البادية، فيقع فيها إنسانٌ، أو دابّةٌ، فلا شيء في ذلك على أحد. وكذلك لو حفر بئرًا في ملكه، أو في موات، فوقع فيها إنسانٌ، أو غيره، فَتَلِف، فلا ضمان إذا لم يكن منه تسبّبٌ إلى ذلك، ولا تغرير. وكذا لو استأجر إنسانًا ليحفر له البئر، فانهارت عليه، فلا ضمان، وأما من حفر بئرًا في طريق المسلمين، وكذا في ملك غيره بغير إذنٍ، فتلف بها إنسان، فإنه يجب ضمانه على عاقلة الحافر، والكفّارة في ماله، وإن تَلِفَ بها غير آدميّ وجب ضمانه في مال الحافر، ويلتحق بالبئر كلّ حفرة على التفصيل المذكور. قاله في "الفتح". وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة السادسة، إن شاء اللَّه تعالى.
(وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ) وقع في رواية الأسود بن العلاء عند مسلم: "والمعدن جرحها جُبَار". والحكم فيه ما تقدّم في البئر، لكن البئر مؤنثةٌ، والمعدن مذكّر، فكأنه ذَكَرَهُ بالتأنيث للمؤاخاة، أو لملاحظة أرض المعدن. فلو حفر معدنًا في ملكه، أو في موات، فوقع فيه شخصٌ، فمات، فدمه هدَرٌ، وكذا لو استأجر أجيرًا، يَعمل له، فانهار عليه، فمات، ويلتحق بالبئر، والمعدن في ذلك كلّ أجير على عمل، كمن استؤجر على صعود نخلة، فسقط منها، فمات. قاله في "الفتح".
وقال ابن قُدامة: اشتقاق المعدن، من عَدَن بالمكان يَعدِنُ: إذا أقام به، ومنه سميت الجنّة جنّة عدن؛ لأنها دار إقامة، وخلود. قال أحمد: المعادن: هي التي تُستَنبَط، ليس هو شيء دُفِن. وقال أيضًا: هو كلّ ما خرج من الأرض، مما يُخلق فيها، مما له قيمة، كالذهب، والفضّة، والرصاص، والصفر، والحديد، والياقوت، والزبرجد، والْبِلَّوْر، والعقيق، ونحو ها، وكذلك المعادن الجارية، كالقار، والنفط، والكبريت، ونحو ذلك.
فمن أخرج شيئًا من ذلك فعليه الزكاة من وقته، عند أحمد، وقال مالك، والشافعيّ: لا تتعلّق الزكاة إلا بالذهب والفضّة؛ لقوله ﷺ : "لا زكاة في حَجَر".
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما ذهب إليه أحمد هو الأرجح عندي؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ الآية. والحديث الذي احتجّ به مالكٌ، والشافعيّ ضعيف، لا يصلح للاحتجاج به؛ لأنه رواه عن عمرو بن شعيب، كلٌّ من عُمَر بن أبي عمر الكَلَاعِيّ، وعثمان بن عبد الرحمن الوقّاصيّ، ومحمد بن عبيد اللَّه العَرْزَميّ، وكلهم ضعفاء.
وأوجب الحنفيّة في المعدن الخمس؛ لأنه عندهم ركاز، والصحيح أن الواجب فيه الزكاة، كما هو قول الجمهور؛ لأن الحديث فرق بينهما، فجعل لكلّ منهما حكما ليس للآخر، فلا يكون أحدهما بمعنى الآخر، كما تقدّم بيان ذلك في شرح الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 11937
(وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ) تقدّم الكلام عليه في شرح الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٨/ ٢٤٩٥ و ٢٤٩٦ و ٢٤٩٧ و ٢٤٩٨ - وفي "الكبرى" ٣٠/ ٢٢٧٤ و ٢٢٧٥ و ٢٢٧٦ و ٢٢٧٧. وأخرجه (خ) في "الزكاة" ١٤٩٩ و"المساقاة" ٢٣٥٥ و"الديات" ٢٩١٢ و ٦٩١٣ (م) في "الحدود" ١٧١٠ (د) في "الخراج، و"الإمارة، والفيء" ٣٠٨٥ و"الديات" ٤٥٩٣ (ت) في "الزكاة" ٦٤٢ و"الأحكام" ١٣٧٧ (ق) في "الأحكام" ٢٥٠٩ و"الديات" ٢٦٧٣ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ٧٤٠٧ و ٧٦٦٧ و ٧٧٦٩ و ٢٧٤٧٢ و ٨٧٧٩ و ٩٠١٣ و ٩٥٧٢ و ٢٧٢٦٣ و ١٠٠٤٤ و ١٠١٦ و ١٠١٣٧ و ١٠٢٠٩ (مالك) في "الزكاة" ٥٨٣ و"العقول" ١٦٢٢ (الدارميّ) في "الزكاة" ١٦٦٨ و"الديات" ٢٣٧٧ و ٢٣٧٨ و ٢٣٧٩. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): أن ما أتلفته البهائم لا شيء فيه، على تفصيل للعلماء فيه، سيأتي (ومنها): أن من حفر بئرًا في ملكه، أو في محلّ مباح، كالموات، فتلفط إنسان، أو نحوه، فلا ضمان عليه (ومنها): أن من استخرج معدنًا من محلّ يباح له، فتلف بسببه إنسان، أو نحوه فلا ضمان عليه (ومنها): أن من وجد ركازًا وجب عليه أداء خمسه، ثم الباقي له. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): ظاهر الحديث أنه لا فرق بين أن تكون البهيمة منفردةً، أو معها صاحبها، وبهذا أخذ أهل الظاهر، فلم يُضمِّنوا صاحبها ولو كان معها، إلا إن كان الفعل منسوبًا إليه بأن حملها على ذلك الفعل فيما إذا كان راكبًا، أو قادها حتى أتلفت ما مشت عليه فيما إذا كان قائدًا، أو حملها عليه بضرب، أو نخس، أو زجر فيما إذا كان سائقًا، فإن أتلفت شيئًا برأسها، أو بعَضِّها، أو ذنبها، أو نفحتها بالرجل، أو ضربت بيدها في غير المشي، فليس من فعله، فلا ضمان عليه.
وقال الشافعية: متى كان مع البهيمة شخصٌ، فعليه ضمان ما أتلفته، من نفس، أو مالي، سواء أتلفت ليلاً أو نهارًا، وسواء كان سائقها، أو قائدها، أو راكبها، وسواء كان مالكها، أو أجيره، أو مستأجرًا، أو مستعيرًا، أو غاصبًا، وسواء أتلفت بيدها، أو
стр. 11938
برجلها، أو عَضِّها، أو ذنبها.
وقال مالك: القائد، والسائق، والراكب، كلهم ضامنون لما أصابت الدّابّة إلا أن تَرْمَحَ الدابّة (١) من غير أن يفعل بها شيء ترمح له. وحكاه ابن عبد البرّ عن جمهور العلماء.
وقال الحنفيّة: إن الراكب، والقائد لا يضمنان ما نفحت الدابّة برجلها، أو ذنبها، إلا إن أوقفها في الطريق، واختلفوا في السائق، فقال القُدُوريّ، وآخرون: إنه ضامن لما أصابت بيدها، أو رجلها؛ لأن النفحة بمرأى عينه، فأمكنه الاحتراز عنها. وقال أكثرهم: لا يضمن النفحة أيضًا، وإن كان يراها؛ إذ ليس على رجلها ما يمنعها به، فلا يمكنه التحرّز عنه، بخلاف الْكَدْم؛ لإمكان كبحِهَا بلجامها. وصححه صاحب "الهداية". وكذا قال الحنابلة: إن الراكب لا يضمن ما تُتلفه البهيمة برجلها.
وحكى ابن حزم نفي الضمان من النفحة عن شُريح القاضي، والحسن البصريّ، وإبراهيم النخعيّ، ومحمد بن سيرين، وعطاء بن أبي رَبَاح، وعن الحَكَم، والشعبيّ: يضمن، لا يبطل دم المسلم.
وتمسّك من نَفَى الضمان من النفحة بعموم هذا الحديث، مع الرواية التي فيها:
"الرِّجْلُ جُبار". لكنه ضعيف لتفرّد سفيان بن حسين، عن الزهريّ، وهو ضعيف في الزهريّ، ولا سيّما مع مخالفته للحفاظ، فقد خالف أبا صالح، السمّان، وعبد الرحمن الأعرج، وابن سيرين، ومحمد بن زياد، وغيرهم، فإنهم لم يذكروا الرِّجْل.
وذكروا أيضًا من حيث المعنى أنه لا اطلاع له على رَمْحِها، ولا قدرة له على دفعه.
ومن أوجب الضمان قال: باب الإتلاف لا فرق فيه بين العمد وغيره، ومن هو مع البهيمة حاكم لها، فهي كالآلة بيده، ففعلها منسوب إليه، حَمَلَها عليه، أم لا، عَلِمَ به، أم لم يعلم.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما ذهب إليه الظاهرية أرجح؛ لظهور حديث الباب في الدلالة عليه.
وحاصله أن ما أتلفته البهيمة لا يُضمَن، سواء كان صاحبها معها، أم لا، إلا إذا كان الفعل منسوبًا إليه، بأن حملها على ذلك الفعل بضرب، أو نَخْسٍ، أو زَجْر، أو نحو ذلك، فأما إذا أتلفت شيئًا برأسها، أو بعَضِّها، أو ذنبها، أو نَفْحَتها بالرجل، أو ضربت بيدها في غير المشي، فليس من فعله، فلا ضمان عليه؛ لكونه جُبَارًا بنصّ الشارع.
стр. 11939
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): استُدِلّ بهذا الحديث على أنه لا فرق في إتلاف البهيمة للزروع، وغيرها من الأموال بين أن يكون ذلك ليلًا أو نهارًا، وهو قول الحنفيّة، والظاهريّة.
وقال الجمهور: إنما يسقط الضمان إذا كان ذلك نهارًا، وأما بالليل، فإن عليه حفظها، فإذا أتلفت بتقصير منه وجب عليه ضمان ما أتلفت.
ودليل هذا التخصيص ما أخرجه الشافعيّ، وأبو داود، والنسائيّ (١)، وابن ماجه كلهم من رواية الأوزاعيّ، والنسائيُّ أيضًا، وابن ماجه من رواية عبد اللَّه بن عيسى، والنسائيُّ أيضًا من رواية محمد بن ميسرة، وإسماعيل بن أميّة، كلهم عن الزهريّ، عن حرام بن مُحَيِّصة الأنصاريّ، عن البراء بن عازب ﵄، قال: كانت له ناقةٌ ضارية، فدخلت حائطًا، فأفسدت فيه، فقضى رسول اللَّه ﷺ "أن حفظ الحوائط بالنهار على أهلها، وأن حفظ الماشية بالليل على أهلها، وأن على أهل المواشي ما أصابت ماشيتهم بالليل".
وأخرج ابن ماجه أيضًا من رواية الليث، عن الزهريّ، عن ابن محيصة: أن ناقة للبراء، ولم يسمّ حرامًا. وأخرج أبو داود من رواية معمر، عن الزهريّ، فزاد فيه رجلاً، قال: "عن حرام بن محيّصة، عن أبيه". وكذا أخرجه مالكٌ، والشافعيّ عنه، عن الزهريّ، عن حرام بن سَعْد بن محيّصة أن ناقة.
وأخرجه الشافعيّ في رواية المزنيّ، في "المختصر" عنه، عن سفيان، عن الزهريّ، فزاد مع حرام سعيدَ بنَ المسيّب، قالا: "إن ناقة للبراء". وفيه اختلاف آخر أخرجه البيهقيّ من رواية ابن جُريج، عن الزهريّ، عن أبي أمامة بن سهل، فاختُلِفَ فيه على الزهريّ على ألوان، والْمُسنَد منها طريق حرام، عن البراء.
وحرام- بمهملتين- اختُلِف، هل هو ابن محيصة نفسه، أو ابن سَعْد بن محيّصة.
قال ابن حزم: وهو مع ذلك مجهول، لم يرو عنه إلا الزهريّ، ولم يوثَّق.
قال الحافظ: قلت: قد وثّقه ابن سعد، وابن حبّان، لكن قال: إنه لم يسمع من البراء انتهى.
وعلى هذا فيحتمل أن يكون قول من قال فيه: "عن البراء" أي عن قصّة ناقة البراء، فتجتمع الروايات. ولا يمتنع أن يكون للزهريّ فيه ثلاثة أشياخ.
وقد قال ابن عبد البرّ: هذا الحديث، وإن كان مرسلاً، فهو مشهور، حدّث به
стр. 11940
الثقات، وتلقّاه فقهاء الحجاز بالقبول. وأما إشارة الطحاويّ إلى أنه منسوخ بحديث الباب، فقد تعقّبوه بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، مع الجهل بالتاريخ.
وأقوى من ذلك قول الشافعيّ: أخذنا بحديث البراء لثبوته، ومعرفة رجاله، ولا يخالفه حديث "العجماءُ جرحها جُبَار"؛ لأنه من العامّ المراد به الخاصّ، فلما قال: "العجماء جبار"، وقضى فيما أفسدت العجماء بشيء في حال دون حال دلّ ذلك على أن ما أصابت العجماء من جرح وغيره في حالٍ جُبَار، وفي حال غير جُبار.
ثم نقض على الحنفيّة أنهم لم يستمرّوا على الأخذ بعمومه في تضمين الراكب بحديث "الرِّجْلُ جبار" مع ضعف راوبه، كما تقدّم.
وتَعَقَّب بعضهم على الشافعيّة قولَهُم: إنه لو جرت عادة قوم بإرسال المواشي ليلاً، وحبسها نهارًا انعكس الحكم على الأصحّ.
وأجابوا بأنهم اتبعوا المعنى في ذلك، ونظيره القسم الواجب للمرأة لو كان يكتسب ليلاً، ويأوي إلى أهله نهارًا لانعكس الحكم في حقّه، مع أن عماد القسم بالليل. نعم لو اضطربت العادة في بعض البلاد، فكان بعضهم يرسلها ليلاً، وبعضهم يرسلها نهارًا، فالظاهر أنه يقضى بما دلّ عليه الحديث. ذكره في "الفتح" (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما ذهب إليه الجمهور هو الأرجح عملاً بالحديثين، وحديث البراء، وإن كان الأصحّ أنه مرسل، إلا أنه اعتضد بتلقّي الناس له بالقبول -كما تقدّم عن الحافظ ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى- فتقوّى بذلك، ألا ترى أن الإمام الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى-، مع كونه لا يرى الاحتجاج بالمرسل، احتجّ به لاعتضاده بما ذُكر، فَيُخَصّ به عموم حديث الباب "العجماء جرحها جبار".
والحاصل أن البهائم إذا أفسدت بالليل، فإن أصحابها يضمنون، وإذا أفسدت بالنهار لا يضمنون، لحديث البراء ﵁ المذكور، وهذا الجمع أولى من إلغاء أحد الحديثين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في قوله: "البئر جُبار"، وفي رواية الأسود بن العلاء عند مسلم: "والبئر جرحها جُبار". والمراد بجَرْحها -وهي بفتح الجيم، لا غير، كما نقله في "النهاية"، عن الأزهريّ- ما يحصل بالواقع فيها من الجراحة، وليست الجراحة مخصوصةٌ بذلك، بل كلّ الإتلافات ملحقةٌ بها.
قال عياضٌ، وجماعة: إنما عبّر بالجرح لأنه الأغلب، أو هو مثالٌ نبّه به على ما
стр. 11941
عداه، والحكم في جميع الإتلافات بها سواء، أكان على نفس، أو مال؟. ورواية الأكثر تتناول ذلك على بعض الآراء، ولكن الراجح أنّ الذي يحتاج لتقدير، لا عموم فيه.
قال ابن بطّال: وخالف الحنفيّة في ذلك، فضمّنوا حافر البئر مطلقًا، قياسًا على راكب الدّابّة، ولا قياس مع النصّ.
قال ابن العربيّ: اتفقت الروايات المشهورة على التلفّظ بالبئر، وجاءت رواية شاذّة بلفظ: "النار جُبار" -بنون، وألف ساكنة قبل الراء- ومعناه عندهم: أن من استوقد نارًا مما يجوز له، فتعدّت حتى أتلفت شيئًا، فلا ضمان عليه. قال: وقال بعضهم: صحّفها بعضهم؛ لأن أهل اليمن يكتبون النار بالياء، لا بالألف، فظنّ بعضهم البئر بالموحّدة النار بالنون، فرواها كذلك.
قال الحافظ: هذا التأويل نقله ابن عبد البرّ وغيره عن يحيى بن معين، وجزم بأنّ معمرًا صحّفه، حيث رواه عن همّام، عن أبي هريرة. قال ابن عبد البرّ: ولم يأت ابن معين على قوله بدليل، وليس بهذا تُردّ أحاديث الثقات.
قال الحافظ: ولا يعترض على الحفّاظ الثقات بالاحتمالات. ويؤيّد ما قاله ابن معين اتفاق الحفاظ من أصحاب أبي هريرة على ذكر البئر، دون النار. وقد ذكر مسلم أنَّ علامةَ المنكر في حديث المحدّث أن يَعمِدَ إلى مشهور بكثرة الحديث، والأصحاب، فيأتي عنه بما ليس عندهم، وهذا من ذاك. ويؤيّده أيضًا أنه وقع عند أحمد من حديث جابر بلفظ "والجُبّ جبار" -بجيم مضمومة، وموحّدة ثقيلة، وهي البئر.
وقد اتفق الحفّاظ على تغليط سفيان بن حسين، حيث رَوَى عن الزهريّ في حديث الباب: "الرِّجْلُ جُبَارٌ" -بكسر الراء، وسكون الجيم- وما ذاك إلا أن الزهريّ مكثر من الحديث، والأصحاب، فتفرّد سفيان عنه بهذا اللفظ، فعدّ منكرًا، وقال الشافعيّ: لا يصحّ هذا. وقال الدارقطنيّ: رواه عن أبي هريرة سعيدُ بن المسيّب، وأبو سلمة، وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه، والأعرج، وأبو صالح، ومحمد بن زياد، ومحمد بن سيرين، فلم يذكروها، وكذلك رواه أصحاب الزهريّ، وهو المعروف.
نعم الحكم الذي نقله ابن العربيّ صحيح، ويمكن أن يتلقى من حيث المعنى من الإلحاق بالعجماء، ويلتحق به كلّ جماد، فلو أنّ شخصًا عَثَرَ، فوقع رأسه في جدار، فمات، أو انكسر، لم يجب على صاحب الجدار شيء انتهى كلام الحافظ (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي في اعتراض الحافظ على الإمام ابن عبد البرّ
стр. 11942
في تعقّبه ابنَ معين، بما نقله عن الإمام مسلم نظرٌ، وذلك لأنه لم يَنقُل كلام الإمام مسلم -رحمه اللَّه تعالى- على وجهه، فوقع على غير ما أراده مسلم، ودونك ملخّص عبارته في "صحيحه"، قال:
"وعلامة المنكر في حديث المحدّث إذا ما عُرضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضا، خالفت روايته روايتهم، أو لم تكد توافقها، فإذا كان الأغلب من حديثه كذلك كان مهجور الحديث، غير مقبوله، ولا مُستَعمَلِهِ، إلى أن قال: لأن حكم أهل العلم، والذي نَعرِف من مذهبهم في قبول ما يتفرّد به المحدّث من الحديث أن يكون قد شارك الثقات من أهل العلم، والحفظ في بعض ما رووا، وأمعن في ذلك على الموافقة لهم، فإذا وُجد كذلك، ثم زاد بعد ذلك شيئًا ليس عند أصحابه، قُبلت زيادته، فأما من تراه يَعمِد لمثل الزهريّ في جلالته، وكثرة أصحابه الحفّاظ المتقنين لحديثه، وحديث غيره، أو لمثل هشام بن عروة، وحديثُهما عند أهل العلم مبسوطٌ، مشترك، قد نقل أصحابهما عنهما حديثهما على الاتفاق منهم في أكثره، فيروي عنهما، أو عن أحدهما العدَدَ من الحديث، مما لا يعرفه أحدٌ من أصحابه، وليس ممن قد شاركهم في الصحيح، مما عندهم فغير جائز قبول حديث هذا الضرب من الناس" انتهى كلام مسلم -رحمه اللَّه تعالى- باختصار (١).
فأنت ترى أن مسلمًا شرط ليكون ما يتفرّد به الراوي منكرًا أن يكون المتفرّد ممن ليس يشارك الثقات في روايات ما يروونه من الصحيح، فهذا هو الذي يكون منكرًا، وأما إذا كان يشارك الثقات فيما يروونه، أو في بعضه، فإن ما يتفرّد به على أصحابه يكون مقبولاً، ومعلوم أن معمرًا أحد الأثبات المتقنين الذين رووا عن الزهريّ، ويشارك أصحابه الأثبات في رواياتهم عنه، فإذا انفرد عن أصحابه بشيء، فإنه يكون مقبولاً، عِلى ما أوضحه الإمام مسلم، في كلامه المذكور.
والحاصل أنّ معمرًا من الصنف الثاني، لا من الأول، فلا يكون ما تفرّد به منكرًا.
ومن الغريب تشبيهه مخالفةَ معمر بمخالفة سفيان حسين، فإن معمرًا من الحفّاظ المتقنين من أصحاب الزهريّ، كما بيّناه آنفًا، وسفيان من ضعفاء أصحابه، فكيف يُشبّه أحدهما بالآخر، إن هذا لشيء عجيبٌ.
والحاصل أن ما قاله الحافظ ابن عبد البرّ له وجه وجيه فيما أراه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 11943
٢٤٩٦ - (أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ,,, عَنْ سَعِيدٍ, وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ,,, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , بِمِثْلِهِ).
"يونس": هو ابن يزيد الأيليّ. والحديث تقدّم الكلام عليه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٤٩٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ,,, عَنْ مَالِكٍ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ,,, عَنْ سَعِيدٍ, وَأَبِي سَلَمَةَ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ,,, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «جَرْحُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ, وَالْبِئْرُ جُبَارٌ, وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ, وَفِي الرِّكَازِ الْخُمْسُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "سعيد": هو ابن المسيّب، والكلام على الحديث كسابقه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٢٩ - (بَابُ زَكَاةِ النَّحْلِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "النحل" -بفتح النون، وسكون الحاء المهملة-: ذُباب العسل، للذكر والأنثى، واحدتها نَحْلَةٌ، بهاء. أفاده في "القاموس".
والمراد بزكاة النحل، زكاة عسلها، كما يتبيّن من سياق الحديث؛ لأنه لا قائل بتعلّق الزكاة بنفسها، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٤٩٩ - (أَخْبَرَنِي الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي شُعَيْبٍ, عَنْ مُوسَى بْنِ أَعْيَنَ, عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ, عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ جَدِّهِ, قَالَ: جَاءَ هِلَالٌ, إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعُشُورِ نَحْلٍ لَهُ, وَسَأَلَهُ أَنْ يَحْمِيَ لَهُ وَادِيًا, يُقَالُ لَهُ: سَلَبَةُ, فَحَمَى لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , ذَلِكَ الْوَادِيَ, فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ, كَتَبَ سُفْيَانُ بْنُ وَهْبٍ, إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ, يَسْأَلُهُ, فَكَتَبَ عُمَرُ, إِنْ أَدَّى إِلَيَّ, مَا كَانَ يُؤَدِّي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , مِنْ عُشْرِ نَحْلِهِ, فَاحْمِ لَهُ سَلَبَةَ ذَلِكَ, وَإِلاَّ فَإِنَّمَا هُوَ ذُبَابُ غَيْثٍ, يَأْكُلُهُ مَنْ شَاءَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (المغيرة بن عبد الرحمن) بن عون بن حبيب الأسديّ الحرّانيّ، أبو أحمد، ثقة،
стр. 11944
من صغار [١٠] ٩٤/ ٢٠٢٥.
٢ - (أحمد بن أبي شعيب) هو: أحمد بن عبد اللَّه بن أبي شعيب مسلم، نُسب لجدّه، القرشيُّ مولاهم، أبو الحسن الحرّانيّ، ثقة [١٠]
قال أبو حاتم: ثقة صدوق. وذكره ابن حبّان في "الثقات". مات سنة (٢٣٣) وقيل: (٢٣١) وقيل: غير ذلك. روى عنه البخاريّ، وأبو داود، والترمذيّ، والمصنّف بواسطة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا و ٤٢٦٨ حديث عديّ بن حاتم ﵁: "إذا أرسلت كلبك المعلّم … " الحديث، وأعاده برقم ٤٢٧٥ و ٤٢٩٩.
٣ - (موسى بن أعين) القرشيّ مولاهم، أبو سعيد الْجَزَرِيّ، ثقة عابد [٨] ١١/ ٤١٥.
٤ - (عمرو بن الحارث) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقة فقيه حافظ [٧] ٦٣/ ٧٩.
٥ - (عمرو بن شعيب) المدنيّ، ويقال: الطائفيّ، صدوق [٥] ١٠٥/ ١٤٠.
٦ - (أبوه) شعيب بن محمد بن عبد اللَّه الطائفيّ، صدوق [٣] ١٠٥/ ١٤٠.
٧ - (جدّه) عبد اللَّه بن عمرو بن العاص - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٨٩/ ١١١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم موثقون. (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن أبيه، عن جدّه، وتابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبيهِ) شعيب بن محمد (عَنْ جدِّهِ) عبد اللَّه بن عمرو - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: جَاءَ هِلَالٌ) وفي رواية أبي داود: "هلالٌ أحد بني مُتْعَان". وهو غير هلال بن سعد، كما استظهره الحافظ في "الإصابة". وقيل: هما واحد. وبنو مُتْعان -بضمّ الميم، وسكون المثنّاة الفوقيّة-: قبيلة (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعُشُورِ نَحْلٍ لَهُ) أي بعشر عسل نحله، وليس المراد أنه أتى بعشر النحل نفسها، كما قدّمناه (وَسَألَهُ) أي سأل هلالٌ النبيّ ﷺ (أَنْ يَحْمِيَ لَه وَادِيًا) أي يحفظ واديًا، له خاصّةَ، ويمنع غيرَه من الرعي فيه. يقال: حَمَيتُ المكان من الناس حَمْيًا، من باب رَمَى، وحِمْيَةً -بالكسر-: منعته عنهم، والْحِمَاية اسم منه، وأحميته بالألف: جعلته حِمًى، لا يُقرَب، ولا يُجترأ عليه، قال الشاعر [من الطويل]:
стр. 11945
وَنَرْعَى حِمَى الأَقْوَامِ غيرَ مُحَرَّمٍ … عَلَيْنَا وَلَا يُرْعَى حِمَانَا الَّذِي نَحْمِي (١)
وأصل الحمى عند العرب أن الرئيس منهم إذا نزل منزلًا مُخْصِبًا استعوى كلبًا على مكان عالٍ، فإلى حيث انتهى صوته حماه من كلّ جانب، فلا يَرعى فيه غيره، وَيرعى هو مع غيره فيما سواه. والحمى هو المكان الْمَحْمِيّ، وهو خلاف المباح، ومعناه أن يمنع من الإحياء من ذلك الموات؛ ليتوفّر فيه الكلأ، فترعاه مواشٍ مخصوصة، ويمنع غيرها. قاله في "الفتح" (٢).
(يُقَالُ لَهُ: سَلَبَةُ) أي يسمّى ذلك الوادي سَلَبَةَ -بفتح السين المهملة، واللام: هو واد لبني مُتْعان. قاله البكريّ في "معجم البلدان" (٣) (فَحَمَى لَهُ رَسولُ اللَّهِ ﷺ ، ذَلِكَ الْوَادِيَ) أي جعله له ﷺ سَلَبَة حِمًى مختصًّا بأنعامه، لا يرعى فيه أنعام غيره من أهل بلده. وفيه جواز أن يحمي الإمام لبعض الناس بعض الأراضي، إذا كان فيه مصلحة.
(فَلَمَّا وَلِيَ) بفتح الواو، وكسر اللام، من باب عَلِمَ: أي تولّى الخلافة. ويحتمل أن يكون بضمّ الواو، وتشديد اللام، مبنيًّا للمفعول: أي جُعِل واليًا. فعلى الأول يكون قوله (عُمَرُ بْنُ الْخطَّابِ) ﵁ فاعلاً، وعلى الثاني نائب فاعل (كَتَبَ سُفْيَانُ بْنُ وَهْبٍ) هكذا في رواية عمرو بن الحارث عند المصنّف، وأبي داود "سفيان بن وهب".
ووقع في رواية عبد الرحمن بن الحارث المخزوميّ، وأسامة بن زيد الليثيّ، كلاهما عن عمرو بن شعيب "سفيان بن عبد اللَّه الثقفيّ" بدل "سفيان بن وهب"، والظاهر أنه الصواب.
فأما رواية عبد الرحمن، فساقها أبو داود في "سننه" عن أحمد بن عبدة الضبّيّ، أخبرنا المغيرة -ونسبه إلى عبد الرحمن بن الحارث المخزومّي- حدّثني أبي، عن عمرو ابن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، أن شَبَابةَ، بطنٌ من فَهْم، فذكر نحوه، قال: "من كلّ عشر قِرَبٍ قِربة"، وقال: "سفيان بن عبد اللَّه الثقفيّ، قال: وكان يحمي لهم واديين، زاد: فأدَّوَا إليه ما كانوا يؤدّونه إلى رسول اللَّه ﷺ ، وحَمَى دهم وادييهم.
وأما رواية أسامة بن زيد، فأخرجها أبو داود مختصرًا، وأخرجها الطبرانيّ في "معجمه" مطوّلاً، من طريق أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، أخبرني أسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه: أن بني شبابة، بطن من فَهْم، كانوا يؤدّون إلى رسول اللَّه ﷺ عن نحل، كان لهم العشرَ، من كلّ عَشْرِ قِرَبٍ قربةً، وكان يحمي
стр. 11946
واديين دهم، فدما كان عمر استعمل على ما هناك سفيان بن عبد اللَّه الثقفيّ، فأَبَوا أن يؤدُّوا إليه شيئًا، وقالوا: إنما كنّا نؤدّيه إلى رسول اللَّه ﷺ ، فكتب سفيان إلى عمر، فكتب إليه عمر، إنما النحل ذباب غيث، يسوقه اللَّه رزقًا إلى من يشاء، فإن أدّوا إليك ما كانوا يؤدّون إلى رسول اللَّه ﷺ ، فاحم لهم أوديتهم، وإلا فخَلّ بينه وبين الناس، فأدَّوا إليه ما كانوا يؤدُّون إلى رسول اللَّه ﷺ ، وحمى لهم أوديتهم. انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يظهر لي أن سفيان بن عبد اللَّه هو الصواب؛ لأمرين:
(أحدهما): اتفاق عبد الرحمن بن الحارث، وأسامة بن زيد عليه.
(الثاني): أن سفيان بن عبد اللَّه هو المعروف بأنه كان عامل عمر بن الخطّاب ﵄ على الطائف، وهو صحابيّ معدود في أهل الطائف، ولاّه عمر على الطائف، لَمّا عزل عثمان بن أبي العاص عنها، ونقله إلى البحرين. انظر ترجمته في "الاستيعاب" جـ٤ ص ٢١٣. و"الإصابة" جـ٤ ص ٢٠٨ - ٢٠٩.
وأما سفيان بن وهب الخولانيّ، فهو أيضًا صحابيّ يُعدّ في أهل مصر، وولي إمرة إفريقية زمن عبد العزيز بن مروان، ومات سنة (٨٢) ولم يعدّه أحدٌ فيمن ولاّه عمر ﵄، انظر ترجمته في "الإصابة" جـ ٤ ص ٢١٤. و"الاستيعاب" في هامشه.
وعمرو بن الحارث، وإن كان مقدّما في الحفظ على المغيرة، وأسامة، إلا أن اتفاقهما يقوّي روايتهما، ويؤيّد ذلك الأمر الثاني الذي ذكرته آنفًا.
والحاصل أن سفيان بن عبد اللَّه هو الصواب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
(إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) ﵁ (يَسْاَلُهُ) عن أخذ عشور هلال (فَكَتَبَ عُمَرُ) ﵁ (إِنْ أَدَّى إِلَيْكَ) هكذا في النسخة "الهنديّة"، و"الكبرى" "إليك"، ووقع في النسختين المطبوعتين: "إليّ" بياء المتكلّم، والظاهر أنه تصحيف (مَا كَانَ يُؤَدِّي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، مِنْ عُشْرِ نَحْلِهِ) أي من نحل ذلك الوادي (فَاحْمِ لَهُ سَلَبَةَ ذَلِكَ) اسم الإشارة بدل من سلبة، وإنما ذكره باعتبار المكان (وَإِلاَّ فَإنَّمَا هُوَ ذُبَابُ غَيْثٍ) أي وإن لم يؤدّ إليك ما كان يؤدّيه إلى رسول اللَّه ﷺ ، فلا تحم له ذلك الوادي، ويكون عسله مباحًا لمن شاء.
والمراد بالذباب النحل، وأضافه إلى الغيث الذي هو المطر؛ لأن النحل يَرْعَى الأزهار، والأعشاب التي تنشأ عن المطر. وسمَّى النحل ذبابًا؛ لأنه يقع على الأزهار كما يقع الذباب على الأشياء الدَّسِمَة، والحلواء (يَأْكُلُهُ مَنْ شَاءَ) يعني العسل، فالضمير المنصوب راجع إلى النحل على حذف مضاف، أي يأكل عسله. وفيه دليلٌ على أن العسل الذي يوجد في الجبل مباحٌ، فمن سبق إليه يكون أحقّ به من غيره.
стр. 11947
وقال السنديّ في "شرحه": قوله: "وإلا فإنما هو ذباب غيث" أي وإلا فلا يلزم عليك حفظه؛ لأن الذباب غير مملوك، فيحلّ لمن يأخذه. وعُلِم أن الزكاة فيه غير واجبة على وجه يُجبر صاحبه على الدفع، لكن لا يلزم الإمام حمايته إلا بأداء الزكاة انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد اللَّه بن عمرو - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٩/ ٢٤٩٩ - وفي "الكبرى" ٣١/ ٢٢٧٨. وأخرجه (د) في "الزكاة" ١٦٠٠. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): مشروعية الزكاة في العسل، كما هو ظاهر ترجمة المصنّف، وظاهر سياق الحديث يدلّ على أن عشر العسل مقابَلٌ بحماية واديه، لا أنه زكاة تؤخذ كسائر الزكوات، وسيأتي بيان الخلاف بين الأئمة في المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالى (ومنها): جواز أكل العسل، وأنه من الأشياء المباحة (ومنها): أن مِنْ أَدَبِ الوالي أن لا يعمل شيئًا حتى يستأذن الخليفة، أو الأمير الذي فوقه (ومنها): أن النحل لمن سبقت يده إليه؛ لأنه من الأشياء المباحة.
(ومنها): مشروعيّة الحمى إذا رأى الإمام المصلحة في ذلك. وقد أخرج البخاري -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" عن ابن عباس ﵄، أن الصَّعْبَ بن جَثّامة ﵁ قال: إنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "لا حِمَى إلا للَّه، ولرسوله"، وقال: بلغنا أن النبيّ ﷺ حَمَى النَّقِيع، وأن عمر ﵁ حَمَى الشَّرَف، والرَّبّذَةَ. انتهى.
قال في "الفتح": قال الشافعيّ: يحتمل معنى الحديث شيئن: أحدهما ليس لأحد أن يحمي للمسلمين إلا ما حماه النبيّ ﷺ . والآخر معناه إلا على مثل ما حماه النبيّ ﷺ ، فعلى الأول ليس لأحد من الولاة بعده أن يحمي. وعلى الثاني يختصّ الحمى بمن قام مقام رسول اللَّه ﷺ ، وهو الخليفة خاصّة. وأخذ أصحاب الشافعيّ من هذا أن له في المسألة قولين، والراجح عندهم الثاني، والأول أقرب إلى ظاهر اللفظ، لكن رجحوا
стр. 11948
الثاني بما تقدّم أن عمر ﵁ بعد النبيّ ﷺ .
وقال في موضع آخر: والأرجح عند الشافعيّة أن الحمى يختصّ بالخليفة، ومنهم من ألحق به وُلاة الأقاليم. ومحلّ الجواز مطلقًا أن لا يضرّ بكافّة المسلمين. قال: وقال الْجُوريّ (١) من الشافعيّة: ليس بين الحديثين معارضة، فالحمى المنهيّ ما يُحمَى من الموات الكثير العُشب لنفسه خاصّة، كفعل الجاهليّة. والمباح ما لا منفعة للمسلمين فيه شاملة، فافترقا.
وإنما تُعدّ أرض الحمى مواتًا لكونها لم يتقدّم فيها ملك لأحد، لكنها تشبه العامر؛ لما فيها من المنفعة العامّة انتهى. (٢) واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم زكاة العسل:
ذهب مالك، والشافعيّ، وابن أبي ليلى، والحسن بن صالح، وابن المنذر إلى أنه لا زكاة في العسل.
قال ابن المنذر: ليس في وجوب الصدقة في العسل خبر يثبت، ولا إجماع، فلا زكاة فيه.
وذهب أحمد إلى أن في العسل العشرَ. وُيروى ذلك عن عمر بن عبد العزيز، ومكحول، والزهريّ، وسليمان بن موسى، والأوزاعيّ، وإسحاق.
وذهب أبو حنيفة إلى أن العسل إن كان في أرض العشر، ففيه الزكاة، وإلا فلا زكاة فيه، وهذ ابن اء على مذهبه في أن العشر والخراج لا يجتمعان، وقد تقدّم الردّ عليه في ذلك.
احتجّ الموجبون بأحاديث كثيرة:
(فمنها): حديث الباب، وهو صحيح، لكنّه ليس نصًّا، في وجوب الزكاة، بل هو ظاهر في كونه مقابلاً بحماية الوادي الذي طلب أن يُحمَى له.
(ومنها): ما رواه الترمذيّ في حديث ابن عمر ﵄: أن رسول اللَّه ﷺ قال في العسل: "في كلّ عشرة أزقاق زِقٌّ". وفي إسناده صدقة السمين، وهو ضعيف الحفظ، وقد خولف، وقال النسائيّ: هذا حديث منكر. ورواه البيهقيّ، وقال: تفرّد به صدقة، وهو ضعيف، وقد تابعه طلحة بن زيد، عن موسى بن يسار. ذكره المروزيّ، ونقل عن
стр. 11949
أحمد تضعيفه. وذكر الترمذيّ أنه سأل البخاريّ عنه؟ فقال: هو عن نافع، عن النبيّ ﷺ ، مرسل.
(ومنها): ما أخرجه ابن ماجه، والبيهقيّ من حديث سليمان بن موسى، عن أبي سيّارة الْمُتَعِيّ، قال: قلت: يا رسول اللَّه، إن لي نَحْلاً، قال: "أدّ العشور"، قال: قلت: يا رسول اللَّه، احمها لي، فحماها لي. وهو منقطع؛ قال البخاريّ: لم يدرك سليمان أحدًا من الصحابة، وليس في زكاة العسل شيء يصحّ. وقال أبو عمر: لا يقوم بهذا حجة.
(ومنها): ما أخرجه البيهقيّ من حديث أبي هريرة ﵁، قال: "كتب رسول اللَّه ﷺ إلى أهل اليمن أن يؤخذ من العسل العشر". وفي إسناده عبد اللَّه بن مُحَرَّر، وهو متروك.
(ومنها): ما رواه البيهقيّ أيضًا من حديث سعد بن أبي ذُبَاب: "أن النبيّ ﷺ استعمله على قومه، وقال لهم: "أدّوا العشر في العسل"، وأتى به عمر، فقبضه، فباعه، ثم جعده في صدقات المسلمين". وفي إسناده مُنير بن عبد اللَّه، ضعّفه البخاريّ، والأزديّ، وغيرهما.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بهذا أن ما احتجّ به الموجبون لزكاة العسل معظمها ضعاف، لا تصلح للاحتجاج بها، وما صحّ منها، كحديث الباب ليس صريحًا في الإيجاب، بل هو ظاهر في كونه مقابلا لحماية واديه، فالصواب عندي مذهب من قال بعدم وجوب الزكاة فيه؛ لعدم ثبوت أدلّة الوجوب، كما عرفت. قال الزعفرانيّ، عن الشافعيّ: الحديث "في العسل العشر" ضعيف، واختياري أنه لا يؤخذ منه. وقال البخاريّ: لا يصحّ فيه شيء. وقال ابن المنذر: ليس فيه شيء ثابت.
ويؤيّد ذلك حديث معاذ ﵁ أنه لم يأخذ زكاة العسل، وقال: لم يأمرني رسول اللَّه ﷺ فيه بشيء. رواه أبو داود في "المراسيل"، والحميديّ في "مسنده"، وابن أبي شيبة، والبيهقي من طريق طاوس عنه.
وهذا وإن كان مرسلاً؛ لأن طاوسًا لم يلق معاذًا، إلا أنه قويٌّ؛ لأنه كان عارفًا بقضايا معاذ ﵁، كما قال البيهقيّ (١).
والحاصل أن عدم وجوب الزكاة في العسل هو الأرجح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 11950
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٣٠ - (بَابُ فَرْضِ زَكَاةِ رَمَضَانَ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على فرضيّة زكاة رمضان، أي الزكاة التي تجب بالفطر من صوم رمضان. وأضيفت الزكاة لـ "رمضان" لكونها تجب بالفطر من صومه، فيكون من إضافة الشيء إلى سببه. وقيل: من إضافة الشيء إلى شرطه، كحجة الإسلام (١).
وقد ترجم البخاريّ، وغيره بـ "باب صدقة الفطر". قال في "الفتح": وَأُضِيفَتِ الصدقة للفطر؛ لكونها تجب بالفطر من رمضان. وقال ابن قُتيبة: المراد بصدقة الفطر صدقة النفوس، مأخوذة من الفطرة التي هي أصل الخلقة. والأول أظهر، ويؤيّده قوله في بعض طرق الحديث: "زكاة الفطر من رمضان" انتهى (٢).
وقال ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى-: قال ابن قُتيبة: وقيل لها فطرة؛ لأن الفطرة الخِلْقةُ، قال اللَّه تعالى ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ الآية [الروم: ٣٠]، أي جِبلّته التي جبل الناس عليها، وهذه يُراد بها الصدقة عن البدن والنفس، كما كانت الأولى صدقة عن المال انتهى (٣).
وقال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- في "شرح المهذّب": يقال: زكاة الفطر، وصدقة الفطر، ويقال للمُخرَج: فِطْرة -بكسر الفاء- لا غير، وهي لفظة مولّدة، لا عربيّةٌ، ولا مُعَرَّبة، بل اصطلاحيّة للفقهاء، وكأنها من الفطرة التي هي الخلقة، أي زكاة الخلقة. وممن ذكر هذا صاحب "الحاوي". انتهى (٤).
وفي "المنهل": وتسمية أوّل يوم من شوّال بيوم الفطر تسمية شرعيّة، لم تُعرَف قبل الإسلام. وفُرضت صدقة الفطر في السنة الثانية من الهجرة. وهي في الشرع اسم لما يُعطَى من المال لمن يستحقّ الزكاة على وجه مخصوص يأتي بيانه انتهى (٥). واللَّه تعالى
стр. 11951
أعلم بالصواب.
٢٥٠٠ - (أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى, عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, قَالَ: "فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , زَكَاةَ رَمَضَانَ عَلَى الْحُرِّ, وَالْعَبْدِ, وَالذَّكَرِ, وَالأُنْثَى, صَاعًا مِنْ تَمْرٍ, أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ, فَعَدَلَ النَّاسُ بِهِ, نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عمران بن موسى) القزّاز الليثيّ، أبو عمرو البصريّ، صدوق [١٠] ٦/ ٦.
٢ - (عبد الوارث) بن سعيد بن ذكران العنبريّ مولاهم، أبو عبيدة البصريّ التّنّوريّ، ثقة ثبت [٨] ٦/ ٦.
٣ - (أيوب) بن أبي تميمة كيسان البصريّ الفقيه، ثقة ثبت عابد [٥] ٤٢/ ٤٨.
٤ - (نافع) مولى ابن عمر العدويّ المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ١٢/ ١٢.
٥ - (ابن عمر) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٢/ ١٢. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو، والترمذيُّ، وابنُ ماجه. (ومنها): أن الثلاثة الأولين بصريون، والباقيان مدنيّان، وفيه ابن عمر ﵄ أحد المكثرين السبعة من الصحابة، روى (٢٦٣٠) من الأحاديث، وهو أحد العبادلة الأربعة: وهم، ابن عمر، وابن عبّاس، وابن الزبير، وابن عمرو بن العاص ﵃. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: "فَرَضَ") أي أوجب، وألزم (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) وما فرضه ﷺ إلا عن أمر من اللَّه ، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤]. قال الطيبيّ: دلّ قوله: "فَرَض" على أن صدقة الفطر فريضة. والحنفيّة على أنها واجبة. قال القاري: لعدم ثبوتها بدليل قطعيّ، فهو فرض عمليٌّ، لا اعتقاديّ. وقال السنديّ: الحديث من أخبار الآحاد، فمؤدّاه الظن، فلذلك قال بوجوبه دون افتراضه من خصّ الفرض بالقطع، والواجب بالظنّ انتهى.
وقال ابن حجر الهيتميّ: في الحديث دليلٌ لمذهبنا، ولَمّا رأى الحنفيّة الفرق بين الفرض والواجب بأنّ الأول ما ثبت بدليل قطعيّ، والثاني ما ثبت بدليل ظنّيّ، قالوا: إن المراد بالفرض هنا الواجب. وفيه نظر؛ لأنّ هذا قطعيّ؛ لما علمت أنه مجمع عليه،
стр. 11952
فالفرض فيه باق على حاله، حتى على قواعدهم، فلا يحتاج لتأويلهم الفرض بالواجب انتهى.
قال القاري: وفيه أن الإجماع على تقدير ثبوته إنما هو في لزوم هذا الفعل، وأما أنه على طريق الفرض، أو الواجب بناءً على اصطلاح الفقهاء المتأخّرين، فغير مسلّم، وأما قوله: ووجوبها مجمع عليه، كما حكاه المنذريّ، والبيهقيّ، فمنقوض بأن جمعًا حكوا الخلاف فيها.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حمل كلام الشارع على الحقيقة الشرعيّة ما أمكن هو المتعيّن، وأما حمله على المصطلح الحادث فغير صحيح، فإن الصحابة ﵃ ما كانوا يعرفون هذا الاصطلاح الحادث في الفرق بين الفرض والواجب، كما يقول به الحنفيّة، فعبد اللَّه بن عمر ﵄ حين قال: فرض رسول اللَّه ﷺ زكاة الفطر ما كان يقصد أنه دون فرض زكاة المال، وفرض صوم رمضان، بل كان يعتقد أنه من الفروض التي كلف اللَّه تعالى بها المكلّفين، من غير فرق بين فرض، وفرض، فمن فرض صوم رمضان، هو الذي فرض زكاة رمضان.
والحاصل أن ما ذهب إليه الأئمّة الثلاثة من أن صدقة الفطر فريضة هو الحقّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
(زَكَاةَ رَمَضَانَ) أي الزكاة الواجبة عند الفطر من صوم رمضان، فإضافة الزكاة إلى "رمضان" من إضافة الشيء إلى سببه، كما سبق أوّل الباب.
فـ"زكاة" منصوب على المفعولية (عَلَى الْحُرِّ) متعلّق بـ "فرَضَ". قال السنديّ: "على" بمعنى "عن"، إذ لا وجوب على العبد، والصغير، كما في بعض الروايات؛ إذ لا مال للعبد، ولا تكليف على الصغير، نعم يجب على العبد عند بعض، والمولى نائبٌ عنه انتهى.
(وَالْعَبْدِ) ظاهره إخراج العبد عن نفسه، ولم يقل به إلا داود، فقال: يجب على السيّد أن يمكّن العبد من الاكتساب لها، كما يجب عليه أن يمكّنه من الصلاة. وخالفه أصحابه، والناس. واحتجّوا بحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "ليس على المسلم في عبده صدقة، إلا صدقة الفطر". رواه مسلم. وسيأتي تمام البحث في ذلك في المسائل، إن شاء اللَّه تعالى.
(وَالذَّكَرِ، وَالأُنْثَى، صَاعًا) منصوب على البدليّة من "زكاةَ رمضان"، أو حال منه، أو "زكاة" منصوب على نزع الخافض، أي في زكاة رمضان، والمفعول "صاعًا". أفاده السنديّ. وقال الحافظ السيوطيّ في "شرحه": قيل: إن "صاعًا" منصوب على أنه
стр. 11953
مفعول ثان. وقيل: على التمييز. وقيل: خبر "كان" محذوفًا. وقيل: على سبيل الحكاية انتهى (١) (مِنْ تَمْرٍ) متعلّق بصفة لـ"صاعًا" (أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرِ) "أو" هنا للتخيير، فيُخيّر بين أن يخرج صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير (فَعَدَلَ النَّاسُ) أي جعلوه مثله، يقال: عَدَلْتُ هذا بهذا عدْلاً، من باب ضرب: إذا جعلته مثله، قائمًا مقامه، قال اللَّه تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]. ذكره في "المصباح".
والمراد بالناس معاويةُ ﵁، ومن تبعه، فقد وقع التصريح به في حديث أيوب، عن نافع، أخرجه الحميديّ، في "مسنده"، عن سفيان بن عُيينة: حدّثنا أيوب، ولفظه: "صدقة الفطر صاعٌ من شعير، أو صاع من تمر، قال ابن عمر: فلما كان معاوية عدل الناس نصف صاع برّ بصاع من شعير". وهكذا أخرجه ابن خُزيمة في "صحيحه" من وجه آخر عن سفيان، وهو المعتمد، وهو موافق لقول أبي سعيد الآتي في ٣٨/ ٢٥١٣ - وهو أصرح منه.
وأما ما وقع عند أبي داود من طريق عبد العزيز بن أبي روّاد، عن نافع، قال فيه: "فلما كان عمر كثرت الحنطة، فجعل عمر نصف صاع حنطة مكان صاع من تلك الأشياء. فقد حكم مسلم في "كتاب التمييز" على عبد العزيز فيه بالوَهَم، وأوضح الردّ عليه. وقال ابن عبد البرّ: قول ابن عُيينة عندي أولى. وزعم الطحاويّ أن الذي عدل عن ذلك عمر، ثم عثمان، وغيرهما، فأخرج عن يسار بن نُمير أن عمر قال له: "إني أحلف لا أعطي قومًا، ثم يبدو لي، فأفعل، فإذا رأيتني فعلت ذلك، فأطعم عنّي عشرة مساكين، لكلّ مسكين نصف صاع من حنطة، أو صاعًا من تمرٍ، أو صاعًا من شعير".
ومن طريق أبي الأشعث، قال: خطبنا عثمان، فقال: أدّوا زكاة الفطر مدّين من حنطة.
وسيأتي الكلام على ذلك، إن شاء اللَّه تعالى (بِهِ) أي بما ذُكر من صاع تمر، أو صاع من شعير (نِصْفَ صَاعٍ من بُرٍّ") يعني أنهم جعلوا نصف صاع من برّ يقوم مقام صاع من تمر، أو شعير، فيجزىء أداؤه عن صدقة الفطر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
стр. 11954
أخرجه هنا-٣٠/ ٢٥٠٠ و ٣١/ ٢٥٠١ و ٣٢/ ٢٥٠٢ و ٣٣/ ٢٥٠٣ و ٢٥٠٤ و ٣٤/ ٢٥٠٥ و ٤١/ ٢٥١٦ و ٤٥/ ٢٥٢١ - وفي "الكبرى" ٣٢/ ٢٢٧٩ و ٣٣/ ٢٢٨٠ و ٣٤/ ٢٢٨١ و ٣٥/ ٢٢٨٢ و ٢٢٨٣ و ٣٦/ ٢٢٨٤ و ٤٣/ ٢٢٩٥ و ٤٧/ ٢٣٠٠. وأخرجه (خ) في "الزكاة" ١٥٠٣ و ١٥٠٤ و ١٥٠٧ و ١٥٠٩ و ١٥١١ و ١٥١٢ (م) في "الزكاة" ٩٨٤ و ٩٨٦ (د) في "الزكاة" ١٦١١ و ١٦١٣ و ١٦١٤ (ت) في "الزكاة" ٦٧٥ و ٦٧٦ و ٦٧٧ (ق) في "الزكاة" ١٨٢٦ (أحمد) في "مسند المكثرين" ٤٤٧٢ و ٥١٥٢ و ٥٢٨١ و ٥٣١٧ و ٥٣٢٣ و ٥٧٤٧ و ٥٩٠٦ و ٦١٧٩ و ٦٣٥٣ و ٦٣٩٣ و ٦٤٣١ و (مالك) في "الزكاة" ٦٢٧ (الدارميّ) في "الزكاة" ١٦٦١ و ١٦٦٢. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في أقوال أهل العلم في حكم صدقة الفطر:
قال الإمام ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: أجمع عوامّ أهل العلم على وجوب زكاة الفطر. وقال إسحاق -يعني ابن راهويه- هو كالإجماع من أهل العلم. وقال الخطّابيّ: قال به عامّة أهل العلم.
وقال الحافظ ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى-: فأما قوله في حديث ابن عمر: "فرض رسول اللَّه ﷺ … " فمعناه عند أكثر أهل العلم: أوجب رسول اللَّه ﷺ ، وما أوجبه رسول اللَّه ﷺ ، فبأمر اللَّه أوجبه، وما كان لينطق عن الهوى، فأجمعوا على أن رسول اللَّه ﷺ أمر بزكاة الفطر، ثم اختلفوا في نسخها:
فقالت فرقةٌ: هي منسوخة بالزكاة، ورووا عن قيس بن سعد بن عُبَادة: أن رسول اللَّه ﷺ كان يأمر بها قبل نزول الزكاة، فلما نزلت آية الزكاة لم يأمرنا بها، ولم ينهنا عنها، ونحن نفعله (١).
وقال جمهور من أهل العلم من التابعين، ومن بعدهم: هي فرضٌ واجبٌ على حسب ما فرضها رسول اللَّه ﷺ ، لم ينسخها شيء.
وممن قال بهذا: مالك بن أنس، وسفيان الثوريّ، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد، وأبو ثور، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه. قال إسحاق: هو الإجماعُ.
وقال أشهب: سألت مالكًا عن زكاة الفطر، أواجبة هي؟ قال: نعم. وذكر أبو التَّمَّام، قال: قال مالك: زكاة الفطر واجبة. قال: وبه قال أهل العلم كلّهم إلا بعض أهل العراق، فإنه قال: هي سنّة مؤكّدةٌ.
стр. 11955
قال أبو عمر: اختلف المتأخّرون من أصحاب مالك في وجوبها، فقال بعضهم: هي سنّةٌ مؤكّدة. وقال بعضهم: هي فرضٌ واجبٌ. وممن ذهب إلى هذا أصبغ بن الفَرَج.
واختلف أصحاب داود في ذلك على قولين أيضًا: أحدهما: أنها فرض واجبٌ.
والآخر أنها سنّةٌ مؤكّدةٌ. وسائر العلماء على أنها واجبةٌ. انتهى كلام ابن عبد البرّ في "الاستذكار" (١).
وقال في "التمهيد": وأما قول ابن عمر في هذا الحديث: "فرضَ الخ" فإنه يحتمل وجهين: أحدهما -وهو الأظهر- فرض بمعنى أوجب، والآخر فرض بمعنى قدّر من المقدار، كما تقول: فرض القاضي نفقة اليتيم: أي قدّرها، وعرف مقدارها.
والذي أذهبُ إليه أن لا يزال قوله: فَرَضَ على (٢) معنى الإيجاب، إلا بدليل الإجماع، وذلك معدوم في هذا الموضع. وقد فَهِمَ المسلمون من قوله : ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١].، ونحو ذلك أنه شيء أوجبه، وقدّره، وقضى به، وقال الجميع للشيء الذي أوجبه اللَّه هذا فرض، وما أوجبه رسول اللَّه ﷺ ، فعن اللَّه أوجبه، وقد فرض اللَّه طاعته، وحذّر مخالفته، ففَرْضُ اللَّه، وفَرْضُ رسوله سواء، إلا أن يقوم الدليل على الفرق بين شيء من ذلك، فيسلّم للدليل الذي لا مدفع فيه.
قال: والقول بوجوبها من جهة اتباع سبيل المؤمنين واجبٌ أيضًا؛ لأن القول بأنها غير واجبة شذوذ، أو ضرب من الشذوذ.
قال: ولعلّ جاهلاً يقول: إن زكاة الفطر لو كانت فريضة، لكُفِّرَ من قال: إنها ليست بفرض، كما لو قال في زكاة المال المفروضة، أو في الصلاة المفروضة: إنها ليست بفرض، كُفِّرَ.
فالجواب عن هذا ومثله أنّ ما ثبت فرضه من جهة الإجماع الذي يَقطَعُ العذر، كُفِّرَ دافعه؛ لأنه لا عذر له فيه. وكلّ فرض ثبت بدليل، لم يُكَفَّر صاحبه، ولكنه يُجَهَّل، ويُخطَّأُ، فإن تمادى بعد البيان له هُجِر، وإن لم يُبيّن له عُذِر بالتأويل، ألا ترى أنه قد قام الدليل الواضح على تحريم المسكر، ولسنا نُكَفِّر من قال بتحليله، وقد قام الدليل على تحريم نكاح المتعة، ونكاح السّرّ، والصلاة بغير قراءة، وبيع الدرهم بالدرهمين يدًا بيد … إلى أشياء يطول ذكرها من فرائض الصلاة، والزكاة، والحجّ، وسائر الأحكام، ولسنا نُكَفِّر من قال بتحليل شيء من ذلك؛ لأن الدليل في ذلك يوجب العمل، ولا يَقطع العذر، والأمر في هذا واضح لمن فهم. انتهى كلام ابن عبد البرّ (٣).
стр. 11956
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله الحافظ ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى- كلام نفيسٌ جدًّا.
والحاصل أن الحقّ ما عليه جمهور أهل العلم، من أن صدقة الفطر فريضة، كفرض زكاة المال، وغيرها من فرائض اللَّه تعالى، ولا ينافي هذا تفاوت درجات فرضيّتها فيما بينها، فإن الفرائض تختلف، فمنها ما يُكفّر جاحده، ومنها ما ليس كذلك، كما بينه -رحمه اللَّه تعالى- آنفًا، ولكن يجمع الكلّ كونها مما فرضه اللَّه تعالى، يجب اعتقاده، والعمل به. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): لم يُقَيَّد في الحديث افتراض زكاة الفطر باليسار، لكن لا بدّ من القدرة على ذلك؛ لما عُلِم من القواعد العامّة، وقد قال ابن المنذر: أجمعوا على أن لا شيء على من لا شيء له. انتهى.
واختلف العلماء في ضابط ذلك، فذكر الشافعيّة، والحنابلة أنّ ضابط ذلك أن يملك فاضلاً عن قوته، وقوت من تلزمه نفقته ليلة العيد، ويومه ما يؤدي في زكاة الفطر.
وحكاه العبدريّ عن أبي هريرة، وعطاء، والشعبيّ، وابن سيرين، وأبي العالية، والزهريّ، ومالك، وابن المبارك، وأحمد، وأبي ثور. انتهى.
وغاير ابن المنذر في ذلك بين مذهبي مالك، والشافعيّ، فقال: كان أبو هريرة يراه على الغنيّ، والفقير، وبه قال أبو العالية، والشعبيّ، وعطاء، وابن سيرين، ومالك، وأبو ثور. وقال ابن المبارك، والشافعيّ، وأحمد: إذا فضل عن قوت المرء، وقوت من يجب عليه أن يقوته مقدارُ زكاة الفطر، فعليه أن يؤدّي انتهى.
قال وليّ الدين: وما حكاه ابن المنذر أقرب إلى مذهب مالك، فإن ابن شاس قال في "الجواهر": لا زكاة على معسر، وهو الذي لا يفضل له عن قوت يومه صاع، ولا وجد من يُسلفه إيّاه. انتهى.
فقوله: ولا من يُسلفه إياه لا يُوافق عليه الشافعيّ، وأحمد، ثم قال ابن شاس: وقيل: هو الذي يُجحِف به في معاشه إخراجها. وقيل: من يَحلّ له أخذها، ثم قيل فيمن يحلّ له أخذها: إنه الذي يحلّ له أخذ الزكاة. وقيل: الفقير الذي لم يأخذ منها في يومه ذلك انتهى.
وقال أبو حنيفة: لا تجب إلا على من ملك نصابًا من الذهب أو الفضّة، أو ما قيمته قيمة نصاب، فاضلاً عن مسكنه، وأثاثه الذي لا بد منه. قال العبدريّ: ولا يُحفَظ هذا عن أحد غير أبي حنيفة. وحكى ابن حزم عن سفيان الثوريّ أنه قال: من كان له خمسون درهمًا فهو غنيّ، وإلا فهو فقير. قال: وقال غيره: أربعون درهمًا انتهى.
стр. 11957
وفي "مسند أحمد" عن أبي هريرة ﵁ في زكاة الفطر: "على كلّ حرّ، وعبد، ذكرِ، وأنثى، صغير، أو كبير، فقير، أو غنيّ، صاع من تمر، أو نصف صاع من قَمْحٍ" (١). قال معمر: وبلغني أن الزهريّ كان يرويه إلى النبيّ ﷺ .
وروى الدارقطنيّ عن عبد اللَّه بن ثعلبة بن أبي صُعَير، عن أبيه أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "أدّوا صاعًا من قَمح، أو قال: برّ، عن الصغير، والكبير، والذكر والأنثى، والحرّ والمملوك، والغنيّ والفقير، أما غنيّكم، فيزكّيه اللَّه، وأما فقيركم، فيردّ عليه أكثر مما أعطى" (٢).
ومال ابن العربيّ المالكيّ إلى مقالة أبي حنيفة في ذلك، فقال: والمسألة له قويّة، فإن الفقير لا زكاة عليه، ولا أمر النبيّ ﷺ بأخذها منه، وإنما أمر بإعطائها له، وحديث ثعلبة لا يُعارض الأحاديث الصحاح، ولا الأصول القويّة، وقد قال: "لا صدقة إلا عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول"، وإذا لم يكن هذا غنيًّا، فلا تلزمه الصدقة انتهى.
قال الحافظ وليّ الدين: وهو ضعيف، وليس التمسك في ذلك بحديث ثعلبة، وإنما التمسّك بالعموم الذي في قوله: "فرض رسول اللَّه ﷺ زكاة الفطر من رمضان على الناس". وقد ذكر هو في أول كلامه: إلا أنا اعتبرنا القدرة على الصاع؛ لما عُلِم من القواعد العامّة، فأخرجنا عن ذلك العاجز عنه. واللَّه أعلم انتهى كلام وليّ الدين (٣).
وقال الشوكانيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "النيل": قد اختُلف في القدر الذي يُعتبر ملكه لمن تلزمه الفطرة، فقال أبو حنيفة، وأصحابه: إنه يُعتبر أن يكون المخرج غنيًّا غنى شرعيًّا. واستُدلّ لهم بقوله ﷺ : "إنما الصدقة ما كان عن ظهر غنى". أخرجه أحمد، من حديث أبي هريرة ﵁، مرفوعًا. وبالقياس على زكاة المال. ويجاب بأن الحديث لا يفيد المطلوب؛ لأنه بلفظ: "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى". كما أخرجه أبو داود انتهى.
وأخرجه البخاريّ أيضًا بهذا اللفظ، وهو مشعر بأن النفي في رواية أحمد للكمال، لا للحقيقة، فالمعنى: لا صدقة كاملة إلا عن ظهر غنى.
قال الشوكانيّ: وأما الاستدلال بالقياس، فغير صحيح؛ لأنه قياس مع الفارق؛ إذ وجوب الفطرة متعلّق بالأبدان، والزكاة بالأموال.
وقال مالكٌ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق: إنه يعتبر أن يكون مخرج الفطرة مالكًا
стр. 11958
لقوت يوم وليلة؛ لما روي أنه طهرة للصائم، ولا فرق بين الغنيّ، والفقير في ذلك.
ويؤيّد ذلك ما روي من تفسيره ﷺ من لا يحلّ له السؤال بمن يملك ما يُغدّيه، ويعشّيه، وهذا هو الحقّ؛ لأن النصوص أطلقت، ولم تخصّ غنيًّا، ولا فقيرًا، ولا مجالَ للاجتهاد في تعيين المقدار الذي يعتبر أن يكون مخرج الفطرة مالكًا له، ولا سيّما والعلّة التي شُرعت لها الفطرة موجودةٌ في الغنيّ والفقير، وهي التطهّر من اللغو، والرفث، واعتبار كونه واجدًا لقوت يوم وليلة أمرٌ لا بدّ منه؛ لأن المقصود من شرع الفطرة إغناء الفقراء في ذلك اليوم، كما أخرجه البيهقيّ، والدارقطنيّ، عن ابن عمر ﵄، مرفوعًا، وفيه: "أغنوهم في هذا اليوم". وفي رواية للبيهقيّ: "أغنوهم عن طواف هذا اليوم". وأخرجه أيضًا ابن سعد في "الطبقات" من حديث عائشة، وأبي سعيد ﵄، فلو لم يُعتبر في حقّ المخرِج ذلك لكان ممن أُمرنا بإغنائه في ذلك اليوم، لا من المأمورين بإخراج الفطرة، وإغناء غيره. انتهى كلام الشوكانيّ -رحمه اللَّه تعالى-.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله الشوكانيّ -رحمه اللَّه تعالى- كلام حسنٌ جدًّا.
والحاصل أنّ ما ذهب إليه الجمهور من وجوبها على الفقير، إذا كان له ما يفضل عن قوته، وقوت من تلزمه نفقته في ذلك اليوم هو الصواب؛ لعموم قوله ﷺ : "على كلّ حرّ، أو عبد، ذكر، أو أنثى، صغير، أو كبير". فالفقير داخل في جملة هؤلاء، فيلزمه ما يلزمهم، إلا إذا أتى نصّ صريحٌ يُخرجه من العموم، ولم يوجد ذلك، وأما كونه لا يلزمه شيء إذا لم يفضل عن قوت يومه شيء، فبالإجماع، وبقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ الآية [البقرة: ٢٨٦]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٣١ - (بَابُ فَرْضِ زَكَاةِ رَمَضَانَ عَلَى الْمَمْلُوكِ)
٢٥٠١ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, عَنْ أَيُّوبَ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, قَالَ: "فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , صَدَقَةَ الْفِطْرِ, عَلَى الذَّكَرِ وَالأُنْثَى, وَالْحُرِّ وَالْمَمْلُوكِ, صَاعًا مِنْ تَمْرٍ, أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ", قَالَ: فَعَدَلَ النَّاسُ إِلَى نِصْفِ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ).
стр. 11959
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "حمّاد": هو ابن زيد. و"أيوب": هو السختيانيّ.
والحديث متفق عليه وقد تقدم شرحه، وبيان مسائله في الباب الماضي، فما بقي هنا إلا ذكر ثلاث مسائل، مما لم يُذكَر هناك:
(المسألة الأولى): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو إيجاب زكاة رمضان على المملوك:
استدلّ بظاهر حديث الباب داود بن عليّ الظاهريّ على وجوب إخراج العبد صدقة الفطر عن نفسه. قال وليّ الدين العراقيّ: لا نعلم أحدًا قال به سواه، ولم يتابعه على ذلك ابن حزم، ولا أحد من أصحابه، ويبطله قوله ﷺ : "ليس على المسلم في عبده، ولا في فرسه صدقةٌ، إلا صدقة الفطر في الرقيق". والاستثناء في "صحيح مسلم" بلفظ: "إلا صدقة الفطر". وذلك يقتضي أن زكاة الفطر ليست على العبد نفسِهِ، وإنما هي على سيّده.
قال ابن المنذر: أجمع عوامّ أهل العلم على أن على المرإ أداء زكاة الفطر عن مملوكه الحاضر، غير المكاتب، والعبد المغصوب، والآبق، والعبد المشترى للتجارة. وقال ابن قُدامة: لا نعلم فيه خلافًا انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما ذهب إليه الجمهور هو الصواب، فتجب زكاة الفطر على السيّد عن عبده؛ لصحّة الحديث المتقدّم، وما استدلّ به داود من عموم حديث الباب يقدّم عليه خصوص هذا الحديث. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): أنهم اختلفوا في أشياء، من مسألة وجوب زكاة الفطر على السيّد عن عبده، أشار ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى- في عبارته السابقة إلى بعضها، فلنذكرها:
(فمنها): العبد الغائب، فمذهب الشافعيّ وجوب فطرته، وإن لم تُعلم حياته، بل انقطع خبره، ولم يكن في طاعته، بل كان آبقًا، ولم يكن في يده، بل كان مغصوبًا، ولم يعرف موضعه، بل كان ضالاًّ، ويجب إخراجها عن هؤلاء في الحال، وفي هذه الصور خلاف ضعيف عندهم. وكذلك مذهب أحمد، إلا في منقطع الخبر، فإنه لم يوجب فطرته، لكنه قال: لو علم بذلك حياته لزمه الإخراج لما مضى. ولم يوجب أبو حنيفة زكاة الآبق، والأسير، والمغصوب المجحود. وعنه رواية بوجوب زكاة الآبق.
وفصّل مالك، فأوجب في كلّ من المغصوب، والآبق الزكاة، إذا كانت غيبته قريبة، وهو يُرجَى حياته، ورجعته، فإن بعدت غيبته، وأُيس منه سقطت الزكاة عن سيّده.
قال ابن المنذر: أكثر من يُحفظ عنه من أهل العلم يرون أن تؤدّى زكاة الفطر عن
стр. 11960
الرقيق غائبهم، وحاضرهم، وهو مذهب مالك، والشافعيّ، والكوفيين، وكان ابن عمر يُخرج عن غلمانه الذين بوادي القرى وخيبر. قلت: وهو الحقّ عندي.
ثم حكى ابن المنذر الخلاف عن الآبق، فحكى عن الشافعيّ، وأبي ثور وجوبها، وإن لم يعلم مكانه. وعن الزهريّ، وأحمد، وإسحاق وجوبها إذا عُلم مكانه. وعن الأوزاعيّ وجوبها إذا كان في دار الإسلام. وعن عطاء، والثوريّ، وأصحاب الرأي عدم وجوبها. وعن مالك وجوبها إذا كانت غيبة قريبة ترجى رجعته. فهذه خمسة أقوال.
(ومنها): المكاتب، فذهب عطاء، ومالك في المشهور عنه، والشافعيّ في قول، وأبو ثور، وابن المنذر إلى أنها تجب على سيّده. قلت: وهو الحقّ عندي؛ لعموم النصّ. واللَّه تعالى أعلم.
وذهب أبو حنيفة، والشافعيّ في أصحّ الأقوال عنه، إلى أنها لا تجب عليه، ولا على سيّده. وذهب أحمد، وهو أحد الأقوال للشافعيّ إلى أنها تجب عليه في كسبه، كنفقته.
وذهب إسحاق بن راهويه إلى أن سيّده يعطي عنه إن كان في عياله، وإلا فلا. حكاه ابن المنذر عن إسحاق.
وذهب ابن حزم إلى أنّ السيّد يخرج عنه إن لم يؤدّ شيئًا من كتابته، فإن أدّى شيئًا من كتابته، وإن قلّ فهي عليه.
(ومنها): العبد المشترى للتجارة، فالجمهور على أنّه يجب على السيّد فطرته كغيره؛ لعموم الحديث، وبه قال مالك، والشافعيّ، وأحمد، والليث بن سعد، والأوزاعيّ، وإسحاق بن راهويه، وابن المنذر، وأهل الظاهر. قلت: وهو الحقّ عندي؛ لعموم النصّ.
وقال أبو حنيفة: لا تجب فطرته؛ لوجوب زكاة التجارة فيه. وحكي عن عطاء، والنخعيّ، والثوريّ. واللَّه تعالى أعلم.
(ومنها): العبد المشترك بين اثنين، والجمهو أن الفطرة عليهما، قلت: وهو الحقّ عندي. والعبد المرهون، والجمهور على أن الزكاة على مولاه، قلت: وهو الحقّ عندي أيضًا.
وقد اختلفوا في أنواع من العبيد غير هؤلاء، كالعبد الموصى برقبته لشخص، وبمنفعته لآخر. وعبد بيت المال، والموقوف على مسجد. والعبد العامل في ماشية، أو حائط. وقد فصّل الأقوال في الجميع الحافظُ وليّ الدين العراقيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "طرح التثريب"، فراجعه تستفد (١).
стр. 11961
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في أنّ إخراج زكاة الفطر عن الأنثى على من هو؟:
ذهب أبو حنيفة، وسفيان الثوريّ، وابن المنذر، وداود، وابن حزم، وابن الأشرس من المالكيّة إلى أن على المرأة إخراجَ زكاة الفطر من مال نفسها، سواء كانت متزوّجة، أم غير متزوّجة؛ عملاً بظاهر النصّ.
وذهب مالك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، والليث بن سعد إلى أن المتزوّجة تجب فطرتها على زوجها، وفي معناها الرجعيّة، والبائن، إن كانت حاملاً، دون ما إذا كانت حائلًا، فلو نشزت وقت الوجوب سقطت فطرتها عن الزوج. وقال أبو الخطّاب الحنبليّ: لا تسقط. فلو كان الزوج معسرًا، فالأصحّ في مذهب الشافعيّ أنه إن كانت الزوجة أمة وجبت فطرتها على سيّدها، وإن كانت حرّة لم يجب عليها شيء، وهو الذي نصّ عليه الشافعيّ. وفرّقوا بينهما بكمال تسليم الحرّة نفسها، بخلاف الأمة. وأوجبت الحنابلة على الحرّة فطرة نفسها في هذه الصورة.
وتمسّك هؤلاء الذين أوجبوها على الزوج بالقياس على النفقة، واستأنسوا بما رُوي عن ابن عمر ﵄ قال: "أمر رسول اللَّه ﷺ بزكاة الفطر عن الصغير" والكبير، والحرّ، والعبد، ممن تمونون". روه الدارقطنيّ، والبيهقيّ، وقال: إسناده غير قويّ. ورواه البيهقيّ أيضًا من رواية جعفر بن محمد، عن أبيه، عن النبيّ ﷺ ، مرسلاً، وفي رواية عن عليّ ﵁، عن النبيّ ﷺ ، مرسلاً أيضًا. قال النوويّ في "شرح المهذّب": الحاصل أن هذه اللفظة: "ممن تمونون" ليست بثابتة انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما ذهب إليه الأولون من أن إخراج زكاة الفطر على المرأة في مالها، لا على الزوج، هو الصواب؛ لأن الوجوب عليها بنصّ الحديث، فلا يجب الإخراج على غيرها، وهو الزوج، وحجة من أوجب على الزوج هو القياس على النفقة، والقياس في مقابلة النصّ غير صحيح، ومن حجتهم أيضًا الحديث المذكور، وقد عرفت أنه لا يثبت، فلا يصلح للاحتجاج به. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 11962
٣٢ - (بَابُ فَرْضِ زَكَاةِ رَمَضَانَ عَلَى الصَّغِيرِ)
٢٥٠٢ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, قَالَ: "فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , زَكَاةَ رَمَضَانَ, عَلَى كُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ, حُرٍّ وَعَبْدٍ, ذَكَرٍ (١) وَأُنْثَى, صَاعًا مِنْ تَمْرٍ, أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح:
وتقدّموا غير مرّة. والسند من رباعيات المصنّف، وهو (١٢٨) من رباعيات الكتاب، وهو أصح الأسانيد مطلقًا، على ما نقل عن الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى-، وهم مدنيون، إلا شيخه، فبغلانيّ.
والحديث متفق عليه، وقد تقدّم الكلام عليه، وعلى مسائله مُستوفًى فيما مضى، وأذكر هنا ما يتعلق بما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان اختلاف أهل العلم في إخراج زكاة الفطر عن الصغير، فأقول:
(مسألة): اختلفوا في إخراج زكاة الفطر عن الصغير الذي لم يبلغ، هل هي في ماله، إن كان له مالٌ، أو هي على أبيه؟:
فذهب مالكٌ، والشافعيّ، وأحمد، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، والجمهور إلى أنها في ماله، إن كان له مالٌ، فإن لم يكن له مالٌ، فعلى من عليه نفقته، من أبٍ وغيره.
وقال محمد بن الحسن: هي على الأب مطلقًا، ولو كان للصغير مالٌ. وقال ابن حزم: هي في مال الصغير، إن كان له مالٌ، فإن لم يكن له شيء سقطت عنه، ولا تجب على أبيه. وقد حكى ابن المنذر الإجماع على خلافه. وقال ابن العربيّ: لا خلاف بين الناس أن الابن الصغير إذا كان له مالٌ أن زكاة الفطر تُخرج من ماله انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما ذهب إليه الأولون من أنها تجب في مال الصبيّ، إن كان له مالٌ، وإلا فعلى من تلزمه نفقته هو الأرجح عندي. واللَّه تعالى أعلم.
وقال الشافعيّة: لا يختصّ ذلك بالصغير، بل متى وجبت نفقة الكبير بزمانة، ونحوها، وجبت فطرته، فلو كان الابن الكبير في نفقة أبيه، فوجد قوته ليلة العيد ويومه لم تجب فطرته على الأب؛ لسقوط نفقته عنه في وقت الوجوب، ولا على الابن؛
стр. 11963
لإعساره، وكذا الابن الصغير، إذا كان كذلك في الأصحّ.
وحكوا عن سعيد بن المسيّب، والحسن البصريّ أنها لا تجب إلا على من صلّى، وصام. وعن عليّ بن أبي طالب ﵁ أنها لا تجب إلا على من أطاق الصوم والصلاة.
قال الماورديّ: وبمذهبنا قال سائر الصحابة، والتابعين، وجميع الفقهاء انتهى. ذكره وليّ الدين (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحكاية المذكورة عن عليّ، وابن المسيّب، والحسن ما أظنها تصحّ، وإن صحّت فلا يُلتفت إليها؛ حيث إنها تصادم صريح النصّ عن رسول اللَّه ﷺ ، بقوله: "على الكبير والصغير" من غير فرق بين من أطاق الصوم والصلاة، ومن لم يطق. واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: من أغرب ما ذكره ابن حزم في هذه المسألة أنه قال: تجب زكاة الفطر على الجنين، مستدلاً بذكر الصغير في هذا الحديث، وقال: الجنين يقع عليه اسم صغير، ثم استدلّ بحديث ابن مسعود ﵁ في "الصحيحين": يُجمَع خلق أحكم في بطن أربعين يومًا، ثم يكون عَلَقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث اللَّه إليه ملكًا …
وفيه: "ثم ينفخ فيه الروح" … الحديث". ثم قال: هو قبل ما ذكرنا موات، فلا حكم على ميت، وأما إذا كان حيًّا، فكلّ حكم وجب على الصغير، فهو واجب عليه، ثم ذكر من رواية بكر بن عبد اللَّه المزنيّ، وقتادة أن عثمان ﵁ كان يُعطي صدقة الفطر عن الصغير، والكبير، حتى عن الحمل في بطن أُمّه. وعن أبي قلابة، قال: كان يعجبهم أن يُعطوا زكاة الفطر عن الصغير، والكبير، حتى عن الحمل في بطن أمّه. قال: وأبو قلابة أدرك الصحابة، وصحبهم، ورَوَى عنهم. وعن سليمان بن يسار أنه سئل عن الحمل، أيُزكَّى عنه؟ قال: نعم. قال: ولا يُعرف لعثمان في هذا مخالف من الصحابة انتهى.
فتعقّبه الحافظ العراقيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "شرح الترمذيّ" -وأصاب في ذلك- فقال: إنّ استدلاله بما استدلّ به على وجوب زكاة الفطر على الجنين في بطن أُمّه في غاية العجب:
أما قوله: "على الصغير، والكبير"، فلا يَفهَم عاقلٌ منه إلا الموجودين في الدنيا، أما المعدوم، فلا نعلم أحدًا أوجب عليه.
وأما حديث ابن مسعود، فلا يَطّلع على ما في الرحم إلا اللَّه، كما قال: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ [لقمان: ٣٤]، وربما يُظنّ حملها، وليس يحمل، وقد قال إمام
стр. 11964
الحرمين: لا خلاف في أنّ الحمل لا يُعلم، وإنما الخلاف في أنه يعامل معاملة المعلوم، بمعنى أنه يؤخّر له ميراث؛ لاحتمال وجوده، ولم يختلف العلماء في أنّ العمل لا يملك شيئًا في بطن أمّه، ولا يُحكم على المعدوم حتى يظهر وجوده.
قال: وأما استدلاله بما ذكر عن عثمان وغيره، فلا حجّة فيه؛ لأن أثر عثمان منقطع، فإن بكرًا، وقتادة روايتهما عن عثمان مرسلةٌ، والعجب أنه لا يحتجّ بالموقوفات، ولو كانت صحيحة متّصلة.
وأما أثر أبي قلابة فَمَنِ الذين يُعجبهم ذلك؟، وهو لو سمّى جمعًا من الصحابة لما كان ذلك حجّة. وأما سليمان بن يسار، فلم يثبت عنه، فإنه من رواية رجل لم يُسمّ، عنه، فلم يثبت فيه خلاف لأحد من أهل العلم، بل قول أبي قلابة: كان يُعجبهم ظاهر في عدم وجوبه، ومن تبرّع بصدقة عن حمل، رجاء حفظه، وسلامته، فليس عليه فيه بأس.
وقد نُقِلَ الاتفاقُ على عدم الوجوب قبل مخالفة ابن حزم، فقال ابن المنذر: ذَكَرَ كلُّ من يُحفظ عنه العلم، من علماء الأمصار أنه لا يجب على الرجل إخراج زكاة الفطر عن الجنين في بطن أمّة، وممن حُفظ ذلك عنه: عطاء بن أبي رباحٍ، ومالكٌ، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وكان أحمد بن حنبل يستحبّ ذلك، ولا يوجبه، ولا يصحّ عن عثمان خلاف ما قلناه انتهى.
وعن أحمد بن حنبل رواية أخرى بوجوب إخراجها عن الجنين (١). وقال ابن عبد البرّ: فيمن وُلد له مولود بعد يوم الفطر لم يختلف قول مالك أنه لا يلزم فيه شيء، قال: وهذا إجماع منه، ومن سائر العلماء، ثم أشار إلى أن ما ذُكر عن مالك، وغيره من الإخراج عمن وُلد في بقيّة يوم الفطر محمول على الاستحباب. وكذا ما حكاه عن الليث فيمن وُلد له مولود بعد صلاة الفطر أن على أبيه زكاة الفطر عنه، قال: وأُحِبّ ذلك للنصرانيّ يُسلم ذلك الوقت، ولا أراه واجبًا عليه.
قال الحافظ العراقيّ: فقد صرّح الليث فيه بعدم الوجوب، ولو قيل بوجوبه لم يكن بعيدًا؛ لأنه يمتدّ وقت إخراجها إلى آخر يوم الفطر، قياسًا على الصلاة، يُدرَك وقت أدائها.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: في قوله: يمتدّ وقت إخراجها قياسًا الخ نظر لا يخفى؛ لأن النبيّ ﷺ قال: "من أدّاها قبل الصلاة، فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد
стр. 11965
الصلاة، فهي صدقة من الصدقات" رواه أبو داود وابن ماجه بإسناد حسن. وهو ظاهر في كون ما بعد الصلاة ليس وقتًا لها، والقياس في مقابلة النصّ فاسد الاعتبار. فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
قال: ومع كون ابن حزم قد خالف الإجماع في وجوبها على الجنين، فقد تناقض كلامه، فقال: إن الصغير لا يجب على أبيه زكاة الفطر عنه، إلا أن يكون له مالٌ، فيُخرج عنه من ماله، فإن لم يكن له مالٌ لم يجب عليه حينئذ، ولا بعد ذلك، فكيف لا يوجب زكاته على أبيه، والولد حيّ موجود، ويوجبها، وهو معدوم، لم يوجد؟.
فإن قلت: يُحمل كلامه على ما إذا كان للحمل مالٌ. قلت: كيف يمكن أن يكون له مالٌ، وهو لا يصحّ تمليكه، ولو مات من يرثه العمل لم نملّكه، وهو جنين، فلا يوسف بالملك إلا بعد أن يولد، وكذلك النفقة الصحيح أنها تجب للأمّ الحامل، لا للحمل، ولو كانت للحمل لسقطت بمضيّ الزمان، كنفقة القريب، وهي لا تسقط انتهى كلام الحافظ العراقيّ -رحمه اللَّه تعالى- (١) وهو بحث نفيس في الجملة. واللَّه تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٣٣ - (فَرْضُ زَكَاةِ رَمَضَانَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، دُونَ الْمُعَاهِدِينَ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "دون المعاهدين": أي دون الذّمّيّين. ويجوز ضبط "المعاهدين" بصيغة اسم الفاعل، وبصيغة اسم المفعول. قال الفيّوميّ ﵀ تعالى: والعَهْدُ: الأَمَانُ، والْمَوْثِقُ، والذّمّةُ، ومنه قيل للحربيّ يدخُلُ بالأمان: ذو عهد، ومُعاهد أيضًا بالبناء للفاعل، والمفعول؛ لأن الفعل من اثنين، فكلّ واحد يفعل بصاحبه، مثل ما يفعله صاحبه به، فكلّ واحد في المعنى فاعلٌ، ومفعولٌ، وهذا كما يُقالُ: مكاتِبٌ، ومكاتَبٌ، ومضارِبٌ، ومضارَبٌ، وما أشبه ذلك. والمعاهَدَةُ: المعاقَدَةُ، والمحالَفَةُ انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
стр. 11966
٢٥٠٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ, وَاللَّفْظُ لَهُ, عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ, قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ, عَلَى النَّاسِ, صَاعًا مِنْ تَمْرٍ, أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ, عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ, ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى, مِنَ الْمُسْلِمِينَ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد عندهم رجال الصحيح، سوى شيخه الحارث، وهو ثقة حافظ.
والحديث متفق عليه، وقد تقدّم الكلام عليه مستوفًى، وإنما أتكلّم هنا في زيادة لفظة: "من المسلمين"، وفيما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو عدم وجوب زكاة الفطر على الذّمّيّ، فيكون البحث في مسألتين فقط:
(المسألة الأولى): في الكلام على زيادة "من المسلمين" في هذا الحديث:
(اعلم): أنه ذَكَرَ غير واحد أن مالكًا تفرّد بها من بين الثقات، فقال الترمذيّ في "العلل" التي في آخر "الجامع": وربّ حديث إنما يُستغرب لزيادة تكون في الحديث، وإنما يصحّ إذا كانت الزيادة ممن يُعتمد على حفظه، مثل ما رَوَى مالك، عن نافع، عن ابن عمر، فذكر هذا الحديث، قال: وزاد مالكٌ في هذا الحديث "من المسلمين". قال: وقد رَوَى أيوب السختيانيّ، وعُبيد اللَّه بن عُمر، وغير واحد من الأئمّة هذا الحديث، عن نافع، عن ابن عُمر، ولم يذكروا فيه "من المسلمين". وقد روى بعضهم عن نافع مثل رواية مالك، ممن لا يُعتمد على حفظه. وتبعه على ذلك ابن الصلاح في "علوم الحديث".
قال الحافظ العراقيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "شرح الترمذيّ": ولم ينفرد مالك بقوله: "من المسلمين"، بل قد رواه جماعة ممن يُعتمد على حفظهم، واختُلف على بعضهم في زيادتها، وهم عشرة، أو أكثر (١)، منهم:
عمر بن نافع، والضحّاك بن عثمان، وكَثِير بن فَرْقَد، والمعلّى بن إسماعيل، ويونس ابن يزيد، وابن أبي ليلى، وعبد اللَّه بن عمر العمريّ، وأخوه عُبيد اللَّه بن عمر، وأيوب السختيانيّ، على اختلاف عنهما في زيادتها.
فأما رواية عمر بن نافع، عن أبيه، فأخرجها البخاريّ في "صحيحه". وأما رواية الضحّاك بن عثمان، فأخرجها مسلم في "صحيحه". وأما رواية كثير بن فَرْقَد، فرواها الدارقطنيّ في "سننه"، والحاكم في "المستدرك"، وقال: إنه صحيح على شرطهما.
стр. 11967
وأما رواية المعلّى بن إسماعيل، فرواها ابن حبّان في "صحيحه"، والدارقطنيّ في "سننه". وأما رواية يونس بن يزيد، فرواها الطحاويّ في "بيان المشكل". وأما رواية ابن أبي ليلى، وعبد اللَّه بن عمر العمريّ، وأخيه عبيد اللَّه بن عمر التي أتى فيها بزيادة قوله: "من المسلمين"، فرواها الدارقطنيّ في "سننه". وأما رواية أيوب السختيانيّ، فذكرها الدارقطنيّ في "سننه"، وأنها رُويت عن ابن شَوْذَب، عن أيوب، عن نافع انتهى كلام الحافظ العراقيّ -رحمه اللَّه تعالى-.
وقال الحافظ في "الفتح": قال ابن عبد البرّ: لم يَختلف الرواة عن مالك في هذه الزيادة، إلا أنّ قتيبة بن سعيد، رواه عن مالك بدونها، وأطلق أبو قلابة الرقَاشِيّ، ومحمد بن وضّاح، وابن الصلاح، ومن تبعه أن مالكًا تفرّد بها، دون أصحاب نافع.
وهو متعقّبٌ برواية عمر بن نافع المذكورة في "صحيح البخاريّ". وكذا أخرجه مسلمٌ من طريق الضحّاك بن عثمان، عن نافع بهذه الزيادة. وقال أبو عوانة في "صحيحه": لم يقل فيه: "من المسلمين" غير مالك، والضحّاك. ورواية عمر بن نافع تردّ عليه أيضًا.
وقال أبو داود بعد أن أخرجه من طريق مالك، وعمر بن نافع: رواه عبد اللَّه العمريّ، عن نافع، فقال: "على كلّ مسلم". ورواه سعيد بن عبد الرحمن الْجُمَحِيّ، عن عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع، فقال فيه: "من المسلمين". والمشهور عن عبيد اللَّه، ليس فيه "من المسلمين" انتهى.
وقد أخرجه الحاكم في "المستدرك" من طريق سعيد بن عبد الرحمن المذكورة. وأخرجه الدارقطنيّ، وابن الجارود من طريق عبد اللَّه العمريّ.
وقال الترمذيّ في "الجامع" بعد رواية مالك: رواه غير واحد عن نافع، ولم يذكروا فيه "من المسلمين". وقال في "العلل" التي في آخر "الجامع": روى أيوب، وعُبيد اللَّه ابن عمر، وغير واحد من الأئمّة هذا الحديث عن نافع، ولم يذكروا فيه "من المسلمين". وروى بعضهم عن نافع مثل رواية مالك، ممن لا يُعتمد على حفظه انتهى.
وهذه العبارة أولى من عبارته الأولى، ولكن لا يُدرى مَن عَنَى بذلك.
وقال النوويّ في "شرح مسلم": رواه ثقتان غير مالك: عمر بن نافع، والضحّاك انتهى.
قال الحافظ: وقد وقع لنا من رواية جماعة غيرهما، منهم: كثير بن فَرْقَد، عند الطحاويّ، والدارقطنيّ، والحاكم. ويونسُ بن يزيد عند الطحاويّ. والْمُعَلَّى بن إسماعيل عند ابن حبّان في "صحيحه". وابنُ أبي ليلى عند الدارقطنيّ، أخرجه من طريق عبد الرزاق، عن الثوريّ، عن ابن أبي ليلى، وعبيدِ اللَّه بنِ عمر، كلاهما عن
стр. 11968
نافع. وهذه الطريق تردّ على أبي داود في إشارته إلى أنّ سعيد بن عبد الرحمن تفرّد بها عن عبيد اللَّه بن عمر، لكن يحتمل أن يكون بعض رواته حمل لفظ ابن أبي ليلى على لفظ عبيد اللَّه.
وقد اختُلف فيه على أيوب أيضًا، كما اختُلف على عبيد اللَّه بن عمر، فذكر ابن عبد البرّ أن أحمد بن خالد ذكر عن بعض شيوخه، عن يوسف القاضي، عن سليمان بن حرب، عن حمّاد، عن أيوب، فذكر فيه "من المسلمين". قال ابن عبد البرّ: وهو خطأٌ، والمحفوظ فيه عن أيوب ليس فيه "من المسلمين" انتهى.
وقد أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" من طريق عبد اللَّه بن شَوْذَب، عن أيوب، وقال فيه أيضًا: "من المسلمين".
قال الحافظ: وذكر شيخنا سراج الدين ابن الملَقّن في "شرحه" تبعًا لمغلطاي أن البيهقيّ أخرجه من طريق أيوب بن موسى، وموسى بن عقبة، ويحيى بن سعيد، ثلاثتهم، عن نافع، وفيه الزيادة. وقد تتبعّتُ تصانيف البيهقيّ، فلم أجد فيها هذه الزيادة من رواية أحد من هؤلاء الثلاثة.
وفي الجملة ليس فيمن رَوَى هذه الزيادة أحدٌ مثلُ مالك؛ لأنه لم يُتّفق على أيوب، وعبيد اللَّه في زيادتها، وليس في الباقين مثل يونس، لكن في الراوي عنه، وهو يحيى بن أيوب مقال. انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحاصل أن القول بأن مالكًا -رحمه اللَّه تعالى- تفرّد بزيادة "من المسلمين" غير صحيح، فقد تابعه جماعة من الرواة الذين تقدّم ذكرهم آنفًا، إلا إذا أراد من قال ذلك أن هؤلاء الذين تابعوا مالكًا ليسوا مثله، أو لم يُتَّفقْ عليهم كما اتُّفِقَ عليه، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم في وجوب زكاة الفطر على الكافر:
(اعلم): أن زيادة "من المسلمين" في حديث الباب تدلّ على اشتراط الإسلام في وجوب زكاة الفطر، ومقتضاه أنها لا تجب على الكافر، عن نفسه، وهو متّفقٌ عليه، وهل يُخرجها عن غيره، كمستولدته المسلمة مثلاً؟ نقل ابن المنذر فيه الإجماع على عدم الوجوب، لكن فيه وجه للشافعيّة، ورواية عن أحمد، وهل يُخرجها المسلم عن عبده الكافر؟ قال الجمهور: لا، خلافًا لعطاء، والنخعيّ، والثوريّ، والحنفيّة، وإسحاق، واستدلُّوا بعموم قوله: "ليس على المسلم في عبده صدقةٌ، إلا صدقة الفطر".
وأجاب الآخرون بأن الخاصّ يقضي على العامّ، فعموم قوله: "في عبده" مخصوصٌ بقوله: "من المسلمين".
стр. 11969
وقال الطحاويّ: قوله: "من المسلمين" صفةٌ للمخرجِين، لا للمخرَجِ عنهم. وظاهر الحديث يأباه؛ لأن فيه العبد، والصغير في رواية عمر بن نافع، وهما ممن يُخرَجُ عنه، فدلّ على أنّ صفة الإسلام لا تختصّ بالمخرِجِين. ويؤيّده رواية الضّحّاك عند مسلم، بلفظ: "على كلّ نفسٍ، من المسلمين، حرٍّ، أو عبدٍ … " الحديث.
وقال القرطبيّ: ظاهر الحديث أنه قصد بيان مقدار الصدقة، ومن تجب عليه، ولم يقصد فيه بيان من يُخرجها عن نفسه، ممن يُخرجها عن غيره، بل شمل الجميع.
ويؤيّده حديث أبي سعيد الآتي (١)، فإنه دالّ على أنهم كانوا يُخرجون عن أنفسهم، وعن غيرهم؛ لقوله فيه: "عن كلّ صغير، وكبير". لكن لا بدّ من أن يكون بين المخرِج، وبين الغير ملابسةٌ، كما بين الصغير ووليّه، والعبد وسيّده، والمرأة وزوجها.
وقال الطيبيّ: قوله: "من المسلمين" حال من العبد، وما عُطف عليه، وتنزيلها على المعاني المذكورة أنها جاءت مزدوجة على التضادّ؛ للاستيعاب، لا للتخصيص، فيكون المعنى: فرض على جميع الناس، من المسلمين. وأما كونها فيم وجبت، وعلى من وجبت؟ فيُعلم من نصوص أخرى انتهى.
ونقل ابن المنذر أن بعضهم احتجّ بما أخرجه من حديث ابن إسحاق، "حدثني نافع أن ابن عمر كان يُخرج عن أهل بيته، حرِّهم، وعبدِهم، صغيرِهم، وكبيرهم، مسلمهم، وكافرهم، من الرقيق". قال: وابن عمر راوي الحديث، وقد كان يخرج عن عبده الكافر، وهو أعرف بمراد الحديث. وتعقّب بأنه لو صحّ حُمِل على أنه كان يخرج عنهم تطوّعًا، ولا مانع منه.
واستُدلّ بعموم قوله: "من المسلمين" على تناولها لأهل البادية -وهو الحقّ-، خلافًا للزهريّ، وربيعة، والليث في قولهم: إنّ زكاة الفطر تختصّ بالحاضرة. ذكره في "الفتح" (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما ذهب إليه الجمهور من عدم وجوب إخراج زكاة
стр. 11970
الفطر عن العبد الكافر هو الأرجح عندي؛ عملاً بالحديثين، فيُخصَّصُ عموم قوله ﷺ : "ليس على المسلم في عبده صدقة، إلا صدقة الفطر بقوله ﷺ : "من المسلمين" في حديث الباب، فالعمل بهما متعيّنٌ بالوجه المذكور، وإلا أدّى إلى إلغاء أحد النصّين، مع إمكان العمل بهما. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٥٠٤ أ- (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّكَنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَهْضَمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ, عَنْ عُمَرَ بْنِ نَافِعٍ, عَنْ أَبِيهِ,, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ, صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ, عَلَى الْحُرِّ وَالْعَبْدِ, وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى, وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ, مِنَ الْمُسْلِمِينَ, وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى, قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و"يحيى بن محمد بن السكن" البصريّ، نزيل بغداد، صدوق [١١] ٦٠/ ١٧٧٠.
و"محمد بن جَهْضَم" البصريّ خراسانيّ الأصل، صدوق [١٠] ٦٠/ ١٧٧٠.
و"إسماعيل بن جعفر" بن أبي كثير المدنيّ، ثقة ثبت [٨] ١٦/ ١٧.
والحديث متفق عليه، وقد تقدّم الكلام عليه في الذي قبله، وسيأتي الكلام على قوله: "وأمر بها أن تُؤَدَّى قبل خروج الناس إلى الصلاة" في -٤٥/ ٢٥٢١ - إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٣٤ - (كَمْ فُرِضَ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: و"فرض" يحتمل أن يكون مبنيًّا للمفعول، ونائب فاعله ضمير "زكاة الفطر"، وذكّره بتأيله بالْمُؤَدَّى. ويحتمل أن يكون مبنيًّا للفاعل، وفاعله ضمير رسول اللَّه ﷺ . واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٥٠٥ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا عِيسَى, قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, قَالَ: "فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , صَدَقَةَ الْفِطْرِ, عَلَى الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ, وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى, وَالْحُرِّ وَالْعَبْدِ, صَاعًا مِنْ تَمْرٍ, أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد عندهم رجال الصحيح: وقد تقدّموا غير مرّة. و"عيسى": هو ابن يونس ابن أبي إسحاق السبيعيّ الكوفيّ. و"عبيد اللَّه": هو
стр. 11971
ابن عمر العمريّ المدنيّ الفقيه الحجة الثبت. والحديث متفق عليه، وقد تقدّم الكلام عليه مستوفًى قريبًا، وإنما أذكر هنا ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان مقدار زكاة الفطر، فأقول:
(مسألة): اختَلَفَ أهلُ العلم في مقدار المخرَج في زكاة الفطر، فذهب مالك، والشافعيّ، وأحمد، وجمهور العلماء، من السلف، والخلف إلى أن الواجب إخراجه في زكاة الفطر صاع، من أيّ جنس أُخرج. وحكاه ابن المنذر عن الحسن البصريّ، وأبي العالية، وجابر بن زيد، وإسحاق بن راهويه. قال ابن قُدامة: وروي عن أبي سعيد الخدريّ انتهى.
وقال أبو حنيفة: إنما يُخرِج صاعًا، إذا أَخرج تمرًا، أو شعيرًا، فأما إذا أخرج قَمْحًا، أو دقيقه، أو سويقه، فالواجب نصف صاع، وعنه في الزبيب روايتان: أشهرهما عنه أنه مثل القَمْح، فيُخرج منه نصف صاع. والثانية: أنه كالشعير، فيخرج منه صاعًا، وبه قال أبو يوسف، ومحمد. وحكاه ابن المنذر عن سفيان الثوريّ، وأكثر أهل الكوفة، غير أبي حنيفة. قال: وروينا عن جماعة من الصحابة، والتابعين أنه يجزئ نصف صاع من البرّ، روينا ذلك عن أبي بكر، وعثمان، وليس يثبت ذلك عنهما، وعن عليّ، وابن مسعود، وجابر بن عبد اللَّه، وأبي هريرة، وابن الزبير، ومعاوية، وأسماء. وبه قال سعيد بن المسيّب، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وعمر بن عبد العزيز، ورُوي ذلك عن سعيد بن جبير، وعروة بن الزبير، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وأبي قلابة، وعبد اللَّه ابن شدّاد، ومصعب بن سعد. واختُلف فيه عن عليّ، وابن عبّاس، والشعبيّ، فروي عن كلّ منهم القولان جميعًا انتهى.
قال وليّ الدين: وهو قول في مذهب مالك أنه يُجزىء من القمح نصف صاع.
واحتجّ هؤلاء بما في "سنن أبي داود" عن ثعلبة بن أبي صُعير، عن أبيه، عن النبيّ ﷺ ، أنه قال: "صاع من قَمْح، على كلّ اثنين" (١). وعن ابن عبّاس ﵄: "فرض رسول اللَّه ﷺ هذه الصدقة، صاعًا من تمر، أو شعير، أو نصف صاع قَمْح".
стр. 11972
وروى الترمذيّ عن عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جدّه، أن النبيّ ﷺ بعث مناديًا في فِجاج مكّة: ألا إن صدقة الفطر واجبة على كلّ مسلم، ذكر، أو أنثى، حرّ، أو عبد، صغير، أو كبير، مدّان من قَمْحٍ، أو سواه صاعٌ من طعام". قال الترمذيّ: حسنٌ غريبٌ (١).
واحتجّ الأوّلون بأن في بعض طرُق حديث ابن عمر "صاعًا من بُرّ"، وهذه زيادة يجب الأخذ بها. وروي أيضًا من حديث عليّ، وزيد بن ثابت. وفي "الصحيحين" عن أبي سعيد الخدريّ ﵁: كنّا نعطيها في زمان رسول اللَّه ﷺ صاعًا من طعام، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من زبيب، فلما جاء معاوية، وجاءت السَّمْرَاء، قال: أرى مدًّا من هذا يعدل مدّين". قال ابن عبد البرّ: ولم يختلف مَن ذكر الطعام في هذا الحديث أنه أراد به الحنطة. وثبت في "الصحيحين" في حديث ابن عمر: أمر النبيّ ﷺ بزكاة الفطر صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، فعجل الناس عدله مدّين من حنطة". وهذا صريح في أن إخراج نصف صاع من القَمح لم يكن في زمن النبيّ ﷺ ، وإنما حدث بعده. وأجابوا عن أحاديث نصف الصاع من القمح بأنها لا تثبت عن النبيّ ﷺ . قاله ابن المنذر (٢).
وقال في "الفتح": وقال ابن المنذر أيضًا: لا نعلم في القَمْح خبرًا ثابتًا عن النبيّ ﷺ ، يُعتَمد عليه، ولم يكن البرّ بالمدينة ذلك الوقت إلا الشيء اليسير منه، فلما كثر في زمن الصحابة رأوا أن نصف صاع منه يقوم مقام صاع من شعير، وهم الأئمّة، فغير جائز أن يُعدل عن قولهم إلا إلى قول مثلهم، ثم أسند عن عثمان، وعليّ، وأبي هريرة، وجابر، وابن عبّاس، وابن الزبير، وأمّه أسماء بنت أبي بكر بأسانيد صحيحة أنهم رأوا أن في زكاة الفطر نصف صاع من قمح انتهى. وهذا مصيرٌ منه إلى اختيار ما ذهب إليه الحنفيّة. لكن حديث أبي سعيد دالّ على أنه لم يوافق على ذلك، وكذلك ابن عمر، فلا إجماع في المسألة، خلافًا للطحاويّ. وكان الأشياء التي ثبت ذكرها في حديث أبي سعيد لَمّا كانت متساويةً في مقدار ما يخرج منها مع ما يُخالفها في القيمة دلّ على أنّ إخراج هذا المقدار من أيّ جنس كان، فلا فرق بين الحنطة وغيرها. هذه حجّة الشافعيّ. وأما من جعله نصف صاع منها بدل صاع من شعير، فقد فعل ذلك بالاجتهاد بناءً منه على أن
стр. 11973
قيم ما عدا الحنطة متساوية، وكانت الحنطة إذ ذاك غالية الثمن، لكن يلزم على قولهم أن تعتبر القيمة في كلّ زمان، فيختلف الحال، ولا ينضبط، وربّما لزم في بعض الأحيان إخراج آصُعٍ من حنطة، ويدلّ على أنهم لحظوا ذلك ما رَوَى جعفر الفريابيّ في "كتاب صدقة الفطر" أن ابن عبّاس لما كان أمير البصرة أمرهم بإخراج زكاة الفطر، وبيّن لهم أنها صاع من تمر، إلى أن قال: أو نصف صاع من برّ. قال: فلما جاء عليّ، ورأى رخص أسعارهم، قال: اجعلوها صاعًا من كلّ. فدلّ على أنه كان ينظر إلى القيمة في ذلك، ونظر أبو سعيد إلى الكيل. انتهى (١)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي الأحوط أن يُخرح من الحنطة صاعًا، وإن أخرج نصف صاع تبعًا لما نُقل عن جلّ الصحابة، كما تقدّم، فلا مانع؛ لأنه اجتهاد منهم لم يصادم نصًّا صحيحًا، إذ لم يصحّ عن النبيّ ﷺ في صاع البرّ، ولا نصفه شيء يُعتمد عليه.
وأما دعوى الإجماع من الصحابة على نصف صاع من برّ، كما زعمه الزيلعيّ وغيره فغير صحيح؛ لصحة مخالفة أبى سعيد الخدريّ، وابن عمر ﵃. فلا إجماع مع مخالفتهما. فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب".
…
٣٥ - (بَابُ فَرْضِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ قَبْلَ نُزُولِ الزَّكَاةِ)
٢٥٠٦ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ, عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ, عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ, عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ, عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ (٢) , قَالَ: "كُنَّا نَصُومُ عَاشُورَاءَ, وَنُؤَدِّي زَكَاةَ الْفِطْرِ, فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ, وَنَزَلَتِ الزَّكَاةُ, لَمْ نُؤْمَرْ بِهِ, وَلَمْ نُنْهَ عَنْهُ, وَكُنَّا نَفْعَلُهُ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (إسماعيل بن مسعود) الجَحْدَرِيُّ البصريّ، ثقة [١٠] ٤٢/ ٤٧.
стр. 11974
٢ - (يزيد بن زريع) أبو معاوية البصري، ثقة ثبت [٨] ٥/ ٥.
٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت [٧] ٢٤/ ٢٧.
٤ - (الحكم بن عتيبة) الكندي، أبو محمد الكوفي، ثقة ثبت، ربما دلس [٥] ٨٦/ ١٠٤.
٥ - (القاسم بن مخيمرة) الهمداني الكوفي، نزيل الشام، ثقة فاضل [٣] ٩٩/ ١٢٨.
٦ - (عمرو بن شُرَحبيل) الهمداني، أبو ميسرة الكوفي، ثقة عابد مخضرم [٢] ١٨٠/ ٢٨٥.
٧ - (قيس بن سعد) بن عُبادة الخزرجي الأنصاري الصحابي ابن الصحابي، مات سنة ستين تقريبًا، وقيل: بعد ذلك، وتقدَّم في ٤٦/ ١٩٢١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وهو ثقة. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين غير شيخه. (ومنها): أنَّ فيه ثلاثةً من التابعين يروي بعضهم عن بعض: الحَكَم، عن القاسم، عن عمرو. (ومنها): أن الثلاثة الأولين بصريون، والباقون كوفيّون، إلا الصحابيّ، فمدنيٌّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ) ﵄ أنه (قَالَ: "كُنَّا نَصُومُ عَاشُورَاءَ) أي اليوم العاشر من المحرم (وَنُؤَدِّي زَكَاةَ الْفِطْرِ، فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ) أي نزل وجوب صومه، وكان وجوبه في شعبان من السنة الثانية من الهجرة، فقد أخرج ابن سعد في "الطبقات" بسنده عن عائشة، وابن عمر، وأبي سعيد الخدريّ ﵃، قالوا: فُرض صوم رمضان بعد ما حُوّلت القبلة إلى الكعبة بشهر، في شعبان، على رأس ثمانية عشر شهرًا، من مُهاجَر رسول اللَّه ﷺ ، وأمر عليه ﵇ في هذه السنة بزكاة الفطر، وذلك قبل أن يُفرض الزكاة في الأموال، وأن يُخرَج عن الصغير، والكبير، والذكر والأنثى، والحرّ والعبد، صاع من تمر، أو صاع من زبيب، أو مدّان من بُرّ، وأمر بإخراجها قبل الغدوّ إلى الصلاة، وقال: "أغنُوهم -يعني المساكين- عن الطواف هذا اليوم" انتهى (١). وفي إسناده الواقديّ، وهو متروك.
(وَنَزَلَتِ الزَّكَاةُ) أي نزل وجوب أداء زكاة المال (لَمْ نُؤْمَرْ بِهِ) الظاهر أن الضمير راجع
стр. 11975
إلى المذكور، من كلِّ من عاشوراء، والزكاة، أي لم نؤمر بصوم عاشوراء، وأداء زكاة الفطر (وَلَمْ نُنْهَ عَنْهُ) أي عن كلّ مما ذُكر (وَكُنَّا نَفْعَلُهُ) وفي الرواية التالية: "أمرنا رسول اللَّه ﷺ بصدقة الفطر قبل أن تَنزل الزكاة، فلمّا نزلت الزكاة، لم يأمرنا، ولم ينهنا، ونحن نفعله". وأخرجه أحمد في "مسنده"، فقال:
٢٣٣٢٨ - حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن القاسم بن مخيمرة، عن أبي عمار، قال: سألت قيس بن سعد، عن صدقة الفطر؟ فقال: "أمرنا رسول اللَّه ﷺ ، قبل أن تنزل الزكاة، ثم نزلت الزكاة، فلم ننه عنها، ولم نؤمر بها، ونحن نفعله". وسألته عن صوم عاشوراء؟ فقال: "أمرنا رسول اللَّه ﷺ ، قبل أن ينزل رمضان، ثم نزل رمضان، فلم نؤمر به، ولم ننه عنه، ونحن نفعله".
وقد استدلّ به من قال: إن وجوب زكاة الفطر نُسخ، وهو إبراهيم ابن عُليّة، وأبو بكر بن كيسان الأصمّ، وأشهب من المالكيّة، وابن اللبّان، من الشافعيّة. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وتُعُقّب بأن في إسناده راويًا مجهولًا.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هكذا قال الحافظ في "الفتح" جـ٤ ص ١٣٩ - : ولا أدري مَن هو الراوي المجهول في هذا السند، والسند الذي بعده؟، فإنهم كلّهم ثقات مشهورن، من رجال الصحيح، غير أبي عمّار، وهو عَرِيب بن حميد، وهو كوفيّ ثقة، فلتُراجَع تراجمهم من "تهذيب الكمال"، و"تهذيب التهذيب"، و"التقريب".
قال: وعلى تقدير الصّحّة، فلا دليل فيه على النسخ؛ لاحتمال الاكتفاء بالأمر الأول؛ لأن نزول فرض لا يوجب سقوط فرض آخر انتهى.
والحاصل أن فرض الزكاة لا يستلزم نسخ فرض صدقة الفطر، لأن النسخ إنما يثبت ببيان الشارع أن هذا الأمر بدل عن هذا الأمر، كما بَيّن ﷺ حينما فُرض رمضان أن وجوب صوم عاشوراء نُسخ، ففي حديث عائشة ﵂ عند الشيخين: أن قريشا كانت تصوم عاشوراء، في الجاهلية، ثم أمر رسول اللَّه ﷺ بصيامه، حتى فُرض رمضان، فقال رسول اللَّه ﷺ : "من شاء فليصمه، ومن شاء فليفطره".
فقد صرّح النبيّ ﷺ بنسخ وجوب صوم عاشوراء، وأما إذا أمر بشيء، ثم أمر بعده بشيء آخر، كما نحن فيه، فهيهات أن يُفهَم منه أن الأول منسوخ بالثاني، ولذا قال الصحابيّ هنا: وكنّا نفعله، أي لأن الأمر الأول باق، ولم يقل: فمنا من فعله، ومنا من تركه، كما صحّ ذلك في عاشوراء، ففي "الصحيحين": من حديث عائشة ﵂ أيضًا: "فلما فُرض رمضان، تُرك يوم عاشوراء، فمن شاء صامه، ومن شاء تركه".
فقد اتضح الفرق بين فرض صوم عاشوراء، حيثُ نُسخ، وفرض زكاة الفطر، حيث لم يُنسخ، وكان فعلُ الصحابة له بالأمر السابق، إذ هو باق لم يتغيّر عن صفته.