← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 11901–11940 · переход к 11906.

стр. 11901

(ومنها): ما رواه يحيى بن آدم أيضًا (ص ١٤٩) والبيهقيّ من طريقه (٤/ ١٢٩) عن أبي بكر بن عيّاش، عن الأجلح، عن الشعبيّ، قال: "كتب رسول اللَّه ﷺ إلى أهل اليمن، إنما الصدقة في الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب". وهذا أيضا مرسل، وأبو بكر بن عيّاش ثقة إلا أنه لَمّا كبر ساء حفظه، وكتابه صحيح. والأجلح متكلّم فيه. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما ذُكر أن أحاديث حصر وجوب الصدقة في الأربعة المذكورة كلها ضعافٌ جدًّا، لا تصلح لمعارضة الأحاديث الصحيحة المتقدّمة، وأَمثَلُها حديث يحيى بن طلحة المتقدّم، وقد عرفت ما فيه من العلل، وتصحيح الحاكم لها من تساهلاته، وأما غيره كالذهبيّ، وغيره فقد تابعوه في تساهله. فالأرجح عندي قول من قال بوجوب الزكاة في كلّ ما أخرجت الأرض من الحبوب الذي يَقتات به الآدميّون، وهذا معنى الحبّ المذكور في الحديث الصحيح: "ليس في حبّ، ولا تمر صدقة حتى يبلغ خمسة أوسق"، على ما قاله أهل اللغة، وهو المخصّص لعموم آية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ الآية [البقرة: ٢٦٧]، ولعموم حديث: "فيما سقت السماء العشر … " الحديث. وأما ما قاله ابن حزم في "المحلّى" جـ ٥ ص ٢٢٠ - ٢٢١ من أن الحبّ المذكور في الحديث هو الحنطة والشعير، ولا يطلق في لغة العرب على غيرهما، ونقل ذلك عن بعض أهل اللغة، ففيه تقصير، ومن غريب ما اتفق له في ذلك أن بعض ما نقله يردّ عليه، فإنه قد نقل عن أبي حنيفة الدِّينوريّ، عن الكسائيّ، قال: واحد الْحِبّة حَبّة -بفتح الحاء، فأما الْحَبّ، فليس إلا الحنطة والشعير، واحدها حَبّة -بفتح الحاء-، وإنما افترقتا في الجمع، ثم ذكر أبو حنيفة بعد هذا الفصل إثر كلام ذكره لأبي نصر، صاحب الأصمعيّ كلاما نصّه: وكذلك غيره من الحبوب، كالأرز، والدخن. قال ابن حزم: فهذه ثلاثة جموع: الحبّ للحنطة، والشعير خاصّة، والحبّة -بكسر الحاء، وزيادة الهاء في آخرها- لكلّ ما عداهما من البزور خاصّة، والحبوب للحنطة، والشعير، وسائر البزور. انتهى كلامه. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: كلام أبي حنيفة المذكور يدلّ على أن الحبّ يطلق على جميع الحبوب، لأن الحبوب جمع للْحَبّ، فتفطّن. ودونك ما قاله أهل اللغة في هذا الباب: قال الفيّوميّ -رحمه اللَّه تعالى- في "المصباح المنير": والْحبّ -أي بالفتح-: اسمُ جنس للحنطة، وغيرها، مما يكون في السُّنْبُل، والأَكْمَام، والجمع حُبوب، مثلُ فَلْس وفُلُوس، الواحدة حَبَّةٌ، وتجمع على حبّات على لفظها، وعلى حِبَابٍ، مثل كلبة

стр. 11902

وكِلاب، والحِبُّ -بالكسر-: ما لا يُقتات، مثل بُزُور الرياحين، الواحدة حِبّةٌ انتهى (١). وقال ابن منظور -رحمه اللَّه تعالى- في "لسان العرب": والْحَبُّ: الزرعُ، صغيرًا كان أو كبيرًا، واحدته حبّةٌ، والحَبُّ معروف، مستعملٌ في أشياء جَمَّةٍ: حَبّةٌ من بُرّ، وحَبّةٌ من شعيرٍ، حتى يقولوا: حَبّةٌ من عِنَب. قال: وقال الجوهريّ: الْحَبّةُ واحدة حَبّ الحنطة، ونحوها، من الحبوب، والْحِبّةُ: بَزْرُ كلّ نبات، ينبت وحده من غير أن يُبْذَر، وكلُّ ما بُذِرَ، فبَزرُهُ حَبَّةٌ بالفتح. قال: وقال الأزهريّ: ويقال لِحَبَ الرَّيَاحين: حِبَّةٌ، وللواحدة منها حَبَّةٌ -بالفتح-، والحِبَّةُ حَبُّ الْبَقْلِ الذي يَنتثِرُ، والْحَبّةُ: حَبَّةُ الطعَام، حَبَّةٌ من بُرّ، وشَعيرِ، وعَدَسٍ، وأَرُزٍّ، وكلُّ ما يأكله الناس. انتهى المقصود من كلام ابن منظور (٢). فظهر بهذا ردّ ما ادعاه ابن حزم من أن الحبّ مقصور في لغة العرب على الحنطة، والشعير، فلا تجب الزكاة فيما عدا البرّ، والشعير، والتمر عنده، متمسّكًا بما ذكره. فالحقّ أن الحبّ كلّ ما يقتات به الناس، من البرّ، والشعير، والتمر، والزبيب، والدُّخْن، والأرز، وغيرها من الحبوب. فثبت بالنّصّ وجوب الزكاة في جميع أنواع الحبوب التي يقتات به الآدميّون، وما عدا ذلك، فالأصل عدم وجوب الزكاة فيه، لعدم وجود نصّ صحيح في ذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم في اجتماع العشر والخراج في أرض واحدة: ذهب جمهور العلماء إلى أنه يجب العشر، أو نصفه إذا بلغ الخارج النصاب، سواء زرعه في أرض له، أو في أرض غيره، عشريّة كانت، أو خراجيّة، سقي بماء العشر، أو بماء الخراج. قال ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: هو قول أكثر العلماء، وممن قال به عمر ابن عبد العزيز، وربيعة، والزهريّ، ويحى الأنصاريّ، ومالك، والأوزاعيّ، والثوريّ، والحسن بن صالح، وابن أبي ليلى، والليث، وابن المبارك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، وداود (٣). فيجتمع عندهم العشر والخراج في أرض واحدة، ولا يمنع أحدهما وجوب الآخر. وقال أبو حنيفة: لا عشر فيما أُصيب في أرض الخراج، فاشترط لوجوب العشر أن تكون الأرض عشريّة، فلا يجتمع عنده العشر والخراج في أرض واحدة.

стр. 11903

واحتجّ الجمهور بقوله تعالى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، وقول النبيّ ﷺ : "فيما سقت السماء العشر … " الحديث، متّفق عليه، وغيرها من عمومات الأخبار. قال ابن الجوزيّ في "التحقيق" بعد ذكر هذا الخبر: هذا عامّ في الأرض الخراجيّة وغيرها. وقال ابن المبارك: يقول اللَّه تعالى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾، ثم يقول: نترك القرآن لقول أبي حنيفة. واستدلّ الشيخ ابن دقيق العيد في الإمام" للجمهور بما روى يحيى بن آدم في "الخراج" (ص ١٦٥) والبيهقيّ من طريقه (٤/ ١٣١) عن سفيان بن سعيد، عن عمرو بن ميمون بن مِهْرَان، قال: سألت عمر بن عبد العزيز عن مسلم يكون في يده أرض خراج، فَيُسألُ الزكاة، فيقول: عليّ الخراجُ؟ قال: فقال: الخراج على الأرض، وفي الحبّ الزكاة، قال: ثمّ سألته مرّة أخرى، فقال: مثل ذلك. ورواه أبو عبيد في "الأموال" (ص ٨٨) عن قبيصة، عن سفيان. قال الحافظ في "الدراية" (ص ٢٦٨): وصحّ عن عمر بن عبدالعزيز أنه قال لمن قال: إنما عليّ الخراجُ: الخراج على الأرض، والعشر على الحبّ. أخرجه البيهقيّ من طريق يحيى بن آدم. وأخرج أيضًا عن يحيى، ثنا ابن المبارك، عن يونس -وفي "الخراج" ليحيى (ص ١٦٦) "عن معمر" مكان "عن يونس"- قال: سألت الزهريّ عن زكاة الأرض التي عليها الجزية؟ فقال: لم يزل المسدمون على عهد رسول اللَّه ﷺ ، وبعده يُعاملون على الأرض، ويستكرونها، ويؤدّون الزكاة مما خرج منها، فنرى هذه الأرض على نحو ذلك انتهى. وهذا فيه إرسال. وروى يحيى بن آدم في "الخراج" (ص ١٦٥)، وأبو عبيد في "الأموال" (ص ٨٨) عن إبراهيم ابن أبي عَبْلَة، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد اللَّه بن أبي عوف، عاملِهِ على فلسطين، فيمن كانت في يده أرض يحرثها من المسلمين أن يقبض منها جزيتها، ثم يأخذ منها زكاة ما بقي بعد الجزية، قال ابن أبي عبلة: أنا ابتليت بذلك، ومنّي أخذوا الجزية -يعني خراج الأرض-. واستدلّ الحنفيّة بما رواه ابن عديّ في "الكامل"، والبيهقيّ من طريقه عن يحيى بن عنبسة، ثنا أبو حنيفة، عن حمّاد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يجتمع عشر وخراج في أرض مسلم". وبأن أحدًا من أئمّة العدل وولاة الْجَوْر لم يأخذ من أرض السواد عشرًا إلى يومنا هذا، فالقول بوجوب العشر فيها يخالف الإجماع، فيكون باطلاً. قال صاحب "الهداية":

стр. 11904

لم يجمع أحدٌ من أئمة العدل والجور بينهما، وكفى بإجماعهم حجة. انتهى. وأجيب عن الحديث بأنه باطلٌ، لا أصل له. قال البيهقيّ: هذا حديثٌ باطلٌ وَصْلُه، ورَفْعُه، ويحيى بن عنبسة متّهمٌ بالوضع، وقال ابن عديّ: يحيى بن عنبسة منكر الحديث، وإنما يُروَى هذا من قول إبراهيم. وقد رواه أبو حنيفة، عن حمّاد، عن إبراهيم قولَهُ، فجاء يحيى بن عبسة، فأبطل فيه، ووصله إلى النبيّ ﷺ ، ويحيى مكشوف الأمر في ضعفه؛ لروايته عن الثقات الموضوعات انتهى. وقال ابن حبّان: ليس هذا من كلام النبيّ ﷺ ، ويحيى بن عنبسة دجّالٌ يضع الحديث، لا تحلّ الرواية عنه. وقال الدارقطنيّ: يحيى هذا دجّال يضع الحديث، وهو كذب على أبي حنيفة، ومن بعده إلى رسول اللَّه ﷺ . وذكره ابن الجوزيّ في "الموضوعات". كذا في "نصب الراية" ج ٣/ ص ٤٤٢. وأجيب عن دعوى الإجماع بأنها باطلة جدًّا. قال الحافظ في "الدراية" رادًّا على صاحب "الهداية": ولا إجماعَ مع خلاف عمر بن عبد العزيز، والزهريّ، بل لم يثبت عن غيرهما التصريح بخلافهما انتهى. وقال أبو عبيد في "الأموال" (ص ٩٠): لا نعلم أحدًا من الصحابة قال: لا يجتمع عليه العشر والخراج، ولا نعلمه من التابعين إلا شيء يُروى عن عكرمة، رواه عنه رجل من أهل خراسان، يُكنى أبا المنيب، سمعه يقول ذلك انتهى. وقال صاحب "المرعاة" (٦/ ٧٩) بعد ذكر ما تقدّم: وقد ظهر بما ذكرنا أنه لم يقم دليل صحيح، أو سقيم على أن الخراج والعشر لا يجتمعان على مسلم، بل الآية المذكورة، وحديث: "فيما سقت السماء العشر"، وما في معناه يدلّان بعمومهما على الجمع بينهما، وأثر عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد، وأثر الزهريّ يدلّان على أن العمل كان ذلك في عهد رسول اللَّه ﷺ وبعده، فالحقّ، والصواب في ذلك ما ذهب إليه الجمهور انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله صاحب "المرعاة" -رحمه اللَّه تعالى- حسنٌ جدًا. واللَّه تعالِى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٤٨٩ - (أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ سَوَّادِ (١) بْنِ الأَسْوَدِ بْنِ عَمْرٍو, وَأَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو (٢) , وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ, عَنِ ابْنِ وَهْبٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ, أَنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ, حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ, يَقُولُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ:

стр. 11905

«فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ, وَالأَنْهَارُ, وَالْعُيُونُ الْعُشْرُ, وَفِيمَا سُقِيَ بِالسَّانِيَةِ نِصْفُ الْعُشْرِ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح: وقد تقدّموا غير مرّة. و"عمرو بن سوّاد" -بتشديد الواو-: هو أبو محمد المصريّ، ثقة [١١]. و"أحمد بن عمرو": هو ابن السرح المصريّ، ثقة [١٠]. و"عمرو بن الحارث": هو المصريّ الثقة الثبت [٧]. و"أبو الزبير": هو محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، صدوق [٤]. والحديث أخرجه المصنّف هنا -٢٥/ ٢٤٨٩ - وفي "الكبرى" ٢٦/ ٢٢٦٨. وأخرجه (م) في "الزكاة" ٩٨١ (د) في "الزكاة" ١٥٩٧ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ١٤٢٥٦ و ١٤٣٨٩، وشرحه يُعلم من شرح الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٤٩٠ - (أَخْبَرَنَا (١) هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ, عَنْ أَبِي بَكْرٍ -وَهُوَ ابْنُ عَيَّاشٍ- عَنْ عَاصِمٍ, عَنْ أَبِي وَائِلٍ, عَنْ مُعَاذٍ, قَالَ: "بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , إِلَى الْيَمَنِ, فَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِمَّا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرَ, وَفِيمَا سُقِيَ (٢) بِالدَّوَالِي نِصْفَ الْعُشْرِ"). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "عاصم": هو ابن أبي النَّجُود المقرىء. و"أبو وائل": هو شقيق بن سلمة. والحديث صحيح، أخرجه المصنّف هنا -٢٥/ ٢٤٩٠ - وفي "الكبرى" ٢٦/ ٢٢٦٩. وأخرجه (ق) في "الزكاة" ١٨١٨ (أحمد) في "مسند الأنصار" ٢١٥٣ (الدارميّ) في "الزكاة" ١٦٦٧. وفي إسناده اختلاف، فمنهم من أدخل بين أبي وائل وبين معاذ مسروقًا، لكن يشهد له ما قبله. وقوله: "بالدوالي" جمع دالية: آلةٌ لإخراج الماء. قال في "المصباح": الدالية: دَلْوٌ، ونحوُها، وخشبٌ يُصنَع كهيئة الصليب، وُيشدّ برأس الدَّلْو، ثمّ يُؤخذ حَبْلٌ يُربَط طَرَفه بذلك، وطرَفه بِجِذْعٍ قائمٍ على رأس البئر، ويُسقى بها. فهي فاعلةٌ بمعنى مفعولة، والجمع الدَّوالي، وشَذّ الفارابيُّ، وتبعه الجوهريّ، ففسّرها بالْمَنْجَنُونِ. انتهى (٣). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلت، وإليه أنيب".

стр. 11906

٢٦ - (كَمْ يَتْرُكُ الْخَارِصُ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "الخارص": اسم فاعل من "الْخَرْصِ" -بفتح المعجمة، وحكي كسرها، وبسكون الراء، بعدها مهملة-: وهو حَزْرُ ما على النخل من الرُّطَب تمرًا. وحكى الترمذيّ عن بعض أهل العلم أن تفسيره أن الثمار إذا أدركت من الرطب، والعنب، مما تجب فيه الزكاة بعث السلطان خارصًا ينظر، فيقول: يخرج من هذا كذا وكذا زبيبًا، وكذا وكذا تمرًا، فيُحصيه، وينظر مبلغ العشر، فيثبته عليهم، ويخلِّي بينهم وبين الثمار، فإذا جاء وقت الجذاذ أخذ منهم العشر انتهى. وفائدة الخرص التوسعة على أرباب الثمار في التناول منها، والبيع من زهوها، وإيثار الأهل والجيران والفقراء؛ لأن في منعهم تضييقًا لا يخفى. وقال الخطّابيّ: أنكر أصحاب الرأي الخرص، وقال بعضهم: إنما كان يُفعل تخويفًا للمزارعين؛ لئلا يخونوا، لا ليلزم به الحكم؛ لأنه تخمين وغُرور، أو كان يجوز قبل تحريم الربا والقمار. وتعقّبه الخطّابيّ بأن تحريم الربا والميسر متقدّم، والخرص عُمِل به في حياة النبيّ ﷺ حتى مات، ثم أبو بكر، وعمر، فمن بعدهم، ولم يُنقل عن أحد منهم، ولا من التابعين تركه إلا عن الشعبيّ. قال: وأما قولهم: إنه تخمين وغُرور، فليس كذلك، بل هو اجتهاد في معرفة مقدار التمر، وإدراكه بالخرص الذي هو نوع من المقادير. وحكى أبو عُبيد عن قوم منهم أنّ الخرص كان خاصًّا بالنبيّ ﷺ ؛ لأنه كان يُوفَّق من الصواب ما لا يوفّق له غيره. وتعقّبه بأنه لا يلزم من كون غيره لا يُسدّد لما كان يُسدّد له سواه أن تثبت بذلك الخصوصيّة، ولو كان المرء لا يجب عليه الاتباع إلا فيما يعلم أنه يسدّد فيه كتسديد الأنبياء لسقط الاتباع. وتردّ هذه الحجّة أيضًا بإرسال النبيّ ﷺ الخرّاص في زمانه. واللَّه تعالى أعلم. واعتلّ الطحاويّ بأنه يجوز أن يحصل للثمرة آفةٌ فتتلفها، فيكون ما يؤخذ من صاحبها مأخوذًا بدلاً مما لم يَسلَم له. وأجيب بأن القائلين به لا يضمّنون أرباب الأموال ما تلف بعد الخرص. قال ابن المنذر: أجمع من يُحفظ عنه العلم أن المخروص إذا أصابته جاثحة قبل الجذاذ فلا ضمان. ذكره فى "الفتح" (١). وسيأتي تمام البحث في ذلك في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

стр. 11907

٢٤٩١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ, وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ, قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, قَالَ: سَمِعْتُ خُبَيْبَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ نِيَارٍ, عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثَمَةَ, قَالَ: أَتَانَا وَنَحْنُ فِي السُّوقِ, فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا خَرَصْتُمْ فَخُذُوا, وَدَعُوا الثُّلُثَ, فَإِنْ لَمْ تَأْخُذُوا" أَوْ "تَدَعُوا الثُّلُثَ" -شَكَّ شُعْبَةُ- "فَدَعُوا الرُّبُعَ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (محمد بن بشار) بندر البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٢٤/ ٢٧. ٢ - (يحيى بن سعيد) القطان الإمام الحجة الثبت البصري [٩] ٤/ ٤. ٣ - (محمد بن جعفر) غندر البصري، ثقة [٩] ٢١/ ٢٢. ٤ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت [٧] ٢٤/ ٢٧. ٥ - (خُبيب بن عبد الرحمن) أبو الحارث المدنيّ، ثقة [٤] ١٠/ ٦٤٠. ٦ - (عبد الرحمن بن مسعود بن نِيَار) -بكسر النون، بعدها تحتانيّة- الأنصاريّ المدنيّ، مقبول [٤]. روى عن سهل بن أبي حَثْمة. وعنه خُبيب بن عبد الرحمن. ذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال البزّار: معروف. وقال ابن القطّان: لكنّه لا يُعرف حاله. أخرج له أبو داود، والترمذيّ، والمصنّف، وله عندهم حديث الباب فقط. ٧ - (سهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ) -بفتح المهملة، وسكون المثلّثة- ابن ساعدة بن عامر الأنصاريّ الخزرجيّ المدنيّ، صحابيٌّ صغيرٌ، وُلد سنة ثلاث من الهجرة، وله أحاديث، مات في خلافة معاوية ﵄، تقدّم في ٥/ ٧٤٨. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الاسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، سوى عبد الرحمن بن مسعود كما سبق آنفًا. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة، والباقون مدنيون. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ سهْلِ بْنِ أَيِي حَثْمَةَ) الأنصاري الصحابي الصغير - رضي اللَّه تعالى عنه - (قَالَ) الضمير لعبد الرحمن، أي قال: عبد الرحمن بن مسعود (أَتَانَا) الضمير لسهل بن أبي حثمة، وقوله: (وَنَحْنُ فِي السُّوقِ) جملة في محلّ نصب على الحال، يعني أنه أَتَي سهلُ ابن أبي حثمة عبد الرحمن بنَ مسعود، ومن معه، والحال أنّهم كائنون في السوق،

стр. 11908

والظاهر أنه أراد سوق المدينة. وفي رواية أبي داود: " جاء سهل بن أبي حثْمَة إلى مجلسنا، فقال: أمرنا رسول اللَّه ﷺ ، إذا خرصتم، فَجَذُّوا … (فَقَالَ:) سهل ﵁ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا خَرَصْتُمْ) من باب قَتَلَ: أي قدّرتم، وحَزَرْتم أيّها السُّعَاة، والْمُصدِّقُون (فَخُذُوا) أمر من الأخذ -بالخاء، والذال المعجمتين-: أي خُذُوا زكاة المخروص، إن سَلِمَ من الآفة. والخرص: تقدير ما على النخل من الرُّطَب تمرًا، وما على الكرم من العنب زبيبًا؛ ليُعرَف مقدار عُشره، ثّم يُخلَّى بينه وبين مالكه، ويؤخذ ذلك المقدار وقت قطع الثمار. وفائدته التوسعة على أرباب الثمار في التناول منها، وهو جائز عند الجمهور، خلافًا للحنفيّة؛ لإفضائه إلى الربا، وحملوا أحاديث الخرص على أنها كانت قبل تحريم الربا. وسيأتي تحقيق القول في ذلك في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى. ووقِع في بعض نسخ أبي داود "فَجَذُّو" -بالجيم، والذال المعجمة بصيغة الماضي-: أي فقَطَعُوا، وفي بعضها "فَجَدُّوا" -بالدّال المهملة-وهو القطع أيضًا، وعلى هاتين النسختين جزاء الشرط محذوف: أي إذا خَرَصتم، ثم قَطَع أرباب النخل ثمرها، فخذوا زكاة المخروص. وقيل: " جُذُّوا" -بضمّ الجيم، بصيغة الأمر، وهو جزاء الشرط، ويكون أمرًا لأرباب النخل: أي إذا قدّر العامل الثمارَ، وعرفتم حقّ الفقراء، فاقطعوا ما شئتم، وهو أمر إباحة. (وَدَعُوا) أي اتركوا (الثُّلُثَ) -بضمّ اللام، وسكونها- يحتمل أن يكون المراد: اتركوا ثلث الزكاة ليتصدّق به ربّ المال بنفسه على أقاربه، وجيرانه، فلا يَغرَم لهم من ماله شيئًا. ويحتمل أن يكون المراد: اتركوا الثلث من نفس الثمرة، فلا يؤخذ عليه زكاة، رأفةً بأرباب الأموال، فإنه يكون منه الساقطة، والهالكة، وما يأكله الطير والناس، فلو أخذت الزكاة على جميع المال أضرّ بربّه. وكان عمر بن الخطّاب ﵁ يأمر الخرّاص بذلك. قال في "الفتح": وقال بظاهره الليث، وأحمد، وإسحاق، وغيرهم. وفَهِمَ أبو عُبيدة في "كتاب الأموال" أنه القدر الذي يأكلونه بحسب احتياجهم إليه، فقال: يُترك قدرُ احتياجهم. وقال مالك، وسفيان: لا يُترك لهم شيء، وهو المشهور عن الشافعيّ. قال ابن العربي: والمتحصّل من صحيح النظر أن يُعمل بالحديث، وهو قدر المؤونة، ولقد جرّبناه، فوجدناه كذلك في الأغلب مما يؤكل رُطَبًا انتهى (١). وقال ابن قُدامة في "المغني": على الخارص أن يترك في الخرص الثلث، أو الربع؛ توسعةً على أرباب الأموال؛ لأنهم يحتاجون إلى الأكل هم وأضيافهم، وُيطعمون

стр. 11909

جيرانهم، وأهلَهم، وأصدقاءَهم، وسُؤَّالَهُم، ويكون في الثمرة الساقطة، وينتابها الطير، وتأكل منها المارّة، فلو استوفى الكلّ منهم أضرّ بهم. وبهذا قال إسحاق، ونحوه قال الليث، وأبو عُبيد. والمرجع في تقدير المتروك إلى الساعي باجتهاده، فإن رأى في الأَكَلَة كثرةً ترك الثلث، وإن كانوا فيهم قلْةٌ ترك الربع، وذكر حديث الباب. وقال: وروى أبو عُبيد بإسناده عن مكحول قال: كان رسول اللَّه ﷺ إذا بعث الخرّاص قال: "خفّفوا على الناس، فإن في المال العَرِيّة، والواطئة، والأكلة". و"العريّة" نخَلَاتٌ يَهبها ربّ المال لشخص يَجني ثمارها. و"الواطئة": المارّة في الطريق، سُمُّوا بذلك لوطئهم بلاد الثمار مُجتازين. و"الأكلة": أرباب الثمار، وأقاربهم، وجيرانهم. انتهى كلام ابن قُدامة بتصرّف (١). (فَإِنْ لَمْ تَأْخُذُوا" (أَوْ) للشكّ (تَدَعُوا) أي تتركوا. وقوله (الثُّلُثَ) بالنصب تنازعه الفعلان قبله (شَكَّ شُعْبَةُ) بن الحجّاج في لفظ خُبيب شيخِهِ، هل هو "تأخذوا"، أو هو "تدعوا"، ومعنى "فإن لم تأخذوا" -واللَّه أعلم-: أي إن لم تأخذوا ثلث الثمار في الاستثناء، بمعنى أنهم لم يروا استثناء الثلث مناسبًا؛ لكثرته حيث كانت حاجة صاحب الثمار قليلةً، فيكون بمعنى "تَدَعُوا الثلث" ("فَدَعُوا الرُّبُعَ") أي اتركوا لهم ربع الزكاة؛ ليتصدّقوا بأنفسهم، أو ربع الثمار، فلا يؤخذ عليه زكاة، على ما تقدّم من الاحتمالين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل .. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث سهل بن أبي حثْمَة ﵁ هذا صحيح. [فإن قلت]: كيف يصحّ، وفيه عبد الرحمن بن مسعود بن نيار، وقد قال ابن القطّان لا يُعرف؟. [قلت]: إنما حكمت بصحّته لأمرين: (أحدهما): أن عبد الرحمن قال فيه البزّار: إنه معروف، ووثقه ابن حبّان. (الثاني): أن له شواهد يصحّ بها: (فمنها): ما أخرجه الشيخان، وغيرهما عن أبي حميد الساعدي ﵁، قال: غزونا مع النبيّ ﷺ ، غزوة تبوك، فلما جاء وادي القرى، إذا امرأة في حديقة لها، فقال النبيّ ﷺ لأصحابه: "اخرُصُوا"، وخَرَصَ رسولُ اللَّه ﷺ ، عشرة أوسق، فقال لها:

стр. 11910

"أحصي ما يخرج منها" … وفيه: فلما أتى وادي القرى، قال للمرأة: "كم جاء حديقتك؟ "، قالت: عشرة أوسق، خَرْصَ رسول اللَّه ﷺ … الحديث بطوله. (ومنها): ما أخرجه أبو داود، والترمذيّ، ويأتي للمصنّف برقم ١٠٠/ ٢٦١٨ عن سعيد بن المسيّب، عن عتّاب بن أَسيّد ﵁: أمر رسول اللَّه ﷺ أن يُخرص العنب، كما يُخرص النخل، وتؤخذ زكاته زَبيبًا، كما تؤخذ صدقة النخل تمرًا". [فإن قلت]: هذا غير صحيح، لأنه منقطعٌ، فقد قيل: إن عتابًا لم يسمع منه ابن المسيّب، فإنه مات يوم مات أبو بكر الصديق ﵄، على ما قاله الواقديّ، وسعيد إنما وُلد لسنتين مضتا من خلافة عمر ﵁. [قلت]: دعوى عدم الصحة فيه غير صحيحة؛ لأمرين: (الأول): أن دعوى الانقطاع فيه مبنيّ على قول الواقديّ: إنه مات يوم مات أبو بكر، والواقديّ ضعيف، والراجح أن عتابًا كان من عمّال عمر ﵁، وإنما توفّي في أواخر حياته. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- في ترجمة عتّاب ﵁: روى الطيالسيّ، والبخاريّ في "تاريخه" من طريق أيوب بن عبد اللَّه بن يسار (١)، عن عمرو بن أبي عقرب (٢)، سمعت عتّابًا، فذكر حديثًا، وإسناده حسنٌ، ومقتضاه أن عتّابًا تأخّرت وفاته عما قال الواقديّ؛ لأن عمرو بن أبي عقرب ذكره البخاريّ في التابعين، وقال: سمع عتّابًا. ويؤيّد ذلك أن الطبريّ ذكر عتّابًا فيمن لا يُعرف تاريخ وفاته، وقال في "تاريخه": إنه كان والي عمر سنة عشرين، وذكره قبل ذلك في سني عمر، ثم ذكره في سنة (٢٢) ثمّ قال في مقتل عمر سنة (٢٣) قتل، وعامله على مكّة نافع بن عبد الحارث انتهى. فهذا يُشعر بأن موت عتّاب كان في أواخر سنة (٢٢) أو أوائل سنة (٢٣)، فعلى هذا فيصحّ سماع سعيد بن المسيّب منه انتهى كلام الحافظ (٣). (الثاني): أن مرسلات سعيد بن المسيّب من أصحّ المراسيل، كما نُقِل عن الشافعيّ، وأحمد، وابن معين، وابن المدينيّ، وغيرهم من أئمة كبار المحدثين، انظر "شرح علل الترمذيّ" للحافظ ابن رجب في بحث المرسل ص ١٧٩ - ١٨٦. بتحقيق صبحي السامرّائيّ.

стр. 11911

فظهر بهذا أن الحديث أقلّ أحواله أن يكون حسنًا. واللَّه تعالى أعلم. (ومنها): حديث ابن عمر ﵄ في "صحيح ابن حبّان": أن رسول اللَّه ﷺ غلب أهل خيبر على الأرض، والزرع، والنخل، فصالحوه، وفيه: فكان ابن رواحة يأتيهم، فيخرصها عليهم، ثم يضمّنهم الشطر". (ومنها): حديث جابر ﵁ قال: أفاء اللَّه على رسوله ﷺ بني النضير، فأقرّهم رسول اللَّه ﷺ على ما كانوا، وجعلها بينه وبينهم، فبعث عبد اللَّه بن رواحة، فخرصها عليهم، ثم قال: يا معشر اليهود أنتم أبغض الناس إليّ، قتلتم أنبياء اللَّه، وكَذَبتم على اللَّه، وليس شيء يحملني بغضي إياكم على أن أَحيف عليكم، قد خرصت عليكم عشرين ألف وسق من تمر، إن شئتم فلكم، وإن أبيتم فلي، قالوا: بهذا قامت السموات والأرض، قالوا: قد أخذنا، فاخرجوا عنّا. رواه البيهقيّ بسند رجاله ثقات (١). فثبت بما ذُكر أن حديث الباب صحيح. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٢٦/ ٢٤٩١ - وفي "الكبرى" ٢٧/ ٢٢٧٠. وأخرجه (ت) في "الزكاة" ٦٤٣ (أحمد) في "مسند المكيين"، و"مسند المدنيين" ١٥٦٦٢ (الدارميّ) في "البيوع" ٢٦١٩. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما بوّب له المصنّف، وهو بيان ما يتركه الخارص، وهو الثلث، أو الربع على حسب ما يراه (ومنها): مشروعية الخرص، خلافًا لمن نفاه، كما سيأتي في المسألة التالية (ومنها): سماحة الشريعة، وسهولتها على المكلّفين، حيث تراعي أحوال الجميع، وتدفع عنهم الحرج، فلَمّا كان بعض أرباب الثمار يتحرّجون عن التصرف في ثمارهم حيث تعلّقت به حقوق الفقراء، ويتساهل بعضهم، فيتصرّف بغير حدّ، ويُضَيّق على الفقراء حقوقهم شُرع الخرص رعايةً لمصلحة الجانبين، وهذا من فضل اللَّه تعالى (ومنها): أن الخارص عليه أن يراعي حاجة أرباب الثمار، فمن كانت حاجته أكثر من غيره، يترك له الثلث، ومن كان أقلّ يترك له الربع. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في الخرص: ذهب أكثر أهل العلم إلى مشروعيّة الخرص في العنب والنخل، منهم عمر بن

стр. 11912

الخطّاب، وسهل بن أبي حثمة، ومروان، والقاسم بن محمد، وعطاء، والزهريّ، وعمرو بن دينار، ومالك، والشافعيّ، وأحمد، وأبو عبيد، وأبو ثور. ثم اختلفوا، هل هو واجبٌ، أو مستحبٌ؟ فقال الشافعيّ في أحد قوليه بوجوبه، مستدلا بما في حديث عتّاب بن أَسيد: أمر رسول اللَّه ﷺ أن يُخرص العنب، كما يُخرص النخل، ويؤخذ زكاته زبيبًا". رواه أحمد، وأصحاب السنن. قال الصنعانيّ -رحمه اللَّه تعالى-: والحديث دليلٌ على وجوب خرص التمر والعنب؛ لأن قول الراوي: "أمر" يُفهم منه أنه أتى ﷺ بصيغة تفيد الأمر، والأصل فيه الوجوب انتهى. وقال الجمهور: هو مستحبّ، وهي رواية عن الشافعيّ، إلا إن تعلّق به حقٌّ لمحجور مثلاً، أو كان شُركاؤه غير مؤتمنين، فيجب لحفظ مال الغير. وروي عن الشافعيّ أنه جائز فقط. وقال الشعبيّ، والثوريّ، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد: الخرص مكروه. وقال الشعبيّ: الخرص بدعة. وقال الثوريّ: خرص الثمار لا يجوز. وقال ابن رُشد: قال أبو حنيفة، وصاحباه: الخرص باطلٌ، وعلى ربّ المال أن يؤدّي عشر ما تحصّل بيده، زاد على الخرص، أو نقص منه. واستدلّ الجمهور لمشروعيّة الخرص بالأحاديث المتقدّمة في المسألة الأولى. وأجاب الحنفيّة عنها بوجوه: (الأول): الكلام في أسانيدها. قال ابن العربيّ: ليس في الخرص حديث صحيح، إلا حديث أبي حميد الساعديّ عند الشيخين، ويليه ما روي في خرص ابن رواحة على أهل خيبر. وتُعقّب بأن حديث سهل بن أبي حثمة صحيح، وحديث عتّاب حسنٌ، كما تقدّم البحث عنهما مستوفىً. (الثاني): أنه منسوخ بنسخ الربا. قال الخطابيّ: قال بعض أصحاب الرأي إنما كان جوازه قبل تحريم الربا والقمار. وتعقبه في "المعالم " (٢/ ٤٤) بأن تحريم الربا والقمار والميسر متقدّم، والخرص عُمل به في حياة النبيّ ﷺ حتى مات، ثم أبو بكر، وعمر، فمن بعدهم، ولم يُنقل عن أحد منهم، ولا عن التابعين خلاف فيه، إلا عن الشعبيّ انتهى. وقال الإمام ابن القيّم في "إعلام الموقّعين": "المثال التاسع والعشرون" ردّ السنّة الصحيحة الصريحة المحكمة في خرص الثمار في الزكاة، والعرايا، وغيرها، إذا بدا صلاحها، ثم ذكر أحاديث الخرص، ثم قال: فردّت هذه السنن كلها بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا

стр. 11913

الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ الآية [المائدة: ٩٠]، قالوا: والخرص من القمار والميسر، فيكون تحريمه ناسخًا لهذه الآثار. وهذا من أبطل الباطل، فإن الفرق بين القمار والميسر، والخرص المشروع كالفرق بين البيع والربا، والميتة والمذكّى، وقد نزّه اللَّه رسوله ﷺ ، وأصحابه عن تعاطي القمار، وعن شرعه، وإدخاله في الدين، ويا للَّه العجب أكان المسلمون يُقامرون إلى زمن خيبر، ثم استمرّوا على ذلك إلى عهد الخلفاء الراشدين، ثم انقضى عصر الصحابة، وعصر التابعين على القمار، ولا يعرفون أنّ الخرص قمار حتى بيّنه بعض فقهاء الكوفة، هذا واللَّه الباطل حقًّا. انتهى كلام ابن القيم. وقد ذكر صاحب "المرعاة" ما تعلّق به الحنفيّة في ردّ أدلّة الخرص كلها وناقشها كلّها، فأجاد، وأفاد، فراجعه في جـ ٦ ص ١٥١ - ١٥٤. تستفد. وباللَّه تعالى التوفيق. [تنبيهان]: (الأول): اختلف القائلون بالْخَرْص، هل يختصّ بالنخل، أو يُلحق به العنب، أو يعمّ كلّ ما ينتفع به رطبًا وجافًّا؟ وبالأول قال شُريح القاضي، وبعض أهل الظاهر. وبالثاني قال الجمهور. وإلى الثالث نحا البخاريّ. قال الجامع: مذهب الجمهور عندي أرجح، لصحة الأدلّة به. واللَّه تعالى أعلم. وهل يمضي قول الخارص، أو يرجع إلى ما آل إليه الحال بعد الجفاف؟ الأول قول مالك، وطائفة. والثاني قول الشافعيّ، ومن تبعه. قال الجامع: قول مالك عندي أظهر. واللَّه تعالى أعلم. وهل يكفي خارصٌ واحد عارف ثقةٌ، أو لابدّ من اثنين؟ وهما قولان للشافعيّ، والجمهور على الأول. قال الجامع: قول الجمهور هو الموافق ظاهر أحاديث الخرص. واللَّه تعالى أعلم. واختُلف أيضًا، هل هو اعتبار، أو تضمينٌ؟ وهما قولان للشافعيّ، أظهرهما الثاني. وفائدته جواز التصرّف في جميع الثمرة، ولو أتلف المالك الثمرة بعد الخرص أُخذت منه الزكاة بحساب ما خُرص. (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب". …

стр. 11914

٢٧ - (قَوْلُهُ : ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ الآية [البقرة:٢٦٧] ٢٤٩٢ - (أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ, عَنِ ابْنِ وَهْبٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْجَلِيلِ بْنُ حُمَيْدٍ, الْيَحْصَبِيُّ, أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ حَدَّثَهُ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ, فِي الآيَةِ الَّتِي, قَالَ: اللَّهُ : ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] قَالَ: هُوَ الْجُعْرُورُ, وَلَوْنُ حُبَيْقٍ, فَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , أَنْ تُؤْخَذَ فِي الصَّدَقَةِ الرُّذَالَةُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يونس بن عبد الأعلى) بن ميسرة الصدفي، أبو موسى المصري، ثقة، من صغار [١٠] ١/ ٤٤٩. ٢ - (الحارث بن مسكين) بن محمد، أبو عمرو المصري القاضي، ثقة فقيه [١٠] ٩/ ٩. ٣ - (ابن وهب) عبد اللَّه، أبو محمد المصري، ثقة حافظ عابد [٩] ٩/ ٩. ٤ - (عبد الجليل بن حُميد الْيَحْصَبيّ) أبي مالك المصريّ، لا بأس به [٧]. قال النسائيّ: ليس به بأس. وقال أحمد بن رِشْدِين، عن أحمد بن صالح: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". انفرد به المصنّف، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، وحديث رقم (٢٦٢٠) "إن اللَّه تعالى كتب عليكم الحج .. " الحديث. [تنبيه]: "اليحصبيّ" -بفتح الياء، وسكون الحاء المهملة، وكسر الصاد المهملة، وموحّدة-: نسبة إلى قبيلة من حمير. هكذا ذكر نحو هذا الضبط في "لبّ اللباب" ج ٢ ص ٣٣٨. والذي في "القاموس" أنه مثلّث الصاد، والنسبة مثلّثة أيضًا، لا بالفتح فقط، كما زعم الجوهريّ انتهى. ٥ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري الإمام الحجة [٤] ١/ ١. ٦ - (أبو أمامة بن سهل بن حُنيف) اسمه أسعد الأنصاري، مشهور بكنيته، له رؤية، ولم يسمع، مات سنة مائة، وله (٩٢) سنة ٨/ ٥٠٩. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال

стр. 11915

الصحيح، غير الحارث، فإنه من أفراد المصنف، وأبي داود، وغير عبد الجليل، فإنه من أفراد المصنف. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين إلى عبد الجليل، والباقون مدنيون. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي: ابن شهاب، عن أبي أمامة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث عن ابن شهاب الزهريّ -رحمه اللَّه تعالى-، أنه قال (حَدَّثَنِي أَبُو أُمَامَةَ) أسعد (بْنُ سَهْلِ ابْنِ حُنَيفٍ) له رؤية، ولم يسمع من النبيّ ﷺ ، وتقدم في -٨/ ٥٠٩. وأبوه صحابيّ مشهور ﵄. هكذا في رواية المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- مرسلاً، وقد صحّ متّصلاً بذكر أبيه، كما سنذكره في المسألة الأولى، إن شاء اللَّه تعالى. (فِي الْآيَةِ الَّتِي) متعلّق بـ "حدثني"، أي حدثني فيما يتعلّق بمعنى هذه الآية (قَالَ: اللَّهُ ) جملة القول صلة الموصول بتقدير عائد، أي قال اللَّه فيها (وَلَا تَيَمَّمُوا) بحذف إحدى التاءين، والأصل تتيمّموا، فحذفت إحدى التاءين، تخفيفًا، كما قال ابن مالك في "الخلاصة": وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ … فِيهِ عَلَى تَا كَتَبَيَّنُ الْعِبَرْ واختُلف، هل المحذوفة هي الأولى؛ وعليه الكوفيّون؛ لأن الثانية لمعنى المطاوعة، وحذفها يُخلّ به، أو الثانية وعليه البصريون؛ لحصول الثقل بها. وحكى الطبريّ، والنّحّاس أن في قراءة عبد اللَّه: "ولا تَأَمَّمُوا"، وهما لغتان. وقرأ مسلم بن جندب: "ولا تُيَمِّمُوا" بضمّ التاء، وكسر الميم. وقرأ ابن كثير "ولا تَّيَمَّمُوا" بتشديد التاء. وفي اللفظة لغات: منها "أَمَمْتُ الشيءَ" مخففة الميم الأولى، و"أَمَّمْتُه" بتشديدها، و"يَمَّمته، وتَيَمَّمْتُه". وحكى أبو عمر أن ابن مسعود قرأ "ولا تُؤَمِّمُوا" بهمزة بعد التاء المضمومة. ذكره القرطبيّ (١). أي لا تقصدوا (الْخَبِيثَ) أي الرديء (مِنْهُ) أي من المذكور، في قوله: ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾، فإفراد الضمير باعتبار المذكور، فالجارّ والمجرور نعت للخبيث، أو حال منه. ويحتمل أن يكون متعلّقا بقوله (تُنْفِقُونَ) والجملة حال من ضمير "تيمّموا". وتمام الآية: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾

стр. 11916

[البقرة: ٢٦٧] ومعنى قوله: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ أي لستم بآخذيه في ديونكم، وحقوقكم من الناس إلا أن تتساهلوا في ذلك، وتتركوا من حقوقكم، وتكرهونه، ولا ترضونه. أي فلا تفعلوا مع اللَّه تعالى ما لا ترضونه لأنفسكم. قال معناه البراء بن عازب، وابن عبّاس، والضحّاك ﵃. وقال الحسن: معنى الآية: ولستم بآخذيه، ولو وجدتموه في السوق يُباع إلا أن يُهْضَم لكم من ثمنه. وروي نحوه عن عليّ ﵁. قال ابن عطية: وهذان القولان يُشبهان كون الآية في الزكاة الواجبة. قال ابن العربيّ: لو كانت في الفرض لما قال: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ﴾، لأن الرديء والمعيب لا يجوز أخذه في الفرض بحال، لا مع تقدير الإغماض، ولا مع عدمه، وإنما يؤخذ مع عدم الإغماض في النفل. وقال البراء بن عازب أيضًا: معناه: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ﴾ أي لو أُهدي لكم ﴿إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ أي تستحيي من المهدي، فتقبل منه ما لا حاجة له به، ولا قدر له في نفسه. قال ابن عطيّة: وهذا يُشبه كون الآية في التطوّع. وقال ابن زيد: ولستم بآخذي الحرام إلا أن تُغمضوا في مكروهه. ومعنى قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾: أي إن اللَّه غنيّ عن صدقاتكم، لا حاجة به إليها، فمن تقرّب، وطلب مثوبة، فليفعل ذلك بما له قَدْرٌ، وبَالٌ، فإنما يُقدّم لنفسه. ومعنى "حميد": محمود في كلّ حال. أفاده القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- (١). (قَالَ: هُوَ الْجُعْرُورُ) -بضمّ الجيم، وسكون العين المهملة، بوزن عُصْفُور-: ضربٌ من التمر صِغَارٌ، لا يُنتفع به. وقال الأصمعيّ: الْجُعْرُورُ ضرب من الدَّقَلِ يَحْمِلُ رُطَبًا صِغَارًا، لا خير فيه. ذكره في "اللسان" (وَلَوْنُ حُبَيْقٍ) -بضمّ الحاء المهملة، وفتح الموحّدة-: تمر صغير، رديء، أغبر، فيه طولٌ، منسوبٌ إلى ابن حُبيق، اسم رجل. وقال في "اللسان": وعِذْقُ الْحُبيق - مصغّرٌ-: نوع من التمر رديء، منسوب إلى ابن حُبيق، وهو تمر أغبر، صغيرٌ، مع طول فيه. يقال: حُبيقٌ، ونُبَيقٌ، وذوات الْعُنَيق لأنواع من التمر، والنُّبَيق أغبر مُدوّرٌ، وذوات العُنَيق لها أعناقٌ، مع طول، وغُبْرَة، وربّما اجتمع ذلك كلّه في عِذْقٍ واحدٍ انتهى بتصرّف. والمعنى أن المراد بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ﴾ هذان الصنفان من التمر. واللَّه تعالى أعلم. (فَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَنْ تُؤْخَذَ) بالبناء للمفعول. وفي نسخة: "يأخذ" (فِي الصَّدَقَةِ)

стр. 11917

نتعلّق بما قبله (الرُّذَالَةُ) نائب فاعل "تُؤخذ". وهو بضمّ الراء، بعدها ذال معجمة: الرديء. يعني أنه ﷺ نهى عن أخذ الرديء في الزكاة مطلقًا، سواء كان في التمر، أو في غيره. ووقع في النسخة "الهنديّة": "الرزالة" بالزاي المعجمة، بدل الذال المعجمة، وهو تصحيف. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي أمامة بن سهل ﵄ هذا صحيح. [فإن قلت]: كيف يصحّ، وهو مرسل؟ [قلت]: قد رُوي متّصلاً بذكر أبيه، فقد أخرجه أبو داود في "سننه"، فقال: ١٦٠٧ حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عباد، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن أبي أمامة بن سهل، عن أبيه، قال: "نهى رسول اللَّه ﷺ ، عن الْجُعْرُور، ولون الْحُبَيق، أن يؤخذا في الصدقة". قال الزهريّ: لونين من تمر المدينة. وقد أخرجه الحاكم، والدارقطنيّ بأتمّ من هذا، ولفظه: قال: أمر رسول اللَّه ﷺ بصدقة، فجاء رجلٌ من هذا السُّخَّل بكَبَائس -قال سفيان: يعني الشِّيصَ- فقال: "من جاء بهذا؟ "، وكان لا يجيء أحدٌ بشيء إلا نُسِب إلى الذي جاء به، فنزلت: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾، قال: ونهى رسول اللَّه ﷺ عن الْجُعْرُور، ولون الْحُبَيق أن يؤخذا في الصدقة". قال الزهريّ: لونين من تمر المدينة. و"السُّخَّل" -بضمّ السين المهملة، وتشديد الخاء المعجمة المفتوحة-: الشِّيص، كما قال سفيان. و"الكبائس" جمع كِبَاسة -بكسر الكاف-: الْعِذْق، وهو من التمر كالعُنقُود من العنب. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: في إسناده سُفيان بن حُسين، قد ضعّفُوه في الزهريّ، لكن تابعه سليمان بن كثير، كما أشار إليه أبو داود بعد أن أخرجه من طريقه، فقال: وأسنده أيضًا أبو الوليد، عن سليمان بن كثير، عن الزهريّ، انتهى. ورواية سليمان أخرجها الدارقطنيّ في "سننه"، فقال: حدّثنا الحسين بن إسماعيل، ثنا يوسف بن موسى، ثنا أبو الوليد، ثنا سليمان بن كثير، ثنا الزهريّ، عن أبي أُمامة بن سَهْل بن حُنيف، عن أبيه، أن رسول اللَّه ﷺ : "نهى عن لونين من التمر: الْجُعْرُور،

стр. 11918

ولون الْحُبَيق، وكان الناس يتيمّمون شرّ ثمارهم، فيُخرجونها في الصدقة، فنُهوا عن لونين من التمر، ونزلت: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾. انتهى. وإسناده صحيح. وروي أيضًا من حديث البراء بن عازب ﵄، فقد أخرجه الترمذيّ في "جامعه"، فقال: ٢٩٨٧ حدثنا عبد اللَّه بن عبد الرحمن، أخبرنا عبيد اللَّه بن موسى، عن إسرائيل، عن السدي (١)، عن أبي مالك، عن البراء: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾، قال: نزلت فينا معشرَ الأنصار، كنّا أصحابَ نخل، فكان الرجل يأتي من نخله، على قدر كثرته وقلته، وكان الرجل يأتي بالقنو، والقنوين، فيعلقه في المسجد، وكان أهل الصُّفَّة ليس لهم طعام، فكان أحدهم إذا جاع، أتى القنو، فضربه بعصاه، فيسقط من البسر والتمر، فيأكل، وكان ناس، ممن لا يرغب في الخير، يأتي الرجلُ بالقنو، فيه الشِّيصُ، والْحَشَفُ، وبالقنو قد انكسر، فيعلقه، فأنزل اللَّه وتبارك تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ قال: لو أن أحدكم أُهدِيَ إليه مثلُ ما أعطاه، لم يأخذه إلا على إغماض، أو حياء، قال: فكنا بعد ذلك، يأتي أحدنا بصالح ما عنده. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب صحيح، وأبو مالك هو الغفاري، ويقال: اسمه غَزْوَان. وقد روى سفيان الثوري، عن السدي شيئا من هذا. وأخرجه ابن ماجه، وابن جرير، وابن مردويه، والحاكم في "المستدرك" من طريق السدّيّ، عن عديّ بن ثابت، عن البراء ﵁ بنحوه. وصححه الحاكم على شرط الشيخين، وفيه نظر فإن السدّيّ ما أخرج له البخاريّ. والحاصل أن حديث الباب صحيح بهذه الشواهد. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٢٨/ ٢٤٩٢ - وفي "الكبرى" ٢٨/ ٢٢٧١. وأخرجه (د) في "الزكاة" ١٦٠٧. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان معنى الآية المذكورة،

стр. 11919

وسبب نزولها (ومنها): أنه لا يجوز للمالك أن يدفع في الزكاة رديء ما عنده، بل يدفع أطيب ما يجده؛ لينال بذلك الأجر العظيم، وقد تقدّم في ٥/ ٢٤٤٧ - قوله ﷺ : "ولا يؤخذ في الصدقة هَرِمةٌ، ولا ذات عَوَارٍ … " الحديث (ومنها): أن اللَّه تعالى غنيّ عن الصدقات، وإنما يأمر الأغنياء لأجل مواساة الفقراء، فتحصلَ المساواة بين المجتمع، ويسود الودّ والإخاء، ويزول الحسد والبغضاء. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٤٩٣ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا يَحْيَى, عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ أَبِي عَرِيبٍ, عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ الْحَضْرَمِيِّ, عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ, قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , وَبِيَدِهِ عَصًا, وَقَدْ عَلَّقَ رَجُلٌ قِنْوَ حَشَفٍ, فَجَعَلَ يَطْعَنُ فِي ذَلِكَ الْقِنْوِ, فَقَالَ: «لَوْ شَاءَ رَبُّ هَذِهِ الصَّدَقَةِ, تَصَدَّقَ بِأَطْيَبَ مِنْ هَذَا, إِنَّ رَبَّ هَذِهِ الصَّدَقَةِ, يَأْكُلُ حَشَفًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ»). رجال هذا الاسناد: ستة: ١ - (يعقوب بن إبراهيم) الدورقي البغدادي الحافظ الثبت [١٠] ٢١/ ٢٢. ٢ - (يحيى) بن سعيد القطان المذكور قبل باب. ٣ - (عبد الحميد بن جعفر) الأنصاريّ المدنيّ، صدوق رمي بالقدر، وربما وهم [٦] ٢٦/ ٩١٤. ٤ - (صالح بن أبي عَرِيب) -بفتح المهملة، وكسر الراء، آخره موحّدةٌ- اسمه قُلَيب - بالقاف، والموحّدة، مصغرًا- ابن حَرْمل بن كُلَيب الحضرميّ، مقبول [٦]. روى عن كثير بن مرّة، وخلاّد بن السائب، ومختار الحِمْيريّ. وعنه الليث، وحَيْوة ابن شُرَيح، وابن لَهِيعة، وعبد الحميد بن جعفر الأنصاريّ، وغيرهم. ذكره ابن حبّان في "الثقات". أخرج له أبو داود، والمصنّف، وابن ماجه، وله عندهم هذا الحديث، وله عند أبي داود حديث آخر أيضًا: "من كان آخر كلامه لا إله إلا اللَّه دخل الجنة". ٥ - (كثير بن مرّة الْحَضْرميّ) أبو شَجَرَة الحمصيّ، ثقة [٢] ١/ ١٨٨. ٦ - (عوف بن مالك) الأشجعيّ، أبو حمّاد، ويقال: غير ذلك الصحابيّ المشهور، من مسلمة الفتح، وسكن دمشق، ومات سنة (٧٣) تقدمت ترجمته في -٥٠/ ٦٢ - واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات. (ومنها): أن شيخه هو أحد مشايخ الستة الذين رووا عنهم بلا واسطة. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 11920

شرح الحديث (عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ) الأشجعيّ، - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أي من بيته إلى المسجد. ولفظ أبي داود: "دخل علينا رسول اللَّه ﷺ المسجد … " (وَبيَدِهِ عَصًا) جملة اسمية في محلّ نصب على الحال من الفاعل (وَقَدْ عَلَّقَ رَجُلٌ) جملة فعليةَ في محلّ نصب على الحال أيضًا عطف على الحال الأولى (قِنْوَ حَشَفٍ) بالنصب مفعول "علّق"، والإضافة بمعنى "من". وفي نسخة: قَناَ حَشَفٍ" بالإضافة أيضا. ولفظ أبي داود: وقد علّق رجلٌ منّا قنًا حَشَفًا". و"القِنْو" -بالكسر، والضمّ- و"القِنَا " -بالكسر، والفتح، مقصورًا-: الْكِبَاسة، والجمع أقناء، وقِنْوَان، وقِنْيَان، قُلبت الواو ياء. أفاده في "اللسان". وقال في "المصباح": و"القِنْو" -بالكسر- وزان حِمْل: الْكِبَاسَة (١)، هذه لغة الحجاز، وبالضمّ في لغة قيس، والجمع قِنْوَان -بالكسر، فيمن كَسَرَ الواحد، وبالضمّ، فيمن ضمّ الواحد، ومثله فى الجمع صِنْوَانٌ جمع صِنْوٍ، وهو فَرْخُ الشّجَرة، ورِئْدٌ ورِئْدَان، وهو التِّرْبُ، وحُشٌّ، وحُشّان، ولفظ المثنّى في الرفع، والوقف كلفظ المجموع في الوقف انتهى. و"الْحَشَفُ" -بفتح الحاء المهملة، والشين المعجمة-: أردءُ التمر، وهو الذي يَجِفُّ من غير نُضْجٍ، ولا إدراكٍ، فلا يكون له لحم، الواحدة حَشَفَة، وأحشفت النخلة بالألف: صارَت ذات حَشَفٍ. قاله في "المصباح". وإنما علّق الرجل ذلك الحَشَفَ المذكور؛ لأنهم كانوا يعلّقون القِنْوَ في المسجد؛ ليأكل منه من يحتاج إليه، من فقراء المهاجرين، كما تقدّم في حديث البراء بن عازب ﵄. (فَجَعَلَ يَطْعَنُ) قال في "القاموس": طَعَنَه بالرمح، كمنعَهُ، ونَصَرَه طَعْنًا: ضربه، ووَخَزَه، فهو مطعونٌ، وطَعِينٌ انتهى (فِي ذَلِكَ الْقِنْوِ) يعني أنه ﷺ شَرَعَ يطعُن بعصاه في ذلك القنو المعلّق؛ إشارةً إلى حَقَارة ذلك القنو المعلّق، وأنّ صاحبه لم يؤدّ ما طُلِب منه على الوجه الأكمل (فَقَالَ) ﷺ (لَوْ شَاءَ رَبُّ هَذِهِ الصَّدَقَةِ، تَصَدَّقَ بِأَطْيَبَ مِنْ هَذَا) يعني لو كان صاحب هذه الصدقة مريدًا من اللَّه تعالى الثواب العظيم الذي وعده اللَّه تعالى لمن تصدّق لتصدّق بغير هذا الْحَشَف، من أطيب ما لديه من خيار المال (إِنَّ رَبَّ هَذِهِ الصَّدَقَةِ، يَأْكُلُ حَشَفًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ") يعني يُجازى على فعله السيّء هذا، بأن يكون أكله

стр. 11921

يوم القيامة من الحشَفِ. وقال السنديّ في "شرحه": "يأكل حَشَفًا" أي جزاء حَشَف، فسمّي الجزاء باسم الأصل. ويحتمل أن يُجعل الجزاء من جنس الأصل، ويخلق اللَّه تعالى في هذا الرجل اشتهاء الْحَشَف، فيأكله، فلا ينافي ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ﴾ الآية [فصلت: ٣١]. انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الصواب عندي هو الاحتمال الثاني؛ لأنه لا مانع من حمله على ظاهره، فلا يُعدل عنه إلى المجاز. واللَّه تعالى أعلم. وزاد في رواية أحمد من طريق أبي بكر الحنفيّ، عن عبد الحميد بن جعفر: قال: ثم أقبل علينا، فقال: "أما واللَّه، يا أهل المدينة، لَتَدَعُنَّها أربعين عاما للعَوَافي"، قال: فقلت: اللَّه أعلم، قال: -يعني الطير، والسباع- قال: وكنا نقول: إن هذا لَلَّذِي تسميه العجم هي الكَرَاكِي انتهى. والحديث دليل على ذمّ إخراج الرديء في الزكاة، وتقدّم بيانه في الحديث السابق. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عوف بن مالك ﵁ هذا حسن. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٢٧/ ٢٤٩٣ - وفي "الكبرى" ٢٨/ ٢٢٧٢. وأخرجه (د) في "الزكاة" ١٦٠٨ (ق) في "الزكاة" ١٨٢١ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٣٤٥٦. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ٢٨ - (بَابُ الْمَعْدِنِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "المعدن" -بفتح الميم، وكسر الدال- كمَجلِسٍ: مَنْبِتُ الجواهر، من ذهب ونحوه، سمّي به لإقامة أهله فيه دائمًا، أو لإنبات اللَّه تعالى

стр. 11922

إياه فيه، ومكان كلّ شيء فيه أصله. أفاده في "القاموس". وفي "المصباح": عَدَنَ بالمكان عَدْنًا، وعُدُونًا، من بابي ضرب، وقَعَد: أقام، ومنه: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ أي جنّات إقامة، واسم المكان مَعْدِنٌ، مثالُ مَجْلِسٍ؛ لأن أهله يُقيمون عليه الصيف والشتاء، أو لأن الجوهر الذي خلقه اللَّه فيه عَدَنَ به. قال في "مختصر العين": مَعْدِنُ كلّ شيء حيث يكون أصله. وعَدَنت الإبل تَعْدِنُ، وتَعْدُنُ: أقامت ترعى الْحَمْضَ، وعَدَن -بفتحتين: بلدٌ باليمن، مشتقّ من ذلك، وأُضيف إلى بانيه، فقيل: عدنُ أبين انتهى. (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٤٩٤ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الأَخْنَسِ, عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ جَدِّهِ, قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , عَنِ اللُّقَطَةِ؟ فَقَالَ: «مَا كَانَ فِي طَرِيقٍ مَأْتِيٍّ, أَوْ فِي قَرْيَةٍ عَامِرَةٍ, فَعَرِّفْهَا سَنَةً, فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا, وَإِلاَّ فَلَكَ, وَمَا لَمْ يَكُنْ فِي طَرِيقٍ مَأْتِيٍّ, وَلَا فِي قَرْيَةٍ عَامِرَةٍ, فَفِيهِ وَفِي الرِّكَازِ الْخُمْسُ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقة الثبت [١٠] ١/ ١. ٢ - (أبو عوانة) الوَضّاح بن عبد اللَّه اليشكريّ الواسطي، الثقة الثبت [٧] ٤١/ ٤٦. ٣ - (عُبيد اللَّه بن الأخنس) أبو مالك الْخَرّاز النخعيّ، صدوق يخطىء [٧] ٣٢/ ١٦٨٦. ٤ - (عمرو بن شعيب) المدني، أو الطائفي، صدوق [٥] ١٠٥/ ١٤٠. ٥ - (أبوه) شعيب بن محمد بن عبد اللَّه الطائي، صدوق [٣] ١١٠٥/ ١٤٠. ٦ - (جده) عبد اللَّه بن عمرو بن العاص - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٨٩/ ١١١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم موثقون. (ومنها): أن فيه رواية الراوي، عن أبيه، عن جده، وتابعي، عن تابعي. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبِ، عَنْ أَبِيهِ) شُعيب بن محمد بن عبد اللَّه بن عمرو (عَنْ جَدِّهِ)

стр. 11923

عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄، أنه (قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، عَنِ اللُّقَطَةِ؟) أي عن حكم الشيء الذي يُلْتَقَط. قال الفيّوميّ -رحمه اللَّه تعالى-: لَقَطْتُ الشيءَ لَقْطًا، من باب قَتَلَ: أخذته، وأصله الأخذ من حيث لا يُحسّ، فهو مَلْقُوطٌ، ولَقِيطٌ، فَعِيلٌ بمعنى مفعولٍ، والتقطته كذلك، ومن هنا قيل: لقطتُ أصابعه: إذا أخذتها بالقطع، دون الكفّ، والتقطت الشيءَ: جمعتُهُ، ولَقَطتُ العلمَ من الكُتُب لَقْطًا: أخذتُهُ من هذا الكتاب، ومن هذا الكتاب، وقد غلب اللقيط على المولود المنبوذ، واللُّقَاطة - بالضمّ-: ما التقطتَ من مال ضائع، واللُّقَاط بحذف الهاء، واللُّقَطةُ وزان رُطبة كذلك. قال الأزهريّ: اللُّقَطَةُ -بفتح القاف-: اسم الشيء الذي تجَده مُلْقًى، فتأخذه. قال: وهذا قول جميع أهل اللغة، وحُذّاق النحويين. وقال الليث: هي بالسكون، ولم أسمعه لغيره. واقتصر ابن فارسٍ، والفارابيّ، وجماعةٌ على الفتح، ومنهم من يَعُدّ السكون من لَحْن العوامّ. ووجه ذلك أن الأصل لُقَاطةٌ، فثقُلَت عليهم؛ لكثرة ما يلتقطون في النهب، والغارات، وغير ذلك، فتلعّبت بها ألسنتهم؛ اهتمامًا بالتخفيف، فحذفوا الهاء مرّةً، وقالوا: "لُقَاط"، والألفَ أُخرى، وقالوا: "لُقَطَة"، فلو أُسكن اجتمع على الكلمة إعلالان، وهو مفقود في فصيح الكلام، وهذا، وإن لم يذكروه، فإنه لا خفاء به عند التأمّل؛ لأنهم فسَّروا الثلاثة بتفسير واحد. انتهى كلام الفيّوميّ (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: فظهر بما تقدّم أن "الُّلقَطَةَ" بفتح القاف أفصح من سكونها، بل جعله بعضهم من لحن العوامّ. واللَّه تعالى أعلم. وهذا الحديث مختصرٌ، وقد ساقه أبو داود في "سننه" مطوّلاً، فقال: ١٧١٠ - حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا الليث، عن ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، عن رسول اللَّه ﷺ ، أنه سئل عن الثمر المعلق؟، فقال: "من أصاب بفيه، من ذي حاجة، غير متخذ خُبْنَة، فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه، فعليه غرامة مثليه، والعقوبة، ومن سرق منه شيئا، بعد أن يُؤويه الْجَرِين، فبلغ ثمن الْمِجَنِّ، فعليه القطع، وذكر في ضالة الإبل والغنم، كما ذكره غيره، قال: وسئل عن اللقطة؟، فقال: "ما كان منها في طريق الْمِيتَاء، أو القرية الجامعة، فعَرِّفها سنة، فإن جاء طالبها، فادفعها إليه، وإن لم يأت، فهي لك، وما كان في الخراب -يعني ففيها، وفي الركاز الخمس". انتهى.

стр. 11924

(فَقَالَ) ﷺ ("مَا كَانَ فِي طَرِيقِ مَأْتِيِّ) اسم مفعول، من أتى، وأصله مَأتُويٌ، اجتمعت الواو، والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأُدغمت في الياء، فصار مَأْتِيَّا، كما قال ابن مالك في "الخلاصة": إِنْ يَسْكُنِ السَّابِقُ مِنْ وَاو وَيَا … وَاتَّصَلَا وَمِنْ عُرُوضٍ عَرِيَا فَيَاء الْوَاوَ اقْلِبَنْ مُدْغِمَا … وَشَذَّ مُعْطًى غَيْرَ مَا قَدْ رُسِمَا ومعنى "مأتيّ": أي طريق مسلوك، يسلكه الناس كثيرًا، ولفظ أبي داود: "في طريق الميتاء" -بكسر الميم، مِفعالٌ، من الإتيان، والميم زائدة، وبابه الهمزة، أي طريقة مسلوكة، يأتيها الناس. قاله الخطّابيّ، وابن الأثير (أَوْ فِي قَرْيَةٍ عَامِرَةٍ) يقال: عَمَرَ المنزلُ بأهله عَمْرًا، من باب قَتَلَ، فهو عامر، وعَمَرَه أهلُهُ: سَكَنوه، وأقاموا به، يتعدّى، ولا يتعدّى. قاله في "المصباح". والمناسب هنا هو اللازم. ولفظ أبي داود: "أو القرية الجامعة" (فَعَرِّفهَا) أمرٌ من التعريف، وهو أن يُنادِي في الموضع الذي لقيها فيه، وفي الأسواق، وأبواب المساجد، فيقول: من ضاع له شيء، فليأتني (سَنَةً) منصوب على الظرفيّة، متعلّق بما قبله. وفيه أنّ تعريف اللقطة يكون سنة واحدة فقط، ويعارضه حديث أُبيّ بن كعب ﵁، عند الشيخين، حيث إنّ فيه أن التعريف ثلاث سنين، وسيأتي الجمع بينهما في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى. (فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا) في خلال مدّة التعريف، فأدها إليه، فجواب الشرط محذوف؛ لدلالة السياق عليه. ولفظ أبي داود: "فإن جاء طالبها، فادفها إليه" (وِإلاَّ) هي "إن" الشرطيّة، و"لا" النافية، وفعل الشرط مقدّر بدلالة ما قبله عليه، أي وإن لم يجىء صاحبها، وجواب الشرط قوله (فَلَكَ) بتقدير مبتدإ، أي فهي لك. ولفظ أبي داود: "وإن لم يات، فهي لك". وذكر الحافظ السيوطيّ، عن ابن مالك -رحمهما اللَّه تعالى- أن في هذا الكلام حذفَ جواب الشرط، وحذفَ فعلِ الشرط بعد "إلا"، والمبتدإ من جملة الجواب الاسميّة، والتقدَير: فإن جاء صاحبها أخذها، وإن لا يجىء، فهي لك انتهى (١). ومعنى "فهي لك" أي فهي مباحة الاستعمال لك، فيجوز أن تصرفها إلى ما تصرف فيه مال نفسك، فالمراد جواز التصرّف فيها، ولا يلزم من ذلك أنه مَلَكَها، بل هي على ملك صاحبها، بدليل أنه لو جاء صاحبها بعد ذلك لزمه أداء بدلها، لحديث زيد بن خالد

стр. 11925

الجهنّي ﵁ المتّفق عليه:، قال: عرّفها سنةً، ثمّ اعرف وكاءها، وعفاصها، ثم استنفق بها، فإن جاء ربّها فأدّها إليه … " الحديث. فقد صرّح بالردّ إلى صاحبها بعد التصرّف فيها. وقال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: وظاهر الحديث أنه يملكها الواجد مطلقًا. وقد يقال: لعلّ السائل كان فقيرًا، فأجابه على حسَبِ حاله، فلا يدلّ أنّ الغنّي يملك. وفيه أنه كم من فقير يصير غنيًّا، فالإطلاق في الجوَاب لا يحسن إلا عند إطلاق الحكم. فليُتَأَمَّلْ انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما دلّ عليه ظاهر الحديث هو الصواب، لكن بمعنى أنه يملك التصرّف فيها، لا أنه يزول ملك مالكها بالكلّيّة، وإن قال به بعضهم. وسيأتي تمام البحث في ذلك في المسألة السادسة، إن شاء اللَّه تعالى. (وَمَا) موصولة، أي والذي (لَمْ يَكُنْ فِي طَرِيقٍ مَأْتِيٍّ) أي مسلوك (وَلَا فِي قَرْيَةٍ عَامِرَةٍ) ولفظ أبي داود: "وما كان في الْخَرَاب". قال الخطّابيّ -رحمه اللَّه تعالى-: يريد الخراب العاديّ الذي لا يُعرف له مالك، وسبيلُهُ سبيلُ الركاز، وفيه الخمس، وسائر المال لواجده، فأما الخراب الذي كان عامرًا، مِلْكًا لمالك، ثم خرب، فإن المال الموجود فيه ملك لصاحب الخراب، ليس لواجده منه شيء، وإن لم يُعرَف صاحبه، فهو لقطة انتهى (فَفِيهِ) أي في الذي لم يكن في الطريق المأتيّ (وَفِي الرِّكَازِ) -بكسر الراء، وتخفيف الكاف، وآخره زايٌ-: المال المدفون في الجاهليّة، فِعَالٌ بمعنى مفعولٍ، كالبساط بمعنى المبسوط، والكتاب بمعنى المكتوب، وهو مأخوذ من الرِّكْز -بفتح الراء- يقال: رَكَزَ الرمحَ رَكْزًا، من باب قتل: أثبته في الأرض، فارتكز، والْمَرْكِزُ وزان مسجد: موضع الثبوت. أي كنوز الجاهليّة المدفونة في الأرض. أفاده في "المصباح". وقال في "الصحاح": دَفِين أهل الجاهلية، كأنه رُكز في الأرض، أي غُرِز. وقال في "المحكم": قِطَعُ ذهب وفضّة، تُخرَج من الأرض، أو المعدن. وقال في "المشارق": وهو عند أهل الحجاز من الفقهاء، واللغويين الكنوز، وعند أهل العراق المعادن؛ لأنها رُكزت في الأرض، أي ثَبَتت. وقال الإمام الهرويّ في "غريبه": اختَلَف أهل العراق، وأهل الحجاز في تفسير الركاز، قال أهل العراق: هو المعادن، وقال أهل الحجاز: هو كنوز أهل الجاهليّة،

стр. 11926

وكلّ محتمل في اللغة انتهى. وقال في "النهاية": الركاز عند أهل الحجاز كنوز الجاهليّة المدفونة في الأرض، وعند أهل العراق المعادن، والقولان تحتملهما اللغة؛ لأن كلا منهما مركوز في الأرض، أي ثابت، يقال: ركزه يَرْكُزُه رَكْزًا: إذا دفنه، والحديث إنما جاء في التفسير الأول، وهو الكنز الجاهليّ، وإنما كان فيه الخمس؛ لكثرة نفعه، وسهولة أخذه انتهى. وقال ابن العربيّ: حقيقة الركز الإثبات، والمعدن ثابت خلقةً، وما يُدفن ثابتٌ بتكلّف مُتَكَلِّف. وقال الحافظ وليّ الدين: هذا الحديث -يعني حديث أبي هريرة الآتي- يدلّ على إرادة دَفِين الجاهليّة أيضًا؛ لكونه ﷺ عطف الركاز على المعدن، وفرق بينهما، وجعل لكلّ منهما حكمًا، ولو كانا بمعنى واحد لجمع بينهما، وقال: والمعدن جُبار، وفيه الخمس، وقال: والركاز جبار، وفيه الخمس، فلما فرق بينهما دلّ على تغايرهما. انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما ذُكر أن جمهور أهل العلم على أن الركاز هو دِفنُ (٢) الجاهليّة، وفيه الخمس، وأما المعدن ففيه الزكاة إذا بلغ نصابًا، وسيأتي البحث عنه في شرح حديث أبي هريرة ﵁ الآتي، إن شاء اللَّه تعالى. وقوله (الْخُمْسُ) مبتدأ مؤخّر، خبره الجارّ والمجرور قبله. أي الخمس واجب في الموجود في القرية الغير العامرة، وفي الكنوز التي دفنها أهل الجاهليّة، وإنما وجب الخمس فيهما لكثرة نفعهما، وسُهولة أخذهما. قال الإمام ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى-: والأصل في صدقة الركاز ما روى أبو هريرة ﵁، عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "العجماء جُبَارٌ، وفي الركاز الخمس". متّفقٌ عليه. يعني الحديث الآتي. وهو أيضًا مجمع عليه. قال ابن المنذر: لا نعلم أحدًا خالف هذا الحديث، إلا الحسن، فإنه فرق بين ما يوجد في أرض الحرب، وأرض العرب، فقال: فيما يوجد في أرض الحرب الخمس، وفيما يوجد في أرض العرب الزكاة، وأو جب الخمس في الجميع الزهريّ، والشافعيّ، وأبو حنيفة، وأصحابه، وأبو ثور، وابن المنذر، وغيرهم. انتهى (٣). وسيأتي تمام البحث في الركاز في المسألة السابعة، إن شاء اللَّه

стр. 11927

تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد اللَّه بن عمرو ﵄ هذا صحيح، وقد تابع عُبَيدَ اللَّه بنَ الأخنس محمدُ ابنُ عجلان، والوليد بن كثير، ومحمد بن إسحاق، كلهم عن عمرو بن شعيب به، أخرج أحاديثهم أبو داود في "سننه" في "كتاب اللقطة". واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٢٨/ ٢٤٩٣ - وفي "الكبرى" ٣٠/ ٢٢٧٣. وأخرجه (د) في "اللقطة" ١٧١٠. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): بيان حكم اللقطة، وأنه مُختَلِفٌ، فمنها ما يجب تعريفه، وهو ما وُجد في الطريق المسلوك، والقرية الجامعة، ومنها ما لا يجب، وهو ما كان في موات الأرض التي لم يسكنها مسلم قطّ (ومنها): أن تعريف اللقطة سنةً كاملةً واجبٌ (ومنها): أن الملتقط يملك التصرّف باللقطة بعد التعريف المشروع (ومنها): أنه يجب الخمس فيما وجد من اللقطة في الخراب العاديّ الذي لم يسكنه المسلمون (ومنها): وجوب الخمس في الركاز، وهو دِفْنُ الجاهليّة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): هذا الحديث يدلّ على أن اللقطة تُعَرَّف سنة واحدةً فقط، لكن يعارضه ما أخرجه الشيخان، وغيرهما من حديث أُبيّ بن كعب ﵁ أن النبيّ ﷺ أمره أن يعرّفها ثلاثة أعوام، ولفظ البخاريّ من طريق شعبة، عن سَلَمة بن كُهيل، عن سُوَيد ابن غَفَلَة، قال: لقيت أُبي بن كعب، ﵁، فقال: أخذت صُرَّة، فيها مائةُ دينار، فأتيت النبيّ ﷺ ، فقال: "عَرِّفْها حَوْلاً"، فعرّفتها حولا، فلم أجد من يَعرِفها، ثم أتيته، فقال: "عرّفها حولا"، فعرفتها، فلم أجد، ثم أتيته ثلاثا، فقال: "احفظ وعاءها، وعددها، ووكاءها، فإن جاء صاحبها، وإلا فاستمتع بها"، فاستمتعت، فلقيته بعدُ بمكة، فقال: لا أدري ثلاثة أحوال، أو حولا واحدا (١). انتهى. (والجواب): أن التعريف سنةً واحدة هو الأرجح، لأن سلمة بن كُهيل شكّ في التعريف ثلاثة أعوام، بدليل أن شعبة قال: فلقيته بعدُ بمكة، فقال: لا أدري ثلاثة

стр. 11928

أحوال، أو حولا واحدًا، بخلاف رواية، "عَرِّفها سنة" فقد صحّت في حديث عبد اللَّه بن عمرو المذكور في الباب، وفي حديث زيد بن خالد الجهنيّ عند الشيخين، وغيرهما، لم يَختلف الرواة فيها، فوجب تقديمها. وجزم ابن حزم، وابن الجوزيّ بأن هذه الزيادة غَلَطٌ، والذي يظهر أن سلمة أخطأ فيها، ثم تثبّت، واستذكر، واستمرّ على عام واحد، ولا يؤخذ إلا بما لم يشكّ فيه راويه. ومن العلماء من حمل حديث أُبيّ بن كعب على مزيد الوَرَع عن التصرّف في اللقطة، والمبالغة في التعفّف عنها، وحديثَ عبد اللَّه وزيد على ما لا بدّ منه، أو لاحتياج الأعرابيّ في حديث زيد، واستغناء أُبيّ. والوجه الأول أولى. قال المنذريّ لم يقل أحد من أئمّة الفتوى أن اللقطة تُعرَّف ثلاثة أعوام، إلا شيء جاء عن عمر انتهى. وقد حكاه الماورديّ عن شواذّ من الفقهاء. وحكى ابن المنذر عن عمر أربعة أقوال: يُعرّفها ثلاثة أحوال، عامًا واحدًا، ثلاثة أشهر، ثلاثة أيام. ويُحمَل ذلك على عظم اللقطة، وحقارتها. وزاد ابن حزم عن عمر قولاً خامسًا، وهو أربعة أشهر. والحاصل أن التعريف سنة واحدة هو الحقّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): اختُلف في وجوب دفع اللقطة إذا جاء صاحبها، وذَكَرَ علامتها: ذهب مالك، وأحمد -رحمهما اللَّه تعالى- إلى وجوب الدفع، وقال أبو حنيفة، والشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى-: إن وقع في نفسه صدقه جاز أن يدفع إليه، ولا يُجبر على ذلك إلا ببيّنة؛ لأنه قد يُصيب الصفة. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي مذهب الأوَّلَين هو الأرجح؛ لظاهر قوله ﷺ : "فإن جاء صاحبها، وإلا فلك"، وعند البخاريّ في حديث زيد بن خالد الجهنيّ ﵁: "فإن جاء صاحبها، وإلا فاستمتع بها"، ولمسلم في حديثه أيضًا: "فإن جاء أحدٌ يُخبرك بعددها، ووعائها، ووكائها، فأعطها إيّاه" انتهى. فقد أمر ﷺ بالدفع لمن أصاب العلامة، ولم يشترط بينة، والأَمرُ للوجوب، فالحقّ وجوب الدفع بغير بيّنة، إذا أصاب الوصف. واللَّه تعالى أعلم. وقد ادّعى أبو داود -رحمه اللَّه تعالى- في "سننه" أن حمّاد بن سلمة زاد: "إن جاء صاحبها، فعَرَفَ عِفَاصها، ووِكَاءها، فادفها إليه" قال: وهي زيادة ليست بمحفوظة. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذه الدعوى غير صحيحة، فإن حمّاد بن سلمة لم ينفرد بها، بل تابعه سفيان الثوريّ، وزيد بن أبي أُنيسة، عند مسلم في "صحيحه"،

стр. 11929

فليست شاذّة، بل هي زيادة صحيحة، يجب قبولها، والعمل بها. قال الخطّابيّ -رحمه اللَّه تعالى-: إن صحّت هذه اللفظة لم يجز مخالفتها، وهي فائدةُ قولِهِ: "اعرف عفاصها الخ"، وإلا فالاحتياط مع من لم ير الرّدّ إلا بالبيّنة. قال: وُيتَأوّل قوله: "اعرف عفاصها" على أنه أمره بذلك لئلا تختلط بماله. أو لتكون الدعوى فيها معلومة. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: قد صحّت هذه الزيادة، فتعيّن المصير إليها. قال: وما اعتلّ به بعضهم من أنه إذا وصفها، فأصاب، فدفعها إليه، فجاء شخصٌ آخر، فوصفها، فأصاب، لا يقتضي الطعن في الزيادة، فإنه يصير الحكم حينئذ كما لو دفعها إليه بالبيّنة، فجاء آخر، فأقام بيّنة أخرى أنها له، وفي ذلك تفاصيل للمالكيّة وغيرهم. وقال بعض متأخري الشافعيّة: يمكن أن يحمل وجوب الدفع لمن أصاب الوصف على ما إذا كان ذلك قبل التملّك؛ لأنه حينئذ مال ضائعٌ، لم يتعلّق به حقّ ثان، بخلاف ما بعد التملّك، فإنه حينئذ يحتاج المدّعي إلى البيّنة؛ لعموم قوله ﷺ : "البيّنة على المدّعِي". ثم قال: أما إذا صحّت الزيادة فَتُخَصُّ صورة الملتقط من عموم "البيّنة على المدّعِي". انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد عرفت أن هذه الزياة قد صحت، فالحقّ وجوب الدفع لمن أصاب وصفها بدون بيّنة، مطلقًا، سواء كان بعد التملّك، أو قبلها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): معنى قوله ﷺ : "فهي لك" أن اللقطة للملتقط بعد تعريفها سنةٌ، وهل يملك التصرّف فقط، أو تكون ملكا له كسائر أمواله، بحيث إنه إن جاء صاحبها لا يُضَمِّنُهُ، قولان: والأول قول الجمهور، وهو الحقّ، لصحّة قوله ﷺ بعد أمره بالاستنفاق بها: "فإن جاء صاحبها، فأدِّها إليه". قال في "الفتح": واختلف العلماء فيما إذا تصرّف في اللقطة بعد تعريفها سنة، ثم جاء صاحبها، هل يضمنها، أم لا؟: فالجمهور على وجوب الرّدّ، إن كانت العين موجودة، أو البدلِ، إن كانت استُهلِكت. وخالف في ذلك الكرابيسيّ، صاحب الشافعيّ، ووافقه صاحباه البخاريّ، وداود بن

стр. 11930

عليّ إمام الظاهرية، لكن وافق داود الجمهور إذا كانت العين قائمة. ومن حجة الجمهور قوله في حديث زيد بن خالد الجهنيّ ﵁ عند مسلم من طريق بُسْر بن سعيد، عن زيد بن خالد: "فاعرف عفاصها، ووكاءها، ثمّ كُلْها، فإن جاء صاحبها، فأدّها إليه"، وفي رواية له من طريق يزيد مولى المنبعث، عن زيد بن خالد: "ثم عرّفها سنةً، فإن لم تُعرَف فاستنفقها، ولتكن وديعة عندك، فإن جاء طالبها يومًا من الدهر، فأدّها إليه". فإن ظاهر قوله: "فإن جاء صاحبها الخ" بعد قوله: "كُلْها" يقتضي وجوب ردّها بعد أكلها، فيُحملُ على ردّ البدل. ويحتمل أن يكون في الكلام حذفٌ يدلّ عليه بقيّة الروايات، والتقدير: فاعرف عفاصها، ووكاءها، ثم كُلْها، إن لم يجىء صاحبها، فإن جاء صاحبها، فأدّها إليه. وأصرح من ذلك رواية أبي داود من هذا الوجه بلفظ: "فإن جاء باغيها فأدّها إليه، وإلا فاعرف عفاصها، ووكاءها، ثم كُلْها، فإن جاء باغيها، فأدّها إليه". فأمره بأدائها إليه قبل الإذن في أكلها وبعده، وهي أقوى حجة للجمهور. وروى أبو داود أيضًا من طريق عبد اللَّه بن يزيد مولى المنبعث، عن أبيه، عن زيد بن خالد في هذا الحديث: "فإن جاء صاحبها دفعتها إليه، وإلا عرفت وكاءها، وعفاصها، ثم اقبضها في مالك، فإن جاء صاحبها، فادفعها إليه". وإذا تقرّر هذا أمكن حمل قول البخاريّ: "باب إذا لم يوجد صاحب اللقطة بعد سنة، فهي لمن وجدها" أي في إباحة التصرّف فيها حينئذ، وأما أمر ضمانها بعد ذلك، فهو ساكت عنه. أي فيكون موافقًا للجمهور. وقال النوويّ: إن جاء صاحبها قبل أن يتملّكها الملتقط أخذها بزوائدها المتّصلة، والمنفصلة، وأما بعد التملّك، فإن لم يجىء صاحبها فهي لمن وجدها، ولا مطالبة عليه في الآخرة، وإن جاء صاحبها، فإن كانت موجودة بعينها استحقّها بزوائدها المتّصلة، ومهما تلف منها لزم الملتقط غرامته للمالك، وهو قول الجمهور. وقال بعض السلف: لا يلزمه، وهو ظاهر اختيار البخاريّ. واللَّه أعلم انتهى ما في "الفتح" ببعض تصرّف (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما ذهب إليه الجمهور، من وجوب أداء بدلها لصاحبها، إن جاء بعد إنفاق الملتقط إياها على نفسه هو الحقّ؛ لظهور دليله، كما

стр. 11931

عرفت. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): فيما يتعلّق بالركاز، وفيها مباحث: (الأول): أن الركاز الذي يتعلّق به وجوب الخمس هو ما كان من دِفْن الجاهليّة، هذا قول الحسن، والشعبيّ، ومالك، والشافعيّ، وأبي ثور، ويعتبر ذلك بأن تُرى عليه علاماتهم، كأسماء ملوكهم، وصُوَرهم، وصُلُبهم، وصور أصنامهم، ونحو ذلك، فإن كان عليه علامات الإسلام، أو اسم النبيّ ﷺ ، أو أحدٌ من خلفاء المسلمين، أو وَالٍ لهم، أو آية من القرآن، ونحو ذلك، فهو لقطة؛ لأنه ملك مسلم، لم يُعلَم زواله عنه، وإن كان على بعضه علامة الإسلام، وعلى بعضه علامة الكفر، فكذلك. كما نَصّ عليه أحمد في رواية عنه؛ لأن الظاهر أنه صار إلى مسلم، ولم يُعلم زواله عن ملك المسلمين، فأشبه ما على جميعه علامة المسلمين. ذكره ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى-. واللَّه تعالى أعلم. (الثاني): الكلام في موضع الركاز: وذلك أن موضعه لا يخلو من أربعة أقسام: (أحدها): أن يجده في موات، أو ما لا يُعلم له مالك، مثل الأرض التي يوجد فيها آثار المُلْكِ، كالأبنية القديمة، والتُّلُول، وجُدْران الجاهليّة، وقبورهم. فهذا فيه الخمس بغير خلاف، سوى ما سبق عن الحسن. (ثانيها): أن يجده في ملكه المنتَقِلِ إليه، فهو له في إحدى الروايتين عن أحمد، لأنه مال كافر مظهورٌ عليه في الإسلام، فكان لمن ظهر عليه كالغنائم. والرواية الثانية أنه للمالك قبله، إن اعترف به، وإن لم يعترف به فللذي قبله، إلى أول مالك، وهو مذهب الشافعيّ؛ لأن يده كانت على الدار، فكانت على ما فيها. (ثالثها): أن يجده في ملك آدميّ مسلم معصوم، أو ذميّ. فعن أحمد ما يدلّ على أنه لصاحب الدار، وهو قول أبي حنيفة، ومحمد بن الحسن. ونُقل عن أحمد ما يدلّ على أنه لواجده، وهو قول الحسن بن صالح، وأبي ثور، واستحسنه أبو يوسف. وقال الشافعيّ: هو لمالك الدار، إن اعترف به، وإلا فلأول مالك؛ لأنه في يده. (رابعها): أن يجده في أرض الحرب، فإن لم يقدر عليه إلا بجماعة من المسلمين، فهو غنيمة لهم، وإن قدر عليه بنفسه، فهو لواجده، وهذا مذهب أحمد؛ لأنه ليس لموضعه مالك محترم، فأشبه ما لو لم يُعرَف مالكه. وقال أبو حنيفة، والشافعيّ: إن عُرف مالك الأرض، وكان حربيًّا، فهو غنيمة أيضًا؛ لأنه في حرز مالك معيّن، فأشبه ما لو أخذه من بيت، أو خزانة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. (الثالث): في صفة الركاز الذي فيه الخمس:

стр. 11932

هو كلّ ما كان مالاً على اختلاف أنواعه، من الذهب، والفضّة، والحديد، والرصاص، والصفر، والنحاس، والآنية، وغير ذلك. وهو قول إسحاق، وأبي عُبيد، وابن المنذر، وأصحاب الرأي، وإحدى الروايتين عن مالك، وأحد قولي الشافعيّ، والقول الآخر: لا تجب إلا في الأثمان. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله الجمهور هو الأرجح؛ لعموم قوله ﷺ : "وفي الركاز الخمس. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. (الرابع): في حكم الخمس المتعلّق به: (اعلم): أنه يخمس قليل الركاز، وكثيره. وهو قول أبي حنيفة، ومالك، وأحمد، وهو قول قديم للشافعيّ، ومن أصحابه من لم يُثبته. وحكاه ابن المنذر عن إسحاق، وأبي عبيد، وأصحاب الرأي. وقال الشافعيّ في الجديد: يعتبر فيه النصاب، فلا تجب الزكاة فيما دونه، إلا إذا كان في ملكه ما يكمله من جنس النقود الموجود. قال ابن المنذر القول الأول أولى بظاهر الحديث، وبه قال جلّ أهل العلم (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله ابن المنذر حسنٌ جدًّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. (الخامس): في قدر الواجب في الركاز، ومصرفه: أما قدره فهو الخمس؛ للحديث السابق، وللإجماع، وأما مصرفه، فقيل: هم مصارف الزكاة، وبه قال أحمد، والشافعيّ. وقيل: مصرفه مصرف الفيء، وهي رواية عن أحمد، قال ابن قُدامة: وهذه الرواية أصحّ، وأقيس على مذهبه. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وهو الذي يترجّح عندي؛ لإطلاق اسم الخمس عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. (السادس): فيمن يجب عليه الخمس: هو كلّ من وجده من مسلم، وذميّ، وحرّ، وعبد، ومكاتب، وكبير، وصغير، وعاقل، ومجنون. وهو قول أكثر أهل العلم. قال ابن المنذر: أجمع كلّ من نحفظ عنه العلم على أنّ على الذميّ في الركاز يجده الخمسَ. قاله مالكٌ، وأهل المدينه، والثوريّ، والأوزاعيّ، وأهل العراق، من أصحاب الرأي، وغيرهم. وقال الشافعيّ: لا يجب الخمس إلا على من تجب عليه الزكاة؛ لأنه زكاة. وحُكي عنه في الصبيّ، والمرأة أنهما لا يملكان الركاز. وقال الثوريّ،

стр. 11933

والأوزاعيّ، وأبو عبيد: إذا كان الواجد له عبدًا يُرضَخ له منه، ولا يعطاه كلّه (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: المذهب الأول هو الأرجح عندي؛ لعموم قوله ﷺ : "وفي الركاز الخمس"، فإنه يدلّ بعمومه على وجوب الخمس في كلّ ركاز، وأن باقيه لواجده، أيًّا كان. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٤٩٥ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا (٢) سُفْيَانُ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ سَعِيدٍ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ح وَأَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ سَعِيدٍ, وَأَبِي سَلَمَةَ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «الْعَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ, وَالْبِئْرُ جُبَارٌ, وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ, وَفِي الرِّكَازِ الْخُمْسُ»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الحنظلي المروزيّ ابن راهويه، الثقة الحجة [١٠] ٢/ ٢. ٢ - (سفيان) بن عيينة المكي، الثقة الحجة [٨] ١/ ١. ٣ - (عبد الرزاق) بن همام الصنعاني الثقة الحافظ [٩] ٦١/ ٧٧. ٤ - (معمر) بن راشد، أبو عروة الصنعاني الثقة الثبت [٧] ١٠/ ١٠. ٥ - (الزهري) محمد بن مسلم أبو بكر الإمام الحجة [٤] ١/ ١. ٦ - (سعيد) بن المسيب الإمام الفقيه الحجة، من كبار [٣] ٩/ ٩. ٧ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني الفقيه الحجة [٣] ١/ ١. ٨ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى- بالنسبة للسند الأول، ومن سداسياته بالنسبة للثاني. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعيين. (ومنها): أن سعيدًا، وأبا سلمة من الفقهاء السبعة، وأن فيه أبا هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 11934

شرح الحديث (عَنْ سَعِيدٍ، وَأَبِي سَلَمَةَ) كذا جمعهما معمر هنا، والليث، عند البخاريّ. قال في "الفتح": كذا جمعهما الليث، ووافقه الأكثر، واقتصر بعضهم على أبي سلمة، وللبخاريّ في "الزكاة" من رواية مالك، عن ابن شهاب، فقال: "عن سعيد بن المسيّب، وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن". وهذا قد يُظنّ أنه عن سعيد مرسلٌ، وعن أبي سلمة موصول. وقد أخرجه مسلم، والنسائيّ من رواية يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن سعيد ابن المسيّب، وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه، عن أبي هريرة. قال الدارقطنيّ: المحفوظ: عن ابن شهاب، عن سعيد، وأبي سلمة، وليس قول يونس بمدفوع. قال الحافظ: قد تابعه الأوزاعيّ عن الزهريّ في قوله: "عن عبيد اللَّه"، لكن قال: "عن ابن عباس"، بدل أبي هريرة، وهو وَهَمٌ من الراوي عنه، يوسف بن خالد، كما نبّه عليه ابن عديّ. وقد روى سفيان بن حسين، عن الزهريّ، عن سعيد وحده، عن أبي هريرة شيئًا منه. وروى بعض الضعفاء عن عبد الرزّاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن أنس بعضه. ذكره ابن عديّ، وهو غلط. وأخرج مسلم الحديث بتمامه من رواية الأسود بن العلاء، عن العلاء، عن أبي سلمة. وقد رواه عن أبي هريرة جماعة غير من ذكرنا، منهم محمد ابن زياد، عند البخاريّ، وهمّام بن منبّه، أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائيّ. انتهى ما في "الفتح" ببعض تصرف (١). (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "الْعَجْمَاءُ) -بفتح المهملة، وسكون الجيم، وبالمدّ، تأنيث أعجم، وهي البهيمة، ويقال أيضًا لكلّ حيوان غير الإنسان، ويقال لمن لا يُفصِح، والمراد هنا الأول (جَرْحُهَا) قال صاحب "النهاية": هو هنا بفتح الجيم على المصدر، لا غير. قاله الأزهريّ، فأما الْجُرْح بالضمّ فهو الاسم انتهى (٢). وقال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: يجوز في إعراب هذه الجملة وجهان: أحدهما: أن يكون قوله: "جَرْحُها جُبَار" جملةٌ من مبتدإ وخبر، وهي خبر عن المبتدإ الذي هو "العجماءُ". والثاني: أن يكون قوله: "جَرْحُها" بدلاً من "المعجماء"، وهو بدل

стр. 11935

اشتمال، والخبر قوله: "جُبَار"، والكلام جملة واحدة، والمصدر في قوله: "جَرْجها" مضاف للفاعل، أي كون العجماء تجرح غير مضمون انتهى (١). (جُبَارٌ) -بضمّ الجيم، وتخفيف الموحّدة- هو الْهَدَرُ الذي لا شيء فيه. كذا أسنده ابن وهب، عن ابن شهاب، وعن مالك: ما لا دية فيه. أخرجه، الترمذيّ. وأصله أن العرب تُسَمِّي السيلَ جُبَارًا، أي لا شيء فيه. وقال الترمذيّ: فسر بعض أهل العلم، قالوا: العجماء الدّابّة المنفلتة من صاحبها، فما أصابت من انفلاتها، فلا غُرم على صاحبها. وقال أبو داود بعد تخريجه: العجماءُ التي تكون منفلتة، لا يكون معها أحد، وقد تكون بالنهار، ولا تكون بالليل. ووقع عند ابن ماجه في آخر حديث عبادة بن الصامت ﵁: "والعجماء: البهيمة من الأنعام وغيرها، والْجُبَار: هو الهدر الذي لا يُغرَم". كذا وقع التفسير مدرجًا، وكأنه من رواية موسى بن عُقبة. قال الحافظ العراقيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "شرح الترمذيّ": وليس ذكر الجرح قيدًا، وإنما المراد به إتلافها بأيّ وجه، سواء كان بجرح، أو غيره. وفي رواية البخاريّ من طريق محمد بن زياد، عن أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ ، قال: "العجماء عَقْلُها جُبار … " الحديث. والمراد بالعقل الدية، أي لا دية فيما تُتْلِفُه (٢). وذكر ابن العربيّ أن بناء (ج ب ر) للرفع، والإهدار، من باب السلب، وهو كثير في العربية، يأتي اسم الفعل، والفاعل لسلب معناه، كما يأتي لإثبات معناه. وتعقّبه الحافظ العراقيّ في "شرح الترمذيّ" بأنه لا حاجة لجعله من السلب، بل هو للرفع على بابه؛ لأن إتلافات الآدميّين مضمونة مقهور مُتْلِفُها على ضمانها، وهذا إتلاف قد ارتفع عن أن يؤخذ به أحد انتهى (٣). (وَالْبئْرُ جُبَارٌ) في رواية الأسود بن العلاء عند مسلم: "والبئر جَرحها جُبار". أما البئر فهي بكَسر الموحّدة، ثم ياء ساكنة، مهموزة، ويجوز تسهيلها، وهي مؤنّثة، وقد تذكّر على معنى القَلِيب، والطُّوَى، والجمع أَبْؤُر، وآبار بالمدّ، والتخفيف، بهمزتين بينهما موحّدة ساكنة. قال أبو عُبيد: المراد بالبئر هنا العاديّة القديمة التي لا يُعلَم لها مالك، تكون في

стр. 11936

البادية، فيقع فيها إنسانٌ، أو دابّةٌ، فلا شيء في ذلك على أحد. وكذلك لو حفر بئرًا في ملكه، أو في موات، فوقع فيها إنسانٌ، أو غيره، فَتَلِف، فلا ضمان إذا لم يكن منه تسبّبٌ إلى ذلك، ولا تغرير. وكذا لو استأجر إنسانًا ليحفر له البئر، فانهارت عليه، فلا ضمان، وأما من حفر بئرًا في طريق المسلمين، وكذا في ملك غيره بغير إذنٍ، فتلف بها إنسان، فإنه يجب ضمانه على عاقلة الحافر، والكفّارة في ماله، وإن تَلِفَ بها غير آدميّ وجب ضمانه في مال الحافر، ويلتحق بالبئر كلّ حفرة على التفصيل المذكور. قاله في "الفتح". وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة السادسة، إن شاء اللَّه تعالى. (وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ) وقع في رواية الأسود بن العلاء عند مسلم: "والمعدن جرحها جُبَار". والحكم فيه ما تقدّم في البئر، لكن البئر مؤنثةٌ، والمعدن مذكّر، فكأنه ذَكَرَهُ بالتأنيث للمؤاخاة، أو لملاحظة أرض المعدن. فلو حفر معدنًا في ملكه، أو في موات، فوقع فيه شخصٌ، فمات، فدمه هدَرٌ، وكذا لو استأجر أجيرًا، يَعمل له، فانهار عليه، فمات، ويلتحق بالبئر، والمعدن في ذلك كلّ أجير على عمل، كمن استؤجر على صعود نخلة، فسقط منها، فمات. قاله في "الفتح". وقال ابن قُدامة: اشتقاق المعدن، من عَدَن بالمكان يَعدِنُ: إذا أقام به، ومنه سميت الجنّة جنّة عدن؛ لأنها دار إقامة، وخلود. قال أحمد: المعادن: هي التي تُستَنبَط، ليس هو شيء دُفِن. وقال أيضًا: هو كلّ ما خرج من الأرض، مما يُخلق فيها، مما له قيمة، كالذهب، والفضّة، والرصاص، والصفر، والحديد، والياقوت، والزبرجد، والْبِلَّوْر، والعقيق، ونحو ها، وكذلك المعادن الجارية، كالقار، والنفط، والكبريت، ونحو ذلك. فمن أخرج شيئًا من ذلك فعليه الزكاة من وقته، عند أحمد، وقال مالك، والشافعيّ: لا تتعلّق الزكاة إلا بالذهب والفضّة؛ لقوله ﷺ : "لا زكاة في حَجَر". قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما ذهب إليه أحمد هو الأرجح عندي؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ الآية. والحديث الذي احتجّ به مالكٌ، والشافعيّ ضعيف، لا يصلح للاحتجاج به؛ لأنه رواه عن عمرو بن شعيب، كلٌّ من عُمَر بن أبي عمر الكَلَاعِيّ، وعثمان بن عبد الرحمن الوقّاصيّ، ومحمد بن عبيد اللَّه العَرْزَميّ، وكلهم ضعفاء. وأوجب الحنفيّة في المعدن الخمس؛ لأنه عندهم ركاز، والصحيح أن الواجب فيه الزكاة، كما هو قول الجمهور؛ لأن الحديث فرق بينهما، فجعل لكلّ منهما حكما ليس للآخر، فلا يكون أحدهما بمعنى الآخر، كما تقدّم بيان ذلك في شرح الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 11937

(وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ) تقدّم الكلام عليه في شرح الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٢٨/ ٢٤٩٥ و ٢٤٩٦ و ٢٤٩٧ و ٢٤٩٨ - وفي "الكبرى" ٣٠/ ٢٢٧٤ و ٢٢٧٥ و ٢٢٧٦ و ٢٢٧٧. وأخرجه (خ) في "الزكاة" ١٤٩٩ و"المساقاة" ٢٣٥٥ و"الديات" ٢٩١٢ و ٦٩١٣ (م) في "الحدود" ١٧١٠ (د) في "الخراج، و"الإمارة، والفيء" ٣٠٨٥ و"الديات" ٤٥٩٣ (ت) في "الزكاة" ٦٤٢ و"الأحكام" ١٣٧٧ (ق) في "الأحكام" ٢٥٠٩ و"الديات" ٢٦٧٣ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ٧٤٠٧ و ٧٦٦٧ و ٧٧٦٩ و ٢٧٤٧٢ و ٨٧٧٩ و ٩٠١٣ و ٩٥٧٢ و ٢٧٢٦٣ و ١٠٠٤٤ و ١٠١٦ و ١٠١٣٧ و ١٠٢٠٩ (مالك) في "الزكاة" ٥٨٣ و"العقول" ١٦٢٢ (الدارميّ) في "الزكاة" ١٦٦٨ و"الديات" ٢٣٧٧ و ٢٣٧٨ و ٢٣٧٩. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): أن ما أتلفته البهائم لا شيء فيه، على تفصيل للعلماء فيه، سيأتي (ومنها): أن من حفر بئرًا في ملكه، أو في محلّ مباح، كالموات، فتلفط إنسان، أو نحوه، فلا ضمان عليه (ومنها): أن من استخرج معدنًا من محلّ يباح له، فتلف بسببه إنسان، أو نحوه فلا ضمان عليه (ومنها): أن من وجد ركازًا وجب عليه أداء خمسه، ثم الباقي له. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): ظاهر الحديث أنه لا فرق بين أن تكون البهيمة منفردةً، أو معها صاحبها، وبهذا أخذ أهل الظاهر، فلم يُضمِّنوا صاحبها ولو كان معها، إلا إن كان الفعل منسوبًا إليه بأن حملها على ذلك الفعل فيما إذا كان راكبًا، أو قادها حتى أتلفت ما مشت عليه فيما إذا كان قائدًا، أو حملها عليه بضرب، أو نخس، أو زجر فيما إذا كان سائقًا، فإن أتلفت شيئًا برأسها، أو بعَضِّها، أو ذنبها، أو نفحتها بالرجل، أو ضربت بيدها في غير المشي، فليس من فعله، فلا ضمان عليه. وقال الشافعية: متى كان مع البهيمة شخصٌ، فعليه ضمان ما أتلفته، من نفس، أو مالي، سواء أتلفت ليلاً أو نهارًا، وسواء كان سائقها، أو قائدها، أو راكبها، وسواء كان مالكها، أو أجيره، أو مستأجرًا، أو مستعيرًا، أو غاصبًا، وسواء أتلفت بيدها، أو

стр. 11938

برجلها، أو عَضِّها، أو ذنبها. وقال مالك: القائد، والسائق، والراكب، كلهم ضامنون لما أصابت الدّابّة إلا أن تَرْمَحَ الدابّة (١) من غير أن يفعل بها شيء ترمح له. وحكاه ابن عبد البرّ عن جمهور العلماء. وقال الحنفيّة: إن الراكب، والقائد لا يضمنان ما نفحت الدابّة برجلها، أو ذنبها، إلا إن أوقفها في الطريق، واختلفوا في السائق، فقال القُدُوريّ، وآخرون: إنه ضامن لما أصابت بيدها، أو رجلها؛ لأن النفحة بمرأى عينه، فأمكنه الاحتراز عنها. وقال أكثرهم: لا يضمن النفحة أيضًا، وإن كان يراها؛ إذ ليس على رجلها ما يمنعها به، فلا يمكنه التحرّز عنه، بخلاف الْكَدْم؛ لإمكان كبحِهَا بلجامها. وصححه صاحب "الهداية". وكذا قال الحنابلة: إن الراكب لا يضمن ما تُتلفه البهيمة برجلها. وحكى ابن حزم نفي الضمان من النفحة عن شُريح القاضي، والحسن البصريّ، وإبراهيم النخعيّ، ومحمد بن سيرين، وعطاء بن أبي رَبَاح، وعن الحَكَم، والشعبيّ: يضمن، لا يبطل دم المسلم. وتمسّك من نَفَى الضمان من النفحة بعموم هذا الحديث، مع الرواية التي فيها: "الرِّجْلُ جُبار". لكنه ضعيف لتفرّد سفيان بن حسين، عن الزهريّ، وهو ضعيف في الزهريّ، ولا سيّما مع مخالفته للحفاظ، فقد خالف أبا صالح، السمّان، وعبد الرحمن الأعرج، وابن سيرين، ومحمد بن زياد، وغيرهم، فإنهم لم يذكروا الرِّجْل. وذكروا أيضًا من حيث المعنى أنه لا اطلاع له على رَمْحِها، ولا قدرة له على دفعه. ومن أوجب الضمان قال: باب الإتلاف لا فرق فيه بين العمد وغيره، ومن هو مع البهيمة حاكم لها، فهي كالآلة بيده، ففعلها منسوب إليه، حَمَلَها عليه، أم لا، عَلِمَ به، أم لم يعلم. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما ذهب إليه الظاهرية أرجح؛ لظهور حديث الباب في الدلالة عليه. وحاصله أن ما أتلفته البهيمة لا يُضمَن، سواء كان صاحبها معها، أم لا، إلا إذا كان الفعل منسوبًا إليه، بأن حملها على ذلك الفعل بضرب، أو نَخْسٍ، أو زَجْر، أو نحو ذلك، فأما إذا أتلفت شيئًا برأسها، أو بعَضِّها، أو ذنبها، أو نَفْحَتها بالرجل، أو ضربت بيدها في غير المشي، فليس من فعله، فلا ضمان عليه؛ لكونه جُبَارًا بنصّ الشارع.

стр. 11939

واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): استُدِلّ بهذا الحديث على أنه لا فرق في إتلاف البهيمة للزروع، وغيرها من الأموال بين أن يكون ذلك ليلًا أو نهارًا، وهو قول الحنفيّة، والظاهريّة. وقال الجمهور: إنما يسقط الضمان إذا كان ذلك نهارًا، وأما بالليل، فإن عليه حفظها، فإذا أتلفت بتقصير منه وجب عليه ضمان ما أتلفت. ودليل هذا التخصيص ما أخرجه الشافعيّ، وأبو داود، والنسائيّ (١)، وابن ماجه كلهم من رواية الأوزاعيّ، والنسائيُّ أيضًا، وابن ماجه من رواية عبد اللَّه بن عيسى، والنسائيُّ أيضًا من رواية محمد بن ميسرة، وإسماعيل بن أميّة، كلهم عن الزهريّ، عن حرام بن مُحَيِّصة الأنصاريّ، عن البراء بن عازب ﵄، قال: كانت له ناقةٌ ضارية، فدخلت حائطًا، فأفسدت فيه، فقضى رسول اللَّه ﷺ "أن حفظ الحوائط بالنهار على أهلها، وأن حفظ الماشية بالليل على أهلها، وأن على أهل المواشي ما أصابت ماشيتهم بالليل". وأخرج ابن ماجه أيضًا من رواية الليث، عن الزهريّ، عن ابن محيصة: أن ناقة للبراء، ولم يسمّ حرامًا. وأخرج أبو داود من رواية معمر، عن الزهريّ، فزاد فيه رجلاً، قال: "عن حرام بن محيّصة، عن أبيه". وكذا أخرجه مالكٌ، والشافعيّ عنه، عن الزهريّ، عن حرام بن سَعْد بن محيّصة أن ناقة. وأخرجه الشافعيّ في رواية المزنيّ، في "المختصر" عنه، عن سفيان، عن الزهريّ، فزاد مع حرام سعيدَ بنَ المسيّب، قالا: "إن ناقة للبراء". وفيه اختلاف آخر أخرجه البيهقيّ من رواية ابن جُريج، عن الزهريّ، عن أبي أمامة بن سهل، فاختُلِفَ فيه على الزهريّ على ألوان، والْمُسنَد منها طريق حرام، عن البراء. وحرام- بمهملتين- اختُلِف، هل هو ابن محيصة نفسه، أو ابن سَعْد بن محيّصة. قال ابن حزم: وهو مع ذلك مجهول، لم يرو عنه إلا الزهريّ، ولم يوثَّق. قال الحافظ: قلت: قد وثّقه ابن سعد، وابن حبّان، لكن قال: إنه لم يسمع من البراء انتهى. وعلى هذا فيحتمل أن يكون قول من قال فيه: "عن البراء" أي عن قصّة ناقة البراء، فتجتمع الروايات. ولا يمتنع أن يكون للزهريّ فيه ثلاثة أشياخ. وقد قال ابن عبد البرّ: هذا الحديث، وإن كان مرسلاً، فهو مشهور، حدّث به

стр. 11940

الثقات، وتلقّاه فقهاء الحجاز بالقبول. وأما إشارة الطحاويّ إلى أنه منسوخ بحديث الباب، فقد تعقّبوه بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، مع الجهل بالتاريخ. وأقوى من ذلك قول الشافعيّ: أخذنا بحديث البراء لثبوته، ومعرفة رجاله، ولا يخالفه حديث "العجماءُ جرحها جُبَار"؛ لأنه من العامّ المراد به الخاصّ، فلما قال: "العجماء جبار"، وقضى فيما أفسدت العجماء بشيء في حال دون حال دلّ ذلك على أن ما أصابت العجماء من جرح وغيره في حالٍ جُبَار، وفي حال غير جُبار. ثم نقض على الحنفيّة أنهم لم يستمرّوا على الأخذ بعمومه في تضمين الراكب بحديث "الرِّجْلُ جبار" مع ضعف راوبه، كما تقدّم. وتَعَقَّب بعضهم على الشافعيّة قولَهُم: إنه لو جرت عادة قوم بإرسال المواشي ليلاً، وحبسها نهارًا انعكس الحكم على الأصحّ. وأجابوا بأنهم اتبعوا المعنى في ذلك، ونظيره القسم الواجب للمرأة لو كان يكتسب ليلاً، ويأوي إلى أهله نهارًا لانعكس الحكم في حقّه، مع أن عماد القسم بالليل. نعم لو اضطربت العادة في بعض البلاد، فكان بعضهم يرسلها ليلاً، وبعضهم يرسلها نهارًا، فالظاهر أنه يقضى بما دلّ عليه الحديث. ذكره في "الفتح" (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما ذهب إليه الجمهور هو الأرجح عملاً بالحديثين، وحديث البراء، وإن كان الأصحّ أنه مرسل، إلا أنه اعتضد بتلقّي الناس له بالقبول -كما تقدّم عن الحافظ ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى- فتقوّى بذلك، ألا ترى أن الإمام الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى-، مع كونه لا يرى الاحتجاج بالمرسل، احتجّ به لاعتضاده بما ذُكر، فَيُخَصّ به عموم حديث الباب "العجماء جرحها جبار". والحاصل أن البهائم إذا أفسدت بالليل، فإن أصحابها يضمنون، وإذا أفسدت بالنهار لا يضمنون، لحديث البراء ﵁ المذكور، وهذا الجمع أولى من إلغاء أحد الحديثين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في قوله: "البئر جُبار"، وفي رواية الأسود بن العلاء عند مسلم: "والبئر جرحها جُبار". والمراد بجَرْحها -وهي بفتح الجيم، لا غير، كما نقله في "النهاية"، عن الأزهريّ- ما يحصل بالواقع فيها من الجراحة، وليست الجراحة مخصوصةٌ بذلك، بل كلّ الإتلافات ملحقةٌ بها. قال عياضٌ، وجماعة: إنما عبّر بالجرح لأنه الأغلب، أو هو مثالٌ نبّه به على ما
следующие страницы →