← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 11866–11905 · переход к 11871.

стр. 11866

وفي كتاب "الفقه على المذاهب الأربعة" الذي ألّفته لجنة تمثّل علماء هذه المذاهب في مصر نقرأ ما يأتي: ١ - الشافعيّة قالوا: الورق النقديّ التعامل به من قبيل الحوالة على البنك بقيمته، فيملك قيمته دينًا على البنك، والبنك مليء مُقرٌّ مستعدّ للدفع حاضرٌ، ومتى كان المدين بهذه الأوصاف، وجبت زكاة الدين في الحال. وعدم الإيجاب والقبول اللفظيّين في الحوالة لا يبطلها، حيث جرى العرف بذلك. على أن بعض أئمة الشافعيّة قال: المراد بالإيجاب والقبول كلّ ما يُشعر بالرضا من قول أو فعل، والرضا محقّق. ٢ - الحنفيّة قالوا: الأوراق المالية -البنكنوت- من قبيل الدين القويّ، إلا أنها يمكن صرفها فضّة فورًا، فيجب فيها الزكاة فورًا. ٣ - المالكيّة قالوا: أوراق البنكنوت، وإن كانت سندات دين إلا أنها يمكن صرفها فضّة فورًا، وتقوم مقام الذهب في التعامل، فيجب فيها الزكاة بشروطها. ٤ - الحنابلة قالوا: لا تجب زكاة الورق النقديّ إلا إذا صُرف ذهبًا أو فضّةً، ووجدت فيه شروط الزكاة. ومن هذه الأقوال المنسوبة إلى المذاهب، نعلم أن أساسها هو اعتبار هذه الأوراق سندات دين على بنك الإصدار، وأنها يمكن صرف قيمتها فضّة فورًا، فتجب الزكاة فيها فورًا عند المذاهب الثلاثة، وعند الصرف فعلاً على مذهب الحنابلة. ونحن نعلم أن القانون أصبح يُعفي أوراق النقد المصرفيّة "البنكنوت" من أن يلتزم البنك صرفها بالذهب والفضّة، وبهذا ينهار الأساس الذي بني عليه إيجاب الزكاة في هذه الأوراق. هذا، مع أن هذه الأوراق أصبحت هي أساس التعامل بين الناس، ولم يعُدْ يرى الناس العملة الذهبيّة قط، ولا الفضيّة، إلا في المبالغ التافهة، أما عماد الثروات، والمبادلات، فهو هذه العملة الورقيّة. إن هذه الأوراق أصبحت -باعتماد السلطات الشرعيّة إياها، وجريان التعامل بها- أثمان الأشياء، ورؤوس الأموال، وبها يتمّ البيع والشراء، والتعامل داخل كلّ دولة، ومنها تُصرَف الأجور، والرواتب، والمكافآت، وغيرها، وعلى قدر ما يملك المرء منها يعتبر غناه، ولها قوّة الذهب والفضّة في قضاء الحاجات، وتيسير المبادلات، وتحقيق المكاسب والأرباح، فهي بهذا الاعتبار أموال نامية، أو قابلة للنماء، شأنها شأن الذهب والفضّة. صحيح أن الذهب والفضّة لهما قيمة مالية ذاتيّة من حيث إنهما معدنان نفيسان، حتى لو بطل التعامل بهما نقدين لبقيت قيمتهما الماليّة معدنين، نعم هذا صحيح، ولكن الذي

стр. 11867

يفهم من روح الشريعة، ونصوصها أنها لم توجب الزكاة في الذهب والفضّة لمحض ماليّتهما، إذ لم توجب الزكاة في كلّ مال، بل في المال المعدّ للنماء، والذهب والفضّة إنما اعتبرهما الشارع مالاً معدًا للنماء من جهة أنهما ثمنان للأشياء، وقِيَمٌ لها، فالثمنيّة مراعاة مع الماليّة أيضًا، ولهذا كان عنوان زكاة الذهب والفضة في كثير من الكتب "زكاة الأثمان"، أو "زكاة النقدين". ومن أجل هذا لا يسوغ أن يقال للناس: إن بعض المذاهب لا يرى إخراج الزكاة عن هذه الأوراق، وينسسب ذلك إلى مذهب أحمد، أو مالك، أو الشافعيّ، أو غيرهم. فالحقّ أن هذا أمر مستحدثٌ، ليس له نظير في عصر الأئمّة المجتهدين ﵃ حتى يقاس عليه، وُيلحق به. والواجب أن يُنظر إليه نظرة مستقلّة في ضوء واقعنا، وظروف حياتنا وعصرنا. وإني لأسجّل بالتقدير هنا ما كتبه، وأفتى به العلامة الشيخ محمد حسنين مخلوف العدويّ -رحمه اللَّه تعالى-- في رسالته "التبيان في زكاة الأثمان"، إذ قال معقبًا على تخريج زكاة الأوراق الماليّة على زكاة الدين المعروف عند الفقهاء القدامى، واعتبار هذه الأوراق سند دين (صكا كالكمبيالة) لا تجب تزكيته إلا على مذهب من لا يشترط القبض في تزكية الدين إذا كان على مليء مقرّ. قال: ولا يخفى أن تخريج زكاة الأوراق الماليّة على زكاة الدين -مع كونه مُجحِفًا بحقّ الفقراء على غير ما ذهب إليه الشافعيّة- مبنيذ على اعتبار القيمة المضمونة بهذه الأوراق كدين حقيقيّ في ذمة شخص مدين، وأن هذه الأوراق كمستندات ديون حقيقيّة. مع أن هناك فرقًا بين هذه الأوراق، وما هو مضمون بها، وبين الدين الحقيقيّ، وسنده المعروف عند الفقهاء، فإن الدين ما دام في ذمّة المدين لا ينمو، ولا ينتفع به ربّه، ولا يجري التعامل بسنده رسمًا، ولذا قيل بعدم وجوب زكاته؛ لأنه ليس مالاً حاضرًا مُعدًّا للنماء، بحيث ينتفع به ربّه، بخلاف قيمة هذه الأوراق، فإنها نامية، منتفع بها، كما ينتفع بالأموال الحاضرة، وكيف يقال: إنّ هذه الأوراق من قبيل مستندات الديون، ومستند الدين ما أخذ على المدين للتوثّق، وخشية الضياع، لا لتنمية الدين في ذمّة المدين، ولا للتعامل به؟:: أو يقال: لا تجب الزكاة فيها حتى يقبض بدلها نقدًا ذهبًا أو فضّةً، مع أن عدم الزكاة في الدين كما علمت إنما هو لكونه ليس معدًّا للنماء، ولا محفوظًا بعينه في خزانة المدين؟. والفقهاء إنما حكموا بعدم زكاة الدين ما دام في ذمّة المدين حتى يقبضه المالك، نظرًا لهذه العلّة، واستثنى الشافعيّة دين الموسر إذا كان

стр. 11868

حالاًّ، فإنه يزكَّى قبل قبضه كالوديعة، نظرًا إلى أنه في حكم الحاضر المعدّ للنماء. فلو فُرض نماؤه كما في بدل الأوراق الماليّة لما كان هناك وجه لتوقّف الزكاة على القبض، ولما خالف في ذلك أحدٌ من العلماء. فالحقّ أن هذا النوع من الدين نوع آخر مُستَحدَثٌ لا ينطبق عليه حقيقة الدين، وشروطه المعروفة عند الفقهاء، ولا يجري فيه الخلاف الذي جرى في زكاة الدين، بل ينبغي أن يُتّفَق على وجوب الزكاة فيه، لما علمت أنه كالمال الحاضر … إلى أن قال: ولو فُرض أنه ليس في البنك شيء من النقود، ونظر إلى تلك الأوراق في ذاتها بقطع النظر عما يعادلها، وعن التزام التعهّد المرقوم بها، واعتبر وجهة إصدار الحكومة لها، واعتبار العلّة لها أثمانًا رائجةً، لكانت كالنقدين تجب زكاتها على القول بأن الزكاة في النقدين معلولة بمجرّد الثمنيّة، ولو لم تكن خلقيّة كما تقدّم في زكاة الفلوس، وقِطَع الجلود، والكواغد. فتحصّل أن الأوراق الماليّة يصحّ أن تُزكّى باعتبارات أربعة: (الأول): باعتبار المال المضمون بها في ذمّة البنك، وأنه كمالٍ حاضرٍ مقبوضٍ، وإن لم يكن كالدين المعروف عند الفقهاء من كلّ وجه. (الثاني): زكاتها باعتبار الأموال المحفوظة بخزانة البنك، وعلى هذين الاعتبارين فالزكاة واجبة فيها اتفاقًا. (الثالث): زكاتها باعتبار قيمتها دينًا في ذمّة البنك، فتزكّى زكاة الدين الحالّ على مليء، كما ذهب إليه الشافعيّ. (الرابع): زكاتها باعتبار قيمتها الوضعيّة عند جريان الرسم بها في المعاملات، واتفاق الملّة (١) على اتخاذها أثمانًا للمقوّمات، وعلى ذلك فوجوب الزكاة فيها ثابت بالقياس كزكاة الفلوس والنحاس انتهى. قال القرضاويّ: هذا الاعتبار الأخير هو الذي يجب أن يُعوّل عليه في حكم النقود الورقية الإلزاميّة التي هي عمدة التبادل والتعامل الآن، والتي لم يعد يشترط أن يقابلها رصيد معدنيّ بالبنك، ولا يلتزم البنك صرفها بذهب أو فضّة. وربما كان الخلاف في أمر هذه الأوراق مقبولاً في بدء استعمالها، وعدم اطمئنان الجمهور إليها شأنَ كلّ جديد، أما الآن فالوضع قد تغيّر تمامًا. لقد أصبحت هذه الأوراق النقديّة تحقق داخل كلّ دولة ما تحقّقه النقود المعدنيّة،

стр. 11869

وينظر المجتمع إليها نظرته إلى تلك. إنها تُدفع مهرًا، فتستباح بها الفروج شرعًا دون أيّ اعتراض. وتدفع ثمنًا، فتنقل ملكيّة السلعة إلى دافعها بلا جدال. وتدفع أجرًا للجهد البشريّ، فلا يمتنع عاملٌ، أو موظّفٌ من أخذها جزاءً على عمله. وتدفع بها دية في القتل الخطأ، أو شبه العمد، فتبرىء ذمّةَ القاتل، ويرضى أولياء المقتول. وتُسْرَقُ فيستحقّ سارقها عقوبة السرقة بلا مراء من أحد. وتدّخر وتملك، فيعدّ مالكها غنيًّا بقدر ما يملك منها، فكلما كثرت في يده عظم غناه عند الناس، وعند نفسه (١). ومعنى هذا كلّه أن لها وظائف النقود الشرعيّة، وأهمّيّتها، ونظرة المجتمع إليها، فكيف يسوغ لنا أن نَحرِمَ الفقراءَ والمساكينَ، وسائرَ المستحقّين من الانتفاع بهذه النقود، ووظائفها المتعدّدة الوفيرة؟ أليس الناس كلّ الناس يسعون إلى تحصيلها جاهدين؟ أليس مُلاّكها يعُدّونها نعمة يجب شكرها؟ أليس الفقراء يتطلّعون إليها، ويسيل لعابهم شوقًا إليها؟ أليس يفرحون بها إذا أعطوا القليل منها؟ بلى واللَّه. وأختم هذه النقطة بما قرّره أساتذة الاقتصاد أنه يمكن القول بأن النقود هي كلّ ما يُستعمل مقياسًا للقيم، وواسطة للتبادل، وأداة للادخار، فأيّ شيء يؤدّي إلى هذه الوظيفة يعتبر نقودًا، بصرف النظر عن المادّة المصنوع منها، وبصرف النظر عن الكيفيّة التي أصبح بها وسيلة التعامل في مبدإ الأمر، فما دامت هناك مادّة يقبلها كلّ المنتجين في مجتمع مّا للمبادلة نظير ما يبيعون، فهذه المادّة نقود انتهى ما كتبه الدكتور القرضاويّ شكر اللَّه سعيه، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٤٧٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (٢) ابْنُ الْقَاسِمِ, عَنْ مَالِكٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ الْمَازِنِيُّ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : قَالَ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ (٣) أَوْسُقٍ, مِنَ التَّمْرِ, صَدَقَةٌ, وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ, مِنَ الْوَرِقِ, صَدَقَةٌ, وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ, مِنَ الإِبِلِ, صَدَقَةٌ»).

стр. 11870

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا، غير: ١ - (محمد بن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن أبي صَعْصَعَة) الأنصاريّ النجّاريّ، أبي عبد الرحمن المدنيّ، ومنهم من نسبه إلى جدّه، ومنهم من نسبَ عبدَ اللَّه إلى جدّه، والجميع واحد، ثقة [٦]. قال مالك: كان لآل أبي صعصعة حلقة في المسجد، وكانوا أهل علم، ودراية، وكلّهم كان يفتي. وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. وقال محمد بن إسحاق: كان ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له البخاريّ، والمصنّف، وابن ماجه، وليس له عند المصنّف إلا هذا الحديث كرره ثلاث مرات ٢٤٧٤ و ٢٤٧٥ و ٢٤٧٦. و"عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن أبي صَعْصَعة" المدنيّ، ثقة [٣] ١٤/ ٦٤٤. والحديث متفق عليه، كما تقدّم الكلام عليه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٤٧٥ - (أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ, عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ, عَنْ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ, وَعَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ, عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ, أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَقُولُ: «لَا صَدَقَةَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ (١) أَوْسَاقٍ مِنَ التَّمْرِ, وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ, صَدَقَةٌ, وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسِ (٢) ذَوْدٍ مِنَ الإِبِلِ, صَدَقَةٌ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، وتقدموا. و"هارون بن عبد اللَّه": هو الحمّال البغداديّ الثقة. و"أبو أسامة": هو حماد بن أسامة الكوفيّ الثقة الثبت. و"محمد بن عبد الرحمن": هو ابن عبد اللَّه المترجم في الحديث السابق، نَسَبَه هنا لجدّه. و"الوليد بن كثير": هو المخزومّي المدنيّ، ثم الكوفيّ، صدوق عارف بالمغازي، رُمي برأي الخوارج [٦] ٤٤/ ٥٢. و"عبّاد بن تميم" بن غَزِية الأنصاريّ المازنيّ المدنيّ، ثقة [٣] ٥٩/ ٧٤. والحديث متفق عليه، وقد تقدّم البحث عنه مُستَوفىً قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٤٧٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ الطُّوسِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي,

стр. 11871

قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ إِسْحَاقَ, قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ, وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ -وَكَانَا ثِقَةً- عَنْ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ بْنِ أَبِي حَسَنٍ, وَعَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ -وَكَانَا ثِقَةً- عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ, قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ, مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ, وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ, مِنَ الإِبِلِ صَدَقَةٌ, وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، سوى شيخه "محمد بن منصور الطُّوسيّ" نزيل بغداد، فقد تفرد به هو وأبو داود، وهو ثقة، من صغار [١٠] ٤٦/ ٧٤١. و"يعقوب": هو ابن سعد بن إبراهيم الزهريّ المدنيّ الثقة الفاضل، من صغار [٩]. و"أبوه": هو سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف المدنيّ، القاضي، ثقة فاضل عابد [٥]. وقوله: "وكانا ثقة". إنما أخبر عن المثنّى بمفرد، وهو "ثقة"؛ لأنه يجوز إطلاقه لغةً على الواحد، وغيره، يقال: هو، وهي، وهم، وهنّ ثقة؛ لأنه في الأصل مصدرٌ، وقد يُجمع في الذكور والإناث، فيقال: ثقات، كما قيل: عِدَات. قاله في "المصباح". والحديث متفق عليه، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٤٧٧ - (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ, عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ, عَنْ عَلِيٍّ ﵁, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «قَدْ عَفَوْتُ عَنِ الْخَيْلِ, وَالرَّقِيقِ, فَأَدُّوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ, مِنْ كُلِّ مِائَتَيْنِ خَمْسَةً»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمود بن غيلان) أبو أحمد المروزي، نزيل بغداد، ثقة [١٠] ٣٣/ ٣٧. ٢ - (أبو أسامة) حماد بن أسامة بن زيد القرشيّ مولاهم، ثقة ثبت، ربما دلس، من كبار [٩] ٤٤/ ٥٢. ٣ - (سفيان) بن سعيد الثوريّ الإمام الحجة المشهور [٧] ٣٣/ ٣٧. ٤ - (أبو إسحاق) عمرو بن عبد اللَّه السبيعيّ الهمداني الكوفي، ثقة عابد، اختلط بآخره [٣] ٣٨/ ٤٢. ٥ - (عاصم بن ضمرة) السَّلوليّ الكوفيّ، صدوق [٣] ٦٥/ ٨٧٤. ٦ - (عليّ ﵁) هو ابن أبي طالب ٧٤/ ٩١. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 11872

لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين غير شيخه، فمروزي، ثم بغداديّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. (ومنها): أن صحابيه أحد الخلفاء الأربعة، والعشرة المبشرين بالجنة، وابن عم المصطفى ﷺ ، وزوج ابنته فاطمة ﵄. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَلِيِّ) بن أبي طالب ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قَدْ عَفَوْتُ عَنِ الْخَيلِ، وَالرَّقِيقِ) أي تركت لكم أخذ زكاتها، وتجاوزت عنها، وهذا لا يقتضي سبق وجوبه، ثم نسخَهُ (فَأَدُّوا زَكَاةَ أَمْوَالِكمْ، مِنْ كُلِّ مِائَتَينِ خَمْسَةٌ") أي من كلّ مائتي درهم خمسة دراهم. ولفظ أبي داود: "فهاتوا صدقةَ الرِّقَةَ، من كلّ أربعين درهما درهم، وليس في تسعين ومائة شيءٌ، فإذا بلغت مائتين ففيها خمسة دراهم". والحديث دليل على عدم وجوب الزكاة في الخيل والرقيق مطلقًا، لأن "ال" في كلّ من "الخيل"، و"الرقيق" للجنس، وهو مذهب الجمهور، وخالف في ذلك حماد بن أبي سليمان، وأبو حنيفة، وزفر، وروي عن زيد بن ثابت ﵁، فقالوا: تجب الزكاة في الخيل على تفصيل فيه، وقد تقدّم تحقيق ذلك، وترجيح مذهب الجمهور قبل باب، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عليّ ﵁ هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١٨/ ٢٤٧٧ و ٢٤٧٨ - وفي "الكبرى"-١٩/ ٢٢٥٦ و ٢٢٥٧. وأخرجه (د) في "الزكاة" ١٥٧٢ و ١٥٧٤ (ت) في "الزكاة" ٦٢٠ (ق) في "الزكاة" ١٧٩٠ (أحمد) في "مسند العشرة" ٧١٣ و ٩١٥ و ١١٠٠ و ١٢٣٧ و ١٢٤٧ و ١٢٧٠ (الدارميّ) في "الزكاة" ١٦٢٩. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ٢٤٧٨ - (أَخْبَرَنَا حُسَيْنُ بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ, عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ, عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ, عَنْ عَلِيٍّ ﵁, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «قَدْ عَفَوْتُ عَنِ الْخَيْلِ, وَالرَّقِيقِ, وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ مِائَتَيْنِ زَكَاةٌ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "حسين بن منصور": هو أبو عليّ النيسابوريّ الثقة الفقيه [١٠] ٢٥/ ١٦٦٤.

стр. 11873

و"ابن نُمير": هو عبد اللَّه بن نُمير الهمدانيّ الخارفيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقة صاحب حديث، من أهل السنّة، من كبار [٧] ٢٥/ ١٦٦٤. و"الأعمش" سليمان بن مهران الثقة الثبت الحجة [٥] ١٧/ ١٨. والباقون تقدّموا في السند الماضي. والحديث صحيح، وتقدم الكلام عليه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ١٩ - (بَابُ زَكَاةِ الْحُلِيِّ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ظاهر الترجمة أنّ المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- يرى ترجيح مذهب القائلين بوجوب زكاة الحليّ -وهو مذهب الحنفيّة-وهو الحقّ؛ لقوة دليله، كما سيأتي تحقيقه في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى. و"الْحُليّ" -بضمّ الحاء المهملة، وكسر اللام، وتشديد التحتانيّة- جمع "حَلْيٍ" -بفتح المهملة، وسكون اللام- كثَدْيِ وثُدِيٍّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٤٧٩ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, عَنْ حُسَيْنٍ, عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ جَدِّهِ, أَنَّ امْرَأَةً, مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ, أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , وَبِنْتٌ (١) لَهَا, فِي يَدِ ابْنَتِهَا (٢) مَسَكَتَانِ, غَلِيِظَتَانِ, مِنْ ذَهَبٍ, فَقَالَ: «أَتُؤَدِّينَ زَكَاةَ هَذَا؟» , قَالَتْ: لَا, قَالَ: «أَيَسُرُّكِ أَنْ يُسَوِّرَكِ اللَّهُ, بِهِمَا, يَوْمَ الْقِيَامَةِ, سِوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ؟» , قَالَ: فَخَلَعَتْهُمَا, فَأَلْقَتْهُمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: هُمَا لِلَّهِ, وَلِرَسُولِهِ ﷺ ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إسماعيل بن مسعود) الجحدري البصري، ثقة [١٠] من أفراد المصنف ٤٢/ ٤٧. ٢ - (خالد) بن الحارث الْهُجَيميّ البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٤٢/ ٤٧. ٣ - (حسينٌ) بن ذكوان الْمُعَلِّم البصريّ، ثقة [٦] ١٢٢/ ١٧٤. ٤ - (عمرو بن شعيب) المدني، أو الطائفي، صدوق [٥] ١٠٥/ ١٤٠.

стр. 11874

٥ - (أبوه) شعيب بن محمد الطائفي، صدوق [٣] ١٠٥/ ١٤٠. ٦ - (جده) عبد اللَّه بن عمرو بن العاص - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٨٩/ ١١١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات. (ومنها): أنه مسلسل بالبصرين إلى حسين، ومنه مدنيون، أو طائفيون. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، عن جده، وتابعي، عن تابعي. (ومنها): أن صحابيه أحد العبادلة الأربعة، وقد تقدموا غير مرّة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ) شعيب بن محمد بن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، (عَنْ جَدِّهِ) الضمير لشعيب، أَي جدّ شعيب، وهو عبد اللَّه بن عمرو بن العاص الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄ وقد ثبت سماع شعيب منه (أَنَّ امْرَأَةً، مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ) هذا يردّ قول من قال: إنها أسماء بنت يزيد بن السَّكَن، كما نقله في "المنهل"، فإنها أنصاريّة، وليست يمنيّة (أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَبِنْتٌ لَهَا) بالرفع عطفًا على الضمير الفاعل، لفصله بالمفعول (فِي يَدِ ابْنَتِهَا مَسَكَتَانِ) جملة في محلّ نصب على الحال. و"الْمَسَكَتان": تثنية مَسَكَة -بفتح الميم، والسين المهملة- وهي في الأصل السِوَار من الذَّبْلِ، وهي قرون الأوعال، وقيل: جلود دابّة بحريّة، والجمع مَسَكٌ. وفي "تهذيب الأزهريّ": الْمَسَكُ: الذَّبْلُ من العاجِ كهيئة السِّوَار، تجعله المرأة في يديها، فذلك الْمَسَكُ، والذّبْلُ -أي بفتح، فسكون-: القُرُون، فإن كان من عاج فهو مَسَكٌ، وعاجٌ، وَوَقْفٌ، وإذا كان من ذَبْلٍ فهو مَسَكٌ لا غير. وقال أبو عمرو: الْمَسَكُ مثل الأسوِرَة، من قُرُون، أو عاج، قال [من الطويل]: تَرَى الْعَبَسَ الْحَوْلِيَّ جَوْنًا بِكُوعِهَا … لَهَا مَسَكًا مِنْ غَيْرِ عَاجٍ وَلَا ذَبْلِ. أفاده في "لسان العرب". والمراد به هنا سواران من ذهب، كما بيّنه بقوله (غَلِيظَتَانِ، مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ) ﷺ (أَتُؤَدِّينَ) وفي نسخة: "أتؤديان زكاته" بضمير التثنية، للمرأة وابنتها (زَكَاةَ هَذَا؟) إنما أفرد اسم الإشارة مع أنّ المشار إليه مثنّى، بتأويله بالملبوس، أي أتؤدّين زكاة هذا الملبوس في يديك؟. (قَالَتْ: لَا) أي لا أُأدّي زكاته (قَالَ: "أَيَسُرُّكِ") - بضمّ السين المهملة- أي يُفرحك، يقال: سَرَّهُ سُرُورًا -بالضمّ- والاسم السَّرُور- بالفتح-: إذا أفرحه. قاله في "المصباح" (أَنْ يُسَوِّرَكِ اللَّهُ، ) أي يُلبسك، يقال:

стр. 11875

سَوَّرته السِّوَار: ألبسته إياه (بهِمَا) أي بسبب عدم أداء زكاتهما (يَوْمَ الْقِيَامَةِ، سِوَارَيْنِ) تثنية سِوَار -بالكسر، والضمّ- قال في "القاموس": والسّوار، ككِتَاب، وغُرَاب: الْقُلْبُ، كالأُسْوَارِ -بالضمّ- والجمع أَسْوِرَةٌ، وأَسَاورُ، وأَسَاورَةٌ، وسُوْرٌ، وسُؤْرٌ انتهى. وقال في "المصباح": وسِوَارُ المرأة: معروفٌ، والجمع أَسْوِرَةٌ، مثلُ سِلَاح وأسْلِحَة، وأسَاورةٌ أيضًا، وربّما قيل: سُورٌ، والأصل بضمّتين، مثلُ كتاب وكُتُب، لكن أُسكن للتخفيف، والسُّوَار -بالضمّ- لغةٌ فيه انتهى. (مِنْ نَارٍ؟) متعلّق بصفة لـ"سوارين"، و"من" بيانيّة. وفيه دلالة على وجوب الزكاة في الحليّ الذي تلبسه المرأة للزينة، وهو المذهب الراجح، كما سيأتي تحقيقه في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى (قَالَ) الراوي (فَخَلَعَتْهُمَا) من باب نَفَع: أي نَزَعتهما من يدي ابنتها (فَأَلْقَتْهُمَا) أي رمتهما (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: هُمَا لِلَّهِ، وَلِرَسُولِهِ ﷺ ) أي هما صدقتان مدفوعاتان إلى اللَّه وإلى رسوله ﷺ ، ليصرفهما في مصارفهما. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد اللَّه بن عمرو ﵄ هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١٩/ ٢٤٧٩ و ٢٤٨٠ - وفي "الكبرى" ٢٠/ ٢٢٥٨ و ٢٢٥٩. وأخرجه (د) في "الزكاة" ١٥٦٣٢ (أحمد) في "مسند المكثرين" ٦٦٢٩ و ٦٨٦٢ و ٦٩٠٠. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما بوّب له المصنّف، وهو وجوب زكاة الحليّ (ومنها): جواز التحلّي للنساء بحليّ الذهب، من السوار، وغيره، إذا أدّت زكاته. قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: أجمع المسلمون على أنه يجوز للنساء لبس أنواع التحلّي من الفضّة والذهب جميعًا، كالطوق، والعِقْد، والخاتم، والسوار، والخلخال، والتعاويذ، والدَّمَالج، والمخانق، وكلّ ما يُتّخذ في العنق وغيره، وكلّ يَعْتدن لبسه، ولا خلاف في شيء من هذا. انتهى (١).

стр. 11876

(ومنها): تغليظ وعيد مَن منع الزكاة (ومنها): أن الجزاء يوم القيامة يكون من جنس العمل (ومنها): جواز التصدّق بالحليّ، وسيأتي للمصنّف في ٨٢/ ٢٥٨٣ - حديث زينب امرأة عبد اللَّه بن مسعود ﵄: أن النبيّ ﷺ قال: "يا معشر النساء تصدّقن، ولو من حليّكنّ … " الحديث، وهو حديث متفق عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في وجوب زكاة الحليّ: ذهبت طائفة من العلماء إلى وجوب الزكاة في الحليّ. رُوي ذلك عن عمر بن الخطّاب، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وعائشة ﵃. وبه قال عبد اللَّه بن شدّاد، وابن المسيّب، وسعيد بن جُبير، وعطاء، وابن سيرين، وجابر بن زيد، ومجاهد، والزهريّ، وطاوس، وميمون بن مِهران، والضحّاك، وعلقمة، والأسود، وعمر بن عبد العزيز، وإبراهيم النخعيّ، وذَرّ الهمدانيّ، والأوزاعيّ، وابن شُبْرُمة، والحسن بن حيّ، وأبو حنيفة، وأصحابه، والثوريّ، وعبد اللَّه بن المبارك وابن المنذر، وابن حزم، وهي رواية عن أحمد، كما في "المغني"، وهو أحد أقوال الشافعيّ. وذهبت طائفة إلى أنه لا تجب الزكاة فيها: روي ذلك عن ابن عمر، وجابر، وأنس، وعائشة، وأسماء ﵃. وبه قال القاسم بن محمد، والشعبيّ، وقتادة، ومحمد بن عليّ، وعمرة، وأبو عبيد، ومالك، وأحمد، وإسحاق، والشافعيّ في أظهر قوليه. قال ابن المنذر: وقد كان الشافعيّ قال بهذا إذ هو بالعراق، ثم وقف عنه بمصر، وقال: هذا مما أستخير اللَّه تعالى فيه. ذكره المنذريّ في "الترغيب". وذهب الليث إلى أن ما كان من حليّ يُلبس، وُيعار، فلا زكاة فيه، وإن اتخذ للتحرّز من الزكاة. وقال أنس بن مالك ﵁: يزكى عامًا واحدًا لا غير. والحاصل أن في هذه المسألة أربعة أقوال: (أحدها): الوجوب؛ عملاً بما ورد في ذلك من الأحاديث. (والثاني): عدم الوجوب؛ لآثار وردت عن السلف قاضية بعدم وجوبها. (والثالث): أن زكاتها عاريتها. (والرابع): إنها تجب مرّة واحدة، رواه البيهقيّ عن أنس ﵁. وأصحّ الأقوال الأول؛ لقوة أدلّته، فقد دلّت عليه دلائل واضحة، عامّة، وخاصّة:

стр. 11877

(فمن الأدلة العامّة): قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ الآية [التوبة: ٣٤]. (ومنها أيضًا): عموم قوله ﷺ : "وفي الرقة ربع العشر" رواه البخاريّ. قال ابن قُتيبة: "الرقة": الفضّة، سواء كانت الدراهم، أو غيرها. نقله ابن الجوزيّ في "التحقيق". (ومنها): قوله ﷺ : "ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة". متفق عليه. والوَرِق يُطلق على الفضّة مضروبة كانت، أو غير مضروبة، يدلّ على ذلك ما جاء في الحديث: أن عرفجة ﵁ اتخذ خاتما من ورِقٍ. حديث صحيح، رواه أبو داود، والمصنّف (١). قال أبو محمد ابن حزم -رحمه اللَّه تعالى-: لَمَّا صحّ عن رسول اللَّه ﷺ : "في الرقة ربع العشر"، و"ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة، فإذا بلغ مائتي درهم ففيها خمسة دراهم"، وكان الحليّ وَرِقًا وجب فيه الزكاة؛ لعموم هذين الأثرين الصحيحين. وأما الذهب فقد صحّ عن رسول اللَّه ﷺ : "ما من صاحب ذهب، لا يؤدّي ما فيها، إلا جُعل له يوم القيامة صفائح من نار، يُكوى بها". فوجبت الزكاة بالنصّ في كلّ ذهب وفضّة، ولم يجز تخصيص شيء منهما، إذ قد عمّهما النصّ، فلا يجوز أن يقال: إلا الحليّ بغير نصّ في ذلك، ولا إجماع. انتهى كلام ابن حزم باختصار (٢). (ومن الأدّلّة الخاصّة): حديث الباب، وهو حديث صحيح، كما تقدّم. (ومنها): ما أخرجه أبو داود، بسند صحيح، عن عبد اللَّه بن شداد بن الهاد، أنه قال: دخلنا على عائشة، زوج النبي ﷺ ، فقالت: دخل عليّ رسول اللَّه ﷺ ، فرأى في يدي فَتَخَات، من وَرِقٍ، فقال: "ما هذا، يا عائشة؟ "، فقلت: صنعتهن، أَتَزَيَّن لك، يا رسول اللَّه، قال: "أتؤدين زكاتهن؟ "، قلت: لا، أو ما شاء اللَّه، قال: "هو حسبك من النار". ثم أخرج بسنده: قيل لسفيان: كيف تزكيه؟ قال: تضمه إلى غيره. (ومنها): حديث أم سلمة ﵂، قالت: كنت ألبس أوضاحا، من ذهب، فقلت: يا رسول اللَّه، أكنز هو؟، فقال: "ما بلغ أن تؤدى زكاته، فزُكِّيَ، فليس بكنز". أخرجه أبو داود، بإسناد صحيح أيضًا. (ومنها): ما أخرجه أحمد عن أسماء بنت يزيد ﵂، قالت: دخلت أنا، وخالتي

стр. 11878

على النبيّ ﷺ ، وعليها أسورة من ذهب، فقال لنا: "أتعطيان زكاته؟ "، قالت: فقلنا: لا، قال: "أما تخافان، أن يسوركما اللَّه، أسورة من نار، أديا زكاتهُ". وفي إسناده مقال. وقد وردت أحاديث في الباب لكنها ضعاف، وفيما ذكرناه كفايةٌ. وقد أجاب القائلون بعدم وجوب الزكاة في الحليّ عن هذه الأحاديث بأجوبة كلها مردودة: (فمنها): أن هذه الأحاديث وردت حين كان التحلّي بالذهب حراما على النساء، فلما أبيح لهنّ سقطت منه الزكاة بالاستعمال، كما تسقط زكاة الماشية بالاستعمال. وهذا الجواب باطل. قال البيهقيّ في "المعرفة": كيف يصحّ هذا القول من حديث أم سلمة، وحديث فاطمة بنت قيس، وحديث أسماء بنت يزيد ﵅، وفيها التصريح بلبسه مع الأمر بالزكاة، وحديث عائشة ﵂ دخل عليّ رسول اللَّه ﷺ ، فرأى في يدي فَتَخَات من ورِقٍ … "، إن كان الورِق فيه محفوظًا انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تقدّم أن حديثها المذكور صحيح. واللَّه تعالى أعلم. (ومنها): أن الزكاة المذكورة في هذه الأحاديث إنما كانت للزيادة على قدر الحاجة، وهذا ادعاء محضٌ، لا دليل عليه، بل في بعض الروايات ما يردّه. قال الزيلعيّ بعد ذكر حديث عمرو بن شعيب المذكور في الباب من رواية أحمد، وابن أبي شيبة، وإسحاق بن راهويه، بلفظ: "فأدّيا زكاة هذا الذي في أيديكما": ما نصّه: وهذا اللفظ يدفع تأويل من يحمله على أن الزكاة المذكورة فيه شُرعت للزيادة فيه على قدر الحاجة انتهى (١). (ومنها): أن المراد بالزكاة في هذه الأحاديث التطوّع، أو المراد بالزكاة العارية. قال القاري: وهما في غاية البعد، إذ لا وعيد في ترك التطوّع، والإعارة، مع أنه لا يصحّ إطلاق الزكاة على العارية، لا حقيقةً، ولا مجازًا انتهى (٢). والحاصل أن الراجح قول من قال بوجوب زكاة الحليّ، للأدلّة التي ذكرناها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٤٨٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: سَمِعْتُ حُسَيْنًا, قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ, قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ, وَمَعَهَا بِنْتٌ لَهَا, إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , وَفِي يَدِ ابْنَتِهَا مَسَكَتَانِ, نَحْوَهُ مُرْسَلٌ). قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: خَالِدٌ أَثْبَتُ مِنَ الْمُعْتَمِرِ. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "مُحَمَّدُ بْنُ عَبدِ الْأَعْلَى": هو الصنعاني البصري، ثقة

стр. 11879

[١٠] ٥/ ٥. و"الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيمَانَ": هو أبو محمد البصري، ثقة من كبار [٩] ١٠/ ١٠. والباقون تقدموا في السند الماضي. وقوله: "مرسلٌ": خبر لمحذوف، أي هذا الحديث مرسل. ولفظ "الكبرى": "مرسلاً"، وهو منصوب على الحال. ثم المراد بالمرسل هنا المعضل، حيث إنه سقط من الإسناد اثنان، شعيبٌ، وجدّه عبد اللَّه بن عمرو ﵄، كما تبيّن ذلك من الإسناد المتقدّم. وإطلاق المرسل على مطلق الانقطاع الشامل للإعضال وغيره مذهب كثير من أهل الحديث، كما تقدّم غير مرّة. واللَّه تعالى أعلم. وقوله: (قَالَ: أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ: خَالِدٌ أَثْبَتُ مِنَ الْمُعْتَمِرِ) أشار به إلى أن رواية خالد بن الحارث الموصولة المذكورة في السند السابق، أرجح من رواية المعتمر بن سليمان المرسلة هذه؛ لأن خالدًا أثبت منه، فإن معتمرًا، وإن كان ثقة، فقد وصف بسوء الحفظ، فقد قال يحيى القطّان: إذا حدّثكم المعتمر بشيء، فاعرِضوه، فإنه سيّء الحفظ. وقال ابن خراش: صدوق يُخطىء من حفظه. (١). وأجمعوا على حفظ خالد، وإتقانه، ولم يتكلّم فيه أحد بسوء الحفظ، بل كانوا يسمّونه خالد الصِّدْق (٢). وحاصل ما أشار إليه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- أن وصل هذا الحديث أصحّ من إرساله. هذا هو الظاهر من كلامه المذكور، وأما ما وقع في "تحفة الأشراف" جـ٦ ص ٣٠٩ - من قوله: "قال النسائيّ: خالد بن الحارث أثبت عندنا من معتمر، وحديث معتمر أولى بالصواب انتهى. فالظاهر أنه تصَحّف خالد إلى معتمر، والصواب: "وحديث خالد أولى بالصواب". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". …

стр. 11880

٢٠ - (بَابُ مَانِعِ الزَّكَاةِ) أي هذا باب ذكر الحديثين الدّالين على تعذيب مانع الزكاة. ٢٤٨١ - (أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ, هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ الَّذِي لَا يُؤَدِّي زَكَاةَ مَالِهِ, يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مَالُهُ, يَوْمَ الْقِيَامَةِ, شُجَاعًا أَقْرَعَ, لَهُ زَبِيبَتَانِ", قَالَ: "فَيَلْتَزِمُهُ", أَوْ "يُطَوِّقُهُ" قَالَ: يَقُولُ: أَنَا كَنْزُكَ, أَنَا كَنْزُكَ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصجيح، وقد تقدموا غير مرة. و"الفضل بن سهل": هو البغداديّ، خراسانيّ الأصل، وثّقه النسائيّ. و"أبو النضر هاشم بن القاسم": الملقّب بـ "قيصر" البغداديّ الثبت. و"عبد العزيز بن عبد اللَّه بن أبي سلمة" الماجشون المدنيّ نزيل بغداد الفقيه الثقة. و"عبد اللَّه بن دينار" العَدَويّ مولى ابن عمر المدنيّ الثقة. وقوله: "يُخَيَّلُ إليه ماله": بالبناء للمفعول، أي يصوّر له ماله، فالمراد بالتخييل هنا التصوير، ويؤيّد ذلك أن في رواية أحمد بلفظ: يُمثِّلُ اللَّه تعالى له مالَهُ "، وهو الذي في رواية أبي هريرة الآتية بعد هذا. وقوله: "له زَبِيبتان": تثنية زَبِيبة -بفتح الزاي، وموحّدتين- وهما الزَّبَدَتَان اللتان في الشِّدقين. وقيل: النكتتان السوداوان، فوق عينيه. وقيل: نقطتان يكتنفان فاه. وقيل: هما في حلقه بمنزلة زَنَمَتي الْعَنْزِ. وقيل: لحمتان على رأسه، مثل القرنين. وقيل: نابان يَخرُجان من فيه. وقوله: "فليتزمه"، ولفظ "الكبرى": "فيُلَفُّ به". وقوله: "أو يَطَّوَّقُهُ": "أو" للشكّ من الراوي. و"يُطَوَّقُهُ"-بضمّ أوّله، وفتح الطاء، وتشديد الواو-: أي يُجعل ذلك الشجاع كالطَّوْق له. وضبطه السنديّ -بفتح أوله، وتشديد الطاء، والواو المفتوحتين-: أي يصير له ذلك الشجاع طوقًا انتهى. ونحوه في شرح السيوطيّ (١). وقوله: "قال: يقول الخ": فاعل "قال" ضمير الرسول ﷺ ، وفاعل "يقول" ضمير المال، أي قال ﷺ : يقول ذلك المال لصاحبه: أنا كنزك، أنا كنزك، توبيخًا وتقريعًا له.

стр. 11881

والحديث صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا-٢٠/ ٢٤٨١ - وفي "الكبرى" ٢١/ ٢٢٦٠. وأخرجه (أحمد) في "مسند المكثرين" ٦٤١٢، وقد تقدّم تمام شرحه في شرح حديث أبي هريرة ﵁ برقم ٦/ ٢٤٤٨. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٤٨٢ - (أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ مُوسَى الأَشْيَبُ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ, الْمَدَنِيُّ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ أَبِي صَالِحٍ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «مَنْ آتَاهُ اللَّهُ , مَالاً, فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ, مُثِّلَ لَهُ مَالُهُ, يَوْمَ الْقِيَامَةِ, شُجَاعًا أَقْرَعَ, لَهُ زَبِيبَتَانِ, يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ, يَوْمَ الْقِيَامَةِ, فَيَقُولُ: أَنَا مَالُكَ, أَنَا كَنْزُكَ» , ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١٨٠] "). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح. و"حسن بن موسى": هو الأشيب البغداديّ، الثقة [٩]. و"عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن دينار" العَدَويّ، مولى ابن عمر المدنيّ" صدوق يُخطىء [٧]. قال الدُّوريّ، عن ابن معين: في حديثه عندي ضَعْفٌ، وقد حدّث عنه يحيى القطّان، وحسبه أن يحدّث عنه يحيى. وقال عمرو بن عليّ: لم أسمع عبد الرحمن يُحدّث عنه بشيء قط. وقال أبو حاتم: فيه لينٌ، يُكتب حديثه، ولا يُحتجّ به. وقال ابن عديّ: وبعض ما يرويه منكر، لا يُتابع عليه، وهو في جملة من يُكتب حديثه من الضعفاء. وقال السُّلَميّ، عن الدارقطنيّ: خالف فيه البخاريُّ الناس، وليس بمتروك. وقال الحاكم، عن الدارقطنيّ: إنما حدّث بأحاديث يَسيرة. وقال أبو القاسم البغويّ: هو صالح الحديث. وقال الحربيّ: غيره أوثق. وقال ابن خلفون: سئل عنه عليّ بن المدينيّ؟ فقال: صدوق. أخرج له البخاريّ، وأبو داود، والترمذيّ، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا ٢٤٨٢ و ٥٢٤٥ حديث ابن عمر: "رأيت النبيّ ﷺ يصفّر لحيته". وقوله: "بلِهْزِمَتَيه": -بكسر اللام، والزاي، بينهما هاء ساكنة-: في "صحيح البخاريّ": يعني شِدْقَيه. وقال في "الصحاح": هما العظمان الناتئان في اللَّحْيين، تحت الأذنين. وفي "الجامع": هما لحم الخدّين الذي يتحرّك إذا أَكَل الإنسان. انتهى (١).

стр. 11882

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متفقٌ عليه، وقد تقدّم للمصنّف في - ٦/ ٢٤٤٨ - وتقدّم شرحه، والكلام على مسائله هناك، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٢١ - (زَكَاةُ التَّمْرِ) ٢٤٨٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ, قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ, عَنْ سُفْيَانَ, عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ, عَنْ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ, عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسَاقٍ (١) , مِنْ حَبٍّ, أَوْ تَمْرٍ صَدَقَةٌ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الحديث كلهم رجال الصحيح. وتقدّموا غير مرّة. و "مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ": هو المخرِّمي البغدادي الثقة الحافظ [١١]. و"وكيع": هو ابن الجرّاح الكوفي الثقة الثبت [٩]. و"سفيان": هو الثوريّ الإمام [٧]. و"إسماعيل بن أمية": هو الأمويّ الثقة الثبت [٦]. و"محمد بن يحيى": هو ابن حبّان بن منقذ الأنصاريّ المدنيّ الثقة الفقيه [٤]. و"يحيى بن عمارة": هو ابن أبي حسن الأنصاري المدني الثقة [٣]. ودلالة الحديث على الترجمة واضحة، فإنه يدلّ على وجوب الزكاة في التمر. [فإن قيل]: إنه إخبار عن عدم الصدقة فيما دون خمسة أوسق، من حبّ، أو تمر، فكيف يدلّ على الوجوب؟. [قلت]: المراد به الإخبار بوجوب الزكاة فيما كان خمسة أوسق، فما فوقها، بدليل الأدلّة الأخرى، كقوله تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ الآية [البقرة: ٢٦٧]، وقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ الآية [الأنعام: ١٤١]، وكحديث: "فيما سقت السماء العشر"، وحديث معاذ ﵁ "أمرني رسول اللَّه ﷺ أن آخذ مما سقت السماء العشر … "، وغير ذلك.

стр. 11883

وقوله: "أو تمر" يحتمل أن تكون "أو" للشكّ من الراوي، ويحتمل أن تكون بمعنى الواو، وهذا الاحتمال أولى للروايةِ الآتية من طريق عبد الرحمن بن مهديّ، عن سفيان بلفظ: "ليس في حبّ، ولا تمر"، فيكون من عطف الخاصّ على العامّ. ثم رأيت في هامش "النسخة الهندية" أشار إلى أن في بعض النسخ "وتمر" بالواو. [تنبيه]: ذكر الحافظ أبو الحجّاج المزّيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "تحفته" جـ ٣ ص ٤٨١ بعد ذكر سند المصنّف هذا: ما نصّه: وقال -يعني النسائيّ-: لا نعلم أحدًا تابع إسماعيل بن أُميّة على قوله: "من حبّ"، وهو ثقة انتهى. وغرضه بهذا أن تفرّد إسماعيل بن أُميّة عن سائر الرواة بزيادة: "من حبّ"، لا يضرّه، لأنه ثقة ثبت، فتكون زيادته مقبولة. واللَّه تعالى أعلم. ثم إن الكلام الذي نقله الحافظ المزيّ عن المصنّف لم أره، لا في "المجتبى"، ولا في "الكبرى"، ولعله لاختلاف النسخ، واللَّه تعالى أعلم. والحديث متفق عليه، وقد تقدّم للمصنّف في-٥/ ٢٤٤٥ - وتقدّم شرحه هناك، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٢٢ - (بَابُ زَكَاةِ الْحِنْطَةِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الحِنْطَة" -بكسر المهملة، وسكون النون، بعدها طاء مهملة- والقَمْح -بفتح، فسكون- والبرّ، والطعام واحد، وبائع الحنطة حَنّاطٌ، مثلُ البزّاز، والعطّار، والنسبة إليه على لفظه حَنّاطيّ. أفاده في "المصباح". واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٤٨٤ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ, قَالَ: حَدَّثَنِي (١) عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «لَا يَحِلُّ فِي الْبُرِّ, وَالتَّمْرِ زَكَاةٌ, حَتَّى تَبْلُغَ (٢) خَمْسَةَ أَوْسُقٍ, وَلَا يَحِلُّ فِي الْوَرِقِ زَكَاةٌ, حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسَةَ أَوَاقٍ, وَلَا يَحِلُّ فِي إِبِلٍ زَكَاةٌ, حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسَ ذَوْدٍ»).

стр. 11884

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه "إسماعيل بن مسعود" الْجَحْدَريّ البصريّ الثقة، فإنه من أفراده. و"يزيد بن زُريع" الحجة الثبت، رَيحانة البصرة. و"رَوْح بن القاسم" التميمي العنبريّ البصريّ الحافظ الثقة. وقوله: "لا يحل" بكسر الحاء المهملة: أي لا يجب، ومنه قوله تعالى: ﴿أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الآية [طه: ٨٦]. أي يجب عليكم، على قراءة الكسر، ومنه حَلَّ الدين حُلُولاً. وأما الذي بمعنى النزول، فبضمّ الحاء، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾ الآية [الرعد: ٣١]. قاله السنديّ (١). قلت: الذي في "المصباح المنير" أن مضارع حلّ العذابُ يَحلّ حُلُولاً بالوجهين، ومضارع حلّ الشيُ حِلاَّ: ضدّ حرُم، وحَلّ الدينُ حُلُولاً: بمعنى انتهى أجله، وحَلّ الحقّ حِلاًّ، وحُلُولاً: بمعنى وجبَ، وحَلّ المحرمُ بمعنى خرج من إحرامه، وحَلّ الهديُ بمعنى وصل الموضع الذي يُنحَر فيه، وحَلّت اليمين بمعنى بَرَّتْ، كله بالكسر فقط، وكلها أفعالٌ لازمة. وأما حَلّ البلدَ: إذا نزل به، وحَلّ العُقْدَة، وحَلّ اليمينَ: إذا فَعَل ما يخرُجُ عن الْحِنْثِ، فإن مضارعها بالضمّ لأنها متعدّية. والحديث صحيح، وقد تقدّم الكلام عليه في الذي قبله، ودلالته على الترجمة واضحة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٢٣ - (بَابُ زَكَاةَ الْحُبُوبِ) جمع حَبّ بالفتح، سيأتي الكلام عليه بعد باب، إن شاء اللَّه تعالى. ٢٤٨٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ, عَنْ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ, عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «لَيْسَ فِي حَبٍّ, وَلَا تَمْرٍ صَدَقَةٌ, حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ, وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ, وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ»).

стр. 11885

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. وتقدموا غير مرّة. و"عبد الرحمن": هو ابن مهديّ. و"سفيان": هو الثوريّ. والحديث أخرجه مسلم، وقد تقدّم الكلام عليه قبل حديث. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". … ٢٤ - (الْقَدْرُ الَّذِي تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ) أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على بيان القدر الذي تجب فيه الزكاة. والظاهر أنه أراد بيان أقلّ النصاب في الأشياء المذكورة في حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁، أما نصاب الذهب، والفضّة، والإبل، فقد سبق تمام البحث فيها فيما مضى من الأبواب، وأما نصاب الحبوب فسيأتي الكلام عليه في الباب التالي، إن شاء اللَّه تعالى واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٤٨٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ, قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِدْرِيسُ الأَوْدِيُّ, عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ, عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ, عَنْ أَبِي سَعِيدٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ»). قال الجامع عفا اللَّه تعالى: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، وتقدّموا غير: ١ - (إدريس) بن يزيد بن عبد الرحمن الأوديّ الزَّعَافريّ، وهو أخو داود، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقة [٧]. قال ابن معين، وأبو داود، والنسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا ٢٤٨٦ و ٣٠٠٢ حديث: عمر ﵁ في آية ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٣]. و"أبي الْبَختَريّ"-بفتح الموحّدة، والمثنّاة، بينهما معجمة- اسمه: سعيد بن فَيروز، وهو ابن أبي عمران الطائيّ مولاهم، الكوفيّ، ثقة ثبت، فيه تشيّعٌ قليل، كثير الإرسال [٣]. وثّقه ابن معين، وأبو زرعة، وفي رواية عن ابن معين، قال: ثبت، ولم يسمع من عليّ شيئًا. وقال أبو حاتم: ثقة صدوق. وقال أبو داود: لم يسمع من أبي سعيد. وقال

стр. 11886

فِطر بن خليفة، عن حبيب بن أبي ثابت: اجتمعت أنا، وسعيد بن جبير، وأبو البَخْتَريّ، فكان الطائيّ أعلمنا، وأفقهنا. وقال هلال بن خبّاب: كان من أفاضل أهل الكوفة. وقال ابن سعد: قُتل بدُجَيل مع ابن الأشعث سنة (٨٣)، وكان كثير الحديث، يُرسل حديثه،، ويروي عن الصحابة، ولم يسمع من كثير أحد، فما كان من حديثه سماعًا، فهو حسنٌ، وما كان غيره فهو ضعيف. وقال ابن أبي حاتم في "المراسيل"، عن أبيه: لم يُدرك أبا ذرّ، ولا أبا سعيد، ولا زيد بن ثابت، ولا رافع بن خَدِيج، وهو عن عائشة مُرسل. وقال أبو زرعة: هو عن عمر مرسل. وقال العجليّ: تابعيّ، ثقة، فيه تشيّع. ونقل ابن خلفون توثيقه عن ابن نُمير. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، فقال: سعيد بن فَيروز، ويقال: سعيد بن عمران، وقيل: غير ذلك. روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب خمسة أحاديث. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: إسناد هذا الحديث فيه انقطاع، كما تبيّن من ترجمة أبي البَخْتَريّ المذكور آنفًا، فإنه لم يُدرك أبا سعيد ﵁، لكن الحديث صحيح، فقد تقدّم ويأتي من رواية يحيى بن عمارة، عن أبي سعيد ﵁، ومن طريقه أخرجه الشيخان، وغيرهما، كما تقدّم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٤٨٧ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ, وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ, عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ, وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ, وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و"أحمد بن عبدة": هو الضبيّ البصريّ، ثقة رمي بالنصب [١٠]. و"حمّاد": هو ابن زيد. و"يحيى بن سعيد": هو القطّان. و"عبيد اللَّه بن عمر": هو العمريّ الفقيه الحجة المدنيّ. والحديث متفق عليه، وقد مرّ الكلام عليه غير مرّة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 11887

٢٥ - (بَابُ مَا يُوجِبُ الْعُشْرَ، وَمَا يُوجِبُ نِصْفَ الْعُشْرِ) ٢٤٨٨ - (أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْهَيْثَمِ, أَبُو جَعْفَرٍ الأَيْلِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي (١) يُونُسُ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ سَالِمٍ, عَنْ أَبِيهِ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ, وَالأَنْهَارُ, وَالْعُيُونُ, أَوْ كَانَ بَعْلاً, الْعُشْرُ, وَمَا سُقِيَ بِالسَّوَانِي, وَالنَّضْحِ, نِصْفُ الْعُشْرِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (هارون بن سعيد بن الْهَيْثَمِ) بن محمّد بن الهيثم بن فَيْرُوز التميميّ السعْديّ مولاهم، أبي جعفر الأَيْلِيّ (٢)، نزيل مصر، ثقة فاضل [١٠]. قال أبو حاتم: شيخٌ. وقال النسائيّ: لا باس به. وقال في موضع آخر: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال أبو عمر الكِنْديّ: كان فقيهًا، من أصحاب ابن وهب. وقال مَسلَمة بن قاسم: كان مقدّمًا في الحديث فاضلاً. وقال ابن يونس: توفّي في ربيع الأول سنة (٢٥٣)، وكان مولده سنة (١٧٠) وكان ثقة، وكان قد ضَعُفَ، ولزم بيته. روى عنه مسلم، وأبو داود، والمصنّف، وابن ماجه، روى عنه المصنف في هذا الكتاب أربعة أحاديث برقم ٢٤٨٨ و ٢٥٥٧ و ٣٠٨٧ و ٤٩١٧. ٢ - (ابن وهب) عبد اللَّه القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصري، ثقة حافظ عابد [٩] ٩/ ٩. ٣ - (يونس) بن يزيد الأيلي، أبو يزيد، ثقة، من كبار [٧] ٩/ ٩. ٤ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهريّ المدني الإمام الحجة الثبت [٤] ١/ ١. ٥ - (سالم) بن عبد اللَّه بن عمر العدوي المدني الفقيه الثقة الثبت [٣] ٣٢/ ٤٩٠. ٦ - (أبوه) عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٢/ ١٢ واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال

стр. 11888

الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمصرييّن إلى ابن شهاب، ومنه مدنيّون. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، ابن شهاب، عن سالم، ورواية الابن، عن أبيه، وفيه أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وهو سالم، وفيه أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، وهو عبد اللَّه بن عمر بن الخطّاب ﵄، روى (٢٦٣٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ سَالِمٍ) بن عبد اللَّه (عَنْ أَبِيهِ) عبد اللَّه بن عمر بن الخطّاب ﵄ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ) أي المطِر، أو الثلج، أو البرد، أو الطلّ، من باب ذكر المحلّ، وإرادة الحالّ (وَالْأَنْهَارُ) جمع نَهر -بفتحين- قال الفيّوميّ -رحمه اللَّه تعالى-: النَّهْرُ: الماء الجاري المتّسِعُ، والجمع نهُرٌ -بضمّتين- وأنُهرْ، والنَّهَر -بفتحتين- لغةٌ، والجمع أنهارٌ، مثلُ سَبَبٍ وأسباب، ثم أطلق النهْرُ على الأُخْدُود مجازًا للمجاورة، فيقال: جرى النهرٌ، وجَفّ النهر، كما يقال: جَرَى الميزابُ، والأصل جَرَى ماء النّهر انتهى (١) (وَالْعُيُونُ) جمع عين، وهي يَنبُوعُ الماء، وتُجمع أيضًا على أعيُنٍ (أَوْ كَانَ بَعْلَا) - بفتح الموحّدة، وسكون المهملة، آخره لام-: النخل يَشرب بعروقه، فيَستغني عن السقي. وقال أبو عمر: البَعْلُ، والْعِذْيُ -بالكسر- واحدٌ، وهو ما سقته السماء. وقال الأصمعيّ: البَعْلُ ما يشرب بعروقه، من غير سقيٍ، ولا سماءٍ، والْعِذْيُ ما سقته السماء. قاله في "المصباح". ولفظ البخاريّ: "أو كان عَثَرِيّا". قال في "الفتح": -بفتح المهملة، والمثلّثة، وكسر الراء، وتشديد التحتانيّة، وحُكِي عن ابن الأعرابيّ تشديد المثلّثة، وردّه ثعلبٌ. وحكى ابن عديس في المثلّث فيه ضمّ أوله، وإسكان ثانيه. قال الخطّابيّ: هو الذي يشرب بعروقه، من غير سقي. وقال ابن قُدَامة، عن القاضي أبي يعلى: هو الماء الْمُستَنقِعُ في بِرْكَة أو نحوها، يَصُبُّ إليه ماء المطر في سَوَاقٍ، تُشَقُّ له، فإذا اجتمع سُقي منه، واشتقاقه من العاثُور، وهي الساقية التي يَجري فيها الماء؛ لأنها يَعْثُر بها من يَمُرّ بها. قال: ومنه الذي يَشرَب من الأنهار بغير مؤونة، أو يَشرب بعروقه، كأن يُغرَس في أرض يكون الماء قريبًا من وجهها، فيصل إليه عروق الشجر، فيستغني عن السقي. قال الحافظ: وهذا التفسير أولى من إطلاق أبي عُبيد أن العثريّ ما تسقيه السماء؛ لأن سياق الحديث يَدُلّ على المغايرة. وكذا من فسّر الْعَثَريّ بأنه الذي لا حِمْلَ له؛ لأنه

стр. 11889

لا زكاة فيه. قال ابن قُدَامة: لا نعلم في هذه التفرقة التي ذكرناها خلافًا انتهى (١). وقوله (الْعُشْرُ) مبتدأ مؤخّر، خبره الجارّ والمجرور قبله، أي العشر واجب فيما سقته السماء، والعيون، أو كان بَعْلاً، والمراد ما لا يحتاج في سقيه إلى مؤونة، أو فاعل لفعل محذوف، أي يجب العشر فيما ذُكر (وَمَا سُقِيَ) بالبناء للمجهول، وهو مجرور عطفًا على قوله: "ما سقت السماء" (بِالسَّوَانِي) جمع سانية، وهي بعير، يُستَقَى عليه من البئر، ومثله في الحكم البقر، ونحوها، فإن المراد به ما يحتاج في سقيه إلى مؤونة (وَالنَّضْحِ) -بفتح النون، وسكون الضاد المعجمة، بعدها حاء مهملة- هو السقي بالرشا، والغَرْب، والدالية. وفي نسخة: "أو النواضح" بـ "أو" وصيغةِ الجمع، فـ"أو" للشكّ من الرواي، و"النواضح": جمع ناضح، يقال: نَضَحَ البعيرُ الماء: حَمَلَه من نهر، أو بئر، لسقي الزرع، فهو ناضح، والأنثى ناضحة بالهاء، سُمّي ناضحًا؛ لأنه يَنضَحُ العطش: أي يبُلُّه بالماء الذي يَحمله. هذا أصله، ثم استُعمل الناضح في كلّ بعير، وإن لم يحمل الماء. وفي الحديث: "أطعمه ناضحك": أي بعيرك. أفاده في "المصباح" وقوله: ("نِصْفُ الْعُشْرِ") بالرفع عطفًا على قوله: "العشرُ" ففيه عطف المعمولين على معمولي عاملين مختلفين، وفيه خلاف بين النحاة. ويحتمل أن يكون مبتدأ مؤخرًا، خبره قوله: "وما سُقِي" بتقدير حرف جرّ لدلالة ما قبله عليه، أي فيما سُقِي بالسواني نصفُ العشر، فيه دليلٌ على التفرقة بين ما سُقي بالسواني، ونحوها، وبين ما سقته السماء، ونحوها، وقد أجمع العلماء على ذلك. قال الخطّابيّ -رحمه اللَّه تعالى-: إنما كان وجوب الصدقة مختلف المقادير في النوعين؛ لأنّ ما عمّت منفعته، وخفّت مُؤْنته كان أحمل للمواساة، فأُوجِب فيه العشرُ، توسعةً على الفقراء، وجُعل فيما كثُرت مؤونته نصف العشر؛ رِفْقًا بأرباب الأموال انتهى. وقال ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى-: ما حاصله: كلّ ما سُقي بكُلْفة ومُؤنة، من دالية، أو سانية، أو دُولاب، أو ناعورة (٢)، أو غير ذلك، ففيه نصف العشر، وما سُقي بغير مُؤْنة ففيه العشر، لا نعلم في هذا خلافًا، وهو قول مالك، والثوريّ، والشافعيّ، وأصحاب الرأي، وغيرهم؛ لما روينا من الخبر، ولأن للكُلْفة تأثيرًا في إسقاط الزكاة جُملةٌ؛ بدليل المعلوفة، فبأن يؤثّر في تخفيفها أولى؛ ولأن الزكاة إنما تجب في المال النامي، وللكلفة تأثيرٌ في تقليل النماء، فأثّرت في تقليل الواجب فيها، ولا يؤثّر حفر الأنهار، والسواقي في نقصان الزكاة؛ لأن المؤنة تقلّ؛ لأنها تكون من جملة إحياء الاْرض، ولا تتكرّر كلّ عام، وكذلك لا يؤثّر احتياجها إلى ساق يَسقيها، وُيحوّل الماء

стр. 11890

في نواحيها؛ لأن ذلك لا بدّ منه في كلّ سقي بكلفة، فهو زيادة على المؤنة في التنقيص، فجرى مجرى حرث الأرض، وتحسينها، وإن كان الماء يجري من النهر في ساقية إلى الأرض، ويستقرّ في مكان قريب من وجهها، لا يَصْعَدُ إلا بغَرْف، أو دُولاب، فهو من الكلفة المسقطة لنصف الزكاة، على ما مرّ؛ لأن مقدار الكلفة، وقُرب الماء، وبعده لا يُعتبر، والضابط لذلك هو أن يَحتاج في ترقية الماء إلى الأرض بآلة، من غَرْفٍ، أو نَضْحٍ، أو دالية، وقد وُجد انتهى كلام ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى- (١) وهو بحث نفيس. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد اللَّه بن عمر ﵄ ما أخرجه البخاريّ. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٢٥/ ٢٤٨٨ - وفي "الكبرى" ٢٦/ ٢٢٦٧. وأخرجه (خ) في "الزكاة" ١٤٨٣ (د) في "الزكاة" ١٥٩٦ (ت) في "الزكاة" ٦٤٠ (ق) في "الزكاة" ١٨١٧. واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: ذكر الحافظ أبو الحجّاج المزّيّ - رحمه اللَّه تعالى - في "تحفته" بعد عزوه الحديث إلى المصنّف: ما نصّه: قال النسائيّ: رواه نافع عن ابن عمر قولَهُ. واختَلَف سالم، ونافعٌ عن ابن عُمر في ثلاثة أحاديث، هذا أحدها. والثاني: "من باع عبدًا، وله مالٌ". قال سالمٌ، عن أبيه، عن النبيّ ﷺ ، وقال نافع، عن ابن عمر، عن عمر قولَه. وقال سالم، عن أبيه، عن النبيّ ﷺ : "تخَرُج نارٌ من قِبَل اليمن"، وقال نافع، عن ابن عمر، عن كعب قَوْلَه. وسالم أجلّ من نافع، وأحاديث نافع الثلاثة أولى بالصواب انتهى (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الكلام الذي عزاه الحافظ المزّيّ إلى المصنّف لم أره، لا في "المجتبى"، ولا في "الكبرى"، ولعلّه لاختلاف النسخ، واللَّه تعالى أعلم. وقد عزا هذا الكلام إلى المصنّف أيضًا الحافظُ ابن رجب -رحمه اللَّه تعالى- في "شرح علل الترمذيّ": ونصّه: ورجّح النسائيّ، والدارقطنيّ قول نافع في وقف ثلاثة أحاديث: "فيما سقت السماء

стр. 11891

العشر"، وحديث: "من باع عبدًا، له مالٌ" (١)، وحديث تخرج نار من قبل اليمن (٢). وحكى الأثرم عن غير أحمد أنه رجّح قول نافع في هذه الأحاديث، وفي حديث: "الناس كإبل مائة" (٣) أيضًا. وذكر ابن عبد البرّ أن الناس رجّحوا قول سالم في رفعها. قال: وسُئل أحمد إذا اختلفا -أي سالمٌ ونافع- فلأيّهما تقضي؟ فقال: كلاهما ثبتٌ، ولم يُرد أن يقضي لأحدهما على الآخر. نقله عنه المرُّوذيّ. ونقل عثمان الدارميّ عن ابن معين نحوه. مع أنّ المرّوذيّ نقل عن أحمد أنه مال إلى قول نافع في حديث: "من باع عبدًا، وله مالٌ"، وهو وقفه. وكذلك نقل غيره عن أحمد أنه رجّح قول نافع في وقف حديث: "فيما سقت السماء العشر". انتهى كلام الحافظ ابن رجب ﵀ تعالى بتصرّف (٤). وقد نظمت في "ألفيّة العلل" ما ذُكر، فقلت: أَشْهَرُ مَنْ رَوَى عَنِ ابْنِ عُمَرِ … ابْنُهُ سَالِمٌ وَنَافِعٌ دُرِي وَاخْتَلَفَا فِي عَدَدٍ مِنَ الْخَبَرْ … فِي الرَّفْعِ وَالْوَقْفِ أَحَارَ مَنْ نَظَرْ سُئِلَ أَحْمَدُ فَلَمْ يَقْضِ بِشَيْ … كَذَاكَ عَنْ يَحْيَى أَتَاكَ يَا أُخَيْ وَمَالَ أَحْمَدُ لِوَقْفِ نَافِعِ … "فِيمَا سَقَتْ" "مَنْ بَاعَ عَبْدًا" فَاسْمَعِ وَالنَّسِئِي وَالدَّارَقُطنِي رَجَّحَا … وَقْفَهُ فِي ثَلَاثةٍ وَأَفْصَحَا

стр. 11892

"فِيمَا سَقَتْ" "مَنْ بَاعَ" ثُمَّ "تَخْرُجُ" … مِنْ نَحْوِ حَضْرَمَوْتَ نَاْرٌ تُزْعِجُ وَبَعْضُهُمْ زَادَ حَدِيثَ "النَّاسُ" … كَالإِبِلِ الْمِائَةِ بِئْسَ الْقَاسُ (١) وَبَعْضُهُمْ رَجَّحَ قَوْلَ سَالِمِ … فِي رَفْعِهَا فَاحْفَظْهُ حِفْظَ فَاهِمِ واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان ما يوجب عشر ما خرج من الأرض، وهو كونه مما سقته السماء، والأنهار، والعيون، أو كان بَعْلاً، وهو ما يشرب بعروقه من الأرض، وما يوجب نصف العشر، وهو كونه مما سُقي بكُلْفة، كالسواني. (ومنها): وجوب زكاة الخارج من الأرض (ومنها): رأفة اللَّه تعالى بعباده، حيث خفّف عنهم في محلّ الكلفة، فأوجب عليهم النصف. (ومنها): أن فيه بيان الحكمة البالغة في الشريعة السمحة، حيث راعت حقوق جميع المسلمين، أغنيائِهم، وفقرائِهم، فأوجبت على الأغنياء القليل من الكثير مما يمتلكونه، لئلا يتضرّروا، وأوجبت للفقراء، في أموال الأغنياء ما يواسونهم به، لئلا تنكسر قلوبهم، ويحملوا على الأغنياء، حقدًا، وحسدًا، فبهذا تجتمع قلوب الجميع، وتتآلف، ولا يحصل بينهم تحاسدٌ، ولا تباغضٌ، ولا تدابرٌ، ولا تقاطع، بل يكونون إخوانًا متحابيّن، فيتحقق فيه معنى قوله ﷺ في الحديث الصحيح: "مثلُ المؤمنين في توادّهم، وتراحمهم، وتعاطفهم، مثل الجسد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسَّهَر والحمّى". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): دلّت أحاديث الباب على وجوب الزكاة في الزروع والثمار. قال ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى-: والأصل في ذلك الكتاب، والسنّة، والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ الآية [البقرة: ٢٦٧] والزكاة تُسمّى نفقةً، بدليل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية [التوبة: ٣٤]. وقال تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] قال ابن عبّاس ﵄: حقّه الزكاة المفروضة. وقال مرّةً: العشر، ونصف العشر. ثم ذكر ابن قدامة الأحاديث التي أوردها المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في هذا الباب، ثم قال: وأجمع أهل العلم على أن الصدقة واجبة في الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب. قاله ابن المنذر، وابن عبد البرّ انتهى كلام ابن قُدامة

стр. 11893

-رحمه اللَّه تعالى- (١) وهو بحث نفيس. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في اشتراط النصاب لوجوب زكاة الزروع والثمار: ذهب الجمهور إلى أنه لا تجب الزكاة في شيء من الزروع والثمار حتى تبلغ خمسة أوسق. وممن قال به عبد اللَّه بن عمر، وجابرٌ، وأبو أمامة بن سهل، وعمر بن عبد العزيز، وجابر بن زيد، والحسن، وعطاء، ومكحول، والحكم، والنخعيّ، ومالك، وأهل المدينة، والثوريّ، والأوزاعيّ، وابن أبي ليلى، والشافعيّ، وأبو يوسف، ومحمد، وجمهور أهل العلم (٢). وذهب وأبو حنيفة إلى أنه لا يُشترط النصاب لوجوب الزكاة فيما يَخرُج من الأرض، فيجب عنده العشر، أو نصف العشر في كثير الخارج، وقليله، وهو مرويّ عن إبراهيم النخعيّ، ومجاهد، وعمر بن عبد العزيز (٣)، أخرج ذلك عنهم عبد الرزاق، وابن أبي شيبة في "مصنفيهما"؛ لعموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ الآية [البقرة: ٢٦٧]، وقوله: ﷺ : "فيما سقت السماء العشر"، قالوا: إن الآية، والحديث عامان، فإن "ما" من ألفاظ العموم، فتشمل ما كان خمسة أوسق، أو أقلّ، أو أكثر، ولأنه لا يُعتبر له حولٌ، فلا يُعتبر له نصابٌ. واحتجّ الجمهور بقوله ﷺ : "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة". متفقٌ عليه. قالوا: هذا خاصّ يجب تقديمه على العامّ، فيخصص به عموم ما أوردوه، كما خصصنا بلا خلاف قولَه ﷺ : "في سائمة الإبل الزكاة" بقوله: "ليس فيما دون خمس ذَوْدٍ صدقة"، وقولَه ﷺ : "في الرقة ربع العشر" بقوله: "ليس فيما دون خمس أواق صدقة". ولأنه مالٌ تجب فيه الصدقة، فلم تجب في يسيره، كسائر الأموال الزكوية، وإنما لم يُعتبر فيه الحول؛ لأنه يكمل نماؤه باستحصاده لا ببقائه، واعتُبر الحول في غيره؛ لأنه مظنّة لكمال النماء في سائر الأموال، والنصابُ اعتُبر ليبلغ حدًّا يحتمل المواساة منه، فلهذا اعتبر فيه. قاله ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى- (٤). وقال الإمام ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى- في "إعلام الموقّعين" جـ١ ص ٢٨٣: لا تعارض بين الحديثين بوجه من الوجوه، فإن قوله ﷺ : "فيما سقت السماء العشر" إنما

стр. 11894

أُريد به التمييز بين ما يجب فيه العشر، وبين ما يجب فيه نصفه، فذَكَرَ النوعين مُفرِّقًا بينهما في مقدار الواجب، وأما مقدار النصاب فسكت عنه في هذا الحديث، وبيّنه نصًّا في الحديث الآخر، فكيف يجوز العدول عن النّصّ الصحيح الصريح المحكم الذي لا يحتمل غير ما دلّ عليه البتّة إلى المجمل المتشابه الذي غايته أن يُتعلّق فيه بعمومٍ لم يُقصد، وبيانه بالخاصّ المحكم المبيّن، كبيان سائر العمومات بما يخصّصها من النصوص انتهى. قال صاحب "المرعاة": ذهب جمهور الأصوليين، وعامّتهم إلى جواز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد الصحيح، وهو الحقّ، واحتجّ لذلك في "المحصول" بأن العموم، وخبر الواحد دليلان متعارضان، وخبر الواحد أخصّ من العموم، فوجب تقديمه على العموم. قال الشوكانيّ: وأيضًا يدلّ على جواز التخصيص دلالة بينة واضحة ما وقع من أوامر اللَّه باتباع نبيّه ﷺ من غير تقييد، فإذا جاء عنه الدليل كان اتباعه واجبًا، وإذا عارضه عموم قرآنيّ كان سلوك طريقة الجمع ببناء العامّ على الخاصّ متحتّمًا، ودلالة العامّ على أفراده ظنيّةٌ، لا قطعيّة، فلا وجه لمنع تخصيصه بالأخبار الصحيحة الآحادية انتهى. ثم قال ابن القيّم: ويا للَّه العجب، كيف يخصّون عموم القرآن والسنّة بالقياس الذي أحسن أحواله أن يكون مختلفًا في الاحتجاج به، وهو محلّ اشتباه، واضطرابٍ، إذ ما من قياس، إلا وتمكن معارضته بقياس مثله، أو دونه، أو أقوى منه، بخلاف السنّة الصحيحة الصريحة، فإنها لا يُعارضها إلا سنّةٌ ناسخةٌ معلومة التأخّر والمخالفة. ثم يقال: إذا خصّصتم عموم قوله: "فيما سقت السماء العشر" بالقصب والحشيش، ولا ذكر لهما في النصّ، فهلاّ خصصتموه بقوله: "لا زكاة في حبّ، ولا ثمر حتى يبلغ خمسة أوسق"، وإذا كنتم تخصّون العموم بالقياس، فهلاّ خصّصتم هذا العامّ بالقياس الجليّ الذي هو من أجلى القياس، وأصحّه على سائر أنواع المال الذي تجب فيه الزكاة، فإن الزكاة الخاصّة لم يشرعها اللَّه ، ولا رسوله ﷺ في مال إلا وجعل له نصابًا، كالمواشي، والذهب، والفضّة. ويقال: أيضًا: هلاّ أوجبتم الزكاة في قليل مال، وكثيره؛ عملاً بقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ الآية [التوبة: ١٠٣]، وبقوله ﷺ : "ما من صاحب إبل، ولا بقرٍ، لا يؤدّي زكاتها، إلا بُطح له بقاعٍ قَرْقَرٍ … "، وبقوله: "ما من صاحب ذهب، ولا فضّة، لا يؤدّي زكاتها إلا صُفّحتَ له يوم القيامة صفائح من نار … "، وهلاّ كان هذا العموم عندكم مقدّمًا على أحاديث النصب

стр. 11895

الخاصّة، وهلاّ قلتم هناك تعارض مسقطٌ، وموجبٌ، فقدّمنا الموجب احتياطًا، وهذا في غاية الوضوح انتهى. وقد اتضح بهذا كلّه كلّ الاتضاح أنه يجب تخصيص عموم قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ الآية، وحديث ابن عمر المذكور في الباب بحديث الأوساق الذي تقدّم في الأبواب السابقة، كما خُصّص قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ بالأخبار التي دلّت على كون الزكاة منحصرة في أشياء مخصوصة، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بأحاديث النُّصُب الخاصّة، وقوله ﷺ : "في سائمة الإبل الزكاة" بقوله: "ليس فيما دون خمس ذود صدقة"، وقوله: "في الرّقَة ربع العشر" بقوله: "ليس فيما دون خمس أواق صدقة". قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحاصل أن ما ذهب إليه الجمهور من اشتراط النصاب، في زكاة الزروع والثمار، وهو خمسة أوسق، هو الحقّ؛ لوضوح أدلّته، كما تقدّم بيانها. وقد بالغ صاحب "المرعاة" في تتبّع متمسّكات الحنفيّة في عدم وجوب النصاب، والإجابة عليها بما لا تجده مجموعًا في كتاب غيره، فراجعه في جـ٦ ص ٦٨ - ٧٥ تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): قال الإمام ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى-: ما حاصله: لا نعلم خلافًا أن العشر يجب فيما سُقي بغير مؤنة، ونصف العشر فيما سُقي بالْمُؤنة. هذا إذا كان السقي المذكور بنوعيه كلّ السّنة، وأما إذا سُقي نصف السنة بكُلفة، ونصفها بغير كلفة، ففيه ثلاثة أرباع العشر. وهذا قول مالك، والشافعيّ، وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه مخالفًا؛ لأن كلّ واحد منهما لو وجد في جميع السنة لأوجب مقتضاه، فإذا وُجد في نصفها أوجب نصفه، وإن سُقي بأحدهما أكثر من الآخر اعتُبر أكثرهما، فوجب مقتضاه، وسقط حكم الآخر، أي كان حكم الأقلّ تبعًا للأكثر، نصّ عليه أحمد، وهو قول عطاء، والثوريّ، وأبي حنيفة، وأحد قولي الشافعيّ. وقال ابن حامد: يؤخذ بالقِسْط، وهو القول الثاني للشافعيّ؛ لأنهما لو كانا نصفين أُخذا بالحصّة، فكذلك إذا كان أحدهما أكثر، كما لو كانت الثمرة نوعين. ووجه الأول أن اعتبار مقدار السقي، وعدد مراته، وقدر ما يُشرَب في كلّ سَقْيَة يَشُقّ، وَيَتَعَذّر، فكان الحكم للأغلب منهما كالسوم في الماشية. وإن جُهل المقدار غلّبنا إيجاب العشر احتياطًا، نصّ عليه أحمد، في رواية ابنه

стр. 11896

عبد اللَّه؛ لأن الأصل وجوب العشر، وإنما يَسقط بوجود الكُلْفة، فما لم يتحقّق المسقط يَبقى على الأصل؛ ولأن الأصل عدم الكلفة في الأكثر، فلا يثبت وجودها مع الشكّ فيه، وإن اختلف الساعي، وربّ المال في أيهما سُقي به أكثر، فالقول قول ربّ المال بغير يمين، فإن الناس لا يُستحلفون على صدقاتهم انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي حقّقه ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى- حسنٌ جدًّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم فيما تجب فيه الزكاة من الثمار والحبوب: قال أبو إسحاق الشيرازيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "المهذّب": تجب الزكاة في كلّ ما تُخرجه الأرض، مما يُقتات، ويُدَّخَر، ويُنبته الآدميّون، كالحنطة، والشعير، والدُّخْن، والذُّرَة، والْجَاوَرْس، والأرز، وما أشبه ذلك. (٢). وقال ابن قدامة في "المغني": وقال مالك، والشافعيّ: لا زكاة في ثمر إلا التمر، والزبيب، ولا في حبّ، إلا ما كان قوتًا في حال الاختيار، إلا في الزيتون على اختلاف (٣). وذهب أبو حنيفة أنها تجب في كلّ ما يُقصد بزراعته نماء الأرض، إلا الحطب، والقصب الفارسيّ، والحشيش، وهو قول عمر بن عبد العزيز، وأبي بردة بن أبي موسى، وحمّاد، وإبراهيم. واحتجّوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ الآية [البقرة: ٢٦٧]، وبعموم قوله ﷺ : "فيما سقت السماء العشر". وتُعُقّب بأن عموم ما ذُكر يُخصّ بحديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ المتقدّم: "ليس في حبّ، وتمر صدقة … "، فيقيّد عموم "ما أخرجنا لكم"، و"ما سقت السماء" بالحبوب التي يَقتات بها الآدميون على ما فسّره به أهل اللغة كما سيأتي إن شاء اللَّه تعالى. وإلى قول أبي حنيفة، ومن معه ذهب داود الظاهريّ، إلا أنه قال: إن كلّ ما يدخل فيه الكيل يُراعى فيه النصاب، وما لا يدخل، ففي قليله وكثيره الزكاة. قال الحافظ: وهذا نوع من الجمع بين الحديثين. وذهب أحمد إلى أنها تجب فيما جمع الكيل، والبقاء، واليبس، من الحبوب، والثمار، مما يُنبته الآدميّون، إذا نبت في أرضه، سواء كان قوتًا، كالحنطة، والشعير،

стр. 11897

والسُّلْت، والأرز، والذّرة، والدُّخْن، أو من الْقِطْنيّات (١)، كالباقلّا، والعَدَس، والماش، ونحوها، أو البزور، كبِزْر الكتّان، والقثّاء، والخيار، ونحوها، أو حبّ البقول، كالفُجْل، والسمسم، وسائر الحبوب. وحكي عنه لا زكاة إلا في الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، وهو قول موسى بن طلحة، والحسن البصريّ، وابن سيرين، والشعبيّ، والحسن بن صالح، وابن أبي ليلى، وابن المبارك، وأبي عُبيد، ورجحه الصنعانيّ، والشوكانيّ. واستُدلّ لهذا القول بأن ما عدا هذه لا نصّ فيها، ولا إجماع، ولا هو في معناها في غلبة الاقتيات بها، وكثرة نفعها، ووجودها، فلم يصحّ قياسه عليها، ولا إلحاقه بها، فيبقى على النفي الأصليّ. وأما عموم الآية، والحديث فهو مخصوص بأحاديث الخضروات، وبالأحاديث الواردة بصيغة الحصر في الأقوات الأربعة. قالوا: وهي مرويّةٌ بطرق متعدّدة يقوّي بعضها بعضًا، فتنتهض لتخصيص هذه العمومات. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وتعقّب بأن أحاديث الخضروات، وأحاديث الحصر في الأربعة، لا تصحّ أصلاً، ولا تتقوّى، فلا تُعارض عموم الآية، والحديث المذكور، فقد احتجّوا بأحاديث كثيرة على الحصر في الأشياء الأربعة، ولكنّها كلّها لا تثبت: (فمنها): ما روى الدارقطنيّ (ص ٢٠١) والحاكم (جـ ١ ص ٤٠١) والبيهقيّ ٤/ ١٢٥ والطبرانيّ من طريق طلحة بن يحيى، عن أبي بردة، عن أبي موسى، ومعاذ بن جبل أن رسول اللَّه ﷺ بعثهما إلى اليمن، فأمرهما أن يُعَلِّمَا الناس أمر دينهم، وقال: "لا تأخذوا في الصدقة إلا من هذه الأصناف الأربعة: الشعير، والحنطة، والزبيب، والتمر". قال الحاكم: إسناد صحيح، ووافقه الذهبيّ. وقال البيهقيّ: رجاله رجال الصحيح. ونقل الحافظ في "التلخيص" ٢/ ٣٢٢ - عن البيهقيّ، أنه قال: رواته ثقات، وهو متّصل. وقال في "الدراية" ص ١٦٤: في الإسناد طلحة بن يحيى مختلف فيه، وهو أمثل ما في الباب انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تصحيح الحاكم، وموافقة الذهبيّ له، غير صحيح، لأن الحديث فيه ثلاث علل: (أحدها): عنعنة سفيان الثوريّ، فإنه معروف بالتدليس، وهذه العلّة بمفردها تكفي

стр. 11898

في ردّ مثل هذا الحديث الذي ذكروه لمعارضة عموم الأدلّة الصحيحة. (ثانيها): أن طلحة بن يحيى مختلف فيه، فهو وإن وثّقه جماعة، فقد تكلّم فيه آخرون، قال يحيى القطّان: لم يكن بالقويّ. وقال البخاريّ: منكر الحديث. وقال يعقوب بن شيبة: لا بأس به، في حديثه لين. وقال ابن حبّان: كان يخطىء. وقال الساجيّ: صدوق لم يكن بالقويّ (١) فتفرُّد مثله بمثل هذا الحديث الذي يعارض الأحاديث الصحيحة محلّ نظر. (ثالثها): أنه اختُلف في رفعه، ووقفه، فقد رواه البيهقيّ، كما سبق، ورواه (٤/ ١٢٥) من طريق الثوريّ أيضًا، عن طلحة بن يحيى، عن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعريّ، ومعاذ ﵄ أنهما حين بُعثا إلى اليمن لم يأخذا إلا من الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب. قال الإمام ابن دقيق العيد في "الإمام": وهذا غير صريح في الرفع انتهى (٢). والحاصل أن هذا الحديث لا يصحّ، فلا تُعارَض به الأدلّة السابقة. (ومنها): ما روى ابن أبي شيبة، وأبو عُبيد في "الأموال" (ص ٤٦٨) ويحيى بن آدم في "الخراج" (ص ١٤٨) عن موسى بن طلحة، أمر رسول اللَّه ﷺ معاذًا حين بعثه إلى اليمن أن يأخذ الصدقة من الحنطة، والشعير، والنخل، والعنب". وهذا منقطع؛ لأنّ موسى بن طلحة لم يُدرك معاذًا، كما قاله ابن حزم (٥/ ٢٢٢) وقال الحافظ في "التلخيص": فيه انقطاع. وقال أبو زرعة: موسى بن طلحة بن عُبيد اللَّه، عن عمر مرسلة، ومعاذٌ توفّي في خلافة عمر، فرواية موسى بن طلحة عنه أولى بالإرسال. وقال تقيّ الدين في "الإمام": وفي الاتصال بين موسى بن طلحة ومعاذ نظر، فقد ذكروا أن وفاة موسى سنة ثلاث ومائة، وقيل: سنة أربع ومائة. ذكره الزيلعيّ (٢/ ٣٨٧). وقال ابن عبد البرّ: لم يلق موسى معاذًا، ولا أدركه انتهى. والمشهور في ذلك ما رُوي عن عمرو بن عثمان، عن موسى بن طلحة، قال: عندنا كتاب معاذ بن جبل، عن النبيّ ﷺ أنه إنما أخذ الصدقة من الحنطة، والشعير، والزبيب، والتمر. أخرجه أحمد (٥/ ٢٢٨) والدارقطنيّ (٢/ ٩٦) والبيهقيّ (٤/ ١٢٩) وابن حزم في "المحلّى" (٥/ ٢٢٢) وأبو يوسف في "الخراج" (ص ٦٤). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وهذا وجادة والوجادة عند المحدّثين منقطعة، فلذا تعقّب صاحب "التنقيح" تصحيح الحاكم، والذهبيّ للحديث بالانقطاع، وقد أصاب في هذا التعقّب.

стр. 11899

فاعتراض الشيخ الألباني على صاحب "التنقيح" وتعقّبه، بأن الوجادة حجة على الراجح فيه نظر؛ لأنها وإن كانت حجة للعمل بها إذا صحّت النسخة، لكن الرواية بها منقطعة، كما حرره علماء أصول الحديث، ودونك ما قاله صاحب "التقريب" مع شرحه "التدريب" جـ ٢ ص ٦٣: وهي -يعني الوجادة- أن يَقِف على أحاديث بخطّ راويها غير المعاصر له، أو المعاصر، ولم يسمع منه، أو سمع منه ولكن لا يروي تلك الأحاديث الخاصّة عنه بسماع، ولا إجازة، فله أن يقول: وجدت بخط فلان، أو في كتابه .... إلى أن قال: وهو من باب المنقطع. فقد صرّح بأن الوجادة منقطعة. والحاصل أن تقوية الحديث بهذه الوجادة حتى يكون متّصلاً غير صحيح. واللَّه تعالى أعلم. (ومنها): ما روى الدارقطنيّ (٢/ ٩٧) والحاكم (١/ ٤٠١) والبيهقيّ (٤/ ١٢٩) والطبرانيّّ من طريق إسحاق بن يحيى بن طلحة، عن عمّه موسى بن طلحة، عن معاذ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "فيما سقت السماء، والْبَعْل، والسيل العشرُ، وفيما سُقي بالنضح نصفُ العشر، وإنما يكون ذلك في التمر، والحنطة، والحبوب، فأما القثّاء، والبطّيخ، والرمّان، والقصب، فقد عفا عنه رسول اللَّه ﷺ ". قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، لم يُخرجاه، ووافقه الذهبيّ. قلت: هذا التصحيح منهما غير صحيح، فإن إسحاق بن يحيى متروك، تركه أحمد، والنسائيّ، وقال ابن معين: لا يُكتب حديثه،. وقال البخاريّ: يتكلّمون في حفظه. وقال يحيى بن سعيد القطّان: شبه لا شيء. وقال أبو زرعة: واهي الحديث (١). وفيه أيضًا الانقطاع المذكور بين موسى ومعاذ بن جبل. (ومنها): ما روى الدارقطنيّ (٢/ ٩٦) وأبو يوسف في "الخراج" (ص ٦٥) من طريق محمد بن عبيد اللَّه العرزميّ، عن الحكم، عن موسى بن طلحة، عن عمر بن الخطّاب، قال: إنما سنّ رسول اللَّه ﷺ الزكاة في الأربعة: الحنطة، والشعير، والزبيب، والتمر. وفيه أن العرزميّ متروك أيضًا، وفيه أيضًا الانقطاع المتقدّم. (ومنها): ما روى ابن ماجه رقم (١٨١٥) من طريق العزرميّ، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، قال: إنما سنّ رسول اللَّه ﷺ الزكاة في هذه الخمسة: الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، والذرة". والعرزميّ هو محمد بن عبيد اللَّه المتروك المتقدّم.

стр. 11900

ورواه يحيى بن آدم في "الخراج" (ص ١٥٠) من طريق يحيى بن أبي أُنسية، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، مرفوعًا، بلفظ: "أربع ليس فيما سواها شيء: الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب". وفيه يحيى بن أبي أُنيسة، قال أحمد، والنسائيّ، والدارقطنيّ: متروك الحديث. وقال عمرو الفلاّس: صدوق كان يَهِم في الحديث، وقد اجتمع أصحاب الحديث على تركه إلا من لا يعلم. وقال أخوه زيد بن أبي أُنيسة: إنه كذّاب (١). (ومنها): ما روى الدارقطنيّ (٢/ ١٠٠) من حديث جابر ﵁ قال: لم تكن المقاثي (٢) فيما جاء به معاذ، إنما أخذ الصدقة من البرّ، والشعير، والتمر، والزبيب، وليس في المقاثي شيء. وفي سنده عديّ بن الفضل متروك الحديث. (ومنها): ما روى يحيى بن آدم في "الخراج" عن أبي حمّاد الحنفيّ، عن أبان، عن أنس، قال: لم يَفرِض رسول اللَّه ﷺ الصدقة إلا من الحنطة، والشعير، والتمر، والأعناب. وفيه أبو حماد، مفضّل بن صدقة الحنفيّ الكوفيّ، قال ابن معين: ليس بشيء. وقال النسائيّ: متروك. (ومنها): ما روى يحيى بن آدم في "الخراج" أيضًا، والبيهقيّ من طريقه (٤/ ١٢٩) عن عتاب ابن بشير، عن خُصيف، عن مجاهد، قال: "لم تكن الصدقة في عهد رسول اللَّه ﷺ إلا في خمسة أشياء: الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، والذرة". وهذا مرسل، وفيه خُصيف، صدوق سيء الحفظ، خلط بآخره، أنكروا عليه أحاديث رواها عنه عتّاب بن بشير. وعتاب أيضًا متكلّم فيه. (ومنها): ما روى يحيى بن آدم أيضًا (ص ١٤٩) والبيهقيّ من طريقه (٤/ ١٢٩) عن ابن عُيينة، عن عمرو بن عُبيد، عن الحسن البصريّ، قال: "لم يَفرِض رسول اللَّه ﷺ الصدقة، إلا في عشرة أشياء: الإبل، والبقر، والغنم، والذهب، والفضّة، والحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب،". قال ابن عُيينة: أُراه قال: "والذُّرَة". وذكر في رواية للبيهقيّ: "السُّلْت" مكان "الذرة". وهذا أيضًا مرسل. وقال أحمد: ليس في المرسلات أضعف من مرسلات الحسن، وعطاء بن أبي رباح. وفيه عمرو بن عُبيد قدريّ داعية، متروك الحديث، وكان يَكذِب على الحسن في الحديث.

стр. 11901

(ومنها): ما رواه يحيى بن آدم أيضًا (ص ١٤٩) والبيهقيّ من طريقه (٤/ ١٢٩) عن أبي بكر بن عيّاش، عن الأجلح، عن الشعبيّ، قال: "كتب رسول اللَّه ﷺ إلى أهل اليمن، إنما الصدقة في الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب". وهذا أيضا مرسل، وأبو بكر بن عيّاش ثقة إلا أنه لَمّا كبر ساء حفظه، وكتابه صحيح. والأجلح متكلّم فيه. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما ذُكر أن أحاديث حصر وجوب الصدقة في الأربعة المذكورة كلها ضعافٌ جدًّا، لا تصلح لمعارضة الأحاديث الصحيحة المتقدّمة، وأَمثَلُها حديث يحيى بن طلحة المتقدّم، وقد عرفت ما فيه من العلل، وتصحيح الحاكم لها من تساهلاته، وأما غيره كالذهبيّ، وغيره فقد تابعوه في تساهله. فالأرجح عندي قول من قال بوجوب الزكاة في كلّ ما أخرجت الأرض من الحبوب الذي يَقتات به الآدميّون، وهذا معنى الحبّ المذكور في الحديث الصحيح: "ليس في حبّ، ولا تمر صدقة حتى يبلغ خمسة أوسق"، على ما قاله أهل اللغة، وهو المخصّص لعموم آية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ الآية [البقرة: ٢٦٧]، ولعموم حديث: "فيما سقت السماء العشر … " الحديث. وأما ما قاله ابن حزم في "المحلّى" جـ ٥ ص ٢٢٠ - ٢٢١ من أن الحبّ المذكور في الحديث هو الحنطة والشعير، ولا يطلق في لغة العرب على غيرهما، ونقل ذلك عن بعض أهل اللغة، ففيه تقصير، ومن غريب ما اتفق له في ذلك أن بعض ما نقله يردّ عليه، فإنه قد نقل عن أبي حنيفة الدِّينوريّ، عن الكسائيّ، قال: واحد الْحِبّة حَبّة -بفتح الحاء، فأما الْحَبّ، فليس إلا الحنطة والشعير، واحدها حَبّة -بفتح الحاء-، وإنما افترقتا في الجمع، ثم ذكر أبو حنيفة بعد هذا الفصل إثر كلام ذكره لأبي نصر، صاحب الأصمعيّ كلاما نصّه: وكذلك غيره من الحبوب، كالأرز، والدخن. قال ابن حزم: فهذه ثلاثة جموع: الحبّ للحنطة، والشعير خاصّة، والحبّة -بكسر الحاء، وزيادة الهاء في آخرها- لكلّ ما عداهما من البزور خاصّة، والحبوب للحنطة، والشعير، وسائر البزور. انتهى كلامه. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: كلام أبي حنيفة المذكور يدلّ على أن الحبّ يطلق على جميع الحبوب، لأن الحبوب جمع للْحَبّ، فتفطّن. ودونك ما قاله أهل اللغة في هذا الباب: قال الفيّوميّ -رحمه اللَّه تعالى- في "المصباح المنير": والْحبّ -أي بالفتح-: اسمُ جنس للحنطة، وغيرها، مما يكون في السُّنْبُل، والأَكْمَام، والجمع حُبوب، مثلُ فَلْس وفُلُوس، الواحدة حَبَّةٌ، وتجمع على حبّات على لفظها، وعلى حِبَابٍ، مثل كلبة

стр. 11902

وكِلاب، والحِبُّ -بالكسر-: ما لا يُقتات، مثل بُزُور الرياحين، الواحدة حِبّةٌ انتهى (١). وقال ابن منظور -رحمه اللَّه تعالى- في "لسان العرب": والْحَبُّ: الزرعُ، صغيرًا كان أو كبيرًا، واحدته حبّةٌ، والحَبُّ معروف، مستعملٌ في أشياء جَمَّةٍ: حَبّةٌ من بُرّ، وحَبّةٌ من شعيرٍ، حتى يقولوا: حَبّةٌ من عِنَب. قال: وقال الجوهريّ: الْحَبّةُ واحدة حَبّ الحنطة، ونحوها، من الحبوب، والْحِبّةُ: بَزْرُ كلّ نبات، ينبت وحده من غير أن يُبْذَر، وكلُّ ما بُذِرَ، فبَزرُهُ حَبَّةٌ بالفتح. قال: وقال الأزهريّ: ويقال لِحَبَ الرَّيَاحين: حِبَّةٌ، وللواحدة منها حَبَّةٌ -بالفتح-، والحِبَّةُ حَبُّ الْبَقْلِ الذي يَنتثِرُ، والْحَبّةُ: حَبَّةُ الطعَام، حَبَّةٌ من بُرّ، وشَعيرِ، وعَدَسٍ، وأَرُزٍّ، وكلُّ ما يأكله الناس. انتهى المقصود من كلام ابن منظور (٢). فظهر بهذا ردّ ما ادعاه ابن حزم من أن الحبّ مقصور في لغة العرب على الحنطة، والشعير، فلا تجب الزكاة فيما عدا البرّ، والشعير، والتمر عنده، متمسّكًا بما ذكره. فالحقّ أن الحبّ كلّ ما يقتات به الناس، من البرّ، والشعير، والتمر، والزبيب، والدُّخْن، والأرز، وغيرها من الحبوب. فثبت بالنّصّ وجوب الزكاة في جميع أنواع الحبوب التي يقتات به الآدميّون، وما عدا ذلك، فالأصل عدم وجوب الزكاة فيه، لعدم وجود نصّ صحيح في ذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم في اجتماع العشر والخراج في أرض واحدة: ذهب جمهور العلماء إلى أنه يجب العشر، أو نصفه إذا بلغ الخارج النصاب، سواء زرعه في أرض له، أو في أرض غيره، عشريّة كانت، أو خراجيّة، سقي بماء العشر، أو بماء الخراج. قال ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: هو قول أكثر العلماء، وممن قال به عمر ابن عبد العزيز، وربيعة، والزهريّ، ويحى الأنصاريّ، ومالك، والأوزاعيّ، والثوريّ، والحسن بن صالح، وابن أبي ليلى، والليث، وابن المبارك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، وداود (٣). فيجتمع عندهم العشر والخراج في أرض واحدة، ولا يمنع أحدهما وجوب الآخر. وقال أبو حنيفة: لا عشر فيما أُصيب في أرض الخراج، فاشترط لوجوب العشر أن تكون الأرض عشريّة، فلا يجتمع عنده العشر والخراج في أرض واحدة.

стр. 11903

واحتجّ الجمهور بقوله تعالى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، وقول النبيّ ﷺ : "فيما سقت السماء العشر … " الحديث، متّفق عليه، وغيرها من عمومات الأخبار. قال ابن الجوزيّ في "التحقيق" بعد ذكر هذا الخبر: هذا عامّ في الأرض الخراجيّة وغيرها. وقال ابن المبارك: يقول اللَّه تعالى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾، ثم يقول: نترك القرآن لقول أبي حنيفة. واستدلّ الشيخ ابن دقيق العيد في الإمام" للجمهور بما روى يحيى بن آدم في "الخراج" (ص ١٦٥) والبيهقيّ من طريقه (٤/ ١٣١) عن سفيان بن سعيد، عن عمرو بن ميمون بن مِهْرَان، قال: سألت عمر بن عبد العزيز عن مسلم يكون في يده أرض خراج، فَيُسألُ الزكاة، فيقول: عليّ الخراجُ؟ قال: فقال: الخراج على الأرض، وفي الحبّ الزكاة، قال: ثمّ سألته مرّة أخرى، فقال: مثل ذلك. ورواه أبو عبيد في "الأموال" (ص ٨٨) عن قبيصة، عن سفيان. قال الحافظ في "الدراية" (ص ٢٦٨): وصحّ عن عمر بن عبدالعزيز أنه قال لمن قال: إنما عليّ الخراجُ: الخراج على الأرض، والعشر على الحبّ. أخرجه البيهقيّ من طريق يحيى بن آدم. وأخرج أيضًا عن يحيى، ثنا ابن المبارك، عن يونس -وفي "الخراج" ليحيى (ص ١٦٦) "عن معمر" مكان "عن يونس"- قال: سألت الزهريّ عن زكاة الأرض التي عليها الجزية؟ فقال: لم يزل المسدمون على عهد رسول اللَّه ﷺ ، وبعده يُعاملون على الأرض، ويستكرونها، ويؤدّون الزكاة مما خرج منها، فنرى هذه الأرض على نحو ذلك انتهى. وهذا فيه إرسال. وروى يحيى بن آدم في "الخراج" (ص ١٦٥)، وأبو عبيد في "الأموال" (ص ٨٨) عن إبراهيم ابن أبي عَبْلَة، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد اللَّه بن أبي عوف، عاملِهِ على فلسطين، فيمن كانت في يده أرض يحرثها من المسلمين أن يقبض منها جزيتها، ثم يأخذ منها زكاة ما بقي بعد الجزية، قال ابن أبي عبلة: أنا ابتليت بذلك، ومنّي أخذوا الجزية -يعني خراج الأرض-. واستدلّ الحنفيّة بما رواه ابن عديّ في "الكامل"، والبيهقيّ من طريقه عن يحيى بن عنبسة، ثنا أبو حنيفة، عن حمّاد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يجتمع عشر وخراج في أرض مسلم". وبأن أحدًا من أئمّة العدل وولاة الْجَوْر لم يأخذ من أرض السواد عشرًا إلى يومنا هذا، فالقول بوجوب العشر فيها يخالف الإجماع، فيكون باطلاً. قال صاحب "الهداية":

стр. 11904

لم يجمع أحدٌ من أئمة العدل والجور بينهما، وكفى بإجماعهم حجة. انتهى. وأجيب عن الحديث بأنه باطلٌ، لا أصل له. قال البيهقيّ: هذا حديثٌ باطلٌ وَصْلُه، ورَفْعُه، ويحيى بن عنبسة متّهمٌ بالوضع، وقال ابن عديّ: يحيى بن عنبسة منكر الحديث، وإنما يُروَى هذا من قول إبراهيم. وقد رواه أبو حنيفة، عن حمّاد، عن إبراهيم قولَهُ، فجاء يحيى بن عبسة، فأبطل فيه، ووصله إلى النبيّ ﷺ ، ويحيى مكشوف الأمر في ضعفه؛ لروايته عن الثقات الموضوعات انتهى. وقال ابن حبّان: ليس هذا من كلام النبيّ ﷺ ، ويحيى بن عنبسة دجّالٌ يضع الحديث، لا تحلّ الرواية عنه. وقال الدارقطنيّ: يحيى هذا دجّال يضع الحديث، وهو كذب على أبي حنيفة، ومن بعده إلى رسول اللَّه ﷺ . وذكره ابن الجوزيّ في "الموضوعات". كذا في "نصب الراية" ج ٣/ ص ٤٤٢. وأجيب عن دعوى الإجماع بأنها باطلة جدًّا. قال الحافظ في "الدراية" رادًّا على صاحب "الهداية": ولا إجماعَ مع خلاف عمر بن عبد العزيز، والزهريّ، بل لم يثبت عن غيرهما التصريح بخلافهما انتهى. وقال أبو عبيد في "الأموال" (ص ٩٠): لا نعلم أحدًا من الصحابة قال: لا يجتمع عليه العشر والخراج، ولا نعلمه من التابعين إلا شيء يُروى عن عكرمة، رواه عنه رجل من أهل خراسان، يُكنى أبا المنيب، سمعه يقول ذلك انتهى. وقال صاحب "المرعاة" (٦/ ٧٩) بعد ذكر ما تقدّم: وقد ظهر بما ذكرنا أنه لم يقم دليل صحيح، أو سقيم على أن الخراج والعشر لا يجتمعان على مسلم، بل الآية المذكورة، وحديث: "فيما سقت السماء العشر"، وما في معناه يدلّان بعمومهما على الجمع بينهما، وأثر عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد، وأثر الزهريّ يدلّان على أن العمل كان ذلك في عهد رسول اللَّه ﷺ وبعده، فالحقّ، والصواب في ذلك ما ذهب إليه الجمهور انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله صاحب "المرعاة" -رحمه اللَّه تعالى- حسنٌ جدًا. واللَّه تعالِى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٤٨٩ - (أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ سَوَّادِ (١) بْنِ الأَسْوَدِ بْنِ عَمْرٍو, وَأَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو (٢) , وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ, عَنِ ابْنِ وَهْبٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ, أَنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ, حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ, يَقُولُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ:

стр. 11905

«فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ, وَالأَنْهَارُ, وَالْعُيُونُ الْعُشْرُ, وَفِيمَا سُقِيَ بِالسَّانِيَةِ نِصْفُ الْعُشْرِ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح: وقد تقدّموا غير مرّة. و"عمرو بن سوّاد" -بتشديد الواو-: هو أبو محمد المصريّ، ثقة [١١]. و"أحمد بن عمرو": هو ابن السرح المصريّ، ثقة [١٠]. و"عمرو بن الحارث": هو المصريّ الثقة الثبت [٧]. و"أبو الزبير": هو محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، صدوق [٤]. والحديث أخرجه المصنّف هنا -٢٥/ ٢٤٨٩ - وفي "الكبرى" ٢٦/ ٢٢٦٨. وأخرجه (م) في "الزكاة" ٩٨١ (د) في "الزكاة" ١٥٩٧ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ١٤٢٥٦ و ١٤٣٨٩، وشرحه يُعلم من شرح الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٤٩٠ - (أَخْبَرَنَا (١) هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ, عَنْ أَبِي بَكْرٍ -وَهُوَ ابْنُ عَيَّاشٍ- عَنْ عَاصِمٍ, عَنْ أَبِي وَائِلٍ, عَنْ مُعَاذٍ, قَالَ: "بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , إِلَى الْيَمَنِ, فَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِمَّا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرَ, وَفِيمَا سُقِيَ (٢) بِالدَّوَالِي نِصْفَ الْعُشْرِ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عاصم": هو ابن أبي النَّجُود المقرىء. و"أبو وائل": هو شقيق بن سلمة. والحديث صحيح، أخرجه المصنّف هنا -٢٥/ ٢٤٩٠ - وفي "الكبرى" ٢٦/ ٢٢٦٩. وأخرجه (ق) في "الزكاة" ١٨١٨ (أحمد) في "مسند الأنصار" ٢١٥٣ (الدارميّ) في "الزكاة" ١٦٦٧. وفي إسناده اختلاف، فمنهم من أدخل بين أبي وائل وبين معاذ مسروقًا، لكن يشهد له ما قبله. وقوله: "بالدوالي" جمع دالية: آلةٌ لإخراج الماء. قال في "المصباح": الدالية: دَلْوٌ، ونحوُها، وخشبٌ يُصنَع كهيئة الصليب، وُيشدّ برأس الدَّلْو، ثمّ يُؤخذ حَبْلٌ يُربَط طَرَفه بذلك، وطرَفه بِجِذْعٍ قائمٍ على رأس البئر، ويُسقى بها. فهي فاعلةٌ بمعنى مفعولة، والجمع الدَّوالي، وشَذّ الفارابيُّ، وتبعه الجوهريّ، ففسّرها بالْمَنْجَنُونِ. انتهى (٣). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلت، وإليه أنيب".
следующие страницы →