وبنوه على مذهبهم الفاسد في وجوب عصمة الأئمة، وهذه جهالة ظاهرة منهم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣/ ٢٤٤٣ وفي "الجهاد" ١/ ٣٠٩٠ و ٣٠٩١ و ٣٠٩٢ و ٣٠٩٣ و ٣٠٩٤ و ٣٠٩٥ و "تحريم الدم" ١/ ٣٩٦٩ و ٣٩٧٠ و ٣٩٧١ و ٣٩٧٢ و ٣٩٧٣ و ٣٩٧٤ و ٣٩٧٥ و ٣٩٧٦ و ٣٩٧٧ و ٣٩٧٨ - وفي "الكبرى" ٣/ ٢٢٢٣ و "الجهاد" ١/ ٤٢٩٩ و ٤٣٠٠ و ٤٣٠١ و ٤٣٠٢.
وأخرجه (خ) في "الزكاة" ١٤٠٠ و"الجهاد والسير" ٢٩٤٦ و"فضائل القرآن" ٤٩٩٧ و"استتابة المرتدين" ٦٩٢٤ و"الاعتصام بالكتاب والسنة" ٧٢٨٥ (م) في "الإيمان" ٢٠ و ٢١ (ت) في الإيمان" ٢٦٠٦ و ٢٦٠٧ (د) في "الزكاة" ١٥٥٦ و"الجهاد" ٢٦٤٠ (ق) في "المقدّمة" ٧١ و"الفتن" ٣٩٢٧ (أحمد) في "مسند العشرة" ٦٨ و ١١٨ و"باقي مسند المكثرين" ٨٦٨٧ و ٩١٩٠ و ١٠١٤٠ و ١٠٤٥٩. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم مانع الزكاة، وهو مقاتلته، إن امتنع، وناصَبَ الحربَ، وإلا أُخِذت عنه قهرًا، كما يأتي في الباب التالي (ومنها): أن فيه أدلّ دليل على شجاعة أبي بكر ﵁، وتقدّمه في الشجاعة والعلم على غيره، فإنه ثبت للقتال في هذا الموطن العظيم الذي هو أكبر نعمة، أنعم اللَّه تعالى بها على المسلمين بعد رسول اللَّه ﷺ فقد استنبط ﵃ من العلم بدقيق نظره، ورَصَانة فكره ما لم يشاركه في الابتداء به غيره، فلهذا وغيرِهِ مما أكرمه اللَّه تعالى به أجمع أهل الحقّ على أنه أفضل أمة رسول اللَّه ﷺ . وقد صنّف العلماء -رحمهم اللَّه تعالى- في معرفة رجحانه أشياء كثيرةٌ، مشهورةٌ في الأصول وغيرها. ومن أحسنها كتاب "فضائل الصحابة ﵃ " للإمام أبي المظفّر منصور بن محمد السمعانيّ الشافعيّ قاله النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- (١).
(ومنها): أن فيه دلالة ظاهرة لمذهب المحققين، والجماهير من السلف والخلف أن
стр. 11727
الإنسان إذا قال: لا إله إلا اللَّه محمدا رسول اللَّه والتزم أحكام دين الإسلام، فإنه مؤمن شرعًا، فإن النبيّ ﷺ حكم بذلك، حيث قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا اللَّه … " إلى أن قال: "فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم … " الحديث.
وقد أوجب عليه تعلّم أدلة المتكلّمين كثير من المعتزلة، وبعض من يدّعي الانتساب إلى أهل السنة من المغفّلين، من المتكلمين، وممن انصبغ بأفكار الفلاسفة الملحدين، وهو مذهب مبتدع، لا يعرفه السلف، وإنما أحدثه المعتزلة، وأذنابهم من الذين لا صلة لهم بالأدلة المنقولة، وإنما يخوضون في أفكارهم المنصبغة بأفكار الفلاسفة، فلاحقّ عنده إلا ما أثبته عقله السخيف، فهذا هو عين الخذلان، نعوذ باللَّه من أن نُفْتَنَ عن ديننا، أو نُردّ على أعقابنا بعد إذ هدانا اللَّه، اللَّهم أرنا الحقّ حقا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، إنك أرحم الراحمين.
(ومنها): جواز مراجعة الأئمة الأكابر، ومناظرتهم لإظهار الحقّ (ومنها): أن الإيمان شرطه الإقرار بالشهادتين مع اعتقادهما، واعتقاد جميع ما أتى به رسول اللَّه ﷺ ، وقد جمع ذلك النبيّ ﷺ -كما في رواية لمسلم- بقوله: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا اللَّه، ويؤمنوا بما جئت به" (ومنها): وجوب الجهاد (ومنها): صيانة مال من أتى بكلمة التوحيد، ونفسه، ولو كان عند السيف (ومنها): أن الأحكام تُجرَى على الظواهر، واللَّه تعالى يتولّى السرائر (ومنها): أن الصحابة كانو قائلين بجواز القياس والعمل به (ومنها): وجوب قتال مانعي الزكاة، أو الصلاة، أو غيرهما من واجبات الإسلام، قليلاً كان أو كثيرًا؛ لقول أبي بكر ﵁: "لو منعوني عقالًا" أو"عناقًا" (ومنها): جواز التمسّك بالعموم؛ لقوله: "فإن الزكاة حقّ المال" (ومنها): وجوب قتل أهل البغي (ومنها): ما قيل: إِن فيه وجوبَ الزكاة في السخال تبعًا لأمهاتها (ومنها): اجتهاد الأئمة في النوازل، وردّها إلى الأصول، ومناظرة أهل العلم فيها، ورجوع من ظهر له الحقّ إلى قول صاحبه (ومنها): الأدب في المناظرة بترك التصريح بالتخطئة، والعدول إلى التلطّف، والأخذ في إقامة الحجة إلى أن يظهر للمناظر، فلو عاند بعد ظهورها، فحينئذ يستحقّ الإغلاظ بحسب حاله (ومنها): جواز الحلف على الشيء لتأكيده، وان كان دون استحلاف (ومنها): أن الإجماع لا ينعقد إذا خالف من أهل الحلّ والعقد واحد. قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: وهو الصحيح المشهور، وخالف فيه بعض أصحاب الأصول (ومنها): أن فيه قبول توبة الزنديق، وقد تقدّم بيان الخلاف فيه (ومنها): أن فيه منع قتل من قال: "لا إله إلا اللَّه"، ولو لم يزد عليه. قال الحافظ - رحمه اللَّه تعالى -: وهو كذلك، لكن هل يصير بمجرّد ذلك مسلمًا؟ الراجح لا، بل يجب
стр. 11728
الكفّ عن قتله حتى يُخْتَبَر، فإن شهد بالرسالة، والتزم أحكام الإسلام حُكِم بإسلامه، وإلى ذلك الإشارة بالاستثناء بقوله: "إلا بحقّ الإسلام".
قال البغويّ -رحمه اللَّه تعالى-: الكافر إذا كان وثنيّا، أو ثنويّا، لا يقرّ بالواحدانيّة، فإذا قال: "لا إله إلا اللَّه" حُكم بإسلامه، ثم يُجبر على قبول جميع أحكام الإسلام، وأن يتبرّأ من كلّ دين يُخالف دين الإسلام، وأما من كان مقرًا بالوحدانية، منكرًا للنبوّة، فإنه لا يحكم بإسلامه حتى يقول: "محمد رسول اللَّه"، فإن كان يعتقد أن الرسالة المحمدية إلى العرب خاصّة، فلا بدّ أن يقول: "إلى جميع الخلق"، فإن كان كفر بجحود واجب، أو استباحة محرّم، فيحتاج أن يرجع عما اعتقده، ومقتضى قوله: "يجبر" أنه إذا لم يلتزم تُجرى عليه أحكام المرتدّ، وبه صرّح القفّال، واستدلّ بحديث الباب، فادعى أنه لم يرد في خبر من الأخبار: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه"، كذا قال، وهي غفلة عظيمة، فالحديث في "صحيحي البخاري ومسلم" في "كتاب الإيمان" من كلّ منهما، من رواية ابن عمر بلفظ: "حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه"، ويحتمل أن يكون المراد بقول: "لا إله إلا اللَّه" هنا التلفظ بالشهادتين؛ لكونها صارت علمًا على ذلك، ويؤيده ورودهما صريحًا في الطرق الأخرى.
(ومنها): أنه استُدلّ به على أن الزكاة لا تسقط عن المرتدّ. قال الحافظ: وتُعُقّب بأن المرتدّ كافر، والكافر لا يُطالب بالزكاة، وإنما يُطالب بالإيمان، وليس في فعل الصدّيق حجة، لما ذكرنا، وإنما فيه قتال من منع الزكاة، والذين تمسّكوا بأصل الإسلام، ومنعوا الزكاة بالشبهة التي ذكروها لم يحكم عليهم بالكفر قبل إقامة الحجّة.
وقد اختلف الصحابة فيهم بعد الغلبة عليهم، هل تُغنم أموالهم، وتُسبى ذراريّهم كالكفّار، أو لا، كالبغاة؟ فرأى أبو بكر الأول، وعمل به، وناظره عمر في ذلك، وذهب إلى الثاني، ووافقه غيره في خلافته على ذلك، واستقرّ الإجماع عليه في حقّ من جحد شيئًا من الفرائض بشبهة، فيطالب بالرجوع، فإن نصب القتال قوتل، وأقيمت عليه الحجة، فان رجع، وإلا عومل معاملة الكفار حينئذ. ويقال: إن أصبغ من المالكية استقر على القول الأول، فعُدّ من ندرة المخالف.
وقال القاضي عياض -رحمه اللَّه تعالى-: يستفاد من هذه القصّة أن الحاكم إذا أدّاه اجتهاده في أمر لا نصّ فيه إلى شيء تجب طاعته فيه، ولو اعتقد بعض المجتهدين خلافه، فإن صار ذلك المجتهد المعتقد خلافه حاكمًا وجب عليه العمل بما أدّاه إليه اجتهاده، وتسوغ له مخالفة الذي قبله في ذلك؛ لأن عمر أطاع أبا بكر ﵄ فيما رأى
стр. 11729
من حقّ مانعي الزكاة مع اعتقاده خلافه، ثم عمل في خلافته بما أدّاه إليه اجتهاده، ووافقه أهل عصره من الصحابة وغيرهم. وهذا مما يُنبّه عليه في الاحتجاج بالإجماع السكوتيّ، فيشترط في الاحتجاج به انتفاء موانع الإنكار، وهذا منها.
(ومنها): ما قاله الخطّابيّ -رحمه اللَّه تعالى-: في الحديث أن من أظهر الإسلام أُجريت عليه أحكامه الظاهرة، ولو أسرّ الكفر في نفس الأمر، ومحلّ الخلاف إنما هو فيمن اطُّلِع على مُعتَقَده الفاسد، فأظهر الرجوع، هل يُقبل منه، أو لا؟، وأما من جُهل أمره، فلا خلاف في إجراء الأحكام الظاهرة عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٤ - (بَابُ عُقُوبَةِ مَانِعِ الزَّكَاةِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الفرق بين هذه الترجمة والتي قبلها أن تلك لمن حجد وجوبها، ونصب القتال، فإنه يعاقب بالقتل، وأما هذه فلمن منعها بُخْلًا، من غير جحد لوجوبها، فمعاقبته تكون باخذها منه قهرًا، وزيادة العوبة المالية، لا بالقتل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٤٤٤ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي, عَنْ جَدِّي, قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ , يَقُولُ: «فِي كُلِّ إِبِلٍ سَائِمَةٍ, فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ ابْنَةُ لَبُونٍ, لَا يُفَرَّقُ إِبِلٌ عَنْ حِسَابِهَا, مَنْ أَعْطَاهَا مُؤْتَجِرًا, فَلَهُ أَجْرُهَا, وَمَنْ أَبَى, فَإِنَّا آخِذُوهَا, وَشَطْرَ إِبِلِهِ, عَزْمَةٌ مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا, لَا يَحِلُّ لآلِ مُحَمَّدٍ ﷺ , مِنْهَا شَيْءٌ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عمرو بن عليّ) الفلاّس الصيرفي البصري، ثقة حافظ [١٠] ٤/ ٤.
٢ - (يحيي) بن سعيد القطان البصري الإمام الحجة الثبت [٩] ٤/ ٤.
وأما "بهز بن حكيم"، و"أبوه"، و"جدّه" فقد تقدم الكلام عليهم قبل بابين. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات.
стр. 11730
(ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن شيخه هو أحد مشايخ الأئمة الستة الذين رووا عنهم بلا واسطة. واللَّه تعالى أعلم.
شرحِ الحديث
عن بهز بن حكيم أنه (قال: حَدَّثَنِي أَبِي) حكيم (عَنْ جَدِّي) معاوية بن حَيْدَة ﵁، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، يَقُولُ: (فِي كُلِّ إِبِلٍ سَائِمَةٍ) اسم فاعل من سامت الماشيةُ سَوْمًا، من باب "قال": إذا رَعَت بنفسها، ويتعدّى بالهمزة، فيقال: أسامها راعيها. قال ابن خَالَوَيْهِ: ولم يُستعمل اسم مفعول من الرباعيّ، بل جُعل نسيًا منسيًا، ويقال: أسامها، فهي سائمة. قاله في "المصباح".
(فِي كُلِّ أرْبَعِينَ) بدل من الجارّ والمجرور قبله. والظاهر أن هذا إذا زادت الإبل على مائة وعشرين، فلا يخالف الأحاديث الأخرى، على ما سيأتي بيانها في الباب التالي، إن شاء اللَّه تعالى (ابْنَةُ لَبُونٍ) هي التي دخلت في السنة الثالثة، من أولاد الناقة، والذكر ابن لبون، سميت بذلك؛ لأن أمها ولدت غيرها، فصار لها لبن، وجع الذكور كالإناث، يقال: بنات لبون.
(لَا يُفَرَّقُ إِبِلٌ عَنْ حِسَابِهَا) ببناء الفعل للمفعول، أي لا يجوز لأحد الخليطين أن يُفرّق إبله عن إبل صاحبه؛ فرارًا من الصدقة، فقوله: "عن حسابها": أي عن مقدارها، وعددها الذي تجب فيه الزكاة، كما إذا كان لأحد الخليطين ثلاث من الإبل، وللآخر اثنان، فإن في مجموعها شاة، ولو فرقاها لا يجب عليهما شيء (١).
وقال السنديّ: قوله: "لا يفرّق الخ": أي يُحَاسَبُ الكلُّ في الأربعين، ولا يُترك هزال، ولا سمين، ولا صغير، ولا كبير، نعم العامل لا يأخذ إلا الوسط (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: التفسير الأول أوضح. واللَّه تعالى أعلم.
(مَنْ أَعْطَاهَا مُؤْتَجِرًا) بالهمز، أي طالبًا للأجر (فَلَهُ أَجْرُهَا، وَمَنْ أَبَي) أي امتنع من إعطائها طوعًا (فَإِنَّا آخِذُوهَا) أي آخذون إياها منه قهرًا.
واستُدلّ به على أنه يجوز للإمام أن يأخذ الزكاة قهرًا إذا لم يرضَ ربُّ المال، وعلى أنه يُكتَفَى بنية الإمام، كما ذهب إليه الشافعيّ، وبعض أهل العلم. وعلى أن ولاية قبض الزكاة إلى الإمام. وإلى هذا ذهب الحنفية، ومالك، والشافعيّ في أحد قوليه (٣) (وَشَطْرَ إِبِلِهِ) أي نصف إبله عقوبةً له على منع الزكاة. وفي نسخة: "وشطر ماله". وأفادت رواية
стр. 11731
"إبله" أن العقوبة بأخذ نصف المال إنما تكون في نوع المال الذي وجبت فيه الزكاة، لا في جميع ماله الذي يملكه، واللَّه تعالى أعلم.
فقوله: "شطرَ" بالنصب عطفًا على الضمير في "آخِذُوها" باعتبار محلّه.
وقال السنديّ: المشهور رواية سكون الطاء من "شطر" على أنه بمعنى النصف، وهو بالنصب عطف على ضمير "آخذوها"؛ لأنه مفعول، وسقط نون الجمع للاتصال، أو هو مضاف إليه، إلا أنه عطف على محلّه، ويجوز جرّه أيضًا. انتهى.
وقال ابن الأثير الجزريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "النهاية": قال الحربيّ: غَلِطَ بَهْزٌ الراوي في لفظ الرواية, إنما هو "وشُطِّرَ مالُهُ"، أي يجعل ماله شطرين، ويَتخيّر الْمُصَدِّق، فيأخذ الصدقة من خير النصفين، عقوبةً لمنعه الزكاة، فأما ما لا تلزمه فلا.
وقال الخطّابيّ في قول الحربيّ: لا أعرف هذا الوجه. وقيل: معناه إن الحقّ مُسْتَوْفًى منه، غيرُ متروك عليه، وإن تلف شطر ماله، كرجل كان له ألف شاة مثلاً، فتلفت، حتى لم يبقَ له إلا عشرون، فإنه يُؤخذ منه عشر شِياه لصدقة الألف، وهو شطر ماله الباقي.
وهذا أيضًا بعيد؛ لأنه قال: "إنا آخذوها، وشطر ماله"، ولم يقل: إنا آخذو شطر ماله. وقيل: إنه كان في صدر الإسلام يقع بعض العقوبات في الأموال، ثم نُسخ، كقوله في الثمر المعلّق: "من خرج بشيء منه، فعليه غرامة مثليه، والعقوبة". وكقوله في ضالّة الإبل المكتومة: "غرامتها، ومثلها معها". وله في الحديث نظائر. وقد أخذ أحمد بن حنبل بشيء من هذا، وعمل به، وقال الشافعيّ في القديم: من منع زكاة ماله أُخذت منه، وأُخذ شطر ماله، عقوبةً على منعه، واستدلّ بهذا الحديث، وقال في الجديد: لا يؤخذ منه إلا الزكاة لا غير، وجعلَ هذا الحديث منسوخًا، وقال: كان ذلك حيث كانت العقوبات في المال، ثم نُسخت. ومذهب عامة الفقهاء أن لا واجب على متلف الشيء أكثر من مثله، أو قيمته انتهى كلام ابن الأثير (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: سيأتي تحقيق الخلاف، وترجيح الراجح في هذا في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى.
(عَزْمَةٌ مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا) بالرفع على أنه خبر لمحذوف، أي هذه عزمةٌ. ويجوز نصبه على أنه مفعول مطلق لفعل محذوف، أي عَزَمَ اللَّهُ تعالى علينا هذا عزمةً. والعزمة في اللغة: الجدّ في الأمر، والمراد بها هنا الحقّ الواجب، وعزمات اللَّه تعالى حقوقه، وواجباته (٢).
стр. 11732
(لَا يَحِلُّ لِآلِ مُحَمَّدٍ، ﷺ ، مِنْهَا شَيْءٌ") يعني أن الزكاة حقّ من حقوق اللَّه تعالى، ليس لآل محمد ﷺ فيها نصيب، وإنما أصحابها المستحقّون لها هم الذين بيّنهم اللَّه تعالى في قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ الآية [التوبة: ٦٠].واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جدّه، معاوية بن حَيْدَة ﵁ هذا صحيح.
[تنبيه]: مما يتعيّن توضيحه هنا الكلام في بهز بن حكيم، وحديثِهِ، فإنه قد تكلّم فيه بعض أهل العلم:
(اعلم): أن بَهْزَ بن حكيم -رحمه اللَّه تعالى- قد وثقه أكثر الأئمة (١): أحمد، وابن معين، وابن المدينيّ، والنسائيّ. وقال ابن معين: بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جدّه إسناد صحيح، إذا كان دون بهز ثقة. وقال أبو زرعة: صالح. وقال أبو داود: هو عندي حجة. وقال الترمذيّ: ثقة عند أهل الحديث. وكان شعبة يتكلم فيه، فلما تبيّن له كونه ثقة روى عنه.
وقال أبو جعفر السبتيّ: إسناد بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جدّه صحيح. وقال ابن قتيبة: كان من خيار الناس. وقال ابن عديّ: قد روى عنه ثقات الناس، وقد روى عنه الزهريّ حديثين، ذكرهما، ولم أر أحدًا من الثقات تخلف عنه في الرواية، ولم أر له حديثًا منكرًا، وأرجو أنه إذا حدث عنه ثقة فلا بأس بحديثه.
وتكلم فيه بعضهم، فمنهم: الشافعيّ، وأبو حاتم، وابن حبّان، والحاكم، وأحمد ابن بشير، وابن حزم، وابن الطلاّع:
فأما الشافعيّ، فقال: ليس بهز بحجة، وهذا الحديث لا يثبته أهل العلم بالحديث.
والظاهر عنه أنه إنما تكلم فيه لهذا الحديث، فجوابه أنه وثقه جماهير المحدثين، وصححوا حديثه، كما تقدّم قريبًا.
وأما أبو حاتم، فقال: هو شيخ يُكتب حديثه، ولا يحتجّ به. وقال أيضًا: عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جدّه أحبّ إليّ.
ومن المعلوم أن أبا حاتم متشددٌ، فجرحه مخالفًا للأئمة المتقدمين غير مؤثّر في صحة حديث بهز. وقد قال الحافظ أبو الحسن ابن القطان: وقول أبي حاتم: لا يحتجّ
стр. 11733
به لا ينبغي أن يُقبل منه إلا بحجة، وبهز ثقة عند من علمه، وقد وثقه غير من ذُكر - وقد وثقه ابن معين، وابن المدينيّ، والنسائيّ، وابن الجارود، وصحّح الترمذيّ روايته عن أبيه، عن جدّه. انتهى ببعض تصرّف (١).
وأما ابن حبان فإنه قال: كان يخطئ كثيرًا، فأما أحمد، وإسحاق فهما يحتجّان به، وتركه جماعة من أئمتنا، ولولا حديثه: "إنا آخذوها، وشطر ماله" لأدخلناه في "الثقات"، وهو ممن أستخير اللَّه فيه انتهى.
والجواب عن هذا أن ابن حبّان إنما ضعفه لأجل حديث الباب، لا لأمر آخر، فقد صرح بقوله: لولا هذا الحديث لأدخلته في "الثقات"، وهذا منه غير مقبول، فإن الثقة إذا تفرّد برواية حديث، بلا مخالفة، فكيف لا يقبل حديثه؟، إن هذا لشيء عجيب.
وأما الحاكم، فقال: كان من الثقات، ممن يُجمع حديثه، وإنما أُسقط من الصحيح روايته عن أبيه، عن جدّه؛ لأنها شاذّة، لا متابع له عليها انتهى.
والجواب عنه هو الجواب عن كلام ابن حبّان لأن الظاهر أن كلامه نظير كلامه فحواهما واحد.
وأما أحمد بن بشير، فقال: أتيت البصرة في طلب الحديث، فأتيت بهزًا، فوجدته يلعب بالشَّطْرنج مع قوم، فتركته، ولم أسمع منه انتهى.
وقد أجاب عنه الحافظ ابن القطّان، فقال: وليس ذلك بضائر له، فإن استباحة الشطرنج مسألة فقهيّة مجتهدٌ فيها (٢).
وأما ابن حزم، فقال: غير مشهور. وأما ابن الطلاع، فقال: إنه مجهول.
وقد تُعُقّبا بأنه قد قد عرفه الأئمة الكبار الذين تقدّم ذكرهم، ووثقوه، فلا يضرّه جهلهما له. واللَّه تعالى أعلم.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما ذكر أن بهز بن حكيم ثقة وأن حديثه صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب (٣).
стр. 11734
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤/ ٢٤٤٤ و ٧/ ٢٤٤٩ - وفي "الكبرى" ٤/ ٢٢٢٤ و ٧/ ٢٢٢٩.
وأخرجه (د) في "الزكاة" ١٥٧٥٠ (أحمد) في "مسند البصريين" ١٩٥٣٤ (الدارميّ) في "الزكاة" ١٦٧٧. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو مشروعية عقوبة مانع الزكاة بأخذ شطر ماله الذي وجب فيه الزكاة (ومنها): بيان أن الواجب في كلّ أربعين من الإبل ابنة لبون، وهذا كما سبق إنما هو بعد مائة وعشرين، كما هو المعروف في كتب الصدقات التي كتبها أبو بكر لأنس بن مالك ﵄، كما سيأتي بيانه في -٥/ ٢٤٤٧ - إن شاء اللَّه تعالى (ومنها): أنه لا تجب الزكاة في المعلوفة، لتقييده بقوله: "سائمة"، وفيه خلاف، سيأتي تحقيقه في -٧/ ٢٤٤٩ - إن شاء اللَّه تعالى (ومنها): أنه لا يجوز التفريق للخليطين بين إبليهما، خشية الصدقة (ومنها): أن من أَعطَى زكاته عن طيب نفس، طالبًا الأجر من اللَّه تعالى، فله الأجر العظيم، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في مشروعية العقوبة بأخذ المال:
ذهب الأئمة: أحمد، وإسحاق، والشافعيّ في القديم عنه إلى جواز العقوبة بالمال، أخذًا بظاهر حديث الباب، وبالحديث المتفق عليه في همّ النبيّ ﷺ بتحريق بيوت المتخلّفين عن الجماعة، وقد تقدم ذلك في بابه.
وبحديث عمر ﵁، مرفوعًا: "إذا وجدتم الرجل قد غلّ، فأحرقوا متاعه". أخرجه أبو داود. لكن في سنده صالح بن محمد بن زائدة المدنيّ، ضعيف. وقال البخاريّ: عامة أصحابنا يحتجون به، وهو باطل. وقال الدارقطنيّ: أنكروه على صالح، ولا أصل له, والمحفوظ أن سالمًا أمر بذلك في رجل غلّ في غزاة مع الوليد ابن هشام. قال أبو داود: وهذا أصحّ.
وبحديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄: "أن النبيّ ﷺ ، وأبا بكر، وعمر أحرقوا متاع الغالّ، وضربوه". أخرجه أبو داود، والحاكم. لكن في سنده زهير بن محمد، قيل: هو الخراسانيّ، وقيل: غيره، وهو مجهول.
وبحديث سعد بن أبي وقّاص ﵁، قال: سمعت النبيّ ﷺ يقول: "من وجدتموه يصيد فيه -يعني حرم المدينة- فخذوا سَلَبَه". أخرجه مسلم.
وبحديث ابن عمر ﵄: أن النبيّ ﷺ سُئل عن الثمر المعلّق؟ فقال: "من أصاب
стр. 11735
بفيه من ذي حاجة، غير متّخذ خُبْنة (١)، فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه، فعليه غرامة مثليه، والعقوبة، ومن سرق منه شيئًا بعد أن يُؤويه الْجَرِين، فبلغ ثمن الْمِجَنّ، فعليه القطع". أخرجه أبو داود، والنسائيّ، والحاكم، وصححه.
وبقصّة المدديّ الذي أغلظ لأجله الكلامَ عوفُ بنُ مالك على خالد بن الوليد لَمّا أخذ سَلَبه، فقال النبيّ ﷺ : "لا تردّ عليه". أخرجه مسلم.
وبإحراق عليّ ﵁ طعام المحتكرين، ودور قوم يبيعون الخمر، وهدمه دار جرير ابن عبد اللَّه، ومُشاطرة عمر لسعد بن أبي وقّاص في ماله الذي جاء به من العمل الذي بعثه إليه. وتضمينه لحاطب بن أبي بلتعة مثلي قيمة الناقة التي غصبها عبيده، وانتحروها. وتغليظه هو، وابن عباس الدية على من قتل في الشهر الحرام في البلد الحرام.
وذهب الجمهور إلى أن العقوبة بالمال غير مشروعة، ولا فرق في ذلك بين مانع الزكاة، والغالّ في الصدقة، والغنيمة، وغيرهما.
وأجابوا عن الأدلة المتقدّمة بأجوبة:
أما عن حديث بهز بأنه لم يثبت، فقد قال الشافعيّ: ليس بهز حجة، وهذا الحديث لا يثبته أهل العلم بالحديث؛ ولو ثبت لقلنا به، وكان قال به في القديم. وسئل عنه أحمد؟ فقال: لا أدري ما وجهه؟، فسئل عن إسناده؟ فقال: صالح الإسناد.
وتعقب بأنه حديث صحيح ثابت، فقد قال ابن معين: إسناده صحيح. وسئل عنه أحمد؟ فقال: صالح الإسناد، وصححه غيرهما، وقد تقدّم تمام الكلام عليه في المسألة الأولى الماضية قريبًا، وباللَّه تعالى التوفيق.
وقال البيهقيّ وغيره: حديث بهز هذا منسوخ.
وتعقبه النوويّ بأن الذي ادعوه من كون العقوبة كانت بالأموال في أول الإسلام ليس بثابت، ولا معروف، ودعوى النسخ غير مقبولة مع الجهل بالتاريخ.
وزعم الشافعيّ أن الناسخ له حديث ناقة البراء ﵁، لأنه ﷺ حكم عليه بضمان ما أفسدت، ولم يُنقل أنه ﷺ -في تلك القضيّة أضعف الغرامة.
وفيه ما تقدّم من الجهل بالتاريخ، وبأن تركه ﷺ للمعاقبة بأخذ المال في هذه القضيّة لا يستلزم الترك مطلقًا، ولا يصحّ للتمسّك به على عدم الجواز، وجعله ناسخًا البتّة.
وأجابو أيضًا بما تقدّم من كلام إبراهيم الحربيّ بأن الراوي وَهِمَ فيه، والصواب:
стр. 11736
"فإنا آخذوها من شطر ماله"، أي يُجعل ماله شطرين، ويتخيّر عليه المصدّق، ويأخذ الصدقة من خير الشطرين، عقوبة لمنعه الزكاة، وأما ما لا يلزمه فلا.
وبما قال بعضهم: إن لفظة: "وشُطِرَ مالُهُ" بضم الشين المعجمة، وكسر الطاء المهملة، فعل مبنيّ للمجهول، أي جعل ماله شطرين، يأخذ المصدّق من أي الشطرين أراد.
وتعقّب بأن الأخذ من خير الشطرين يصدق عليه اسم العقوبة بالمال؛ لأنه زائد على الواجب، وبأنه يستلزم تغليط الثقة بدون ضرورة.
وأجابو عن حديث همّ النبيّ ﷺ بالإحراق بأن السنة أقوال، وأفعال، وتقريرات، والهمّ ليس من الثلاثة.
وتعقّب بأن الهمّ من النبيّ ﷺ من السنّة عند المحققين، كما هو موضّح في كتب مصطلح أهل الحديث، وفي كتب الأصول أيضًا، وبأنه ﷺ -لا يهمّ إلا بالجائز.
وأما حديثًا عمر، وعبد اللَّه بن عمرو، فأجابو عنهما بما تقدم من ضعف الإسناد.
وأجابوا عن حديث قصة أخذ سَلَب من يصيد في المدينة؛ بأنه ﷺ عيّن نوع الفدية هنا بأنها سَلَبُ الصائد فيُقتصر فيه على السبب، لقصور العلّة التي هي هتك الحرمة عن التعدية.
وعن قصة المدديّ بأنها واردة على سبب خاص، فلا يُجاوَزُ بها إلى غيره؛ لأنها، وسائر أحاديث الباب مما ورد على خلاف القياس لورود الأدلة كتابًا، وسنّةً بتحريم مال الغير، قال اللَّه تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً﴾ الآية وقال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ الآية [البقرة: ١٨٨].
وقال ﷺ في خطبة حجة الوداع: "إن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم بينكم حرام … " الحديث.
وأما تحريق عليّ طعام المحتكرين، ودور القوم، وهدمه دار جرير، فبعد تسليم صحّة الإسناد إليه، وانتهاض فعله للاحتجاج به يجاب عنه بأن ذلك من قطع ذرائع الفساد، كهدم مسجد الضرار، وتكسير المزامير. وأما المرويّ عن عمر من ذلك، فيجاب عنه إن ثبت بأنه أيضًا قول صحابيّ، لا ينتهض للاحتجاج به، ولا يَقوَى على تخصيص عمومات الكتاب والسنّة. وكذلك المرويّ عن ابن عباس ﵄. أفاده العلامة الشوكانيّ -رحمه اللَّه تعالى- في كتابه "نيل الأوطار"، ونقلته عنه بتصرّف (١).
стр. 11737
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما ذكر أن الصحيح أن عقوبة مانع الزكاة بأخذ شطر ماله مشروع لصحة حديث الباب، وأما قياس جواز العقوبة بالمال في غير موارد النصّ، فغير صحيح، لما مرّ آنفا.
وخلاصة المسألة أن قول الجمهور بعدم مشروعيّة العقوبة بالمال مطلقًا حتى في المواضع التي صحّت عن النبيّ ﷺ ، مثل حديث الباب، محتجين بالنصوص العامة المتقدمة ونحوها في تحريم مال المسلم فيه نظرٌ؛ لأن حرمة مال المسلم مشروط بقوله ﷺ : "إلا بحقه"، وما ثبت عنه ﷺ كحديث الباب، فإنه من حقّه، فلا تتناوله نصوص التحريم. وكذلك القول بجواز العقوبه به مطلقًا، كما يقول الآخرون فيه نظر أيضًا؛ لقوة نصوص منع مال المسلم إلا بحقّه، فما لم يصحّ عنه ﷺ لا يجوز استعمال القياس فيه؛ لتلك النصوص، فالقياس مع النص باطل. وما صحّ عنه استثناؤه، فالعمل به واجب.
والحاصل أن عقوبة مانع الزكاة بأخذ شطر ماله مشروع؛ للأدلة المذكورة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٥ - (بَابُ زَكَاةِ الإِبِلِ)
قال الفيّوميّ -رحمه اللَّه تعالى-: "الإبُل" -بكسرتين-: اسم جمع لا واحد لها، وهي مؤنّثة؛ لأن اسم الجمع الذي لا واحد له من لفظه إذا كان لما لا يعقل يلزمه التأنيث، وتدخله الهاء إذا صُغّر، نحو أُبَيلةٍ، وغُنَيمةٍ، وسُمع إسكان الباء للتخفيف، ومن التأنيثِ، وإسكانِ الباء قولُ أبي النَّجْم [من الرجز]:
وَالإبْلُ لَا تَصْلُحُ لِلبُسْتَانِ … وَحَنَّتِ الإبْلُ إِلَى الأَوْطَانِ
والجمع آبال، وأَبِيل، وزانُ عَبِيد، وإذا ثُنّي، أو جُمِع، فالمراد به قَطِيعان، أو قَطِيعاتٌ، وكذلك أسماء الجموع، نحوُ أبقارٍ، وأَغنامٍ. والإبِلُ بناء نادرٌ، قال سيبَوَيهِ: لم يجىء على فِعِلٍ -بكسر الفاء والعين- من الأسماء إلا حرفان (١): إِبِلٌ، وحِبِرٌ، وهو
стр. 11738
الْقَلَحُ، ومن الصفات إلا حرف، وهي امرأةٌ بِلِزٌ، وهي الضخمة، وبعض الأئمة يذكر ألفاظًا غير ذلك، لم يثبُت نقلها عن سيبويهِ انتهى كلام الفيّوميّ بتصرّف (١)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هكذا نقل الفيّوميّ عن سيبويه، لكن الذي نقله عنه غيره أنه لم يذكر من الكلمات على فِعِل إلا إبلاً فقط، ونصّ عبارته في "الكتاب"-جـ٢ ص ٣١٥ - على ما نقله بعض المحققين: "ويكون فِعِلًا في الاسم، نحو إبل، وهو قليل، لا نعلم في الأسماء والصفات غيره". انتهى (٢)
وقال الرضيّ في "شرح الشافية": قال سيبويه: ما يعرف إلا إبل، وزاد الأخفش بِلِزًا. وقال السيرافيّ: الْحِبِرُ: صفرة الأسنان، وجاء الإطِلُ، والإبِطُ، وقيل: الإقِطُ لغةٌ في الأَقِطِ، وأتانٌ إِبِدٌ: أي وَلُود. انتهى (٣). واللَّه تعالى أعلم بالَصواب.
٢٤٤٥ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ يَحْيَى ح وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ سُفْيَانَ -وَشُعْبَةَ- وَمَالِكٍ- عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ, وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ, وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ»).
رجال هذا الإسناد: أحد عشر:
١ - (عبيد اللَّه بن سعيد) أبو قُدامة السرخسي، ثقة ثبت [١٠] ١٥/ ١٥٠
٢ - (محمد بن المثنى) أبو موسى العَنَزي البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٦٤/ ٨٠.
٣ - (محمد بن بشار) أبو بكر بندار البصري، ثقة حافظ [١٠] ٢٤/ ٢٧.
٤ - (سفيان) بن عيينة الإمام الحجة الثبت المكي [٨] ١/ ١.
٥ - (عبد الرحمن) بن مهدي البصري الثقة الثبت الحجة [٩] ٤٢/ ٤٩.
٦ - (سفيان) بن سعيد الإمام الحجة الثبت الكوفي [٧] ٣٣/ ٣٧.
٧ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت [٧] ٢٤/ ٢٧.
٨ - (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة الفقيه الحجة [٧] ٧/ ٧.
стр. 11739
٩ - (عمرو بن يحيى) المازني المدني، ثقة [٦] ٨٠/ ٩٧.
١٠ - (أبوه) يحيى بن عُمارة بن أبي حسن المازني الأنصاري المدني، ثقة [٣] ٨٠/ ٩٩.
١١ - (أبو سعيد) سعد بن مالك الخدريّ - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٦٩/ ٢٦٢. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى- بالنسبة للأول، ومن سداسياته بالنبسة للثاني. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن شيخيه ابن المثنى، وابن بشار من مشايخ الستة بلا واسطة. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. (ومنها): أن فيه أبا سعيد ﵁ من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيىَ، عَنْ أَبِيهِ) يحيى بن عُمارة بن أبي الحسن الأنصاريّ المازنيّ المدنيّ.
وفي مسند الحميديّ، عن سفيان، سألت عمرو بن يحيى بن عمارة بن أبي الحسن المازنيّ، فحدّثني عن أبيه. وفي رواية يحيى بن سعيد الأنصاريّ عند البخاريّ التصريح بسماع عمرو بن يحيى، عن أبيه.
وقد حكى ابن عبد البرّ عن بعض أهل العلم أن حديث الباب لم يأت إلا من حديث أبي سعيد الخدريّ، قال: وهذا هو الأغلب، إلا أنني وجدته من رواية سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، ومن طريق محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن جابر انتهى.
قال الحافظ: ورواية سُهيل في "الأموال لأبي عبيد"، ورواية محمد بن مسلم في "المستدرك". وقد أخرجه مسلم من وجه آخر عن جابر. وجاء أيضًا من حديث عبد اللَّه ابن عمرو بن العاص، وعائشة، وأبي رافع، ومحمد بن عبد اللَّه بن جَحْش، أخرج أحاديث الأربعة الدارقطنيّ. ومن حديث ابن عمر، أخرجه ابن أبي شيبة، وأبو عبيد أيضًا انتهى (١).
(عَنْ أَبِيِ سَعِيدٍ الْخُدْريِّ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ) وهكذا وقع في رواية الشيخين. ووقع في رواية ابن ماجه من طريق أبي الْبَخْتَريّ الطائيّ، عن أبي سعيد نحو هذا الحديث، وفيه: "والوسق ستون صاعًا". وأخرجها أبو داود أيضًا، لكن قال: "ستون مختومًا". وأخرج أيضًا عن إبراهيم النخعيّ، قال:
стр. 11740
"الوسق ستون صاعًا مختومًا بالحجّاجيّ". وأخرج الدارقطنيّ من حديث عائشة ﵂ أيضًا: "والوسق ستون صاعًا".
ومعنى قوله: "مختومًا": أي صاعًا مُعْلَمًا بخاتم في أعلاه، قال أبو عبيد ﵀ تعالى في "كتاب الأموال": والمختوم ههنا الصالح بعينه، وإنما سمّي مختومًا؛ لأن الأمراء جعلت على أعلاه خاتمًا مطبوعًا؛ لئلا يُزاد فيه، ولا يُنقص منه انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيهان]:
(الأول): "الأَوْسُق" جمع قلة للوَسْق -بفتح الواو، كفَلْس وأَفْلُس، ويجوز كسرها- كما حكاه صاحب "المحكم" وغيره، والأشهر فتح الواو، وجمعه في الكسر أوساق، كحِمْلٍ وأَحمال. وأصله في اللغة: الْحِمْلُ.
واختلفوا في اشتقاق الوَسْق، فقال شَمِر: كلّ شيء حَمَلْتَه فقد وَسَقته، يقال: ما أفعلُ كذا ما وَسَقَت عيني الماءَ: أي ما حملته. وقال غيره: الوسق ضمّك الشيء إلى الشيء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ [الانشقاق: ١٧]: أي جمع، وضمّ، وذلك أن الليل يضمّ كلّ شيء إلى مأواه، واستوسق الشيءُ: إذا اجتمع وكمل. وقيل: معنى وَسَقَ: علا، وذلك أن الليل يعلو كلّ شيء، ويُجَلِّلُه، ولا يمتنع منه شيء، ويقال للذي يجمع الإبل: وَاسِقٌ، وللإبل نفسها: وَسَقَت، وقد وسقتها، فاستوسقت: أي اجتمعت، وانضمّت.
وقال الخطّابيّ: الوسق تمام حِمْل الدوابّ النقّالة، وهو ستون صاعًا. وقال غيره: والصاع أربعة أمداد، والمدّ رطل وثلث بالبغداديّ، والرطل البغداديّ اثنا عشر أوقيّة، والأُوقيّة هنا زنة عشرة دراهم، وثلثي درهم، من دراهم عبد الملك بن مروان، فمبلغ زنة الرطل من ذلك مائة درهم وثمانية وعشرون درهمًا.
قال الإمام ابن الملقّن: كذا قدره القرطبيّ، وهو أحد الأوجه عن الشافعيّة، والأصحّ عند الرافعيّ أنه مائة وثلاثون. والأصحّ عند النوويّ أنه مائة وثمانية وعشرون درهمًا
وأربعة أسباع درهم. فالأوسق الخمسة: ألف وستمائة رطل بالبغداديّ.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رأيت في كلام الشيخ عبد اللَّه البسّام في كتابه "توضيح الأحكام شرح بلوغ المرام": ما نصّه: والوسق ستون صاعًا، فيكون نصاب الحبوب والثمار ثلاثمائة صاع، والصاع في الموازين الحاضرة ٣٠٠٠ (ثلاثة آلاف
стр. 11741
غرامًا) وهذا تقدير تقريبيّ احتياطي بالحنطة الرزينة، فيكون الثلاثمائة صاع ٩٠٠٠ (تسعة آلاف غرامًا) (١).
وقد بحث مجلس هيئة كبار العلماء في قدر الصالح النبويّ بالنسبة للمكاييل الحديثة، فلم يصلوا إلى تحديد متيقّن حاسم، وذلك لعدم وجود صاع نبويّ متيقّن، فكان رأي غالب الأعضاء تقديره بثلاثة آلاف غرام، وهذا احتياط لصدقة الفطر ونحوها. انتهى (٢).
قال ابن الملقّن: وهل هذا التقدير بالأرطال تقريبٌ، أم تحديدٌ وجهان للشافعيّة، أصحّهما أنه تحديد، كسائر النُّصُب، وهو ظاهر الحديث. وقيل: تقريبٌ. ووقع في "شرح مسلم للنوويّ" تصحيحه، وتبعه على ذلك الفاكهيّ، وابن العطار، ورجّحه الشيخ ابن دقيق العيد، فقال: الأظهر أن النقصان اليسير لا يمنع إطلاق الاسم في العرف، ولا يَعبَأُ به أهل العرف أنه يغتفر (٣). واللَّه تعالى أعلم.
(الثاني): أنه لم يقع في هذا الحديث بيان الْمَكِيل بالأوسق، لكن وقع في رواية المصنّف الآتية في ١٨/ ٢٤٧٤ - بلفظ: "ليس فيما دون خمسة أوسق، من التمر صدقة". وفي لفظ ٢١/ ٢٤٨٣: "ليس فيما دون خمس أوساقٍ، من حبّ، أو تمر صدقة". وفي لفظ ٢٢/ ٢٤٨٤ - : "لا يَحُلُّ في البرّ والتمر زكاة حتى تبلغ خمسة أوسق". وفي لفظ ٢٣/ ٢٤٨٥ - : "ليس في حبّ، ولا تمر صدقة حتى تبلغ خمسة أوسق". ونحوُ ذلك في بعض روايات مسلم في "صحيحه".
(صَدَقَةٌ) أي زكاة، والمراد بها العشر، أو نصف العشر، على ما سيأتي. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: ولفظ "دون" في المواضع الثلاثة بمعنى "أقلّ"، لا أنه نَفَى عن غير الخمس الصدقة، كما زعم بعض من لا يُعتدّ بقوله انتهى.
والمعنى أنه إذا خرج من الأرض أقلّ من ذلك فلا زكاة فيه، وبه أخذ جمهور أهل العلم، وهو الحقّ والصواب، وخالفهم فيه أبو حنيفة، فقال: في قليل ما أخرجته الأرض وكثيره الزكاة، وهو قول إبراهيم النخعي، ومجاهد، وعمر بن عبد العزيز. وخالف أبو يوسف، ومحمد الإمام أبا حنيفة، فقالا بقول الجمهور، وهو الحقّ الذي تدلّ عليه النصوص الصريحة، وسيأتي تحقيق القول في ذلك مستوفًى في -٢٤/ ٢٤٨٦ -
стр. 11742
باب القدر الذي تجب فيه الصدقة"، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم.
(وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدِ صَدَقَةٌ) الرواية المشهورة إضافة "خمس" إلى "ذود"، وروي بتنوين "خمس"، فيكون "ذود" بدلًا منها، والمعروف الأول، ونقله ابن عبد البرّ، والقاضي عياض عن الجمهور.
والذود أصله -كما قال القرطبيّ- من ذاد يذود: إذا دفع شيئًا، فهو مصدرٌ، فكأن من كان عنده دفع عن نفسه مَعرَّة الفقر، وشدّة الفاقة والحاجة (١).
وهو عند أهل اللغة من الثلاثة إلى العشرة، من الإبل، لا واحد له من لفظه. قالوا: ويقال في الواحد بعير. قالوا: وكذلك النفَرُ، والرَّهْطُ، والقوم، والنساء، وأشباه هذه الألفاظ، لا واحد لها من لفظها. قالوا: وقولهم: "خمس ذود" كقولهم: "خمسة أبعرة"، و"خمسة جِمَال"، و"خمس نُوق"، و"خمس نسوة". وقال سيبويه: تقول: ثلاث ذود؛ لأن الذود مؤنّثٌ، وليس باسم كُسِّرَ عليه مذكّره. وقال أبو عُبيد: الذود ما بين الثنتين إلى التسع. - وقوله مخالف جمهورَ أهل اللغة- قال: وهو مختصّ بالإناث.
وقال الأصمعيّ: لما ذكر أن الذود من الثلاث إلى العشرة الصُّبّة -بالضمّ-: خمسٌ، أو ستٌّ. والصِّرْمَة -بالكسر-: ما بين العشر إلى العشرين، والْعَكَرَةُ -محرّكةٌ-: ما بين العشرين إلى الثلاثين. والْهَجْمَة -بفتح، فسكون-: ما بين الستين إلى السبعين. والْهُنَيدُ -مصغّرًا-: مائة. والْخِطْرُ -بكسر، فسكون، وتُفتح خاؤه-: نحو المائتين. والْعَرْجُ- بفتح، فسكون- من خمسائة إلى ألف.
وقال أبو عبيد وغيره: الصِّرْمة: من العشرين إلى الأربعين. وقال غير الأصمعيّ: وهِنْد -بكسر، فسكون- غير مصغّر مائتان، وأُمَامة -بالضمّ- ثلاثمائة.
وأنكر ابن قُتيبة أن يُراد بالذود الواحد، وقال: لا يصحّ أن يقال خمس ذود، كما لا يقال: خمس ثوب. وغلّطه العلماء، بل هذا اللفظ شائعٌ مسموع من العرب، معروف في كتب اللغة، وهو ثابت في الأحاديث الصحيحة، وليس جمعًا لمفرد، بخلاف الأثواب.
قال أبو حاتم السجستانيّ: تركوا القياس في الجمع، فقالوا: خمس ذود من الإبل، وثلاث ذود، لثلاث من الإبل، وأربع ذود، وعشر ذود، على غير قياس، كما قالوا: ثلاثمائة، وأربعمائة، والقياس مئين، ومئات، ولا يكادون يقولونه.
وقال القرطبيّ: وهذا صريح بأن الذود واحد في لفظه، والأشهر ما قاله المتقدّمون
стр. 11743
أنه لا يقال على الواحد.
ثم اعلم أن رواية الجمهور: "خمس ذود"، ورواه بعضهم "خمسة ذود" وكلاهما لرواية مسلم، ولكن الأول أشهر، وهما صحيحان في اللغة، فإثبات الهاء لإطلاقه على المذكّر والمؤنث، ومَن حَذَفَها: أراد أن الواحدة منه فريضة. قاله الإمام ابن الملقّن -رحمه اللَّه تعالى- (١).
(وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ") زاد مالك عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، عن أبيه، عن أبي سعيد ﷺ : "خمس أواق، من الوَرِق صدقة". و"أواق" بالتنوين، وبإثبات التحتانيّة، مشدّدًا، ومخفّفًا، جمع أوقيّة -بضمّ الهمزة، وتشديد التحتانيّة- وحكى اللحيانيّ: "وقيّة" -بحذف الألف، وفتح الواو- ومقدار الأوقيّة في هذا الحديث أربعون درهمًا بالاتفاق. والمراد بالدرهم الخالص من الفضّة، سواء كان مضروبًا، أو غير مضروب. قال القاضي عياض: قال أبو عبيد: إن الدرهم لم يكن معلوم المقدار حتى جاء عبد الملك بن مروان، فجمع العلماء، فجعلوا كلّ عشرة دراهم سبعة مثاقيل. قال: وهذا يلزم منه أن يكون ﷺ أحال بنصاب الزكاة على أمر مجهول، وهو مشكل، والصواب أن معنى ما نُقل من ذلك أنه لم يكن شيء منها من ضرب الإسلام، وكانت مختلفة في الوزن بالنسبة إلى العدد، فعشرة مثلًا وزن عشرة، وعشرة وزن ثمانية، فاتفق الرأي على أن تنقش بكتابة عربيّة، ويصير وزنها واحدًا. وقال غيره: لم يتغيّر المثقال في جاهلية، ولا إسلام، وأما الدراهم فأجمعوا على أن كلّ سبعة مثاقيل عشرة دراهم، ولم يُخالف في أن نصاب الزكاة مائتا درهم، يبلغ مائة وأربعين مثقالًا من الفضّة الخالصة إلا ابن حبيب الأندلسيّ، فإنه انفرد بقوله: إن كلّ أهل بلد يتعاملون بدراهمهم. وذكر ابن عبد البرّ الإجماع، فاعتبر النصاب بالعدد، لا الوزن. وانفرد السرخسيّ من الشافعيّة بحكاية وجه في المذهب أن الدراهم المغشوشة إذا بلغت قدرًا لو ضمّ إليه قيمة الغشّ من نحاس مثلاً لبلغ نصابًا فإن الزكاة تجب فيه، كما نُقل عن أبي حنيفة.
واستُدِلّ بهذا الحديث على عدم الوجوب فيما إذا نقص من النصاب، ولو حبّة واحدة، خلافًا لمن سامح بنقص يسير، كما نقل عن بعض المالكيّة. قاله في "الفتح" (٢).
وسيأتي تمام البحث في الدراهم والدنانير مُستَوفًى في -١٨/ ٢٤٧٣ - "باب زكاة
стр. 11744
الورق" إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥/ ٢٤٤٥ و ٢٤٤٦ و ٢٤٧٣/ ١٨ و ٢٤٧٤ و ٢٤٧٥ و ٢٤٧٦ و ٢١/ ٢٤٨٣ و ٢٢/ ٢٤٨٤ و ٢٣/ ٢٤٨٥ و ٢٤/ ٢٤٨٦ و ٢٤٨٧ - وفي "الكبرى" ٥/ ٢٢٢٥ و ٢٢٢٦ و ١٩/ ٢٢٥٢ و ٢٢٥٣ و ٢٢٥٤ و ٢٢٥٥ و ٢٢/ ٢٢٦٢ و ٢٣/ ٢٢٦٣ و ٢٤/ ٢٢٦٤ و ٢٢٦٥/ ٢٥ و ٢٢٦٦.
وأخرجه (خ) في "الزكاة" ١٤٠٥ و ١٤٤٧ و ١٤٥٩ و ١٤٨٤ (م) في "الزكاة" ٩٧٩ (د) في "الزكاة" ١٥٥٨ و ١٥٥٩ (ت) في الزكاة" ٦٢٦ (ق) في "الزكاة" ١٧٩٣ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ١٠٦٤٧ و ١٠٨٦٠ و ١١٠١٢ و١١٠١٧٠ و ١١١٨١ و ١١٣١٠ و ١١٣٣٨ و ١١٤٠٤ و ١١٥٢٠ (الموطأ) في "الزكاة" ٥٧٥ و ٥٧٦ (الدارميّ) في "الزكاة" ١٦٣٣ و ١٦٣٤. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان وجوب الزكاة في الإبل، وبيان أقلّ نصاب زكاة الإبل، وهو خمس ذود (ومنها): بيان أقلّ نصاب الحبوب والثمار، وهو خمسة أوسق، فما كان أقلّ من ذلك لا يجب فيه شيء، وهذا مذهب جمهور الفقهاء: مالك، والشافعيّ، وأحمد، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وغيرهم، وهو المذهب الراجح، وخالف فيه أبو حنيفة، وروي عن ابن عباس، وزيد ابن عليّ، والنخعيّ، فقالوا: تجب الزكاة في قليل ما أخرجته الأرض، وكثيره، واستدلوا بقوله ﷺ : "فيما سقت السماء والعيون، أو كان عَثَرِيّا العشر، وفيما سُقي بالنضح نصف العشر" رواه البخاريّ (١). قالوا: هذا عامّ في القليل والكثير.
قال الإمام ابن دقيق العيد -رحمه اللَّه تعالى- وأجيب عنه بأن المقصود من الحديث بيان قدر المخرج، لا بيان المخرج منه. وهذا فيه قاعدة أصولية، وهو أن الألفاظ العامّة بوضع اللغة على ثلاث مراتب:
стр. 11745
(إحداها): ما ظهر فيه عدم قصد التعميم، ومُثّل بهذا الحديث.
(والثانية): ما ظهر فيه التعميم بأن أورد مبتدأ، لا على سبب؛ لقصد تأسيس القواعد.
(والثالثة): ما لم تظهر فيه قرينة زائدة تدلّ على التعميم، ولا قرينة تدلّ على عدم التعميم.
وقد وقع تنازع من بعض المتأخّرين في القسم الأول في كون المقصود منه عدم التعميم، فطالب بعضهم بالدليل على ذلك، وهذا الطريق ليس بجيّد؛ لأن هذا أمر يُعرف من سياق الكلام، ودلالة السياق لا يقام عليها دليل، وكذلك لو فُهم المقصود من الكلام، وطولب بالدليل عليه لعسُر، فالناظر يرجع إلى ذوقه، والمناظر إلى دينه وإنصافه انتهى كلام ابن دقيق العيد (١).
وحكى القاضي عياض عن داود أن كلّ ما يدخله الكيل يُراعى فيه خمسة أوسق، وما عداه مما لا يوسق ففي قليله وكثيره الزكاة. وسيأتي تمام البحث في هذه المسألة في بابه١ - ٢٤/ ٢٤٨٦ - إن شاء اللَّه تعالى (ومنها): بيان أقلّ نصاق الورق، وهو خمسة أواق، وهي مائتا درهم، وسيأتي إيضاح ذلك في بابه ١٨/ ٢٤٧٣ - إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٤٤٦ - (أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ, عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ, عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ, وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ, وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة.
و"عيسى بن حماد": هو المصريّ المعروف هو وأبوه بـ "زُغْبَة". و"الليث": هو ابن سعد الإمام المصريّ. و"يحيى بن سعيد": هو الأنصاريّ.
وقوله: "خمسة ذود" أنث العدد هنا، وذكره في ما سبق؛ لأن الذود يذكّر، ويؤنث، فمن قال: "خمسة ذود" أراد التذكير، ومن قال: "خمس ذود" أراد التأنيث، وسبق هذا البحث قريبًا. والحديث متفق عليه، وقد استوفيتُ شرحه، والكلام على مسائله في الحديث الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكبل.
كَانَتْ أَرْبَعِينَ, فَفِيهَا شَاةٌ, إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ, فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةٌ, فَفِيهَا شَاتَانِ, إِلَى مِائَتَيْنِ, فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةٌ, فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ, إِلَى ثَلَاثِ مِائَةٍ, فَإِذَا زَادَتْ, فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ (١) , وَلَا يُؤْخَذُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ, وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ, وَلَا تَيْسُ الْغَنَمِ, إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ الْمُصَّدِّقُ, وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ, وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ, خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ, وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ, فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ, فَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ نَاقِصَةً, مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةٌ وَاحِدَةٌ, فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ, إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا, وَفِي الرِّقَةِ رُبُعُ الْعُشْرِ, فَإِنْ لَمْ تَكُنْ إِلاَّ تِسْعِينَ وَمِائَةَ دِرْهَمٍ, فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ, إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّه بْنِ الْمُبَارَكِ) الْمُخَرِّميّ، أبو جعفر البغدادي، ثقة حافظ [١١] ٤٣/ ٥٠.
٢ - (الْمُظَفر) -بتشديد الفاء المفتوحة، بصيغة اسم المفعول- بن مُدْرِك- بصيغة اسم الفاعل- أبو كامل الْخُرَاسانيّ، نزيل بغداد، ثقة حافظ متقنٌ، كان لا يُحدّث إلا عن ثقة، من صغار [٩].
قال مُهَنّا، عن أحمد: لا أعلم أثبت في زهير من الأشيب، إلا أبا كامل مظفرًا، فإنه كان أثبت منه. وقال أبو داود: سمعت أحمد ذَكَر حديثًا عن أبي كامل، عن إبراهيم بن سعد، فقيل له: إنّ يعقوب بن إبراهيم بن سعد لا يقول كذا، فقال: ليس فيهم مثله - يعني أبا كامل-. وقال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: كان أصحاب الحديث ببغداد: أبو كامل، وأبو سَلَمة الْخُزَاعيّ، والهيثم، وكان الهيثم أحفظهم، وأبو كامل أتقنهم.
وحكى أبو طالب، عن أحمد نحوه، وزاد: لم يكونوا يَحملون عن كلّ واحد، ولم يكتبوا إلا عن الثقات، وزاد أيضًا: وكان أبو كامل بصيرًا بالحديث، متقنًا، يشبه الناس، له عقل سديدٌ، وكان من أبصر الناس بأيام الناس، وكان يتفقّه. وقال الفضل بن زياد، عن أحمد: نحو ذلك. وقال هارون الحمّال، عن أحمد أيضًا: نحوه، وزاد: قال: تراضوا به مرّة أن يسأل لهم شريكًا. وقال عبد اللَّه بن أحمد: وقال أبي: كان أبو كامل من أصحاب الحديث، لما قَدِم شريك، قالوا: لا نرضى أحدًا يسأله غير أبي كامل، وكان يُعدّ يومئذ من أهل الفضل، وكان ابن مهديّ يقول: أيش يقول أبو كامل؟ في حديث كذا، من حديث إبراهيم بن سعد. قال عبد اللَّه أيضًا، عن أبيه: سمعت منه منذ أربعين سنة، وكان له وقارٌ وهَيْبةٌ. قال عبد اللَّه: سمعت يحيي بن معين، وذكره،
стр. 11748
فقال: كنت آخذ عنه هذا الشأن، قال: وكان رجلاً صالحًا، قَلَّ من رأيت يُشبهه. وقال المفضّل الغلابيّ، عن ابن معين: سمعت أبا كامل، شيخًا من الأبناء، ثقة، صاحب حديث. وقال ابن سعد: كان من أبناء خُرَاسان، وكان ثقة. وقال أبو يعلى الموصليّ: سمعت أبا خيثمة يقول: ما كان أبو كامل عندنا بدون وكيع، وابن مهديّ. وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: صدوق. وقال الآجريّ، عن أبي داود: ثقة ثقة. وقال النسائيّ: ثقة مأمون. وقال مرّة: مُظَفّر بن مُدرِك الثقة المأمون الرجل الصالح. وقال مرّة: حدثنا محمد بن عبد اللَّه بن المبارك، حدّثنا أبو كامل شيخٌ، ثقةٌ، صاحب حديث. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال إبراهيم الحربيّ: مات سنةَ مات رَوْحُ بنُ عُبَادة، سنة (٢٠٧).
ووهم ابن عديّ، وابن منده في عدّه من شيوخ البخاريّ، لأن أول رحلة البخاريّ كانت سنة (٢١٠) بعد موته بنحو ثلاث سنين. تفرّد به الترمذيّ، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. واللَّه تعالى أعلم.
٣ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بن دينار، أبو سلمة البصري، ثقة عابدًا [٨] ١٨١/ ٢٨٨.
٤ - (ثمامة بن عبد اللَّه بن أنس بن مالك) الأنصاريّ البصريّ، قاضيها، ثقة (١) [٤]. قال أحمد، والنسائيّ: ثقة. وقال ابن عديّ: له أحاديث عن أنس، وأرجو أنه لا بأس به، وأحاديثه قريبة من غيره، وهو صالح فيما يرويه عن أنس عندي. وذكر في "الكامل" عن أبي يعلى أن ابن معين أشار إلى تضعيفه. وقال العجليّ: تابعيّ ثقة. وقال ابن سعد: كان قليل الحديث. وذكره ابن حبّان في "الثقات". قال عمر بن شبّة: سمعت بعض علمائنا يذكر أن ثمامة لما دُعي إلى ولاية القضاء شاور محمد بن سيرين، فأشار عليه أن لا يقبل، فقال: لا أُترَك، فقال: أخبرهم أنك لا تُحسن القضاء، قال: فأكذب؟ قال: فجعل ابن سيرين يَعجَب منه. وقال ثمامة: وقعت على باب من القضاء جسيم، أدفع الخصوم حتى يصطلحوا، فكتب بذلك بلالٌ إلى خالد، فعزله عن القضاء في سنة عشرين ومائة، وكان ولاّه في سنة (١٠٦). روى له الجماعة، وله عند المصنف حديثان: هذا ٢٤٤٧ وأعاده ٢٤٥٥ و ٥٢٦٠ حديث: "إذا أُتي بطيب لم يردّه".
٥ - (أنس بن مالك) الأنصاري، أبو حمزة الصحابي الجليل ﵁ ٦/ ٦.
٦ - (أبو بكر) الصديق الأكبر - رضي اللَّه تعالى عنه - ٥٩/ ١٣٠٢. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
стр. 11749
الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين غير شيخه، وشيخ شيخه، فبغداديان.
(ومنها): أن فيه رواية صحابي، عن صحابي. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن حمّاد بن سلمة -رحمه اللَّه تعالى- أنه (قال: أَخَذْتُ هَذَا الْكِتَابَ، مِنْ ثُمَامَةَ بْنِ عَبدِ اللَّهِ بْنِ أَنسِ ابنِ مَالِكٍ) الأنصاريّ البصريّ. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: صرّح إسحاق بن راهويه في "مسنده" بأن حمادًا سمعه من ثمامة، وأقرأه الكتاب، فانتفى تعليل من أعلّة بكونه مكاتبة انتهى (عَنْ) جدّه (أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ (أَن أَبَا بَكْرِ) ﵁ (كَتَبَ لَهُمْ) أي لأنس ومن معه. وفي رواية البخاريّ، من طريق ثمامة بن عبد اللَّه بن أنس المذكورة، أن أنسًا حدّثه، أن أبا بكر ﵁ كتب له هذا الكتاب لما وجّهه إلى البحرين: "بسم اللَّه الرحمن الرحيم، هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول اللَّه ﷺ على المسلمين … " الحديث (إِنَّ هَذِهِ) أي المعاني الذهنية الدّالة عليها النقوش اللفظيّة الآتية (فَرَائِضُ الصَّدَقَةِ) أي نسخة فرائض، فحذف المضاف للعلم به، وفيه أن اسم الصدقة يقع على الزكاة، خلافًا لمن منع ذلك من الحنفيّة. قاله في "الفتح" (الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) قال في "الفتح": ظاهر في رفع الخبر إلى النبيّ ﷺ ، وأنه ليس موقوفًا على أبي بكر، وقد صرّح برفعه في رواية إسحاق الْمُقَدَّم ذكرها.
ومعنى "فَرَضَ" هنا: أوجب، أو شرع، يعني بأمر اللَّه تعالى، فالإيجاب من اللَّه تعالى في الحقيقة، وأضيف إليه ﷺ لأنه المبلّغ عنه، وقد فرض اللَّه تعالى طاعته على المكلفين، فلذا سمي أمره ﷺ ، وتبليغه عن اللَّه تعالى فرضًا. وقيل: معناه قدّر؛ لأن إيجابها ثابت في الكتاب، ففرض النبيّ ﷺ لها بيانه للمجمل من الكتاب بتقدير الأنواع، والأجناس، وقد جعله اللَّه مبيّنا للكتاب، حيث قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية [النحل: ٤٤].
وأصل الفرض قطع الشيء الصَّلْب، ثم استعمل في التقدير؛ لكونه مقتطعًا من الشيء الذي يقدّر منه. ويرد بمعنى البيان؛ كقوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ الآية [التحريم: ٢]. وبمعنى الإنزال، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ الآية [القصص: ٨٥]. وبمعنى الْحِلِّ، كقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٨]. وكلّ ذلك لا يخرُج من معنى التقدير. ووقع استعمال الفرض بمعنى اللزوم، حتى كاد يغلب عليه، وهو لا يخرُج أيضًا من معنى التقدير.
وقد قال الراغب: كلّ شيء ورَدَ في القرآن فَرَضَ على فلان، فهو بمعنى الإلزام،
стр. 11750
وكلّ شيء فَرَضَ له، فهو بمعنى لم يحرّمه عليه، وذكر أن معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ الآية [القصص: ٨٥]: أي أوجب عليك العمل به.
قال الحافظ: وهذا يؤيّد قول الجمهور: إن الفرض مرادف للوجوب، وتفريق الحنفية بين الفرض والواجب باعتبار ما يَثبُتان به لا مشاحّةَ فيه، وإنما النزاع في حمل ما ورد من الأحاديث الصحيحة على ذلك؛ لأن اللفظ السابق لا يُحمل على الاصطلاح الحادث. انتهى (١).
(عَلَى الْمُسْلِمِينَ) استُدلّ به على أن الكافر ليس مخاطبًا بذلك. وتعُقّب بأن المراد بذلك كونها لا تصحّ منه، لا أنه لا يُعاقب عليها، وهو محلّ النزاع. وقد تقدّم في أوائل "كتاب الزكاة" تحقيق الخلاف، وأن الراجح كونه مكلّفًا بالفروع كالأصول. واللَّه تعالى أعلم.
(الَّتِي) هكذا للمصنّف، وأبي داود بدون واو العطف، فيكون بدلاً من الموصول السابق. ووقع في رواية الشيخين: "والتي" بالعطف (أَمَرَ اللَّه بَها رَسُولَهُ) وفي نسخة: "رسول اللَّه ( ﷺ ") أي بتلك الصدقة، أي أمره بتبليغها، أو بتقدير أنواعها وأجناسها، والقدرِ الْمُخرَج منها (فَمَنْ سُئِلَهَا) بالبناء للمجهول في الموضعين، أي من سُئل الزكاة المفروضة (مِنَ الْمُسْلِمِينَ) بيان لـ"من" (عَلَى وَجْهِهَا) حال من المفعول الثاني في "سُئلها"، أي حال كونها على حسب ما بيّن رسول اللَّه ﷺ -في هذا الحديث. وفيه دلالة على دفع الأموال الظاهرة إلى الإمام (فَليُعْطِ، وَمَن سُئِلَ فَوْقَ ذَلِكَ، فَلَا يُعْطِ) أي من سُئل زائدًا على ذلك في سنْ، أو عدد، فله المنع. ونقل الرافعيّ الاتفاق على ترجيحه. وقيل: معناه: فليمنع الساعي، ولْيَتَوَلَّ هو إخراجه بنفسه، أو بساع آخر، فإن الساعي الذي طلب الزيادة يكون بذلك متعدّيًا، وشرطه أن يكون أمينًا، لكن محلّ هذا إذا طلب الزيادة بغير تأويل، كمن طلب شاتين عن شاة، فأما من طلب زيادة بتأويل، بأن كان مالكيّا يرى أخذ الكبيرة عن الصغار، فإنه الواجب بلا خلاف، ولا يعطي الزائد؛ لأنه لا يفسُق، ولا يعصي، والحالة هذه. قاله النوويّ، والحافظ -رحمهما اللَّه تعالى-.
وهذا الكلام فيه إشارة إلى الجمع بين هذا الحديث، وحديث جرير الآتي في -١٤/ ٢٤٦٠ - "أَرْضُوا مُصدّقيكم" بأن حديث جرير محمول على أن للعامل تأويلاً في طلب الزائد على الواجب.
قال القاري -رحمه اللَّه تعالى-: هذا -أي حديث أبي بكر ﵁ يدلّ على أن
стр. 11751
المصدّق إذا أراد أن يظلم المزكّي، فله أن يأباه، ولا يتحرّى رضاه، وحديث جرير، وهو قوله ﷺ : "أرضوا مصدّقيكم، وإن ظُلمتم" على خلاف ذلك.
وأجاب الطيبيّ -رحمه اللَّه تعالى- بأن أولئك المصدّقين من الصحابة، وهم لم يكونوا ظالمين، وكأن نسبة الظلم إليهم على زعم المزكِّي، أو جريانٌ على سبيل المبالغة، وهذا عامّ، فلا منافاة بينهما انتهى.
وقد يُجاب بأن الأول محمول على الاستحباب، وهذا على الرخصة والجواز. أو الأول إذا كان يَخشَى التهمة والفتنة، وهذا عند عدمهما.
قال في "شرح السنّة": فيه دليل على إباحة الدفع عن ماله إذا طولب بغير حقّه. انتهى (١).
(فِيمَا دُونَ خَمْسِ وَعِشْرِينَ) الجار والجرور، متعلّق بفعل مقدّر، أي "يجب"، أو بمبتدأ مقدّر، أي "الواجب". أو خبر مقدّم لقوله: "شاة". ولفظ البخاريّ: "في أربع وعشرين، من الإبل، فما دونها من الغنم، من كلّ خمسٍ شاةٌ"
قال في "الفتح": وقوله: "من الغنم" كذا للأكثر، وفي رواية ابن السكن بإسقاط "من"، وصوّبها بعضهم. وقال عياض: من أثبتها، فمعناه: زكاتُها -أي الإبل- من الغنم، و"من" للبيان، لا للتبعيض. ومن حذفها فـ"الغنم" مبتدأ، والخبر مضمرٌ في قوله: "في كلّ أربع وعشرين" وما بعده، وإنما قدّم الخبر لأن الغرض بيان المقادير التي تجب فيها الزكاة، والزكاة إنما تجب بعد وجود النصاب، فحسُن التقديم. انتهى.
وقال الطيبيّ: "من" الأولى ظرف مستقرّ, لأنه بيان لـ"شاةٌ" توكيدًا، كما في قوله: "خمس ذَود من الإبل"، والثانية لغوٌ، ابتدائيّة، متّصلة بالفعل المحذوف، أي لِيُعْطَ في أربع وعشرين من الإبل شاةٌ كائنة من الغنم لأجل كلّ خمس من الإبل. وقيل: "من الغنم" خبر لمبتدإ محذوف، أي الصدقة في أربع وعشرين من الإبل من الغنم. وقوله: "من كلّ خمس شاةٌ" مبتدأ وخبر، بيان للجملة المتقدّمة (٢).
والحاصل أن هذه الجملة مستأنفة أتى بها بيائا لقوله "إن هذه فرائض الصدقة التي فرض رسول اللَّه ﷺ على المسلمين الخ"، وكأنه أشار بـ: "هذه" إلى ما في الذهن، ثم أتى به بيانًا له (مِنَ الإِبِلِ) بيان لـ"خمس وعشرين"، وبدأ بزكاة الإبل لأنها كانت جُلّ أموالهم، وأنفَسَها حينئذ.
стр. 11752
(فِي كُلِّ خَمْسِ ذَوْدٍ) بدلٌ من الجارّ والجرور قبله، بدلَ تفصيل من مجمل (شَاةٌ) فاعل للفعل الذي قدّرناه، أو خبر للمبتدإ المقدّر، أو مبتدأ مؤخّر والجار والمجرور قبله خبر مقدّم، والجملة تفصيل للجملة التي قبله.
(فَإِذَا بَلَغَت خَمْسًا وَعِشْرِينَ، فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاض) هي ولد الناقة إذا استكملت السنة، ودخلت في الثانية.
قال الفيّوميّ -رحمه اللَّه تعالى-: "المخاض" -بفتح الميم، والكسرُ لغةٌ: وَجَعُ الولادة، ومَخِضَت المرأةُ، وكلُّ حامل، من باب تَعِبَ: دنا وِلَادُهَا، وأخذها الطَّلْقُ، فهي مَاخِضٌ بغير هاء، وشاةٌ ماخصٌ، ونُوقٌ مُخَّضٌ، ومَوَاخضُ. فإن أردت أنها حامل قلتَ: نُوقٌ مَخَاضٌ -بالفتح- الواحدة خَلِفَةٌ من غير لفظها، كما قيل لواحدة الإبل ناقة، من غير لفظها، وابن مخاض: ولدُ الناقة يأخذ في السنة الثانية، والأنثى بنت مخاض، والجمع فيهما بنات مخاض. وقد يقال ابن المخاض بزيادة اللام، سمّي بذلك لأن أمه قد ضَرَبهَا الفَحْلُ، فَحَمَلَت، ولَحِقَت بالمخاض، وهنّ الحوامل، ولا يزال ابنَ مخاض حتى يستكمل السنة الثانيةَ، فإذا دخل في الثالثة، فهو ابن لَبُون انتهى كلام الفيّوميّ (١).
وقال ابن الأثير -رحمه اللَّه تعالى-: "المخاض": النُّوق الحوامل، واحدتها خَلِفَةٌ، وبنت المخاض، وابن المخاض: ما دخل في السنة الثانية؛ لأن أمه قد لَحِقَت بالمخاض، أي الحوامل، وإن لم تكن حاملًا. وقيل: هو الذي حملت أمُّهُ، أو حَمَلت الإبل التي فيها أمه، وإن لم تَحمِل هي، وهذا هو معنى ابن مخاض، وبنت مخاض؛ لأن الواحد لا يكون ابن نُوق، وإنما يكون ابن ناقة واحدة. والمراد أن تكون وَضَعتها أمها في وقتٍ مّا، وقد حَمَلت النُّوق التي وَضَعنَ مع أمها، وإن لم تكن أمها حاملاً، فنَسَبَها إلى الجماعة بحكم مُجاورتها أمها.
وإنما سُمّي ابن مخاض في السنة الثانية؛ لأن العرب إنما كانت تحمل الفحول على الإناث بعد وضعها بسنة ليشتدّ ولدها، فهي تَحمل في السنة الثانية، وتَمْخَض، فيكون ولدُها ابن مخاض انتهى كلام ابن الأثير (٢).
ولفظ البخاريّ: "ففيها بنت مخاض أنثى". وقيد بالأنثى للتأكيد، كما يقال: رأيت بعيني، وسمعت بأذني. وقال الطيبيّ: ذكره تأكيدًا، كما قال تعالى: ﴿نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [الحاقّة: ١٣]، ولئلا يُتوهّم أن البنت ههنا والابن في "ابن لبون" كالبنت، والابن في بنت طَبَق، وابن آوى، يشترك فيهما الذكر والأنثى.
стр. 11753
وحاصله أن وصف البنت بالأنثى؛ لئلا يُتوهّم أن المراد منه الجنس الشامل للذكر والأنثى، كالولد، إذ في غير الآدميّ قد يُطلق البنت والابن، وُيراد بهما الجنس، كما في ابن عِرْس، وبنت طَبَق، وهي السُّلَحفاة (١). واللَّه تعالى أعلم.
[فائدة]: ذكر الإمام أبو داود -رحمه اللَّه تعالى- في "سننه" تفسير أسنان الإبل، فأحببت إيراده هنا لنفاسته، قال:
(باب تفسير أسنان الإبل):
قال أبو داود: سمعته من الرِّيَاشي (٢)، وأبي حاتم (٣)، وغيرهما، ومن كتاب النضر ابن شميل، ومن كتاب أبي عبيد (٤)، وربما ذكر أحدهم الكلمة، قالوا: يُسَمَّى الْحُوَار (٥)، ثم الفَصِيل، إذا فُصِل، ثم تكون بنت مخاض لسنة، إلى تمام سنتين، فإذا دخلت في الثالثة، فهي ابنة لبون، فإذا تمت له ثلاث سنين، فهو حِقٌّ، وحقة، إلى تمام أربع سنين، لأنها استحقت أن تُركَب، ويُحمَل عليها الفحلُ، وهي تَلْقَح (٦)، ولا يُلقِحُ الذكر، حتى يُثْنِي، ويقال للحقة: طَرُوقة الفحل؛ لأن الفحل يَطرُقها، إلى تمام أربع سنين، فإذا طَعَنَت في الخامسة، فهي جذعة، حتى يتم لها خمس سنين، فإذا دخلت في السادسة، وألقى ثنيته، فهو حينئذ ثَنِيّ، حتى يستكمل ستا، فإذا طعن في السابعة، سُمِّي الذكر رَبَاعِيًا، والأنثى رَبَاعية، إلى تمام السابعة، فإذا دخل في الثامنة، وألقى السنن السَّدِيس (٧) الذي بعد الرَّبَاعية، فهو سَدِيسٌ وسَدَسٌ، إلى تمام الثامنة، فإذا دخل في التسع، وطَلَع نابه، فهو بازل، أي بَزَل نابه، يعني طلع، حتى يدخل في العاشرة، فهو حينئذ مُخْلِف، ثم ليس له اسم، ولكن يقال: بازل عام، وبازل عامين، ومخلف عام، ومخلف عامين، ومخلف ثلاثة أعوام، إلى خمس سنين، والْخَلِفَة: الحاملُ. قال أبو حاتم: والجذوعة: وقت من الزمن، ليس بسن، وفُصولُ الأسنان: عند طلوع
стр. 11754
سهيل (١)، قال أبو داود: وأنشدنا الرِّيَاشي [من الرجز]:
إِذَا سُهَيلٌ آخِرَ اللَّيْلِ طَلَعْ … فَابْنُ اللَّبُونِ الْحِقُّ وَالْحِقُّ جَذَعْ
لْم يَبْقَ مِنْ أَسْنَانَها غَيْرُ الْهُبَعْ
والْهُبَعُ الذي يولد في غير حينه. انتهى ما ذكره أبو داود -رحمه اللَّه تعالى- (٢). (إِلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بِنْتُ مَخَاضٍ) "تكن" تامّة، و"بنت مخاض" بالرفع فاعلها، أي فإن لم توجد بنت مخاض. ويحتمل أن تكون ناقصة، وخبرها محذوف، أي موجودة (فَابْنُ لَبُونٍ، ذَكَرٌ) "ابن" مبتدأٌ خبره محذوف، أي مقبول، أو نائب لفعل مقدّر، أي يُقبل منه ابن لبونٍ ذَكَر.
و"ابن اللبون": وَلَدُ الناقة، يدخل في السنة الثالثة، والأنثى بنت لبون، سمي بذلك لأن أمه وَلَدت غيره، فصار لها لبن، وجمع المذكور كالإناث: بنات اللبون، وإذا نزل اللبن في ضرع الناقة، فهي مُلبنٌ، ولهذا يقال في ولدها أيضًا ابن مُلْبِن. قاله في "المصباح". وقوله: "ذكر" تأكيد، كما سبق في الذي قبله.
وعُلِم من هذا أن المصدّق إذا لزمه بنت مخاض، ولم توجد عنده يدفع للساعي ابن لبون؛ جَعْلاً لزيادة السنّ مقابلا بزيادة الأنوثة. وهذا متعيّن عند مالك، والشافعيّ، وهو رواية عن أبي يوسف؛ أخذًا بظاهر الحديث. وذهب أبو حنيفة، ومحمد إلى أنه لا يتعيّن أخذ ابن لبون عند فقد بنت المخاض، بل العبرة بالقيمة. قال في "فتح القدير": كان ابن اللبون يعدل بنت المخاض إذ ذاك، جعلاً لزيادة السنّ مقابلاً بزيادة الأنوثة، فإذا تغيّر تغيّر انتهى. فلو عينّا أخذ ابن اللبون من غير اعتبار القيمة لأدى إلى الإضرار بالفقراء، أو الإجحاف بأرباب الأموال (٣).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: القول الأول هو الظاهر. واللَّه تعالى أعلم.
(فَإِذَا بَلَغَتْ ستًّا وَثَلَاِثِينَ، فَفِيهَا بنْتُ لَبُونٍ، إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ) الغاية داخلة في المُغَيّا بدليل قوله (فإذَا بَلَغَتْ سِتَّةً وَأَرْبَعِينَ) فعلم أن حكمها حكم ما قبلها. ووقع في نسخة: "ستا وأربعين"، وكلاهما صحيح، لأن قاعدة العدد في تأنيثه مع المذكّر، وتذكيره مع المؤنّث إنما هو إذا ذكر العدود بعده تمييزًا، وأما إذا حذف، أو قُدّم فيجوز
стр. 11755
تذكير العدد، وتأنيثه، كحديث: "من صام رمضان، وأتبعه ستًا من شوّال، كان كصوم الدهر". رواه مسلم. وتقول: عندي ثلاثة، وتريد نسوة (١). واللَّه تعالى أعلم.
(فَفِيهَا حِقّةٌ) بكسر الحاء المهملة، وفتح القاف المشدّدة، جمعها حِقَقٌ، مثل سِدْرة وسِدَر، وهي من الإبل ما استكمل السنة الثالثة، ودخل في الرابعة، وهي كذلك إلى تمامها، ويقال للذكر الْحِقّ، وجمعه حِقَاقٌ -بالكسر، والتخفيف-. سميت بذلك؛ لاستحقاقها أن تُركَب، ويُحمل عليها، وَيركَبَها الفحلُ، ولذلك قال في صفتها (طَرُوقَةُ الْفحْلِ) بفتح أوله: أي مطروقته، فَعُولة بمعنى مفعولة، كحَلُوبة بمعنى محلوبة، صفة لحقّة". والمراد من شأنها أن تَقبَل ذلك، وإن لم يَطرُقها الفحل بالفعل، يعني أنها بلغت، وصلحت أن يَغشاها الفحل، ويطأها، من الطَّرْق، وهو الضرب.
و"الفحلُ": الذكر من الحيوان، جمعه فُحُول، وفُحُولة، بالضمّ فيهما، وفِحَالٌ بالكسر. ولفظ البخاريّ: "طَروقة الجمل"، والمعنى واحد.
(إِلَى سِتِّينَ، فَإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وَسِتِّينَ، فَفِيهَا جَذَعَةٌ) -بفتح الجيم، والذال المعجمة- قال ابن الأثير: الْجَذَع والْجَذَعَة، من الإبل: ما استكمل الرابعة، ودخل في الخامسة إلى آخرها.
قال ابن قُدامة: قيل لها: ذلك؛ لأنها تُجْذِعُ إذا سقطت سنها، وهي أعلى سنّ تجب في الزكاة (٢).
وقال القسطلاّنيّ: سميت بذلك لأنها جذعت مُقدّم أسنانها، أي أسقطته، وهي غاية أسنان الزكاة.
وقال القاري: سميت بذلك لأنها سقطت أسنانها، والجذع السقوط.
وقال ابن منظور: في "لسان العرب": الجَذَعُ: الصغير السنّ، والجَذَعُ: اسمٌ له في زمن ليس بسنّ تَنْبُتُ، ولا تَسْقُط، وتعاقبها أخرى.
قال الأزهريّ: أما الجذع، فإنه يختلف في أسنان الإبل، والخيل، والبقر، والشاء، وينبغي أن يُفسِّر قول العرب فيه تفسيرًا مُشبعًا؛ لحاجة الناس إلى معرفته في أضاحيهم، وصدقاتهم، وغيرها:
فأما البعير، فإنه يُجذِعُ لاستكماله أربعة أعوام، ودخوله في الخامسة، وهو قبل ذلك حِقٌّ، والذكر جَذَعٌ، والأُنثى جذَعَةٌ، وهي التي أوجبها النبيّ - صلي اللَّه علية وسلم - في صدقة الإبل، إذا جاوزت ستين، وليس في صدقات الإبل سنٌّ فوق الجذعة، ولا يُجزىء الجذع من
стр. 11756
الإبل في الأضاحي. وأما الجذعِ في الخيل، فقال ابن الأعرابيّ: إذا استتمّ الفرس سنتين، ودخل في الثالثة، فهو جَذعٌ، وإذا استتمّ الثالثة، ودخل في الرابعة، فهو ثنيّ.
وأما الجذع من البقر، فقال ابن الأعرابيّ: إذا طلع قرن العِجْل، وقُبض عليه، فهو عَضَبٌ، ثم هو بعد ذلك جذعٌ، وبعده ثنيّ، وبعده رباعٌ. إلى آخر ما ذكره في "اللسان".
وقال المجد في "القاموس": الجَذَعُ -محرّكةً- قبل الثنِيِّ، وهي بهاء، اسم له في زمن، وليس بسنٍّ تَنْبُتُ، أو تَسقُطُ، والشابّ الْحَدَث، جمعه جِذاعٌ، وجُذْعَانٌ -بالضمّ. انتهى.
(إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ) الغاية داخلة في المغيّا، كالماضي. وفي نسخة: "خمسة وسبعين"، وتقدم وجهه قريبًا (فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًا وَسبْعِينَ) وفي نسخة: "ستة وسبعين"، والكلام فيه كسابقه (فَفِيهَا بِنْتَا لَبُونٍ إِلَى تِسْعِينَ، فَإِذَا بَلغَتْ إِحدَى وَتِسْعِينَ، فَفِيهَا حِقَّتَانِ، طَرُوقَتَا الْفَحْلِ، إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ) أجمع أهل العلم على المذكور من أول الحديث إلى هذا؛ إلا ما تقدّم عن عليّ ﵁ أنه قال: "في خمس وعشرين من الإبل خمس شياه، وفي ستّ وعشرين بنت مخاض"، حَكَى هذا الإجماع أبو عبيد، والسرخسيّ، وابن قدامة، والعينيّ، قال أبو عبيد: هذا ما جاء في فرائض الإبل إلى أن تبلغ عشرين ومائة، لم يختلفوا؛ إلا في هذا الحرف الواحد، فإذا جاوزت عشرين ومائة، فهناك الاختلاف، ثم ذكره، كما سيأتي بيانه. وقال السرخسيّ: على هذا اتفقت الآثار، وأجمع العلماء إلا ما روي شاذّا عن عليّ. وقال ابن قدامة: هذا كله مجمع عليه إلى أن تبلغ عشرين ومائة، ذكره ابن المنذر. وقال العينيّ: لا خلاف بين الأئمة، وعليها اتفقت الأخبار عن كتب الصدقات التي كتبها رسول اللَّه ﷺ ،والخلاف فيما إذا زادت على مائة وعشرين.
(فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ) أي إذا زادت الإبل على عشرين ومائة واحدًا فصاعدًا، كما هو مذهب الجمهور، فلا عبرة بزيادة ما دون الواحد، كما ذهب إليه الإصطخريّ، وذلك يُتصوّر في الشركة، كما قاله الحافظ (فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ) أي إذا زاد يجعل الكلّ على عدد الأربعينات والخمسينات مثلاً إذا زاد واحدٌ على العدد المذكور يعتبر الكلّ ثلاث أربعينات وواحد، والواحد لا شىء فيه، وثلاث أربعينات فيها ثلاث بنات لبون إلى ثلاثين ومائة، وفي ثلاثين ومائة حقةٌ لخمسين، وبنتا لبون لأربعينين، وهكذا، ولا يظهر التغيّر إلا عند زيادة عشر. قاله السنديّ.
وقال الشوكانيّ: المراد أنه يجب بعد مجاوزة المائة والعشرين بواحدة في كلّ أربعين بنت لبون، فيكون الواجب في مائة وإحدى وعشرين ثلاث بنات لبون، وإلى هذا ذهب الجمهور. ولا اعتبار بالمجاوزة بدون واحد، كنصف، أو ثلث، أو ربع، خلافًا للإصطخريّ من الشافعيّة، فقال: يجب ثلاث بنات لبون بزيادة بعض واحدة لصدق
стр. 11757
الزيادة.
ويردّ عليه ما عند الدارقطنيّ في آخر هذا الحديث، وما في كتاب عمر ﵁: "فإذا كانت إحدى وعشرين ومائة، ففيها ثلاث بنات لبون، حتى تبلغ تسعًا وعشرين ومائة". ومثله في كتاب عمرو بن حَزْم.
قال الحافظ: ومقتضاه أن ما زاد على ذلك فزكاته بالإبل خاصّة. وعن أبي حنيفة: إذا زادت على عشرين ومائة رجعت إلى فريضة الغنم، فيكون في خمس وعشرين ومائة ثلاث بنات لبون وشاة. انتهى كلام الشوكانيّ بزيادة. (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: سيأتي تحقيق الخلاف في هذه المسألة في المسألة السادسة، إن شاء اللَّه تعالى.
(فَإِذَا تَبَايَنَ أَسْنَانُ الإِبِلِ، فِي فَرَائِضِ الصَّدَقَاتِ) أي اختلف أسنان الإبل في باب الفريضة، بأن كان المفروض سنّا، والموجود عند صاحب المال سنّا آخر، كما أوضحه بقوله (فَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الجَذَعَةِ) أي بلغت إبله نصابًا تجب فيه الجذعة (وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ جَذَعَةٌ) جملة حاليّة، أي والحال أن الجذعة ليست موجودة عنه (وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ) جملة حالية أيضًا، إما متداخلة، أو مترادفة (فَإِنَّها تُقْبَلُ مِنْهُ الْحِقَّةُ" الضمير المنصوب للقصّة، والجملة خبر "من بلغت"، والمراد أن الحقّة تُقبَل موضع الجذعة (وَ) لكن (يَجْعَلُ) المزكي (مَعَهَا شَاتَيْنِ) قال الموفّق ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى-: ولا يُجزىء في الغنم المخرجة في الزكاة إلا الجذع من الضأن، والثنيّ من المعز، وكذلك شاة الْجُبْران، وأيهما أخرج أجزأه، ولا يُعتبر كونها من جنس غنمه، ولا جنس غنم البلد؛ لأن الشاة مطلقة في الخبر الذي ثبت به وجوبها، وليس غنمه، ولا غنم البلد سببًا لوجوبها، فلم يتقيّد بذلك؛ كالشاة الواجبة في الفدية، وتكون أنثى، فإن أخرج ذكرًا لم يجزئه، لأن الغنم الواجبة في نُصُبها إناث. ويحتمل أن يجزئه؛ لأن النبيّ ﷺ أطلق لفظ الشاة، فدخل فيه الذكر والأنثى، ولأن الشاة إذا تعلقت بالذمّة دون العين أجزأ فيها الذكر، كالأضحية انتهى كلام ابن قُدامة (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الاحتمال الثاني عندي أقوى؛ لظاهر الحديث. واللَّه تعالى أعلم. (إِنِ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ) أي إن كانتا موجودتين في ماشيته، يقال: تيسر، واستيسر بمعنى (أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا) أي أو يجعل مع الحقّة عشرين درهما فضّةً. قال الخطّابيّ ﵀
стр. 11758
تعالى: فيه من الفقه أن كلّ واحدة من الشاتين، والعشرين درهما أصلٌ في نفسه، ليست ببدل، وذلك لأنه قد خيّره بينهما بحرف "أو" انتهى.
وقال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: حمله بعضهم على أن ذلك تفاوت قيمة ما بين الجذعة والحقّة في تلك الأيام، فالواجب هو تفاوت القيمة، لا تعيّن ذلك، فاستَدَلّ به على جواز أداء القيم في الزكاة. والجمهور على تعيين ذلك القدر برضا صاحب المال، وإلا فليطلب السنّ الواجب، ولم يُجوّزوا القيمة (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله الجمهور عندي هو الأرجح؛ عملاً بظاهر النصّ. واللَّه تعالى أعلم.
(وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْحِقَّةِ) أي وجبت الحقّة عليه، لأجل أن كانت إبله ستا وأربعين (وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ حِقَّةٌ، وَعِنْدَهُ جَذَعَةٌ) وفي نسخة: "وليست عنده إلا جذَعة، فإنها تقبل منه" (فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ) أي تُقبل الجذعة عوضًا عن الحقّة، وإن كانت الجذعة زائدة على ما يلزمه، فلا يُكلّف تحصيل ما ليس عنده (وَيُعْطِيهِ الْمُصَدِّقُ) -بضمّ الميم، وتخفيف الصاد، وكسر الدال المشدّدة، كمحدّثٍ: آخذ الصدقة، وهو الساعي الذي يأخذ الزكاة. وأما المصّدّق -بتشديد الصاد، والدال- فهو المزكّي، ولا يناسب هنا (عِشْرِينَ دِرْهَمًا، أو شَاتَيْنِ، إِنِ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ) كما سلف في عكسه (وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْحِقَّةِ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُ بِنْتُ لَبُونٍ، فَإِنَّهَا تُقبَلُ مِنْهُ، وَيَجْعَلُ مَعَهَا شَاتَيْنِ، إِنِ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ، أَو عِشْرِينَ دِرْهَمًا) قالَ الطيبيّ: فيه دليل على أن الخيرة في الصعود والنزول من السنّ الواجب إلى المالك انتهى. وعُلّل بأنهما شُرعتا تخفيفًا له، ففوّض الأمر إلى اختياره (٢) (وَمَنْ بَلَغَت عِندَهُ صَدَقَةُ ابنَةِ لَبُونٍ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ إِلاَّ حِقَّةٌ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ، وُيعْطِيهِ الْمُصَدِّقُ) أي الساعي (عِشْرِينَ دِرهَمًا، أَوْ شَاتَيْن، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ ابْنَةِ لَبُونٍ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ بنتُ لَبُونٍ، وَعِنْدَهُ بنتتُ مَخَاضٍ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنهُ، وَيَجْعَلُ مَعَهَا شَاتَيْنِ، إِنِ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ، أَو عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَمَنْ بَلَغَتْ عندَهُ صَدَقَةُ ابْنَةِ مَخَاضٍ، وَلَيْسَ عِنْدَهُ إِلاَّ ابْنُ لَبُونٍ، ذَكَرٌ) تقدّم وجه تقييده بالذكر، فلا تغفل (فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ، وَلَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ) أي لا يلزمه مع ابن لبون شيء آخر من الجبران.
قال ابن الملك تبعًا للطيبيّ: وهذا يدلّ على أن فضيلة الأنوثة تُجبر بفضل السنّ. وقال الخطّابيّ: هذا دليلٌ على أن ابنة المخاض ما دامت موجودةً، فإن ابن اللبون لا يُجزىء عنها، وموجب هذا الظاهر أنه يُقبل منه، سواء كانت قيمته قيمة ابنة مخاض، أو
стр. 11759
لم تكن، ولو كانت القيمة مقبولة لكان الأشبه أن يُجعل بدل ابنة مخاض قيمتها، دون أن يأخذ الذكران من الإبل، فإن سنّة الزكاة قد جرت بأن لا يؤخذ فيها إلا الإناث إلا ما جاء في البقر من التَّبِيع.
وزعم بعض أهل العلم أنه إذا وجد قيمة ابنة مخاض لم يُقبل منه ابن لبون؛ لأن واجد قيمتها كواجد عينها؛ ألا ترى أن من وجد ثمن الرقبة في الظهار لم ينتقل إلى الصيام؟.
قلت: وهذا خلاف النصّ، وخلاف القياس الذي قاله، وتمثّل به، وذلك أنه قال في الآية: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ الآية [النساء: ٩٢]. فعلّق الحكم بالوجود، ووجودُ القيمة وجود لما يتقوّم بها، وإنما قال في الحديث: "ومن بلغت صدقته ابنة مخاض، وليس عنده إلا ابن لبون ذكر، فإنه يقبل منه". فعلق الحكم بكونه عنده، لا بقدرته عليه، فالأمران مختلفان انتهى كلام الخطابيّ (١).
وفيه دليل على أن ابن اللبون يجزئ عن بنت المخاض عند عدمها، وهو أمر متفقٌ عليه، لا خلاف في ذلك عند الأئمة، حكى هذا الإجماع جمع من الشُّرّاح، كالباجيّ، وابن قدامة، وابن رُشد، والحافظ.
لكن المدار عند الحنفيّة على القيمة، وعليه حمَلُوا الحديث بأن ابن اللبون كانت قيمته مساوية لقيمة بنت المخاض في ذلك الزمان، فعند الحنفيّة لا يتعيّن أخذ ابن اللبون، خلافًا لمن عداهم من أهل العلم، فإنه يتعيّن عندهم أخذه، وهو الحقّ والصواب.
ولو لم يجد واحدًا منهما، لا ابنة مخاض، ولا ابن لبون يتعيّن عليه شراء بنت مخاض، وهو قول مالك، وأحمد. والأصحّ عند الشافعيّة أن له أن يشتري أيهما شاء؛ لظاهر الخبر، وعمومه (٢).
وحجة الأولين أنهما استويا في العدم، فلزمته بنت مخاض، كما لو استويا في الوجود، والحديث محمول على وجوده، لأن ذلك للرفق به؛ إغناءً له عن الشراء، ومع عدمه لا يستغني عن الشراء، فكان شراء الأصل أولى، ذكره ابن قدامة (٣).
стр. 11760
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله مالك، وأحمد -رحمهما اللَّه تعالى- عندي أرجح، لأن قوله في حديث الباب: "وليس عنده إلا ابن لبون" يؤيّد هذا المعنى؛ حيث شرط في قبول ابن اللبون مكان ابنة المخاض أن يوجد ابن اللبون، مع فقدها. فيفيد أنه إذا عُدما معًا لا بدّ منها. واللَّه تعالى أعلم.
(وَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ، إِلاَّ أَرْبَعٌ مِنَ الإِبلِ، فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ) أي لا يجب عليه فيها إعطاء شيء؛ لكونها دون النصاب (إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا) أي إلا أن يريد صاحب الإبل الأربع أن يتصدّق بشيء منها، تبرّعًا، فله ذلك. واللَّه تعالى أعلم.
(وفي صدقة الغنم) متعلق بفعل محذوف، أي يَجب في صدقة الغنم، وقوله: "شاة" هو الفاعل، أو متعلّق بمبتدإ مقدّر، أي الواجب في صدقة الغنم، وخبره قوله: "شاةٌ". وقوله (في سائمتها) بدل مما قبله، وفي تكرار الجارّ إشارة إلى أن للسوم في هذا الجنس مَدْخلاً قويًا. واللَّه تعالى أعلم.
و"السائمة": هي التي ترعى، ولا تُعلف في الأهل، والمراد بالسوم لقصد الدّرّ والنسل، فلو أُسيمت الإبل، أو البقر، أو الغنم للحمل، أو الركوب، أو اللحم، فلا زكاة فيها، وإن أُسِيمت للتجارة ففيها زكاة التجارة، وإن كانت أقْلّ من النصاب إذا ساوت مائتي درهم.
والمعتبر عند أحمد، وأبي حنيفة السوم في أكثر الحول؛ لأن اسم السوم لا يزول بالعلف اليسير؛ ولأن العلف اليسير لا يمكن التحرّز عنه، فاعتباره في جميع السنة يُسقط الزكاة بالكليّة، سيما عند من يسوغ له الفرار من الزكاة، فإنه إذا أراد إسقاط الزكاة أسامها يومًا فأسقطها بالإسامة؛ ولأن الضرورة تدعو إليه في بعض الأحيان، ولأن هذا وصفٌ معتبر في رفع الكلفة في الزرع والثمار. واعتبر الشافعيّ السوم في جميع الحول، فلا تجب الزكاة فيها إذا لم تكن سائمة في جميع السنة.
وسيأتي تمام البحث في زكاة الغنم في بابه -١٠/ ٢٤٥٥ - إن شاء اللَّه تعالى.
(إِذَا كَانَتْ) الغنم (أَرْبَعِينَ) وقوله (فَفِيهَا) توكيد لقوله: "في صدقة الغنم"، وقوله (شَاة) فاعل للفعل المقدّر على الوجه الأول، أو خبر المبتدإ المقدّر على الوجه الثاني، كما أسلفته (إِلَى عِشْرِينَ ومِائَةٍ، فَإذَا زَادَتْ وَاحِدَةً) فصاعدًا، ففي كتاب عمر ﵁: "فإذا كانت إحدى وعشرين ومائة حتى تبلغ مائتين، ففيها شاتان"، وقد تقدّم قول الإصطخريّ في ذلك، والتعقيب عليه، فلا تَغْفُل (فَفِيهَا شَاتَانِ، إِلَى مِائَتَيْنِ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً) أي ولو واحدةً (فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ، إِلَى ثَلَاثِ مِائَةٍ، فَإذَا زَادَتْ) على ثلاثمائة مائةً أخرى، لا أقلّ منها (فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ) ففي أربعمائة أربعُ شياه، وفي خمسمائة خمس،
стр. 11761
وفي ستمائة ست، وهكذا.
قال الخطّابيّ -رحمه اللَّه تعالى-: قوله: "فإذا زادت على ثلاثمائة الخ" إنما معناه أن يزيد مائة أخرى، فيصير أربعمائة، وذلك لأن المئين لما توالت أعدادها حتى بلغت ثلاثمائة، وعُلّقت الصدقة الواجبة فيها بمائة مائة، ثم قيل: "فإذا زادت" عُقل أن هذه الزيادة اللاحقة بها إنما هي مائة، لا ما دونها. وهو قول عامّة الفقهاء: الثوريّ، وأصحاب الرأي، وقول الحجازيين: مالك، والشافعيّ، وغيرهم -رحمهم اللَّه تعالى-.
وقال الحسن بن صالح بن حيّ: إذا زادت على ثلاثمائة واحدةً، ففيها أربع شياه انتهى (١).
وقال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: قوله: "فإذا زادت على ثلاثمائة الخ": مقتضاه أنه لا تجب الشاة الرابعة حتى توفي أربعمائة، وهو قول الجمهور، قالوا: فائدة ذكر الثلاثمائة لبيان النصاب الذي بعده؛ لكون ما قبله مختلفًا. وعن بعض الكوفيين، كالحسن بن صالح بن حيّ، ورواية عن أحمد: إذا زادت على الثلاثمائة واحدة وجبت الأربع انتهى (٢).
(وَلَا يُؤْخَذُ) بالبناء للمفعول، وفي رواية: "ولا تُخرج" (فِي الصَّدَقَةِ) أي المفروضة، وهي الزكاة (هَرِمَةٌ) بفتح الهاء، وكسر الراء: أي كبيرة سقطت أسنانها. وقال ابن الأثير: الطاعنة في السنّ. وقال التوربشتيّ: أراد التي نال منها كِبَرُ السنّ، وأضرّ بها (وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ) بفتح العين المهملة، وضمها: أي معيبة. وقيل: بالفتح: العيب، وبالضمّ الْعَوَرُ في العين. قاله في "الفتح". وقال ابن الأثير: بفتح العين، ويضمّ: أي صاحبة عيب ونقص. وعطف "ذات العوار" على "الهرمة" من عطف العامّ على الخاصّ إذ العيب يشمل المرض، والْهَرَم، وغيرهما.
واختُلف في ضبط العيب الذي يمنع الإجزاء في الزكاة فالأكثر على أنه ما يَثبُت به الردّ في البيع -وهو ما يوجب نقصان الثمن عند التجّار-. وقيل: ما يَمنع الإجزاء في الأضحية. ويَدخُل في المعيب المريض، والذكور بالنسبة إلى الأنوثة، والصغير بالنسبة إلى سنّ أكبر منه. أفاده في "الفتح" (٣).
ومحلّ عدم إجزاء المعيبة إذا كان المال كلّه سليمًا، فإن كان فيه سليمٌ ومعيبٌ أُخِذ سليمٌ وسطٌ، قيمته بين المعيب والسليم، وإن كان كلّه معيبًا أَخذ المصَدِّقُ واحدة من
стр. 11762
أوسطه. وهو ما ذهب إليه أبو حنيفة، والشافعيّ، وأحمد، ورواية عن مالك. وفي أخرى له يكلّف رب المال الإتيان بصحيحة، أخذًا بظاهر الحديث، وهو مشهور المذهب (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الأخير هو الظاهر؛ لأن قوله - صلي اللَّه عليه وسلم -: "ولا يؤخذ في الصدقة هرمة، ولا ذات عوار" مطلقٌ، حيث لم يقيّده بقوله: إلا إذا كانت كلها معيبة، فدلّ على أن الواجب في الصدقة مطلقًا هو السليم من العيب، فليتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
(وَلَا تَيْسُ الْغَنَم) -بفتح الثناة الفوقانيّة، وسكون التحتانيّة، بعدها سين مهملة-: فَحْلُ الغنم الْمُعَدّ لضِرَابها. قال في "القاموس": هو الذكر من الظباء، والمعز، والوُعُول، أو إذا أتى عليه سنة. وقال الباجيّ: التيس الذكر من المعز، وهو الذي لم يبلغ حدّ الفحولة، فلا منفعة فيه لضراب، ولا لدَرّ، ولا نسل، وبنحوه فسّر الإمام مالك، كما في "المدوّنة".
وقال العينيّ: معناه إذا كانت ماشيته كلها أو بعضها إناثاً، لا يؤخذ منه الذكر، إنما تؤخذ الأنثى، إلا في موضعين، وردت بهما السنّة: أحدهما أخذ التَّبِيع من ثلاثين من البقر. والآخر أخذ ابن اللبون من خمس وعشرين من الإبل، بدلَ بنت مخاض، عند عدمها. وأما إذا كانت ماشيته كلها ذكورًا، فيؤخذ الذكر. وقيل: إنما لا يؤخذ التيس؛ لأنه مرغوب عنه لنتنه، وفساد لحمه. أو لأنه ربما يقصد به المالك منه الفحولة، فيتضرّر بإخراجه انتهى (٢).
(إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ الْمُصَّدِّقُ) اختُلف في ضبطه ومعناه، فقيل: المراد ربّ الماشية، لا الساعي، وعلى هذا هو إما بتخفيف الصاد، وفتح الدال المشدّدة، وهذا اختيار أبي عُبيد، أي الذي أُخذت صدقة ماله، أو بتشديد الصاد، وكسر الدال المشددة، وأصله المتصدّق، فأدغمت التاء بعد قلبها في الصاد. قال تعالى: ﴿إنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ﴾ الآية [الحديد: ١٨]. أو بتخفيف الصاد، وكسر الدال المشدّدة، اسم فاعل من قوله تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾ [القيامة: ٣١]. قال الراغب: يقال: صدّق، وتصدّق.
وتقدير الحديث: لا تؤخذ هرمة، ولا ذات عيب أصلاً، ولا يؤخذ التيس إلا برضا المالك؛ لكون المالك يحتاج إليه، ففي أخذه بغير اختياره إضرار به، وعلى هذا
стр. 11763
فالاستثناء مختصّ بالثالث، وهو التيس.
وقيل: المراد به الساعي، وعلى هذا هو بتخفيف الصاد، وكسر الدال المشدّدة لا غير. وهذا هو المشهور في ضبطها، وهو قول المحدّثين، وعامة الرواة، كما قال الخطّابيّ، أي العامل الذي يستوفي الزكاة من أربابها. قال في "القاموس": الْمُصَدِّقُ، كمُحَدِّثٌ: آخذ الصدقات انتهى. والاستثناء متعلّق بالأقسام الثلاثة.
قال الحافظ: وكأنه يشير بذلك إلى التفويض إليه في اجتهاده؛ لكونه يجري مجرى الوكيل، فلا يتصرّف بغير المصلحة، فيتقيّد بما تقتضيه القواعد. وهذا قول الشافعيّ في "البويطيّ"، ولفظه: "ولا تُؤخذ ذات عوارٍ، ولا تيس، ولا هرمة؛ إلا أن يرى المصدّق أن ذلك أفضل للمساكين، فيأخذه على النظر" انتهى.
وهذا أشبه بقاعدة الشافعيّ في تناول الاستثناء جميعَ ما ذُكر قبله، فلو كانت الغنم كلها معيبةً مثلاً، أو تيوسًا أجزأه أن يُخرج منها. وعن المالكية يلزم المالك أن يشتري شاة مجزئة؛ تمسّكًا بظاهر هذا الحديث. وفي رواية أخرى عندهم كالأول انتهى كلام الحافظ (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تقدم ترجيح القول الأول من قولي مالك -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، فلا تغفل.
وقيل: الاسثناء مخصوص بما إذا كانت المواشي كلها معيبة، أو تيوسًا. قال ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى-: وعلى هذا -أي على ضبط "المصَدِّق" بكسر الدال، بمعنى العامل- لا يأخذ المصدِّق، وهو الساعي أحدَ هذه الثلاثة، إلا أن يرى ذلك بأن يكون جميع النصاب من جنسه، فيكون له أن يأخذ من جنس المال، فيأخذ هرمة من الهرمات، وذات عوار من أمثالها، وتيسًا من التيوس. وقال مالك، والشافعيّ: إن رأى المصدّق أن أخذ هذه الثلاثة خير له، وأنفع للفقراء، فله أخذه؛ لظاهر الاستثناء. انتهى المقصود من كلام ابن قدامه (٢).
وقال الطيبيّ: ويحتمل أن يكون الاستثناء منقطعًا، والمعنى لا يُخرج المزكّي الناقص والمعيب، لكن يُخرج ما شاء المصدّق من السليم الكامل (٣).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تقدم قريبًا ترجيح القول بعدم جوز أخذ الهرمة، ونحوها في الصدقة، وهذا لا ينافي قولَهُ: "إلا أن يشاء المصدّق" على القول بأن
стр. 11764
الاستثناء للجميع؛ لأنه إذا رأى المصدّق أن الأصلح للفقراء أخذ الهرمة، أو ذات العوار، أو التيس، حيث إن قيمتها أكثر من قيمة غيرها، كانت بمنزلة السليم، بل أفضل منه، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
(وَلَا يُجْمَعُ) -بضمّ أوله، وفتح ثالثه، على البناء للمفعول، أي لا يجوز للمالك، ولا للمصدّق أن يجمع (بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ) بتقديم التاء على الفاء، من التفرّق. وفي رواية "مفترق" بتقديم الفاء على التاء، من الافتراق (وَلَا يُفَرَّقُ) -بضم أوله، وفتح ثالثه (١) مشدّدًا، أو مخففًا، على البناء للمفعول أيضًا، أي لا يجوز للمالك، ولا للمصدّق أن يفرق (بَيْنَ مُجْتَمِعٍ) بصيغة اسم الفاعل (خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ) بالنصب على أنه مفعول لأجله، متعلق بالفعلين على سبيل التنازع. ويحتمل أن يتعلّق بفعل مقدّر، يعمّ الفعلين، أي لا يفعل شيئًا من ذلك خشية الصدقة، أي خشية وجوب الصدقة، أو كثرتها، هذا إن عاد الكلام إلى المالك، أو خشية سقوط الصدقة، أو قلّتها، إن عاد إلى المصدّق، فالنهي للمالك والساعي كليهما، فالخشية خشيتان:
إحداهما: خشية المالك أن تجب الصدقة، أو تكثر، فيجمع، أو يفرّق:
مثال جمعه خشية كثرة الصدقة: أن يكون لرجل أربعون شاة، فجمعها، وخلطها بأربعين لغيره عند حضور المصدق؛ فرارًا عن لزوم الشاة إلى نصفها. أو يكونوا ثلاثة، لكلّ واحد منهم أربعون شاة متفرّقة، فجمعوها عند قدوم الساعي بعد الحول، حتى تجب عليهم شاة واحدة.
ومثال تفريقه خشية وجوب الصدقة، أن يكون له عشرون شاة مخلوطة بمثلها لغيره، ففرقها لئلا يكون نصابًا، فتجبَ عليه شاة. أو يكون لرجلين أو رجال أربعون شاةً مختلطةً، ففرقوها عند قدوم الساعي، حتى لا تجب عليهم زكاة أصلاً.
ومثال تفريقه خشية كثرتها أن يكون لرجل مائة شاة، وشاة مخلوطة بمثلها لغيره، فيكون عند الاجتماع والخلط ثلاث شياه، ففرقا مالهما؛ لتقلّ الصدقة، ويكون على كلّ واحد شاة واحدة فقط. ونهوا عن ذلك لأنه هُرُوب عن الحقّ الواجب، وإجحاف بالفقير.
والثاني: خشية الساعي أن تسقط الصدقة، أو تَقِل، فيجمع، أو يفرّقّ:
مثال جمعه خشية سقوط الصدقة: أن يكون رجلان لهما أربعون شاة متفرقة، فجمعها المصدّق، وخلطها حتى تجب فيها شاة.
стр. 11765
ومثال جمعه خشية أن تقلّ أن يكون لكلّ واحد منهما مائة وعشرون، فجمع بينهما ليأخذ ثلاث شياه، بدل شاتين.
ومثال تفريقه خشية قلّة الصدقة: أن يكون لثلاثةِ خُلَطاءَ مائة وعشرون شاة، وواجبها شاة واحدة، ففرقها الساعي أربعين أربعين، ليكون فيها ثلاث شياه.
ومحلّ النهي عن الجمع والتفريق خشية الصدقة في الجنس الواحد، ومن الجنس الواحد الضأن والمعز، والبقر والجاموس، والبخت والعراب من الإبل -والبخت هو المتولّد بين عربيّ وعجميّ- فلا يدخل في النهي ما اختلف جنسه، فمن كان عنده دون نصاب من البقر، ودون نصاب من الغنم مثلاً، لا يضمّ بعضه إلى بعض اتفاقًا كي يصير نصابًا تجب فيه الزكاة.
ومحلّ النهي المذكور أيضًا إذا تعدد المالك، وأما إذا اتحد المالك، وكان له ماشية ببلد لا تبلغ نصابًا، وله بأخرى ما يكمله من جنس تلك الماشية، فإنه يضمّ بعضها إلى بعض. وكذا من له نصاب في جهة، وآخر في جهة أخرى، فإنه يضمّ بعضه إلى بعض أيضًا، ولا يضرّ اختلاف الأمكنة.
وقد ذهب إلى ذلك الجمهور، ووافقهم أحمد فيما إذا كانت ماشية الرجل المتفرقة دون مسافة القصر، وأما إذا كانت بينهما مسافة القصر، فما فوقُ فلا يجمع بينها وينزل كلّ منها منزلة مال مستقلّ، فما بلغ منها نصابًا زكّاه، وإلا فلا.
قال ابن المنذر: لا أعلم هذا القول عن غير أحمد. انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما ذهب إليه الجمهور هو الراجح عندي؛ لظواهر النصوص الواردة في وجوب الزكاة، حيث إنها علّقت الوجوب بالملك، لا باتحاد المحلّ. واللَّه تعالى أعلم.
ويؤخذ من عموم النهي في الحديث أن من كان عنده دون النصاب من الفضّة، ودون النصاب من الذهب لا يضمّ بعضه إلى بعض، وعلى ذلك أكثر العلماء.
وقالت الحنفيّة، والمالكيّة: يُضم بعضه إلى بعض؛ ليصير نصابًا كاملاً، فتجب فيه الزكاة، وحملوا النهي في الحديث على الماشية (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما ذهب إليه أكثر العلماء هو الراجح؛ لموافقته لحديث الباب. واللَّه تعالى أعلم.
(وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ، فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بالسَّوِيَّةِ) "ما" هنا نكرة تامّة، متضمّنة