وفي ستمائة ست، وهكذا.
قال الخطّابيّ -رحمه اللَّه تعالى-: قوله: "فإذا زادت على ثلاثمائة الخ" إنما معناه أن يزيد مائة أخرى، فيصير أربعمائة، وذلك لأن المئين لما توالت أعدادها حتى بلغت ثلاثمائة، وعُلّقت الصدقة الواجبة فيها بمائة مائة، ثم قيل: "فإذا زادت" عُقل أن هذه الزيادة اللاحقة بها إنما هي مائة، لا ما دونها. وهو قول عامّة الفقهاء: الثوريّ، وأصحاب الرأي، وقول الحجازيين: مالك، والشافعيّ، وغيرهم -رحمهم اللَّه تعالى-.
وقال الحسن بن صالح بن حيّ: إذا زادت على ثلاثمائة واحدةً، ففيها أربع شياه انتهى (١).
وقال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: قوله: "فإذا زادت على ثلاثمائة الخ": مقتضاه أنه لا تجب الشاة الرابعة حتى توفي أربعمائة، وهو قول الجمهور، قالوا: فائدة ذكر الثلاثمائة لبيان النصاب الذي بعده؛ لكون ما قبله مختلفًا. وعن بعض الكوفيين، كالحسن بن صالح بن حيّ، ورواية عن أحمد: إذا زادت على الثلاثمائة واحدة وجبت الأربع انتهى (٢).
(وَلَا يُؤْخَذُ) بالبناء للمفعول، وفي رواية: "ولا تُخرج" (فِي الصَّدَقَةِ) أي المفروضة، وهي الزكاة (هَرِمَةٌ) بفتح الهاء، وكسر الراء: أي كبيرة سقطت أسنانها. وقال ابن الأثير: الطاعنة في السنّ. وقال التوربشتيّ: أراد التي نال منها كِبَرُ السنّ، وأضرّ بها (وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ) بفتح العين المهملة، وضمها: أي معيبة. وقيل: بالفتح: العيب، وبالضمّ الْعَوَرُ في العين. قاله في "الفتح". وقال ابن الأثير: بفتح العين، ويضمّ: أي صاحبة عيب ونقص. وعطف "ذات العوار" على "الهرمة" من عطف العامّ على الخاصّ إذ العيب يشمل المرض، والْهَرَم، وغيرهما.
واختُلف في ضبط العيب الذي يمنع الإجزاء في الزكاة فالأكثر على أنه ما يَثبُت به الردّ في البيع -وهو ما يوجب نقصان الثمن عند التجّار-. وقيل: ما يَمنع الإجزاء في الأضحية. ويَدخُل في المعيب المريض، والذكور بالنسبة إلى الأنوثة، والصغير بالنسبة إلى سنّ أكبر منه. أفاده في "الفتح" (٣).
ومحلّ عدم إجزاء المعيبة إذا كان المال كلّه سليمًا، فإن كان فيه سليمٌ ومعيبٌ أُخِذ سليمٌ وسطٌ، قيمته بين المعيب والسليم، وإن كان كلّه معيبًا أَخذ المصَدِّقُ واحدة من
стр. 11762
أوسطه. وهو ما ذهب إليه أبو حنيفة، والشافعيّ، وأحمد، ورواية عن مالك. وفي أخرى له يكلّف رب المال الإتيان بصحيحة، أخذًا بظاهر الحديث، وهو مشهور المذهب (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الأخير هو الظاهر؛ لأن قوله - صلي اللَّه عليه وسلم -: "ولا يؤخذ في الصدقة هرمة، ولا ذات عوار" مطلقٌ، حيث لم يقيّده بقوله: إلا إذا كانت كلها معيبة، فدلّ على أن الواجب في الصدقة مطلقًا هو السليم من العيب، فليتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
(وَلَا تَيْسُ الْغَنَم) -بفتح الثناة الفوقانيّة، وسكون التحتانيّة، بعدها سين مهملة-: فَحْلُ الغنم الْمُعَدّ لضِرَابها. قال في "القاموس": هو الذكر من الظباء، والمعز، والوُعُول، أو إذا أتى عليه سنة. وقال الباجيّ: التيس الذكر من المعز، وهو الذي لم يبلغ حدّ الفحولة، فلا منفعة فيه لضراب، ولا لدَرّ، ولا نسل، وبنحوه فسّر الإمام مالك، كما في "المدوّنة".
وقال العينيّ: معناه إذا كانت ماشيته كلها أو بعضها إناثاً، لا يؤخذ منه الذكر، إنما تؤخذ الأنثى، إلا في موضعين، وردت بهما السنّة: أحدهما أخذ التَّبِيع من ثلاثين من البقر. والآخر أخذ ابن اللبون من خمس وعشرين من الإبل، بدلَ بنت مخاض، عند عدمها. وأما إذا كانت ماشيته كلها ذكورًا، فيؤخذ الذكر. وقيل: إنما لا يؤخذ التيس؛ لأنه مرغوب عنه لنتنه، وفساد لحمه. أو لأنه ربما يقصد به المالك منه الفحولة، فيتضرّر بإخراجه انتهى (٢).
(إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ الْمُصَّدِّقُ) اختُلف في ضبطه ومعناه، فقيل: المراد ربّ الماشية، لا الساعي، وعلى هذا هو إما بتخفيف الصاد، وفتح الدال المشدّدة، وهذا اختيار أبي عُبيد، أي الذي أُخذت صدقة ماله، أو بتشديد الصاد، وكسر الدال المشددة، وأصله المتصدّق، فأدغمت التاء بعد قلبها في الصاد. قال تعالى: ﴿إنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ﴾ الآية [الحديد: ١٨]. أو بتخفيف الصاد، وكسر الدال المشدّدة، اسم فاعل من قوله تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾ [القيامة: ٣١]. قال الراغب: يقال: صدّق، وتصدّق.
وتقدير الحديث: لا تؤخذ هرمة، ولا ذات عيب أصلاً، ولا يؤخذ التيس إلا برضا المالك؛ لكون المالك يحتاج إليه، ففي أخذه بغير اختياره إضرار به، وعلى هذا
стр. 11763
فالاستثناء مختصّ بالثالث، وهو التيس.
وقيل: المراد به الساعي، وعلى هذا هو بتخفيف الصاد، وكسر الدال المشدّدة لا غير. وهذا هو المشهور في ضبطها، وهو قول المحدّثين، وعامة الرواة، كما قال الخطّابيّ، أي العامل الذي يستوفي الزكاة من أربابها. قال في "القاموس": الْمُصَدِّقُ، كمُحَدِّثٌ: آخذ الصدقات انتهى. والاستثناء متعلّق بالأقسام الثلاثة.
قال الحافظ: وكأنه يشير بذلك إلى التفويض إليه في اجتهاده؛ لكونه يجري مجرى الوكيل، فلا يتصرّف بغير المصلحة، فيتقيّد بما تقتضيه القواعد. وهذا قول الشافعيّ في "البويطيّ"، ولفظه: "ولا تُؤخذ ذات عوارٍ، ولا تيس، ولا هرمة؛ إلا أن يرى المصدّق أن ذلك أفضل للمساكين، فيأخذه على النظر" انتهى.
وهذا أشبه بقاعدة الشافعيّ في تناول الاستثناء جميعَ ما ذُكر قبله، فلو كانت الغنم كلها معيبةً مثلاً، أو تيوسًا أجزأه أن يُخرج منها. وعن المالكية يلزم المالك أن يشتري شاة مجزئة؛ تمسّكًا بظاهر هذا الحديث. وفي رواية أخرى عندهم كالأول انتهى كلام الحافظ (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تقدم ترجيح القول الأول من قولي مالك -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، فلا تغفل.
وقيل: الاسثناء مخصوص بما إذا كانت المواشي كلها معيبة، أو تيوسًا. قال ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى-: وعلى هذا -أي على ضبط "المصَدِّق" بكسر الدال، بمعنى العامل- لا يأخذ المصدِّق، وهو الساعي أحدَ هذه الثلاثة، إلا أن يرى ذلك بأن يكون جميع النصاب من جنسه، فيكون له أن يأخذ من جنس المال، فيأخذ هرمة من الهرمات، وذات عوار من أمثالها، وتيسًا من التيوس. وقال مالك، والشافعيّ: إن رأى المصدّق أن أخذ هذه الثلاثة خير له، وأنفع للفقراء، فله أخذه؛ لظاهر الاستثناء. انتهى المقصود من كلام ابن قدامه (٢).
وقال الطيبيّ: ويحتمل أن يكون الاستثناء منقطعًا، والمعنى لا يُخرج المزكّي الناقص والمعيب، لكن يُخرج ما شاء المصدّق من السليم الكامل (٣).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تقدم قريبًا ترجيح القول بعدم جوز أخذ الهرمة، ونحوها في الصدقة، وهذا لا ينافي قولَهُ: "إلا أن يشاء المصدّق" على القول بأن
стр. 11764
الاستثناء للجميع؛ لأنه إذا رأى المصدّق أن الأصلح للفقراء أخذ الهرمة، أو ذات العوار، أو التيس، حيث إن قيمتها أكثر من قيمة غيرها، كانت بمنزلة السليم، بل أفضل منه، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
(وَلَا يُجْمَعُ) -بضمّ أوله، وفتح ثالثه، على البناء للمفعول، أي لا يجوز للمالك، ولا للمصدّق أن يجمع (بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ) بتقديم التاء على الفاء، من التفرّق. وفي رواية "مفترق" بتقديم الفاء على التاء، من الافتراق (وَلَا يُفَرَّقُ) -بضم أوله، وفتح ثالثه (١) مشدّدًا، أو مخففًا، على البناء للمفعول أيضًا، أي لا يجوز للمالك، ولا للمصدّق أن يفرق (بَيْنَ مُجْتَمِعٍ) بصيغة اسم الفاعل (خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ) بالنصب على أنه مفعول لأجله، متعلق بالفعلين على سبيل التنازع. ويحتمل أن يتعلّق بفعل مقدّر، يعمّ الفعلين، أي لا يفعل شيئًا من ذلك خشية الصدقة، أي خشية وجوب الصدقة، أو كثرتها، هذا إن عاد الكلام إلى المالك، أو خشية سقوط الصدقة، أو قلّتها، إن عاد إلى المصدّق، فالنهي للمالك والساعي كليهما، فالخشية خشيتان:
إحداهما: خشية المالك أن تجب الصدقة، أو تكثر، فيجمع، أو يفرّق:
مثال جمعه خشية كثرة الصدقة: أن يكون لرجل أربعون شاة، فجمعها، وخلطها بأربعين لغيره عند حضور المصدق؛ فرارًا عن لزوم الشاة إلى نصفها. أو يكونوا ثلاثة، لكلّ واحد منهم أربعون شاة متفرّقة، فجمعوها عند قدوم الساعي بعد الحول، حتى تجب عليهم شاة واحدة.
ومثال تفريقه خشية وجوب الصدقة، أن يكون له عشرون شاة مخلوطة بمثلها لغيره، ففرقها لئلا يكون نصابًا، فتجبَ عليه شاة. أو يكون لرجلين أو رجال أربعون شاةً مختلطةً، ففرقوها عند قدوم الساعي، حتى لا تجب عليهم زكاة أصلاً.
ومثال تفريقه خشية كثرتها أن يكون لرجل مائة شاة، وشاة مخلوطة بمثلها لغيره، فيكون عند الاجتماع والخلط ثلاث شياه، ففرقا مالهما؛ لتقلّ الصدقة، ويكون على كلّ واحد شاة واحدة فقط. ونهوا عن ذلك لأنه هُرُوب عن الحقّ الواجب، وإجحاف بالفقير.
والثاني: خشية الساعي أن تسقط الصدقة، أو تَقِل، فيجمع، أو يفرّقّ:
مثال جمعه خشية سقوط الصدقة: أن يكون رجلان لهما أربعون شاة متفرقة، فجمعها المصدّق، وخلطها حتى تجب فيها شاة.
стр. 11765
ومثال جمعه خشية أن تقلّ أن يكون لكلّ واحد منهما مائة وعشرون، فجمع بينهما ليأخذ ثلاث شياه، بدل شاتين.
ومثال تفريقه خشية قلّة الصدقة: أن يكون لثلاثةِ خُلَطاءَ مائة وعشرون شاة، وواجبها شاة واحدة، ففرقها الساعي أربعين أربعين، ليكون فيها ثلاث شياه.
ومحلّ النهي عن الجمع والتفريق خشية الصدقة في الجنس الواحد، ومن الجنس الواحد الضأن والمعز، والبقر والجاموس، والبخت والعراب من الإبل -والبخت هو المتولّد بين عربيّ وعجميّ- فلا يدخل في النهي ما اختلف جنسه، فمن كان عنده دون نصاب من البقر، ودون نصاب من الغنم مثلاً، لا يضمّ بعضه إلى بعض اتفاقًا كي يصير نصابًا تجب فيه الزكاة.
ومحلّ النهي المذكور أيضًا إذا تعدد المالك، وأما إذا اتحد المالك، وكان له ماشية ببلد لا تبلغ نصابًا، وله بأخرى ما يكمله من جنس تلك الماشية، فإنه يضمّ بعضها إلى بعض. وكذا من له نصاب في جهة، وآخر في جهة أخرى، فإنه يضمّ بعضه إلى بعض أيضًا، ولا يضرّ اختلاف الأمكنة.
وقد ذهب إلى ذلك الجمهور، ووافقهم أحمد فيما إذا كانت ماشية الرجل المتفرقة دون مسافة القصر، وأما إذا كانت بينهما مسافة القصر، فما فوقُ فلا يجمع بينها وينزل كلّ منها منزلة مال مستقلّ، فما بلغ منها نصابًا زكّاه، وإلا فلا.
قال ابن المنذر: لا أعلم هذا القول عن غير أحمد. انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما ذهب إليه الجمهور هو الراجح عندي؛ لظواهر النصوص الواردة في وجوب الزكاة، حيث إنها علّقت الوجوب بالملك، لا باتحاد المحلّ. واللَّه تعالى أعلم.
ويؤخذ من عموم النهي في الحديث أن من كان عنده دون النصاب من الفضّة، ودون النصاب من الذهب لا يضمّ بعضه إلى بعض، وعلى ذلك أكثر العلماء.
وقالت الحنفيّة، والمالكيّة: يُضم بعضه إلى بعض؛ ليصير نصابًا كاملاً، فتجب فيه الزكاة، وحملوا النهي في الحديث على الماشية (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما ذهب إليه أكثر العلماء هو الراجح؛ لموافقته لحديث الباب. واللَّه تعالى أعلم.
(وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ، فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بالسَّوِيَّةِ) "ما" هنا نكرة تامّة، متضمّنة
стр. 11766
معنى حرف الاستفهام، ومعناها: أيّ شيء كان من خَليطين، فإنهما يتراجعان بالسويّة على قدر أموالهما.
ومعنى ذلك عند الشافعيّ، وجماعة أن ما كان متميّزًا لأحد الخليطين من المال، فأخذ الساعي من ذلك المتميّز يرجع على صاحبه بحصّته، كأن يكون لكلّ منهما عشرون شاة، وأخذ الساعي من مال أحدهما، فإنه يرجع بقيمة نصف شاة على الآخر، وإن كان لأحدهما عشرون، وللآخر أربعون مثلاً، فأخذ من صاحب العشرين، فإنه يرجع على صاحب الأربعين بالثلثين، وإن أخذ من صاحب الأربعين، فإنه يرجع على صاحب العشرين بالثلث.
وعند مالك هو كخليطين بينهما مائة شاة لأحدهما ستون، وللآخر أربعون، ففيها عليهما شاة واحدة، يكون على صاحب الأربعين خمساها، وعلى صاحب الستّين ثلاثة أخماسها، فإن أخذ الساعي الشاة الواجبة من الأربعين رجع صاحبها على صاحب الستين بقيمة ثلاثة أخماسها، وإن أخذها من الستين رجع صاحبها على صاحب الأربعين بخمسيها.
وعند أبي حنيفة يُحمل الخليط على الشريك، إذ المال إذا تميّز، وأُخذ من ذلك المشترك، فعنده يجب التراجع بالسوية، أي يرجع كلّ منهما على صاحبه بقدر ما يساوي ماله.
مثلًا إذا كان لأحدهما أربعون بقرة، وللآخر ثلاثون، والمال مشترك غير متميّز، فأخذ الساعي عن صاحب الأربعين مسنّةً، وعن صاحب الثلاثين تبيعًا، وأعطى كلّ منهما من المال المشترك، فيرجع صاحب الأربعين بأربعة أسباع التبيع على صاحب الثلاثين، وصاحبُ الثلاثين بثلاثة أسباع المسنّة على صاحب الأربعين. (١)
وسيأتي تحقيق المسألة بالتفصيل، وترجيح المذهب الراجح بدليله في المسألة التاسعة، إن شاء اللَّه تعالى.
(فَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ) ومثله المرأة (نًاقِصَةً) منصوب على أنه خبر "كانت" (مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً) منصوب على التمييز (وَاحِدَةً) بالنصب على نزع الخافض، أي بواحدة، أو على أنه مفعول "ناقصة"، أو حال من ضمير "ناقصة". ويحتمل أن يكون "شاة" مفعول "ناقصة"، و"واحدةً" وصفٌ لها، والتمييز محذوف؛ للدلالة عليه. وروي "بشاة واحدةٍ" بالجر (فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ) يعني أنه إذا كان عند الرجل سائمة تنقص واحدة من أربعين، فلا زكاة عليه فيها، وبطريق الأولى إذا نقصت زائدًا على ذلك (إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا) أي إلا إذا أراد صاحب تلك السائمة الناقصة أن يتطوّع بالتصدق منها، فله ذلك، وله الأجر العظيم.
стр. 11767
(وَفِي الرِّقَةِ) بكسر الراء، وتخفيف القاف: هي الفضّة الخالصة، مضروبة كانت، أو غير مضروبة. قيل: أصلها الورق، فحذفت الواو، وعُوّضت الهاء. وقيل: يطلق على الذهب والفضّة، بخلاف الورق، وعلى هذا قيل: إن الأصل في زكاة النقدين نصاب الفضّة، فإذا بلغ الذهب ما قيمته مائتا درهم فضة خالصة، وجبت فيه الزكاة، وهي ربع العشر. وهذا قول الزهريّ، وخالفه الجمهور، وسيأتي البحث عن ذلك في باب زكاة الورق-١٨/ ٢٤٧٣ - إن شاء اللَّه تعالى.
(رُبْعُ الْعُشْرِ) بضم الأول، وسكون الثاني، وضمّهما فيهما (فَإِنْ لَمْ تَكُن) أي الرقة التي عنده (إِلاَّ تِسْعِينَ وَمِائَةَ دِرْهَمٍ، فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ) يعني أنه إذا كانت الفضّة ناقصة عن مائتي درهم، فلا يجب عليه فيها شيء، إجماعًا.
قال البغوي -رحمه اللَّه تعالى- في "شرح السنّة": هذا يوهم أنها إذا زادت عليها -أي على تسعين ومائة- شيئًا قبل أن يتمّ مائتين كانت فيه الصدقة، وليس الأمر كذلك؛ لأن نصابها مائتان، وإنما ذكر تسعين لأنه آخر فصل، -أي عَقْدٍ- من فصول المائة، والحسابُ إذا جاوز المائة كان تركيبه بالفصول، كالعشرات، والمئين، والألوف، فذَكَرَ التسعين ليدلّ على أن لا صدقة فيما نقص عن كمال المائتين، بدليل قوله - صلي اللَّه عليه وسلم -: "ليس فيما دون خمس أواق من الورِقِ صدقة" انتهى كلام البغويّ (١).
وقال الطيبيّ: أراد أن دلالة هذا الحديث على أقلّ ما نقص من النصاب إنما يتمّ بحديث: "ليس فيما دون خمس أواق صدقة". ويُسمّى هذا في "الأصول" النصَّ المقيّد بمفارقة نصّ آخر، وينصره الحديث المرويّ عن عليّ ﵁: "وليس في تسعين ومائة شيء، فإذا بلغت مائتين، ففيها خمسة دراهم" انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث عليّ ﵁ المذكور أخرجه أحمد، وأبو داود بإسناد حسن، وسيأتي للمصنّف برقم ٢٤٧٧ و ٢٤٧٨ مختصرًا. واللَّه تعالى أعلم.
(إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا") أي يريد مالكها أن يُعطي على سبيل التبرّع، فله ذلك، وهذا كقوله - صلي اللَّه عليه وسلم - في حديث ضمام بن ثعلبة ﵁: "إلا أن تطوّع". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أنس ﵁ هذا أخرجه البخاريّ.
стр. 11768
[تنبيه]: هذا الحديث أخرجه الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في عشرة مواضع من "صحيحه"، في "الزكاة" في ستّة مواضع، وفي "الشرِكَة"، وفي "الخمس"، وفي "اللباس"، وفي "ترك الحيل"، مطوّلاً، ومختصرًا بسند واحد:
قال: حدّثنا محمد بن عبد اللَّه بن المثنّى الأنصاريّ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني ثُمَامة بن عبد اللَّه بن أنس، أن أنسًا حدّثه: "أن أبا بكر كتب له هذا الكتاب الخ".
وقد انتقد عليه الدارقطنيّ في "التتبّع، والاستدراك" حيث قال: إن ثمامة لم يسمع من أنس، ولا سمعه عبد اللَّه بن المثنّى من ثُمامة. ثم روى عن عليّ بن المدينيّ، عن عبد الصمد، حدثني عبد اللَّه بن المثنّى، قال: دفع إليّ ثمامة هذا الكتاب، قال: وثنا عفّان، ثنا حماد، قال: أخذت من ثمامة كتابًا عن أنس، نحو هذا، وكذا قال حماد بن زيد، عن أيوب: أعطاني ثمامة كتابا، فذكر هذا انتهى.
قال الحافظ في "مقدّمة الفتح": ليس فيما ذكر الدارقطنيّ ما يقتضي أن ثمامة لم يسمعه من أنس، كما صدّر به كلامه، فأما كون عبد اللَّه بن المثنّى لم يسمعه من ثُمامة فلا يدلّ على قدح في هذا الإسناد، بل فيه دليل على صحّة الرواية بالمناولة، إن ثبت أنه لم يسمعه مع أن في سياق البخاريّ عن عبد اللَّه بن المثنّى، حدثني ثمامة أن أنسًا حدّثه، وليس عبد الصمد فوق محمد بن عبد اللَّه الأنصاريّ في الثقة، ولا أعرفَ بحديث أبيه منه انتهى (١).
وقال في "الفتح" في "باب زكاة الغنم" -٣٨/ ١٤٥٤ - : هذا سند مسلسل بالبصريين من آل أنس بن مالك. وعبد اللَّه بن المثنى اختَلَف فيه قولُ ابن معين، فقال مرّة: صالح، ومرّةً ليس بشيء، وقوّاه أبو زرعة، وأبو حاتم، والعجليّ، وأما النسائيّ، فقال: ليس بالقوي، وقال العقيليّ: لا يتابع في أكثر حديثه انتهى.
وقد تابعه على حديثه هذا حماد بن سلمة، فرواه عن ثمامة أنه أعطاه كتابًا زعم أن أبا بكر كتبه لأنس، وعليه خاتم رسول اللَّه ﷺ حين بعثه مصدقًا … فذكر الحديث. هكذا أخرجه أبو داود عن أبي سلمة -موسى بن إسماعيل التبوذكيّ- عنه.
ورواه أحمد في "مسنده" قال: "حدّثنا أبو كامل، حدّثنا حماد، قال: أخذت هذا الكتاب من ثمامة بن عبد اللَّه بن أنس، عن أنس أن أبا بكر … " فذكره.
وقال إسحاق بن راهويه في "مسنده": أخبرنا النضر بن شميل، حدّثنا حماد بن
стр. 11769
سلمة، أخذنا هذا الكتاب من ثمامة، يحدّثه عن أنس، عن النبيّ ﷺ ، فذكره. فوضح أن حمادًا سمعه من ثمامة، وأقرأه الكتاب، فانتفى تعليل من أعلّه بكونه مكاتبة، وانتفى تعليل من أعلّه يكون عبد اللَّه بن المثنّى لم يُتابع عليه انتهى كلام الحافظ (١).
وقد تكلّم ابن معين أيضًا على حديث أنس هذا، ففي "الأطراف" للمقدسيّ: قيل لابن معين: حديث ثمامة، عن أنس في الصدقات، قال: لا يصحّ، وليس بشيء، ولا يصحّ في هذا حديث في الصدقات انتهى (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وقد ردّ على كلام ابن معين هذا ابن حزم وغيره: قال الإمام أبو محمد ابن حزم -رحمه اللَّه تعالى- في "المحلّى" بعد أن ساقه من طريق البخاريّ، وأبي داود، والنسائيّ، وغيرهم: ما نصّه:
هذا الحديث في نهاية الصحّة، وعَمِلَ به أبو بكر الصدّيق ﵁ بحضرة جميع الصحابة، لا يُعرف له منهم مخالف أصلاً، وبأقلّ من هذا يدّعي مخالفونا الإجماع، ويشنّعون علينا، رواه عن أبي بكرٍ أنسٌ، وهو صاحبٌ، ورواه عن أنس ثمامة بن عبد اللَّه بن أنس، وهو ثقة سمعه من أنس، ورواه عن ثمامة حماد بن سلمة، وعبد اللَّه ابن المثنّى، وكلاهما ثقة وإمام، ورواه عن ابن المثنّى ابنه القاضي محمد، وهو مشهور ثقة، وَلي قضاء البصرة، ورواه عن محمد بن عبد اللَّه محمدُ بنُ إسماعيل البخاريّ، جامع "الصحيح"، وأبو قلابة، وإسماعيل بن إسحاق القاضي، والناس. ورواه عن حماد بن سلمة يونس بن محمد، وشُريح بن النعمان، وموسى بن إسماعيل التبوذكيّ، وأبو كامل الْمُظَفَّر بن مُدرِك، وغيرهم، وكلّ هؤلاء إمام ثقة، مشهور.
والعجب ممن يَعترض في هذا الخبر بتضعيف يحيى بن معين لحماد بن سلمة هذا! وليس في كلّ من رواه عن حمّاد بن سلمة -ممن ذكرنا- أحد إلّا وهو أجلّ وأوثق من يحيى بن معين، وإنما يؤخذ كلام يحيى بن معين وغيره إذا ضعّفوا غير مشهور بالعدالة، وأما دعوى ابن معين، أو غيره ضعف حديث رواه الثقات، أو ادّعوا فيه أنه خطأ من غير أن يذكروا فيه تدليسًا، فكلامهم مطّرَحٌ مردودٌ، لأنه دعوى بلا برهان، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل: ٦٤]، ولا مَغْمَزَ لأحد في أحد من رُواة هذا الحديث، فمن عانده، فقد عاند الحقّ، وأَمْرَ اللَّه، وأمرَ رسوله ﷺ ، لا سيّما من يحتجّ في دينه بالمرسلات، وبرواية ابن لهيعة، ورواية جابر الجعفيّ المتّهم في دينه: "لا يؤمّنّ أحدٌ بعدي جالسًا"، ورواية حرام بن عثمان -الذي لا تحلّ الرواية عنه-
стр. 11770
في إسقاط الصلاة عن المستحاضة بعد طهرها ثلاثة أيام، ورواية أبي زيد مولى عمرو بن حُريث في إباحة الوضوء للصلاة بالخمر، وبكل (١) نطيحة، أو متردّية، وما أهلّ لغير اللَّه به في مخالفة القرآن والسنن الثابتة، ثم يتعلّل في السنن الثابتة التي لم يأت ما يُعارضها، بل عَمِلَ بها الصحابةُ ﵃، ومن بعدهم انتهى كلام ابن حزم (٢).
وقال الإمام البيهقيّ -رحمه اللَّه تعالى- في كتابه "المعرفة": لا نعلم من حَمَلة الحديث وحفّاظهم من استقصى في انتقاد الرواة ما استقصى محمد بن إسماعيل البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى-، مع إمامته، وتقدمه في معرفة الرجال، وعلل الأحاديث، ثم إنه اعتمد في هذا الباب على حديث عبد اللَّه بن المثنّى الأنصاريّ، عن ثمامة، عن أنس، فأخرجه في "الصحيح" عن محمد بن عبد اللَّه بن المثنّى، عن أبيه، وذلك لكثرة الشواهد لحديثه هذا بالصحّة انتهى (٣).
وقال في "السنن الكبرى": قد روينا الحديث من حديث ثُمامة بن عبد اللَّه بن أنس، عن أنس، من أوجه صحيحة، ورويناه عن سالم، ونافع، موصولاً، ومرسلاً، ومن حديث عمرو بن حزم موصولاً، وجميع ذلك يشُدّ بعضه بعضًا انتهى (٤).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما ذُكر أن العلل التي ذُكرت في حديث أنس ﵁ هذا غير مقبولة، فهو حديث صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٥/ ٢٤٤٧ و ١٠/ ٢٤٥٥ - وفي "الكبرى" ٥/ ٢٢٢٥ و ١٠/ ٢٢٣٥.
وأخرجه (خ) في "الزكاة" ١٤٥٠ و ١٤٥١ و ١٤٤٨ و ١٤٥٤ و ١٤٥٥ و"الشركة" ٢٤٨٧ و"فرض الخمس" ٣١٠٦ و"اللباس" ٥٨٧٩ و"الحيَل" ٦٩٥٥ (د) في "الزكاة" ١٥٦٧ (ق) في "الزكاة" ١٨٠٠ (أحمد) في "مسند العشرة" ٧٣ و"باقي مسند المكثرين" ١١٥٧٨ و ١٢٣٦ و ١٢٣٢٧ و ١٢٤٥٣ و ١٢٥٢٩ و ١٢٦٣٤ و ١٢٧٧١ و١٢٩١٤ و ١٣٥٠٤ و ١٣٦٧٧ (ابن خزيمة في "صحيحة") ٢٢٦١ و٢٢٧٩ و ٢٢٨١ و ٢٢٩ (ابن حبان في "صحيحه") ٣٢٦٦ (الشافعيّ في "مسنده") ١/ ٢٣٥ - ٢٣٦ (الطحاويّ) ٢/ ٣٣ (ابن الجارود) ٣٤٢ (البيهقيّ) ٤/ ٨٥ (الدارقطنيّ) ٢/ ١١٣ - ١١٤ (البغوي) ١٥٧٠ (أبو يعلى) ١٢٧. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 11771
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم زكاة الإبل، ونصابها (ومنها): أنه احتجّ بقوله: "إن هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول اللَّه ﷺ على المسلمين" من قال: إن الكفّار غير مخاطبين بفروع الشريعة، وقد تقدّم تحقيق الخلاف في ذلك، وأن الراجح أنهم مخاطبون بها، وأن المراد بقوله: "على المسلمين" أنها تؤخذ منهم في الدنيا، وأما الكافر فلا تؤخذ منه في الدنيا، وإنما يعاقب بها في الآخرة (ومنها): أن زكاة المواشي، ونحوها، من الأموال الظاهرة تُدفع للإمام (ومنها): أنه لا طاعة للإمام فيما خالف الشرع، حيث قال: "ومن سئل فوق ذلك، فلا يُعط" (ومنها): أن ما بين كلّ نصابين من أنصبة الماشية عفوٌ لا زكاة فيه، وهو المعروف عند الفقهاء بالْوَقَص (ومنها): أن السَّوْم شرط في وجوب زكاة الغنم، وهو مذهب الجمهور، وكذلك يشترط في زكاة الإبل، لحديث بَهْز بن حكيم المتقدّم في -٤/ ٢٤٤٤ - (ومنها): أنه لا يجوز في الزكاة أخذ الْهَرِمة، ولا ذات العَوَار، ولا التيس، إلا أن يشاء المصدّق (ومنها): أن الحيل في الزكاة حرامٌ، على المالك، وعلى الساعي أيضًا، وذلك كأن يَجمَع بين متفرّق، أو يُفرِّق بين مجتمع، خشيةَ وجوب الصدقة، أو كثرتها، أو عدم وجوبها، أو قلّتها (ومنها): أن ما كان من الخليطين، إذا أُخذ من أحدهما فإنه يرجع على الآخر بالسويّة (ومنها): أن الفضّة إذا بلغت مائتي درهم يجب فيها ربع العشر، خمسةُ دراهم، وما كان ناقصًا من ذلك، فلا شيء فيه، إلا أن يتطوّع صاحبه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): استدلّ بقوله: "فما دون خمس وعشرين، من الإبل، في كلّ خمسِ ذَوْدٍ شاةٌ". على تعيّن إخراج الغنم في مثل ذلك، وهو قول مالك، وأحمد، فلو أخرج بعيرًا عن الأربع والعشرين لم يجزه.
وذهب الشافعيّ، والجمهور إلى أنه يجزئه, لأنه يجزئه عن خمس وعشرين، فما دونها أولى؛ ولأن الأصل أن يجب من جنس المال، وإنما عدل عنه رفقًا بالمالك، فإذا رجع باختياره إلى الأصل أجزأه. فإن كانت قيمة البعير مثلاً دون قيمة أربع شياه، ففيه خلاف مشهور عند الشافعيّة، وغيرهم، والأقيس -كما قال الحافظ- أنه لا يجزئ.
ويجوز عند الحنفيّة إذا ساوى قيمةُ المؤدَّى قيمة الواجب، كما بسط في فروعهم.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما ذهب إليه مالك، وأحمد من أن إخراج الغنم متعيّنٌ هو الصواب؛ عملاً بظاهر النصّ، فإن فيه براءةَ الذّمّة بيقين، وما عداه مشكوك فيه.
стр. 11772
ويؤيّده أيضًا ما يأتي من قوله في ﷺ : "ومن بلغت عنده صدقة الجَذَعة، وليست عنده جذَعةٌ، وعنده حقّةٌ فإنها تقبل منه الخ، فلو كان البعير يجزئ عن الشياه الأربع مثلًا لبيّنه، كما بين ذلك في وجوب ابنة مخاض، حيث قال: "فإن لم تكن بنت مخاض، فابن لبون ذكر".
وأما قولهم: ولأن الأصل أن يجب من جنس المال، وإنما عُدل عنه رفقًا الخ، فقد تُعُقّب بأنه قياس في مقابلة النصّ (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): اختُلف في الأوقاص -وهو ما بين الفرضين- على قولين: فذهب مالك في رواية، والشافعيّ في الجديد، وأحمد، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، وداود إلى أنّ الزكاة في النصاب فقط، دون العفو، وهو الصحيح في مذهب مالك. وقال ابن المنذر: قال أكثر العلماء: لا شيء في الأوقاص.
وذهب مالك في رواية، والشافعيّ في القديم، ومحمد بن الحسن، وزُفَر إلى أنها في النصاب والعفو جميعًا.
ويظهر أثر الخلاف فيمن له مثلاً تسعٌ من الإبل، فتلف أربعة بعد الحول، وقبل التمكّن من الأداء، حيث قلنا: إنه شرط في الوجوب، وجبت عليه شاة بلا خلاف، وكذا إن قلنا: التمكّن شرط في الضمان، وقلنا: الوقص عفوٌ، وإن قلنا: يتعلّق به الفرض وجب خمسة أتساع شاة.
وقال النوويّ: أكثر ما يتصوّر من الأوقاص في الإبل تسعٌ وعشرون، وفي البقر تسع عشرة، وفي الغنم مائة وثمان وتسعون، ففي الإبل ما بين إحدى وتسعين، ومائة وإحدى وعشرين، وفي البقر ما بين أربعين، وستين، وفي الغنم ما بين مائتين وواحدة، وأربعمائة انتهى.
[تنبيه]: "الوقص" -بفتح الواو، والقاف، ويجوز إسكانها، وبالسين المهملة، بدل الصاد-: هو ما بين الفرضين، عند الجمهور، واستعمله الشافعيّ فيما دون النصاب الأول أيضًا. قاله في "الفتح" (٢).
وقال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- في "شرح المهذب": "الوقص" -بفتح القاف، وإسكانها- لغتان، أشهرهما عند أهل اللغة الفتح، والمستعمل منهما عند الفقهاء الإسكان، واقتصر الجوهريّ وغيره من أصحاب الكتب المشهورة في اللغة على الفتح،
стр. 11773
وصنّف الإمام ابن برّيّ المتأخّر جزءًا في لحن الفقهاء، لم يُصب في كثير منه، فذكر من لحنهم "وقص" بالإسكان، وليس كما قال. وذكر القاضي أبو الطيّب الطبريّ في تعليقه في آخر "باب زكاة البقر"، وصاحب "الشامل" في "باب زكاة البقر" أيضًا، وآخرون من أصحابنا أن أكثر أهل اللغة قالوا: "الوقص" بالإسكان، وكذا قال صاحب "الشامل": أكثر أهل اللغة. وقال القاضي: الصحيح في اللغة الأول. وقال بعض أهل اللغة: هو بالفتح، فالأول ليس هو بصحيح.
واحتجّ مانع الإسكان بأنّ فَعْلًا الساكن المعتلّ الفاء، لا يُجمع على أفعال. وهذا غلط فاحش، فقد جاء وَطْبٌ وأوطابٌ، ووَغْدٌ وأوغاد، ووَعْرٌ وأوعار، وغير ذلك.
فحصل في "الوقص" لغتان. قال أهل اللغة، والقاضي أبو الطيّب، وصاحب "الشامل"، وغيرهما من أصحابنا: الشَّنَقُ -بفتح الشين المعجمة، والنون-: هو أيضًا ما بين الفريضتين، قال القاضي: أكثر أهل اللغة يقولون: الوَقَص، والشَّنَقُ سواء، لا فرق بينهما. وقال الأصمعيّ: الشَّنَق يختصّ بأوقاص الإبل، والوَقَصُ مختصّ بالبقر، والغنم، واستعمل الشافعيّ ﵁ في "البويطيّ" الشنَقَ في أوقاص الإبل، والبقر، والغنم جميعًا، ويقال أيضًا: وَقَس -بالسين المهملة.
وقال أيضًا: فحصل من هذه الجملة أنه يقال: وَقَصٌ، ووقْصٌ، -بفتح القاف، وإسكانها- وشَنَقٌ، ووقس- بالسين المهملة-، وأنه يطلق على ما لا زكاة فيه، سواء كان بين نصابين، أو دون النصاب الأول، لكن أكثر استعماله فيما بين النصابين. انتهى كلام النوويّ باختصار (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): اختلفوا فيما إذا زادت الإبل على عشرين ومائة على مذاهب: (الأول): ذهب الشافعيّ، والأوزاعي، وإسحاق بن راهويه إلى أنها إذا زادت على العشرين ومائة واحدة، ففيها ثلاث بنات لبون إلى أن تصير مائة وثلاثين، فيجب فيها حقّة، وبنتا لبون، ثم كلما زادت عشرة كان في كلّ خمسمين حقّة، وفي كلّ أربعين بنت لبون، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، والمختار عند الحنابلة، وهو قول عمر بن عبد العزيز، والزهريّ، وأبي ثور، وابن حزم، وداود، وابن القاسم، صاحب مالك، قال الباجيّ: قول ابن قاسم روايةٌ لمالك أيضًا.
واحتُجّ لهذا القول بقوله ﷺ : "فإذا زادت على عشرين ومائة، ففي كلّ أربعين بنت لبون، وفي كلّ خمسين حقّة". فإنه ﷺ جعل هذا الحكمَ بنفس الزيادة، والواحدة
стр. 11774
زيادة، فعندها يجب في كلّ أربعين بنت لبون، وقد جاء مصرّحًا بذلك عند الدارقطنيّ في آخر هذا الحديث: "فإذا كانت إحدى وعشرين ومائة، ففيها ثلاث بنات لبون، حتى تبلغ تسعًا وعشرين ومائة"، ومثله في كتاب عمر ﵁، وكتاب عمرو بن حزم، كما تقدّم، والحديث وإن كان فيه ضعف، إلا أنّ له شواهد يتقوّى بها. واللَّه تعالى أعلم.
وقال الخطّابيّ: فيه دليلٌ على أن الإبل إذا زادت على العشرين ومائة لم يستأنف لها الفريضة؛ لأنه علّق تغيّر الفرض بوجود الزيادة، وقد يحصل وجود الزيادة بالواحدة، كحصولها بأكثر منها، وعلى هذا وُجد الأمر في أكثر الفرائض، فإن زيادة الواحد بعد منتهى الْوَقَص توجب تغيّر الفريضة، كالواحدة بعد الخامسة والثلاثين، وبعد الخامسة والأربعين، وبعد كمال الستين (١).
(الثاني): ذهب أبو عُبيد، ومحمد بن إسحاق، وأحمد في رواية إلى أنها لا تجب فيما زاد على العشرين والمائة شيء، حتى تكون مائة وثلاثين، ففيها حقّة، وبنتا لبون، فلا يتغيّر الفرض عندهم، ولا يتعدّى إلى ثلاثين ومائة، وهو رواية عن مالك، رواها عنه عبد الملك، وأشهب، وابن نافع.
واستُدلّ لهم بأن قوله ﷺ : "فإذا زادت على عشرين ومائة … " الحديث، يقتضي أن يكون تغيّر الفرض في عدد يجب السِّنَّان معًا، أي المراد بالزيادة هي التي يمكن اعتبار المنصوص عليه فيها، وذلك لا يكون فيما دون العشر.
وأجيب عنه بأن هذا غير لازم، وذلك أنه إنما علّق تغيّر الفرض بوجود الزيادة على المائة والعشرين، وجعل بعدها في أربعين ابنة لبون، وفي خمسين حقّة، وقد وجدت الأربعونات الثلاث في هذا النصاب، فلا يجوز أن يسقط الفرض، ويتعطّل الحكم، وإنما اشترط وجود السّنّين في محلّين مختلفين، لا في محلّ واحد، فاشتراطهم وجودهما معًا في واحد غلطٌ.
واستُدلّ لهم أيضًا بأن الفرض لا يتغيّر بزيادة الواحدة، كسائر الفروض.
وأجيب عنه بأنه ما تغيّر بالواحدة وحدها، وإنما تغيّر بها مع ما قبلها، فأشبهت الواحدة الزائدة على التسعين، والستّين، وغيرهما.
واستدلّ لهم أيضًا بما روى أبو عُبيد في "كتاب الأموال" عن يزيد بن هارون، عن حبيب بن أبي حبيب، عن عمرو بن هرم، عن محمد بن عبد الرحمن، أن في كتاب صدقة النبيّ ﷺ ، وفي كتاب عمر في الصدقة: أن في الإبل إذا زادت على عشرين
стр. 11775
ومائة، فليس فيما دون العشر شيء، حتى تبلغ ثلاثين ومائة (١).
وأجيب بأن هذا مرسل، ولا حجّة فيه. وأيضًا قد رواه الدارقطنيّ، والحاكم، والبيهقيّ، مطوّلاً، وفيه: "فإذا زادت على العشرين ومائة واحدة، ففيها ثلاث بنات لبون، حتى تبلغ تسعًا وعشرين ومائة، فإذا كانت الإبل أكثر من ذلك، فليس فيما لا يبلغ العشر منها شيء حتى يبلغ العشر" انتهى.
وهذا -كما ترى- نصّ في القول الأول، وصريح في الرّدّ على القول الثاني.
(الثالث): ذهب مطرّف، وابن أبي حازم، وابن دينار، وأصبغ إلى أن الساعي بالخيار بين أن يأخذ في إحدى وعشرين ومائة ثلاث بنات لبون، أو حقّتين، أيّ الصنفين أدّى أجزأه إلى أن يبلغ ثلاثين ومائة، فيجب فيها حقّة وبنتا لبون، وهو رواية عن مالك أيضًا، وهو مختار فروع المالكيّة.
قال ابن حزم: قول مالك في التخيير بين إخراج حقتين، أو ثلاث بنات لبون خطأ، فإن رسول اللَّه ﷺ فرق بين حكم العشرين ومائة، فجعل حقّتين بنصّ كلامه، وبين حكم ما زاد على ذلك، فلم يجز أن يسوى بين حكمين فرق رسول اللَّه ﷺ بينهما، ولا نعلم أحدًا قبل مالك قال بهذا التخيير انتهى (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أرجح المذاهب عندي المذهب الأول، وهو أنه إذا زادت الإبل على مائة وعشرين واحدة ففيها ثلاث بنات لبون، إلى أن تصير مائة، وثلاثين، ففيها حقّة، وبنتا لبون، ثم كلما زادت عشرة، كان في كلّ خمسين حقّة، وفي كلّ أربعين بنت لبون، لظاهر حديث الباب، وأصرح منه ما في كتاب عمر ﵁، وكتاب عمرو بن حزم، من أنه إذا كانت إحدى وعشرين ومائة، ففيها ثلاث بنات لبون، حتى تبلغ تسعًا وعشرين ومائة، والحديث، وإن تكلّم فيه إلا أنّ له شواهد تقويه، كما سبق. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): اختُلف في حكم ما بعد العشرين والمائة:
ذهب الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعيّ، وأحمد، إلى أنه يدور الحكم بعد العشرين والمائة على الأربعينات والخمسينات أبدًا، من غير أن تُستأنف الفريضة، فيتغير الفريضة عندهم بعد العدد المذكور إلى بنت لبون في كلّ أربعين، وإلى حقّة في كلّ خمسين، ولا تعود إلى الأول.
واحتجّوا لذلك بما روي في كتاب أبي بكر الصدّيق، وفي كتاب عمر، وفي كتاب
стр. 11776
عمرو بن حزم، وفي كتاب زياد بن لَبِيد إلى حضرموت، من قوله ﷺ : "فإذا زادت على عشرين ومائة، ففي كلّ أربعين بنت لبون، وفي خمسين حقّة.
وذهب أبو حنفية، وأصحابه، والثوريّ، والنخعيّ إلى أنه تُستَأنَف الفريضة بعد العشرين ومائة، كما في الأول إلى مائة وخمسين؛ إلا أنه لا تجب في هذا الاستئناف بنت لبون وجذعة، فليس عندهم فيما بعد العشرين ومائة إلا حقّتان فقط، حتى تتمّ خمسًا وعشرين ومائة، فيجب فيها حقّتان وشاة، إلى ثلاثين ومائة، فهذا بلغتها، ففيها حقّتان وشاتان إلى خمس وثلاثين ومائة، ففيها حقّتان، وثلاث شياه، إلى أربعين ومائة، ففيها حقّتان، وأربع شياه، إلى خمس وأربعين ومائة، فإذا بلغتها ففيها حقّتان، وبنت مخاض، إلى خمسين ومائة، فإذا بلغتها ففيها ثلاث حقاق. هذا هو الاستئناف الأول، ثم تُستأنف الفريضة، وتجب فيه ابن لبون أيضًا على خلاف الاستئناف الأول، فيجب في مائة وخمس وخمسين ثلاث حقاق وشاة، ثم كما ذكرنا في كلّ خمس شاة مع الثلاث حقاق إلى أن تصير خمسًا وسبعين ومائة، فيجب فيها بنت مخاض، وثلاث حقاق، إلى ستّ وثمانين ومائة، فإذا بلغتها كانت فيه بنت لبون، وثلاث حقاق إلى ستّ وتسعين ومائة، فإذا بلغتها ففيها أربع حقاق إلى مائتين، ثم تستأنف الفريضة كما بعد مائة وخمسين، فتجب في كلّ خمس شاة، فإذا صارت مائتين وخمسًا وعشرين، ففيها أربع حقاق، وبنت مخاض، وفي ستّ وثلاثين ومائتين أربع حقاق، وبنت لبون إلى ستّ وأربعين ومائتين، فإذا بلغتها كانت فيها خمس حقاق إلى خمسين ومائتين، وهكذا إلى ما لا نهاية له، كلما بلغت الزيادة خمسين زاد حقة، ثم استأنف تزكيتها بالغنم، ثم ببنت مخاض، ثم ببنت لبون، ثم بالحقّة.
ولا يخفى أن هذا المذهب لا يصدق عليه قوله ﷺ : "فهذا زادت على عشرين ومائة، ففي كلّ أربعين بنت لبون، وفي كلّ خمسين حقة"، فإنه يدلّ على أن مدار الحكم والحساب بعد العشرين ومائة هو الأربعون والخمسون، وعلى أنه يُجعل الكلّ على عدد الأربعينات، والخمسينات، وقد عرفت أنهم لم يجعلوا الأربعين والخمسين مدارًا للحكم، بل قالوا بالعود إلى أول الفريضة والاستئناف، وتقدّم أنه ليس في الاستئناف الأول بنت لبون أصلاً، ثم إنها وإن كانت في الاستئناف الثاني، لكن الفريضة لا تدور على الأربعين عندهم، فإنه تجب بنت لبون من ست وثلاثين إلى ستّ وأربعين، والأربعون واقع في البين، فلم يكن مدارَ الحكم، ولا يكون لتخصيصه بالذكر على مذهبهم معنى؛ لكون بنت اللبون واجبة فيما دونه، وفيما فوقه أيضًا، وكذا الحقّة تجب من ستّ وأربعين إلى خمسين، فلا يكون الخمسون مدارًا، ولا يظهر لتخصيصه في
стр. 11777
قوله: "وفي كلّ خمسين حقّة" معنى أيضًا.
قال صاحب "العرف الشذي": الحقّ أن حديث الباب أقرب بمذهب الحجازيين؛ لأنه ﷺ قد أجمل بعد مائة وعشرين، ومذهب الحجازيين مستقيم على هذا الحديث بعد مائة وعشرين إلى الأبد. وأما مذهبنا فاستقامته إنما هو بعد خمسين ومائة انتهى.
قال صاحب "المرعاة": الحديث الذي استدلّ به أهل الحجاز لا يصدق على مذهب أهل العراق أصلاً، فإن مذهبهم كما لا يستقيم قبل الخمسين ومائة، لقوله ﷺ في حديث أنس ﵁ عند الدارقطنيّ: "فإذا بلغت إحدى وعشرين ومائة، ففي كلّ أربعين بنت لبون، وفي كلّ خمسين حقّة"، كذلك لا يستقيم بعده أيضًا، فإن مدار بنت اللبون هو ستّ وثلاثون، لا أربعون، ومدار الحقّة ستّ وأربعون، لا خمسون، فإن هذين العددين يكونان في البين، والحديث نصّ في كون الأربعينات والخمسينات مدارًا بعد العشرين ومائة، مطّردًا دائمًا.
هذا، وقد تصدّى الحنفيّة، كالطحاوي في "شرح معاني الآثار"، والسرخسيّ في "المبسوط"، وأبي بكر الرازيّ في "أحكام القرآن"، وابن الهمام في "فتح القدير"، والزيلعيّ في "شرح الكنز"، والعينيّ في "شرح البخاريّ" للجواب عن حديث الباب، والتخلّص من مخالفته.
قال صاحب "المرعاة": ولولا أنه يطول البحث جدًا، لذكرنا كلامهم أجمعين، وبيّنّا ما في أجوبتهم من التكلّف، والتمحّل، والتلبيس، والتخليط، والفساد. وقد ذكر تقريرَ ابن الهمام وجوابَهُ الشيخُ عبد العلى بحر العلوم اللكنويّ الحنفيّ في "رسائل الأركان الأربعة"- (ص ١٧٠ - ١٧١) ثم ردّ عليه، ورجّح مذهب الجمهور، وقال في آخر كلامه: فالأشبه ما عليه الإمام الشافعيّ، والإمام أحمد.
واحتجّ الحنفيّة لمذهبهم بما روى أبو داود في "المراسيل"، وإسحاق بن راهويه في "مسنده"، والطحاويّ في "مشكله" عن حماد بن سلمة، قال: قلت لقيس بن سعد: خذ لي كتاب محمد بن عمرو بن حزم، فأعطاني كتابًا، أخبر أنه أخذه من أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: "أن النبيّ ﷺ كتبه لجده، فقرأته، فكان فيه ذكر ما يُخرج من فرائض الإبل، فقصّ الحديث إلى أن يبلغ عشرين ومائة، فإذا كانت أكثر من عشرين ومائة، فإنه يُعاد إلى أول فريضة الإبل، وما كان أقلّ من خمس وعشرين ففيه الغنم في كلّ خمس ذودٍ شاة". كذا في "نصب الراية".
وأجيب عنه بما قال ابن الجوزيّ في "التحقيق": إن هذا حديث مرسل. وقال هبة اللَّه الطبريّ: هذا الكتاب صحيفة ليس بسماع، ولا يَعرِفُ أهلُ المدينة عندهم عن كتاب
стр. 11778
عمرو بن حزم إلا مثل روايتنا، رواها الزهريّ، وابن المبارك، وأبو أويس، كلهم عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جدّه، مثلَ قولنا. ثم لو تعارضت الروايتان عن عمرو بن حزم بقيت روايتنا عن أبي بكر الصدّيق ﵁، وهي في "الصحيح"، وبها عَمِلَ الخلفاءُ الأربعة.
وقال البيهقيّ في "السنن" ج٤ ص٩٤: هذا منقطع بين أبي بكر بن حزم إلى النبيّ ﷺ ، وقيس بن سعد أخذه عن كتاب، لا عن سماع، وكذلك حماد بن سلمة أخذه عن كتاب، لا سماع، وقيس بن سعد، وحماد بن سلمة، وإن كانا من الثقات، فروايتهما هذه بخلاف رواية الحفّاظ عن كتاب عمرو بن حزم وغيره، وحماد بن سلمة ساء حفظه في آخر عمره، فالحفّاظ لا يحتجّون بما يخالف فيه، ويتجنّبون ما ينفرد به عن قيس بن سعد خاصّة، وأمثاله، وهذا الحديث قد جمع الأمرين، مع ما فيه من الانقطاع.
وقال في "معرفة السنن": الحفّاظ، مثل يحيى القطّان وغيره يُضعّفون رواية حماد، عن قيس بن سعد، ثم أسند عن أحمد بن حنبل، قال: ضاع كتاب حماد بن سلمة، عن قيس بن سعد، فكان يحدّثهم من حفظه، ثم أسند عن ابن المدينيّ نحو ذلك.
قال البيهقيّ: ويدلّ على خطأ هذه الرواية أن عبد اللَّه بن أبي بكر بن بن محمد بن عمرو بن حزم، رواه عن أبيه، عن جدّه بخلافه، وأبو الرجال محمد بن عبد الرحمن الأنصاريّ رواه بخلافه، والزهريّ مع فضل حفظه رواه بخلافه في رواية سليمان بن داود الْخَوْلانيّ، عنه موصولاً، وفي رواية غيره مرسلاً، وإذا كان حديث حماد عن قيس مرسلاً، وخالفه عددٌ، وفيهم ولد الرجل، والكتابُ بالمدينة، يتوارثونه بينهم، فأخبروا بما وجدوا فيه، ويعرف عنه عمر بن عبد العزيز، وأمر بأن يُنسخ له، فوُجد مخالفًا ما رواه حماد، عن قيس، وموافقًا لما في كتاب أبي بكر، وما في كتاب عمر، وكتابُ أبي بكر في "الصحيح"، وكتاب عمر أسنده سفيان بن حسين، وسليمان بن كثير، عن الزهريّ، عن سالم، عن أبيه، عن النبيّ ﷺ ، ولم يكتبه عمر عن رأيه، إذ لا مدخل للرأي فيه، وعَمِلَ به، وأَمَرَ عُمّاله، فعملوا به، وأصحاب النبيّ ﷺ متوافرون، وأقرأ ابنَه عبد اللَّه بن عمر، وأقرأه عبد اللَّه ابنَه سالمًا، ومولاه نافعًا، وكان عندهم حتى قرأه مالك بن أنس، أفما يدلّ ذلك كله على خطأ تلك الرواية التي انفردت عن سائر الروايات، وأن الأخذ بغيرها أولى انتهى كلام البيهقيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "المعرفة" بتصرّف (١).
стр. 11779
وقال ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى- في "المغني" بعد الإشارة إلى كتاب أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الذي استدلّ به الحنفيّة: ولنا أن في حديثَيِ الصدقات الذي كتبه أبو بكر لأنس، والذي كان عند آل عمر بن الخطاب مثلُ مذهبنا، وهما صحيحان، وقد رواه أبو بكر عن النبيّ ﷺ بقوله: "هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول اللَّه ﷺ على المسلمين".
وأما كتاب عمرو بن حزم، فقد اختلف في صفته، فرواه الأثرم في "سننه" مثل مذهبنا، والأخذ بذلك أولى لموافقته الأحاديث الصحاح، وموافقته القياس، فإن المال إذا وجب فيه من جنسه لم يجب من غير جنسه، كسائر بهيمة الأنعام، ولأنه مال احتمل المواساة من جنسه، فلم يجب من غير جنسه، كالبقر والغنم، وإنما وجب في الابتداء من غير جنسه لأنه ما احتمل المواساة من جنسه، فعدلنا إلى غير الجنس ضرورةً، وقد زال ذلك بزيادة المال، وكثرته، ولأنه عندهم ينتقل من بنت مخاض إلى حقّة بزيادة خمس من الإبل، وهي زيادة يسيرة، لا تقتضي الانتقال إلى حقة، فإنا لم ننتقل في محلّ الوفاق من بنت مخاض إلى حقّة إلا بزيادة إحدى وعشرين انتهى كلام ابن قُدامة (١).
وقال ابن حزم -رحمه اللَّه تعالى-: والعجب أنهم يدّعون أنهم أصحاب قياس، وقد خالفوا في هذا المكان النصوص والقياس، فهل وجدوا فريضةً تعود بعد سقوطها؟، وهل وجدوا في أوقاص الإبل وقصًا من ثلاثة وثلاثين من الإبل؟ إذ لم يجعلوا بعد الإحدى والتسعين حكمًا زائدًا إلى خمسة وعشرين ومائة، وهل وجدوا في شيء من الإبل حكمين مختلفين في إبل واحدة، بعضها يزكّى بالإبل، وبعضها يُزكّى بالغنم؟، وهَلّا إذ ردّوا الغنم وبنت المخاض بعد إسقاطهما ردّوا أيضًا في ستّ وثلاثين زائدة على العشرين ومائة بنت اللبون؟، فإن قالوا: منعنا عن ذلك قوله ﵇ "في كلّ خمسين حقّة"، قيل لهم: فهلّا منعكم من ردّ الغنم قوله ﵇: "وفي كلّ أربعين بنت لبون" انتهى كلام ابن حزم. (٢).
واحتجّ الحنفيّة أيضًا بما روى ابن أبي شيبة عن يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن عليّ ﵁، قال: "إذا زادت الإبل على عشرين ومائة يُستقبل بها الفريضة" انتهى (٣).
стр. 11780
ورواه البيهقيّ بلفظ: "إذا زادت على عشرين ومائة، فبحساب ذلك يُستأنف بها الفرائض" (١). قال الحافظ في "الدراية": إسناده حسن، إلا أنه اختلف على أبي إسحاق انتهى. ورواه أبو عبيد بلفظ: "استُؤنف بها الفريضة بالحساب الأول" (٢).
وأجيب عن هذا بما قال البيهقيّ- جـ٤ ص ٩٢ - : قد أنكر أهل العلم هذا على عاصم ابن ضمرة؛ لأن رواية عاصم بن ضمرة على خلاف كتاب آل عمرو بن حزم، وخلاف كتاب أبي بكر، وعمر ﵄.
وقال أيضًا -ص ٩٣ - : واستدلّوا على خطئه بما فيه من الخلاف للروايات المشهورة عن النبيّ ﷺ ، ثم عن أبي بكر، وعمر، ﵄ في الصدقات. وقال أيضًا في (ص ٩٤) بعد ما روى من طريق عاصم بن ضمرة، والحارثِ، عن عليّ: "في خمس وعشرين خمسٌ من الغنم، فإذا زادت واحدة، ففيها بنت مخاض": ما لفظه: وفيه وفي كثير من الروايات عنه: "في خمس وعشرين خمس شياه"، وقد أجمعوا على ترك القول به لمخالفة عاصم بن ضمرة والحارث، عن عليّ الروايات المشهورة، عن النبيّ ﷺ ، وعن أبي بكر وعمر في الصدقات في ذلك، كذلك رواية من روى عنه الاستئناف مخالفة لتلك الروايات المشهورة، مع ما في نفسها من الاختلاف والغلط، وطَعْنِ أئمة أهل النقل فيها، فوجب تركها، والمصير إلى ما هو أقوى منها انتهى (٣).
ونقل الخطّابيّ في "المعالم" عن ابن المنذر أنه قال: ليس هذا النقل بثابت عن عليّ ﵁.
وروى البيهقيّ- جـ٤ ص ٩٣ - من طريق شريك- وشعبة- وابنُ حزم- جـ٦ ص ٣٨ - من طريق معمر- كلهم عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن عليّ ﵁، قال: "إذا زادت على عشرين ومائة، ففي كلّ خمسين حقّةٌ، وفي كلّ أربعين ابنة لبون"، موافقًا للروايات المشهورة، عن النبيّ ﷺ .
وقال الحازميّ في "كتاب الاعتبار"- ص ١٠ - : (الوجه الثامن عشر) من الترجيحات أن يكون أحد الحديثين قد اختلفت الرواية فيه، والثاني لم يُختلف فيه، فيُقَدّم الذي لم يُختلف فيه، وذلك نحو ما رواه أنس في زكاة الإبل: "إذا زادت على عشرين ومائة، ففي كلّ أربعين بنت لبون، وفي كلّ خمسين حقّة". وهو حديث مخرّج في "الصحيح" من رواية ثُمامة، عن أنس، ورواه عن ثمامة ابنه عبد اللَّه، وحماد بن سلمة، ورواه
стр. 11781
عنهما جماعة كلهم قد اتفقوا عليه من غير اختلاف بينهم.
ثم ذكر الاختلاف في رواية أبي إسحاق، عن عاصم، عن عليّ ﵁، ثم قال: فحديث أنس لم تختلف الرواية فيه، وحديث عليّ اختلفت الرواية فيه، كما ترى، فالمصير إلى حديث أنس أولى؛ للمعنى الذي ذكرناه، على أن كثيرًا من الحفّاظ أحالوا الغلط في حديث عليّ على عاصم، وإذا تقابلت حجتان، فما سَلِمَ منهما من المعارض أولى، كالبيّنات إذا تقابلت، فإن الحكم فيها كذلك انتهى كلام الحازميّ.
وقال الشافعيّ بعد ذكر رواية شريك، عن أبي إسحاق، موافقًا لحديث أنس كما قدّمنا: وبهذا نقول، وهو موافق للسنّة، وهم -يعني العراقيين- لا يأخذون بهذا، فيخالفون ما روي عن النبيّ ﷺ ، وأبي بكر، وعمر، والثابت عن عليّ عندهم إلى قول إبراهيم -النخعيّ- وشيء يغلط به عن عليّ ﵁ انتهى.
وقد تصدّى الحنفيّة، وتمحّلوا لإثبات أن رواية سفيان، عن أبي إسحاق، عن عاصم ابن ضمرة، عن عليّ، مسندة مرفوعة. وقد ردّ عليهم ابن حزم، فأجاد، من أحبّ الوقوف عليه رجع إلى "المحلّى" جـ٦ ص ٣٧ - ٣٨ - .
واحتجّوا أيضًا بما رواه الطحاويّ عن خُصَيف، عن أبي عُبيدة، وزياد بن أبي مريم، عن ابن مسعود ﵁ قال: "فإذا بلغت العشرين ومائة، استقبلت الفريضة بالغنم، في كلّ خمس شاةٌ، فإذا بلغت خمسًا وعشرين، ففرائض الإبل".
واعترضه البيهقيّ بأنه موقوف، ومنقطع بين أبي عُبيدة، وزياد، وبين ابن مسعود، قال: وخُصيف غير محتجّ به. انتهى (١).
وقال الخطّابيّ -رحمه اللَّه تعالى-: وقال محمد بن جرير الطبريّ: هو مخيّر إن شاء استأنف الفريضة إذا زادت الإبل على مائة وعشرين، وإن شاء أخرج الفرائض لأن الخبرين جميعًا، قد رُويا.
قال الخطابيّ: وهذا قول لا يصحّ؛ لأن الأمة قد فرّقت بين المذهبين، واشتهر الخلاف فيه بين العلماء، فكلّ من رأى استئناف الفريضة لم ير إخراج الفرائض، ومن رأى إخراج الفرائض لم يُجِز استئناف الفريضة، فهما قولان متنافيان. على أن رواية عاصم بن ضمرة عن عليّ ﵁ عنه لا تقاوم لضعفها روايةَ حديث أنس، وهو حديث صحيح، ذكره البخاريّ في "جامعه" عن محمد بن عبد اللَّه الأنصاريّ، عن أبيه، عن ثمامة، عن أنس، عن أبي بكر الصدّيق ﵄، وفي حديث عاصم بن ضمرة كلام
стр. 11782
متروك بالإجماع، غير مأخوذ به في قول أحد من العلماء، وهو أنه قال: "في خمس وعشرين من الإبل خمس شياه". وروى أبو داود الحديثين معًا في هذا الباب، وذكر أن شعبة وسفيان لم يرفعا حديث عاصم بن ضمرة، ووقفاه على عليّ ﵁ انتهى كلام الخطّابيّ -رحمه اللَّه تعالى- (١).
قال صاحب "المرعاة" بعد ذكر الأقوال وأدلتها: ما نصّه:
وقد ظهر بما حرّرنا فسادُ قول الحنفيّة، وخلافهم للروايات المرفوعة المشهورة، ولأبي بكر، وعمر، وعليّ، وأنس، وابن عمر، وسائر الصحابة، والتابعين، دون أن يتعلّقوا برواية صريحة صحيحة عن أحد منهم بمثل قولهم، إلا عن إبراهيم النخعيّ وحده. انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أرجح المذاهب في هذه المسألة مذهب الجمهور القائلين بمقتضى حديث أنس ﵁ المذكور في هذا الباب؛ لوضوح حجته. وحاصله أنه إذا زادت الشياه على مائة وعشرين وجب في كلّ أربعين بنت لبون، وفي كلّ خمسين حقّة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثامنة): اختلفوا في قوله ﷺ : "ويجعل معها شاتين، إن استيسرتا، أو عشرين درهما":
فذهب إلى ظاهر الحديث إبراهيم النخعيّ، والشافعيّ، وأصحاب الحديث، والظاهرية.
وذهب سفيان الثوريّ إلى ما روي عن عليّ ﵁ أنه يَرُدّ عشرة دراهم، أو شاتين. قال ابن حزم: وروي أيضًا عن عمر ﵁، وإليه ذهب أبو عُبيد.
وقال مالك: لا يُعطي إلا ما وجب عليه، بأن يبتاع للساعي السنّ الذي وجب له، ولا يعطي سنّا مكان سنّ بردّ شاتين، أو عشرين درهمًا.
وقال أبو حنيفة: يأخذ قيمة السنّ الذي وجب عليه، وإن شاء أخذ أفضل منها، وردّ عليه فيه دراهم، وإن شاء أخذ دونها، وأخذ الفضل دراهم، ولم يُعيّن عشرين درهمًا، ولا غيرها، فجبران ما بين السنّين غير مقدّر عنده، ولكنه بحسب الغلاء والرخص، وحمل هذا الحديث على أن تفاوت ما بين السّنّين كان ذلك القدر في تلك الأيام، لا أنه تقدير شرعيّ، بدليل ما روي عن عليّ ﵁ أنه قدّر جبران ما بين السّنّين بشاتين، أو عشرة دراهم، وروي أيضًا عن عمر ﵁.
стр. 11783
وتعقّب هذا بأنه لا حجّة في قول أحد دون رسول اللَّه ﷺ .
وأجاز أبو حنيفة أيضًا أداء القيمة من العُرُوض وغيرها بدل الزكاة الواجبة، وإن كان المأمور بأخذه ممكنًا (١).
وأجاب الجمهورالذين لم يقولوا بجواز أداء القيمة في الزكاة عن ذلك بأنه لو كان كذلك لكان ينظر إلى ما بين السنّين في القيمة، فكان العرض يزيد تارة، وينقص أخرى؛ لاختلاف ذلك في الأمكنة والأزمنة، فلما قدّر الشارع التفاوت بمقدار معيّن لا يزيد، ولا ينقص كان ذلك هو الواجب في الأصل في مثل ذلك.
قال الخطابيّ في "المعالم": وأصحّ هذه الأقاويل قول من ذهب إلى أن كلّ واحد من الشاتين، والعشرين درهمًا أصل في نفسه، وأنه ليس له أن يعدل عنهما إلى القيمة، ولو كان للقيمة فيها مدخل لم يكن لنقله الفريضة إلى سنّ فوقها، وأسفل منها، ولا لجبران النقصان فيهما بالعشرين، أو بالشاتين معنىً.
قال: ويشبه أن يكون النبيّ ﷺ إنما جعل الشاتين، أو العشرين درهمًا تقديرًا في جبران النقصان، والزيادة بين السّنّين، ولم يَكِلِ الأمرَ في ذلك إلى اجتهاد الساعي، وإلى تقديره؛ لأن الساعي إنما يحضر الأموال على المياه، وليس بحضرته حاكمٌ، ولا مُقَوِّمٌ يحمله وربَّ المال عند اختلافهما على قيمة يرتفع بها الخلاف، وتنقطع معها مادّة النزاع، فجُعِلت فيها قيمة شرعيّة، كالقيمة في المصرّاة، والجنين حسمًا لمادة الخلاف، مع تعذّر الوصول إلى حقيقة العدم بما يجب فيها عند التعديل انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة التاسعة): اختلفوا في معنى قوله ﷺ : "وما من خليطين، فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية":
(اعلم): أن الْخُلطة -بضمّ الخاء المعجمة، وسكون اللام- على نوعين: خُلْطة اشتراك، وخُلطة جِوَار، وقد يُعبّر عن الأول بخلطة الأعيان، وخلطة الشيوع، وعن الثاني بخلطة الأوصاف.
والمراد بالأول أن لا يتميّز نصيب أحد الرجلين، أو الرجال عن نصيب غيره، كماشية ورثها قوم، أو ابتاعوها معًا. وبالثاني أن يكون مال كلّ واحد معيّنًا.
стр. 11784
واختلف في المراد بالخليط في هذا الحديث:
فذهب أبو حنيفة إلى أنه الشريك؛ لأن الخليطين في اللغة العربيّة هما الشريكان اللذان اختلط مالهما، ولم يتميّز، كالخليطين من النبيذ، وما لم يختلط مع غيره فليسا بخليطين، وإذا يتميز مال كلّ واحد منهما من مال الآخر، فلا خُلْطة.
وذهب الجمهور إلى أن المراد بالخليط المخالط، وهو أعمّ من الشريك، وحكم الخليطين عندهم أَنْ تُصدَّق ما شيتهما كأنها لرجل واحد. والخلطة عندهم أن يجتمعا في الْمَسْرَح، والمبيت، والفحل.
واعتُرِض على أبي حنيفة بأن الشريك لا يَعرِف عين ماله، وقد قال: إنهما يتراجعان بينهما بالسويّة. ومما يدلّ على أن الخليط لا يستلزم أن يكون شريكًا قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ﴾ الآية [ص: ٢٤]، وقد بيّنه قبل ذلك بقوله: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ الآية. [ص: ٢٣].
واختُلف أيضًا في أن الخلطة مؤثّرة في الزكاة أم لا؟:
فذهب الجمهور إلى كونها مؤثّرة. وقال أبو حنيفة: لا تأثير للخلطة، سواء كانت خلطة شيوع واشتراك في الأعيان، أو خلطة أوصاف وجوار في المكان، فلا يجب على أحد الشريكين، أو الشركاء إلا مثل الذي كان يجب عليه لو لم يكن خليطًا.
وتعقّبه ابن جرير بأنه لو كان تفريقها مثل جمعها في الحكم لبطلت فائدة الحديث، وإنما نُهي عن أمر لو فعله كانت فيه فائدة قبل النهي، ولو كان كما قال لما كان لتراجع الخليطين بينهما بالسويّة معنى.
واعتذر بعضهم عن الحنفيّة بأن الأصل قوله عمرو: "ليس فيما دون خمس ذود صدقة"، وحكم الخلطة يغيّر هذا الأصل، فلم يقولوا به.
ورُدّ بأن ذلك مع الانفراد، وعدم الخلطة، لا إذا انضمّ ما دون الخَمْس إلى عدد الخليط يكون به الجميع نصابًا، فإنه يجب تزكية الجميع؛ لهذا الحديث، وما ورد في معناه، ولا بدّ من الجمع بهذا.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: بل الأحسن الجمع بما قاله الحنفيّة، كما سيأتي قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى.
قال الإمام ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى- في "المغني": ما حاصله: إن الخُلْطة في السائمة تجعل مال الرجلين كمال الرجل الواحد في الزكاة، سواء كانت خلطة أعيان، وهي أن تكون الماشية مشتركة بينهما لكلّ واحد منهما نصيب مشاع، مثل أن يرثا نصابًا، أو يشترياه، أو يوهب لهما، فيُبْقِيَاه بحاله. أو خُلْطة أوصاف، وهي أن يكون
стр. 11785
مال كل واحد منهما متميّزًا، فخلطاه، واشتركا في الْمَسرَح، والمبيت، والْمَحلَب، والْمَشْرَب، والفحل، وسواء تساويا في الشركة، أو اختلفا، مثل أن يكون لرجل شاة، ولآخر تسعة وثلاثون، أو يكون لأربعين رجلاً أربعون شاةً، لكل واحد منهم شاة. نصّ عليهما أحمد.
وهذا قول عطاء، والأوزاعيّ، والشافعيّ، والليث، وإسحاق. وقال مالك: إنما تؤثّر الخلطة إذا كان لكلّ واحد من الشركاء نصاب. وحكي ذلك عن الثوريّ، وأبي ثور، واختاره ابن المنذر. وقال أبو حنيفة: لا أثر لها بحال؛ لأن ملك كلّ واحد دون النصاب، فلم يجب عليه زكاة؛ كما لو لم يختلط بغيره.
ولأبي حنيفة فيما إذا اختلطا في نصابين أن كلّ واحد منهما يملك أربعين من الغنم، فوجبت عليه؛ لقوله ﷺ : "في أربعين شاة شاة".
ولنا ما روى البخاريّ في حديث أنس ﵁: "لا يُجمع بين متفرّق، ولا يُفرَّق بين مجتمع، خشية الصدقة، وما كان من خليطين، فإنهما يتراجعان بالسويّة". ولا يجيء التراجع إلا على قولنا في خلطة الأوصاف. وقوله: "لا يُجمع بين متفرّق" إنما يكون هذا إذا كان لجماعة، فإن الواحد يضمّ ما له بعضه إلى بعض، وإن كان في أماكن، وهكذا لا يفرّق بين مجتمع. ولأن للخلطة تأثيرًا في تخفيف المؤنة، فجاز أن تؤثّر في الزكاة، كالسوم، والسقي، وقياسهم مع مخالفة النصّ غير مسموع انتهى كلام ابن قُدامة (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "قياسهم مع مخالفة النصّ الخ فيه نظر لا يخفى، وسيأتي في كلام ابن حزم ما يردّه، إن شاء اللَّه تعالى.
وقد حقّق أبو محمد ابن حزم المسألة تحقيقًا حسنًا، ورجّح ما ذهب إليه الحنفيّة، ودونك خلاصة ما قاله في كتابه "المحلّى"، قال -رحمه اللَّه تعالى-:
والخلطة في الماشية، أو غيرها لا تُحيل حكم الزكاة، ولكلّ أحد حكمه في ماله خالط، أو لم يخالط، لا فرق بين شيء من ذلك. قال: وقد اختلف الناس في تأويل خبر: "لا يجمع بين مفترق، ولا يفرّق بين مجتمع خشية الصدقة، وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسويّة".
فقالت طائفة: إذا تخالط اثنان، فأكثر في إبل، أو في بقر، أو في غنم، فإنهم تؤخذ من ماشيتهم الزكاة، كما كانت تؤخذ لو كانت لواحد، والخلطة عندهم أن تجتمع
стр. 11786
الماشية في الراعي، والمراح، والمسرح، والمسقى، ومواضع الحلب عامًا كاملاً متصلًا، وإلا فليست خلطة؛ وسواء كانت ماشيتهم مُشاعة، لا تتميّز، أو متميّزة، وزاد بعضهم الدلو، والفحل.
قال أبو محمد: وهذا القول مملوء من الخطأ.
أول ذلك أن ذكرهم الراعي كان يُغني عن ذكر المسرح والمسقى؛ لأنه لا يمكن البتّة أن يكون الراعي واحدًا، وتختلف مسارحها، ومساقيها، فصار ذكر المسرح والمسقى فضولاً.
وأيضًا فإن ذكر الفحل خطأ؛ لأنه قد يكون لإنسان واحد فحلان، وأكثر؛ لكثرة ماشيته، وراعيان، وأكثر لكثرة ماشيته، فينبغي لهم إذا أوجب اختلاطهما في الراعي والعمل أن يزكيها زكاة المنفرد، وأن تجمع ماشية إنسان واحد إذا كان له راعيان وفحلان، وهذا لا تخلّص منه.
ونسألهم إذا اختلطا في بعض هذه الوجوه: ألهما حكم الخلطة أم لا؟ فأيّ ذلك قالوا، فلا سبيل أن يكون قولهم إلا تحكّما، فاسدًا، بلا برهان، وما كان هكذا فهو باطل بلا شكّ.
قال: وهذا قول الليث بن سعد، وأحمد بن حنبل، والشافعيّ، وأبي بكر بن داود فيمن وافقه من أصحابنا. حتى إن الشافعيّ رأى حكم الخلطة جاريا كذلك في الثمار، والزروع، والدراهم، والدنانير، فرأى في جماعة بينهم خمسة أوسق فقط أن الزكاة فيها، وأن جماعة يملكون مائتي درهم فقط، أو عشرين دينارًا فقط، وهم خلطاء أن الزكاة واجبة في ذلك، ولو أنهم ألف، أو أكثر، أو أقلّ.
وقالت طائفة: إن كان يقع لكلّ واحد من الخلطاء ما فيه الزكاة زَكَّوا حينئذ زكاة المنفرد، وإن كان لا يقع لكلّ واحد منهم ما فيه الزكاة، فلا زكاة عليهم، ومن كان منهم يقع له ما فيه الزكاة، فعليه الزكاة، ومن كان غيره منهم لا يقع له ما فيه الزكاة فلا زكاة عليه. فرأى هؤلاء في اثنين فصاعدًا يملكان أربعين شاة، أو ستين، أو ما دون الثمانين، أو ثلاثين من البقر، أو ما دون الستين، وكذلك في الإبل، فلا زكاة عليهم، فإن كان ثلاثة يملكون مائة وعشرين شاة، لكلّ واحد منهم ثلثها، فليس عليهم إلا شاة واحدة فقط، وهكذا في سائر المواشي. ولم ير هؤلاء حكم الخلطة إلا في المواشي فقط.
وهو قول الأوزاعيّ، ومالك، وأبي ثور، وأبي عبيد، وأبي الحسن بن المغلس من أصحابنا (١).
стр. 11787
وقالت طائفة: لا تُحيل الخلطة حكم الزكاة أصلاً، لا في الماشية، ولا في غيرها، وكلّ خليط ليزكي ما معه كما لو لم يكن خليطًا، ولا فرق، فإن كان ثلاثة خلطاء لكلّ واحد أربعون شاةً، فعليهم ثلاث شياه، على كلّ واحد منهم شاة، وإن كان خمسة لكلّ واحد منهم خمس من الإبل، وهم خلطاء، فعلى كلّ واحد شاة، وهكذا القول في كلّ شيء. وهو قول سفيان الثوريّ، وأبي حنيفة، وشريك بن عبد اللَّه، والحسن بن حيّ. قال أبو محمد: لم نجد في هذه المسألة قولة لأحد من الصحابة، ووجدنا أقوالًا عن عطاء، وطاوس، وابن هرمز، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، والزهريّ فقط.
روينا عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن طاوس أنه كان يقول: إذا كان الخليطان يعلمان أموالهما، فلا تجمع أموالهما في الصدقة، قال ابن جريج: فذكرت هذا لعطاء من قول طاوس، فقال: ما أراه إلا حقًا. وروينا عن معمر، عن الزهريّ، قال: إذا كان راعيهما واحدًا، وكانت ترد جميعًا، وتروح جميعًا، صُدَّقَت جميعًا. ومن طريق ابن وهب، عن الليث، عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ أنه قال: إن الإبل إذا جمعها الراعي، والفحل، والحوض، تصدق جميعًا، ثم يتحاصّ أصحابها على عدّة الإبل في قيمة الفريضة التي أخذت من الإبل، فإن كان استودعه إياها لا يريد مخالطته، ولا وضعها عنده يريد نتاجها، فإن تلك تُصَدّق وحدها. وعن ابن هرمز مثل قول مالك.
قال أبو محمد: احتجّت كلّ طائفة لقولها بحكم رسول اللَّه ﷺ الذي صدّرنا به، فقال من رأى الخلطة تُحيل الصدقة، وتجعل مال الاثنين فصاعدًا بمنزلة ما لو كان لواحد أن معنى قوله ﵇: "لا يفرّق بين مجتمع، ولا يجتمع بين مفترق، خشية الصدقة" هو أن يكون لثلاثة مائة وعشرون شاة، لكلّ واحد منهم ثلثها، وهم خلطاء، فلا يجب عليهم إلا شاة واحدة، فنهى المصدّق أن يفترق بينها ليأخذ من كلّ واحد نصفها، فيجبَ عليهما ثلاث شياه، والرجلان يكون لهما مائتا شاة، وشاتان، لكل واحد نصفها، فيجب عليهما ثلاث شياه، فيفرّقانها، خشية الصدقة، فليزم كلّ واحد منهما شاة، فلا يأخذ المصدّق إلا شاتين.
وقالوا: معنى قوله ﷺ : "وما كان من خليطين يتراجعان بينهما بالسوية" هو أن يعرفا ما أخذ الساعي، فيقع على كلّ واحد حصّته على حسب عدد ماشيته، كاثنين لأحدهما أربعون شاة، وللآخر ثمانون، وهما خليطان، فعليهما شاة واحد، على صاحب الثمانين ثلثاها، وعلى صاحب الأربعين ثلثها.
وقال من رأى أن الخلطة لا تحيل حكم الصدقة: معنى قوله ﷺ : "لا يفرّق بين مجتمع، ولا يجمع بين مفترق، خشية الصدقة": هو أن يكون لثلاثة مائة وعشرون
стр. 11788
شاة، ولكلّ واحد ثلثها، فيجب على كلّ واحد شاة، فنهوا عن جمعها، وهي متفرّقة في ملكهم تلبيسًا على الساعي أنها لواحد، فلا يأخذ إلا واحدة، والمسلم يكون له مائتا شاة وشاتان، فيجب عليه ثلاث شياه، فيفرقها قسمين، ويلبس على الساعي أنها لاثنين؛ لئلا يعطي منها إلا شاتين، وكذلك نهى المصدّق أيضًا عن أن يجمع على الاثنين، فصاعدًا مالهم ليكثر ما يأخذ، وعن أن يفرّق مال الواحد في الصدقة، وإن وجده في مكانين متباعدين ليكثر ما يأخذ.
وقالوا: معنى قوله- ﵇: "كلّ خليطين يترادّان بينهما بالسويّة": هو أن الخليطين في اللغة التي بها خاطبنا ﵇ هما ما اختلط مع غيره، فلم يتميّز، ولذلك سمّي الخليطان من النبيذ بهذا الاسم، وأما ما لم يختلط مع غيره فليسا خليطين، هذا ما لا يشكّ فيه، قالوا: فليس الخليطان في المال إلا الشريكين فيه اللذين لا يتميّز مال أحدهما من الآخر، فإن يتميّز فليسا خليطين، قالوا: فإذا كان خليطان كما ذكرنا، وجاء المصدّق ففرضٌ عليه أن يأخذ من جملة المال الزكاة الواجبة على كلّ واحد منهما في ماله، وليس عليه أن ينتظر قسمتهما لمالهما، ولعلهما لا يريدان القسمة، وإن كانا حاضرين، فليس له أن يُجبرهما على القسمة، فإذا أخذ زكاتيهما، فإنهما يترادّان بالسويّة، كاثنين لأحدهما ثمانون شاة، وللآخر أربعون، وهما شريكان في جميعها، فيأخذ المصدّق شاتين، وقد كان لأحدهما ثلثا كلّ شاة منهما، وللآخر ثلثها، فيترادّان بالسويّة، فيبقى لصاحب الأربعين تسع وثلاثون، ولصاحب الثمانين تسع وسبعون. قال أبو محمد: فاستوت دعوى الطائفتين في ظاهر الخبر، ولم تكن لإحداهما مزيّةٌ على الأخرى في الخبر المذكور.
فنظرنا في ذلك، فوجدنا تأويل الطائفة التي رأت أن الخلطة لا تُحيل حكم الزكاة أصحّ؛ لأن كثيرًا من تفسيرهم المذكور متفقٌ من جميع أهل العلم على صحته، وليس شيء من تفسير الطائفة الأخرى مجمعًا عليه، فبطل تأويلهم لتعرّيه من البرهان، وصحّ تأويل الأخرى؛ لأنه لا شكّ في صحة ما اتفق عليه، ولا يجوز أن يضاف إلى رسول اللَّه ﷺ قول لا يدلّّ على صحته نصّ، ولا إجماع، فهذه حجة صحيحة.
ووجدنا أيضًا الثابت عن رسول اللَّه ﷺ قوله: "ليس فيما دون خمس ذود صدقة"، وأن من لم يكن له إلا أربع من الإبل فلا صدقة عليه، "وليس فيما دون أربعين شاة شيء"، وسائر ما نصّه عنه ﵇ في صدقة الغنم، والإبل من أن في أربعين شاة شاة، وفي خمس وعشرين من الإبل بنت مخاض، وغير ذلك.
ووجدنا من لم يُحِلْ بالخلطة حكم الزكاة قد أخذ بجميع هذه النصوص، ولم
стр. 11789
يُخالف شيئا منها. ووجدنا من أحال بالخلطة حكم الزكاة يرى في خمسة لكلّ واحد منهم خمس من الإبل أن على كلّ واحد منهم خُمُس بنت مخاض، وأن ثلاثة لهم مائة وعشرون شاة على السواء بينهم أن على كلّ امرئ منهم ثُلُث شاة، وأن عشرة رجال لهم خمس من الإبل بينهم، فإن بعضهم يوجب على كلّ واحد منهم عُشْر شاة، وهذه زكاة ما أوجبها اللَّه تعالى قط، وخلاف لحكمه تعالى، وحكم رسوله ﷺ انتهى المقصود من كلام ابن حزم -رحمه اللَّه تعالى-.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي حرّره ابن حزم -رحمه اللَّه تعالى- من ترجيح تفسير الخليطين بالشريكين، هو الذي يترجّح عندي؛ لما قرّره في كلامه المذكور آنفًا.
والحاصل أن ما ذهب إليه الثوريّ، وأبو حنفية، وشريك بن عبد اللَّه، والحسن بن حيّ، أرجح المذاهب، لما ذُكر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٦ - (بَابُ مَانِعِ زَكَاة الإِبِلِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على عقاب مانع زكاة الإبل.
٢٤٤٨ - (أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ بَكَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا (١) شُعَيْبٌ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الزِّنَادِ (٢) , مِمَّا حَدَّثَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجُ, مِمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ, يُحَدِّثُ بِهِ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تَأْتِي الإِبِلُ عَلَى رَبِّهَا, عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ, إِذَا هِيَ لَمْ يُعْطِ فِيهَا حَقَّهَا, تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا, وَتَأْتِي الْغَنَمُ عَلَى رَبِّهَا, عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ, إِذَا لَمْ يُعْطِ فِيهَا حَقَّهَا, تَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا, وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا", قَالَ: "وَمِنْ حَقِّهَا أَنْ تُحْلَبَ عَلَى الْمَاءِ, أَلَا لَا يَأْتِيَنَّ أَحَدُكُمْ, يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِبَعِيرٍ, يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ, لَهُ رُغَاءٌ, فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ, فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا, قَدْ بَلَّغْتُ, أَلَا لَا يَأْتِيَنَّ أَحَدُكُمْ, يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِشَاةٍ, يَحْمِلُهَا عَلَى رَقَبَتِهِ, لَهَا يُعَارٌ, فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ, فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا, قَدْ بَلَّغْتُ", قَالَ: "وَيَكُونُ كَنْزُ أَحَدِهِمْ, يَوْمَ الْقِيَامَةِ, شُجَاعًا أَقْرَعَ, يَفِرُّ مِنْهُ
стр. 11790
صَاحِبُهُ, وَيَطْلُبُهُ, أَنَا كَنْزُكَ, فَلَا يَزَالُ حَتَّى يُلْقِمَهُ أُصْبُعَهُ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عمران بكّار) بن راشد الكَلاعيّ البرّاد الحمصيّ المؤذّن، ثقة [١١] ١٧/ ١٥٤١.
٢ - (عليّ بن عيّاش) الألهانيّ الحمصيّ، ثقة ثبت [٩] ١٢٣/ ١٨٢.
٣ - (شعيب) بن أبي حمزة دينار الحمصيّ، ثقة عابد [٧] ٦٩/ ٨٥.
٤ - (أبو الزناد) عبد اللَّه بن ذكون القرشيّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقة فقيه [٥] ٧/ ٧.
٥ - (عبد الرحمن الأعرج) ابن هرمز، أبو داود المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٧/ ٧.
٦ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أن النصف الأول منه حمصيون، والنصف الثاني مدنيون. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه أبا هريرة أكثر الصحابة رواية للحديث، روى (٥٣٧٤) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن شعيب بن أبي حمزة، أنه (قال: حَدَّثَنِي أَبُو الزِّنَادِ، مِمَّا حدَّثهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الأعْرَجُ) متعلق بـ"حدثني"، و"من" للتبعيض، أي بعض ما حدّثه عبد الرحمن بن هُرْمز الأعرج (مِمَّا ذَكَرَ) "من" متعلّق بحال مقدّر، أي حال كونه من جملة ما ذكر (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (يُحَدِّثُ بِهِ) جملة في محلّ نصب على الحال من أبي هريرة (قَالَ) أبو هريرة ﵁ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ("تَأْتِي الإِبِلُ) يعني يوم القيامة، كما صرّح به في رواية أخرى (عَلَى رَبِّهَا) أي صاحبها، ومالكها، والربّ هنا بمعنى المالك، وله معان أُخر، ويستعمل في غير اللَّه تعالى مضافًا، كما في هذا الحديث، ولا يستعمل مع الإطلاق إلا في حقّ اللَّه تعالى.
[فإن قلت]: كيف أطلق الربّ على المالك في هذا الحديث، وحديثِ ضالّة الإبل: "حتى يلقاها ربّها"، وحديثِ أشراط الساعة: "أن تلد الأمة ربّها"، وكلها في "الصحيحين"، مع ورود النهي في حديث أبي هريرة ﵁ المتفق عليه، فقد روى الشيخان، عن محمد بن رافع، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن همام بن منبه، أنه سمع أبا هريرة، ﵁، يحدث عن النبي ﷺ ، أنه قال: "لا يقل أحدكم: أطعم
стр. 11791
ربك، وَضِّئْ ربك، اسق ربك، وليقل: سيدي، مولاي، ولا يقل أحدكم: عبدي، أمتي، وليقل: فتاي، وفتاتي، وغلامي". هذا لفظ البخاريّ.
ولفظ مسلم: "لا يقل أحدكم: اسق ربك، أطعم ربك، وضئ ربك، ولا يقل أحدكم: ربي، وليقل: سيدي، مولاي، ولا يقل أحدكم: عبدي، أمتي، وليقل: فتاي، فتاتي، غلامي".
[قلت]: أجاب عنه العلماء، فقال ابن الأثير: إن البهائم غير متعبّدة، ولا مخاطبة، فهي بمنزلة الأموال التي يجوز إضافة مالكيها إليها، وجعلهم أربابًا لها. قال: فأما قوله تعالى: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢]، فإنه خاطبهم على المتعارف عندهم، وعلى ما كانوا يسمونهم به، ومثله قول موسى ﵇ للسامريّ: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ﴾ [طه: ٩٧]، أي الذي اتخذته إلهًا انتهى كلام ابن الأثير بتصرّف (١).
وقال في "الفتح" عند شرح حديث النهي المذكور: ما نصّه: والسبب في النهي أن حقيقة الربوبيّة للَّه تعالى؛ لأن الربّ هو المالك، والقائم بالشيء، فلا توجد حقيقة ذلك إلا للَّه تعالى.
قال الخطّابيّ: سبب المنع أن الإنسان مربوب متعبّد بإخلاص التوحيد للَّه، وترك الإشراك معه، فكره له المضاهاة في الاسم؛ لئلا يدخل في معنى الشرك، ولا فرق في ذلك بين الحرّ والعبد، فأما ما لا تعبّد عليه من سائر الحيوانات، والجمادات، فلا يكره إطلاق ذلك عليه عند الإضافة، كقوله: "ربّ الدار"، و"رب الثوب".
وقال ابن بطّال: لا يجوز أن يقال لأحد غير اللَّه ربّ، كما لا يجوز أن يقال له إله. انتهى.
والذي يختصّ باللَّه تعالى إطلاق الربّ بلا إضافة، وأما مع الإضافة، فيجوز إطلاقه، كما في قوله تعالى حكايته عن يوسف ﵇: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢]، وقوله: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٥٠]، وقوله ﷺ في أشراط الساعة: "أن تلد الأمة ربها"، فدلّ على أن النهي في ذلك محمول على الإطلاق.
ويحتمل أن يكون النهي للتنزيه، وما ورد من ذلك فلبيان الجواز. وقيل: هو مخصوص بغير النبيّ ﷺ ، ولا يرد ما في القرآن، أو المراد النهي عن الإكثار من ذلك، واتخاذ استعمال هذه اللفظة عادة، وليس المراد النهي عن ذكرها في الجملة انتهى (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أقرب الأجوبة عندي حمل النهي على التنزيه. واللَّه
стр. 11792
تعالى أعلم بالصواب.
(عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ) أي من العِظَم، والسِّمَن، ومن الكثرة؛ لأنها تكون عنده على حالات مختلفة، فتأتي على أكملها ليَكون ذلك أنكى له لشدّة ثقلها (إِذَا هِيَ لَمْ يُعْطِ) بالبناء للفاعل، والضمير لـ"ربها". ويحتمل أن يكون بالبناء للمفعول، والنائب عن الفاعل "حقّها"، والأول أوضح (فِيهَا) أي منها، فـ"في" بمعنى "من" (حَقَّهَا) أي لم يؤدّ زكاتها، أو ما هو أعمّ، وهذا أولى بدليل قوله: "ومن حقها أن تُحلب الخ" (تَطَؤُهُ) مضارع وَطِئَهُ -بالكسر-: إذا داسه، أي تدُوسه تلك الإبل (بأَخْفَافِهَا) جمع خفّ بالضمّ: وهو مَجْمَعُ فِرْسِنِ البعير، وقد يكون للنعام، أو الخفُّ لَا يكون إلا لهما. قاله في "القاموس" (وَتَأتِي الغَنَمُ عَلَى رَبِّهَا، عَلَى خَيرِ مَا كَانَتْ، إِذَا لَمْ يُعْطِ فِيهَا حَقَّهَا، تَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا) جمع ظِلْف -بكسر، فسكون- بمنزلة القدم للإنسان، ويكون للبقر، والشاة، والظبي، ونحوها (وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا) بكسر الطاء، وفتحها، من بابي مَنَعَ، وضَرَبَ.
(قَالَ: وَمِنْ حَقِّهَا) أي المندوب على ما قاله الجمهور، أو الواجب على ما قاله بعضهم، وهو الحقّ على ما يأتي بيانه، و"من" للتبعيض (أَنْ تُحْلَبَ) بحاء مهملة، مبنيا للمفعول، أي لمن يحضرها من المساكين. وذكره الداوديّ -بالجيم- وفسّره بالإحضار إلى المصدّق. وتعقّبه ابن دحية، وجزم بأنه تصحيف.
ولفظ مسلم: "حلبها". قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: هو بفتح اللام على اللغة المشهورة، وحكي إسكانها، وهو غريب ضعيف، وإن كان هو القياس انتهى (١).
(عَلَى الْمَاءِ) أي في محلّ سقيها الماء. ولفظ مسلم: "يوم وردها" -بكسر الواو. أي إتيانها إلى الماء، أو نوبة الإتيان إلى الماء، فإن الإبل تأتي الماء في كلّ ثلاثة أيام، أو أربعة، وربما تأتي في ثمانية.
وإنما خصّ الحلب بموضع الماء ليكون أسهل على المحتاجين من قصد المنازل، وأرفق بالماشية. قاله في "الفتح".
ولأنه حالة كثرة لبنها؛ ولأن الفقراء يحضرون هناك لذلك. وفي هذا دليل لمن يرى في المال حقوقًا غير الزكاة. قاله في "طرح التثريب".
وقال الطيبيّ: معناه أن يُسقى ألبانها المارّة، ومن ينتاب المياه من أبناء السبيل. وقيل: أمران يحلبها صاحبها عند الماء ليصيب ذوو الحاجة منه، وهذا مثل نهيه ﷺ عن الجذاذ بالليل، أراد أن يُصرَمَ بالنهار ليحضره الفقراء انتهى.
стр. 11793
وقال ابن بطّال: يريد حقّ الكَرَم، والمواساة، وشريفِ الأخلاق، لا أن ذلك فرضٌ، قال: وكانت عادة العرب التصدّق باللبن على الماء، فكان الضعفاء يرصدون ذلك منهم، قال: والحقّ حقّان: فرض عين، وغيره، فالحلب من الحقوق التي هي من مكارم الأخلاق.
وقال إسماعيل القاضي: الحقّ المفترض هو الموصوف المحدّد، وقد تحدث أمورٌ لا تحُدّ، فتجب فيها المواساة للضرورة التي تنزل، من ضعيف مضطرّ، أو جائع، أو عارٍ، أو ميت ليس له من يُواريه، فيجب حينئذ على من يمكنه المواساة التى تزول بها الضرورات. وقال ابن التين: وقيل: كان هذا قبل فرض الزكاة انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحديث يردّ قول من قال: إنه من مكارم الأخلاق، وليس من الواجب، وقول من قال بالنسخ، ويدلّ دلالة واضحة لمن يرى في المال حقّا سوى الزكاة على ما سنبيّنه، وهو مذهب غير واحد من التابعين، وهو الحقّ، وسيأتي تحقيق الخلاف في هذا، في المسألة الثانية، إن شاء اللَّه تعالى.
(أَلَا) أداة استفتاح وتنبيه (لَا يَأْتِيَنَّ أَحَدُكُمْ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِبَعِيرٍ) أي لا يجوز لأحدكم أن يمنع بعيرًا من زكاة الإبل، فيأتي به يوم القيامة (يَحْمِلُه عَلَى رَقَبَتِهِ، لَهُ رُغَاءٌ) بضم الراء، ومعجمة: صوت الإبل.
وفيه أن اللَّه تعالى يحيي البهائم ليعاقب بها مانع الزكاة، وفي ذلك معاملة له بنقيض قصده؛ لأنه قصد بمنع حقّ اللَّه منها الارتفاق، والانتفاع بما يمنعه منها، فكان ما قصد الانتفاع به أضرّ الأشياء عليه.
والحكمة في كونها تعاد كلها مع أن حقّ اللَّه فيها إنما هو في بعضها؛ لأن الحقّ في جميع المال غير متميّز؛ ولأن المال لما لم يُخرَج زكاته غيرُ مطهّر. قاله في "الفتح" (١).
(فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ) نداء للنبي ﷺ ليشفع له في تخليصه من التعذيب بالحمل المذكور (فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا) من الشفاعة حتى يعفو اللَّه تعالى عنك (قَدْ بَلَّغْتُ) هذا تعليل لعدم ملكه له شيئًا، وذلك لأنه الجاني على نفسه، حيث بلّغه النبيّ ﷺ ما أوجب اللَّه تعالى عليه، وعلم ذلك، ثم فرّط فيه، فلو لم يعلم به لعُذر بالجهل (أُلَا لَا يَأْتِيَنَّ أَحَدُكُمْ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِشَاةٍ، يَحْمِلُهَا عَلَى رَقَبَتِهِ، لَهَا يُعَارٌ) بتحتانيّة مضمومة، ثم مهملة: صوت المعز. قال في "الفتح": وفي رواية المستملي، والكشميهني هنا: "ثُغَاءٌ" بضم المثلثة، ثم معجمة، بغير راء، ورجحه ابن التين، وهو صِيَاحُ الغنم. وحكى ابن التين عن القزّاز أنه
стр. 11794
رواه "تعار" بمثناة، ومهملة، وليس بشيء. انتهى.
(فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيئًا، قَدْ بَلَّغْتُ") ما أُمرتُ ببيانه، وعصيتَ، فلا أشفع لك عند اللَّه تعالى.
(قَالَ) ﷺ (وَيَكُونُ كَنْزُ أَحَدِهِمْ) قال في "الصحاح": الكنز المال المدفون. وفي "المحكم": أنه اسم للمال، ولما يُخزن فيه. وفي "المشارق": أصله ما أُودع الأرضَ، من الأموال. وفي الحديث: "ما لم يُؤَدِّ زكاتَهُ، وغيّبه عن ذلك". وقال في "النهاية": الكنز في الأصل: المال المدفون تحت الأرض، فإذا أخرج منه الواجب لم يبق كنزًا، وإن كان مكنوزًا، قال: وهو حكم شرعيّ، تُجوّز فيه عن الأصل (١).
وقال ابن عبد البرّ: الكنز في لسان العرب: هو المال المجتمع المخزون، فوق الأرض كان، أو تحتها. ذكره صاحب "العين" وغيره بمعناه. انتهى (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: سيأتي بيان اختلاف العلماء في المراد بالكنز في هذا الحديث، ونحوه، وفي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ الآية [التوبة: ٣٤]، في المسألة الثالثة، إن شاء اللَّه تعالى.
(يَوْمَ الْقِيَامَةِ) متعلّق بـ "يكون" (شُجَاعًا) منصوب على الخبرية لـ "يكون"، قال السنديّ: وكتابته بلا ألف كما في بعض النسخ مبنيّ على عادة أهل الحديث في كتابة المنصوب بلا ألف أحيانًا انتهى (٣).
و"الشجاع" -بضم الشين المعجمة، وتكسر، بعدها جيم-: الحيّة الذكر. وقيل: الذي يقوم على ذنبه، ويواثب الفارس، وتقدّم بأكثر من هذا في شرح حديث ابن مسعود -٢/ ٢٤٤١ - (أَقْرَعَ) قيل: هو الذي تقرّع رأسه، أي تمعّط لكثرة سمه. وفي "كتاب أبي عُبيد": سمي أقرع لأن شعر رأسه يتمعّط لجمعه السمّ فيه. وتعقبه القزّاز بأن الحيّة لا شعر برأسها، فلعله يذهب جلد رأسه. وفي "تهذيب الأزهريّ": سمي أقرع لأنه يَقرِي السمّ، ويجمعه في رأسه، حتى تتمعّط فروة رأسه، قال ذو الرُّمّة [من الطويل]:
قَرَى السُّمَّ حَتَّى انْمَارَ فَزوَةُ رَأْسِهِ … عَنِ الْعَظْمِ صَلَّ قَاتِل اللَّسْعِ مَارِدُهْ
وقال القرطبيّ: الأقرع من الحيّات الذي ابيضّ رأسه من السمّ، ومن الناس الذي لا شعر برأسه. انتهى.
(يَفِرُّ مِنْهُ صَاحِبُهُ، وَيَطلُبُهُ، أَنَا كَنْزُكَ) ولفظ البخاريّ: "ثم يقول: أنا مالك، أنا
стр. 11795
كنزك". قال في "الفتح": وفائدة هذا القول الحسرة، والزيادة في التعذيب، حيث لا ينفعه الندم، وفيه نوع من التهكّم (فَلَا يَزَالُ حَتَّى يُلْقِمَهُ أُصْبُعَهُ") بضم حرف المضارعة، من ألقمه الحجرَ: إذا أدخله في فيه.
وفي حديث ثوبان ﵁ عند ابن حبّان: "يتبعه، فيقول: أنا كنزك الذي تركتَهُ بعدَك، فلا يزال يتبعه حتى يلقمه يده، فيمضغها، ثم يتبعه سائر جسده". ولمسلم في حديث جابر ﵁: "يتبع صاحبه حيث ذهب، وهو يفرّ منه، فإذا رأى أنه لا بدّ منه، أدخل يده في فيه، فجعل يَقضَمُهَا (١) كما يَقضَمُ الفحل". وللطبرانيّ في حديث ابن مسعود ﵁: "ينقر رأسه".
والحديث ظاهر في أن اللَّه تعالى يصيّر نفس المال بهذه الصفة. وفي حديث جابر ﵁ عند مسلم: "إلا مثل له" قال القرطبيّ: أي صُوّر، أو نُصِب، وأقيم، من قولهم: مثَلَ قائمًا: أي منتصبًا انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث أبي هريرة ﵁ هذا متفق عليه، وقد تقدّم تخريجه، والكلام على مسائله في ٢/ ٢٤٤٢ - وأتكلّم هنا على ما لم يُذكَر هناك من المسائل، فأقول:
(المسالة الأولى): قال الحافظ العراقيّ -رحمه اللَّه تعالى-: الظاهر أن قوله: "ومن حقها حلبها يوم وردها" مدرج من قول أبي هريرة، قال: وكأن أبا داود أشار إلى ذلك في "سننه" من غير تصريح، فإنه لما ذكر هذه الزيادة روى بعدها من حديث أبي عمر الغدانيّ، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ نحو هذه القصّة، فقال له يعني لأبي هريرة: فما حقّ الإبل؟، قال: تُعطي الكريمة، وتَمنَح الغزيرة، وتُفقر الظهر، وتُطرِق الفحل، وتَسقي اللبن. قال: ففي هذه الرواية أن هذا من قول أبي هريرة ﵁.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: دعوى الإدراج المذكور غير صحيحة، فقد أخرج الحديث البخاريّ في "صحيحه"، فقال:
١٤٠٢ حدثنا الحكم بن نافع، أخبرنا شعيب، حدثنا أبو الزناد، أن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، حدثه أنه سمع أبا هريرة، ﵁، يقول: قال النبي ﷺ : "تأتي الإبل على صاحبها، على خير ما كانت، إذا هو لم يعط فيها حقها، تطؤه بأخفافها، وتأتي الغنم على صاحبها، على خير ما كانت، إذا لم يعط فيها حقها، تطؤه بأظلافها،
стр. 11796
وتنطحه بقرونها، وقال: "ومن حقها أن تحلب على الماء"، قال: "ولا يأتي أحدكم يوم القيامة بشاة، يحملها على رقبته لها يُعَار، فيقول: يا محمد، فأقول: لا أملك لك شيئا، قد بلغت، ولا يأتي ببعير يحمله على رقبته، له رُغَاء، فيقول: يا محمد، فأقول: لا أملك لك من اللَّه شيئا، قد بلغت".
فهذا ظاهرٌ في كون الكلّ مرفوعًا، وأصرح من هذا أن البخاريّ روى الزيادة فقط من حديث أبي هريرة ﵁، فقال في "كتاب المساقاة" من "صحيحه":
٢٣٧٨ حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا محمد بن فليح، قال: حدثني أبي، عن هلال بن عليّ، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة، ﵁، عن النبيّ ﷺ ، قال: "من حق الإبل، أن تُحلَب على الماء".
فهذا صريح في رفع هذا الكلام إلى النبيّ ﷺ بحيث لا يحتمل الإدراج.
وأخرج مسلم في "صحيحه" من حديث أبي الزبير، عن جابر ﵁: "ما من صاحب إبل، ولا بقر، ولا غنم، لا يؤدّي منها حقّها … " الحديث، وفيه: فقلنا: يا رسول اللَّه وما حقّها؟ قال: "إطراق فحلها، وإعارة دلوها، ومنحتها، وحلبها على الماء، وحمل عليها في سبيل اللَّه". وذكر الحديث.
وهذا أيضًا صريح في رفع هذا الكلام إلى النبيّ ﷺ . فتنبّه.
وقد ادعى العراقيّ أيضًا هنا الانقطاع في هذه الزيادة، بأن مسلما أخرجه في بعض طرقه دون الزيادة، ثم قال أبو الزبير: سمع عبيد بن عمير يقول هذا القول، ثم سألنا جابر بن عبد اللَّه، فقال مثل قول عبيد بن عمير، قال أبو الزبير: وسمعت عبيد بن عمير يقول: قال رجل: يا رسول اللَّه، ما حقّ الإبل؟ قال: "حلبها على الماء … " الحديث.
قال العراقيّ: فقد تبيّن بهذا أن هذه الزيادة إنما سمعها أبو الزبير من عبيد بن عمير مرسلة، لا ذكر لجابر فيها انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذه الدعوى غير صحيحة أيضًا، لأن الانقطاع في طريق لا يستلزم الانقطاع في جميع الطرق، فأبو الزبير سمعه من جابر ﵁، مرفوعًا، وسمعه من عُبيد بن عمير مرسلاً، فحدث بالطريقين، وقد نبّه مسلم بإخراجه من كلا الطريقين على أن الإرسال هنا لا يضرّ الاتصال، على أن الحديث قد صحّ من رواية أبي هريرة ﵁ عند البخاريّ كما قدّمته قريبًا.
والحاصل أن ادعاء الإدراج في مثل هذه الزيادة غير صحيح؛ إذ لو فتح مثل هذا الباب لارتفعت الثقة بروايات الثقات، ولا سيما ما اعتمده الشيخان، وأورداه في
стр. 11797
"صحيحيهما"، فإن هذا هو الفساد العريض. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): اختلف أهل العلم في وجوب حقّ في المال سوى الزكاة:
قال المازريّ -رحمه اللَّه تعالى-: يحتمل أن يكون هذا الحقّ في موضع تتعيّن فيه المواساة. وقال القاضي عياض -رحمه اللَّه تعالى-: هذه الألفاظ صريحة في أن هذا الحقّ غير الزكاة. قال: ولعلّ هذا كان قبل وجوب الزكاة.
وقد اختدف السلف في معنى قول اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٥]. فقال الجمهور: المراد به الزكاة، وأنه ليس في المال حقّ سوى الزكاة. وأما ما جاء غير ذلك فعلى وجه الندب، ومكارم الأخلاق، ولأن الآية إخبار عن وصف قوم أُثني عليهم بخصال كريمة، فلا يقتضي الوجوب، كما لا يقتضيه قوله تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧].
وقال بعضهم: هي منسوخة بالزكاة، وإن كان لفظه لفظ خبر، فمعناه أمر.
قال: وذهب جماعة، منهم: الشعبيّ، والحسن، وطاوسٌ، وعطاءٌ، ومسروقٌ، وغيرهم إلى أنها محكمة، وأن في المال حقّا سوى الزكاة، من فكّ الأسير، وإطعام المضطرّ، والمواساة في العسرة، وصلة القرابة انتهى (١).
وقال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: إنه مذهب أبي ذرّ، وغير واحد من التابعين (٢).
وقال أبو محمد ابن حزم -رحمه اللَّه تعالى-: من قال: إنه لا حقّ في المال غير الزكاة، فقد قال الباطل، ولا برهان على صحّة قوله، لا من نصّ، ولا إجماع، وكلّ ما أوجبه رسول اللَّه ﷺ في الأموال فهو واجب. ونسأل من قال هذا، هل تجب في الأموال كفارة الظهار، والأيمان، وديون الناس، أم لا؟ فمن قولهم: نعم، وهذا تناقض منهم. وأما إعارة الدلو، وإطراق الفحل، فداخل تحت قول اللَّه تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٧]. انتهى (٣).
وهذا المذهب هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيميّة -رحمه اللَّه تعالى-، فإنه رجّح القول بأن في المال حقًّا سوى الزكاة، وذلك مثل صلة الرحم من النفقة الواجبة، وحمل العقل عن المعقول عنه، ومثل إطعام الجائع، وكسوة العاري، وكالإعطاء في النوائب، مثل
стр. 11798
النفقة في الجهاد، وكذلك قرى الضيف، فهو واجب بالسنة الصحيحة.
قال: وهو فرض كفاية، فمن غلب على ظنه أن غيره لا يقوم به تعيّن عليه انتهى كلام شيخ الإسلام بتصرّف (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وهذا القول الأخير الذي اختاره ابن حزم، وابن تيميّة هو الحقّ عندي؛ لظواهر النصوص الدالّة على أن في المال حقّا سوى الزكاة، كأحاديث الباب. وأما قولهم: إنه كان قبل الزكاة، فنسخ بها، فغير صحيح، لأن الحديث من رواية أبي هريرة ﵁، وهو متأخّر الإسلام عن وجوب الزكاة بيقين، فإنه أسلم عام خيبر، وفرض الزكاة كان قبل ذلك بزمان، كما تقدّم بيانه.
والحاصل أن الصواب وجوب الحقّ في المال سوى الزكاة إذا دعت الحاجة إليه، كفكّ الأسير، وإطعام المضطرّ، والمواساة في العسرة، وصلة القرابة، وتكفين الميت، وتجهيزه، ودفنه، إذا لم يوجد من يقوم به، ونحو ذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: أخرج الترمذيّ في "جامعه"، وابن ماجه في "سننه" عن فاطمة بنت قيس - رضي اللَّه تعالى عنها -، عن النبيّ ﷺ ، قال: "إن في المال حقّا سوى الزكاة". ولفظ ابن ماجه: "في المال حقّ سوى الزكاة"، وفي بعض نسخه: "ليس في المال حقّ سوى الزكاة".
وهو ضعيف جدًّا، لا يصلح للاحتجاج به، لأن في إسناده أبا حمزة ميمون الأعور القصّاب، قال أحمد: متروك الحديث. وقال الترمذيّ: هذا حديث إسناده ليس بذاك، وأبو حمزة ميمون الأعور يُضعّف، ورَوَى بيانٌ، وإسماعيل بن سالم عن الشعبيّ هذا الحديث قولَهُ، وهذا أصحّ انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
(المسألة الثالثة): اختُلِفَ في معنى "الكنز" في قوله ﷺ : "يكون كنز أحدكم الخ"، وفي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾ الآية [التوبة: ٣٤]:
قال الحافظ أبو عمر ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى-: ما معناه: اختلف في المراد بالكنز في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾، وما في معناه، فالجمهور على أنه ما لم تؤدَّ زكاته، وعليه جماعة فقهاء الأمصار، ثم ذكر ذلك عن عمر،
стр. 11799
وابنه عبد اللَّه، وجابر بن عبد اللَّه، وابن مسعود، وابن عباس، ثم استشهد لذلك بما رواه عن أم سلمة ﵂، قالت: كنت ألبس أوضاحًا من ذهب، فقلت: يا رسول اللَّه أكنز هو؟ قال: "ما بلغ أن تُؤَدَّى زكاتُهُ، فزُكِّيَ فليس بكنز". أخرجه أبو داود، قال الحافظ ابن عبد البرّ: وفي إسناده مقال. وقال الحافظ العراقيّ في "شرح الترمذيّ": إسناده جيّد، رجاله رجال الصحيح.
قال ابن عبد البرّ: ويشهد لصحّته حديث أبي هريرة ﵁ أن النبيّ ﷺ قال: "إذا أَدَّيتَ زكاة مالك، فقد قضيت ما عليك". رواه الترمذيّ، وقال حسنٌ غريب، والحاكم في "مستدركه"، وقال: صحيح من حديث المصريين، وذكر العراقيّ أنه على شرط ابن حبّان في "صحيحه".
وفي معناه أيضًا حديث جابر مرفوعًا: "إذا أدّيت زكاة مالك، فقد أذهبت عنك شرّه". رواه الحاكم في "مستدركه"، وصححه على شرط مسلم، ورجّح البيهقيّ وقفه على جابر، وكذلك ذكره ابن عبد البرّ، وكذا صحح أبو زرعة وقفه على جابر، وذكره بلفظ: "ما أدي زكاته فليس بكنز".
وروي البيهقيّ عن ابن عمر، مرفوعًا: "كلّ ما أدّي زكاته فليس بكنز، وإن كان مدفونًا تحت الأرض، وكلّ ما لا يؤدى زكاته فهو كنز، وإن كان ظاهرًا". وقال البيهقيّ: ليس بمحفوظ، والمشهور وقفه.
وفي "سنن أبي داود" عن ابن عباس ﵄: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ قال: كبر ذلك على المسلمين، فقال عمر: أنا أفرّج عنكم، فانطلق، فقال للنبيّ ﷺ : يا نبيّ اللَّه، إنه كبر على أصحابك هذه الآية، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه لم يَفرض الزكاة إلا لتطييب ما بقي من أموالكم … " الحديث. وفيه ضعف (١).
قال ابن عبد البرّ: والاسم الشرعيّ قاضٍ على الاسم اللغويّ، وما أعلم مخالفًا في أن الكنز ما لم تؤدّ زكاته، إلا شيئًا عن عليّ، وأبي ذرّ، والضحّاك، ذهب إليه قوم من أهل الزهد، قالوا: إن في المال حقوقًا سوى الزكاة.
أما أبو ذرّ ﵁، فقد ذهب إلى أن كلّ مال مجموع يفضل عن القوت، وسداد العيش، فهو كنزٌ، وأن آية الوعيد نزلت في ذلك. وأما عليّ ﵁، فروي أنه قال:
стр. 11800
أربعة آلاف نفقة، فما فوقها فهو كنز. وأما الضحّاك، فقال: من ملك عشرة آلاف درهم، فهو من الأكثرين الأخسرين إلا من قال بالمال هكذا، وهكذا. وكان مسروق يقول في قوله تعالى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الآية [آل عمران: ١٨٠] هو الرجل يرزقه اللَّه المال، فيمنع قرابته الحقّ الذي فيه، فيُجعل حيّة يُطَوَّقها.
قال ابن عبد البرّ: وهذا ظاهر أنه غير الزكاة، ويحتمل أنه الزكاة.
قال: وسائر العلماء، من السلف والخلف على ما تقدّم في الكنز، قال: وما استدلّ به من الأمر بإنفاق الفضل، فمعناه أنه على الندب، أو يكون قبل نزول الزكاة، ونُسِخَ بها، كما نسخ صوم عاشوراء برمضان، وعاد فضيلةً بعد أن كان فريضةً.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تقدّم في المسألة السابقة أن الراجح بقاء وجوب الحقّ سوى الزكاة، إذا دعت الحاجة إلى ذلك، من مواساة أصحاب الحاجة والضرورة. فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
قال: على أن أبا ذرّ أكثر ما تواتر عنه في الأخبار الإنكارُ على من أخذ المال من السلاطين لنفسه، ومنع منه أهله، فهذا ما لا خلاف عنه في إنكاره، وأما إيجاب غير الزكاة، فمختلف عنه فيه.
وتأول القاضي عياض أيضًا كلام أبي ذرَ على نحو ذلك، فقال: الصحيح أن إنكاره إنما هو على السلاطين الذين يأخذون لأنفسهم من بيت المال، ولا ينفقونه في وجوهه.
قال النوويً: وهذا الذي قاله باطلٌ؛ لأن السلاطين في زمنه أبو بكر، وعمر، وعثمان ﵃، وتوفي في زمن عثمان سنة اثنتين وثلاثين انتهى.
قال وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: لعله أراد بالسلاطين بعض نوّاب الخلفاء، كمعاوية، وقد وقع بينه وبين أبي ذرّ بسبب هذه الآية تشاجُرٌ، أوجب انتقال أبي ذرّ إلى المدينة، كان معاوية يقول: هي في أهل الكتاب خاصّةً، وقال أبو ذرّ: هي فينا، وفيهم، على أن عبارة ابن عبد البرّ ليست صريحة في أن الإنكار على السلاطين، كعبارة القاضي عياض، بل هي محتملة لأن يكون المراد الإنكار على الآحاد الذين يأخذون الأموال من السلاطين، وهم غير محتاجين إليها، فيجمعونها عندهم، وقد يؤدّي ذلك إلى منع من هو أحقّ منهم. واللَّه تعالى أعلم.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تمثيله بمعاوية ﵁ لمن يأخذ من بيت المال ظلمًا، فيه سوء أدب مع صحابيّ جليل، من أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، فليُتنبّه، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
قال: ولما حَكَى ابن العربيّ قول الضحّاك، قال: وإنما جعله أوّل حدّ الكثرة؛ لأنه