← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 11831–11870 · переход к 11836.

стр. 11831

٣ - (يحيى) بن سعيد القطان الإمام الحجة [٩] ٤/ ٤. ٤ - (محمد بن أبي إسماعيل) واسم أبي إسماعيل راشد الأسلميّ المدنيّ، ثقة [٥]. قال ابن معين، والنسائيّ ثقة. وقال أبو حاتم: محمد بن راشد أخو عمر، وإسماعيل، ويُعرفون ببني أبي إسماعيل، محمد أحبّهم إليّ. وقال يحيى بن آدم، عن شريك: أنه سئل عن امرأة وَلَدت في بطن أربعة، فقال: قد رأيت بني أبي إسماعيل أربعة وُلِدُوا في بطن واحد، وعاشوا. قال البخاريّ: عامتهم محدّثون. وذكره ابن حبّان في "الثقات". قال البخاريّ: قال يحيى: مات سنة (٢٤٢). أخرج له مسلم، وأبو داود، والمصنّف، له عنده في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٥ - (عبد الرحمن بن هلال) العبسيّ -بالموحّدة- الكوفيّ، ثقة [٣]. قال النسائيّ: ثقة. وقال العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وفي الطبرانيّ من طريق مُجالد عنه قال: بعثني أبي إلى جرير، فسألته. أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والباقون، سوى الترمذيّ، وله عند المصنف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٦ - (جرير) بن عبد اللَّه بن جابر البجلي الصحابي الجليل - رضي اللَّه تعالى عنه - ٤٣/ ٥١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن عبد الرحمن، ومحمد بن أبي إسماعيل هذا أول محل ذكرهما من الكتاب. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَبدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هِلَالٍ) العبسيّ، أنه (قَالَ: قَالَ جَرِيرٌ) بن عبد اللَّه ﵁ (أَتَى النَّبِيَّ) بالنصب مفعول مقدم ( ﷺ نَاسٌ) بالرفع فاعل مؤخّر (مِنَ الأَعْرَابِ) بالفتح يريد أهل الباديهَ، وواحد الأعراب أعرابيّ، والفرق بين الأعرابيّ والعربيّ أن من نزل البادية، وجاور البادين، وظعن بظَعْنِهم، فهو من الأعراب، ومن نزل بلاد الرِّيفِ، واستوطن الْمُدُن، والقرى العربيّة، وغيرها ممن ينتمي إلى العرب، فهو من العرب، وإن لم يكن فصيحًا. (فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَأْتِينَا نَاسٌ مِنْ مُصَدِّقِيكَ) وفي نسخة: "من مصدقكم"، وهو جمع مُصَدّق -بتخفيف الصاد، وتشديد الدال- أي من السُّعَاة الذين ترسلهم لأخذ

стр. 11832

الصدقات (يَظلِمُونَ) قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: لا شكّ أن أهل البادية أهل جفاء وجهل غالبًا؛ ولذلك قال تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ الآية [التوبة: ٩٧] ولذلك نَسَبُوا الظلم إلى مصدّقي النبيّ ﷺ ، وإلى فضلاء أصحابه، فإنه ﷺ ما كان يَستعمل على ذلك إلا أعلم الناس، وأعدلهم؛ لكن لجهل الأعراب بحدود اللَّه ظنّوا أن ذلك القدر الذي كانوا يأخذونه منهم هو ظلم، فقال لهم ﷺ : "أرضوا مصدّقيكم، وإن ظُلِمتم" أي على زعمكم وظنّكم، لا أنّ النبيّ ﷺ سوّغ للعمّال الظلم، وأمر الأعراب بالانقياد لذلك؛ لأنه كان يكون ذلك منه إقرارًا على منكرٍ، وإغراءً بالظلم، وذلك مُحالٌ قطعًا، وإنما سلك النبيّ ﷺ مع هؤلاء هذا الطريق، دون أن يبيّن لهم أن ذلك الذي أخذه المصدّقون ليس ظلمًا؛ لأن هذا يحتاج إلى تطويل وتقريرٍ، وقد لا يَفهَم ذلك أكثرهم. وأيضًا فَلْيَحصُل منهم الانقياد الكلّيّ بالتسليم، وترك الاعتراض الذي لا يحصل الإيمان إلا بعد حصوله، كما قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] انتهى كلام القرطبيّ (١). (قَالَ) ﷺ (أَرْضُوا مُصَدِّقِيكُمْ) قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: المصدّق الساعي، ومقصود الحديث الوَصَاية بالسُّعَاة، وطاعةِ وُلاة الأمور، وملاطفتِهِم، وجمعُ كلمة المسلمين، وصلاح ذات البين. وهذا كلّه ما لم يطلب جَوْرًا، فإذا طلب جَورًا، فلا موافقة له، ولا طاعة؛ لقوله ﷺ في حديث أنس ﵁ المتقدّم: "فمن سئلها على وجهها، فليعطها، ومن سئل فوقها، فلا يعط". قال: واختلف أصحابنا في معنى قوله ﷺ : "فلا يُعط" فقال أكثرهم: لا يُعطي الزيادة، بل يعطي الواجب. وقال بعضهم: لا يعطه شيئًا أصلاً؛ لأنه يفسق بطلب الزيادة، وينعزل، فلا يُعطَى شيئًا. واللَّه تعالى أعلم انتهى كلام النوويّ (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله الأكثرون هو الأقرب. واللَّه تعالى أعلم. (قَالُوا: وَإِنْ ظَلَمَ؟ قَالَ: "أَرْضُوا مُصَدِّقِيكُمْ) زاد في رواية لأبي داود: "وإن ظُلمتم". وفي حديث بشير ابن الْخَصَاصيّة ﵁ قال: قلنا: يا رسول اللَّه إن أهل الصدقة يعتدون علينا، أفنكتم من أموالنا بقدر ما يعتدون علينا؟ فقال: "لا". رواه أبو داود، وفي إسناده مجهول.

стр. 11833

وفي حديث جابر بن عَتِيك ﵁: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "سيأتيكم ركبٌ مُبَغّضون، فإذا جاؤوكم، فرحّبوا بهم، وخلّوا بينهم، وبين ما يَبتغون، فإن عَدَلُوا فلأنفسهم، وإن ظلموا فعليها، وأرضوهم، فإن تمام زكاتكم رضاهم، وليدعوا لكم". رواه أبو داود أيضًا، وفي إسناده مجهول أيضًا (١). (ثُمَّ قَالُوا: وَإِنْ ظَلَمَ؟ قَالَ: "أَرْضُوا مُصَدِّقِيكمْ"، قَالَ: جَرِيرٌ) بن عبد اللَّه ﵁ (فَمَا صَدَرَ عَنيِّ مُصَدِّقٌ) أي ما رجع من عندي سَاعٍ. يقال: صدَرَ عن الموضع صَدْرًا، من باب قتل: إذا رجع، قال الشاعر [من البسيط]: وَلَيلَةٍ قَدْ جَعَلْتُ الصُّبْحَ مَوْعِدَهَا … صَدْرَ الْمَطِيَّةِ حَتَّى تَعْرِفَ السَّدَفَا (٢) (مُنْذُ سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، إِلاَّ وَهُوَ رَاضٍ) يعني أنه ما رجع من عنده ساعٍ بعد سماعه هذا الحديث من رسول اللَّه ﷺ إلا وهو راضٍ عنه؛ لكونه أعطاه ما طلب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث جرير ﵁ هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١٤/ ٢٤٦٠ و ٢٤٦١ - وفي "الكبرى" ١٥/ ٢٢٤٠ و ٢٢٤١. وأخرجه (م) في "الزكاة" ٩٨٩ (د) في "الزكاة" ١٥٨٩ (ت) في "الزكاة" ٦٤٧ (ق) في "الزكاة" ١٨٠٢ (أحمد) في "مسند الكوفيين" ١٨٧٢٤ (الدارميّ) ١٦٦٠. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما بوّب له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم ما إذا جاوز الساعي في الصدقة القدرَ الواجبَ، وهو أنه يجب إرضاؤه، وقد تقدّم الجمع بينه وبين حديث أنس ﵁: "ومن سئل فوقها، فلا يعط" أولَ الباب، فتنبّه. (ومنها): أن الإنسان مجبول على الحرص في ماله، ولذا يَظُنّ أحيانًا المصدّق ظالمًا له، ولهذا أمر النبيّ ﷺ بإرضاء المصدّق، لأنه لا يظلم، حيث إنه ﷺ لا يرسل إلا العالم الورع، ومع ذلك يوصيه بتوقّي كرائم أموال الناس، وإنما حِرْصُ صاحب المال

стр. 11834

يحمله على اتهامه بذلك (ومنها): بيان فضل جرير بن عبد اللَّه، بل وسائر الصحابة ﵃ حيث إنهم إذا سمعوا من النبيّ ﷺ أمرًا بادروا إلى امتثاله، واستمرّوا عليه حتى يموتوا، وذلك لصدق إيمانهم، وكمال محبّتهم للَّه تعالى، ولرسوله ﷺ . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٤٦١ - (أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ -هُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ- قَالَ: أَنْبَأَنَا دَاوُدُ, عَنِ الشَّعْبِيِّ, قَالَ: قَالَ: جَرِيرٌ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا أَتَاكُمُ الْمُصَدِّقُ, فَلْيَصْدُرْ, وَهُوَ عَنْكُمْ رَاضٍ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و"زياد بن أيوب": هو المعروف بدَلُّويه. و"داود": هو ابن أبي هند. والحديث أخرجه مسلم، كما تقدّم بيانه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٥ - (بَابُ إِعْطَاءِ السَّيِّدِ الْمَالَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِ الْمُصَدِّقِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: المراد بـ"السيّد" صاحب المال، و"المالَ" منصوب على أنه مفعول أولُ و"إعطاء"، والثاني محذوف، أي المصدّقَ"، وإضافة "إعطاء" إلى "السيّد" من إضافة المصدر إلى فاعله. وفي "الكبرى" "باب إعطاء سيّد المالِ"، وعليه فـ "المالِ" مجرور بإضافة "سيّد" إليه. وغرض المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بهذا أن المالك إذا أعطى من خيار ماله باختياره، من غير أن يَطلب المصَدِّق منه ذلك جاز؛ لأن النهي عن أخذ خيار المال كان لحقّ المالك، فإذا ترك حقّه، وآثر جزيل الأجر، وعظيم الثواب بإعطاء خيار ماله، قبل منه ذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٤٦٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ, قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ إِسْحَاقَ, عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي سُفْيَانَ, عَنْ مُسْلِمِ بْنِ ثَفِنَةَ, قَالَ: اسْتَعْمَلَ ابْنُ عَلْقَمَةَ

стр. 11835

أَبِي, عَلَى عِرَافَةِ قَوْمِهِ, وَأَمَرَهُ أَنْ يُصَدِّقَهُمْ, فَبَعَثَنِي أَبِي, إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ, لآتِيَهُ بِصَدَقَتِهِمْ, فَخَرَجْتُ, حَتَّى أَتَيْتُ عَلَى شَيْخٍ كَبِيرٍ, يُقَالُ لَهُ: سَعْرٌ, فَقُلْتُ: إِنَّ أَبِي بَعَثَنِي إِلَيْكَ, لِتُؤَدِّيَ صَدَقَةَ غَنَمِكَ, قَالَ: ابْنَ أَخِي, وَأَيُّ نَحْوٍ تَأْخُذُونَ, قُلْتُ: نَخْتَارُ, حَتَّى إِنَّا لَنَشْبُرُ ضُرُوعَ الْغَنَمِ, قَالَ: ابْنَ أَخِي, فَإِنِّي أُحَدِّثُكَ, أَنِّي كُنْتُ فِي شِعْبٍ مِنْ هَذِهِ الشِّعَابِ, عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فِي غَنَمٍ لِي, فَجَاءَنِي رَجُلَانِ, عَلَى بَعِيرٍ, فَقَالَا: إِنَّا رَسُولَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَيْكَ, لِتُؤَدِّيَ صَدَقَةَ غَنَمِكَ, قَالَ: قُلْتُ: وَمَا عَلَيَّ فِيهَا؟ قَالَا: شَاةٌ, فَأَعْمِدُ إِلَى شَاةٍ, قَدْ عَرَفْتُ مَكَانَهَا, مُمْتَلِئَةً مَحْضًا, وَشَحْمًا, فَأَخْرَجْتُهَا إِلَيْهِمَا, فَقَالَ: هَذِهِ الشَّافِعُ - وَالشَّافِعُ الْحَائِلُ- وَقَدْ نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , أَنْ نَأْخُذَ شَافِعًا, قَالَ (١): فَأَعْمِدُ إِلَى عَنَاقٍ مُعْتَاطٍ, وَالْمُعْتَاطُ الَّتِي لَمْ تَلِدْ وَلَدًا, وَقَدْ حَانَ وِلَادُهَا, فَأَخْرَجْتُهَا إِلَيْهِمَا, فَقَالَا: نَاوِلْنَاهَا, فَرَفَعْتُهَا إِلَيْهِمَا, فَجَعَلَاهَا مَعَهُمَا, عَلَى بَعِيرِهِمَا, ثُمَّ انْطَلَقَا). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن عبد اللَّه بن المبارك) المخرِّمي، أبو جعفر البغدادي، ثقة حافظ [١١] ٤٣/ ٥٠. ٢ - (وكيع) بن الجزاح الحافظ الحجة الكوفي [٩] ٢٣/ ٢٥. ٣ - (زكريا بن إسحاق) المكي، ثقة رمي بالقدر [٦] ٦٠/ ٨٦٥. ٤ - (عمرو بن أبي سفيان) بن عبد الرحمن بن صفوان بن أمية الجمحيّ المكي، ثقة [٥]. قال عبد اللَّه بن شُعيب الصابونيّ، عن يحيى بن معين: حنظلة بن أبي سفيان، وعمرو بن أبي سفيان جمحيّان ثقتان. وقال أبو حاتم: مستقيم الحديث، أُراه أخا حنظلة. وقال النسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، وأبو داود، والترمذيّ، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٥ - (مسلم بن ثَفِنَة) ويقال: ابن شعبة، وهو أصحّ، البكريّ، ويقال: اليشكريّ، حجازيّ، مقبول [٣]. روى عن سَعْرٍ الدُّؤَليّ. وعنه عمرو بن أبي سفيان الْجُمَحِيّ. قال وكيعٌ عن زكريّا بن إسحاق، عن عمرو بن أبي سفيان، عن ابن ثَفِنَة. وقال رَوْح بن عُبَادة، وغير واحد، عن زكريّا، عن عمرو، عن مسلم بن شعبة. قال أحمد بن حنبل: أخطأ فيه وكيعٌ، قال بشر بن السريّ، متعجّبًا من قول وكيع: هؤلاء وُلْدُهُ ههنا -يعني بمكة. وقال البخاريّ:

стр. 11836

قال وكيعٌ: مسلم بن ثَفِنة، ولا يصحّ. وقال النسائيّ (١): لا أعلم أحدًا تابع وكيعًا على قوله: ابن ثفنة. وقال الدارقطنيّ: وَهِمَ وكيعٌ، والصواب مسلم بن شعبة. قال الذهبيّ: لا يُعرف. قال الحافظ: كذا قال، وحكاية أحمد عن بشر تدلّ على شهرته، وفي سياق حديثه عند أحمد وغيره أنه كان عَريف قومه، ولفضله استعمله ابن علقمة على عِرَافة قومه؛ لِيُصَدِّقَهم، كما قال ابنه: فبعثني أبي لآتيه بصدقتهم. انتهى. انفرد به أبو داود، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٦ - (سَعْر) -بفتح أوله، وآخره راء- ابن سَوَادة، أو ابن دَيْسَم العامريّ الكنانيّ، ويقال: الدُّؤَليّ، قدم الشام تاجرًا في الجاهلية، وأسلم. وروى عن مصدِّقَين للنبيّ ﷺ . وعنه ابنه جابر، ومسلم بن شعبة، وأبو عُتْوَارة الخفاجيّ. قال الدارقطنيّ: له صحبة. وذكره ابن حبّان في "الصحابة" أيضًا (٢). وقال في "ت": مخضرم وقيل: له صحبة. انتهى. انفرد به أبو داود، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها) أنه مسلسل بالمكيين من زكريا. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعي وصحابي عن صحابيين، إن ثبتت صحبة سعر، وإلا ففيه ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ مُسْلِمِ بْنِ ثَفِنَةَ) تقدّم أن الصواب: ابن شعبة (قَالَ: اسْتَعْمَلَ ابْنُ عَلْقَمَةَ) بالرفع على الفاعلية، وهو نافع ابن علقمة بن صفوان الكنانيّ، كان عبدُ الملك بن مروان أمّره على مكّة، وهو خال مروان والدِ عبد الملك، فإن أمَّ مروان هي أم عثمان آمنة بنت علقمة بن صفوان المذكور. قاله في "الإصابة" (٣) (أَبِيِ) مفعول "استعمل" (عَلَى عِرَافَةِ قَوْمِهِ) -بكسر العين المهملة- و"العَرِيف" القائم بأمور القبيلة، أو الجماعة من الناس، يتولى أمورهم، ويتبيّن الأمير منه أحوالهم. قال الفيّوميّ -رحمه اللَّه تعالى-: يقال: عَرَفت على القوم أَعرُفُ، من باب قتل، عِرَافةً، فأنا عارف: أي مدبر أمرهم، وقائم بسياستهم. وعَرُفتُ عليهم بالضمّ لغة، فأنا عريفٌ، والجمع عُرَفَاء. قيل: العَريفُ يكون على نَفِير، والْمَنْكِبُ يكون على خمسة

стр. 11837

عرفاء، ونحوها، ثم الأمير فوق هؤلاء انتهى (١). (وَأَمَرَهُ أَنْ يُصَدِّقَهُمْ) أي يأخذ زكاة أموالهم. قال مسلم بن شعبة (فَبَعَثَنِي أَبِي، إِلَى طَائِفَةِ مِنْهُمْ، لِآتِيَهُ بصَدَقَتِهِمْ، فَخَرَجْتُ، حَتَّى أَتَيْتُ عَلَى شَيْخٍ كَبِيرٍ، يُقَالُ لَهُ: سَعْرٌ) - بفتح السين، وسكَون العين المهملتين، آخره راء مهملة-كما في "الإصابة"، و"التقريب"، وضبطه بعضهم بكسر السين- ابن سَوَادة، أو ابن دَيسَم. ووقع في "شرح السنديّ" "سعد" بالدال بدل الراء، وهو تصحيف، فتنبّه. (فَقُلْتُ: إِنَّ أَبِي بَعَثَنِي إِلَيْكَ، لِتُؤَدِّيَ صَدَقَةَ غَنَمِكَ، قَالَ) سَعْرٌ (ابْنَ أَخِي) بحذف حرف النداء، أي يا ابن أخي، وسماه ابن أخيه تلطّفًا وإكرامًا (وَأَيُّ نَحْوٍ تَأْخُذُونَ) أي أيّ صنف من أصناف الغنم تأخذون؟ فـ "أيَّ" اسم استفهام بالنصب على أنه مفعول مقدم وجوبًا لـ "تأخذون"، ويحتمل الرفع على الابتداء وجملة "تأخذون" بحذف العائد خبره أي تأخذونه. واللَّه تعالى أعلم. (قُلْتُ: نَخْتَارُ) وفي رواية لأحمد: "نأخذ أفضل ما نجد" (حَتَّى إِنا لَنَشْبُرُ ضُرُوعَ الْغَنَمِ) أي نقيسها بالشبر؛ لنتبيّن حالها، فنعلمَ جيّدها من رديئها، من شَبَرْتُ الشيءَ، من باب قتل: قِسْتُه بالشَّبْر. وهو -بكسر، فسكون-: ما بين طرفي الخنصر والإبهام بالتفريج المعتاد، والجمع أشبار، مثلُ حِمْلٍ وأحمال. قاله في "المصباح". وفي بعض النسخ: "لنصبر" بالصاد بدل السين، والظاهر أنه تصحيف. وفي "الكبرى" "لنُشِير" بالياء بعد الشين، والظاهر أنه تصحيف أيضًا. وقال في "المنهل": وفي بعض نسخ أبي داود: "نسبر" بالسين المهملة، وضمّ الباء الموحّدة: أي نختبر، ونتعرّف، فهو من باب قتل، يقال: سبرت الشيء تعرّفته انتهى. (قَالَ) سَعْر (ابْنَ أَخِي، فَإِنِّي أُحَدِّثُكَ، أَنِّي كُنْتُ فِي شِعْبِ مِنْ هَذِهِ الشِّعَابِ) "الشعب" بكسر المعجمة، وسكون المهملة-: الطريق. وقيل: الطريق في الجبل، والَجمع شِعَاب بالكسر (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) أي في حياته (فِي غَنَم لِي) متعلّق بحال مقدر، أي حال كوني كائنًا في رعاية غنمي (فَجَاءَنِي رَجُلَانِ، عَلَى بَعِيرٍ) أي حال كونهما راكبين على بعير (فَقَالَا: إِنَّا رَسُولَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَيْكَ، لِتُؤَدِّيَ صَدَقَةَ غَنَمِكَ، قَالَ: قُلْتُ: وَمَا عَلَيَّ فِيهَا؟) أي أيّ شيء يجب عليّ في غنمي (قَالَا: شَاةٌ) والظاهر أن غنمه لا تزيد على مائتين (فَأَعْمِدُ إِلَى شَاةٍ) المضارع هنا بمعنى الماضي، أي فَعَمَدتُ: أي قصدت إلى شاة. وانما عبّر بالمضارع استحضارًا للصورة الماضية. ولفظ أبي داود: "فعمدت إلى شاة". (قَدْ عَرَفْتُ مَكَانَهَا) أي محلّها من الجودة، كما بين ذلك بقوله (مُمْتَلِئَةٍ مَحْضًا) أي

стр. 11838

لبنًا خالصًا، فالمحض بالحاء المهملة، والضاد المعجمة: اللبن الخالص (وَشَحْمًا، فَأَخْرَجْتُهَا إِلَيْهِمَا، فَقَالَا) هكذا في النسخة "الهندية"، و"الكبرى" بضمير التثنية، ووقع في النسخ المطبوعة من "المجتبى": "فقال"، وله وجه صحيح، أي قال كلٌّ من الرجلين (هَذِهِ الشَّافِعُ) يعني التي معها ولدها، سميت به لأن ولدها شَفَعَها، وشَفَعَتْهُ هي، فصارت شفعًا. وقيل: الشافع هي الحامل التي يتبعها ولدها، يقال: شاة شافعٌ إذا كان في بطنها ولدها، ويتبعها ولد آخر. أفاده ابن الأثير (١). والمعنى الأول هو الذي بيّنه بعض الرواة مفسّرًا بقوله (وَالشَّافِعُ الْحَائِلُ) أي غير الحامل، وقال في "اللسان": وناقةٌ حائلٌ: حُمل عليها فلم تَلْقَحْ. وقيل: هي الناقة التي لم تحَمِل سنةً، أو سنتين، أو سنوات. وكذلك كلّ حامل ينقطع عنها الحمل سنة، أو سنوات حتى تحمل، والجمع حِيَالٌ، وحُولٌ، وحُوَّلٌ، وحُولَلٌ، والأخير اسم للجمع انتهى. (وَقَدْ نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَنْ نَأْخُذَ شَافِعًا) زاد في رواية أبي داود: "قلت: فأيَّ شيء تأخذان؟ قالا: عناقًا جَذَعَة، أو ثَنِيّةً". و"العَنَاقُ": -بفتح المهملة، بعدها نون- هي الأنثى من ولد المعز، لم يتمّ لها سنة. و"الْجَذَعُ"-بفتحتين- ما ألقى مقدّم أسنانه، وقد يكون ذلك لسنتين، أو دونها. قال في "المصباح" نقلاً عن ابن الأعرابي: العناق تُجذِع لسنة، وربّما أجذعت قبل تمامها للخِصْب، فتَسمَن، فيُسرع إجذاعها، فهي جَذَعَة، ومن الضأن إذا كان من شابّين يُجذِع لستة أشهر إلى سبعة، وإذا كان من هَرِمَين أجذع من ثمانية إلى عشرة انتهى. وقوله: "أو ثنيّة" عطف على "عناق". و"الثنيّ" من الضأن والمعز ما له سنة. (قَالَ) سَعْرٌ (فَأَعْمِدُ) ولفظ أبي داود: "فعمدت" (إِلَى عَنَاقٍ، مُعْتَاطٍ) -بضم الميم، بصيغة اسم الفاعل، كالمختار، وهي التي فسّرها الراوي بقوله (وَالْمُعْتَاطُ التِي لَمْ تَلِدْ وَلَدًا، وَقَدْ حَانَ وِلَادُهَا) أي وقد قرُب أوان ولادتها. قال ابن الأثير: "المعتاط" من الغنم التي امتنعت عن الحمل لِسِمَنها، وكثرة شحمها. وهي في الإبل التي لا تحمل سنوات من غير عُقْر، يقال للناقة إذا طرقها الفحل، فلم تحمل. وقد اعتاطت اعتياطًا، فهي مُعتاطٌ. قال: وأصلها من الياء أو الواو، والميم والتاء زائدتان. قال: والذي في سياق الحديث أن المعتاط التي لم تلد، وقد حان ولادها. وهذا بخلاف ما تقدّم، إلا أن يريد بالولاد الحملَ، أي أنها لم تحمل، وقد حان أن تحمل، وذلك من حيث معرفةُ

стр. 11839

سنّها، وأنها قد قاربت السن التي يَحمِلُ مثلُها فيها، فَسَمَّى الحملَ بالولادة. انتهى (١). (فَأَخْرَجْتُهَا إِلَيْهِمَا، فَقَالَا: نَاوِلْنَاهَا) أي ارفعها إلينا على البعير حتى نحملها (فَرَفَعْتُهَا إِلَيْهِمَا، فَجَعَلَاهَا مَعَهُمَا عَلَى بَعِيرِهِمَا، ثُمَّ انْطَلَقَا) غَرَض سَعْر من سوق هذه القصّة بيان أن خيار المال لا يجب دفعها في الزكاة، وإنما الواجب هو الوسط، كما أشار إليه بالعناق المعتاط. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث سعر بن سوادة، عن مُصَدِّقي النبيّ ﷺ هذا ضعيف؛ لجهالة مسلم بن ثَفِنَة، أو -ابن شعبة-كما تقدّم. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١٥/ ٢٤٦٢ و ٢٤٦٣ - وفي "الكبرى" ١٦/ ٢٢٤٢ و ٢٢٤٣. وأخرجه (د) في "الزكاة" ١٥٨١ (أحمد) في "مسند المكيين" ١٥٠٠٠ و ١٥٠٠١. واللَّه تعالى أعلمِ بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٤٦٣ - (أَخْبَرَنَا (٢) هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ إِسْحَاقَ, قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي سُفْيَانَ, قَالَ: حَدَّثَنِي مُسْلِمُ بْنُ شُعْبَةَ, أَنَّ ابْنَ عَلْقَمَةَ, اسْتَعْمَلَ أَبَاهُ عَلَى صَدَقَةِ قَوْمِهِ … وَسَاقَ الْحَدِيثَ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أن هذا الإسناد ساقه المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- بعد الإسناد الأول لبيان الاختلاف في اسم أبي مسلم، فقد سماه وكيع ثَفِنَة، كما في الإسناد السابق، وهو خطأ، لمخالفته الجماعة، فقد سماه رَوْحٌ، وأبو عاصم، وبِشْرُ بن السَّرِيّ فقالوا: "مسلم بن شعبة"، وهو الصواب. فما وقع في نسخ "المجتبى" هنا في هذا السند من قوله: "مسلم بن ثفنة" فإنه تصحيف بلا شكّ، لأن روحًا لم يقل: "ابن ثفنة" أصلاً، بل تفرّد به وكيع، فقال: "مسلم بن ثَفِنَة"، وقد تقدّم أن المصنّف قال: لا أعلم أحدًا تابع وكيعًا على قوله: "ابن ثَفِنة"، فلا يمكن أن يذكر هنا رَوْحًا ممن قال: "ابن ثَفِنَة". راجع "تهذيب الكمال" جـ١٠ ص ٣٢٦ وج ٢٧ ص ٤٥٣ - ٤٥٤. و"تهذيب التهذيب" ج ٤ ص ٦٥ - ٦٦. والحاصل أن رَوْح بن عُبَادة إنما قال: "مسلم بن شعبة"، لا مسلم بن ثفنة، فتنبّه.

стр. 11840

وقوله: "وساق الحديث" الضمير لروح: أي ساق روح الحديث كما ساقه وكيع. ويحتمل أن يكون الضمير لهارون: أي ساق هارون الحديث كما ساقه محمد بن عبد اللَّه بن المبارك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٤٦٤ - (أَخْبَرَنِي (١) عِمْرَانُ بْنُ بَكَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ, قَالَ: حَدَّثَنِي (٢) أَبُو الزِّنَادِ, مِمَّا حَدَّثَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجُ, مِمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ, قَالَ: وَقَالَ عُمَرُ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِصَدَقَةٍ, فَقِيلَ: مَنَعَ ابْنُ جَمِيلٍ, وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ, وَعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ, إِلاَّ أَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا, فَأَغْنَاهُ اللَّهُ, وَأَمَّا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ, فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا, قَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ, وَأَعْتُدَهُ, فِي سَبِيلِ اللَّهِ, وَأَمَّا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ, عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَهِيَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ, وَمِثْلُهَا مَعَهَا»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عمران بن بكّار) المدنيّ، نزيل الإسكندريّة، ثقة [١١] ٨/ ١٥٤١. من أفراد المصنف. ٢ - (عليّ بن عياش) الألهانيّ الحمصيّ ثقة ثبت [٩] ١٢٣/ ١٨٢. ٣ - (شعيب) بن أبي حمزة الحمصي، ثقة عابد [٧] ٦٩/ ٨٥. ٤ - (أبو الزناد) عبد اللَّه بن ذكوان المدنيّ، ثقة فقيه [٥] ٧/ ٧. ٥ - (عبد الرحمن الأعرج) ابن هرمز المدني، ثقة ثبت [٣] ٧/ ٧. ٦ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنين غير علي، وشعيب، فحمصيان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، وفيه أبو هريرة ﵁ أكثر من روى الحديث في دهره. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث عن شعيب بن أبي حمزة الحمصيّ، أنه قال (حَدَّثَنِي أَبُو الزِّنَادِ) عبد اللَّه بن ذكوان (مِمَّا حَدَّثَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ) متعلّق بحال مقدّر، أي حال كون هذا الحديث من جملة

стр. 11841

الأحاديث التي حدّثه بها عبد الرحمن بن هرمز الأعرج (مِمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ) أي من جملة الأحاديث التي ذكر عبد الرحمن الأعرج، أنه سمع أبا هريرة ﵁ يحدّث بها (قَالَ) أبو هريرة ﵁ (وَقَالَ عُمَرُ) بن الخطاب ﵁. هكذا في رواية المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بزيادة عمر في السند. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- في "الفتح": والمحفوظ أنه من مسند أبي هريرة، وإنما جرى لعمر فيه ذكرٌ فقط انتهى (١). وسيأتي التنبيه من المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- على هذا في الرواية التالية، إن شاء اللَّه تعالى. (أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِصَدَقَةٍ) وفي رواية مسلم من طريق وَرْقَاء، عن أبي الزناد: "بعث رسول اللَّه ﷺ عُمر ساعيًا على الصدقة". وهو مشعر بأنه صدقة الفرض؛ لأن صدقة التطوّع لا يُبعَث عليها السُّعَاةُ. وهذا هو الصحيح المشهور، نقله القرطبيّ عن الجمهور. وقال ابن القصّار المالكيّ: الأليق أنها صدقة التطوّع؛ لأنه لا يُظنّ بهؤلاء الصحابة أنهم منعوا الفرض. وتُعُقب بأنهم ما منعوه كلهم جحدًا، ولا عنادًا، أما ابن جميل، فقد قيل: إنه كان منافقًا، ثم تاب بعد ذلك. كذا حكاه المهلّب، وجزم القاضي حسين في "تعليقه" أن فيه نزلت: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ الآية [التوبة: ٧٥]. انتهى. والمشهور أنها نزلت في ثعلبة. وأما خالد، فكان متأوّلًا بإجزاء ما حبسه عن الزكاة، وكذلك العبّاس؛ لاعتقاده ما سيأتي التصريح به، ولهذا عَذَر النبيّ ﷺ خالدًا والعبّاس؛ ولم يعذر ابن جميل. وقال ابن الملقّن -رحمه اللَّه تعالى-: ويبعد أن يراد بها صدقة التطوّع لوجوه: (أحدها): أن المتبادر إلى الذهن خلافه. (ثانيها): أنه ﷺ إنما كان يبعث في الزكاة المفروضة، على ما نُقل. (ثالثها): قوله: "وأما العبّاس فهي عليّ"، و"عليّ" من ألفاظ الوجوب انتهى (٢). (فَقِيلَ: مَنَعَ ابْنُ جَمِيلٍ) قائل ذلك عمر، كما سيأتي في حديث ابن عباس ﵄ في الكلام على قصّة العباس. ووقع في رواية ابن أبي الزناد عند أبي عُبيد: "فقال بعض من يَلْمِز" أي يَعيب. وابن جميل قال الحافظ: لم أقف على اسمه في كتب الحديث. لكن وقع في تعليق القاضي الحسين المروزيّ الشافعيّ، وتبعه الرويانيّ أن اسمه "عبد اللَّه". ووقع في شرح الشيخ سراج الدين ابن الملقّن أن ابن بزيزة سمّاه "حميدًا"، ولم أر ذلك في كتاب

стр. 11842

ابن بزيزة. ووقع في رواية ابن جريج "أبو جهم بن حذيفة" بدل ابن جميل، وهو خطأ؛ لإطباق الجميع على "ابن جميل"، وقول الأكثر: إنه كان أنصاريًا، وأبو جهم بن حذيفة، قرشي، فافترقا. وذكر بعض المتأخرين أن أبا عبيد ذكر في "شرح الأمثال" له أنه "أبو جهم بن جميل". (وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ) بن المغيرة بن عبد اللَّه بن عُمر بن مخزوم، سيف اللَّه، يكنى أبا سليمان، من كبار الصحابة، وكان إسلامه بين الحديبية والفتح، وكان أميرًا على قتال أهل الرّدَة وغيرها من الفتوح، إلى أن مات سنة (٢١ هـ) أو بعدها (وَعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) بن هاشم، عم النبيّ ﷺ توفّي سنة (٣٢) أو بعدها، وهو ابن (٨٨) سنة (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ) -بفتح القاف وكسرها- أي ما يعيب، أو ما يُنكر، أو ما يَكرَه. يقال: نَقَمت عليه أمره، ونَقَمتُ منه نَقْمًا، من باب ضرب، ونُقُومًا، ونَقِمْتُ أَنقَمُ، من باب تَعِبَ لغةٌ: إذا عِبْتَه، وكرِهته أشدّ الكراهة لسوء فعله، وفي التنزيل: ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا﴾ [الأعراف: ١٢٦] على اللغة الأولى: أي ما تطعَنُ فينا، وتَقْدَحُ. وقيل: ليس لنا عندك ذنب، ولا ركِبنَا مكروهًا. قاله في "المصباح". وفي "اللسان": نَقِمْتُ الأمرَ بالكسرِ، ونَقَمْتُهُ: إذا كِرَهْتَهُ. وقال أيضًا: معنى نقمتُ بالغتُ في كراهته. انتهى. وقال الإمام ابن الملقّن -رحمه اللَّه تعالى-: واختُلف في معناه على ثلاثة أقوال: (أحدها): يُنكِر. (وثانيها): يَكرَه. (وثالثها): يَعيب. وقد فُسر قوله تعالى: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا﴾ الآية [المائدة: ٥٩] بـ"يكرهون" و"ينكرون". فإن فسّرناه بـ "ينكر" فإن معناه: أنه لا عُذر له في المنع إذ لم يكن موجبه إلا أن كان فقيرًا، فأغناه اللَّه، وذلك ليس بموجب له، فلا موجب البتّة، وهذا من وادي قوله [من الطويل]: وَلَا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَن سُيُوفَهُمْ … بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ فيقصدون النفي على سبيل المبالغة في الإثبات، إذ المعنى أنه لم يكن لهم عيبٌ إلا هذا، وهذا ليس بعيبٍ، فلا عيب فيهم البتّة، وكذلك المعنى هنا إذا لم يُنكر ابن جميل إلا كون اللَّه أغناه بعد فقره، فلم ينكر مُنكَرًا أصلاً، فلا عذر له في المنع. وكذلك إن فسّرناه بـ "يَكره"، أي ما يكره إخراج الزكاة على ما تقدّم. ويقال: نقم الإنسان: إذا جعله مؤديًا إلى كفره النعمة، فالمعنى أن غناه أدّاه إلى كفر نعمة اللَّه تعالى بالمنع، فما ينقم، أي ما يكره إلا أن يكفر النعمة. وأما تفسيره بـ "يَعِيبُ"

стр. 11843

ففيه بُعْدٌ انتهى كلام ابن الملقّن (١). (إِلاَّ أَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا، فَأَغْنَاهُ اللَّهُ) زاد في رواية البخاريّ: "ورسوله". قال في "الفتح": إنما ذكر رسول اللَّه ﷺ نفسه لأنه كان سببًا لدخوله في الإسلام، فأصبح غنيا بعد فقره بما أفاء اللَّه على رسوله ﷺ ، وأباح لأمته من الغنائم. وهذا السياق من باب تأكيد المدح بما يُشبه الذّمّ؛ لأنه إذا لم يكن له عذرٌ إلا ما ذُكر من أن اللَّه أغناه، فلا عُذر له، وفيه التعريض بكفران النعم، والتقريع بسوء الصنيع في مقابلة الإحسان. انتهى (٢). (وَأَمَّا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا) الخطاب للعمّال على الصدقة حيث لم يحتسبوا له بما أنفق في الجهاد من الجند والْعُدّة؛ لأنهم طلبوا منه زكاة أعتاده ظنّا منهم أنها للتجارة، وأن الزكاة فيها واجبة، فقال لهم: لا زكاة لكم عليّ، فقالوا للنّبيّ ﷺ : إن خالدًا منع الزكاة، فقال: "إنكم تظلمون خالدًا"؛ لأنه حبسها، ووقفها في سبيل اللَّه قبل الحول عليها، ولا زكاة فيها. قاله النوويّ في "شرحه". (٣). ويحتمل أن يكون المراد لو وجبت عليه زكاةٌ لأعطاها، ولم يَشحّ بها؛ لأنه قد وقف أمواله للَّه تعالى متبرّعًا، فكيف يشحّ بواجب عليه. ويحتمل أنه لم يقفها، بل رفع يده عنها، وخلّى بينها وبين الناس في سبيل اللَّه؛ لا أنه احتبسها وقفًا على التأبيد؛ لأنه صرفها مصرفها حيث تعينّت للجهاد، وقد جعل اللَّه للجهاد حظّا من الزكاة، فرأى صرفها فيه، فاشترى بها ما يصلح له، كما يفعله الإمام، فلما تحقّق النبيّ ﷺ ذلك، قال: "إنكم تظلمون خالدًا"، فإنه صرفها مصرفها، وأجاز له ذلك. وبه جزم القرطبيّ في "شرحه" (٤). وقيل: يجوز أن يكون ﷺ أجاز لخالد أن يحتسب ما حبسه من ذلك فيما يجب عليه من الزكاة؛ لأنه في سبيل اللَّه. حكاه القاضي عياض (٥). (قَدِ احْتَبَسَ) أي وقف، ويحتمل أن يكون معناه إبانة اليد عن الملك للَّه تعالى كما يفعل المهدي لبيت اللَّه تعالى فيها بالتخلية بينها وبين مستحقيها. قال الأصبهانيّ: واحتبس لغة في حبس (٦) (أَدْرَاعَهُ) جمع درع، ويكون من الحديد وغيره (وَأَعْتُدَهُ فِي

стр. 11844

سَبِيلِ اللَّهِ) "الأَعتُدُ" -بضمّ المثنّاة، جمع عَتَدَ -بفتحتين- ووقع في رواية مسلم: "أعتاده" وهو جمعه أيضًا. قيل: هو ما يُعِدُّه الرجل من الدوابّ، والسلاح. وقيل: الخيل خاصّة، يقال: فرسٌ عَتِيد، أي صَلْبٌ، أو مُعَدٌّ للركوب، أو سَريع الوثوب، أقوال. وقيل: إن لبعض رواة البخاريّ: "وأعبده" -بالموحّدة- جمع "عبد"، حكاه عياض، والأول هو المشهور. قاله في "الفتح" (١). وقال الإمام ابن الملَقّن -رحمه اللَّه تعالى-: هذه اللفظة رُويت على أوجه: (أحدها): "أعتاده"، وأنكره بعضهم، وهي ثابتة في "صحيح مسلم". (ثانيها): "أعتُده" بالتاء المثنّاة فوق. وحكى الدارقطنيّ أن أحمد بن حنبل قال: أخطأ عليّ بن حفص في هذا، وصَحَّفَ، وإنما هو "أعبُده" يعني بالباء الموحّدة. وقال عبد الحقّ في "الجمع بين الصحيحين": وقع في رواية للبخاريّ: "وأعبده"، والصحيح "وأعتُده" بالتاء المثنّاة فوقُ. قال ابن الملقّن: وهي "الأعتاد" جمع قلّة لعَتَد بفتح العين والتاء، وهو الفرس الصَّلْب. وقيل: الْمُعَدّ للركوب. وقيل: السريع الوَثْبِ. وقال الهرويّ والخطّابيّ: هو ما أعدّه الرجل من سلاح، وآلة، ومركوب للجهاد، وبه جزم الشيخ تقيّ الدين، وعزاه النوويّ إلى أهل اللغة، ولم يذكر غيره. (ثالثها): "عَتَاده" ويُجمَع على "أعتد" بكسر التاء وضمّها. (رابعها): "أعبده" بالباء الموحّدة، جمع قلّة للعبد، وهو الحيوان العاقل، هذا هو الظاهر. قال: وروي "فقد احتبس رقيقه ودوابّه". وروي "عقاره" بالقاف والراء، وهو الأرض، والضياع، والنخل، ومتاع البيت. انتهى كلام ابن الملقّن باختصار (٢). (وَأَمَّا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِب، عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَهِيَ عَلَيْهِ) وفي نسخة: "عليّ" (صَدَقَةٌ، وَمِثلُهَا مَعَهَا") قال فيَ "الفتح": كذا في رواية شعيب، ولم يقل ورقاء، ولا موسى بن عُقبة: "صدقة". فعلى الرواية الأولى يكون ﷺ ألزمه بتضعيف صدقته؛ ليكون أرفع لقدره، وأَنْبَهَ لذكره، وأنفى للذّمّ عنه. فالمعنى فهي صدقة ثابتة عليه سيتصدّق بها، ويُضيف إليها مثلها كَرَمًا. ودلّت رواية مسلم على أنه ﷺ التزم بإخراج ذلك عنه لقوله: "فهي عليّ"، وفيه تنبيه على سبب ذلك، وهو قوله: "إن العمّ صنو الأب"، تفضيلاً له، وتشريفًا.

стр. 11845

ويحتمل أن يكون تحمّل عنه بها، فيُستفاد منه أن الزكاة تتعلّق بالذمّة، كما هو أحد قولي الشافعيّ. وجمع بعضهم بين رواية "عليّ" ورواية "عليه" بأن الأصل رواية "عليّ"، ورواية "عليه" مثلها إلا أن فيها زيادة هاء السكت. حكاه ابن الجوزيّ، عن ابن ناصر. وقيل: معنى "عليّ" أي هي عندي قرض؛ لأنني استسلفت منه صدقة عامين. وقد ورد ذلك صريحًا فيما أخرجه الترمذيّ وغيره من حديث عليّ، وفي إسناده مقال. وفي الدارقطنيّ من طريق موسى بن طلحة: أن النبيّ ﷺ قال: "إنا كنا احتجنا، فتعجّلنا من العبّاس صدقة ماله سنتين". وهذا مرسل. وروى الدارقطنيّ أيضًا موصولاً بذكر طلحة فيه، وإسناد المرسل أصحّ. وفي الدارقطنيّ أيضًا من حديث ابن عبّاس ﵄: أن النبيّ ﷺ بعث عمر ساعيًا، فأتى العبّاسَ، فأغلظ له، فأخبر النبيَّ ﷺ ، فقال: "إن العبّاس قد أسلَفَنا زكاة ماله العام، والعام المقبل". وفي إسناده ضعف. وأخرجه أيضًا هو، والطبرانيّ من حديث أبي رافع ﵁ نحو هذا. وإسناده ضعيف أيضًا. ومن حديث ابن مسعود ﵁: "أن النبيّ ﷺ تعجّل من العباس صدقة سنتين". وفي إسناده محمد بن ذكوان، وهو ضعيف. ولو ثبت لكان رافعًا للإشكال، ولرجّح به سياق رواية مسلم على بقيّة الروايات، وفيه ردّ لقول من قال: إنّ قصّة التعجيل إنما وردت في وقت غير الوقت الذي بعث فيه عمر لأخذ الصدقة. قال الحافظ: وليس ثبوت هذه القصّة في تعجيل صدقة العباس ببعيد في النظر بمجموع هذه الطرق. واللَّه أعلم. وقيل: المعنى استسلف منه قدر صدقة عامين، فأمر أن يُقاصّ به من ذلك. واستُبعد ذلك بأنه لو كان وقع لكان ﷺ أعلم عمرَ بأنه لا يطالب العباس. وليس ببعيد. وَمَعْنَى "عليه" على التأويل الأول: أي لازمة له، وليس معناه أنه يقبضها؛ لأن الصدقة عليه حرام؛ لكونه من بني هاشم. ومنهم من حمل رواية الباب على ظاهرها، فقال: كان ذلك قبل تحريم الصدقة على بني هاشم. ويؤيّده رواية موسى بن عُقبة، عن أبي الزناد، عند ابن خُزيمة بلفظ: "فهي له"، بدل "عليه". وقال البيهقيّ: اللام هنا بمعنى "على"؛ لتتّفق الروايات. قال الحافظ: وهذا أولى؛ لأن المخرج واحد، وإليه مال ابن حبّان. وقيل: معناها فهي له، أي القدر الذي كان يُراد منه أن يُخرجه لأنني التزمت عنه بإخراجه. وقيل: إنه أخّرها عنه ذلك العام إلى عام قابل، فيكون عليه صدقة عامين. قاله أبو عُبيد. وقيل: إنه كان استدان حين فادى عَقيلاً وغيره، فصار من جملة الغارمين، فساغ له أخذ الزكاة بهذا الاعتبار.

стр. 11846

وأبعد الأقوال كلها قول من قال: كان هذا في الوقت الذي كان فيه التأديب بالمال، فألزم العبّاس بامتناعه من أداء الزكاة بأن يؤدّي ضعف ما وجب عليه؛ لعظمة قدره، وجلالته، كما في قوله تعالى في نساء النبيّ ﷺ : ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ الآية [الأحزاب:٣٠]. وقد تقدّم بعضه في أول الكلام انتهى ما في "الفتح" (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أرجح الأقوال عندي قول من قال: إنه ﷺ ألزمه بتضعيف صدقته؛ ليكون أرفع لمنزلته، وأنبه لذكره، وأنفى للذّمّ عنه، ثم إنه ﷺ تحمّلها عنه؛ احترامًا له، ومبرّةً وإكراما، يؤيد ذلك رواية مسلم: "فهي عليّ، ومثلها معها"، ثم قال ﷺ : "يا عُمر، أما شعرت أن عمّ الرجل صِنو أبيه"، فإن في هذه الجملة إشعارًا بما ذُكر، فإن كونه صنو أبيه يناسب تحمّل ما عليه. (٢). [تنبيه]: معنى قوله ﷺ : "عم الرجل صنو أبيه" أي يرجع مع أبيه إلى أصل واحد، فيتعين إكرامه، كما يتعيّن إكرام الأب، ومنه قوله تعالى: ﴿صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾ الآية [الرعد: ٤]. وأصله في النخلتين، والثلاث، والأربع، التي ترجع إلى أصل واحد، فكلّ واحدة منهنّ صِنْوٌ، والاثنان صِنْوَانِ، والثلاث صِنْوَانٌ برفع النون، فالصنوان جمع صنو، كقنو وقنوان، وُيجمع على أصناء، كأسماء. وعن ابن الأعرابيّ: أن الصنو المثل، أي مثل أبيه، وذكر ذلك ﷺ لعمر تعظيمًا لحقّ العمّ، وهو مقتضٍ، ومناسبٌ لأن يُحمَل قوله: "هي عليّ" أنه تحمّلها عنه؛ احترامًا، ومبرّةً، وإكرامًا حتى لا يتعرّض له بطلبها أحدٌ إذا تحمّلها عنه رسول اللَّه ﷺ أفاده ابن الملقّن (٣). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا ١٥/ ٢٤٦٤ و ٢٤٦٥ - وفي "الكبرى" ١٦/ ٢٢٤٣ و ٢٢٤٤. وأخرجه (خ) في "الزكاة" ١٤٦٨ (م) في "الزكاة" ٩٨٣ (د) في "الزكاة" ١٦٣٣ (ت) في "المناقب" ٣٧٦١ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ٨٠٨٥. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 11847

(المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما بوّب ده المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو جواز إعطاء سيد المال خيار ماله من غير أن يختار المصَدّق، ووجه ذلك أنّ النبيّ ﷺ لَمّا أَخبَر أنّ العباس يدفع صدقته ومثلها معها، وتحمّل عنه ذلك، وقام بالدفع نيابةً عنه، دلّ على أن زيادة المالك في الصدقة باختياره، من غير طلب المصدّق جائز. واللَّه تعالى أعلم. (ومنها): أنه استُدلّ بقصّة خالد على جواز إخراج مال الزكاة في شراء السلاح، وغيره، من آلات الحرب، والإعانة بها في سبيل اللَّه تعالى؛ بناءً على أنه ﷺ أجاز لخالد أن يحاسب نفسه بما حبسه فيما يجب عليه، وهذه طريقة البخاريّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. وأجاب الجمهور عنه بأجوبة: (أحدها): أن المعنى أنه ﷺ لم يقبل إخبار من أخبره بمنع خالد؛ حملاً على أنه لم يصرّح بالمنع، وإنما نقلوه عنه بناءً على ما فهموه، ويكون قوله ﷺ : "تظلمونه" أي بنسبتكم إياه إلى المنع، وهو لا يمنع، وكيف يمنع الفرض، وقد تطوّع بتحبيس سلاحه، وخيله؟. (ثانيها): أنهم ظنّوا أنها للتجارة، فطالبوه بزكاة قيمتها، فأعلمهم ﷺ بأنه لا زكاة عليه فيما حبس. قال الحافظ: وهذا يحتاج لنقل خاصّ، فيكون فيه حجّة لمن أسقط الزكاة عن الأموال المحبّسة، ولمن أوجبها فى عروض التجارة. (ثالثها): أنه كان نوى بإخراها عن ملكه الزكاة عن ماله لأن أحد الأصناف سبيلُ اللَّه، وهم المجاهدون. وهذا يقوله من يُجيز إخراج القيم في الزكاة، كالحنفيّة، ومن يُجيز التعجيل، كالشافعيّة. (ومنها): استُدلّ بقصة خالد ﵁ أيضًا على مشروعيّة تحبيس الحيوان والسلاح، وأن الوقف يجوز بقاؤه تحت يد محتبسه. (ومنها): جواز إخراج العُرُوض في الزكاة، وهو مذهب الامام البخاريّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، حيث قال في "صحيحه": وقال طاوس: قال معاذ ﵁ لأهل اليمن: ائتوني بعَرْضٍ ثيابٍ، خَمِيصٍ، أو لَبِيس، في الصدقة مكان الشعير والذُّرَة، أهون عليكم، وخيرٌ لأصحَاب النبيّ ﷺ بالمدَينة. وقال النبيّ ﷺ : "وأما خالد احتبس أدراعه، وأعتده في سبيل اللَّه" انتهى. قال ابن رُشيد: وافق البخاريُّ في هذه المسألة الحنفيّةَ مع كثرة مخالفته لهم، لكن قاده إلى ذلك الدليل انتهى.

стр. 11848

قال في "الفتح": وقوله: "في الصدقة": يردّ قول من قال: إن ذلك كان في الخراج. وحكى البيهقيّ أن بعضهم قال فيه: "من الجزية" بدل الصدقة، فإن ثبت ذلك سقط الاستدلال، لكن المشهور الأول. وقد رواه ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن الثوريّ، عن إبراهيم بن ميسرة، عن طاوس: "أن معاذًا كان يأخذ العَرْض في الصدقة". وأجاب الإسماعيليّ باحتمال أن يكون المعنى ائتوني به آخذه منكم مكان الشعير والذُّرَة الذي آخذه شراءً بما آخذه، فيكون بقبضه قد بلغ محلّه، ثم يأخذ مكانه ما يشتريه مما هو أوسع عندهم، وأنفع للآخذ. قال: ويؤيّده أنها لو كانت من الزكاة لم تكن مردودة على الصحابة، وقد أمره النبيّ ﷺ أن يأخذ الصدقة من أغنيائهم، فيردّها على فقرائهم. وأجيب بأنه لا مانع من أنه كان يحمل الزكاة إلى الإمام ليتولّى قسمتها. وقد احتجّ به من يُجيز نقل الزكاة من بلد إلى بلد، وهي مسألة خلافية أيضًا. وقيل في الجواب عن قصّة معاذ: إنها اجتهاد منه، فلا حجّة فيها. وفيه نظر؛ لأنه كان أعلم الناس بالحلال والحرام، وقد بيّن له النبيّ ﷺ لما أرسله إلى اليمن ما يَصنَعُ. وقيل: كانت تلك واقعةَ حال، لا دلالة فيها؛ لاحتمال أن يكون عَلِمَ بأهل المدينة حاجة لذلك، وقد قام الدليل على خلاف عمله ذلك. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وفي قوله: واقعة حال نظر لا يخفى، إذ الظاهر أنها تدلّ على جواز نقلها، إذا دعت الحاجة إليه، وسيأتي تمام البحث في ذلك في بابه - ٤٦/ ٢٥٢٢ - إن شاء اللَّه تعالى. وقال القاضي عبد الوهّاب المالكيّ: كانوا يُطلقون على الجزية اسمَ الصدقة، فلعلّ هذا منها. وتُعُقّب بقوله: "مكان الشعير والذرة"، وما كانت الجزية حينئذ من أولئك من شعير، ولا ذُرَة، إلا من النقدين (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحاصل أنّ أرجح الأقوال في المسألة ما ذهب إليه البخاريّ، وهو جواز أخذ الْعَرْض بدل الصدقة إن رأى الْمُصدِّق ذلك خيرًا، وأنفعَ للفقراء، كما عَمِل به معاذ ﵁. واللَّه تعالى أعلم. (ومنها): جواز صرف الزكاة إلى صنف واحد، وهو قول العلماء كافّة، خلافًا للشافعيّ في وجوب قسمتها على الأصناف الثمانية. وتعقّب ابن دقيق العيد بأن القصّة

стр. 11849

واقعة عين، محتملة لما ذُكر وغيره، فلا ينهض الاستدلال بها على ذلك. وفيه ما مرّ قريبًا. واللَّه تعالى أعلم. (ومنها): بعث الإمام العُمّالَ لجباية الزكاة، وكونهم أمناء، فقهاء، ثقات عارفين، حيث بعث ﷺ عمر ﵁ عليها (ومنها): تنبيه الغافل على ما أنعم اللَّه به عليه من نعمة الغنى بعد الفقر؛ ليقوم بحق اللَّه عليه (ومنها): جواز العَتْبِ على من منع الواجب، وذِكْره في غيبته بذلك، ولا يكون من الغيبة المحرّمة (ومنها): تحمُّل الإمام عن بعض رعيّته ما يجب عليه، وجواز اعتذاره عنه بما يسوغ الاعتذار به. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٤٦٥ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَفْصٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي, قَالَ: قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ, عَنْ مُوسَى, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الزِّنَادِ, عَنْ (١) عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ,, قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِصَدَقَةٍ, مِثْلَهُ سَوَاءً). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: غرض المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بهذا بيان الخلاف في كون الحديث من مسند عمر، أو من مسند أبي هريرة ﵄، وقد تقدّم أن الراجح كونه من مسند أبي هريرة ﵁، وأما عمر ﵁، فله ذكر فقط. واللَّه تعالى أعلم. و"حفص": هو ابن عبد اللَّه بن راشد قاضي نيسابور، صدوق [٩] ٧/ ٤٠٩. و"موسى": هو ابن عُقبة بن أبي عيّاش المدنيّ الفقيه الثقة الإمام في المغازي [٥] ٩٦/ ١٢٢. وقوله: "مثله" منصوب على الحال، أي حال كون هذه الرواية مثل الرواية السابقة. وقوله: "سواء" حال مؤكّدة للحال قبلها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٤٦٦ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ, وَمَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ, قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ, عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأَسْوَدِ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هِلَالٍ الثَّقَفِيِّ, قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ , فَقَالَ: كِدْتُ أُقْتَلُ بَعْدَكَ, فِي عَنَاقٍ, أَوْ شَاةٍ, مِنَ الصَّدَقَةِ, فَقَالَ: «لَوْلَا أَنَّهَا تُعْطَى فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ, مَا أَخَذْتُهَا»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عمرو بن منصور) أبو سعيد النسائيّ، ثقة ثبت [١١] ١٠٨/ ١٤٧. ٢ - (محمود بن غيلان) أبو أحمد المروزيّ نزيل بغداد، ثقة [١٠] ٣٣/ ٣٧. ٣ - (أبو نُعيم) الفضل بن دُكين، واسم دكين عمرو بن حماد بن زهير الملائي

стр. 11850

الكوفي، ثقة ثبت [٩] ١١/ ٥١٦. ٤ - (سفيان) بن سعيد الثوريّ الإمام الحجة الثبت [٧] ٣٣/ ٣٧. ٥ - (إبراهيم بن ميسرة) الطائفيّ، نزيل مكة، ثقة حافظ [٥] ١١/ ٤٦٩. ٦ - (عثمان بن عبد اللَّه بن الأسود) الطائفيّ، مقبول [٥]. روى عن عبد اللَّه بن هلال. وعنه إبراهيم بن ميسرة. ذكره ابن حبّان في "الثقات". انفرد به المصنّف، وله في هذا الكتاب حديث الباب فقط. ٧ - (عبد اللَّه بن هلال) بن عبد اللَّه بن همّام الثقفيّ، يُعدّ في المكّيين. روى عن النبيّ ﷺ في الزكاة، ولم يذكر سماعًا، ولا رؤية. وعنه عثمان بن الأسود. قال ابن عبد البرّ: حديثه عندهم مرسل. وقال ابن منده: عداده في أهل الطائف. وقال العسكريّ: اختلف في صحبته. وقال ابن حبان: له صحبة. انفرد به المصنّف، وله عنده في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه عمرو، وعثمان بن عبد اللَّه، وعبد اللَّه بن هلال، فقد تفرد بهم المصنّف. (ومنها): أن صحابيه من المقلين، فليس له في الكتب الستة إلا هذا الحديث عند المصنّف. (ومنها): أن عثمان، وعبد اللَّه هذا محلّ ذكرهما من الكتاب. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَبدِ اللَّهِ بْنِ هِلَالِ الثَّقَفِيِّ) أنه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: كِدْتُ) أي قاربت (أُقْتَلُ بَعْدَكَ) ببناء الفعل للمفعول، أي بعد مفارقتي لك (فِي عَنَاقٍ) أي بسبب عَنَاق، فـ "في" للسببيّة، والعَنَاقُ: الأنثى من ولد المعز، قبل استكمالها الحول، وجمعها أعنُقٌ، وعُنُوقٌ (أَوْ) للشكّ من الراوي (شَاةٍ، مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ) ﷺ (لَوْلَا أَنَّهَا تُعْطَى فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ، مَا أَخَذتُهَا) قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: ما حاصله: كأن الرجل شكى أن العامل شدّد عليه في الأخذ، وكاد يفضي ذلك إلى قتل رب المال بعده ﷺ ، فإنه إذا كان الحال في وقته ذاك، فكيف بعده. وحاصل الجواب أن الزكاة شُرعت لِتُصرَف في مصارفها، ولولا ذلك لما أخذت أصلاً، وليست مما لا فائدة في أخذها، فليس لربّ المال أن يُشدّد في الإعطاء حتى يفضي ذلك إلى تشديد العامل.

стр. 11851

ويحتمل أن هذا الشاكي هو العامل يشكو شدّة أرباب الأموال في الإعطاء حتى يُخاف أن يؤدّي ذلك إلى القتل. ومعنى "بعدك" أي بعد غيبتي عنك، وذهابي إلى أرباب الأموال. وحاصل الجواب أنه لولا استحقاق المصارف لما أخذنا الزكاة، بل تركنا الأمر إلى أصحاب الأموال، والنظر للمصارف يدعو إلى تحمّل المشاق، فلا بُدّ من الصبر عليها. وهذا الوجه أنسب بترجمة المصنّف، وموافقة لفظ الحديث للوجهين غير خفيّة انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لا يخفى بُعْدُ الاحتمال الأول من سياق الحديث، فالوجه هو الاحتمال الثاني. وفيه دليلٌ لمن قال بجواز نقل الزكاة من بلد إلى بلد، لكن الحديث ضعيف؛ لما تقدّم من جهالة عثمان بن عبد اللَّه بن الأسود، وللاختلاف في صحبة عبد اللَّه ابن هلال الثقفيّ، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا-١٥/ ٢٤٦٦ - وفي "الكبرى" ١٦/ ٢٢٤٥. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٦ - (بَابُ زَكَاةِ الْخَيْلِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الْخَيْلُ: جماعة الأفراس، لا واحد له، أو واحده خائلٌ؛ لأنه يختال، جمعه أَخْيَالٌ، وخُيُول، ويُكسرُ، والْفُرْسان، ومنه ما روي: "يا خيل اللَّه اركبي"، أي يا رُكّاب خيل اللَّه. أفاده في "القاموس". وقال في "المصباح": الْخَيْلُ: معروفة، وهي مؤنّثةٌ، ولا واحد لها من لفظها، والجمع خُيُولٌ. قال بعضهم: وتطلق الخيل على العِرَاب، وعلى الْبَرَاذِين، وعلى الفُرْسَان، وسميت خيلاً؛ لاختيالها، وهو إعجابها بنفسها مَرَحًا، ومنه يقال: اختال الرجلُ، وبه خُيَلاءُ وهو الكبر والإعجاب. انتهى (٢). واللَّه تعالى اعلم بالصواب. ٢٤٦٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ, قَالَ: حَدَّثَنَا (٣) وَكِيعٌ, عَنْ شُعْبَةَ, وَسُفْيَانَ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ, عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ, عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ, عَنْ أَبِي

стр. 11852

هُرَيْرَةَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ, وَلَا فَرَسِهِ (١) صَدَقَةٌ». رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عبد اللَّه بن دينار) أبو عبد الرحمن المدني، مولى ابن عمر، ثقة [٤] ١٦٧/ ٢٦٠. ٢ - (سليمان بن يسار) الهلالي المدني، مولى ميمونة، ثقة فاضل، أحد الفقهاء، من كبار [٣] ١٢٢/ ١٥٦. ٣ - (عراك بن مالك) الغفاري الكناني المدني، ثقة فاضل [٣] ١٣٤/ ٢٠٧ والباقون تقدموا في الباب الماضي، وقبله بباب. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد. منها: أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمديين من عبد اللَّه بن دينار. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض: عبد اللَّه بن دينار، عن سليمان بن يسار، عن عراك بن مالك، وكلهم مدنيّون. (ومنها): أن سليمان أحد الفقهاء السبعة، وأبو هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ) خصّ المسلم، وإن كان الصحيح من أقوال العلماء أن الكافر مكلّف بالفروع؛ لأنه ما دام كافرًا لا تُقبل منه حتى يُسلم، وإذا أسلم سقطت منه؛ لأن الإسلام يَجُبّ ما قبله (٢) (فِي عَبْدِهِ) أي رقيقه، ذكرًا كان أو أنثى، ونفَى الصدقة في العبد مطلقًا، لكنه مقيّدٌ بما ثبت في "مسند الإمام أحمد"، و"صحيح مسلم": "ليس في العبد صدقة، إلا صدقة الفطر". ولأبي داود: "ليس في الخيل، والرقيق زكاة، إلا زكاة الفطر". (وَلَا فَرَسِهِ) الشامل للذكر والأنثى، وجمعه الخيل، من غير لفظه (صَدَقَةٌ) أي زكاة. قال في "الفتح": عند قول البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى-: "باب ليس على المسلم في فرسه صدقة": قال ابن رُشيد: أراد بذلك الجنس في الفرس، والعبد، لا الفرد الواحد؛ إذ لا خلاف في ذلك في العبد المتصرّف، والفرس المعدّ للركوب، ولا خلاف أيضًا أنها لا تؤخذ من الرقاب، وإنما قال بعض الكوفيين: يؤخذ منها بالقيمة.

стр. 11853

ولعلّ البخاريّ أشار إلى حديث عليّ ﵁ مرفوعًا: "قد عفوت عن الخيل، والرقيق، فهاتوا صدقة الرقة". أخرجه أبو داود، وغيره (١) وإسناده حسن. والخلاف في ذلك عن أبي حنيفة إذا كانت الخيل ذُكرانًا وإناثًا نظرًا إلى النسل، فإذا انفردت فعنه روايتان، ثمّ عنده أن المالك يتخيّر بين أن يخرج عن كلّ فرس دينارًا، أو يقوّم، ويُخرج ربع العشر. واستُدِلّ عليه بهذا الحديث. وأُجيب بحمل النفي فيه على الرقبة، لا على القيمة. واستَدَلّ به من قال: من أهل الظاهر بعدم وجوب الزكاة فيهما مطلقًا، ولو كانا للتجارة. وأجيبوا بأن زكاة التجارة ثابتة بالإجماع، كما نقله ابن المنذر وغيره، فيخصّ به عموم هذا الحديث. انتهى (٢). وتعقّب بعضهم دعوى الإجماع المذكور، فقال: كيف الإجماع مع خلاف الظاهرية؟. قال: وأجيبوا بأن زكاة التجارة متعلّقها القيمة، لا العين، فالحديث يدلّ على عدم التعلّق بالعين، فإنه لو تعلّقت الزكاة بالعين من العبيد والخيل لثبتت ما بقيت العين، وليس كذلك، فإنه لو نوى القنية لسقطت الزكاة، والعين باقية، وإنما الزكاة متعلّقة بالقيمة بشرط نيّة التجارة. قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: هذا الحديث أصل في أن أموال القنية لا زكاة فيها، وأنه لا زكاة في الخيل والرقيق، إذا لم تكن للتجارة. وبهذا قال العلماء كافّة، من السلف والخلف، إلا أبا حنيفة، وشيخه حماد بن أبي سليمان، وزفر، فأوجبوا في الخيل على تفصيل سيأتي قريبًا، قال النوويّ: وليس لهم حجة في ذلك، وهذا الحديث صريحٌ في الرّدّ عليهم انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١٦/ ٢٤٦٧ و ٢٤٦٨ و ٢٤٦٩ و ٢٤٧٠ و ١٧/ ٢٤٧١ و ٢٤٧٢ - وفي

стр. 11854

"الكبرى" في ١٧/ ٢٢٤٦ و ٢٢٤٧ و ٢٢٤٨ و ٢٢٤٩ و ١٨/ ٢٢٥٠ و ٢٢٥١. وأخرجه (خ) في "الزكاة" ١٤٦٣ و ١٤٦٤ (م) في "الزكاة" ٩٨٢ (د) في "الزكاة" ١٥٩٤ و ١٥٩٥ (ت) في "الزكاة" ٦٢٨ (ق) في "الزكاة" ١٨١٢ (أحمد) في "مسند المكثرين" ٧٢٥٣ و ٧٣٤٩ و ٧٤٠ و ٧٦٩٩ و ٩٠٢٨ و ٩٠٥٩ و ٩١٥٩ و ٩٢٩٥ و ٩٧١٢ (الموطأ) في "الزكاة" ٦١٢. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في وجوب الزكاة في الخيل: ذهب جمهور العلماء من السلف والخلف إلى أنه لا زكاة في الخيل إلا إذا كانت للتجارة. وذهب أبو حنيفة، وشيخه حماد بن أبي سليمان، وزفر فأوجبو فيها الزكاة، إذا كانت إناثًا، أو ذكورًا وإناثًا، في كلّ فرس دينارًا، وإن شاء قوّمها، وأخرج عن كلّ مائتي درهم خمسة دراهم. احتجّ الجمهور بحديث أبي هريرة ﵁ المذكور في الباب، وبحديث عليّ ﵁ الآتي بعد باب. قال أبو عُبيد في "كتاب الأموال" ص ٤٦٥ - : إيجاب الصدقة في سائمة الخيل التي يبتغي منها النسل ليس على اتباع السنّة، ولا على طريق النظر، لأن رسول اللَّه ﷺ قد عفا عن صدقتها، ولم يستثن سائمة، ولا غيرها، وبه عملت الأئمة، والعلماء بعده فهذه السنّة. وأما في النظر فكان يلزمه إذا رأى فيها صدقة أن يجعلها كالماشية؛ تشبيها بها؛ لأنها سائمة مثلها، ولم يَصِر إلى واحد من الأمرين، على أن تسمية سائمتها قد جاءت عن غير واحد من التابعين بإسقاط الزكاة منها. ثم روى عن إبراهيم، والحسن، وعمر ابن عبد العزيز. وأجاب الحنفيّة عن حديث أبي هريرة ﵁ بأنه محمول على فرس الركوب، والحمل، والجهاد في سبيل اللَّه، لما روي أن زيد بن ثابت ﵁ لما بلغه حديث أبي هريرة ﵁ قال: صدق، إنما أراد رسول اللَّه ﷺ فرس الغازي. ذكره صاحب "الهداية" تبعًا لأبي زيد الدبوسيّ. قال الحافظ في "الدراية" - ص ١٥٨ - : تبع صاحب "الهداية" في ذلك أبا زيد الدبوسيّ، فإنه نقله عن زيد بن ثابت بلا إسناد انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تبين بما ذُكر أن الصواب ما ذهب إليه الجمهور من عدم وجوب الزكاة في الخيل، والرقيق، لحديث الباب. وقد ذكر العلاّمة عبيد اللَّه بن محمد المباركفوريّ، صاحب "مرعاة المفاتيح شرح

стр. 11855

مشكاة المصابيح" -رحمه اللَّه تعالى- أدلة الحنفيّة وناقشها كلها، فأجاد، وأفاد، بما لا تجده في كتاب غيره، فجزاه اللَّه تعالى خيرًا، فإن شئت فراجعه في جـ ٦ ص ٩٠ - ٩٦ - تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٤٦٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حَرْبٍ الْمَرْوَزِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحْرِزُ بْنُ الْوَضَّاحِ, عَنْ إِسْمَاعِيلَ -وَهُوَ ابْنُ أُمَيَّةَ- عَنْ مَكْحُولٍ, عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا زَكَاةَ عَلَى الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ, وَلَا فَرَسِهِ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن عليّ بن حرب المروزيّ" المعروف بالتُّرْك، ثقة [١١] ١٠٩/ ١٤٨. من أفراد المصنّف. و"مُحْرِز بن الوضّاح" بن محرز المروزيّ، ثقة (١) [٩]. روى عن أبيه، وإسماعيل بن أميّة، ومحمد بن ثابت قاضي مرو، ورَبَاح بن عُبيد اللَّه ابن عمر. وعنه محمد بن عليّ بن حرب، ومحمد بن يحيى بن أيوب، ومحمود بن غيلان، ومُصعب بن بشير المروزيّون. قال عبد اللَّه بن محمد، عن محمود بن غيلان: حدّثنا مُحرز بن الوضاح، وقال: كان مقبول القول، ثقة. وقال مصعب بن بَشير: حدثنا مُحرز، وكان جارنا في السوق، وكان ما علمته صَدُوقًا. وذكره ابن حبّان في "الثقات". تفرّد به المصنّف، له عنده في هذا الكتاب أربعة أحاديث. هذا ٢٤٦٨ و ٢٥١١ حديث: "فرض رسول اللَّه ﷺ صدقة الفطر .. " الحديث، و ٣٠١٩ حديث: "السكينة السكينة عشية عرفة"، و ٤٤٦٩ حديث: "المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا .. " الحديث. [تنبيه]: وقع في نسخة: "محمد" بدل "محرز"، وهو تصحيف فاحش، فتنبّه. و"إسماعيل بن أمية" بن عمرو بن سعيد بن العاص بن أميّة بن عبد شمس الأمويّ، ابن عمّ أيوب بن موسى، ثقة ثبتٌ [٦]. قال عليّ بن المدينيّ، عن ابن عيينة: لم يكن عندنا قرشيّان مثل إسماعيل بن أمية، وأيوب بن موسى. وقال عليّ أيضًا: سمعت سفيان، قال: كان إسماعيلُ حافظًا للعلم، مع ورعٍ وصدق. وقال أحمد: إسماعيل أكبر من أيوب، وأحبّ إليّ. وفي رواية أقوى وأثبت. وقال ابن معين، والنسائيّ، وأبو زرعة، وأبو حاتم: ثقة، زاد أبو حاتم: رجل صالح. وقال العجليّ: مكيّ ثقة. وقال الزبير بن بكّار: كان فقيه أهل مكة. وقال ابن

стр. 11856

سعد: كان ثقة كثير الحديث، مات سنة (١٤٤). وقال غيره: سنة (١٤٩). روى له الجماعة، وله عند المصنّف ستة عشر حديثًا. و"مكحول" أبو عبد اللَّه الشاميّ، ثقة فقيه، كثير الإرسال [٥] ٤/ ٦٣٠. والباقيان تقدما في السند الماضي. والحديث متفق عليه، وقد تقدّم شرحه، والكلام على مسائله في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٤٦٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى, عَنْ مَكْحُولٍ, عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ, عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ,, يَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ, وَلَا فِي فَرَسِهِ صَدَقَةٌ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن منصور": هو الجوّاز المكيّ. و"سفيان": هو ابن عيينة. و"أيوب بن موسى": هو أبو موسى الأمويّ المكيّ، ثقة [٦] ١٥٠/ ٢٤١. وتقدم ذكره في ترجمة إسماعيل بن أمية، في الحديث السابق. والحديث متفق عليه، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٤٧٠ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, عَنْ خُثَيْمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «لَيْسَ عَلَى الْمَرْءِ فِي فَرَسِهِ, وَلَا (١) فِي مَمْلُوكِهِ صَدَقَةٌ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح: و"عبيد اللَّه بن سعيد": هو أبو قُدَامة السرخسيّ الحافظ الثبت. و"يحيى": هو ابن سعيد القطّان. و"خُثَيم" -بمثلّثة، مصغّرًا- ابن عِرَاك بن مالك الغفاريّ المدنيّ، لا بأس به [٦]. قال النسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال العقيليّ: ليس به بأس. وقال الأزديّ: منكر الحديث. وقال ابن حزم: لا تجوز الرواية عنه. قال الحافظ: وهي مجازفة صعبة، ولعلّ مستند من وهّاه ما ذكره أبو عليّ الكرابيسيّ في "كتاب القضاء": حدّثنا سعيد بن زنبر، ومصعبٌ الزبيريّ، قالا: استفتى أمير المدينة مالكًا عن شيء، فلم يُفته، فأرسل إليه ما منعك من ذلك؟ فقال مالك: لأنك ولّيتَ خُثيم بن عِرَاك بن مالك على المسلمين، فلما بلغه ذلك عَزَلَه. انتهى. روى له

стр. 11857

البخاريّ، ومسلم، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب هذا الحديث، وأعاده بعد حديث. و"أبوه": هو عراك بن مالك الغفاريّ الكنانيّ المدنيّ، ثقة فاضل [٣] ١٣٤/ ٢٠٧. والحديث متفق عليه، كما سبق بيانه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٧ - (بَابَ زَكَاةِ الرَّقِيقِ) قال الفيّوميّ -رحمه اللَّه تعالى-: "الرِّقّ" -بالكسر-: العبوديّة، وهو مصدرُ رَقَّ الشخصُ يَرِقّ، من باب ضرب، فهو رَقِيق، ويتعدّى بالحركة، وبالهمزة، فقيال: رقَقتُه أرُقُّهُ، من باب قتل، وأرققته، فهو مَرْقُوقٌ، ومُرَقٌّ، وأمةٌ مَزقُوقةٌ، ومُرَقَّةٌ. قاله ابن السِّكِّيت. وُيطلق الرقيق على الذكر والأنثى، وجمعه أَرقّاء، مثل شَحيح وأشِحّاء، وقد يُطلق على الجمع أيضًا، فيقال: عَبِيدٌ رَقيق. "وليس في الرقيق صدقة": أي في عَبِيد الخدمة انتهى كلام الفيّوميّ. واللهَ تعالى أعلم بالصواب. ٢٤٧١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ - وَاللَّفْظُ لَهُ- عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ, قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ, عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ, عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ, فِي عَبْدِهِ, وَلَا (١) فِي فَرَسِهِ صَدَقَةٌ»). قالَ الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه الحارث، وهو مصريّ ثقة، حافظ. و"ابنُ القاسم": هو عبد الرحمن الْعُتَقيّ المصريّ الفقيه، صاحب مالكٍ الإمام. والحديث متفق عليه، كما سبق بيانه في الباب الماضي، ودلالته على ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، واضحة، فإنه يدلّ على عدم وجوب الزكاة في العبيد، لكن

стр. 11858

هذا مقيّد بغير صدقة الفطر، فقد أخرج مسلم -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه"، فقال: ٩٨٢ - حدثني أبو الطاهر، وهارون بن سعيد الأيلي، وأحمد بن عيسى، قالوا: حدثنا ابن وهب، أخبرني مَخْرَمَة، عن أبيه، عن عراك بن مالك، قال: سمعت أبا هريرة، يحدث عن رسول اللَّه ﷺ ، قال: "ليس في العبد صدقة، إلا صدقة الفطر". قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- في "شرحه": هذا صريح في وجوب صدقة الفطر على السيّد عن عبده، سواء كان للقنية، أم للتجارة، وهو مذهب مالك، والشافعيّ، والجمهور. وقال أهل الكوفة: لا تجب في عبيد التجارة. وحكي عن داود أنه قال: لا تجب على السيّد، بل تجب على العبد، ويلزم السيّد تمكينه من الكسب ليؤدّيها، وحكاه القاضي عن أبي ثور أيضًا. ومذهب الشافعيّ، وجمهور العلماء أن المكاتب لا فطرة عليه، ولا على سيّده. وعن عطاء، ومالك، وأبي ثور وجوبها على السيّد، وهو وجه لبعض أصحاب الشافعيّ؛ لقوله ﷺ : "المكاتب عبدٌ ما بقي عليه درهم (١) ". وفيه وجه أيضًا لبعض أصحابنا أنها تجب على المكاتب؛ لأنه كالحرّ في كثير من الأحكام انتهى كلام النوويّ (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٤٧٢ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, عَنْ خُثَيْمِ بْنِ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ صَدَقَةٌ, فِي غُلَامِهِ, وَلَا فِي فَرَسِهِ»). "حماد": هو ابن زيد. والحديث متفق عليه، وقد تقدّم الكلام عليه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٨ - (بَابُ زَكَاةِ الْوَرِقِ) أي هذا باب ذكر الأحاديث الدّالّة على وجوب الزكاة في الفضّة. قال في "المصباح المنير": "الْوَرِقُ -بكسر الراء، والإسكان للتخفيف-: النُّقْرَةُ- أي

стр. 11859

الفضّة- المضروبة، ومنهم من يقول: النُّقْرة مضروبةً كانت، أو غير مضروبة. قال الفارابيّ: الْوَرِقُ: المال، من الدراهم، ويُجمع على أوراق انتهى. وقال في "لسان العرب": والْوَرِقُ -بفتح، فكسر- والْوِرْقُ -بكسر، فسكون- والْوَرْقُ -بفتح، فسكون- والرِّقَةُ: الدراهم، مثلُ كَبِدٍ، وكِبْدٍ، وكَبْدٍ، وكَلِمَة، وكِلْمَةٍ، وكَلْمَةٍ؛ لأن منهم من ينقل كسرة الراء، إلى الواو بعد التخفيف، ومنهم من يتركها على حالها. وفي "الصحاح": الْوَرِقُ: الدراهم المضروبة، وكذلك الرقة، والهاء عوض من الواو. وحُكِي في جمع الرِّقَة رِقَات، قال ابن بَرِّيِّ: شاهد الرِّقَة قول خالد بن الوليد يوم مُسَيْلِمَة: إِنَّ السِّهَامَ بِالرَّدَى مُفَوَّقَهْ … وَالْحَرْبُ وَرْهَاءُ الْعِقَالِ مُطْلَقَهْ وَخَالِدٌ مِنْ دِينِهِ عَلَى ثِقَهْ … لَا ذَهَبٌ يُنْجِيكُمُ وَلَا رِقَهْ وقال أبو عبيدة: الورق: الفضّة، كانت مضروبةً كدراهم، أو لا. وقال شَمِرٌ: الرّقَة: العين، يقال: هي من الفضّة خاصّة. وقال ابن سِيدَهْ: والرقة الفضّة، والمال (عن ابن الأعرابيّ). وقيل: الذهب والفضة (عن ثعلب). انتهى "لسان العرب" بتصرّف. وقال النوويّ في "شرح المهذّب": و"الرقة" -بتخفيف القاف، وكسر الراء-: هي الوَرِقُ، وهو كلّ فضّة. وقيل: الدراهم خاصّة. وأما قول صاحب "البيان": الرقة هي الذهب والفضّة، فغلط فاحشٌ. ولم يقل أصحابنا، ولا أهل اللغة، ولا غيرهم: إن الرقة تطلق على الذهب، بل هي الوَرِقُ انتهى كلام النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لكن يردّ قوله: "ولا أهل اللغة" ما مرّ عن ثعلب أنها تطلق على الذهب والفضّة، فتأمّل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٤٧٣ - (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ, عَنْ حَمَّادٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى -وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ- عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ (٢) أَوَاقٍ صَدَقَةٌ, وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسِ (٣) ذَوْدٍ صَدَقَةٌ, وَلَيْسَ (٤) فِيمَا دُونَ خَمْسِةِ (٥) أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ»).

стр. 11860

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"يحيى بن حبيب بن عربيّ" البصريّ ثقة [١٠] ٦٠/ ٧٥. و"عمرو بن يحيى" هو الأنصاريّ المازنيّ المدنيّ ثقة [٦] ٨٠/ ٩٧. و"حمّاد": هو ابن زيد. و"يحيى بن سعيد": هو الأنصاريّ المدنيّ الفقيه الثقة [٥]. و"والد عمرو": هو يحيي بن عمارة بن أبي الحسن الأنصاريّ المازنيّ، ثقة [٣] ٨٠/ ٩٧. والحديث متفق عليه، وقد تقدّم شرحه، والكلام على مسائله في -٥/ ٢٤٤٥ - وبقي الكلام على ما بوّب له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- هنا، وهو وجوب زكاة الورِقِ، وفيه مسائل: (المسألة الأولى): في أقوال أهل العلم في حكم زكاة الفضّة، والذهب، والجواهر: قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: تجب الزكاة في الذهب بالإجماع، ودليل المسألة النصوص، والإجماع، وسواء فيهما المسبوك، والتبر، والحجارة منهما، والسبائك، وغيرها من جنسها، إلا الحليّ المباح، على أصحّ القولين. قال: ولا زكاة فيما سوى الذهب، والفضّة من الجواهر، كالياقوت، والفيروز، واللؤلؤ، والمرجان، والزّمرّد، والزبرجد، والحديد، والصفر، وسائر النحاس، والزجاج، وإن حسنت صنعتها، وكثرت قيمتها، ولا زكاة أيضًا في المسك، والعنبر. قال الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "المختصر": ولا في حلية بحر. قال أصحابنا: معناه: كلّ ما يستخرج منه، فلا زكاة فيه. ولا خلاف في شيء من هذا عندنا. وبه قال جماهير العلماء، من السلف وغيرهم. وحكى ابن المنذر وغيره عن الحسن البصريّ، وعمر بن عبد العزيز، والزهريّ، وأبي يوسف، وإسحاق بن راهويه أنهم قالوا: يجب الخمس في العنبر، قال الزهريّ: وكذلك اللؤلؤ. وحكى أصحابنا عن عبد اللَّه بن الحسن العنبريّ أنه قال: يجب الخمس في كلّ ما يخرج من البحر، سوى السمك. وحكى العنبريُّ وغيره عن أحمد روايتين: إحداهما: كمذهب الجماهير. والثانية: أنه أوجب الزكاة في كلّ ما ذكرنا إذا بلغت قيمته نصابًا حتى في المسك والسمك (١). ودليلنا الأصل أن لا زكاة إلا فيما ثبت الشرع فيه. وصحّ عن ابن عباس ﵄ أنه قال: ليس في العنبر زكاة، إنما هو شيء دَسَرَه البحر. وهو بدال وسين مهملتين

стр. 11861

مفتوحتين: أي قذفه ودفعه. فهذا الذي ذكرناه هو المعتمد في دليل المسألة، وأما الحديث المرويّ عن عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جدّه، عن النبيّ ﷺ : "لا زكاة في حجر". فضعيفٌ جدًّا، رواه البيهقيّ، وبيّن ضعفه (١) انتهى ما قاله النوويّ (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الصواب ما قاله الجمهور من عدم وجوب الزكاة في غير الذهب والفضّة؛ لما ذكره النوويّ، ولأنه -كما قال ابن قُدامة-: قد كان يُخرَج على عهد رسول اللَّه ﷺ ، وخلفائه، فلم تأت فيه سنّة عنه، ولا عن أحد من خلفائه من وجه يصحّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): في أقوال أهل العلم في نصاب الذهب والفضّة: قال الإمام ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: أجمع أهل العلم على أن نصاب الفضّة مائتا درهم، وأن فيه خمسة دراهم، واختلفوا فيما زاد على المائتين، فقال الجمهور: يُخرج مما زاد بحسابه ربع العشر، قلّت أم كثرت. وممن قال به عليّ بن أبي طالب، وابن عمر، والنخعيّ، ومالك، وابن أبي ليلى، والثوريّ، والشافعيّ، وأبو يوسف، ومحمد، وأحمد، وأبو ثور، وأبو عبيد. قال: وقال سعيد بن المسيّب، وطاوس، والحسن البصريّ، والشعبيّ، ومكحول، وعمرو بن دينار، والزهريّ، وأبو حنيفة: لا شيء في الزيادة على مائتين حتى تبلغ أربعين، ففيها درهم. قال ابن المنذر: وبالأول أقول. ودليل الوجوب في القليل والكثير قوله ﷺ : "في الرقة ربع العشر". أخرجه البخاريّ. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وبما رجّحه ابن المنذر أقول؛ لوضوح دليله. واللَّه تعالى أعلم. قال النوويّ: وأما الذهب فمذهبنا أن نصابه عشرون مثقالاً، ويجب فيما زاد بحسابه ربع العشر، قلّت الزيادة أم كثرت، وبه قال الجمهور من السلف والخلف. وقال ابن المنذر: أجمعوا على أن الذهب إذا كان عشرين مثقالاً، وقيمتها مائتا درهم وجبت فيه الزكاة، إلا ما اختلف فيه عن الحسن، فروي عنه هذا، وروي عنه أنه لا زكاة

стр. 11862

فيما هو دون أربعين مثقالاً، لا تساوي مائتي درهم. واختلفوا فيما دون عشرين إذا ساوى مائتي درهم، فقال كثير منهم: لا زكاة فيما دون عشرين، وإن بلغت مائتي درهم، وتجب في عشرين، وإن لم تبلغها. وممن قال به عليّ بن أبي طالب، وعمر بن عبد العزيز، وابن سيرين، وعروة، والنخعيّ، والحكم، ومالك، والثوريّ، والأوزاعيّ، والليث، والشافعيّ، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد. وقال طاوس، وعطاء، والزهريّ، وأيوب، وسليمان بن حرب: يجب ربع العشر في الذهب إذا بلغت قيمته مائتي درهم، وإن كان دون عشرين مثقالاً، ولا شيء في الزيادة حتى تبلغ أربعة دنانير. وأما إذا كانت الفضّة تنقص عن مائتي درهم، والذهب ينقص عن عشرين مثقالاً نقصًا يسيرًا جدًّا بحيث يروج رواج الوازنة، فلا زكاة في مذهب الشافعيّ، وبه قال إسحاق، وابن المنذر، والجمهور. وقال مالك: تجب انتهى كلام النوويّ بتصرّف (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: مذهب الجمهور عندي أرجح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): في اختلاف العلماء في ضمّ تكميل نصاب الدراهم بالدنانير، والعكس: قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- أيضًا: مذهبنا أنه لا يكمّل نصاب الدراهم بالذهب، ولا عكسه، حتى لو ملك مائتين إلا درهما، وعشرين مثقالاً، إلا نصفًا، أو غيره فلا زكاة في واحد منهما. وبه قال جمهور العلماء (٢). حكاه ابن المنذر عن ابن أبي ليلى، والحسن بن صالح، وشريك، وأحمد، وأبي ثور، وأبي عُبيد. قال ابن المنذر: وقال الحسن، وقتادة، والأوزاعيّ، والثوريّ، ومالك، وأبو حنيفة، وسائر أصحاب الرأي: يضمّ أحدهما إلى الآخر. واختلفوا في كيفية الضمّ: فقال الأوزاعيّ: يخرج ربع عشر كلّ واحد، فإذا كانت له مائة درهم، وعشرة دنانير أخرج ربع عشر كلّ واحد منهما. وقال الثوريّ: يضمّ القليل إلى الكثير. ونقل العبدريّ عن أبي حنيفة، أنه قال: يضمّ الذهب إلى الفضّة بالقيمة، فإذا كانت له مائة درهم، وله ذهب قيمته مائة درهم وجبت الزكاة، قال: وقال مالك، وأبو يوسف، وأحمد: يضمّ أحدهما إلى الآخر بالأجزاء،

стр. 11863

فإذا كان معه مائة درهم، وعشرة دنانير، أو خمسون درهمًا، وخمسة عشر دينارًا ضمّ أحدهما إلى الآخر، ولو كان له مائة درهم، وخمسة دنانير، قيمتها مائة درهم، فلا ضمّ. قال النوويّ: دليلنا قوله ﷺ : "ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة". انتهى كلام النوويّ (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يظهر لي أن مذهب القائلين بعدم الضمّ أرجح؛ لأن الورق في اللغة يُطلق على الدرهم فقط، ولا يطلق على الدينار، فالحديث المذكور يدلّ على أنه لا يجب فيما دون خمس أواق من الدراهم زكاة، فلو كان الضمّ معتبرًا لبيّنه ﷺ . والحاصل أن الدراهم، والدنانير يعتبر تمام نصاب كلّ منهما بمفرده. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في ضبط: "الأواق"، ومعناها: قال الإمام ابن الملقّن -رحمه اللَّه تعالى-: "الأواق" جمع أوقيّة -بتشديد الياء- ويقال في كلّ جمع إذا كان مفرده مشدّدًا -بتشديد الياء، وتخفيفها- كالأواقيّ، والبَخَاتيّ، والكَرَاسيّ، وما أشبه ذلك. قال ذلك ابن السّكِّيت، والجوهريّ. وقد ثبت في هذا الحديث في الجمع حذف الياء، فيصير في الجمع للأوقية ثلاث لغات: التشديد، والتخفيف، والحذف. والأوقيّة بضمّ الهمزة. وأنكر جمهور أهل اللغة حذف الهمزة. وحكى اللحيانيّ جواز فتح الواو، وتشديد الياء، وجمعهما وَقَايَا، كضحيّة وضحايا. وفي "مجمع الغرائب": وزنها أُفعولة، والهمزة زائدة، ولكنها لما لزمت في الواحد، والجمع صارت كالأصل، وحقها أن تُذكر في فصل الواو والقاف. وقيل: اشتقاقها من الأوقة، وهو موضع منهبط، يجتمع فيه الماء. وقيل: هو من باب وقى يقي. وأجمع العلماء، من المحدّثين، والفقهاء، واللغويين على أن المراد بالأوقيّة الشرعيّة أربعون درهما، وهي أوقيّة الحجاز. قال القاضي عياض: ولا يصحّ أن تكون الأوقيّة، والدراهم مجهولة في زمنه ﷺ ، وهو يوجب الزكاة في أعداد منها، ويقع بها البياعات، والأنكحة، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة، قال: وهذا يُبيّن أن قول من زعم أن الدراهم لم تكن معلومة إلى

стр. 11864

زمان عبد الملك بن مروان، وأنه جمعها برأي العلماء، وجعل كلّ عشرة سبعةَ مثاقيل، وزن الدرهم ستة دوانيق. قول باطل. وإنما معنى ما نُقل في ذلك أنه لم يكن منها شيء من ضرب الإسلام، وعلى صفة لا تختلف، بل كانت مجموعات من ضرب فارس، والروم، وصغارًا، وكبارًا، وقطع فضّة غير مضروبة، ولا منقوشة، ويمنيّة، ومغربيّة، فرأوا صرفها إلى ضرب الإسلام، ونَقشِهِ، وتصييرها وزنا واحدًا، لا يختلف، وأعيانًا يُستغنى فيها عن الموازين، فجمعوا أكبرها، وأصغرها، وضربوه على وزنهم. قال القاضي: ولا شكّ أن الدراهم كانت حينئذ معلومة، وإلا فكيف كان يتعلّق بها حقوق اللَّه تعالى، من الزكاة وغيرها، وحقوق العباد، ولهذا كانت الأوقيّة معلومة. قال ابن الملقّن: وقال بعض أصحابنا: أجمع أهل العصر الأول على التقدير بهذا الوزن المعروف، وهو أن الدراهم ستة دوانيق، وكلّ عشرة دراهم سبعة مثاقيل، ولم يتغيّر المثقال في الجاهليّة ولا في الإسلام. (واعلم): أن الدراهم كانت في الجاهليّة على نوعين مختلفين: بغليّة، وطبريّة، نوع عليه نقش فارس، والآخر نقش الروم. فالبغليّة نسبة إلى ملك يقال له: رأس البغل، وهي السود، كلّ درهم منها ثمانية دوانيق. والطبرية نسبة إلى طبرية الشام، وزن كلّ درهم منها أربعة دوانيق، وهي العتق، فقدّر الشرع في الإسلام الدرهم ستة دوانيق، جمعًا بينهما، ووقع الإجماع عليه من غير ضرب، وكانوا يتعاملون بهذا التقدير الشطر من هذه، والشطر من هذه عند الإطلاق، ما لم يعيّنوا بالنصّ أحد النوعين، وكذلك كانوا يؤدّون الزكاة في أول الإسلام باعتبار مائة من هذه، ومائة من هذه في النصاب. هكذا قاله أبو عُبيد وغيره. وهي الخمسة الأواقي المذكورة في الحديث، ولم يُخالف في ذلك أحدٌ إلا ابن حبيب الأندلسيّ، فإنه زعم أن كلّ بلد يتعاملون بعرفهم في الدراهم، وهو خلاف قول الجمهور، وَيعضد قولهم ما ثبت أنه ﷺ قال: "الوزن وزن مكّة (١) وهذا المقدار هو الذي كان أهل مكة يتعاملون به في عصره ﷺ ، فلما تمكّن الإسلام، واتسع، ضُربت الدراهم على ضرب الإسلام تحرجًا من تلك النقوش، وتحرّيًا لمعاملتهم الإطلاقيّة، فنُسب التقدير إلى من ضُربت في زمنه ابتداءً، وليس كذلك، بل كان ذلك إظهارًا للضرب، لا ابتداء تقدير. واختُلف في زمن من ابتدىء إظهار ذلك: فقيل: في زمن عمر بن الخطّاب. وقيل:

стр. 11865

في زمن بني أُميّة انتهى كلام ابن الملقّن (١). [تنبيه]: اختُلف في مقدار النصاب في الذهب والفضّة بالوزن المتعارف في الوقت الحاضر: وقد درس الدكتور يوسف القرضاوي -جزاه اللَّه خيرًا- في كتابه "فقه الزكاة" دراسة مطوّلة، قال في آخرها: ما حاصله: نصاب الفضّة بالوزن الحديث هو ٩٧٥ و ٢ ط ٢٠٠ = ٥٩٥ من الجرامات، ونصاب الذهب هو ٢٥ و ٤ ط ٢٠ = ٨٥ جرامًا من الذهب. فمن ملك من الفضة الخالصة -نقودًا، أو سبائك- ما يزن ٥٩٥ جرامًا وجبت عليه فيه الزكاة: ٥ و ٢ بالمئة. انتهى (٢). وكتب الشيخ أبو بكر الجزائريّ -حفظه اللَّه- في رسالته "زكاة العُمَل" أن نصاب الذهب بالجرام ٧٠ جرامًا ونصاب الفضة به ٤٦٠ جرامًا. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: والأول هو الذي عليه غير واحد من المعاصرين، وما قاله الشيخ الجزائريّ أحوط. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في زكاة الوَرَقِ الماليّ: كتب الدكتور يوسف القرضاويّ جزاه اللَّه تعالى خيرًا في هذه المسألة أيضًا بحثًا نفيسًا، قال فيه: لم تُعرف النقود الورقيّة إلاّ في العصر الحاضر، فلا نطمع أن يكون لعلماء السلف فيها حكم، وكلّ ما هنالك أن كثيرًا من علماء العصر يحاولون أن يجعلوا فتواهم تخريجًا على أقوال السابقين، فمنهم من نظر إلى هذه النقود نظرة فيها كثير من الحرفيّة والظاهريّة، فلم ير هذه نقودًا؛ لأن النقود الشرعيّة إنما هي الفضّة والذهب، وإذًا لا زكاة فيها. وبهذا أفتى الشيخ عليش مفتي المالكيّة في مصر في عصره، فقد استُفتِي في حكم "الكاغد" -الورق- الذي فيه ختم السلطان، ويُتعامل به كالدراهم والدنانير، فأفتى أن لا زكاة فيه. وكذا أفتى بعض الشافعيّة بأن لا زكاة فيها، حتى تقبض قيمتها ذهبًا، أو فضّة، ويمضي على ذلك حولٌ بناءً على أن المعاملة بها حوالة غير صحيحة شرعًا؛ لعدم الإيجاب والقبول اللفظيين.

стр. 11866

وفي كتاب "الفقه على المذاهب الأربعة" الذي ألّفته لجنة تمثّل علماء هذه المذاهب في مصر نقرأ ما يأتي: ١ - الشافعيّة قالوا: الورق النقديّ التعامل به من قبيل الحوالة على البنك بقيمته، فيملك قيمته دينًا على البنك، والبنك مليء مُقرٌّ مستعدّ للدفع حاضرٌ، ومتى كان المدين بهذه الأوصاف، وجبت زكاة الدين في الحال. وعدم الإيجاب والقبول اللفظيّين في الحوالة لا يبطلها، حيث جرى العرف بذلك. على أن بعض أئمة الشافعيّة قال: المراد بالإيجاب والقبول كلّ ما يُشعر بالرضا من قول أو فعل، والرضا محقّق. ٢ - الحنفيّة قالوا: الأوراق المالية -البنكنوت- من قبيل الدين القويّ، إلا أنها يمكن صرفها فضّة فورًا، فيجب فيها الزكاة فورًا. ٣ - المالكيّة قالوا: أوراق البنكنوت، وإن كانت سندات دين إلا أنها يمكن صرفها فضّة فورًا، وتقوم مقام الذهب في التعامل، فيجب فيها الزكاة بشروطها. ٤ - الحنابلة قالوا: لا تجب زكاة الورق النقديّ إلا إذا صُرف ذهبًا أو فضّةً، ووجدت فيه شروط الزكاة. ومن هذه الأقوال المنسوبة إلى المذاهب، نعلم أن أساسها هو اعتبار هذه الأوراق سندات دين على بنك الإصدار، وأنها يمكن صرف قيمتها فضّة فورًا، فتجب الزكاة فيها فورًا عند المذاهب الثلاثة، وعند الصرف فعلاً على مذهب الحنابلة. ونحن نعلم أن القانون أصبح يُعفي أوراق النقد المصرفيّة "البنكنوت" من أن يلتزم البنك صرفها بالذهب والفضّة، وبهذا ينهار الأساس الذي بني عليه إيجاب الزكاة في هذه الأوراق. هذا، مع أن هذه الأوراق أصبحت هي أساس التعامل بين الناس، ولم يعُدْ يرى الناس العملة الذهبيّة قط، ولا الفضيّة، إلا في المبالغ التافهة، أما عماد الثروات، والمبادلات، فهو هذه العملة الورقيّة. إن هذه الأوراق أصبحت -باعتماد السلطات الشرعيّة إياها، وجريان التعامل بها- أثمان الأشياء، ورؤوس الأموال، وبها يتمّ البيع والشراء، والتعامل داخل كلّ دولة، ومنها تُصرَف الأجور، والرواتب، والمكافآت، وغيرها، وعلى قدر ما يملك المرء منها يعتبر غناه، ولها قوّة الذهب والفضّة في قضاء الحاجات، وتيسير المبادلات، وتحقيق المكاسب والأرباح، فهي بهذا الاعتبار أموال نامية، أو قابلة للنماء، شأنها شأن الذهب والفضّة. صحيح أن الذهب والفضّة لهما قيمة مالية ذاتيّة من حيث إنهما معدنان نفيسان، حتى لو بطل التعامل بهما نقدين لبقيت قيمتهما الماليّة معدنين، نعم هذا صحيح، ولكن الذي

стр. 11867

يفهم من روح الشريعة، ونصوصها أنها لم توجب الزكاة في الذهب والفضّة لمحض ماليّتهما، إذ لم توجب الزكاة في كلّ مال، بل في المال المعدّ للنماء، والذهب والفضّة إنما اعتبرهما الشارع مالاً معدًا للنماء من جهة أنهما ثمنان للأشياء، وقِيَمٌ لها، فالثمنيّة مراعاة مع الماليّة أيضًا، ولهذا كان عنوان زكاة الذهب والفضة في كثير من الكتب "زكاة الأثمان"، أو "زكاة النقدين". ومن أجل هذا لا يسوغ أن يقال للناس: إن بعض المذاهب لا يرى إخراج الزكاة عن هذه الأوراق، وينسسب ذلك إلى مذهب أحمد، أو مالك، أو الشافعيّ، أو غيرهم. فالحقّ أن هذا أمر مستحدثٌ، ليس له نظير في عصر الأئمّة المجتهدين ﵃ حتى يقاس عليه، وُيلحق به. والواجب أن يُنظر إليه نظرة مستقلّة في ضوء واقعنا، وظروف حياتنا وعصرنا. وإني لأسجّل بالتقدير هنا ما كتبه، وأفتى به العلامة الشيخ محمد حسنين مخلوف العدويّ -رحمه اللَّه تعالى-- في رسالته "التبيان في زكاة الأثمان"، إذ قال معقبًا على تخريج زكاة الأوراق الماليّة على زكاة الدين المعروف عند الفقهاء القدامى، واعتبار هذه الأوراق سند دين (صكا كالكمبيالة) لا تجب تزكيته إلا على مذهب من لا يشترط القبض في تزكية الدين إذا كان على مليء مقرّ. قال: ولا يخفى أن تخريج زكاة الأوراق الماليّة على زكاة الدين -مع كونه مُجحِفًا بحقّ الفقراء على غير ما ذهب إليه الشافعيّة- مبنيذ على اعتبار القيمة المضمونة بهذه الأوراق كدين حقيقيّ في ذمة شخص مدين، وأن هذه الأوراق كمستندات ديون حقيقيّة. مع أن هناك فرقًا بين هذه الأوراق، وما هو مضمون بها، وبين الدين الحقيقيّ، وسنده المعروف عند الفقهاء، فإن الدين ما دام في ذمّة المدين لا ينمو، ولا ينتفع به ربّه، ولا يجري التعامل بسنده رسمًا، ولذا قيل بعدم وجوب زكاته؛ لأنه ليس مالاً حاضرًا مُعدًّا للنماء، بحيث ينتفع به ربّه، بخلاف قيمة هذه الأوراق، فإنها نامية، منتفع بها، كما ينتفع بالأموال الحاضرة، وكيف يقال: إنّ هذه الأوراق من قبيل مستندات الديون، ومستند الدين ما أخذ على المدين للتوثّق، وخشية الضياع، لا لتنمية الدين في ذمّة المدين، ولا للتعامل به؟:: أو يقال: لا تجب الزكاة فيها حتى يقبض بدلها نقدًا ذهبًا أو فضّةً، مع أن عدم الزكاة في الدين كما علمت إنما هو لكونه ليس معدًّا للنماء، ولا محفوظًا بعينه في خزانة المدين؟. والفقهاء إنما حكموا بعدم زكاة الدين ما دام في ذمّة المدين حتى يقبضه المالك، نظرًا لهذه العلّة، واستثنى الشافعيّة دين الموسر إذا كان

стр. 11868

حالاًّ، فإنه يزكَّى قبل قبضه كالوديعة، نظرًا إلى أنه في حكم الحاضر المعدّ للنماء. فلو فُرض نماؤه كما في بدل الأوراق الماليّة لما كان هناك وجه لتوقّف الزكاة على القبض، ولما خالف في ذلك أحدٌ من العلماء. فالحقّ أن هذا النوع من الدين نوع آخر مُستَحدَثٌ لا ينطبق عليه حقيقة الدين، وشروطه المعروفة عند الفقهاء، ولا يجري فيه الخلاف الذي جرى في زكاة الدين، بل ينبغي أن يُتّفَق على وجوب الزكاة فيه، لما علمت أنه كالمال الحاضر … إلى أن قال: ولو فُرض أنه ليس في البنك شيء من النقود، ونظر إلى تلك الأوراق في ذاتها بقطع النظر عما يعادلها، وعن التزام التعهّد المرقوم بها، واعتبر وجهة إصدار الحكومة لها، واعتبار العلّة لها أثمانًا رائجةً، لكانت كالنقدين تجب زكاتها على القول بأن الزكاة في النقدين معلولة بمجرّد الثمنيّة، ولو لم تكن خلقيّة كما تقدّم في زكاة الفلوس، وقِطَع الجلود، والكواغد. فتحصّل أن الأوراق الماليّة يصحّ أن تُزكّى باعتبارات أربعة: (الأول): باعتبار المال المضمون بها في ذمّة البنك، وأنه كمالٍ حاضرٍ مقبوضٍ، وإن لم يكن كالدين المعروف عند الفقهاء من كلّ وجه. (الثاني): زكاتها باعتبار الأموال المحفوظة بخزانة البنك، وعلى هذين الاعتبارين فالزكاة واجبة فيها اتفاقًا. (الثالث): زكاتها باعتبار قيمتها دينًا في ذمّة البنك، فتزكّى زكاة الدين الحالّ على مليء، كما ذهب إليه الشافعيّ. (الرابع): زكاتها باعتبار قيمتها الوضعيّة عند جريان الرسم بها في المعاملات، واتفاق الملّة (١) على اتخاذها أثمانًا للمقوّمات، وعلى ذلك فوجوب الزكاة فيها ثابت بالقياس كزكاة الفلوس والنحاس انتهى. قال القرضاويّ: هذا الاعتبار الأخير هو الذي يجب أن يُعوّل عليه في حكم النقود الورقية الإلزاميّة التي هي عمدة التبادل والتعامل الآن، والتي لم يعد يشترط أن يقابلها رصيد معدنيّ بالبنك، ولا يلتزم البنك صرفها بذهب أو فضّة. وربما كان الخلاف في أمر هذه الأوراق مقبولاً في بدء استعمالها، وعدم اطمئنان الجمهور إليها شأنَ كلّ جديد، أما الآن فالوضع قد تغيّر تمامًا. لقد أصبحت هذه الأوراق النقديّة تحقق داخل كلّ دولة ما تحقّقه النقود المعدنيّة،

стр. 11869

وينظر المجتمع إليها نظرته إلى تلك. إنها تُدفع مهرًا، فتستباح بها الفروج شرعًا دون أيّ اعتراض. وتدفع ثمنًا، فتنقل ملكيّة السلعة إلى دافعها بلا جدال. وتدفع أجرًا للجهد البشريّ، فلا يمتنع عاملٌ، أو موظّفٌ من أخذها جزاءً على عمله. وتدفع بها دية في القتل الخطأ، أو شبه العمد، فتبرىء ذمّةَ القاتل، ويرضى أولياء المقتول. وتُسْرَقُ فيستحقّ سارقها عقوبة السرقة بلا مراء من أحد. وتدّخر وتملك، فيعدّ مالكها غنيًّا بقدر ما يملك منها، فكلما كثرت في يده عظم غناه عند الناس، وعند نفسه (١). ومعنى هذا كلّه أن لها وظائف النقود الشرعيّة، وأهمّيّتها، ونظرة المجتمع إليها، فكيف يسوغ لنا أن نَحرِمَ الفقراءَ والمساكينَ، وسائرَ المستحقّين من الانتفاع بهذه النقود، ووظائفها المتعدّدة الوفيرة؟ أليس الناس كلّ الناس يسعون إلى تحصيلها جاهدين؟ أليس مُلاّكها يعُدّونها نعمة يجب شكرها؟ أليس الفقراء يتطلّعون إليها، ويسيل لعابهم شوقًا إليها؟ أليس يفرحون بها إذا أعطوا القليل منها؟ بلى واللَّه. وأختم هذه النقطة بما قرّره أساتذة الاقتصاد أنه يمكن القول بأن النقود هي كلّ ما يُستعمل مقياسًا للقيم، وواسطة للتبادل، وأداة للادخار، فأيّ شيء يؤدّي إلى هذه الوظيفة يعتبر نقودًا، بصرف النظر عن المادّة المصنوع منها، وبصرف النظر عن الكيفيّة التي أصبح بها وسيلة التعامل في مبدإ الأمر، فما دامت هناك مادّة يقبلها كلّ المنتجين في مجتمع مّا للمبادلة نظير ما يبيعون، فهذه المادّة نقود انتهى ما كتبه الدكتور القرضاويّ شكر اللَّه سعيه، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٤٧٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (٢) ابْنُ الْقَاسِمِ, عَنْ مَالِكٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ الْمَازِنِيُّ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : قَالَ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ (٣) أَوْسُقٍ, مِنَ التَّمْرِ, صَدَقَةٌ, وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ, مِنَ الْوَرِقِ, صَدَقَةٌ, وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ, مِنَ الإِبِلِ, صَدَقَةٌ»).

стр. 11870

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا، غير: ١ - (محمد بن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن أبي صَعْصَعَة) الأنصاريّ النجّاريّ، أبي عبد الرحمن المدنيّ، ومنهم من نسبه إلى جدّه، ومنهم من نسبَ عبدَ اللَّه إلى جدّه، والجميع واحد، ثقة [٦]. قال مالك: كان لآل أبي صعصعة حلقة في المسجد، وكانوا أهل علم، ودراية، وكلّهم كان يفتي. وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. وقال محمد بن إسحاق: كان ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له البخاريّ، والمصنّف، وابن ماجه، وليس له عند المصنّف إلا هذا الحديث كرره ثلاث مرات ٢٤٧٤ و ٢٤٧٥ و ٢٤٧٦. و"عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن أبي صَعْصَعة" المدنيّ، ثقة [٣] ١٤/ ٦٤٤. والحديث متفق عليه، كما تقدّم الكلام عليه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٤٧٥ - (أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ, عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ, عَنْ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ, وَعَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ, عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ, أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَقُولُ: «لَا صَدَقَةَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ (١) أَوْسَاقٍ مِنَ التَّمْرِ, وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ, صَدَقَةٌ, وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسِ (٢) ذَوْدٍ مِنَ الإِبِلِ, صَدَقَةٌ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، وتقدموا. و"هارون بن عبد اللَّه": هو الحمّال البغداديّ الثقة. و"أبو أسامة": هو حماد بن أسامة الكوفيّ الثقة الثبت. و"محمد بن عبد الرحمن": هو ابن عبد اللَّه المترجم في الحديث السابق، نَسَبَه هنا لجدّه. و"الوليد بن كثير": هو المخزومّي المدنيّ، ثم الكوفيّ، صدوق عارف بالمغازي، رُمي برأي الخوارج [٦] ٤٤/ ٥٢. و"عبّاد بن تميم" بن غَزِية الأنصاريّ المازنيّ المدنيّ، ثقة [٣] ٥٩/ ٧٤. والحديث متفق عليه، وقد تقدّم البحث عنه مُستَوفىً قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٤٧٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ الطُّوسِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي,
следующие страницы →