وتنطحه بقرونها، وقال: "ومن حقها أن تحلب على الماء"، قال: "ولا يأتي أحدكم يوم القيامة بشاة، يحملها على رقبته لها يُعَار، فيقول: يا محمد، فأقول: لا أملك لك شيئا، قد بلغت، ولا يأتي ببعير يحمله على رقبته، له رُغَاء، فيقول: يا محمد، فأقول: لا أملك لك من اللَّه شيئا، قد بلغت".
فهذا ظاهرٌ في كون الكلّ مرفوعًا، وأصرح من هذا أن البخاريّ روى الزيادة فقط من حديث أبي هريرة ﵁، فقال في "كتاب المساقاة" من "صحيحه":
٢٣٧٨ حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا محمد بن فليح، قال: حدثني أبي، عن هلال بن عليّ، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة، ﵁، عن النبيّ ﷺ ، قال: "من حق الإبل، أن تُحلَب على الماء".
فهذا صريح في رفع هذا الكلام إلى النبيّ ﷺ بحيث لا يحتمل الإدراج.
وأخرج مسلم في "صحيحه" من حديث أبي الزبير، عن جابر ﵁: "ما من صاحب إبل، ولا بقر، ولا غنم، لا يؤدّي منها حقّها … " الحديث، وفيه: فقلنا: يا رسول اللَّه وما حقّها؟ قال: "إطراق فحلها، وإعارة دلوها، ومنحتها، وحلبها على الماء، وحمل عليها في سبيل اللَّه". وذكر الحديث.
وهذا أيضًا صريح في رفع هذا الكلام إلى النبيّ ﷺ . فتنبّه.
وقد ادعى العراقيّ أيضًا هنا الانقطاع في هذه الزيادة، بأن مسلما أخرجه في بعض طرقه دون الزيادة، ثم قال أبو الزبير: سمع عبيد بن عمير يقول هذا القول، ثم سألنا جابر بن عبد اللَّه، فقال مثل قول عبيد بن عمير، قال أبو الزبير: وسمعت عبيد بن عمير يقول: قال رجل: يا رسول اللَّه، ما حقّ الإبل؟ قال: "حلبها على الماء … " الحديث.
قال العراقيّ: فقد تبيّن بهذا أن هذه الزيادة إنما سمعها أبو الزبير من عبيد بن عمير مرسلة، لا ذكر لجابر فيها انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذه الدعوى غير صحيحة أيضًا، لأن الانقطاع في طريق لا يستلزم الانقطاع في جميع الطرق، فأبو الزبير سمعه من جابر ﵁، مرفوعًا، وسمعه من عُبيد بن عمير مرسلاً، فحدث بالطريقين، وقد نبّه مسلم بإخراجه من كلا الطريقين على أن الإرسال هنا لا يضرّ الاتصال، على أن الحديث قد صحّ من رواية أبي هريرة ﵁ عند البخاريّ كما قدّمته قريبًا.
والحاصل أن ادعاء الإدراج في مثل هذه الزيادة غير صحيح؛ إذ لو فتح مثل هذا الباب لارتفعت الثقة بروايات الثقات، ولا سيما ما اعتمده الشيخان، وأورداه في
стр. 11797
"صحيحيهما"، فإن هذا هو الفساد العريض. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): اختلف أهل العلم في وجوب حقّ في المال سوى الزكاة:
قال المازريّ -رحمه اللَّه تعالى-: يحتمل أن يكون هذا الحقّ في موضع تتعيّن فيه المواساة. وقال القاضي عياض -رحمه اللَّه تعالى-: هذه الألفاظ صريحة في أن هذا الحقّ غير الزكاة. قال: ولعلّ هذا كان قبل وجوب الزكاة.
وقد اختدف السلف في معنى قول اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٥]. فقال الجمهور: المراد به الزكاة، وأنه ليس في المال حقّ سوى الزكاة. وأما ما جاء غير ذلك فعلى وجه الندب، ومكارم الأخلاق، ولأن الآية إخبار عن وصف قوم أُثني عليهم بخصال كريمة، فلا يقتضي الوجوب، كما لا يقتضيه قوله تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧].
وقال بعضهم: هي منسوخة بالزكاة، وإن كان لفظه لفظ خبر، فمعناه أمر.
قال: وذهب جماعة، منهم: الشعبيّ، والحسن، وطاوسٌ، وعطاءٌ، ومسروقٌ، وغيرهم إلى أنها محكمة، وأن في المال حقّا سوى الزكاة، من فكّ الأسير، وإطعام المضطرّ، والمواساة في العسرة، وصلة القرابة انتهى (١).
وقال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: إنه مذهب أبي ذرّ، وغير واحد من التابعين (٢).
وقال أبو محمد ابن حزم -رحمه اللَّه تعالى-: من قال: إنه لا حقّ في المال غير الزكاة، فقد قال الباطل، ولا برهان على صحّة قوله، لا من نصّ، ولا إجماع، وكلّ ما أوجبه رسول اللَّه ﷺ في الأموال فهو واجب. ونسأل من قال هذا، هل تجب في الأموال كفارة الظهار، والأيمان، وديون الناس، أم لا؟ فمن قولهم: نعم، وهذا تناقض منهم. وأما إعارة الدلو، وإطراق الفحل، فداخل تحت قول اللَّه تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٧]. انتهى (٣).
وهذا المذهب هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيميّة -رحمه اللَّه تعالى-، فإنه رجّح القول بأن في المال حقًّا سوى الزكاة، وذلك مثل صلة الرحم من النفقة الواجبة، وحمل العقل عن المعقول عنه، ومثل إطعام الجائع، وكسوة العاري، وكالإعطاء في النوائب، مثل
стр. 11798
النفقة في الجهاد، وكذلك قرى الضيف، فهو واجب بالسنة الصحيحة.
قال: وهو فرض كفاية، فمن غلب على ظنه أن غيره لا يقوم به تعيّن عليه انتهى كلام شيخ الإسلام بتصرّف (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وهذا القول الأخير الذي اختاره ابن حزم، وابن تيميّة هو الحقّ عندي؛ لظواهر النصوص الدالّة على أن في المال حقّا سوى الزكاة، كأحاديث الباب. وأما قولهم: إنه كان قبل الزكاة، فنسخ بها، فغير صحيح، لأن الحديث من رواية أبي هريرة ﵁، وهو متأخّر الإسلام عن وجوب الزكاة بيقين، فإنه أسلم عام خيبر، وفرض الزكاة كان قبل ذلك بزمان، كما تقدّم بيانه.
والحاصل أن الصواب وجوب الحقّ في المال سوى الزكاة إذا دعت الحاجة إليه، كفكّ الأسير، وإطعام المضطرّ، والمواساة في العسرة، وصلة القرابة، وتكفين الميت، وتجهيزه، ودفنه، إذا لم يوجد من يقوم به، ونحو ذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: أخرج الترمذيّ في "جامعه"، وابن ماجه في "سننه" عن فاطمة بنت قيس - رضي اللَّه تعالى عنها -، عن النبيّ ﷺ ، قال: "إن في المال حقّا سوى الزكاة". ولفظ ابن ماجه: "في المال حقّ سوى الزكاة"، وفي بعض نسخه: "ليس في المال حقّ سوى الزكاة".
وهو ضعيف جدًّا، لا يصلح للاحتجاج به، لأن في إسناده أبا حمزة ميمون الأعور القصّاب، قال أحمد: متروك الحديث. وقال الترمذيّ: هذا حديث إسناده ليس بذاك، وأبو حمزة ميمون الأعور يُضعّف، ورَوَى بيانٌ، وإسماعيل بن سالم عن الشعبيّ هذا الحديث قولَهُ، وهذا أصحّ انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
(المسألة الثالثة): اختُلِفَ في معنى "الكنز" في قوله ﷺ : "يكون كنز أحدكم الخ"، وفي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾ الآية [التوبة: ٣٤]:
قال الحافظ أبو عمر ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى-: ما معناه: اختلف في المراد بالكنز في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾، وما في معناه، فالجمهور على أنه ما لم تؤدَّ زكاته، وعليه جماعة فقهاء الأمصار، ثم ذكر ذلك عن عمر،
стр. 11799
وابنه عبد اللَّه، وجابر بن عبد اللَّه، وابن مسعود، وابن عباس، ثم استشهد لذلك بما رواه عن أم سلمة ﵂، قالت: كنت ألبس أوضاحًا من ذهب، فقلت: يا رسول اللَّه أكنز هو؟ قال: "ما بلغ أن تُؤَدَّى زكاتُهُ، فزُكِّيَ فليس بكنز". أخرجه أبو داود، قال الحافظ ابن عبد البرّ: وفي إسناده مقال. وقال الحافظ العراقيّ في "شرح الترمذيّ": إسناده جيّد، رجاله رجال الصحيح.
قال ابن عبد البرّ: ويشهد لصحّته حديث أبي هريرة ﵁ أن النبيّ ﷺ قال: "إذا أَدَّيتَ زكاة مالك، فقد قضيت ما عليك". رواه الترمذيّ، وقال حسنٌ غريب، والحاكم في "مستدركه"، وقال: صحيح من حديث المصريين، وذكر العراقيّ أنه على شرط ابن حبّان في "صحيحه".
وفي معناه أيضًا حديث جابر مرفوعًا: "إذا أدّيت زكاة مالك، فقد أذهبت عنك شرّه". رواه الحاكم في "مستدركه"، وصححه على شرط مسلم، ورجّح البيهقيّ وقفه على جابر، وكذلك ذكره ابن عبد البرّ، وكذا صحح أبو زرعة وقفه على جابر، وذكره بلفظ: "ما أدي زكاته فليس بكنز".
وروي البيهقيّ عن ابن عمر، مرفوعًا: "كلّ ما أدّي زكاته فليس بكنز، وإن كان مدفونًا تحت الأرض، وكلّ ما لا يؤدى زكاته فهو كنز، وإن كان ظاهرًا". وقال البيهقيّ: ليس بمحفوظ، والمشهور وقفه.
وفي "سنن أبي داود" عن ابن عباس ﵄: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ قال: كبر ذلك على المسلمين، فقال عمر: أنا أفرّج عنكم، فانطلق، فقال للنبيّ ﷺ : يا نبيّ اللَّه، إنه كبر على أصحابك هذه الآية، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه لم يَفرض الزكاة إلا لتطييب ما بقي من أموالكم … " الحديث. وفيه ضعف (١).
قال ابن عبد البرّ: والاسم الشرعيّ قاضٍ على الاسم اللغويّ، وما أعلم مخالفًا في أن الكنز ما لم تؤدّ زكاته، إلا شيئًا عن عليّ، وأبي ذرّ، والضحّاك، ذهب إليه قوم من أهل الزهد، قالوا: إن في المال حقوقًا سوى الزكاة.
أما أبو ذرّ ﵁، فقد ذهب إلى أن كلّ مال مجموع يفضل عن القوت، وسداد العيش، فهو كنزٌ، وأن آية الوعيد نزلت في ذلك. وأما عليّ ﵁، فروي أنه قال:
стр. 11800
أربعة آلاف نفقة، فما فوقها فهو كنز. وأما الضحّاك، فقال: من ملك عشرة آلاف درهم، فهو من الأكثرين الأخسرين إلا من قال بالمال هكذا، وهكذا. وكان مسروق يقول في قوله تعالى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الآية [آل عمران: ١٨٠] هو الرجل يرزقه اللَّه المال، فيمنع قرابته الحقّ الذي فيه، فيُجعل حيّة يُطَوَّقها.
قال ابن عبد البرّ: وهذا ظاهر أنه غير الزكاة، ويحتمل أنه الزكاة.
قال: وسائر العلماء، من السلف والخلف على ما تقدّم في الكنز، قال: وما استدلّ به من الأمر بإنفاق الفضل، فمعناه أنه على الندب، أو يكون قبل نزول الزكاة، ونُسِخَ بها، كما نسخ صوم عاشوراء برمضان، وعاد فضيلةً بعد أن كان فريضةً.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تقدّم في المسألة السابقة أن الراجح بقاء وجوب الحقّ سوى الزكاة، إذا دعت الحاجة إلى ذلك، من مواساة أصحاب الحاجة والضرورة. فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
قال: على أن أبا ذرّ أكثر ما تواتر عنه في الأخبار الإنكارُ على من أخذ المال من السلاطين لنفسه، ومنع منه أهله، فهذا ما لا خلاف عنه في إنكاره، وأما إيجاب غير الزكاة، فمختلف عنه فيه.
وتأول القاضي عياض أيضًا كلام أبي ذرَ على نحو ذلك، فقال: الصحيح أن إنكاره إنما هو على السلاطين الذين يأخذون لأنفسهم من بيت المال، ولا ينفقونه في وجوهه.
قال النوويً: وهذا الذي قاله باطلٌ؛ لأن السلاطين في زمنه أبو بكر، وعمر، وعثمان ﵃، وتوفي في زمن عثمان سنة اثنتين وثلاثين انتهى.
قال وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: لعله أراد بالسلاطين بعض نوّاب الخلفاء، كمعاوية، وقد وقع بينه وبين أبي ذرّ بسبب هذه الآية تشاجُرٌ، أوجب انتقال أبي ذرّ إلى المدينة، كان معاوية يقول: هي في أهل الكتاب خاصّةً، وقال أبو ذرّ: هي فينا، وفيهم، على أن عبارة ابن عبد البرّ ليست صريحة في أن الإنكار على السلاطين، كعبارة القاضي عياض، بل هي محتملة لأن يكون المراد الإنكار على الآحاد الذين يأخذون الأموال من السلاطين، وهم غير محتاجين إليها، فيجمعونها عندهم، وقد يؤدّي ذلك إلى منع من هو أحقّ منهم. واللَّه تعالى أعلم.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تمثيله بمعاوية ﵁ لمن يأخذ من بيت المال ظلمًا، فيه سوء أدب مع صحابيّ جليل، من أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، فليُتنبّه، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
قال: ولما حَكَى ابن العربيّ قول الضحّاك، قال: وإنما جعله أوّل حدّ الكثرة؛ لأنه
стр. 11801
قيمة النفس المؤمنة، وما دونه في حدّ القلّة، وهو فقه بالغ. وقد رُوي عن غيره، وإني لأستحبّه قولاً، وأصوّبه رأيًا انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحقّ أن ما أدّي زكاته فليس بكنز، لكن هذا لا ينافي ما تقدّم من ثبوت الحقّ في المال لحاجة المحتاجين، لثبوت الأدلة على ذلك، فمن أنكر ذلك فقد تناقض، فإنه قد ثبت الإجماع على وجوب أنواع الكفارات، من القتل، والظهار، واليمين، والجماع في رمضان، وكذا النذور، وأداء ديون الناس، وغير ذلك من الحقوق، وكلها سوى الزكاة، فمن أوجب هذه الأشياء في المال، وهي سوى الزكاة، فكيف ينكر وجوب صلة ذوي الأرحام، ومواساة الفقراء، وغيرهم من أصحاب الضرورة؟، إن هذا لهو العجب العجاب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٧ - (بَابُ: سُقُوطِ الزَّكَاةِ عَنِ الْإِبِلِ إِذَا كَانَتْ رُسُلًا لِأَهْلِهَا، وَلِحُمُولَتِهِمْ)
قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: قوله: "إذا كانت رِسْلًا لأهلها" -بكسر الراء- بمعنى اللبن، وكذا ما كان في الإبل والغنم من عشر إلى خمس وعشرين. والظاهر أنه أراد المعنى الأول، أي إذا اتَّخذوها في البيت لأجل اللبن، وأخذ الترجمة من مفهوم: "في كلّ إبل سائمة". ويحتمل على بُعْد أنه أراد الثاني، أي إذا كانت دون أربعين، فأخذ من قوله: "من كلّ أربعين" أنه لا زكاة فيما دون أربعين، لكن هذا مخالف لسائر الأحاديث، وقد تقدّم حمل الحديث على ما يندفع به التنافي بين الأحاديث. انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "ويحتمل أنه أراد الثاني الخ" هذا غلط، فإن ضبط الثاني إنما هو بفتحتين، لا بكسر، فسكون، راجع "النهاية" ج ٢ ص ٢٢٢. وكذا كتب اللغة.
وأيضًا إرادة المعنى الثاني هنا غير صحيح، لمنافاته ما ثبت في الأحاديث الصحيحة
стр. 11802
المتقدّمة، من إيجاب الزكاة فيما دون خمس وعشرين، في كلّ خمس من الإبل شاةٌ، إلى خمس وعشرين، ففيها بنت مخاض، فلا ينبغي حمل كلام المصنّف على هذا المعنى، فتبصّر، ولا تتحيّر.
بل مراده -رحمه اللَّه تعالى- أنه لا تجب الزكاة في الإبل، إذا كانت مُعَدَّة لمهمّات أهلها، يحتاجون إلى لبنها، وإلى حمل أمتعتهم عليها.
و"الحمولة": -بفتح الحاء المهملة-: البعير، يُحمَل عليه، وقد يُستعمل في الفرس، والبغل، والحمار. وقد تطلق الْحَمُولة على جماعة الإبل. قاله في "المصباح".
وفي "القاموس": "والْحَمُولَة": ما احتَمَلَ عليه القوم من بعير، وحمارٍ، ونحوه، كانت عليه أثقالٌ، أو لم تكن، والأَحْمَال بعينها. انتهى.
والظاهر أن اللام زائدة، و"حَمُولتهم" عطف على "رِسْلاً". واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٤٤٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ, قَالَ: سَمِعْتُ بَهْزَ بْنَ حَكِيمٍ, يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ, عَنْ جَدِّهِ, قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَقُولُ: «فِي كُلِّ إِبِلٍ سَائِمَةٍ, مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ, ابْنَةُ لَبُونٍ, لَا تُفَرَّقُ (١) إِبِلٌ, عَنْ حِسَابِهَا, مَنْ أَعْطَاهَا, مُؤْتَجِرًا, لَهُ أَجْرُهَا (٢) , وَمَنْ مَنَعَهَا, فَإِنَّا آخِذُوهَا, وَشَطْرَ إِبِلِهِ (٣) , عَزْمَةً مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا, لَا يَحِلُّ لآلِ مُحَمَّدٍ, ﷺ مِنْهَا شَيْءٌ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيح، وقد تقدّم في -٤/ ٢٤٤٤ - رواه هناك عن عمرو بن عليّ الفلاّس، عن يحيى القطّان، عن بهز بن حكيم، وتقدّم شرحه، والكلام على مسائله هناك، ونتكلّم هنا على ما لم يتقدّم الكلام عليه، وهما مسألتان:
(المسألة الأولى): ذهب المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- إلى عدم وجوب الزكاة في الإبل الرِّسْل، والْحَمُولة، وهو مذهب الجمهور، فقد أخرج ابن أبي شيبة -رحمه اللَّه تعالى- في "مصنّفه" عن عليّ ﵁ أنه قال: "ليس في البقر العوامل صدقة". وأخرج عن معاذ ﵁ أنه كان لا يأخذ من البقر العوامل صدقة. وأخرج عن جابر ﵁ قال: لا صدقة في المثيرة (٤). وأخرج عن إبراهيم، ومجاهد أنهما قالا: ليس في البقر العوامل صدقة. وعن عمر بن عبد العزيز، قال: ليس في البقر العوامل صدقة. وعن سعيد بن جبير،
стр. 11803
قال: ليس على جمل ظعينة (١)، ولا على ثور عامل صدقة. وعن الضحّاك قال: ليس على البقر العوامل، ولا على الإبل النواضح التي يُستقى عليها، وُيغزَى عليها في سبيل اللَّه صدقة. وعن ابن جريج، قال: قدت لعطاء: الحمولة، والمثيرة فيها صدقة؟ قال: لا (٢).
وقال الإمام ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى- في "المغني": ما معناه: لا زكاة في المعلوفة، والعوامل عند أكثر أهل العلم، وحكي عن مالك أن في الإبل النواضح، والمعلوفة الزكاةَ لعموم قوله ﷺ : "في كلّ خمسٍ شاةٌ". قال أحمد: ليس في العوامل زكاة، وأهل المدينة يرون الزكاة، وليس عندهم في هذا أصل. ولنا قول النبيّ ﷺ : "في كلّ سائمة، في كلّ أربعين بنت لبون" في حديث بهز بن حكيم، فيقيّده بالسائمة، فدلّ على أنه لا زكاة في غيرها، وحديثهم مطلقٌ، فيحمل على المقيّد، ولأن وصف النماء معتبر في الزكاة، والمعلوفة يَستغرق علفها نماءها، إلا أن يُعِدَّها للتجارة، فيكون فيها زكاة التجارة انتهى كلام ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى- (٣).
وقال الإمام النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- في "شرح المهذّب": السائمة إذا كانت عاملة، كالإبل التي يُحمل عليها، أو كانت نواضح، والبقر التي يُحرَث عليها، ففيها وجهان:
(الصحيح): -وبه قطع صاحب "المهذّب"، والجمهور- لا زكاة فيها، لأن العوامل والمعلوفة لا تُقتَنَى للنماء، فلم تجب فيها الزكاة، كثياب البدن، وأثاث الدار.
(والثاني): تجب فيها الزكاة، حكاه جماعات من الخراسانيين، وقطع به الشيخ أبو حامد في كتابه "المختصر"، لوجود السوم، وكونها عاملة زيادة انتفاع لا يمنع الزكاة، بل هي أولى بالوجوب. والمذهب الأول. واللَّه تعالى أعلم انتهى كلام النوويّ بتصرّف (٤).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما ذهب إليه الجمهور من عدم وجوب الزكاة في الرِّسل، والعوامل، والحوامل هو الأرجح؛ لأن هذه الأشياء ما استَغنَى عنها صاحبها، وقد ثبت عن النبيّ ﷺ أنه قال: "لا صدقة إلا عن ظهر غنى". رواه أحمد بإسناد صحيح، وعلّقه البخاريّ بصيغة الجزم. ولقوله ﷺ : "فأخبرهم أن اللَّه افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، وتردّ على فقرائهم". متفق عليه. وروي: "ليس في العوامل
стр. 11804
شيء". والصحيح أنه موقوف، لكن يقويه ما قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): احتج أكثر أهل العلم بقوله ﷺ : "في كلّ إبل سائمة"، وقوله: "وفي سائمة الغنم" على اشتراط السوم في وجوب الزكاة، منهم:
الأئمّة: أبو حنيفة، والشافعيّ، وأحمد -رحمهم اللَّه تعالى-، قالوا: يشترط في الماشية التي تزكَّى أن تكون سائمة، حتى لو عُلفت نصف الحول لا تجب فيها الزكاة، قال الشافعيّ: لو علفها زمنًا لا تعيش مثله بدون علف، أو تعيش لكن يلحقها الضرر البيّن، أو قصد ذلك الزمن قطع السوم لا زكاة فيها.
وذهب مالك، والليث، وربيعة إلى أن الزكاة تجب في الماشية مطلقًا، معلوفة، أم لا، عاملة، أو لا، متى بلغت النصاب، واستدلوا بالأحاديث المطلقة، كقوله في الحديث المتقدّم: "ليس فيما دون خمس ذود صدقة"، وفي الحديث الآتي في الباب التالي، أنه ﷺ : "أمر معاذًا لما وجهه إلى اليمن أن يأخذ من البقر، من كلّ ثلاثين تبيعًا، أو تبيعةً، ومن كلّ أربعين مُسنّة".
وأجابوا عن حديث الباب بأن التقييد بالسائمة فيه خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له، على حدّ قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ الآية [النساء: ٢٣]، فإن الربيبة تحرم، ولو لم تكن في الحجر.
وقال الباجيّ: يحتمل أن يكون ذكر السائمة لأنها كانت عامّة الغنم وقتئذ، ولا تكاد أن تكون فيها غير سائمة، ولذا ذكر السائمة في الغنم، ولم يذكرها في الإبل والبقر (١).
ويحتمل أنه ﷺ نصّ على السائمة ليكلّف المجتهد الاجتهاد في إلحاق المعلوفة بها، فيحصل له أجر المجتهدين انتهى.
وأجاب الجمهور عن هذا بأن الأصل في القيود في كلام الشارع اعتبارها، فلا يُترَك ظاهرها، والعمل بمفهومها إلا لدليل، ولا دليل يقتضي بعدم اعتبار القيد.
قال الحافظ ابن عبد البرّ: لا أعلم أحدًا قال بقول مالك، والليث من فقهاء الأمصار انتهى.
واختلف القائلون باشتراط السوم، فقال أبو حنيفة، وأحمد متى كانت سائمة أكثر الحول وجبت فيها الزكاة، ولا عبرة بعلفها أقلّ الزمن لأن اليسير منه لا يمكن الاحتراز عنه، إذ لا يوجد المرعى في كلّ السنّة. والصحيح عند الشافعيّة أنها إن علفت قدرًا تعيش بدونه وجبت الزكاة، وإن عُلفت قدرًا لا يبقى الحيوان بدونه لم تجب. قالوا:
стр. 11805
والماشية تصبر اليومين، ولا تصبر الثلاثة (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الأرجح عندي ما ذهب إليه الجمهور من اشتراط السوم الذي دلّ عليه حديث الباب، والأحاديث الأخرى التي تقدّم ذكرها، ثم إن القول باعتبار أكثر الحول في السوم هو الأشبه؛ إعطاءً للأكثر حكم الكلّ، ولئلا يكون وسيلة للاحتيال في إسقاط الزكاة بأن يعلفها أيامًا، فيقول: لا تجب علي فيها الزكاة لكونها عَلُوفة، كما تقدّم بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٨ - (بَابُ زَكَاةِ الْبَقَرَ)
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدّالّة على نصاب البقر. وأخّر زكاة البقر؛ لعله لكونها أقلَّ النعم عندهم وجودًا ونُصُبًا.
و"البقر": اسم جنس. قال الجوهريّ: وتطلق البقرة على الذكر والأنثى، وإنما دخلت الهاء لأنه واحد من الجنس، وجمعها بقرات. وبَقَرْتُ الشيءَ بَقْرًا، من باب قتل: شققته، وبقرتُهُ: فتحته، وهو باقرُ علمٍ، وتَبَقّر في العلم والمال، مثلُ توسّعَ وزنًا ومعنىً. قاله في "المصباح".
وقال في "الفتح": البقر اسم جنس يكون للمذكر والمؤنّث، اشتُقّ من بقرتُ الشيءَ: إذا شققته؛ لأنها تبقر الأرض بالحراثة.
وقال ابن منظور -رحمه اللَّه تعالى- في "لسان العرب": البقر اسم جنس. قال ابن سِيدَهْ: البقرة من الأهليّ والوحشيّ، يكون للمذكّر والمؤنّث. وقال غيره: وإنما دخلته الهاء على أنه واحدٌ من جنس، والجمع البَقَرَاتُ. وقال ابن سِيدَهْ: والجمع بَقَرٌ، وجمع البقر أَبْقُرٌ، كزَمَنٍ وأزمُنٍ. وأنشد لمُقبِل بن خُوَيلد الْهُذَليّ [من الطويل]:
كَأَنَّ عَرُوضَيْهِ مَحَجَّةُ أَبْقُرٍ … لَهُنَّ إِذَا مَا رُحْنَ فِيهَا مَذَاعِقُ
فأما بَقَرٌ، وباقِرٌ، وبَقِيرٌ، وبَيْقُورٌ، وباقُورٌ، وباقورةٌ، فأسماء للجمع؛ زاد الجوهريّ، وبَوَاقِرُ. وقال الأصمعيّ: وأنشدني ابن أبي طَرَفَة [من الطويل]:
стр. 11806
وَسَكَّنْتُهُمْ بِالْقَوْلِ حَتَّى كَأَنهُمْ … بَوَاقِرُ جُلْحٌ أَسْكَنَتْهَا الْمَرَاتِعُ
وأنشد غيرُ الأصمعيّ في "بَيْقُورٍ" [من الخفيف]:
سَلَعٌ مَّا وَمِثْلُهُ عُشَرٌ مَّا … عَائِلٌ مَّا وَعَالَتِ الْبَيْقُورَا
وأنشد الجوهريّ لِلوَرَلِ الطائيّ [من البسيط]:
لَا دَرَّ دَرُّ رِجَالٍ خَابَ سَعْيُهُمُ … يَسْتَمَطِرُونَ لَدَى الأَزْمَاتِ بِالْعُشَرِ
أَجَاعِلٌ أَنْتَ بَيْقُورَا مُسَلَّعَةً … ذَرِيعَةً لَكَ بَيْنَ اللَّهِ وَالْمَطَرِ
وإنما قال ذلك لأن العرب كانت في الجاهليّة إذا استسقَوا جعلوا السَّلَعَة والعُشَرَ في أذناب البقر، وأشعلوا فيه النار، فتضِجُّ البقرمن ذلك، ويُمطَرُون. وأهل اليمن يسمّون البقر باقورةً انتهى المقصود من كلام ابن منظور (١).
وقد ترجم الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" بمثل ترجمة المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، ثم أورد حديث أبي ذرّ ﵁ المتقدم في -٢/ ٢٤٤٠ - . قال الزين ابن المنيّر -رحمه اللَّه تعالى-: ولم يذكر البخاريّ في الباب شيئا مما يتعلّق بنصابها لكون ذلك لم يقع على شرطه. انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٤٥٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُفَضَّلٌ -وَهُوَ ابْنُ مُهَلْهَلٍ- عَنِ الأَعْمَشِ, عَنْ شَقِيقٍ, عَنْ مَسْرُوقٍ, عَنْ مُعَاذٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ, وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا, أَوْ عِدْلَهُ مَعَافِرَ, وَمِنَ الْبَقَرِ مِنْ ثَلَاثِينَ تَبِيعًا, أَوْ تَبِيعَةً, وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (محمد بن رافع) القشيري النيسابوري، ثقة عابد [١١] ٩٢/ ١١٤.
٢ - (يحى بن آدم) أبو زكريّا الكوفيّ، مولى بني أُميّة، ثقة حافظ فاضل، من كبار [٩] ١/ ٤٥١.
٣ - (مفضّل بن مُهَلْهَل) السعديّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقة ثبت نبيلٌ عابد [٧] ٢٥/ ١٢٤٠.
٤ - (الأعمش) سليمان بن مهران الثقة الثبت لكنه يدلس [٥] ١٧/ ١٨.
٥ - (شقيق) بن سلمة، المعروف بـ "أبي وائل" الكوفيّ مخضرم ثقة ثبت [٢] ٢/ ٢.
٦ - (مسروق) بن الأجدع بن مالك الهداني، أبو عائشة الكوفيّ، ثقة فقيه عابد
стр. 11807
مخضرم [٢] ٩٠/ ١١٢.
٧ - (معاذ) بن جبل بن عمرو بن أوس الأنصاريّ الخزرجي الصحابيّ الجليل - رضي اللَّه تعالى عنه - ٤٢/ ٥٨٧. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سباعيات المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، إلا أن فيه انقطاعًا، فإن مسروقًا لم يلق معاذًا ﵁ (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين غير شيخه، فنيسابوري، ومُعَاذًا، فمدني، ثم يمني، ثم شامي. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، عن شقيق، عن مسروق، ورواية الأخيرين من رواية الأقران. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ مُعَاذٍ) بن جبل ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ) أي أرسله عاملاً على الزكاة وغيرها (وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا) أي من كلّ بالغ بالسنّ, أو غيره.
يقال: حَلَم الصبيُّ يَحْلُمُ، من باب قَتَلَ، حُلُمًا -بضمتين، وإسكان الثاني تخفيفًا- واحتلم: أدرك، وبلغ مبالغ الرجال، فهو حالم، ومحتلم. أفاده في "المصباح".
والمعنى أنه ﷺ أمره أن يأخذ من كلّ بالغ ذكر، من أهل الذمّة دينارًا جزية. وفيه دلالة على أنه لا جزية إلا على الرجال البالغين من أهل الذمّة، ولم يُصرّح في الحديث به لكونه معلومًا (١).
(أَوْ عِدْلَهُ) بفتح العين المهملة، وكسرها: الْمِثْلُ. وقيل: بالفتح ما عادل الشيءَ من جنسه، وبالكسر: ما عادله مما ليس من جنسه. وقيل: بالعكس (٢) (مَعَافِرَ) وفي نسخة: "معافريَّا". قال ابن الأثير: هي بُرُود باليمن، منسوبة إلى معافر، وهي قبيلة باليمن، والميم زائدة انتهى (٣).
وقال الفيّوميّ: ومعافر، قيل: هو مفرد، على غير قياس، مثلُ حَضَاجر، وبَلَاذر، فتكون الميم أصليّة. وقيل: هو جمع مَعْفَر، سُمّي به معافر بن مُرّ، فتكون الميم زائدة، وينسب إليه على لفظه، فيقال: ثوب معافريّ، ثم سميت القبيلة باسم الأب، وهي حيّ من أحياء اليمن، قالوا: ولا يقال: مُعافر، بضمّ الميم انتهى (٤).
стр. 11808
وقال ابن منظور: ومَعَافر: بلد باليمن، وثوبٌ معافريّ؛ لأنه نُسب إلى رجل، اسمه معافر، ولا يقال بضمّ، وإنما هو مَعافر غيرَ منسوب، وقد جاء في الرجز الفصيح منسوبًا. قال الأزهريّ: بُرْدٌ مَعافريّ منسوبٌ إلى مَعافر اليمن، ثم صار اسمًا لها بغير نسبة، فيقال: مَعافر. انتهى كلام ابن منظور (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أفاد كلام الأزهريّ أنه يجوز أن يقال بُرْدٌ مَعَافريٌّ، بياء النسبة، ومَعَافِرُ بدونها، وقد وقع في معظم نسخ "المجتبى" بدون ياء، ووقع في بعضها بها.
(وَمِنَ الْبَقَرِ، مِنْ ثَلَاِثِينَ) الجار والمجرور الأول معطوف على قوله: "من كلّ حالم"، والثاني بدل من الأول. وقوله (تَبِيعًا) معطوف على قوله: "دينارًا"، وفيه عطف المعمولين على معمولي عامل واحد، وهو جائز.
والمعنى أنه ﷺ أمره أن يأخذ من كلّ ثلاثين من البقر تبيعًا.
والتَّبِيع بفتحِ، فكسر-كما قال الفيّوميّ: ولدُ البقرة في السنة الأولى، والأنثى تبيعة، وجمع المذكّر أتْبِعَةٌ، مثلُ رغيفٍ وأرغفة، وجمع الأنثى تِبَاعٌ، مثلُ مَلِيحَة ومِلَاح، وسمي تبيعًا؛ لأنه يتبع أمه، فهو فعيلٌ بمعنى فاعل انتهى (٢).
وقال في "لسان العرب": قال أبو فَقْعَسٍ الأَسَديّ: ولدُ البقرة أوّلَ سنةٍ تَبيعٌ، ثم جَذَعٌ، ثم ثَنيّ، ثم رَبَاعٌ، ثم سَدَسٌ، ثم صالغٌ. وقال الليث: التبيعُ العجلُ الْمُدْرِكُ، إلا أنه يَتْبَع أمه بعدُ؛ قال الأزهريّ: قول الليث: التبيع المدرك وَهَمٌ؛ لأنه يُدركُ إذا أثنى، أي صار ثنيّا. والتبيعُ من البقر يُسمّى تبيعًا حين يستكمل الحول، ولا يُسمّى تبيعًا قبل ذلك، فإذا استكمل عامين، فهو جذَعٌ، فإذا استوفى ثلاثة أعوام، فهو ثَنيّ، وحينئذ مُسِنّ، والأنثى مُسِنّة، وهي التي تؤخذ في أربعين من البقر انتهى (٣).
وقال النوويّ: وسمي تبيعًا لأنه يتبع أمه. وقيل: لأن قرنيه يتبعان أذنيه، وهو ضعيف، والأنثى تبيعة، ويقال لهما: جَذَعٌ، وجَذَعَةٌ، والمسنّة لزيادة سنّها، ويقال لها: ثَنِيْة. قال: والتبيع: ما استكمل سنة، ودخل في الثانية، والمسنّة: ما استكملت سنتين، ودخلت في الثالثة. هذا هو الصواب المعروف للشافعيّ والأصحاب. وشذّ الجرجانيّ، فقال في كتابه "التحرير": التبيع: ما له دون سنة. وقيل: ما له سنة. والمسنّة: ما لها سنة، وقيل: سنتان. وكذا قول صاحب "الإبانة": التبيع ما استكمل سنة. وقيل: الذي
стр. 11809
يتبع أمّه، وإن كان له دون سنة. وقال الرافعيّ: وحكى جماعة أن التبيع له ستة أشهر، والمسنّة لها سنة. وهذا كله غلطٌ، ليس معدودًا من المذهب انتهى كلام النوويّ (١).
(أَوْ تَبِيعَةً) هي أنثى التَّبِيع (وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً) إعرابه كسابقه. يعني أنه أمره أن يأخذ من كلّ أربعين من البقر مسنّة، وهي من ولد البقر: ما استكملت السنتين، ودخلت في الثالثة.
وفيه دليل على أن المسنّ لا يجزىء، بخلاف التبيع، وهو الصحيح، وأما ما أخرجه الطبرانيّ عن ابن عباس ﵄، مرفوعًا: "في كلّ ثلاثين تبيعٌ، أو تبيعة، وفي كلّ أربعين مسنّ، أو مسنّة". ففي إسناده ليث بن أبي سُليم، قال الهيثميّ: وهو ثقة، لكنّه مدلسٌ انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: بل هو متروك الحديث، قال في "التقريب": صدوق اختلط أخيرًا، ولم يتميّز حديثه، فتُرِك. انتهى.
فالحديث ضعيفٌ جدًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث معاذ ﵁ هذا صحيح.
[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفيه أن مسروقًا لم يلق معاذًا، فيكون منقطعًا؟.
[قلت]: إنما صحّ بشواهده، فإن له شواهد، من رواية إبراهيم النخعي، عن معاذ، وهي عند المصنّف، في هذا الباب، والدارميّ، والبيهقيّ. ومن رواية أبي وائل، عند المصنّف في هذا الباب أيضًا، وأحمدَ، وأبي داود. ومن رواية طاوس، عن معاذ، أخرجها مالك، في "الموطإ".
وصحح الحديث ابن حبّان، والحاكم، وأقرّه الذهبيّ، وحسّنه الترمذيّ.
وقال ابن عبد البرّ في "التمهيد"، و"الاستذكار": إسناده متّصلٌ، صحيح، ثابت. وكذا قال ابن بطّال، كما في "الفتح".
وأعلّه عبد الحقّ في "أحكامه"، فقال: مسروق لم يلق معاذًا. وقال الحافظ في "الفتح": في الحكم بصحّته نظر، لأن مسروقًا لم يلق معاذًا، وإنما حسّنه الترمذيّ لشواهده.
стр. 11810
وبالغ ابن حزم في "المحلّى" (١) أوّلاً في تقرير كونه منقطعًا، ثم استدرك في آخر المسألة (٢). ورجع عن رأيه هذا، حيث قال: ثم استدركنا، فوجدنا حديث مسروق، إنما ذكر فيه فعل معاذ باليمن في زكاة البقر، وهو بلا شكّ، قد أدرك معاذًا، وشهد حكمه، وعمله المشهور المنتشر، فصار نقله لذلك، ولأنه عن عهد رسول اللَّه ﷺ نقلاً عن الكافّة عن معاذ بلا شكّ، فوجب القول به. انتهى.
وقال ابن القطّان: لا أقول: إن مسروقًا سمع من معاذ إنما أقول: إنه يجب على أصولهم أن يُحكم بحديثه عن معاذ بحكم حديث المتعاصرين الذين لم يُعلم انتفاء اللقاء بينهما، فإن الحكم فيه أنه له الاتصال عند الجمهور. وشرط البخاريّ، وابن المدينيّ أن يُعلم اجتماعهما، ولو مرّة واحدة، فهما إذا لم يعلما لقاء أحدهما للآخر لا يقولان في حديث أحدهما عن الآخر: منقطع، إنما يقولان: لم يثبت سماع فلان من فلان، فإذن ليس في حديث المتعاصرين إلا رأيان: أحدهما أنه محمول على الاتصال. والآخر أن يقال: لم يُعلم اتصال ما بينهما، فأما الثالث، وهو أنه منقطع فلا انتهى (٣).
وقال الترمذيّ -رحمه اللَّه تعالى- بعد أن حسّن الحديث: ورَوَى بعضهم هذا الحديث عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق: "أن النبيّ ﷺ بعث معاذًا إلى اليمن، فأمره أن يأخذ … " وهذا أصحّ (٤) انتهى.
قال العلامة الصنعاني -رحمه اللَّه تعالى-: وإنما رجّح الترمذيّ الرواية المرسلة؛ لأن رواية الاتصال اعتُرضت بأن مسروقًا لم يلق معاذًا.
وأجيب بأن مسروقًا همدانيّ النسب، من وَدَاعَةَ، يمانيّ الدار، وقد كان في أيام معاذ باليمن، فاللقاء ممكن بينهما، فهو محكوم باتصاله على رأي الجمهور. انتهى (٥).
وقال الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى-: وطاوس عالم بأمر معاذ، وإن كان لم يلقه؛ لكثرة من لقيه ممن أدرك معاذًا، وهذا مما لا أعلم من أحد فيه خلافًا انتهى.
وقال البيهقيّ: طاوس، وإن لم يلق معاذًا إلا أنه يمانيّ، وسيرة معاذ بينهم مشهورة انتهى.
وللحديث شواهد من حديث ابن مسعود، عند الترمذيّ، وابن ماجه، والبيهقيّ،
стр. 11811
وهو منقطع، ورواه ابن الجارود في "المنتقى" موصولًا. ومن حديث طاوس، عن ابن عبّاس، عند الدارقطنيّ، والبيهقيّ، والبزّار، وابن حزم، وهو ضعيف. ولابن عباس حديث آخر عند الطبرانيّ، والدارقطنيّ، من طريق ليث، عن مجاهد، وطاوس، عن ابن عباس. ومن حديث أنس عند البيهقيّ، واختلف في وصله، ورجّح الدارقطنيّ الإرسال. ومن حديث عمرو بن حزم الطويل عند الحاكم، والبيهقيّ، والطبرانيّ. ومن حديث علي، وهو ضعيف.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذه الأحاديث، وإن كانت فيها ضعف إلا أن مجموعها يصلح للاستشهاد به، فيتقوّى بها حديث معاذ ﵁.
والحاصل أن حديث معاذ ﵁ المذكور في الباب صحيح. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٨/ ٢٤٥٠ و ٢٤٥١ و ٢٤٥٢ و ٢٤٥٣ - وفي "الكبرى" ٨/ ٢٢٣٠ و ٢٢٣١ و ٢٢٣٢ و ٢٢٣٣. وأخرجه (د) في "الزكاة" ١٥٧٦ (ت) في "الزكاة" ٦٢٣ (ق) في "الزكاة" ١٨٠٣ (أحمد) في "مسند الأنصار" ٢١٥١٥ و ٢١٥٣٢ و ٢١٥٧٩ (مالك في "الموطإ") في "الزكاة" ٥٩٨ "الدارميّ" في "الزكاة" ١٦٢٣. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان وجوب الزكاة في البقر.
قال الإمام ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى-: صدقة البقر واجبة بالسنة والإجماع، ثم أورد حديث أبي ذرّ ﵁ المتقدّم في ٢/ ٢٤٤٠ - وحديث معاذ ﵁ المذكور في الباب، ثم قال: وأما الإجماع فلا نعلم اختلافًا في وجوب الزكاة في البقر. قال أبو عبيد: لا أعلم الناس يختلفون فيه اليوم. انتهى (١).
(ومنها): أن الزكاة لا تجب في أقلّ من ثلاثين من البقر، وهو مذهب الجمهور. وقال سعيد بن المسيّب، والزهريّ: يجب في كلّ خمس شاة؛ قياسًا على الإبل. ورُدّ بأن النصاب لا يثبت بالقياس، وأنه لا قياس مع النصّ. ففي رواية المصنّف الآتية من حديث معاذ ﵁: قال: أمرني رسول اللَّه ﷺ حين بعثني إلى اليمن أن لا آخذ من البقر شيئًا حتى تبلغ ثلاثين (ومنها): أن الواجب في ثلاثين تبيعٌ ذكر، أو تبيعة أنثى، وفي أربعين مسنّة أنثى (ومنها): وجوب الجزية على أهل الكتاب (ومنها): أنها لا تؤخذ إلا من الذكور البالغين، دينارًا، أو قيمته ثوبًا معافريّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 11812
(المسألة الرابعة): فيما قاله أهل العلم في نصاب البقر:
قال الحافظ أبو عمر ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى-: لا خلاف بين العلماء أن السنّة في زكاة البقر ما في حديث معاذ ﵁ هذا، وأنه النصاب المجمع عليه فيها. قال: وعلى ذلك جماعة الخلفاء، ولم يختلف في ذلك العلماء، إلا شيء روي عن سعيد بن المسيّب، وأبي قلابة، والزهريّ، وعمر بن عبد الرحمن بن أبي خلدة المزنيّ، وقتادة، ولا يُلتفت إليه لخلاف الفقهاء من أهل الرأي والآثار بالحجاز، والعراق، والشام له، وذلك لما قدّمنا عن النبيّ ﷺ ، وأصحابه، وجمهور العلماء، وهو يردّ قولهم؛ لأنهم يرون في كلّ خمس من البقر شاةً إلى ثلاثين، واعتقوا بحديثٍ لا أصل له، وهو حديث حبيب بن أبي حبيب، عن عمرو بن حَزْم، ذكره بإسناده أنه في كتاب عمرو بن حزم. انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الصواب عندي ما ذهب إليه الجمهور من أن نصاب البقر ثلاثون، وأما ما نقل عن ابن المسيّب ومن ذُكِرَ معه فمما لا يُلْتَفَتُ إليه؛ لعدم استناده إلى دليل معتبر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم فيما زاد على الأربعين من البقر:
قال الحافظ أبو عمر -رحمه اللَّه تعالى-: ذهب مالك، والشافعيّ، والثوريّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وداود، والطبريّ، وجماعة أهل الفقه، من أهل الرأي والحديث إلى أن لا شيء فيما زاد على الأربعين من البقر حتى تبلغ ستّين ففيها تبيعان إلى سبعين، فإذا بلغت سبعين، ففيها تبيعٌ، ومسنّةٌ، إلى ثمانين، فيكون فيها مسنّتان إلى تسعين، فيكون فيها ثلاث تبائع، إلى مائةٍ، فيكون فيها تبيعان ومسنّة، ثم هكذا أبدًا في كلّ ثلاثين تبيعًا، وفي كلّ أربعين مسنّة.
وبهذا أيضًا كلّه قال ابن أبي ليلى، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن.
وذهب أبو حنيفة: إلى أن ما زاد على الأربعين من البقر فبحساب ذلك. هذه هي الرواية المشهورة عن أبي حنيفة. وقد روى أسد بن عمرو عن أبي حنيفة مثل قول أبي يوسف، ومحمد، والشافعيّ، وسائر الفقهاء. وكان إبراهيم النخعيّ يقول: من ثلاثين بقرةً تبيع، وفي أربعين مسنّة، وفي خمسين مسنّةٌ، وفي ستين تبيعان. وكان الحكم وحمادٌ يقولان: إذا بلغت خمسين فبحساب ما زاد.
قال أبو عمر: لا أقول في هذا الباب إلا ما قاله مالكٌ، ومن تابعه، وهم الجمهور الذين بهم تجب الحجّة على من خالفهم، وشذّ عنهم إلى ما فيه عن النبيّ ﷺ ، وأصحابه مما تقدّم في هذا الباب ذكره. انتهى كلام ابن عبد البرّ بتصرّف (٢).
стр. 11813
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله الحافظ ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى- حسنٌ جدًّا.
وحاصله أنه لا شيء فيما زاد على الأربعين إلى أن يبلغ ستين ففيها تبيعان إلخ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٤٥١ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْلَى -وَهُوَ ابْنُ عُبَيْدٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ, عَنْ شَقِيقٍ, عَنْ مَسْرُوقٍ, وَالأَعْمَشُ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ, قَالَا:: قَالَ: مُعَاذٌ: "بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْيَمَنِ, فَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ, بَقَرَةً ثَنِيَّةً, وَمِنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعًا, وَمِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا, أَوْ عِدْلَهُ مَعَافِرَ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فهو من أفراده، وهو رُهَاويّ ثقة حافظ [١١] ٣٤/ ٤٢. و"إبراهيم": هو ابن يزيد النخعي.
وقوله: "والأعمش" بالرفع عطفًا على "الأعمش" الأولِ، فالأعمش يروي هذا الحديث عن طريقين:
إحداهما: عن شقيق، وهو ابن سلمة أبو وائل، عن مسروق، عن معاذ، وهذه تقدّم الخلاف في اتصالها، وانقطاعها، والراجح أنها متّصلة.
والثانية: عن إبراهيم، عن معاذ، وهذه منقطعة بلا شكّ، لكنها تتقوى بالأولى.
وقوله: "بقرة ثنيّة" هي المسنّة المذكورة في الذي قبله. قال في "المصباح": و"الثّنيّ" الذي يُلقِي ثَنِيَّتَهُ يكون من ذوات الظلف والحافر في السنة الثالثة، ومن ذوات الخفّ في السنة السادسة، وهو بعد الْجَذَع، والجمعُ ثِنَاءٌ -بالكسر، والمدّ- وثُنْيَانٌ، مثلُ رَغِيف ورُغْفَان. وأَثْنَى: إذا ألقى ثنيّته، فهو فَعِيل بمعنى الفاعل انتهى.
والحديث صحيح، كما سبق بيانه، في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٤٥٢ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ, عَنْ مَسْرُوقٍ, عَنْ مُعَاذٍ, قَالَ: "لَمَّا بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْيَمَنِ, أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ, مِنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ, مِنَ الْبَقَرِ تَبِيعًا, أَوْ تَبِيعَةً, وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً, وَمِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا, أَوْ عِدْلَهُ مَعَافِرَ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فهو من أفراده، وهو موصليٌّ صدوق [١٠] ١٠٢/ ١٣٥.
والحديث صحيح، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 11814
٢٤٥٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ الطُّوسِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي, عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ, قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ الأَعْمَشُ, عَنْ أَبِي وَائِلِ بْنِ سَلَمَةَ, عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ, قَالَ: "أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , حِينَ بَعَثَنِي إِلَى الْيَمَنِ, أَنْ لَا آخُذَ مِنَ الْبَقَرِ شَيْئًا, حَتَّى تَبْلُغَ ثَلَاثِينَ, فَإِذَا بَلَغَتْ ثَلَاثِينَ, فَفِيهَا عِجْلٌ, تَابِعٌ, جَذَعٌ, أَوْ جَذَعَةٌ, حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ, فَإِذَا بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ, فَفِيهَا بَقَرَةٌ مُسِنَّةٌ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فهو من أفراده، وأفراد أبي داود، وهو أبو جعفر البغداديّ العابد، ثقة، من صغار [١٠] ٤٦/ ٧٤١.
و"يعقوب": هو ابن إبراهيم الزهريّ المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة فاضل، من صغار [٩] ١٩٦/ ٣١٤.
و"أبوه": هو إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة حجة [٨] ١٩٦/ ٣١٤.
وقوله: "عِجْلٌ" -بكسر، فسكون-: ولدُ البقرة، والأنثى عِجْلَةٌ، والجمع عُجُولٌ - بالضمّ- وعِجَلَة، مثل عِنَبَة (١).
وقوله: "تابعٌ" صفة لعِجْلٍ، أي تابع لأمه في المرعى، وهو المسمّى فيما تقدّم بالتبيع.
وقوله: "جَذَعْ، أو جَذَعَةٌ" -بفتحتين-: أي ذكرٌ، أو أنثى، وهو في معنى قوله فيما سبق: "تبيع أو تبيعة".
قال ابن الأعرابيّ: إذا طَلَع قرنُ العجل، وقُبِضَ عليه، فهو عَضَبٌ، ثم هو بعد ذلك جَذَعْ، وبعده ثَنيّ، وبعده رَبَاعٌ. وقيل: لا يكون الجذَعُ من البقر حتى يكون له سنتان، وأوّل يوم من الثالثة. ذكره في "اللسان".
والحديث صحيح، وتقدّم الكلام عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
стр. 11815
٩ - (باب (١) مَانِعِ زَكَاةِ الْبَقَرِ)
٢٤٥٤ - (أَخْبَرَنَا وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, عَنِ ابْنِ فُضَيْلٍ, عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ, عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ, عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ, وَلَا بَقَرٍ, وَلَا غَنَمٍ, لَا يُؤَدِّي حَقَّهَا, إِلاَّ وُقِفَ لَهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ, بِقَاعٍ قَرْقَرٍ, تَطَؤُهُ ذَاتُ الأَظْلَافِ بِأَظْلَافِهَا, وَتَنْطَحُهُ ذَاتُ الْقُرُونِ بِقُرُونِهَا, لَيْسَ فِيهَا يَوْمَئِذٍ جَمَّاءُ, وَلَا مَكْسُورَةُ الْقَرْنِ» , قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ, وَمَاذَا حَقُّهَا؟ قَالَ: «إِطْرَاقُ فَحْلِهَا, وَإِعَارَةُ دَلْوِهَا, وَحَمْلٌ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ, وَلَا صَاحِبِ مَالٍ, لَا يُؤَدِّي حَقَّهُ, إِلاَّ يُخَيَّلُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ, شُجَاعٌ أَقْرَعُ, يَفِرُّ مِنْهُ صَاحِبُهُ, وَهُوَ يَتْبَعُهُ, يَقُولُ لَهُ: هَذَا كَنْزُكَ, الَّذِي كُنْتَ تَبْخَلُ بِهِ, فَإِذَا رَأَى, أَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ, أَدْخَلَ يَدَهُ فِي فِيهِ, فَجَعَلَ يَقْضَمُهَا, كَمَا يَقْضَمُ الْفَحْلُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الحديث رجال الصحيح، وتقدّموا.
و"واصل بن عبد الأعلى" كوفيّ، ثقة [١٠] ٣٩/ ٨٣١.
و"ابن فُضيل": هو محمد بن فُضيل بن غزوان الكوفيّ، صدوق عارف، رُمي بالتشيّع [٩] ١٨/ ٧٩٩.
و"عبد الملك بن أبي سليمان": هو الْعَرْزميّ الكوفيّ، صدوق له أوهامٌ [٥] ٧/ ٤٠٦.
و"أبو الزبير": هو محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، صدوق، يدلّس [٤] ٣١/ ٣٥.
[تنبيه]: هذا الحديث أخرجه مسلم في "صحيحه" من طريقين:
(إحداهما): طريق عبد الملك بن أبي سليمان، عن أبي الزبير هذه، رواها عن محمد ابن عبد اللَّه بن نُمَير، عن أبيه، عن عبد الملك به.
(والثانية): طريق ابن جُريج، عن أبي الزبير، رواها عن إسحاق بن إبراهيم، ومحمد ابن رافع، كلاهما عن عبد الرزاق، قال أخبرنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد اللَّه الأنصاريّ، يقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "ما من صاحب إبل … " الحديث.
فقد تابع ابن جُريج عبدَ الملك، فتقوّى به، وصرّح ابن جريج بإخبار أبي الزبير له، وأبو الزبير بسماعه من جابر، فزال ما يُخشى من التدليس. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 11816
وقوله: "جمّاء" بفتح الجيم، وتشديد الميم: هي التي لا قرن لها.
وقوله: "وماذا حقّها" قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: ظاهره الحقّ الواجب الذي فيه الكلام، لكن معلوم أن ذلك الحقّ الواجب هو الزكاة، لا المذكور في الجواب، فينبغي أن يجعل السؤال عن الحقّ المندوب، وتركوا السؤال عن الجواب الذي كان فيه الكلام؛ لظهوره عندهم انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: فيما قاله السنديّ نظرٌ لا يخفى، فقد قدّمنا أن الصواب أن الواجب ليس مقصورًا على الزكاة فقط، بل ما ذُكر في الحديث من إطراق الفحل، وإعارة الدلو، والحمل في سبيل اللَّه، وحلبها يوم وردها أحيانًا تكون من حقوق المال الواجبة، وذلك عند وجود المضطرّين، والمحتاجين، وكونها فاضلة من حاجة صاحبها. فتبصّر بإنصاف، ولا تتهوَّر بتقليد ذوي الاعتساف.
وقد أخرج مسلم من حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ قال: بينما نحن في سفر، مع النبيّ ﷺ ، إذ جاء رجل على راحلة له، قال: فجعل يصرف بصره يمينا وشمالا، فقال رسول اللَّه ﷺ : "من كان معه فضل ظهر، فليَعُدْ به على من لا ظهر له، ومن كان له فضلٌ من زاد، فليعد به على من لا زاد له"، قال: فذكر من أصناف المال، ما ذكر، حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل.
وأما إذا كان صاب المال محتاجًا إليه، فلا يجب عليه شيء، لحديث: "لا صدقة إلا عن ظهر غنى" (١).
والحاصل أن الوجوب لا يختصّ بالزكاة فقط، بل هناك واجبات تتعلّق بالمال، كما قدّمنا بيانها في شرح -٦/ ٢٤٤ - في المسألة الثانية، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى وليّ التوفيق.
وقوله: "إطراق فحلها": أي إعارته للضراب. وقوله: "وإعارة دلوها": أي لإخراج الماء من البئر لمن يحتاج إليه، ولا دلوَ معه.
وقوله: "يُخيَّل له" - بالبناء للمفعول: أي يُمَثَّل له.
وقوله: "يَقضِمها"-بفتح الضاد المعجمة، وكسرها- يقال: قَضِمَتِ الدّابّةُ الشعيرَ تَقضَمه، من باب تَعِبَ: كَسَرَتهُ بأطراف أسنانها، وقَضَمَتْ قَضمًا، من باب ضَرَب لغةٌ، ومنه يُقال على الاستعارة: قضمتُ يَدَه: إذا عَضَضْتَهَا. قاله في "المصباح".
و"الفَحْلُ": الذكر من الحيوان، جمعه فُحُول، وفُحُولةٌ، وفِحَال.
стр. 11817
وتقدّم ما تبقى من شرح الحديث مُستوفًى في-٢/ ٢٤٤٢ وفي -٦/ ٢٤٤٨ - وباللَّه التوفيق، وله الحمد، والمنّة.
وأخرجه المصنّف هنا -٩/ ٢٤٥٤ - وفي "الكبرى" ٩/ ٢٢٣٤. وأخرجه (م) في "الزكاة" ٩٨٨ (أحمد) في باقي "مسند المكثرين" ١٤٠٣٣ (الدارميّ) في "الزكاة" ١٦١٦.
وباقي مسائله تقدّمت بالرقم المذكور. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١٠ - (باب زَكَاةِ الْغَنَمِ)
قال المجد اللغويّ -رحمه اللَّه تعالى-: "الغَنَم": محرَّكةً: الشاءُ، لا واحد لها من لفظها، الواحدة شاةٌ، وهو اسم مؤنّثٌ للجنس يقع على الذكور والإناث، وعليهما جميعًا، جمعه أغنامٌ، وغُنُومٌ، وأغانم انتهى (١).
وقال في "المصباح": "الغَنَمُ": اسم جنس، يطلق على الضأن والمعز، وقد تُجمع على أغنام، على معنى قُطَعَانات من الغنم، ولا واحد للغنم من لفظها. قاله ابن الأنباريّ. وقال الأزهريّ أيضًا: الغنمُ الشاءُ، الواحدة شاةٌ، وتقول العرب: رَاحَ على فلان غَنَمَان، أي قَطِيعَانِ من الغنم، كلّ قطيع منفردٌ بمرعى، وراعٍ. وقال الجوهريّ: الغنم اسمٌ مؤنّثٌ، موضوعٌ لجنس الشاء، يقع على الذكور والإناث، وعليهما، وُيصغّر، فتدخل الهاء، ويقال: غُنيمةٌ؛ لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها، إذا كانت لغير الآدميين، وصُغّرت، فالتأنيث لازمٌ لها انتهى (٢).
وقال الزين ابن المنيّر -رحمه اللَّه تعالى- عند قول البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى-: "باب زكاة الغنم": حَذَفَ وصفَ الغنم بالسائمة، وهو ثابت في الخبر، إما لأنه لم يعتبر هذا المفهوم، أو لتردّده من جهة تعارض وجوه النظر فيه عنده. وهي مسألة خلافية شهيرة، والراجح في مفهوم الصفة أنها إن كانت تناسب الحكم مناسبة العلّة لمعلولها اعتُبِرت، وإلا فلا، ولا شكّ أن السوم يُشعِر بخفّة المؤونة، ودرء المشقّة، بخلاف العَلَف،
وَفِي صَدَقَةِ الْغَنَمِ فِي سَائِمَتِهَا, إِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ فَفِيهَا شَاةٌ, إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ, فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةٌ, فَفِيهَا شَاتَانِ, إِلَى مِائَتَيْنِ, فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةٌ, فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ, إِلَى ثَلَاثِمِائَةٍ, فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةٌ, فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ.
وَلَا تُؤْخَذُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ, وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ, وَلَا تَيْسُ الْغَنَمِ, إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ الْمُصَّدِّقُ, وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ, وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ, خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ, وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ, فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ, وَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ نَاقِصَةً, مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةٌ وَاحِدَةٌ, فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ, إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا.
وَفِي الرِّقَةِ رُبُعُ الْعُشْرِ, فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَالُ إِلاَّ تِسْعِينَ وَمِائَةً, فَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ, إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير "عُبيد اللَّه بن فَضَالة بن إبراهيم": وهو أبو قُديد النسائي الثقة الثبت [١١] فإنه من أفراد المصنف.
و"سُريج بن النعمان" بن مروان الجوهري اللؤلؤي، أبو الحسين، ويقال: أبو الحسن البغدادي، أصله من خراسان، ثقة يهم قليلًا، من كبار [١٠].
روى عن فليح بن سليمان، والحمادين، وحشرج بن نباتة، ونافع بن عمر الجمحي، ومحمد بن مسلم الطائفي، والحكم بن عبد الملك، وابن أبي الزناد، وهشيم، وغيرهم.
وعنه البخاريّ، وروى الأربعة له بواسطة محمد بن رافع، وأبي شيبة، وأحمد بن منيع، والفضل بن سهل الأعرج، ومحمد بن عامر المصّيصيّ، وأبو خيثمة، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وأحمد بن حنبل، وأحمد بن سنان القطان، وعمرو الناقد، وإسماعيل سمويه، وغيرهم.
قال المفضل الغلابي عن ابن معين: ثقة، وسريج بن يونس أفضل منه. وقال العجلي: ثقة. وقال أبو داود: ثقة، حدثنا عنه أحمد بن حنبل غلط في أحاديث، وقال النسائيّ: ليس به بأس. وقال ابن سعد كان ثقة. وقال حنبل بن إسحاق وغيره: مات يوم الأضحى سنة سبع عشرة ومائتين. وقال الحاكم عن الدارقطنيّ: ثقة مأمون. وقال ابن حبّان في "الثقات": يكنى أبا الحارث. أخرج له البخاريّ، والأربعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، وحديث رقم (٣٩٢٠).
[تنبيه]: وقع في بعض النسخ "شريح بن النعمان" بالشين المعجمة، وآخره حاء مهملة، وهو تصحيف فاحش، والصواب "سريج" بالمهملة، والجيم آخره، كما في النسخة "الهندية"، فأما شريح بن النعمان، فإنه تابعيّ، وليس ممن يروي عن حماد بن
стр. 11820
سلمة، روى عن عليّ ﵁، أخرج له أصحاب السنن، حديثًا واحدًا في الأضحية، وليس له عندهم غيره، انظر ترجمته في "تهذيب التهذيب" ٢/ ١٦٢.
وأما سريج بن النعمان بالسين المهملة فإنه من شيوخ البخاريّ، وروى له أيضًا أصحاب السنن، وله أحاديث كثيرة، فتنبّه.
والحديث صحيحٌ، وقد تقدّم سندًا ومتنًا في -٥/ ٢٤٤٧ - وتقدّم شرحه، والكلام على مسائله، وأذكر هنا ما لم يتقدّم بحثه هناك، فأقول:
(مسألة): في مذاهب أهل العلم في نصاب الغنم:
قال العلامة ابن رُشد -رحمه اللَّه تعالى-: أجمعوا من هذا الباب على أن في سائمة الغنم إذا بلغت أربعين شاةً شاةٌ، إلى عشرين ومائة، فإذا زادت على العشرين ومائة، ففيها شاتان إلى مائتين، فإذا زادت على المائتين، فثلاث شياه إلى ثلاثمائة، فإذا زادت على الثلاثمائة ففي كلّ مائة شاةٌ، وذلك عند الجمهور، إلا الحسن بن صالح، فإنه قال: إذا كانت الغنم ثلاثمائة شاةِ وشاةً واحدة أن فيها أربع شياه، وإذا كانت أربعمائة شاةٍ وشاةً، ففيها خمس شياه. ورُوِي قولُهُ هذا عن منصور، عن إبراهيم. والآثارُ المرفوعة في كتاب الصدقة على ما قال الجمهور. انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أنّ ما ذهب إليه الجمهور هو الحقّ؛ لموافقته النصوص الواردة في أحاديث الباب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١١ - باب مَانِعِ زَكَاةِ الْغَنَمِ
أي باب ذكر الحديث الدّالّ على عقوبة مانع زكاة الغنم.
٢٤٥٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ, قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ, عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ, عَنْ أَبِي ذَرٍّ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ, وَلَا بَقَرٍ, وَلَا غَنَمٍ, لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهَا, إِلاَّ جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ, أَعْظَمَ مَا كَانَتْ, وَأَسْمَنَهُ, تَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا, وَتَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا, كُلَّمَا نَفَذَتْ أُخْرَاهَا, أَعَادَتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا,
стр. 11821
حَتَّى يُقْضَي بَيْنَ النَّاسِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. والسند مسلسل بالكوفيين غير شيخه، فبغداديّ، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
والحديث متفقٌ عليه، وقد تقدّم سندًا ومتنًا في -٢/ ٢٤٤٠ - وتقدّم شرحه، والكلام على مسائله هناك، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
وقوله: "تنطحه" بكسر الطاء، وفتحها.
وقوله: "نَفِدَت" -بفتح النون، وكسر الدال المهملة، أو بفتح النون، والذال المعجمة- قال النوويّ: ضبطناه بالدال المهملة، وبالمعجمة، وفتح الفاء، وكلاهما صحيح انتهى.
وقوله: "عادت" ووقع في بعض النسخ: "أُعيدت" بالبناء للمفعول، وهو صحيح أيضًا. ووقع في أخرى: "أعادت" بزيادة الهمزة، وهو غلط. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١٢ - (بَابُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمُتَفَرِّقِ, وَالتَّفْرِيقِ بَيْنَ الْمُجْتَمِعِ)
٢٤٥٧ - (أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ, عَنْ هُشَيْمٍ, عَنْ هِلَالِ بْنِ خَبَّابٍ, عَنْ مَيْسَرَةَ أَبِي صَالِحٍ, عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ, قَالَ: أَتَانَا مُصَدِّقُ النَّبِيِّ ﷺ , فَأَتَيْتُهُ, فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ, فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِنَّ فِي عَهْدِي, أَنْ لَا نَأْخُذَ رَاضِعَ لَبَنٍ, وَلَا نَجْمَعَ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ, وَلَا نُفَرِّقَ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ, فَأَتَاهُ رَجُلٌ بِنَاقَةٍ كَوْمَاءَ, فَقَالَ: خُذْهَا, فَأَبَى)
رجال هذا الإسناد ستة:
١ - (هنّاد بن السّريّ) التميمي، أبو السريّ الكوفيّ، ثقة [١٠] ٢٣/ ٢٥.
٢ - (هُشيم) بن بشير السلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقة ثبت كثير الإرسال والتدليس الخفيّ [٧] ٨٨/ ١٠٩.
٣ - (هلال بن خَبّاب)، أبو العلاء البصريّ، نزيل المدائن، صدوق تغيّر بآخره [٥] ٨١/ ١٠١٣.
стр. 11822
٤ - (ميسرة أبو صالح) مولى كندة الكوفيّ، مقبول [٣].
روى عن عليّ بن أبي طالب، وسُويد بن غَفَلة. وعنه عطاء بن السائب، وهلال بن خَبّاب، وسلمة بن كُهيل. ذكره ابن حبّان في "الثقات". انفرد به المصنّف، وأبو داود، له عندهما هذا الحديث فقط.
٥ - (سُوَيد بن غَفَلَةَ) -بفتح المعجمة والفاء- أبو أمية الجعفي مخضرم ثقة من كبار التابعين، قدم المدينة يومَ دُفِنَ النبيّ ﷺ ، وكان مسلمًا في حياته، ثم نزل الكوفة، ومات سنة ٨٠ وله ١٣٠ سنة [٢] ٦٣/ ١١٨٧. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ سُوَيْدِ نجنِ غَفَلَةَ) أنه: (قَالَ: أتَانَا مُصَدِّقُ النَّبِيِّ) وفي نسخة: "رسول اللَّه" ﷺ أي الذي أرسله النبيّ ﷺ آخذًا للصدقات، والمصدّق -بتخفيف الصاد، وتشديد الدال-: اسم فاعل، من صدّق: إذا أخذ الصدقة (فَأَتَيْتُهُ، فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِنَّ فِي عَهْدِي) أي فيما عَهِدَ إليّ النبيّ ﷺ ، والمراد ما كتبه له، وفي رواية لأبي داود من طريق أبي ليلى الكِنْدِيّ، عن سُوَيدُ بن غَفَلَة: "أتانا مصدّق النبيّ ﷺ ، فأخذت بيده، وقرأت في عهده … ". وللدارقطنيّ: "قدم عدينا مصدّق رسول اللَّه ﷺ -قال: فقرأت في كتابه: لا يجمع بين متفرّق … " الحديث.
(أَنْ لَا نَأخُذَ رَاضِعَ لَبَنٍ) هكذا نسخ "المجتبى" "راضع لبن". ووقع في "الكبرى": "من راضع لبن" بزيادة "من"، وهو الذي في "سنن أبي داود" فـ "من" زائدة، أي لا نأخذَ صغيرًا يَرْضَع اللبن.
ويحتمل أن يكون المعنى أنها إذا كانت كلها صغارًا لا آخذ منها شيئًا، ويؤيّده ما في رواية الدارقطنيّ: "أن لا آخذ من راضع لبن شيئًا".
وإنما نهاه ﷺ عن أخذ الصغير لأنه يضرّ بمصلحة الفقراء، فإن حقّهم في الأوساط، وفي الصغار إخلال بحقّهم. أو المراد ذات لبن، بتقدير مضاف، أي ذات راضع لبن، وإنما نهاه لأنها من خيار المال، فتضرّ بالمالك. وقيل: المعنى أن ما أُعدّت للدّرّ لا يؤخذ منها شيء.
ويحتمل أن يكون المعنى أن لا نعُدّ الصغارَ في نصاب الزكاة. ويؤيد هذا المعنى ما في رواية الدارقطنيّ بلفظ: "أن لا آخذ من راضع لبن شيئًا"، كما تقدّم قريبًا.
وعليه يكون الحديث حجّة لأبي حنيفة ومحمد في أن الصغار من الإبل، والغنم، والبقر لا زكاة فيها استقلالاً، فلو ملك خمسًا وعشرين من الأبل، وقد وضعت خمسًا وعشرين فصيلاً، ومات الكبار كلها قبل تمام الحول، وتمّ الحول على الصغار، فلا
стр. 11823
زكاة فيها. أما لو بقي من الكبار ولو واحدة، فإنها تُزكّى تبعًا للأصل، لا قصدًا. وعند أبي يوسف يجب في الصغار واحدة منها، إذا تمّ لها حول (١).
(وَلَا نَجْمَعَ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ) وفي نسخة: "مفترق" (وَلَا نُفَرِّقَ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ) تقدّم شرحه مستوفًى في -٥/ ٢٤٤٧ - زاد في رواية أبي داود: "وكان إنما يأتي المياه حين ترد الغنم، فيقول: أدّوا صدقات أموالكم. قال: فعمد رجل منهم إلى ناقة كوماء، قال: قلت: يا أبا صالح ما الكوماء؟ قال: عظيمة السنام … " الحديث (فَأَتَاهُ رَجُلٌ بِنَاقَةٍ كَوْمَاءَ) -بفتح الكاف، وسكون الواو- أي مشرفة السنام، عاليته. وفي رواية ابن ماجه: ١٨٠١ "فأتاه رجل بناقة، عظيمة، مُلَمْلَمَة، فأبى أن يأخذها، فأتاه بأخرى دونها، فأخذها، وقال أيُّ أرض تُقِلُّني، وأيُّ سماء تظلني، إذا أتيت رسول اللَّه ﷺ ، وقد أخذت خيار إبل رجل مسلم". و"الْمُلَمْلَمَةُ": هي المستديرة سِمَنًا، من اللَّمّ، بمعنى الضمّ والجمع.
(فَقَالَ) ذلك الرجل للمصدّق (خُذْهَا، فَأَبَى) أي امتنع المصدّق من قبول تلك الناقة الكَوْماء؛ لكونها من خيار ماله، وقد نهاه النبيّ ﷺ من أخذ خيار المال.
وفي رواية أبي داود: "فأبى أن يقبلها، قال: إني أحبّ أن تأخذ خير إبلي، قال: فأبى أن يقبلها، قال: فخطم له أخرى، دونها، فأبى أن يقبلها، ثم خطم له أخرى (٢) دونها، فقبلها، وقال: إني آخذها، وأخاف أن يَجِدَ عليّ رسول اللَّه ﷺ ، يقول: عَمَدت إلى رجل، فتخيّرت عليه إبله" انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث سويد بن غَفَلَة، عن مصدّق النبيّ ﷺ صحيح.
[فإن قلت]: كيف يصحّ وفيه ميسرة أبو صالح، وقال عنه في "التقريب": مقبول. يعني أنه يحتاج إلى متابع؟.
[قلت]: لم ينفرد به، بل تابعه أبو ليلى الكنديّ سلمة بن معاوية. وقيل: معاوية بن سلمة الكوفي، وهو ثقة.
فقد أخرجه أبو فى داود، وابن ماجه من طريق شريك، عن عثمان بن أبي زرعة، عن
стр. 11824
أبي ليلى الكنديّ، عن سُويد بن غَفَلة، قال: "أتانا مصدّق النبيّ ﷺ … " الحديث. والحاصل أن الحديث صحيح. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٢/ ٢٤٥٧ - وفي "الكبرى" ١٢/ ٢٢٣٧. وأخرجه أبو داود في "الزكاة" ١٥٧٩ (ق) ١٨٠١ (أحمد) في "مسند الكوفيين" ١٨٣٥٨ (الدارميّ) في "الزكاة" ١٦٣٠. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما بوّب له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو النهي عن الجمع بين المتفرّق، والتفريق بين المجتمع، خشية الصدقة، وقد تقدّم بيانه (ومنها): النهي عن أخذ الرضيع في الزكاة (ومنها): النهي عن أخذ خيار المال (ومنها): أن الزكاة شُرعت لمواساة الفقراء، فلا ينبغي إضرار أحد الجانبين، لا المالكِ بأخذ خيار ماله، ولا الفقيرِ بأخذ أردإ المال. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٤٥٨ - (أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ زَيْدِ بْنِ يَزِيدَ -يَعْنِي ابْنَ أَبِي الزَّرْقَاءِ- قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , بَعَثَ سَاعِيًا, فَأَتَى رَجُلاً, فَأَتَاهُ فَصِيلاً مَخْلُولاً, فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «بَعَثْنَا مُصَدِّقَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ, وَإِنَّ فُلَانًا أَعْطَاهُ فَصِيلاً مَخْلُولاً, اللَّهُمَّ لَا تُبَارِكْ فِيهِ, وَلَا فِي إِبِلِهِ» , فَبَلَغَ ذَلِكَ الرَّجُلَ, فَجَاءَ بِنَاقَةٍ حَسْنَاءَ, فَقَالَ: أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ , وَإِلَى نَبِيِّهِ ﷺ , فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اللَّهُمَّ بَارِكْ فِيهِ, وَفِي إِبِلِهِ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هارون بن زيد بن يزيد بن أبي الزَّرْقَاء) الموصليّ، نزيل الرَّمْلة، صدوق [١٠] ٥٠/ ٨٥١.
٢ - (أبوه) زيد بن أبي الزرقاء" الموصليّ، نزيل الرملة، ثقة [٩] ٥٠/ ٨٥١.
٣ - (سفيان) بن سعيد الثوريّ الإمام الحجة الثبت [٧] ٣٣/ ٣٧.
٤ - (عاصم بن كُليب) الكوفيّ، صدوق رمي بالإرجاء [٥] ١١/ ٨٨٩.
٥ - (كُليب بن شهاب) صدوق [٢] ووهم من ذكره في الصحابة.
٦ - (وائل بن حجر) -بضم المهملة، وسكون الجيم- ابن سعد بن مسروق الحضرميّ، الصحابيّ الجليل، كان من ملوك اليمن، ثم سكن الكوفة، ومات في خلافة معاوية ﵄ ٤/ ٨٧٩. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 11825
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، وشيخ شيخه، فإنهما من رجال المصنف، وأبي داود، وغير كليب، فإنه من رجال الأربعة. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين غير شيخه، وشيخ شيخه فإنهما موصليان، ثم رمليان. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعي، عن تابعي. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، بَعَثَ سَاعِيًا) اسم فاعل، من سَعَى في الصدقة يَسعَى سَعْيًا: إذا عمل في أخذها من أربابها (١) (فَأَتَى رَجُلاً، فَآتاهُ) بالمدّ، كأعطاه وزنًا ومعنى (فَصِيلاً) -بفتح، فكسر-: ولد الناقة، سمي به لأنه يُفصَل عن أمّه، فهو فَعِيل بمعنى مفعول، والجمع فُصْلان -بضمّ الفاء، وكسرها- وقد يُجمع على فِصال -بالكسر- كأنهم توهّموا فيه الصفة، مثل كريم وكِرَام. قاله الفيّوميّ (مَخْلُولاً) قال ابن الأثير: أي مهزولاً، وهو الذي جُعِل في أنفه خِلَالٌ؛ لئلّا يرضع أمه، فَتُهْزَلَ. وقيل: المخلول: السَّمِين، ضدّ المهزول، والمهزول إنما يقال له: خَلٌّ، ومُخْتَلٌّ. والأول الأوجه. ومنه يقال لابن مخاض: خَلٌّ؛ لأنه دقيق الجسم انتهى (٢).
وقال ابن منظور: وأما ما جاء في الحديث أنه ﷺ أُتي بفصيل مَخْلُول، أو مَحْلُول، فقيل: هو الْهَزِيل الذي قد خَلَّ جسمه. وبقال: أصله أنهم كانوا يَخُلُّون الفَصِيل لئلا يَرتضع، فَتُهزَلَ لذلك. وفي "التهذيب": وقيل: هو الفصيل الذي خُلَّ أنفُهُ لئلّا يَرْضَع أمه، فتُهْزَلَ. قال: وأما المهزول فلا يقال له: مخلول؛ لأن المخلول هو السَّمِين، ضدّ المهزول. والمهزول: هو الخَلُّ والْمُخْتَلُّ، والأصحّ في الحديث أنه المشقوق اللسان لئلاّ يرضع. ذكره ابن سِيدَهْ.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحاصل أن ذلك الفصيل مَعِيب بالْهُزَال بسبب عدم ارتضاعه لأمه. واللَّه تعالى أعلم.
(فَقَالَ: النَّبِيُّ ﷺ : "بَعَثنَا مُصَدِّقَ اللَّهِ" (وَرَسُولِهِ) ﷺ (وَإنَّ فُلَانًا أَعْطَاهُ فَصِيلاً مَخْلُولاً، اللَّهُمَّ لَا تُبَارِكْ فِيهِ، وَلَا فِي إِبلِهِ) إنما دعا عليه ﷺ بأن لا يبارك اللَّه تعالى فيه، ولا في إبله، لبخله عن أداء ما أوجبه اللَّه تعالى عليه من الزكاة التي بسسبها يزكو المال،
стр. 11826
ويكثر، والتي هي سبب لتطهير صاحبها، وتزكيته، وصلاة النبيّ ﷺ عليه كما قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ١٠٣]، فلمّا أعرض عن ذلك كلّه استحقّ الدعاء عليه، كما أنه إذا أتاه شخص بصدقته عن طيب نفس، وسخاه، وآتاه من طيّبات ما آتاه اللَّه من المال صلّى عليه، ودعا له بالبركة؛ عملاً بما أمره اللَّه تعالى به في الآية.
وفيه أن من أعطى في الزكاة رديء ماله يستحقّ أن يدعو عليه الإمام بنزع البركة عنه وعن ماله. واللَّه تعالى أعلم.
(فَبَلَغَ ذَلِكَ الرَّجُلَ، فَجَاءَ بنَاقَةٍ حَسْنَاءَ، فَقَالَ: أَتُوبُ) وفي نسخة: "تبت" (إِلَى اللَّهِ ، وَإِلَى نَبِيِّهِ ﷺ ، فَقَاَلَ النَّبِيُّ ﷺ : (اللَّهُمَّ بَارِك فِيهِ، وَفِي إِبلِهِ") لأن من تاب تاب اللَّه عليه.
وفيه أن من أعطى في الصدقة النوع الطيب ينبغي للإمام أن يدعو له بأن يبارك اللَّه تعالى فيه، وفي ماله.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث وائل بن حجر به ﵁ هذا صحيح الإسناد، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا-١٢/ ٢٤٥٨ - وفي "الكبرى" ١٢/ ٢٢٣٨.
ثم إن إيراده في هذا الباب فيه بُعْدٌ، إذ لا مناسبة بينهما، كما لا يخفى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
…
١٣ - (بَابُ صَلَاةِ الإِمَامِ عَلَى صَاحِبِ الصَّدَقَةِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على مشروعيّة صلاة الإمام لصاحب الصدقة، أي قوله عند دفعه الصدقةَ اللَّهم صلَّ على فلان، وقدّمنا في "كتاب الصلاة" عند شرح الصلاة الإبراهيمية أن الأصحّ في معنى صلاة اللَّه على عبده ثناؤه عليه في الملأ الأعلى. وقيل: رحمته.
стр. 11827
وقد ترجم الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" بقوله: "باب صلاة الإمام ودعائه لصاحب الصدقة، وقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿سَكَنٌ لَهُمْ﴾.
قال الزين ابن المنيّر -رحمه اللَّه تعالى-: عَطَفَ الدعاء على الصلاة في الترجمة ليبيّن أن لفظ الصلاة ليس مُحَتَّمًا، بل غيره من الدعاء بمنزلته انتهى.
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: ويؤيّد عدم الانحصار في لفظ الصلاة ما أخرجه النسائيّ من حديث وائل بن حُجر أنه ﷺ قال في رجل بعث بناقة حسنة في الزكاة: "اللَّهمّ بارك فيه، وفي إبله". وأما استدلاله بالآية لذلك فكأنه فهم من سياق الحديث مُداومة النبيّ ﷺ على ذلك، فحمله على امتثال الأمر في قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾. ورَوَى ابن أبي حاتم وغيره بإسناد صحيح عن السدّيّ في قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ قال: ادع لهم.
وقال ابن المنيّر في "الحاشية": عبّر المصنّف في الترجمة بالإمام ليُبطل شبهة أهل الرّدّة في قولهم للصدّيق: إنما قال اللَّه لرسوله ﷺ : ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾، وهذا خاصّ بالرسول ﷺ ، فأراد أن يبيّن أن كلّ إمام داخل في الخطاب انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٤٥٩ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ يَزِيدَ, قَالَ: حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ أَخْبَرَنِي, قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى, قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ, قَالَ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ فُلَانٍ» , فَأَتَاهُ أَبِي بِصَدَقَتِهِ, فَقَالَ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عمرو بن يزيد) أبو بُريد الجَرْمي البصريّ، صدوق [١١] ١٠٠/ ١٣٠ من أفراد المصنف.
٢ - (بهز بن أسد) العمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقة ثبت [٩] ٢٤/ ٢٨.
٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت [٧] ٢٤/ ٢٧.
٤ - (عمرو بن مرّة) بن عبد اللَّه بن طارق الجَمَليّ الكوفي الأعمى، ثقة عابد [٥] ١٧١/ ٢٦٥.
٥ - (عبد اللَّه بن أبي أوفى) علقمة بن خالد بن الحارث الأسلمي، صحابيّ شهد الحُدَيبية، وعُمِّرَ بعد النبيّ ﷺ دهرًا، ومات سنة (٨٧) - رضي اللَّه تعالى -، تقدّمت ترجمته
стр. 11828
في-٣/ ٤٠٢. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة، والباقيان كوفيان. (ومنها): أن عمرو بن مرّة تابعي صغير، لم يرو من الصحابة إلا من عبد اللَّه بن أبي أوفى ﵁، وأنه كان لا يدلّس كما وصفه بذلك شعبة. (ومنها): أن صحابيه آخر من مات من الصحابة بالكوفة، مات سنة (٨٧). واللَّه تعالى أعلم.
شرحِ الحديث
عن شعبة أنه (قال: عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ أخْبَرَنِي) فاعل "قال" ضمير شعبة، و"عمرو بن مرّة" مبتدأٌ، خبره جملة: "أخبرني". يعني أن شعبة قال: أخبرني عمرو (قَالَ) عمرو (سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى) - رضي اللَّه تعالى عنه - (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، إِذَا أتاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ، قَالَ: "اللهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ فُلَانٍ") وفي رواية للبخاريّ: "اللهم صلّ على فلان".
قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: لما أمر اللَّه تعالى نبيّه ﷺ بأخذ الصدقة من الأموال، والدعاء للمتصدّق بقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً …﴾ الآية [التوبة: ١٠٣]، امتثل ذلك، فكان يدعو لمن أتاه بصدقته، ولذلك كان يقول لهم: اللَّهم صلّ عليهم" أي ارحمهم انتهى (١).
(فَأَتَاهُ أَبِي بصَدَقَتِهِ، فَقَالَ: "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى") يريد أبا أوفى نفسَهُ؛ لأن الآل يطلق على ذات الشيء، كقوله في قصّة أبي موسى: "لقد أوتي مِزْمَارًا من مزامير آل داود". وقيل: لا يُقال ذلك إلا في حقّ الرجل الجليل القدر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد اللَّه بن أبي أوفى ﵁ هذا متفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٢/ ٢٤٥٩ - وفي "الكبرى" ١٤/ ٢٢٣٩. وأخرجه (خ) في "الزكاة"
стр. 11829
١٤٩٨ وفي "المغازي" ٤١٦٦ وفي "الدعوات" ٦٣٣٢ و ٦٣٥٩ (م) في "الزكاة" ١٠٧٨ (د) في "الزكاة" ١٥٩٠ (ق) في "الزكاة" ١٧٩٦ (أحمد) في "مسند الكوفيين" ١٨٦٣٢ و ١٨٦٣٦ و ١٨٦٥٤ و ١٨٩١٥ و ١٨٩٢٤. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما بوّب له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو مشروعية صلاة الإمام لمعطي الصدقة (ومنها): أنه لا يتعيّن لفظ الصلاة، بل لو دعا له بالبركة أصاب السنّة، كما دلّ عليه حديث وائل بن حجر ﵁ المتقدّم في الباب الماضي.
قال النوويّ: وقد استحبّ الشافعيّ في صفة الدعاء أن يقول آجرك اللَّه فيما أعطيت، وجعله طهورًا لك، وبارك لك فيما أبقيت انتهى (١).
(ومنها): جواز الصلاة على غير الأنبياء، وكرهه مالك والجمهور. قال ابن التين: وهذا الحديث يعكر عليه. وقد قال جماعة من العلماء: يدعو آخذ الصدقة للمتصدّق بهذا الدعاء؛ لهذا الحديث. وأجاب الخطّابيّ عنه بأن أصل الصلاة الدعاء إلا أنه يختلف بحسب المدعوّ له، فصلاة النبيّ ﷺ على أمته دعاء لهم بالمغفرة، وصلاة أمته عليه دعاء له بزيادة القربى والزلفى؛ ولذلك كان لا يليق بغيره انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: القول بكراهة الصلاة على غير الأنبياء مما لا يقوم عليه دليل، فالحقّ أن الصلاة على غيرهم جائزة؛ لحديث الباب وغيره، وقد قدمت تحقيق البحث في ذلك في "كتاب الصلاة" في أبواب الصلاة على النبيّ ﷺ في التشهّد، فراجعه تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): اختُلف في حكم الدعاء للمتصدّق:
ذهب الجمهور إلى أن الدعاء لدافع الزكاة سنة مستحبّة، وليس بواجب.
وذهب أهل الظاهر إلى أنه واجب. قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: وبه قال بعض أصحابنا، حكاه أبو عبد اللَّه الحناطيّ -بالحاء المهملة- واعتمدوا الأمر في الآية، قال الجمهور: الأمر في حقّنا للندب؛ لأن النبيّ ﷺ بعث معاذًا وغيره لأخذ الزكاة، ولم يأمرهم بالدعاء. وقد يُجيب الآخرون بأن وجوب الدعاء كان معلومًا لهم من الآية الكريمة. وأجاب الجمهور أيضًا بأن دعاء النبيّ ﷺ وصلاته سكن لهم، بخلاف غيره (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما ذهب إليه الجمهور هو الأرجح؛ لأن ما
стр. 11830
احتجّوا به كافِ في صرف الأمر عن الوجوب إلى الاستحباب، فتأمّل. واللَّه تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١٤ - (بَابٌ إِذَا جَاوَزَ فِي الصَّدَقَةِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ظاهر تبويب المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- يدلّ على أنه إذا جاوز الْمُصَدِّق الواجب، فأخذ أكثر منه، يجب دفع ما طلبه، وإرضاؤه، لظاهر حديث الباب.
لكن الذي يظهر لي أن هذا محمول على ما إذا كان المصدّق معروفًا بالورع، لا يظلم الناس، ولكنّ صاحب المال لحرصه ظنّ أنه يظلمه، وأما إذا طلب فوق الواجب من دون تأويل، فلا يجب إرضاؤه، لحديث أنس ﵁ المتقدّم: "فمن سئلها من المسلمين على وجهها فليعط، ومن سُئل فوق ذلك، فلا يعط".
وخلاصة القول: أنه ﷺ عَلِمَ أن عامليه لا يظلمون الناس، ولكنّ أرباب الأموال لشدّة محبّتهم للأموال يعدّون الأخذ ظلمًا، فقال لهم: "أرضوا مصدّقيكم"، أي وإن ظلموكم في زعمكم، فليس فيه تقرير للعاملين على الظلم، ولا تقرير للناس على الصبر عليه، وعلى إعطاء الزيادة على ما حدّه اللَّه تعالى في الزكاة.
والحاصل أن الجمع بين الحديثين بما ذكر متعيّنٌ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٤٦٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, وَاللَّفْظُ لَهُ, قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي إِسْمَاعِيلَ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هِلَالٍ, قَالَ: قَالَ: جَرِيرٌ, أَتَى النَّبِيَّ ﷺ نَاسٌ, مِنَ الأَعْرَابِ, فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ, يَأْتِينَا نَاسٌ مِنْ مُصَدِّقِيكَ, يَظْلِمُونَ, قَالَ: «أَرْضُوا مُصَدِّقِيكُمْ» , قَالُوا: وَإِنْ ظَلَمَ؟ قَالَ: «أَرْضُوا مُصَدِّقِيكُمْ» , ثُمَّ قَالُوا: وَإِنْ ظَلَمَ؟ قَالَ: «أَرْضُوا مُصَدِّقِيكُمْ» , قَالَ جَرِيرٌ: فَمَا صَدَرَ عَنِّي مُصَدِّقٌ, مُنْذُ سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , إِلاَّ وَهُوَ رَاضٍ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن المثنى) أبو موسى العنَزيّ البصريّ. ثقة حافظ [١٠] ٦٤/ ٨٠.
٢ - (محمد بن بشار) أبو بكر بندار البصري، ثقة [١٠] ٢٤/ ٢٧.
стр. 11831
٣ - (يحيى) بن سعيد القطان الإمام الحجة [٩] ٤/ ٤.
٤ - (محمد بن أبي إسماعيل) واسم أبي إسماعيل راشد الأسلميّ المدنيّ، ثقة [٥].
قال ابن معين، والنسائيّ ثقة. وقال أبو حاتم: محمد بن راشد أخو عمر، وإسماعيل، ويُعرفون ببني أبي إسماعيل، محمد أحبّهم إليّ. وقال يحيى بن آدم، عن شريك: أنه سئل عن امرأة وَلَدت في بطن أربعة، فقال: قد رأيت بني أبي إسماعيل أربعة وُلِدُوا في بطن واحد، وعاشوا. قال البخاريّ: عامتهم محدّثون. وذكره ابن حبّان في "الثقات". قال البخاريّ: قال يحيى: مات سنة (٢٤٢). أخرج له مسلم، وأبو داود، والمصنّف، له عنده في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٥ - (عبد الرحمن بن هلال) العبسيّ -بالموحّدة- الكوفيّ، ثقة [٣].
قال النسائيّ: ثقة. وقال العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وفي الطبرانيّ من طريق مُجالد عنه قال: بعثني أبي إلى جرير، فسألته. أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والباقون، سوى الترمذيّ، وله عند المصنف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٦ - (جرير) بن عبد اللَّه بن جابر البجلي الصحابي الجليل - رضي اللَّه تعالى عنه - ٤٣/ ٥١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن عبد الرحمن، ومحمد بن أبي إسماعيل هذا أول محل ذكرهما من الكتاب. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هِلَالٍ) العبسيّ، أنه (قَالَ: قَالَ جَرِيرٌ) بن عبد اللَّه ﵁ (أَتَى النَّبِيَّ) بالنصب مفعول مقدم ( ﷺ نَاسٌ) بالرفع فاعل مؤخّر (مِنَ الأَعْرَابِ) بالفتح يريد أهل الباديهَ، وواحد الأعراب أعرابيّ، والفرق بين الأعرابيّ والعربيّ أن من نزل البادية، وجاور البادين، وظعن بظَعْنِهم، فهو من الأعراب، ومن نزل بلاد الرِّيفِ، واستوطن الْمُدُن، والقرى العربيّة، وغيرها ممن ينتمي إلى العرب، فهو من العرب، وإن لم يكن فصيحًا.
(فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَأْتِينَا نَاسٌ مِنْ مُصَدِّقِيكَ) وفي نسخة: "من مصدقكم"، وهو جمع مُصَدّق -بتخفيف الصاد، وتشديد الدال- أي من السُّعَاة الذين ترسلهم لأخذ
стр. 11832
الصدقات (يَظلِمُونَ) قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: لا شكّ أن أهل البادية أهل جفاء وجهل غالبًا؛ ولذلك قال تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ الآية [التوبة: ٩٧] ولذلك نَسَبُوا الظلم إلى مصدّقي النبيّ ﷺ ، وإلى فضلاء أصحابه، فإنه ﷺ ما كان يَستعمل على ذلك إلا أعلم الناس، وأعدلهم؛ لكن لجهل الأعراب بحدود اللَّه ظنّوا أن ذلك القدر الذي كانوا يأخذونه منهم هو ظلم، فقال لهم ﷺ : "أرضوا مصدّقيكم، وإن ظُلِمتم" أي على زعمكم وظنّكم، لا أنّ النبيّ ﷺ سوّغ للعمّال الظلم، وأمر الأعراب بالانقياد لذلك؛ لأنه كان يكون ذلك منه إقرارًا على منكرٍ، وإغراءً بالظلم، وذلك مُحالٌ قطعًا، وإنما سلك النبيّ ﷺ مع هؤلاء هذا الطريق، دون أن يبيّن لهم أن ذلك الذي أخذه المصدّقون ليس ظلمًا؛ لأن هذا يحتاج إلى تطويل وتقريرٍ، وقد لا يَفهَم ذلك أكثرهم. وأيضًا فَلْيَحصُل منهم الانقياد الكلّيّ بالتسليم، وترك الاعتراض الذي لا يحصل الإيمان إلا بعد حصوله، كما قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] انتهى كلام القرطبيّ (١).
(قَالَ) ﷺ (أَرْضُوا مُصَدِّقِيكُمْ) قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: المصدّق الساعي، ومقصود الحديث الوَصَاية بالسُّعَاة، وطاعةِ وُلاة الأمور، وملاطفتِهِم، وجمعُ كلمة المسلمين، وصلاح ذات البين. وهذا كلّه ما لم يطلب جَوْرًا، فإذا طلب جَورًا، فلا موافقة له، ولا طاعة؛ لقوله ﷺ في حديث أنس ﵁ المتقدّم: "فمن سئلها على وجهها، فليعطها، ومن سئل فوقها، فلا يعط".
قال: واختلف أصحابنا في معنى قوله ﷺ : "فلا يُعط" فقال أكثرهم: لا يُعطي الزيادة، بل يعطي الواجب. وقال بعضهم: لا يعطه شيئًا أصلاً؛ لأنه يفسق بطلب الزيادة، وينعزل، فلا يُعطَى شيئًا. واللَّه تعالى أعلم انتهى كلام النوويّ (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله الأكثرون هو الأقرب. واللَّه تعالى أعلم. (قَالُوا: وَإِنْ ظَلَمَ؟ قَالَ: "أَرْضُوا مُصَدِّقِيكُمْ) زاد في رواية لأبي داود: "وإن ظُلمتم".
وفي حديث بشير ابن الْخَصَاصيّة ﵁ قال: قلنا: يا رسول اللَّه إن أهل الصدقة يعتدون علينا، أفنكتم من أموالنا بقدر ما يعتدون علينا؟ فقال: "لا". رواه أبو داود، وفي إسناده مجهول.
стр. 11833
وفي حديث جابر بن عَتِيك ﵁: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "سيأتيكم ركبٌ مُبَغّضون، فإذا جاؤوكم، فرحّبوا بهم، وخلّوا بينهم، وبين ما يَبتغون، فإن عَدَلُوا فلأنفسهم، وإن ظلموا فعليها، وأرضوهم، فإن تمام زكاتكم رضاهم، وليدعوا لكم". رواه أبو داود أيضًا، وفي إسناده مجهول أيضًا (١).
(ثُمَّ قَالُوا: وَإِنْ ظَلَمَ؟ قَالَ: "أَرْضُوا مُصَدِّقِيكمْ"، قَالَ: جَرِيرٌ) بن عبد اللَّه ﵁ (فَمَا صَدَرَ عَنيِّ مُصَدِّقٌ) أي ما رجع من عندي سَاعٍ. يقال: صدَرَ عن الموضع صَدْرًا، من باب قتل: إذا رجع، قال الشاعر [من البسيط]:
وَلَيلَةٍ قَدْ جَعَلْتُ الصُّبْحَ مَوْعِدَهَا … صَدْرَ الْمَطِيَّةِ حَتَّى تَعْرِفَ السَّدَفَا (٢)
(مُنْذُ سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، إِلاَّ وَهُوَ رَاضٍ) يعني أنه ما رجع من عنده ساعٍ بعد سماعه هذا الحديث من رسول اللَّه ﷺ إلا وهو راضٍ عنه؛ لكونه أعطاه ما طلب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث جرير ﵁ هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٤/ ٢٤٦٠ و ٢٤٦١ - وفي "الكبرى" ١٥/ ٢٢٤٠ و ٢٢٤١. وأخرجه (م) في "الزكاة" ٩٨٩ (د) في "الزكاة" ١٥٨٩ (ت) في "الزكاة" ٦٤٧ (ق) في "الزكاة" ١٨٠٢ (أحمد) في "مسند الكوفيين" ١٨٧٢٤ (الدارميّ) ١٦٦٠. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما بوّب له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم ما إذا جاوز الساعي في الصدقة القدرَ الواجبَ، وهو أنه يجب إرضاؤه، وقد تقدّم الجمع بينه وبين حديث أنس ﵁: "ومن سئل فوقها، فلا يعط" أولَ الباب، فتنبّه.
(ومنها): أن الإنسان مجبول على الحرص في ماله، ولذا يَظُنّ أحيانًا المصدّق ظالمًا له، ولهذا أمر النبيّ ﷺ بإرضاء المصدّق، لأنه لا يظلم، حيث إنه ﷺ لا يرسل إلا العالم الورع، ومع ذلك يوصيه بتوقّي كرائم أموال الناس، وإنما حِرْصُ صاحب المال
стр. 11834
يحمله على اتهامه بذلك (ومنها): بيان فضل جرير بن عبد اللَّه، بل وسائر الصحابة ﵃ حيث إنهم إذا سمعوا من النبيّ ﷺ أمرًا بادروا إلى امتثاله، واستمرّوا عليه حتى يموتوا، وذلك لصدق إيمانهم، وكمال محبّتهم للَّه تعالى، ولرسوله ﷺ . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٤٦١ - (أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ -هُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ- قَالَ: أَنْبَأَنَا دَاوُدُ, عَنِ الشَّعْبِيِّ, قَالَ: قَالَ: جَرِيرٌ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا أَتَاكُمُ الْمُصَدِّقُ, فَلْيَصْدُرْ, وَهُوَ عَنْكُمْ رَاضٍ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح.
و"زياد بن أيوب": هو المعروف بدَلُّويه. و"داود": هو ابن أبي هند.
والحديث أخرجه مسلم، كما تقدّم بيانه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
١٥ - (بَابُ إِعْطَاءِ السَّيِّدِ الْمَالَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِ الْمُصَدِّقِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: المراد بـ"السيّد" صاحب المال، و"المالَ" منصوب على أنه مفعول أولُ و"إعطاء"، والثاني محذوف، أي المصدّقَ"، وإضافة "إعطاء" إلى "السيّد" من إضافة المصدر إلى فاعله. وفي "الكبرى" "باب إعطاء سيّد المالِ"، وعليه فـ "المالِ" مجرور بإضافة "سيّد" إليه.
وغرض المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بهذا أن المالك إذا أعطى من خيار ماله باختياره، من غير أن يَطلب المصَدِّق منه ذلك جاز؛ لأن النهي عن أخذ خيار المال كان لحقّ المالك، فإذا ترك حقّه، وآثر جزيل الأجر، وعظيم الثواب بإعطاء خيار ماله، قبل منه ذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٤٦٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ, قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ إِسْحَاقَ, عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي سُفْيَانَ, عَنْ مُسْلِمِ بْنِ ثَفِنَةَ, قَالَ: اسْتَعْمَلَ ابْنُ عَلْقَمَةَ
стр. 11835
أَبِي, عَلَى عِرَافَةِ قَوْمِهِ, وَأَمَرَهُ أَنْ يُصَدِّقَهُمْ, فَبَعَثَنِي أَبِي, إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ, لآتِيَهُ بِصَدَقَتِهِمْ, فَخَرَجْتُ, حَتَّى أَتَيْتُ عَلَى شَيْخٍ كَبِيرٍ, يُقَالُ لَهُ: سَعْرٌ, فَقُلْتُ: إِنَّ أَبِي بَعَثَنِي إِلَيْكَ, لِتُؤَدِّيَ صَدَقَةَ غَنَمِكَ, قَالَ: ابْنَ أَخِي, وَأَيُّ نَحْوٍ تَأْخُذُونَ, قُلْتُ: نَخْتَارُ, حَتَّى إِنَّا لَنَشْبُرُ ضُرُوعَ الْغَنَمِ, قَالَ: ابْنَ أَخِي, فَإِنِّي أُحَدِّثُكَ, أَنِّي كُنْتُ فِي شِعْبٍ مِنْ هَذِهِ الشِّعَابِ, عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فِي غَنَمٍ لِي, فَجَاءَنِي رَجُلَانِ, عَلَى بَعِيرٍ, فَقَالَا: إِنَّا رَسُولَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَيْكَ, لِتُؤَدِّيَ صَدَقَةَ غَنَمِكَ, قَالَ: قُلْتُ: وَمَا عَلَيَّ فِيهَا؟ قَالَا: شَاةٌ, فَأَعْمِدُ إِلَى شَاةٍ, قَدْ عَرَفْتُ مَكَانَهَا, مُمْتَلِئَةً مَحْضًا, وَشَحْمًا, فَأَخْرَجْتُهَا إِلَيْهِمَا, فَقَالَ: هَذِهِ الشَّافِعُ - وَالشَّافِعُ الْحَائِلُ- وَقَدْ نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , أَنْ نَأْخُذَ شَافِعًا, قَالَ (١): فَأَعْمِدُ إِلَى عَنَاقٍ مُعْتَاطٍ, وَالْمُعْتَاطُ الَّتِي لَمْ تَلِدْ وَلَدًا, وَقَدْ حَانَ وِلَادُهَا, فَأَخْرَجْتُهَا إِلَيْهِمَا, فَقَالَا: نَاوِلْنَاهَا, فَرَفَعْتُهَا إِلَيْهِمَا, فَجَعَلَاهَا مَعَهُمَا, عَلَى بَعِيرِهِمَا, ثُمَّ انْطَلَقَا).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن عبد اللَّه بن المبارك) المخرِّمي، أبو جعفر البغدادي، ثقة حافظ [١١] ٤٣/ ٥٠.
٢ - (وكيع) بن الجزاح الحافظ الحجة الكوفي [٩] ٢٣/ ٢٥.
٣ - (زكريا بن إسحاق) المكي، ثقة رمي بالقدر [٦] ٦٠/ ٨٦٥.
٤ - (عمرو بن أبي سفيان) بن عبد الرحمن بن صفوان بن أمية الجمحيّ المكي، ثقة [٥]. قال عبد اللَّه بن شُعيب الصابونيّ، عن يحيى بن معين: حنظلة بن أبي سفيان، وعمرو بن أبي سفيان جمحيّان ثقتان. وقال أبو حاتم: مستقيم الحديث، أُراه أخا حنظلة. وقال النسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات".
روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، وأبو داود، والترمذيّ، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٥ - (مسلم بن ثَفِنَة) ويقال: ابن شعبة، وهو أصحّ، البكريّ، ويقال: اليشكريّ، حجازيّ، مقبول [٣].
روى عن سَعْرٍ الدُّؤَليّ. وعنه عمرو بن أبي سفيان الْجُمَحِيّ. قال وكيعٌ عن زكريّا بن إسحاق، عن عمرو بن أبي سفيان، عن ابن ثَفِنَة. وقال رَوْح بن عُبَادة، وغير واحد، عن زكريّا، عن عمرو، عن مسلم بن شعبة. قال أحمد بن حنبل: أخطأ فيه وكيعٌ، قال بشر بن السريّ، متعجّبًا من قول وكيع: هؤلاء وُلْدُهُ ههنا -يعني بمكة. وقال البخاريّ: