة: لا يزكى الأولاد بحول الأمهات، إلا أن يبقى من الأمهات نصاب. وقال

стр. 11723

بعض الشافعية: إلا أن يبقى من الأمهات شيء. ويتصوّر ذلك فيما إذا مات معظم الكبار، وحدثت صغار، فحال حول الكبار على بقيّتها، وعلى الصغار. واللَّه أعلم. وأما رواية "عِقَالاً" فقد اختلف العلماء قديمًا وحديثًا فيها، فذهب جماعة منهم إلى أن المراد بالعِقَال زكاة عام، وهو معروف في اللغة بذلك. وهذا قول النسائيّ، والنضر بن شُميل، وأبي عُبيدة، والمبرد، وغيرهم من أهل اللغة، وهو قول جماعة من الفقهاء، واحتجّ هؤلاء على أن العِقَال يُطلق على زكاة العام بقول عمرو بن الْعَدَّاء الكَلْبيّ: سَعَى عِقَالًا فَلَمْ يَتْرُكْ لَنَا سَبَدًا (١) … فَكَيْفَ لَوْ قَدْ سَعَى عَمْرٌو عِقَالَيْنِ لأَصبَحَ الْحَيُّ أَوْبَادًا وَلَمْ يَجِدُوا … عِنْدَ التَّفّرُّقِ فِي الْهَيْجَا جمِالَيْنِ (٢) أراد مُدّة عقال، فنصبه على الظرف. وعمرو هذا الساعي هو عمرو بن عتبة بن أبي سفيان وَلاّه عمه معاوية بن أبي سفيان ﵄ صدقات كلب، فاعتدى عليهم، فقال فيه قائلهم ذلك. قالوا: ولأن العقال الذي هو الحبل الذي يُعقل به البعير لا يجب دفعه في الزكاة، فلا يجوز القتال عليه، فلا يصحّ حمل الحديث عليه. وذهب كثيرون من المحققين إلى أن المراد بالعقال الحبل الذي يُعقل به البعير. وهذا القول يُحكى عن مالك، وابن أبي ذئب، وغيرهما، وهو اختيار صاحب "التحرير"، وجماعة من حُذّاق المتأخّرين. قال صاحب "التحرير": قول من قال: المراد صدقة عام تعسّف، وذهابٌ عن طريقة العرب؛ لأن الكلام خرج مخرج التضييق، والتشديد، والمبالغة، فيقتضي قلّة ما علق به القتال، وحقارته، وإذا حُمل على صدقة العام لم يحصل هذا المعنى. قال: ولست أشبّه هذا إلا بتعسّف من قال في قوله ﷺ : "لعن اللَّه السارق يَسرق البيضة، فتُقطع يده، ويَسرق الحبل، فتقطع يده" أن المراد بالبيضة بيضة الحديد التي يُغطّى بها الرأس في الحرب، وبالحبل الواحدُ من حبال السفينة، وكلّ واحد من هذين يبلغ دنانير كثيرة. قال بعض المحقّقين: إن هذا القول لا يجوز عند من يعرف اللغة، ومخارج كلام العرب؛ لأن هذا ليس موضع تكثير لما يسرقه، فيصرفَ إليه بيضةٌ تساوي دنانير، وحبلٌ لا يقدر السارق على حمله، وليس من عادة العرب والعجم أن يقولوا: قبّح اللَّه فلانًا عرّض نفسه للضرب في عقد جوهر، وتعرض لعقوبة الغلول في جراب مسك، وإنما العادة في

стр. 11724

مثل هذا أن يقال: لعنه اللَّه تعرّض لقطع اليد في حبل رَثٍّ، أو في كُبَّة شعر، وكلّما كان من هذا أحقر كان أبلغ. فالصحيح هنا أنه أراد به العقال الذي يُعقَل به البعير، ولم يُرد عينه، وإنما أراد قدر قيمته، والدليل على هذا أن المراد به المبالغة، ولهذا قال في الرواية الأخرى: "عَنَاقًا"، وفي بعضها: "لو منعوني جَدْيًا أذوط". والأذوط صغير الفكّ والذقن. هذا آخر كلام صاحب "التحرير". قال النوويّ: وهذا الذي اختاره هو الصحيح الذي لا ينبغي غيره. وعلى هذا اختلفوا في المراد بـ"منعوني عِقالاً"، فقيل: قدر قيمته، وهو ظاهر متصوَّرٌ في زكاة الذهب والفضّة، والمعشرات، والمعدن، والركاز، وزكاة الفطر، وفي المواشي أيضًا في بعض أحوالها، كما إذا وجب عليه سنّ، فلم يكن عنده، ونزل إلى سنّ دونها، واختار أن يردّ عشرين درهما، فمعنه من العشرين قيمة عقال، وكما إذا كانت غنمه سِخالاً، وفيها سَخْلة، فمنعها، وهي تساري عقالاً، ونظائر ما ذكرته كثيرة معروفة في كتب الفقه، وإنما ذكرت هذه الصورة تنبيهًا بها على غيرها، وعلى أنه متصوّرٌ ليس بصعب، فإني رأيت كثيرين ممن لم يعان الفقه يستصعب تصوّره حتى حمله بعضهم -وربما وافقه بعض المتقدّمين- على أن ذلك للمبالغة، وليس متصوّرًا، وهذا غلطٌ قبيحٌ، وجهلٌ صريحٌ. وحكى الخطّابيّ عن بعض العلماء أن معناه: منعوني زكاة العقال، إذا كان من عروض التجارة. وهذا تأويل صحيحٌ أيضًا. ويجوز أن يراد منعوني عقالاً، أي منعوني الحبل نفسه على مذهب من يُجوّز القيمة، ويتصوّر على مذهب الشافعيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- على أحد أقواله، فإن للشافعيّ في الواجب في عروض التجارة ثلاثةَ أقوال: أحدها: يتعيّن أن يأخذ منها عرضًا، حبلاً أو غيره، كما يأخذ من الماشية من جنسها. والثاني: أنه لا يأخذ إلا دراهم، أو دنانير، ربع عشر قيمته، كالذهب والفضّة. والثالث: يتخير بين العرض والنقد. واللَّه أعلم. وحكى الخطابيّ عن بعض أهل العلم أن العقال يؤخذ مع الفريضة، لأن على صاحبها تسليمها، وإنما يقع قبضها التامّ برباطها. قال الخطّابيّ: قال ابن عائشة: كان من عادة الْمُصَدِّق إذا أخذ الصدقة أن يَعْمِد إلى قَرَن -وهو بفتح القاف، والراء- وهو حبلٌ، فيقرن به بين بعيرين، أي يشدّه في أعناقهما لئلا تشرد الإبل. وقال أبو عبيد: وقد بعث النبيّ ﷺ محمد بن مسلمة على الصدقة، فكان يأخذ مع كلّ فريضتين عقالهما، وقرانهما. وكان عمر ﵁ أيضًا يأخذ مع كلّ

стр. 11725

فريضة عقالاً. واللَّه أعلم انتهى كلام النوويّ (١). وحاصل ما ذكره القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- في كتابه "المفهم" من الأقوال في معنى "العقال" خمسة: (الأول): أنه الفريضة من الإبل. رواه ابن وهب عن مالك، وقاله النضر بن شُميل. (الثاني): أنه صدقة عام، قاله الكسائيّ، وأنشد البيت السابق. (الثالث): أنه كلّ شيء يُؤخذ في الزكاة، من أنعام، وثمار؛ لأنه يُعقل عن مالكه. قاله أبو سعيد الضرير. (الرابع): هو ما يأخذه المصدِّق من الصدقة بعينها، فإن أخذ عوضها، قيل: أخذ نقدًا، ومنه قول الشاعر: وَلَمْ يَأْخُذْ عِقَالًا وَلَا نَقْدًا (الخامس): أنه اسم لماً يُعقل به البعير. قاله أبو عُبيد، وقال: قد بعث رسول اللَّه - صلي اللَّه عليه وسلم - محمد بن مسلمة على الصدقة، فكان يأخذ مع كلّ قرين عقالاً، ورِوَاء (٢). قال: والأشبه بمساق أبي بكر أن يُراد بالعقال ما يُعقل به البعير؛ لأنه خرج مخرج التقليل. واللَّه أعلم (٣). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يترجّح لديّ أن رواية "عِقَالًا" صحيحة، وأن أقرب تفسير العقال تفسير من فسّره بالحبل الذي تربط به الدوابّ، وأن من منع إعطاء العقال إذا احتاج إليه الساعي يُعتبر مانعًا لبعض الزكاة. واللَّه تعالى أعلم. (كَانُوا يُؤَدُّونَهُ، إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، لَقَاتلتُهم عَلَى مَنْعِهِ، قَالَ: عُمَرُ ﵁: فَوَاللَّهِ مَا هُوَ) أي ما الأمر والشأن، فالضمير للشأن. وقال السنديّ: أي ما سبب رجوعي إلى رأي أبي بكر انتهى (إِلاَّ أَنْ رَأَيْتُ اللَّهَ) أي علمت، وأيقنت أن اللَّه تعالى (شَرَحَ) أي فتح، ووسع، وليّن (صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ) ﵁ (لِلْقِتَالِ) قال النوويّ: معناه: علمت بأنه جازم بالقتال؛ لما ألقى اللَّهَ ، في قلبه من الطمأنينة لذلك، واستصوابه ذلك (فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ) أي عرفت بما ظهر من الدليل، وأقامه أبو بكر ﵁ من الحجة أن ما عزم عليه هو الحقّ، وليس معنى ذلك أن عمر ﵁ قلد أبا بكر ﵁، فإن المجتهد لا يقلّد المجتهد. وقد زعمت الرافضة أن عمر ﵁ إنما وافق أبا بكر تقليدًا،

стр. 11726

وبنوه على مذهبهم الفاسد في وجوب عصمة الأئمة، وهذه جهالة ظاهرة منهم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا متفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣/ ٢٤٤٣ وفي "الجهاد" ١/ ٣٠٩٠ و ٣٠٩١ و ٣٠٩٢ و ٣٠٩٣ و ٣٠٩٤ و ٣٠٩٥ و "تحريم الدم" ١/ ٣٩٦٩ و ٣٩٧٠ و ٣٩٧١ و ٣٩٧٢ و ٣٩٧٣ و ٣٩٧٤ و ٣٩٧٥ و ٣٩٧٦ و ٣٩٧٧ و ٣٩٧٨ - وفي "الكبرى" ٣/ ٢٢٢٣ و "الجهاد" ١/ ٤٢٩٩ و ٤٣٠٠ و ٤٣٠١ و ٤٣٠٢. وأخرجه (خ) في "الزكاة" ١٤٠٠ و"الجهاد والسير" ٢٩٤٦ و"فضائل القرآن" ٤٩٩٧ و"استتابة المرتدين" ٦٩٢٤ و"الاعتصام بالكتاب والسنة" ٧٢٨٥ (م) في "الإيمان" ٢٠ و ٢١ (ت) في الإيمان" ٢٦٠٦ و ٢٦٠٧ (د) في "الزكاة" ١٥٥٦ و"الجهاد" ٢٦٤٠ (ق) في "المقدّمة" ٧١ و"الفتن" ٣٩٢٧ (أحمد) في "مسند العشرة" ٦٨ و ١١٨ و"باقي مسند المكثرين" ٨٦٨٧ و ٩١٩٠ و ١٠١٤٠ و ١٠٤٥٩. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم مانع الزكاة، وهو مقاتلته، إن امتنع، وناصَبَ الحربَ، وإلا أُخِذت عنه قهرًا، كما يأتي في الباب التالي (ومنها): أن فيه أدلّ دليل على شجاعة أبي بكر ﵁، وتقدّمه في الشجاعة والعلم على غيره، فإنه ثبت للقتال في هذا الموطن العظيم الذي هو أكبر نعمة، أنعم اللَّه تعالى بها على المسلمين بعد رسول اللَّه ﷺ فقد استنبط ﵃ من العلم بدقيق نظره، ورَصَانة فكره ما لم يشاركه في الابتداء به غيره، فلهذا وغيرِهِ مما أكرمه اللَّه تعالى به أجمع أهل الحقّ على أنه أفضل أمة رسول اللَّه ﷺ . وقد صنّف العلماء -رحمهم اللَّه تعالى- في معرفة رجحانه أشياء كثيرةٌ، مشهورةٌ في الأصول وغيرها. ومن أحسنها كتاب "فضائل الصحابة ﵃ " للإمام أبي المظفّر منصور بن محمد السمعانيّ الشافعيّ قاله النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- (١). (ومنها): أن فيه دلالة ظاهرة لمذهب المحققين، والجماهير من السلف والخلف أن

стр. 11727

الإنسان إذا قال: لا إله إلا اللَّه محمدا رسول اللَّه والتزم أحكام دين الإسلام، فإنه مؤمن شرعًا، فإن النبيّ ﷺ حكم بذلك، حيث قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا اللَّه … " إلى أن قال: "فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم … " الحديث. وقد أوجب عليه تعلّم أدلة المتكلّمين كثير من المعتزلة، وبعض من يدّعي الانتساب إلى أهل السنة من المغفّلين، من المتكلمين، وممن انصبغ بأفكار الفلاسفة الملحدين، وهو مذهب مبتدع، لا يعرفه السلف، وإنما أحدثه المعتزلة، وأذنابهم من الذين لا صلة لهم بالأدلة المنقولة، وإنما يخوضون في أفكارهم المنصبغة بأفكار الفلاسفة، فلاحقّ عنده إلا ما أثبته عقله السخيف، فهذا هو عين الخذلان، نعوذ باللَّه من أن نُفْتَنَ عن ديننا، أو نُردّ على أعقابنا بعد إذ هدانا اللَّه، اللَّهم أرنا الحقّ حقا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، إنك أرحم الراحمين. (ومنها): جواز مراجعة الأئمة الأكابر، ومناظرتهم لإظهار الحقّ (ومنها): أن الإيمان شرطه الإقرار بالشهادتين مع اعتقادهما، واعتقاد جميع ما أتى به رسول اللَّه ﷺ ، وقد جمع ذلك النبيّ ﷺ -كما في رواية لمسلم- بقوله: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا اللَّه، ويؤمنوا بما جئت به" (ومنها): وجوب الجهاد (ومنها): صيانة مال من أتى بكلمة التوحيد، ونفسه، ولو كان عند السيف (ومنها): أن الأحكام تُجرَى على الظواهر، واللَّه تعالى يتولّى السرائر (ومنها): أن الصحابة كانو قائلين بجواز القياس والعمل به (ومنها): وجوب قتال مانعي الزكاة، أو الصلاة، أو غيرهما من واجبات الإسلام، قليلاً كان أو كثيرًا؛ لقول أبي بكر ﵁: "لو منعوني عقالًا" أو"عناقًا" (ومنها): جواز التمسّك بالعموم؛ لقوله: "فإن الزكاة حقّ المال" (ومنها): وجوب قتل أهل البغي (ومنها): ما قيل: إِن فيه وجوبَ الزكاة في السخال تبعًا لأمهاتها (ومنها): اجتهاد الأئمة في النوازل، وردّها إلى الأصول، ومناظرة أهل العلم فيها، ورجوع من ظهر له الحقّ إلى قول صاحبه (ومنها): الأدب في المناظرة بترك التصريح بالتخطئة، والعدول إلى التلطّف، والأخذ في إقامة الحجة إلى أن يظهر للمناظر، فلو عاند بعد ظهورها، فحينئذ يستحقّ الإغلاظ بحسب حاله (ومنها): جواز الحلف على الشيء لتأكيده، وان كان دون استحلاف (ومنها): أن الإجماع لا ينعقد إذا خالف من أهل الحلّ والعقد واحد. قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: وهو الصحيح المشهور، وخالف فيه بعض أصحاب الأصول (ومنها): أن فيه قبول توبة الزنديق، وقد تقدّم بيان الخلاف فيه (ومنها): أن فيه منع قتل من قال: "لا إله إلا اللَّه"، ولو لم يزد عليه. قال الحافظ - رحمه اللَّه تعالى -: وهو كذلك، لكن هل يصير بمجرّد ذلك مسلمًا؟ الراجح لا، بل يجب

стр. 11728

الكفّ عن قتله حتى يُخْتَبَر، فإن شهد بالرسالة، والتزم أحكام الإسلام حُكِم بإسلامه، وإلى ذلك الإشارة بالاستثناء بقوله: "إلا بحقّ الإسلام". قال البغويّ -رحمه اللَّه تعالى-: الكافر إذا كان وثنيّا، أو ثنويّا، لا يقرّ بالواحدانيّة، فإذا قال: "لا إله إلا اللَّه" حُكم بإسلامه، ثم يُجبر على قبول جميع أحكام الإسلام، وأن يتبرّأ من كلّ دين يُخالف دين الإسلام، وأما من كان مقرًا بالوحدانية، منكرًا للنبوّة، فإنه لا يحكم بإسلامه حتى يقول: "محمد رسول اللَّه"، فإن كان يعتقد أن الرسالة المحمدية إلى العرب خاصّة، فلا بدّ أن يقول: "إلى جميع الخلق"، فإن كان كفر بجحود واجب، أو استباحة محرّم، فيحتاج أن يرجع عما اعتقده، ومقتضى قوله: "يجبر" أنه إذا لم يلتزم تُجرى عليه أحكام المرتدّ، وبه صرّح القفّال، واستدلّ بحديث الباب، فادعى أنه لم يرد في خبر من الأخبار: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه"، كذا قال، وهي غفلة عظيمة، فالحديث في "صحيحي البخاري ومسلم" في "كتاب الإيمان" من كلّ منهما، من رواية ابن عمر بلفظ: "حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه"، ويحتمل أن يكون المراد بقول: "لا إله إلا اللَّه" هنا التلفظ بالشهادتين؛ لكونها صارت علمًا على ذلك، ويؤيده ورودهما صريحًا في الطرق الأخرى. (ومنها): أنه استُدلّ به على أن الزكاة لا تسقط عن المرتدّ. قال الحافظ: وتُعُقّب بأن المرتدّ كافر، والكافر لا يُطالب بالزكاة، وإنما يُطالب بالإيمان، وليس في فعل الصدّيق حجة، لما ذكرنا، وإنما فيه قتال من منع الزكاة، والذين تمسّكوا بأصل الإسلام، ومنعوا الزكاة بالشبهة التي ذكروها لم يحكم عليهم بالكفر قبل إقامة الحجّة. وقد اختلف الصحابة فيهم بعد الغلبة عليهم، هل تُغنم أموالهم، وتُسبى ذراريّهم كالكفّار، أو لا، كالبغاة؟ فرأى أبو بكر الأول، وعمل به، وناظره عمر في ذلك، وذهب إلى الثاني، ووافقه غيره في خلافته على ذلك، واستقرّ الإجماع عليه في حقّ من جحد شيئًا من الفرائض بشبهة، فيطالب بالرجوع، فإن نصب القتال قوتل، وأقيمت عليه الحجة، فان رجع، وإلا عومل معاملة الكفار حينئذ. ويقال: إن أصبغ من المالكية استقر على القول الأول، فعُدّ من ندرة المخالف. وقال القاضي عياض -رحمه اللَّه تعالى-: يستفاد من هذه القصّة أن الحاكم إذا أدّاه اجتهاده في أمر لا نصّ فيه إلى شيء تجب طاعته فيه، ولو اعتقد بعض المجتهدين خلافه، فإن صار ذلك المجتهد المعتقد خلافه حاكمًا وجب عليه العمل بما أدّاه إليه اجتهاده، وتسوغ له مخالفة الذي قبله في ذلك؛ لأن عمر أطاع أبا بكر ﵄ فيما رأى

стр. 11729

من حقّ مانعي الزكاة مع اعتقاده خلافه، ثم عمل في خلافته بما أدّاه إليه اجتهاده، ووافقه أهل عصره من الصحابة وغيرهم. وهذا مما يُنبّه عليه في الاحتجاج بالإجماع السكوتيّ، فيشترط في الاحتجاج به انتفاء موانع الإنكار، وهذا منها. (ومنها): ما قاله الخطّابيّ -رحمه اللَّه تعالى-: في الحديث أن من أظهر الإسلام أُجريت عليه أحكامه الظاهرة، ولو أسرّ الكفر في نفس الأمر، ومحلّ الخلاف إنما هو فيمن اطُّلِع على مُعتَقَده الفاسد، فأظهر الرجوع، هل يُقبل منه، أو لا؟، وأما من جُهل أمره، فلا خلاف في إجراء الأحكام الظاهرة عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٤ - (بَابُ عُقُوبَةِ مَانِعِ الزَّكَاةِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الفرق بين هذه الترجمة والتي قبلها أن تلك لمن حجد وجوبها، ونصب القتال، فإنه يعاقب بالقتل، وأما هذه فلمن منعها بُخْلًا، من غير جحد لوجوبها، فمعاقبته تكون باخذها منه قهرًا، وزيادة العوبة المالية، لا بالقتل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٤٤٤ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي, عَنْ جَدِّي, قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ , يَقُولُ: «فِي كُلِّ إِبِلٍ سَائِمَةٍ, فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ ابْنَةُ لَبُونٍ, لَا يُفَرَّقُ إِبِلٌ عَنْ حِسَابِهَا, مَنْ أَعْطَاهَا مُؤْتَجِرًا, فَلَهُ أَجْرُهَا, وَمَنْ أَبَى, فَإِنَّا آخِذُوهَا, وَشَطْرَ إِبِلِهِ, عَزْمَةٌ مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا, لَا يَحِلُّ لآلِ مُحَمَّدٍ ﷺ , مِنْهَا شَيْءٌ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عمرو بن عليّ) الفلاّس الصيرفي البصري، ثقة حافظ [١٠] ٤/ ٤. ٢ - (يحيي) بن سعيد القطان البصري الإمام الحجة الثبت [٩] ٤/ ٤. وأما "بهز بن حكيم"، و"أبوه"، و"جدّه" فقد تقدم الكلام عليهم قبل بابين. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات.

стр. 11730

(ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن شيخه هو أحد مشايخ الأئمة الستة الذين رووا عنهم بلا واسطة. واللَّه تعالى أعلم. شرحِ الحديث عن بهز بن حكيم أنه (قال: حَدَّثَنِي أَبِي) حكيم (عَنْ جَدِّي) معاوية بن حَيْدَة ﵁، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، يَقُولُ: (فِي كُلِّ إِبِلٍ سَائِمَةٍ) اسم فاعل من سامت الماشيةُ سَوْمًا، من باب "قال": إذا رَعَت بنفسها، ويتعدّى بالهمزة، فيقال: أسامها راعيها. قال ابن خَالَوَيْهِ: ولم يُستعمل اسم مفعول من الرباعيّ، بل جُعل نسيًا منسيًا، ويقال: أسامها، فهي سائمة. قاله في "المصباح". (فِي كُلِّ أرْبَعِينَ) بدل من الجارّ والمجرور قبله. والظاهر أن هذا إذا زادت الإبل على مائة وعشرين، فلا يخالف الأحاديث الأخرى، على ما سيأتي بيانها في الباب التالي، إن شاء اللَّه تعالى (ابْنَةُ لَبُونٍ) هي التي دخلت في السنة الثالثة، من أولاد الناقة، والذكر ابن لبون، سميت بذلك؛ لأن أمها ولدت غيرها، فصار لها لبن، وجع الذكور كالإناث، يقال: بنات لبون. (لَا يُفَرَّقُ إِبِلٌ عَنْ حِسَابِهَا) ببناء الفعل للمفعول، أي لا يجوز لأحد الخليطين أن يُفرّق إبله عن إبل صاحبه؛ فرارًا من الصدقة، فقوله: "عن حسابها": أي عن مقدارها، وعددها الذي تجب فيه الزكاة، كما إذا كان لأحد الخليطين ثلاث من الإبل، وللآخر اثنان، فإن في مجموعها شاة، ولو فرقاها لا يجب عليهما شيء (١). وقال السنديّ: قوله: "لا يفرّق الخ": أي يُحَاسَبُ الكلُّ في الأربعين، ولا يُترك هزال، ولا سمين، ولا صغير، ولا كبير، نعم العامل لا يأخذ إلا الوسط (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: التفسير الأول أوضح. واللَّه تعالى أعلم. (مَنْ أَعْطَاهَا مُؤْتَجِرًا) بالهمز، أي طالبًا للأجر (فَلَهُ أَجْرُهَا، وَمَنْ أَبَي) أي امتنع من إعطائها طوعًا (فَإِنَّا آخِذُوهَا) أي آخذون إياها منه قهرًا. واستُدلّ به على أنه يجوز للإمام أن يأخذ الزكاة قهرًا إذا لم يرضَ ربُّ المال، وعلى أنه يُكتَفَى بنية الإمام، كما ذهب إليه الشافعيّ، وبعض أهل العلم. وعلى أن ولاية قبض الزكاة إلى الإمام. وإلى هذا ذهب الحنفية، ومالك، والشافعيّ في أحد قوليه (٣) (وَشَطْرَ إِبِلِهِ) أي نصف إبله عقوبةً له على منع الزكاة. وفي نسخة: "وشطر ماله". وأفادت رواية
следующие страницы →