← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 12146–12185 · переход к 12151.

стр. 12146

(المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما بوّب له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو الحثّ على الصدقة (ومنها): استحباب المبادرة إلى الخير قبل فوات وقته (ومنها): أن فيه علمًا من أعلام النبوّة، حيث أخبر النبيّ ﷺ بما سيقع في آخر الزمان (ومنها): أن فيه دلالة على أن فتح الدنيا لا خير فيه؛ لأنه لو كان فيه خير لكان زمان النبيّ ﷺ ، وزمان أصحابه، والتابعين تُفتح فيه الدنيا أكثر من آخر الزمان، فدلّ على أنه من جملة الفتن التي تقع عند قرب الساعة، نسأل اللَّه تعالى أن يجنّبنا الفتن، ما ظهر منها، وما بطن، إنه سميع قريبٌ مجيب الدعوات، وغافر السيّئات آمين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ٦٥ - (الشَّفَاعَةُ فِي الصَّدقَةِ) أي هذا باب ذكر الحديثين الدّالّين على مشروعية الشفاعة في الصدقة، وأن ذلك ليس من المسألة المذمومة الآتي بيانها في باب "المسألة"، إن شاء اللَّه تعالى. ومعنى الشفاعة في الصدقة أن يشفع الشخص للفقير عند الغنيّ حتى يدفع إليه الصدقة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٥٥٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بُرْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ, عَنْ جَدِّهِ أَبِي بُرْدَةَ, عَنْ أَبِي مُوسَى, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «اشْفَعُوا, تُشَفَّعُوا, وَيَقْضِى اللَّهُ , عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا شَاءَ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن بشار) بندار البصريّ الثقة الحافظ [١٠] ٢٤/ ٢٧. ٢ - (يحيى) بن سعيد القطان الإمام الحجة الثبت [٩] ٤/ ٤. ٣ - (سفيان) بن سعيد الإمام المثبت الحجة [٧] ٣٣/ ٣٧. ٤ - (أبو بُرْدة) هو: بُريد بن عبد اللَّه بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعريّ الكوفيّ، ثقة يخطىء قليلًا [٦] ٢٥/ ١٥٠٣. ٥ - (أبو بردة) بن أبي موسى الأشعري الكوفي، اسمه: عامر، وقيل: الحارث، ثقة [٣] ٣/ ٣.

стр. 12147

٦ - (أبو موسى الأشعري) عبد اللَّه بن قيس بن سُليم بن حضار الصحابي الشهير، توفي سنة (٥٠) وقيل: بعدها، وتقدم ٣/ ٣. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله عندهم رجال الصحيح، وأن شيخه هو أحد التسعة الذين روى عنهم أصحاب الكتب الستة بلا واسطة. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين من سفيان، وشيخه، ويحيى بصريان. (ومنها): أن فيه رواية الراوي، عن جده، عن أبيه. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي مُوسَى) الأشعريّ - رضي اللَّه تعالى عنه - (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: "اشْفَعُوا") وفي رواية البخاريّ: "أنه كان إذا أتاه السائل، أو صاحب الحاجة قال: "اشفعوا، فلتؤجروا، ولْيَقْضِ اللَّهُ على لسان رسوله ما شاء". وفي رواية لمسلم: "كان إذا أتاه طالب حاجة أقبل على جلسائه، فقال: اشفعوا فلتؤجروا، وليقض اللَّه على لسان نبيه ما أحبّ". [تنبيه]: قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: وقع في أصل مسلم: "اشفعوا تؤجروا" بالجزم على جواب الأمر المضمّن معنى الشرط، وهو واضح، وجاء بلفظ: "فلتؤجروا"، وينبغي أن تكون هذه اللام مكسورةً؛ لأنها لام "كي"، وتكون الفاء زائدةً، كما زيدت في حديث: "قوموا فلأصلّ لكم"، ويكون معنى الحديث: اشفعوا كي تؤجروا. ويحتمل أن تكون لام الأمر، والمأمور به التعرّض للأجر بالشفاعة، فكأنّه قال: اشفعوا، فتعرّضوا بذلك للأجر، وتكسر هذه اللام على أصل لام الأمر، ويجوز تسكينها تخفيفًا؛ لأجل الحركة التي قبلها. قال الحافظ: ووقع في رواية أبي داود: "اشفعوا لتؤجروا"، وهو يقوّي أن اللام للتعليل. وجوّز الكرمانيّ أن تكون الفاء سببيّةً، واللام بالكسر، وهي لام "كي"، قال: وجاز اجتماعهما لأنهما لأمر واحد. ويحتمل أن تكون جزائيّةً جوابًا للأمر. ويحتمل أن تكون زائدةً على رأي، أو عاطفةً على "اشفعوا"، واللام لام الأمر، أو على مقدّر، أي اشفعوا لتؤجروا، فلتؤجروا، أو لفظ "اشفعوا تؤجروا" في تقدير: إن تشفعوا تؤجروا، والشرط يتضمّن السببيّة، فإذا أُتي باللام وقع التصريح بذلك. وقال الطيبيّ: الفاء، والسلام زائدتان للتأكيد؛ لأنه لو قيل: اشفعوا تؤجروا صحّ، أي إذا عَرَضَ المحتاجُ حاجته عليّ، فاشفعوا له إليّ، فإنكم إن شفعتم حصل لكم الأجر، سواء قَبِلتُ شفاعتكم، أم لا، ويُجرِي اللَّه تعالى على لسان نبيّه ﷺ ما شاء، أي من موجبات

стр. 12148

قضاء الحاجة، أو عدمها، أي إنْ قضيتُها، أو لم أقضها، فهو بتقدير اللَّه تعالى وقضائه (١). (تُشَفَّعُوا) بالبناء للمفعول، من التشفيع، أي تُقبَلْ شفاعتكم أحيانًا، فتكون سببًا لقضاء حاجة المحتاج، فإذا قصدتم ذلك يكون لكم أجر على الشفاعة. وفي رواية "الصحيحين": "اشفعوا تؤجروا"، وهي في حديث معاوية - رضي اللَّه تعالى عنه - التالي، وهي ظاهرة. والمعنى: اشفعوا يحصلْ لكم الأجر مطلقًا، سواء قُضيت الحاجة، أو لا. وما هنا أيضًا له وجه صحيحٌ، كما بينّاه آنفًا. واللَّه تعالى أعلم. (وَيَقْضِي اللَّهُ ) وفي رواية للبخاريّ: "وليقض اللَّه"، وفي رواية لمسلم: "فليقض". قال القرطبيّ: لا يصحّ أن تكون هذه اللام لام الأمر؛ لأنّ اللَّه لا يُؤمر، ولا لام "كي"؛ لأنه ثبت في الرواية "وليقض" بغير ياء مدّ، ثم قال: يحتمل أن تكون بمعنى الدعاء، أي اللَّهمّ اقض، أو الأمرُ هنا بمعنى الخبر. انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الوجه الثاني عندي أظهر. واللَّه تعالى أعلم. (عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ) ﷺ (مَا شَاءَ) أي إنّ اللَّه يقضي للمشفوع له على لسان نبيّه ﷺ ما شاء من قضاء حاجاته، أو عدم قضائها، يعني أن المطلوب منكم حصول الشاعة، حتى يحصل لكم الأجر، وأما قضاء الحاجة، وعدم قضائها فموكول إلى اللَّه . قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: فيه استحباب الشفاعة لأصحاب الحوائج المباحة، سواء كانت الشفاعة إلى سلطان، ووالٍ، ونحوهما، أو إلى أحد من الناس، وسواء كانت الشفاعة إلى سلطان في كفّ ظلم، أو إسقاط تعزيرٍ، أو في تخليص عطاء لمحتاج، أو نحو ذلك، وأما الشفاعة في الحدود فحرامٌ، وكذا الشفاعة في تتميم باطلٍ، أو إبطال حقّ، ونحو ذلك، فهي حرامٌ انتهى (٢). وقال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: وهذه الشفاعة المذكورة في الحديث هي في الحوائج، والرغبات للسلطان، وذوي الأمر والجاه، كما شهد به صدر الحديث، ومَسَاقه، ولا يخفى ما فيها من الأجر والثواب؛ لأنها من باب صنائع المعروف، وكشف الكرب، ومعونة الضعيف؛ إذ ليس كلّ أحد يقدر على الوصول إلى السلطان، وذوي الأمر، ولذلك كان النبيّ ﷺ يقول مع تواضعه، وقربه من الصغير والكبير؛ إذ كان لا يحتجب، ولا يُحجَبُ: "أبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغها" (٣). وهذا معنى قوله

стр. 12149

تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ الآية [النساء: ٨٥]. قال القاضي: ويدخل في عموم الحديث الشفاعة للمذنبين، فيما لا حدّ فيه عند السلطان وغيره، وله قبول الشفاعة فيه، والعفو عنه إذا رأى ذلك كلّه، كما له العفو عن ذلك ابتداء، وهذا فيمن كانت منه الزّلّة والفلتة، وفي أهل الستر، والعفاف، وأما المصرّون على فسادهم، المستهترون في باطلهم، فلا تجوز الشفاعة لأمثالهم، ولا تَركُ السلطان عقوبتهم ليزدجروا عن ذلك، وليرتدع غيرهم بما يُفعَلُ بهم، وقد جاء الوعيد بالشفاعة في الحدود انتهى كلام القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "وقد جاء الوعيد إلخ" أشار به إلى ما أخرجه أحمد، وأبو داود وغيرهما بإسناد صحيح عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا: "من حالت شفاعته دون حد من حدود اللَّه، فقد ضادّ اللَّه في أمره، ومن مات وعليه دين فليس ثمّ دينار ولا درهم، ولكنها الحسنات والسيئات، ومن خاصم في باطل، وهو يعلم لم يزل في سخط اللَّه حتى يَنْزع، ومن قال في مؤمن ما ليس فيه، حُبسَ في ردغة الخَبَال، حتى يأتي بالخرج مما قال" (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي موسى الأشعريّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٦٥/ ٢٥٥٦ - وفي "الكبرى" ٢٣٣٧/ ٦٧. وأخرجه (خ) في "الزكاة" ١٤٣٢ وفي "الأدب" ٦٠٢٧ و ٦٠٢٨ وفي "التوحيد" ٧٤٧٦ (م) في "البرّ والصلة" ٢٦٢٧ (د) في "الأدب" ٥١٣١ و ٥١٣٢ (ت) في "العلم" ٢٦٧٢ (أحمد) في "مسند الكوفيين" ١٩٠٨٧ و ١٩١٦٣ و ١٩٢٠٧. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو مشروعيّة الشفاعة في الصدقة (ومنها): الحضّ على الخير بالفعل، وبالتسبب إليه بكلّ وجه (ومنها): الشفاعة إلى الكبير في كشف كربة، ومعونة ضعيف؛ إذ ليس كلّ أحد يقدر على الوصول إلى الرئيس، أولا يتمكّن لو دخل عليه، في توضيح مراده له؛ ليعرف حاله على وجهه،

стр. 12150

وإلا فقد كان ﷺ -لا يحتجب، ولا يُحجب عن ذوي الحاجات. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٥٥٧ - (أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ, عَنْ عَمْرٍو, عَنِ ابْنِ مُنَبِّهٍ, عَنْ أَخِيهِ, عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ لَيَسْأَلُنِي الشَّيْءَ, فَأَمْنَعُهُ, حَتَّى تَشْفَعُوا فِيهِ, فَتُؤْجَرُوا, وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (هارون بن عبد اللَّه) الأيليّ السعدي مولاهم، أبو جعفر، نزيل مصر، ثقة فاضل [١٠] ٢٥/ ٢٤٨٨. ٢ - (سفيان) بن عيينة، أبو محمد الكوفي، ثم المكيّ، ثقة ثبت حجة [٨] ١/ ١. ٣ - (عمرو) بن دينار، أبو محمد الأثر الجمحي مولاهم المكيّ، ثقة ثبت [٤] ١١٢/ ١٥٤. ٤ - (ابن منبّه) هو: وهب بن منبّه بن كامل بن سِيج بن ذي كِبار الذِّمَاريّ الأبناويّ- بفتح الهمزة، وسكون الموحّدة، بعدها نون- أبو عبد اللَّه اليمانيّ الصنعانيّ، ثقة [٣]. قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: كان من أبناء فارس. وقال العجليّ: تابعيّ ثقة، وكان على قضاء صنعاء. وقال أبو زرعة، والنسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال عمرو بن عليّ الفلّاس: كان ضعيفًا (١). وقال أحمد بن محمد بن الأزهر: سمعت مسلمة بن همّام بن مسلمة بن همّام بن منبّه، يذكر عن آبائه، قال: أصل منبّه من خراسان، من أهل هَرَاة، أخرجه كسرى من هراة -يعني إلى اليمن- فأسلم في عهد النبيّ ﷺ ، فحسن إسلامه، فسكن ولده اليمن، وكان وهب بن منبّه يختلف إلى هراة، ويتفقّد أمرها. وقال أحمد، عن عبد الرزّاق، عن أبيه: حجّ عامّة الفقهاء سنة مائة، فحجّ وهب، فلما صلّوا العشاء أتاه نفرٌ فيهم عطاء، والحسن، وهم يريدون أن يذاكروه القدر، قال: فافتنّ (٢) في باب من الحمد، فما زال فيه حتى طلع الفجر، فافترقوا، ولم يسألوه عن شيء. قال أحمد: كان يُتّهم بشيء من القدر، ثم رجع. وقال أحمد بن سلمة، عن أبي سنان: سمعت وهب بن منبّه يقول: كنت أقول بالقدر حتى قرأت بضعة وسبعين كتابًا من كتب الأنبياء في كلها: من جعل إلى نفسه شيئًا من المشيئة، فقد كفر، فتركت قولي. وقال الجُوزجانيّ: كان وهبٌ كتب

стр. 12151

كتابًا في القدر، ثم حُدّثت أنه نَدِم. وقال ابن عيينة، عن عمرو بن دينار: دخلت على وهب داره بصنعاء، فأطعمني جَوزًا من جوزة في داره، فقلت له: وددت أنك لم تكن كتبت في القدر، فقال: أنا واللَّه وددت ذلك. قال إسحاق بن إبراهيم بن عبد الرحمن الْهَرَويّ: ولد سنة (٣٤) في خلافة عثمان - رضي اللَّه تعالى عنه -، وقال ابن سعد، وجماعة: مات سنة (١١٠) وقيل: (١٣) وقيل: (١١٤) وقيل: (١١٦) وقيل: إن يوسف بن عمر ضربه حتى مات. روى له الجماعة، سوى ابن ماجه، فأخرج له في التفسير، روى له البخاريّ حديثًا واحدًا في "كتاب العلم" من "صحيحه"، وله عند المصنف في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا ٢٥٥٧ وأعاده برقم ٢٥٩٣ و ٤٣١١ حديث "من سكن البادية جفا .. " الحديث. ٥ - (أخوه) همّام بن منبّه بن كامل الأبناوي، أبو عقبة الصنعانيّ، ثقة [٤] ١/ ٣٩٧. ٦ - (مُعَاوِيَةَ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ) صخر بن حرب بن أميّة الأمويّ، أبو عبد الرحمن الصحابيّ ابن الصحابي - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أسلم قبل الفتح، وكتب الوحي، ومات في رجب سنة (٦٠ هـ) وقد قارب (٨٠) تقدمت ترجمته في ٢٨٦/ ٢٩٤. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله عندهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية الأخ عن أخيه، وتابعي عن تابعي. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ مُعَاوِيةَ بْنِ أَبِيِ سُفْيَانَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ لَيَسْأَلُنِي الشَّيْءَ) هذا صريحٌ في كونه مرفوعًا، ورواية أبي داود صريحة في الوقف، ولفظه: عن معاوية: اشفعوا تؤجروا، فإني لأريد الأمر فأؤخره، كيما تشفعوا، فتؤجروا، فإن رسول اللَّه ﷺ قال: "اشفعوا تؤجروا". وقال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: اللفظ صريح في الرفع، لكن السوق يقتضي أنّ قوله: "إن الرجل ليسألني الخ" من قول معاوية، وإنما المرفوع: "اشفعوا تؤجروا"، وهو الموافق لما في بعض روايات أبي داود، وهو مقتضى سوق روايته المشهورة، وسوقها أقوى في اقتضاء الوقف، واللَّه تعالى أعلم انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لا مانع من رفع الجزأين: "إن الرجل ليسألني الخ"، و"اشفعوا تؤجروا"، ورواية أبي داود المذكورة، لا تنافي ذلك؛ لاحتمال أن يكون

стр. 12152

معاوية رواه مرفوعًا تارة، وقاله من نفسه تارةً أخرى. واللَّه تعالى أعلم. (فَأَمْنَعُهُ، حَتَّى تَشْفَعُوا فِيهِ، فَتُؤْجَرُوا) فيه كمال شفقة النبيّ ﷺ ، حيث إنه، وإن كان يريد قضاء حاجة المحتاج، إلا أنه يحبّ مشاركة الصحابة في الأجر، فيؤخّر قضاءها حتى يشفع له إليه بعض الصحابة، فيحصلَ له الأجر (وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "اشْفَعُوا، تُؤْجَرُوا") تقدّم شرح هذه الجملة في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث معاوية بن أبي سفيان - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٦٥/ ٢٥٥٧ - وفي "الكبرى" ٢٣٣٨. وأخرجه (د) في "الأدب" ٥١٣٢. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ٦٦ - (الاخْتِيَالُ فِي الصَّدَقَةِ) أي هذا باب ذكر الحديثين الدّالّين على حكم الاختيال في حال دفع الصدقة لمستحقّها. و"الاختيال" مصدر اختال الرجلُ: إذا تكبّر، وأُعْجِبَ بنفسه. وأشار المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بالترجمة إلى أن الاختيال في الصدقة نوعان: (أحدهما): محمود، وهو الذي دلّ عليه الحديث الأول، كما سيأتي إيضاحه. (الثاني): مذموم، وهو الذي دلّ عليه الحديث الثاني، كما سيأتي إيضاحه أيضًا، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٥٥٨ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ, قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ, عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيُّ, عَنِ ابْنِ جَابِرٍ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ مِنَ الْغَيْرَةِ مَا يُحِبُّ اللَّهُ , وَمِنْهَا مَا يُبْغِضُ اللَّهُ , وَمِنَ الْخُيَلَاءِ مَا يُحِبُّ اللَّهُ , وَمِنْهَا مَا

стр. 12153

يُبْغِضُ اللَّهُ , فَأَمَّا الْغَيْرَةُ الَّتِي يُحِبُّ اللَّهُ , فَالْغَيْرَةُ فِي الرِّيبَةِ, وَأَمَّا الْغَيْرَةُ الَّتِي يُبْغِضُ اللَّهُ , فَالْغَيْرَةُ فِي غَيْرِ رِيبَةٍ, وَالاِخْتِيَالُ الَّذِي يُحِبُّ اللَّهُ , اخْتِيَالُ الرَّجُلِ بِنَفْسِهِ عِنْدَ الْقِتَالِ, وَعِنْدَ الصَّدَقَةِ, وَالاِخْتِيَالِ الَّذِي يُبْغِضُ اللَّهُ , الْخُيَلَاءُ فِي الْبَاطِلِ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (إسحاق بن منصور) الكوسج، أبو يعقوب المروزيّ الثقة الثبت [١١] ٧٢/ ٨٨. ٢ - (محمد بن يوسف) الفريابيّ الثقة الفاضل [٩] ١٤/ ٤١٨. ٣ - (الأوزاعيّ) عبد الرحمن بن عمرو الإمام الحجة المشهور [٧] ٤٥/ ٥٦. ٤ - (يحيى بن أبي كثير) صالح بن المتوكل الطائي مولاهم، أبو نصر اليمامي، ثقة ثبت، يدلسُ، ويرسل [٥] ٢٣/ ٢٤. ٥ - (محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي) أبو عبد اللَّه المدني، ثقة له أفراد [٤] ٦٠/ ٧٥. والباقيان يأتي الكلام فيهما قريبًا. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير جابر، وابنه. (ومنها): أن فيه رواية ثلاثةٍ من التابعين بعضهم عن بعض: يحيى عن محمد بن إبراهيم، عن ابن جابر. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ جَابِر) لم يُسَمَّ، وقد ذكروا في ترجمة جابر بن عَتِيك، أنه روى عنه ابناه، أبو يوسف، وعبد الرحمن، فأما أبو يوسف، فلم أر من ترجمه، وأما عبد الرحمن، فقال عنه ابن القطّان الفاسيّ: مجهول، كما في "تهذيب التهذيب" جـ ٢ ص ٤٩٦. والحاصل أن ابن جابر هذا مجهول (عَنْ أَبيهِ) جابر بن عَتِيك بن قيس الأنصاريّ الصحابيّ المشهور - رضي اللَّه تعالى عنه -، اختُلِف في شهوده بدرًا، مات سنة (٦١هـ) وهو ابن (٩١) سنة، تقدّمت ترجمته في ١٤/ ١٨٤٦، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ مِنَ الْغَيْرَةِ) -بفتح، فسكون-: الْحَمِيّةُ والأَنَفَة، يقال: رجلٌ غَيورٌ، وامرأةٌ غَيُور، بلا هاء؛ لأنّ فَعُولًا يشترك فيه الذكر والأنثى. قاله ابن الأثير (١). وقال الفيّوميّ: وغار

стр. 12154

الرجل على امرأته، والمرأة على زوجها يَغار، من باب تَعِب غَيرًا، وغَيْرَةً -بالفتح- وغَارًا. قال ابن السِّكيت: ولا يقال: غِيرًا، وغِيَرَةً -بالكسر- فالرجل غَيورٌ، وغَيْرانُ، والمرأة غَيورٌ أيضًا، وغَيْرَى، وجمع غَيُورٍ غُيُرٌ، مثلُ رَسُولٍ ورُسُل، وجمع غَيْرَان، وغَيْرَى غُيَارى -بالضمّ، والفتح- وأغار الرجل زوجته: تزوّج عليها، فغارت عليه انتهى (١). (مَا يُحِبُّ) بضمّ حرف المضارعة، من أحبه يُحبّه، وفي لغة قليلة: حبّه يَحبّه، ثلاثيًّا، من بأبي نصر، وضرب، حبًّا بالضمّ (اللَّهُ ، وَمِنْهَا مَا يَبْغُضُ) بضمّ الياء، من الإبغاض، يقال: بَغُض الشيءُ، ككرم، ونصر، وفرِح، بَغَاضةً، فهو بَغِضٌ، ويتعدّى بالألف، فيقال: أبغضته إبغاضًا، فهو مُبغَضٌ، ولا يقال: بَغَضته بغير ألف، والاسم الْبُغْضُ. أفاده في "المصباح"، و"القاموس". وما هنا من المتعدي، فيجب ضمّ حرف المضارعة منه. والبُغض: ضدّ الحبّ (اللَّهُ ، وَمِنَ الْخُيَلَاءِ) -بضمّ، ففتح-: التكبّر (مَا يُحبُّ اللَّه ، وَمِنْهَا مَا يَبغُضُ اللَّهُ ) وعائد الموصول في الفعلين وكذا فيما بعدُ محذوف: أي ما يحبه، ويبغضه (فأَمَّا الْغَيْرَةُ الَّتِي يُحبُّ اللَّهُ ، فَالْغَيرَةُ فِي الرِّيبَةِ) بكسر الراء: أي موضع الظنّ والشّكّ، وجمعها رِيَبٌ، مثلُ سِدْرة وسِدَرٍ. يقال: رابني الشيءُ يَرِيبني رَيْبًا، من باب باع يَبِيع: إذا جعلك شاكًّا. وقال أبو زيد: رابني من فلانٍ أمرٌ يَريبني رَيبًا: إذا استيقنت منه الرِّيبةَ، فإذا أسأت به الظن، ولم تستيقن منه الرِّيبة قلتَ: أرابني منه أمرٌ هو فيه إرابةً. وأراب فلانٌ إرابةً، فهو مُريبٌ: إذا بلغك عنه شيءٌ، أو توهّمته. وفي لغة هُذَيلٍ: أرابني بالألف، فَرِبْتُ أنا، وارتبتُ: إذا شككتَ، فأنا مرتاب، وزيدٌ مرتابٌ منه، والصلةُ فارقةٌ بين الفاعل والمفعول. أفاده الفيّوميّ. ومعنى الحديث: أنّ الغَيْرَة في محلّ الظّنّ والشكّ، نحو أن يغار الرجل على زوجته أن تُظهِر محاسنها، وزينتها عند من لا يحلّ لها الإظهار عنده، أو نحو ذلك، أو على محارمه إذا رأى منهنّ فعلًا غير مشروع مع الأجانب، فإن ذلك مما يُحبّه اللَّه تعالى؛ لظهور فائدته، وهي الرهبة والانزجار. وفي حديث ابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه -، مرفوعًا: "ما أحدٌ أغير من اللَّه، من أجل ذلك حرّم الفواحش". متّفقٌ عليه، وفي لفظ لمسلم: "ولذلك حرّم الفواحش ما ظهر منها، وما بطن". (وَأَمَّا الْغَيْرَةُ الَّتِي يُبْغِضُ اللَّه ، فَالْغَيْرَةُ فِي غَيرِ رِيبَةٍ) كأن يغار الرجل على أمه

стр. 12155

أن تنكح زوجَا بعد أبيه مثلًا، وكذلك سائر محارمه، فإن هذا مما يُبغضه اللَّه تعالى؛ لأنه مما يورث البغضاء، والحقد بين الأرحام، والأصدقاء، ولأنّ ما أحلّه اللَّه تعالى الواجب فيه الرضا به، فإذا لم يَرْضَ به كان ذلك من آثار حميّة الجاهليّة التي جاء الشرع بمحاربتها، وإزالتها، وهو مناف لمقتضى الإيمان، قال اللَّه تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. (وَالِاخْتِيَالُ الَّذِي يُحِبُّ اللَّه ، اخْتِيَالُ الرَّجُلِ بنَفْسِهِ عِنْدَ الْقِتَالِ) أي إظهاره الاختيال والتكبّر في نفسه، وذلك أن يمشي مشي المتكبّرين، ويُقبل على الحرب، ويدخل في المعركة بنشاط النفس، وقوّة القلب، وإظهار الْجَلادة، والتبختر فيه، والاستهانة، والاستخفاف بالكفّار؛ لما في ذلك من إدخال الرعب والرَّهْبَة في قلوب أوِلياء الشيطان، وإدخال النشاط والرغبة في قلوب أولياء الرحمن (وَعِنْدَ الصَّدقَةِ) هو أن تَهُزّه سجية السخاء، فيُعطيها المستحقّ بطيب نفس، وانشراح صدر، وانبساط وجه، فلا يَمُنُّ، ولا يستكثر كثيرًا، ولا يُبالي بما أعطى، ولا يُعطي منها شيئًا، إلا وهو مستقلّ؛ وذلك لأنه يكون سببًا للاستكثار، والرغبة في الزيادة منها (وَالِاخْتِيَالُ الَّذِي يَبغُضُ اللَّهُ ، الْخُيَلَاءُ) بضمّ، ففتح، ويروى بكسرٍ، ففتح: الكبر، والإعجاب (في الْبَاطِلِ") وفي لفظ أبي داود "فاختياله في البغي"، وفي لفظ له: "فاختياله في الفخر". ومعنى الخيلاء في الباطل، أن يذكر الرجل أنه قتل فلانًا ظلمًا، وأخذ مال فلان ظلمًا، يتطاول بذلك على أقرأنه، ويظهر الشجاعة لهم، أو يَصدُر منه الاختيال في حال البغي على مال الرجل، أو نفسه. وأما الاختيال في الفخر، نحو أن يذكر ما له من الحَسَب، والنسب، وكثرة المال، والجاه، والشجاعة، والكرم؛ لمجرّد الافتخار، ثم يحصل منه الاختيال عند ذلك، فإن مثل هذا الاختيال مما يُبغضه اللَّه تعالى أيضًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث جابر بن عَتيك - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيحٌ. [فإن قلت]: في سنده ابن جابر، وهو مجهول، كما تقدّم، فكيف يصحّ؟. [قلت]: للحديث شاهد، فقد أخرجه ابن ماجه بسند صحيح في "سننه"، فقال: ١٩٩٦ - حدثنا محمد بن إسمعيل، حدثنا وكيع، عن شيبان، أبي معاوية، عن يحيى

стр. 12156

ابن أبي كثير، عن أبي سهم، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من الْغَيْرة ما يحب اللَّه، ومنها ما يكره اللَّه، فأما ما يحب، فالغيرة في الريبة، وأما ما يكره، فالغَيْرَة في غير ريبة". فهذا إسناد صحيح، رجاله رجال الصحيح، غير شيخه محمد بن إسماعيل الأحمسيّ، وهو ثقة أيضًا. [تنبيه]: قوله: "أبو سهم"، وفي نسخة: "أبو شهم" بالمعجمة، غلطٌ، والصواب: "أبو سلمة"، وهو ابن عبد الرحمن بن عوف الفقيه الحجة المدنيّ المشهور، كما بينه الحافظ المزّيّ في "تحفة الأشراف" ج ١١ ص ٨٣ وكذا في "تهذيب الكمال" ج ٣٣ ص ٤٠٧ و"تهذيب التهذيب" ج ٤ ص ٥٣٧ و"تقريب التهذيب" ص ٤١١. وأخرجه أحمد في "مسنده"، من حديث عقبة بن عامر الجهنيّ - رضي اللَّه تعالى عنه -، فقال: ١٦٩٤٧ - حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سَلّام، عن عبد اللَّه بن زيد الأزرق، عن عقبة بن عامر الْجُهَنيّ، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "غيرتان: إحداهما يحبها اللَّه ، والأخرى يبغضها اللَّه، ومَخِيلتان إحداهما يحبها اللَّه ، والأخرى يبغضها اللَّه، الغيرة في الرمية (١)، يحبها اللَّه ، والغيرة في غيره، يبغضها اللَّه، والمخيلة إذا تصدق الرجل، يحبها اللَّه، والمخيلة في الكبر يبغضها اللَّه". انتهى. فهذا الإسناد رجاله رجال الصحيح، غير عبد اللَّه بن زيد بن الأزرق، وقد وثقه ابن حبّان، فمثله يصلح في الاستشهاد. والحاصل أن حديث الباب صحيح؛ لما ذُكِر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٦٦/ ٢٥٥٨ - وفي "الكبرى" ٦٨/ ٢٣٣٩. واْخر جه (د) في "الجهاد" ٢٦٥٩ (أحمد) في "مسند الأنصار" ٢٢٢٣٥ و ٢٢٢٤٠ و ٢٢٢٦. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما بوّب له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو جواز الاختيال في الصدقة، بمعنى أن تهزّه أَرْيَحِيّة (٢) السخاء، فيعطي طيّبة بها نفسه، فلا يستكثر كثيرًا، ولا يُعطي

стр. 12157

منها شيئًا، إلا وهو مستقلّ، فلا تنافي بين الاختيال المذكور هنا، والاختيال الآتي في الحديث التالي. (ومنها): أن الغيرة على المحارم محمودة إذا ظهر للشخص أمارات منهنّ مما يوقع في الريبة (ومنها): أن الغيرة عليهنّ مذمومة، وذلك إذا لم تقم قرينة على الريبة، بل لمجرّد الشكّ فقط (ومنها): أن الاختيال في الحرب محمود؛ لما فيه من إرهاب أعداء الدين، وتنشيطٍ للمسلمين المجاهدين (ومنها): أن الاختيال في الباطل حرام. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٥٥٩ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ, قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ, عَنْ قَتَادَةَ, عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ جَدِّهِ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كُلُوا, وَتَصَدَّقُوا, وَالْبَسُوا, فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ, وَلَا مَخِيلَةٍ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أحمد بن سليمان) بن عبد الملك، أبو الحسين الرُّهاويّ، ثقة حافظ [١١] ٣٨/ ٤٢ من أفراد المصنّف. ٢ - (يزيد) بن هارون السلمي مولاهم، أبو خالد الواسطيّ، ثقة متقن عابد [٩] ١٥٣/ ٢٤٤. ٣ - (همّام) بن يحيى بن دينار الْعَوْذيّ البصريّ، ثقة ربما وهم [٧] ٥/ ٤٦٥. ٤ - (قتادة) بن دعامة البصري الثقة الثبت الحجة، لكنه يدلس [٤] ٣٠/ ٣٤. ٥ - (عمرو بن شعيب) بن محمد المدني، أوالطائفي، صدوق [٥] ١٠٥/ ١٤٠. ٦ - (أبوه) شعيب بن محمد بن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، صدوق، ثبت سماعه من جدّه عبد اللَّه بن عمرو - رضي اللَّه تعالى عنهما -[٣] تقدم في ١٠٥/ ١٤٠. ٧ - (جدّه) عبد اللَّه بن عمرو بن العاص الصحابي ابن الصحابي - رضي اللَّه تعالى عنهما -، تقدم ٨٩/ ١١١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات. (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن أبيه، عن جدّه، وتابعي، عن تابعي. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيبٍ، عَنْ أَبِيهِ) شعيب بن محمد بن عبد اللَّه (عَنْ جدِّهِ) عبد اللَّه بن

стр. 12158

عمرو بن العاص، فالضمير لشعيب، لا لعمرو، فتنبّه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كُلُوا) أي جميع أنواع الطيّبات، فحذف المفعول لإرادة التعميم، فهو كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٧٢]، والأمر للإباحة (وَتَصَدَّقُوا) أي على المحتاجين، من الفقراء والمساكين، فحذف المفعول أيضًا؛ لما ذُكر (وَالْبَسُوا) أي الحلال، من أنواع الملابس (فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ) قيد في الثلاثة، وكذا ما بعده، فإباحة الأكل، واللبس، والصدقة مشروطة بالخلوّ من الإسراف، والخيلاء. والإسراف: هو إنفاق المال الكثير في الغرض الخسيس. وقيل: صرف شيء فيما ينبغي زيادةً على ما ينبغي، بخلاف التبذير، فإنه صرف الشيء فيما لا ينبغي. كذا قاله الجرجانيّ. وقال أبو البقاء الكفويّ: الإسرافُ: تجاوز في الكميّة، فهو جهلٌ بمقادير الحقوق. والتبذير: تجاوز في موضع الحقّ، فهو جهل بمواقعها، يرشد إلى هذا قوله تعالى في تعليل الإسراف: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١] وفي تعليل التبذير: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ الآية [الإسراء: ٢٧] انتهى (١). ("وَلَا مَخِيلَةٍ") بفتح الميم، وكسر الخاء المعجمة: بمعنى الْخُيَلاء، أي من غير تكبر، وفخر، وتطاول على الناس. وحاصل المعنى أنه أباح الأكل، واللبس، والتصدق، إذا لم يُتَجَاوَز بها الحدُّ المشروع، وهو معنى الإسراف، وخلا ذلك عن الخيلاء، وإلا حرم الجميع. واللَّه تعالى أعلم. [فإن قلت]: هذا الحديث يعارض الحديث الذي قبله، فإن هذا يدلّ على تحريم الخيلاء في الصدقة، وذاك يدلّ على مدحه فيها، فكيف التوفيق بينهما؟. [قلت]: لا تعارض بينهما؛ لأن المراد بالاختيال هناك أن يكون طيّب النفس، منشرح الصدر، منبسط القلب، لا يستكثر، ولا يمنّ، بخلافه هنا، فإنه التكبّر على الفقراء، ورفع نفسه عنهم، والتطاول بلسانه عليهم، والمنّ بما أعطاه لهم، والإعجاب بنفسه، وحبّ المحمدة على فعله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه صحيح.

стр. 12159

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٦٦/ ٢٥٥٩ - وفي "الكبرى" ٦٨/ ٢٣٤٠. وأخرجه (ق) في "اللباس" ٢٦٠٥ (أحمد) في "مسند المكثرين" ٦٦٥٦ و ٦٦٦٩. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان ذمّ الخيلاء في الصدقة، على الوجه الذي قررناه آنفًا (ومنها): إباحة أكل الطيّبات، والمستلذّات، بشرط أن لا يصل إلى حدّ الإسراف (ومنها): إباحة التجمّل باللباس، إذا لم يؤدّ إلى الإسراف أيضًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ٦٧ - (بَابُ أَجْرِ الْخَازِنِ إِذَا تَصَدَّقَ بِإِذْنِ مَوْلَاهُ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: كان الأولى للمصنّف -رحمه اللَّه تعالى- أن يذكر هذا الباب بعد باب "صدقة العبد"، وقبل باب "صدقة المرأة من بيت زوجها" رقم ٥٧/ ٢٥٣٩ - رعايةً للمناسبة بين الأبواب، وقد -فعل ذلك الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه"، وإن لم يكن عنده باب "صدقة العبد"، فترجم "باب أجر الخادم إذا تصدّق بأمر صاحبه، غير مفسد"، ثم "باب أجر المرأة إذا تصدّقت، أو أطعمت من بيت زوجها، غير مفسدة". واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٥٦٠ - (أَخْبَرَنِي (١) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْهَيْثَمِ بْنِ عُثْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ بُرَيْدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ, عَنْ جَدِّهِ, عَنْ أَبِي مُوسَى, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ, يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا", وَقَالَ «الْخَازِنُ الأَمِينُ, الَّذِي يُعْطِي مَا أُمِرَ بِهِ, طَيِّبًا بِهَا نَفْسُهُ, أَحَدُ الْمُتَصَدِّقَيْنِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عبد اللَّه بن الْهَيثَمِ) أبو محمد البصريّ، نزيل الرّقّة، لا بأس به [١١] ٦٧/

стр. 12160

٢٣٢٤ من أفراد المصنف. ٢ - (عبد الرحمن بن مهدي) بن حسان العنبري مولاهم، أبو سعيد البصري، ثقة ثبت حافظ عارف بالرجال والحديث [٩] ٤٢/ ٤٩. والباقون تقدموا قبل باب. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله عندهم رجال الصحيح غير شيخه، كما سبق آنفًا. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين من سفيان، وشيخه، وشيخ شيخه بصريان. (ومنها): أن فيه رواية الراوي، عن جده عن أبيه. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد اللَّه بن قيس الأشعريّ الصحابيّ الشهير - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤمِنِ) اللام في "المؤمن" للجنس، والمراد بعض المؤمنين للبعض (كَالْبُنْيَانِ) بضمّ الباء الموحّدة، أي كالحائط، والمراد أنّ من شأن المؤمن أن يكون على الحقّ الذي هو مقتضى الإيمان، ويلزم منه توافق المؤمنين على ذلك الحقّ، وتناصرهم، وتأييد بعضهم بعضًا (يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا) جملة في محلّ نصب على الحال من "البنيان"، أو صفة له على قاعدة أنّ المحلّى بـ "أل" الجنسيّة كالنكرة، كما في قول الشاعر [من الوافر]: وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي … فَمَضَيْتُ ثُمَّتَ قُلْتُ لَا يَعْنِينِي والجملة فيها بيان وجه الشبه. قال الكرمانيّ: نُصِبَ "بعضًا" بنزع الخافض. وقال غيره: بل هو مفعول "يشُدُّ". قال الحافظ: ولكلّ وجه. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: بل الثاني هو الصواب؛ لأن "يشدّ" يتعدّى إلى المفعول به بنفسه، ولأنّ النصب بنزع الخافض سماعيّ، كما هو مقررٌ في محلّه. واللَّه تعالى أعلم. وقال ابن بطّال: والمعاونة في أمور الآخرة، وكذا في الأمور المباحة من الدنيا مندوب إليها، وقد ثبت حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه -، مرفوعًا: "واللَّه في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه". رواه مسلم في حديث طويل. زاد في رواية البخاريّ: "ثم شبك بين أصابعه". قال في "الفتح": هو بيان لوجه الشبه أيضًا، أي يشدّ بعضهم بعضًا، مثل هذا الشّدّ. ويستفاد منه أنّ الذي يريد المبالغة

стр. 12161

في بيان أقواله يمثّلها بحركاتها؛ ليكون أوقع في نفس السامع انتهى (١). (وَقَالَ) ﷺ (الْخَازِنُ) زاد في رواية الشيخين: "المسلم". قيّده به لإخراج الكافر؛ لأنه لا نيّة له (الْأَمِينُ) قيده به لإخراح الخائن؛ لأنه مأزور، لا مأجور (الَّذِي يُعْطِي مَا أُمِرَ بهِ) زاد في رواية الشيخين: "كاملًا موفّرًا". والمراد أنه يعطي من غير نقص شيء منه بهواه. وإنما رتّب الأجر على إعطائه ما أمر به غير ناقص؛ لأنه إذا خالف شيئًا من ذلك يكون خائنا، فلا يستحقّ الأجر (طَيِّبًا) وفي نسخة "طيّبة"، بتاء التأنيث؛ لأنه مسند إلى "نفس"، وهي مؤنّثة، وللأول وجه، وهو أن تأنيثها مجازي، ولأنه مفصول بالجارّ والمجرور (بِهَا) أي بالصدقة (نَفْسُهُ) أي يكون راضيًا بذلك، وإنما قيّده به تنبيهًا على تحقّق النيّة؛ لَأنّ بعض الناس، من أصحاب النفوس المريضة بالبخل لا يرضى بخروج شيء من يده، وإن كان ملكًا لغيره، فربما يخرجها كارهًا بلا نيّة، فيفقد الأجر. زاد في رواية الشيخين: "فيدفعه إلى الذي أمر له به". قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: هذه الأوصاف لا بدّ من اعتبارها في تحصيل أجر الصدقة للخازن، فإنه إن لم يكن مسلمًا لم يصحّ منه التقرّب، وإن لم يكن أمينًا كان عليه وزر الخيانة، فكيف يحصل له أجر الصدقة؟، وإن لم يَطِب بذلك نفسًا لم يكن له نيّةٌ، فلا يؤجر انتهى (٢). (أَحَدُ الْمُتَصَدِّقَيْنِ) أي يشارك صاحب المال في الصدقة، فيصيران متصدّقَين، ويكون هو أحَدَهُما، هذا على أن الرواية بفتح القاف، وهو الذي صرّحوا به، قال في "الفتح": ضُبِطَ في جميع الروايات بفتح القاف انتهى. وقال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: لم نَرْوهِ إلا بالتثنية، ومعناه أنه بما فَعَلَ متصدّق، والذي أخرج الصدقة بما أخرج متصدّقٌ آخر، فهما متصدّقان. ويصحّ أن يقال على الجمع، ويكون معناه: أنه متصدّقٌ من جملة المتصدّقين انتهى (٣). والحاصل أن الروايات صحّت بضبط "المتصدِّقَين" بالتثنية، فتتعيّن، وإن كان المعنى يستقيم على الجمع أيضًا بالمعنى المذكور. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته:

стр. 12162

حديث أبي موسى الأشعريّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٦٧/ ٢٥٦٠ - وفي "الكبرى" ٦٩/ ٢٣٤١. وأخرجه (خ) في "الصلاة" ٤٨١ و"الزكاة" ١٤٣٨ و"الإجارة" ٢٢٦٠ و"الوكالة" ٢٣١٩ و"المظالم" ٢٤٤٦ و"الأدب" ٦٠٢٧ (م) ١٠٢٣ و"البرّ والصلة" ٢٥٨٥ (د) في "الزكاة" ١٦٨٤ (ت) في "البرّ والصلة" ١٩٢٨ (أحمد) في "مسند الكوفيين" ١٩٠١٨ و ١٩١٢ و ١٩١٨٣. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان أجر الخازن إذا تصدّق بإذن المالك (ومنها): أن حصول الأجر للخازن مشروط بهذه الأوصاف المذكورة في هذا الحديث، فمهما اختلّ منها شرط لا يحصل له الأجر، فينبغي أن يَعتَنِي بها، ويُحافِظ عليها (ومنها): أن ثواب الصدقة لا يقتصر على المالك فقط، بل كلّ من تسبب في إيصالها إلى مستحقّها بنيّة خالصة مع بقيّة الشروط حصل له ثوابها، وهذا من فضل اللَّه تعالى على من لا يجد مالًا للتصدّق به، فينبغي للمسلم أن يحرص على هذا الفضل العظيم. (ومنها): حثّ الإسلام على تحقّق التناصح، والتناصر، والتعاضد في المسلمين، حتى يكون المجتمع مجتمع خير، وبركة، يسوده الإخاء والمحبّة، ويكونَ يدًا واحدةً على أعدائه، فشبّهه النبيّ ﷺ ، وهو في تلك الحالة بالبنيان الذي يقوّي بعض أجزائه بعضه، كما شبهه في حديثه الآخر بالجسد الواحد، فقد أخرج الشيخان من حديث النعمان بن بشير - رضي اللَّه تعالى عنهما -، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ترى المؤمنين في تراحمهم، وتوادهم، وتعاطفهم، كمثل الجسد، إذا اشتكى عضوا، تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى". وأخرجا أيضًا من حديث عبد اللَّه بن عمر ﵁: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يُسْلِمُهُ، ومن كان في حاجة أخيه، كان اللَّه في حاجته، ومن فَرّج عن مسلم كربة، فرج اللَّه عنه كربة، من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره اللَّه يوم القيامة". وأخرج مسلم من حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه -، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد اللَّه إخوانا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يَخذُلُه، ولا

стр. 12163

يحقره، التقوى هاهنا" - ويشير إلى صدره ثلاث مرات- "بحسب امرئ من الشر، أن يحقر أخاه المسلم، كلّ المسلم على المسلم حرام دمه، وماله، وعرضه". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ٦٨ - (بَابُ الْمُسِرِّ بِالصَّدَقَةِ) أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على فضل صدقة المسرّ على المجاهر، وهذا عند جمهور أهل العلم محمول على صدقة التطوّع، كما سيأتي بيانه قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى واللَّه تعالى أعلم. ٢٥٦١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ, عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ, عَنْ بَحِيرِ بْنِ سَعْدٍ, عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ, عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ, عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْجَاهِرُ بِالْقُرْآنِ, كَالْجَاهِرِ بِالصَّدَقَةِ, وَالْمُسِرُّ بِالْقُرْآنِ, كَالْمُسِرِّ بِالصَّدَقَةِ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "محمد بن سَلَمَة": هو المراديّ الْجَمَليّ المصريّ الثقة الثبت [١١] ١٩/ ٢٠. و"معاوية بن صالح": هو الحمصيّ قاضي الأندلس، صدوق له أوهام [٧] ٥٠/ ٦٢. و"بَحِير" -بفتح الموحّدة، وكسر المهملة- ابن سَعْد -بفتح، فسكون-، وقد يقع تصحيفه في كتب الرجال كثيرًا إلى سعيد، فليُتنبّه: هو السَّحُولي، أبو خالد الحمصيّ ثقة ثبت [٦] ١/ ٦٨٨. و"خالد بن مَعْدان": هو الْكَلَاعي الحمصيّ، ثقة عابد [٣] ١/ ٦٨٨. و"كثير بن مُرّة": هو الحضرميّ، أبو شجرة، أو أبو القاسم الحمصيّ، ثقة [٢] ووهم من عدّه في الصحابة ١/ ٦٨٨. وهذا الحديث صحيح، وقد تقدّم للمصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في ٢٤/ ١٦٦٣ - وتقدّم شرحه مستوفًى هناك، وكذا الكلام على مسائله، فلم يبق إلا الكلام على ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان فضل صدقة المسرّ على صدقة المجاهر بها، فأقول: (مسألة): اختلف أهل العلم في صدقة السرّ، والعلانية أيّهما أفضل:

стр. 12164

فذهب طائفة إلى أن الإسرار بالصدقة مطلقًا أفضل، وهو ظاهر مذهب البخاريّ- كما يأتي قريبًا - والمصنّفِ -رحمهما اللَّه تعالى-، وإليه ذهبت الظاهريّة. وذهبت طائفة إلى أن الإسرار في التطوّع أفضل، بخلاف الفرض، فإعلانه أفضل، وهو مذهب الجمهور. قال الإمام أبو محمد بن حزم -رحمه اللَّه تعالى-: إظهار الصدقة -الفرض، والتطوّع- من غير أن ينوي بذلك رياءً حسنٌ، وإخفا ذلك أفضل، وهو قول أصحابنا. وقال مالك: إعلان الفرض أفضل انتهى. وقد ترجم الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" بنحو ترجمة المصنّف، فقال: "باب صدقة السّرّ". ثم استدلّ عليه بقوله: وقال أبو هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه -، عن النبيّ ﷺ : "ورجلٌ تصدق بصدقة، فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما صنعت يمينه". وقوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٧١].انتهى. وحديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - الذي أشار إليه هو ما أخرجه الشيخان، وغيرهما من طريق حفص بن عاصم، عن أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ ، قال: "سبعة يظدهم اللَّه تعالى في ظله، يوم لا ظل إلا ظله: إمام عدل، وشاب نشأ في عبادة اللَّه، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في اللَّه، اجتمعا عليه، وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة، ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف اللَّه، ورجل تصدق بصدقة، فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر اللَّه خاليا، ففاضت عيناه". وقال في "الفتح": والحديث أقوى الأدلّة على أفضليّة إخفاء الصدقة، وأما الآية، فظاهرة في تفضيل صدقة السر أيضًا. ولكن ذهب الجمهور إلى أنها نزلت في صدقة التطوّع، ونقل الطبريّ وغيره الإجماع (١) على أن الإعلان في صدقة الفرض أفضل من الإخفاء، وصدقة التطوّع على العكس من ذلك. وخالف يزيد بن أبي حبيب، فقال: إن الآية نزلت في الصدقة على اليهود والنصارى، قال: فالمعنى إن تؤتوها أهل الكتابين ظاهرةً، فلكم فضل، وإن تؤتوها

стр. 12165

فقراءهم سرًّا، فهو خيرٌ لكم، وأما ما أعطى فقراء المسلمين من زكاة، وصدقة تطوّع، فإخفاؤه أفضل من علانيته (١). ونقل أبو إسحاق الزّجّاج أنّ إخفاء الزكاة في زمن النبيّ ﷺ كان أفضل، فأما بعده فإن الظنّ يُساء بمن أخفاها، فلهذا كان إظهار الزكاة المفروضة أفضل. قال ابن عطيّة: ويشبه في زماننا أن يكون الإخفاء بصدقة الفرض أفضل، فقد كثر المانع لها، وصار إخراجها عُرْضةً للرياء انتهى. وأيضًا فكان السلف يُعطون زكاتهم للسعاة، وكان من أخفاها اتُّهِم بعدم الإخراج، وأما اليوم فصار كلّ أحد يُخرج زكاته بنفسه، فصار إخفاؤها أفضل. وقال ابن المنيّر -رحمه اللَّه تعالى-: لو قيل: إنّ ذلك يختلف باختلاف الأحوال لما كان بعيدًا، فإذا كان الإمام مثلًا جائرًا، ومالُ من وجبت عليه مخفيًّا، فالإسرار أولى، وإن كان المتطوّع ممن يُقتدَى به، ويتبع، وتنبعث الهمم على التطوّع بالإنفاق، وسَلِمَ قصده، فالإظهار أولى انتهى (٢). وقال القرطبيّ: قوله: "ورجل تصدّق بصدقة، فأخفاها" هذه صدقة التطوّع في قول ابن عبّاس، وأكثر العلماء. وهو حضّ على الإخلاص في الأعمال، والتستّر بها، ويستوي في ذلك جميع أعمال البرّ التطوّعيّة، فأما الفرائض فالأولى إشاعتها، وإظهارها؛ لتنحفظ قواعد الدين، ويجتمع الناس على العمل بها، فلا يضيع منها شيء، ويظهر بإظهارها جمال دين الإسلام، وتُعلم حدوده وأحكامه، والإخلاص واجبٌ في جميع القرب، والرياء مفسد لها انتهى (٣). وقال أبو جعفر الطبريّ بعد أن ذكر الخلاف السابق: ما نصّه: ولم يخصص اللَّه من قوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ شيئًا دون شيء، فذلك على العموم، إلا ما كان من زكاة واجبة، فإن الواجب من الفرائض قد أجمع الجميع على أن الفضل في إعلانه، وإظهاره، سوى الزكاة التي ذكرنا اختلاف المختلفين فيها، مع إجماع جميعهم على أنها واجبة، فحكمها في أن الفضل في أدائه علانية، حكم سائر الفرائض غيرها انتهى (٤). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبين بما ذكر من الأقوال أن دعوى الإجماع على أن الإعلان في صدقة الفرض أفضل غير صحيحة؛ لما علمت من الخلاف فيه أيضًا.

стр. 12166

والحاصل أن القول الراجح في المسألة قول من أطلق الأفضلية على الفرض والنفل، عملًا بإطلاق النصوص السابقة، فإنها لم تخصّ تطوّعًا عن الفرض، فالأفضل فيهما الإخفاء، إلا إذا كان هناك حاجة إلى الإعلان بالزكاة، كأن يولّي السلطان السعاةَ لجمع الزكوات، ونحو ذلك، كما كان في زمنه ﷺ ، وزمن الخلفاء الراشدين، فإنه يتعيّن الإعلان بها، وكذلك إذا كان الشخص يُتّهم بعدم أدائها، أو نحو ذلك، فيكون الإعلان أفضل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ٦٩ - (الْمَنَّانُ بِمَا أَعْطَى) ٢٥٦٢ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَسَارٍ, عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ, يَوْمَ الْقِيَامَةِ, الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ, وَالْمَرْأَةُ الْمُتَرَجِّلَةُ, وَالدَّيُّوثُ, وَثَلَاثَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ: الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ, وَالْمُدْمِنُ عَلَى الْخَمْرِ, وَالْمَنَّانُ بِمَا أَعْطَى»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عمرو بن عليّ) الفلاّس الصيرفي البصري، ثقة حافظ [١٠] ٤/ ٤. ٢ - (يزيد بن زريع) أبو معاوية البصري، ثقة ثبت [٨] ٥/ ٥. ٣ - (عمر بن محمد) بن زيد بن عبد اللَّه بن عمر بن الخطّاب المدنيّ، نزيل عسقلان، ثقة [٦]. قال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، مات بعد أخيه أبي بكر بقليل. وقال عبد اللَّه ابن أحمد، عن أبيه: شيخٌ، ليس به بأس، روى عنه الثوريّ، وأثنى عليه. وقال حنبلٌ عن أحمد: ثقة. وكذا قال ابن معين، والعجليّ، وأبو داود. ووثقه ابن حبّان، وابن الْبَرْقيّ، والبزّار. وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: مات بعسقلان، وكان مرابطًا بها، وكان ولده بها، وكان صالح الحديث. وقال أبو حاتم: هم خمسة إخوة، أوثقهم عمر، وهو ثقة صدوق. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وقال عليّ بن نصر الجهضميّ، عن عبد اللَّه

стр. 12167

ابن داود الْخُرَيبيّ، عن سفيان الثوريّ: لم يكن في آل عمر أفضل من عمر بن محمد بن زيد العسقلانيّ. وقال ابن عيينة: حدّثني الصدوق الْبَرُّ عمر بن محمد بن زيد. وقال يحيى بن حكيم، عن أبي عاصم: كان من أفضل أهل زمانه، كان أكثر مُقامه بالشام، قَدِمَ بغداد، فانجفل الناس إليه، وقالوا: ابن عمر بن الخطّاب، ثمّ قدم الكوفة، فأخذوا عنه، وكان له قَدْرٌ وجلالةٌ. وقال الآجرّيّ، عن أبي داود: قال عبد اللَّه بن داود -يعني الخُرَيبيّ-: ما رأيت رجلًا قطّ أطول منه، وبلغني أنه كان يلبس درع عمر، فيسحبها. قال الواقديّ: مات بعد أخيه أبي بكر بقليل، ومات أبو بكر بعد خروج محمد بن عبد اللَّه بن حسن، وخرج محمد سنة (١٤٥) وقتل سنة (١٥٠). قال الحافظ: بل قُتل في السنة التي خرج فيها، أجمع على ذلك أهل التاريخ انتهى. روى له الجماعة، سوى الترمذيّ، وله عند المصنف هذا الحديث فقط، وله عند ابن ماجه حديث: "لا ترجعوا بعدي كُفّارًا". ٤ - (عبد اللَّه بن يسار) المكيّ الأعرج، مولى ابن عمر، مقبولٌ [٥]. روى عن سهل بن سعد، وسالم بن عبد اللَّه بن عمر، ومسلم المكيّ. وعنه عمر بن محمد بن زيد العمريّ، ويزيد بن إبراهيم التستريّ، وإبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، وسليمان بن بلال. ذكره ابن حبّان في "الثقات". تفرّد به المصنّف، روى له حديث الباب فقط. ٥ - (سالم بن عبد اللَّه) بن عمر العدويّ المدني الثقة الثبت الفقيه [٣] ٣٣/ ٤٩٠. ٦ - (أبوه) عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٢/ ١٢. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله عندهم رجال الصحيح، غير عبد اللَّه بن يسار، فإنه من أفراد المصنّف. (ومنها): أن فيه أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وهو سالم. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، وفيه ابن عمر من المكثرين السبعة، والعبادلة الأربعة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ سالِم بْنِ عَبدِ اللَّهِ، عَنْ أَبيهِ) عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب - رضي اللَّه تعالى - عنهما، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "ثَلَاثةْ لَا يَنْظُرُ اللَّه إِلَيْهِمْ) أي نظرَ رحمة، ومغفرة، وإلا فلا يغيب أحد عن نظره، والمؤمن مرحوم في الآخرة قطعًا (يَوْمَ

стр. 12168

الْقِيَامَةِ) خصّ يوم القيامة؛ لأنها مَظهَرُ الرحمة واللطف. هذا كلّه فيما إذا ماتوا قبل التربة، فأما إذا تابوا، وماتوا، فإن اللَّه تعالى يتوب عليهم (الْعَاق لِوَالِدَيْهِ) أي المقصّر في أداء الحقوق إليهما. يقال: عقَّ الولد أباه عُقُوقًا، من باب قَعَدَ: إذا عصاه، وترك "الإحسان إليه، فهو عاقّ، والجمعُ عَقَقَةٌ، كبَار وَبَرَرَة (وَالْمَرْأَةُ الْمُتَرَجِّلَةُ) أي التي تتشبّه بالرجال في زِيِّهم، وهيئاتهم، فأما في العلم والرأي، فمحمود. قاله ابن الأثير (١). (وَالدَّيُّوثُ) بالثاء المثلّثة: هو الذي لا غيرة له على أهله. من داث الشيءُ دَيْثًا، من باب باع: لَانَ، وسَهُل، ويُعَدَّى بالتثقيل، فيقال: دَيَّثَه غيرُهُ، والدِّياثَةُ فعله. قاله الفيّوميّ. وقيل: هو سريانيّ مُعَرَّب. قاله في "زهر الربى". وفي رواية لأحمد في "مسنده": "والديّوث الذي يُقِرّ في أهله الْخُبْث". (وَثَلَاثةٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ) أي لاستحلالهم الذنوب التي ارتكبوها، فيكون على ظاهره، أو المراد لا يدخلون الجنّة دخولًا أوّليًّا، بل بعد تقدّم العذاب لهم، إن لم يستحلّوها. وهذا كله فيما إذا ماتوا قبل التوبة، كما تقدّم (الْعَاقُ لِوَالِدَيْهِ) تقدم تفسيره قريبًا (وَالْمُدْمِنُ عَلَى الْخَمْرِ) أي المديم لشربها (وَالْمَنانُ بِمَا أَعْطَى") وفي نسخة: "والمنّان عطاءه". قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: "المنّان": فَعّالٌ من الْمَنّ، وقد فسّره في الحديث، فقال: "هو الذي لا يُعطي شيئًا إلا منّه". أي إلا امتنّ به على المعطَى له، ولا شكّ في أن الامتنان بالعطاء مبطلٌ لأجر الصدقة والعطاء، مؤذٍ للمعطَى له، ولذلك قال تعالى: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤]. وإنما كان المنّ كذلك؛ لأنّه لا يكون غالبًا إلا عن البخل، والعجب، والكبر، ونسيان منّة اللَّه تعالى فيما أنعم به عليه، فالبخيل يُعظّم في نفسه العطيّةَ، وإن كانت حقيرة في نفسها، والعجبُ يحمله على النظر لنفسه بعين العظمة، وأنّه مُنعم بماله على الْمُعطَى له، ومتفضِّلٌ عليه، وإن كان له عليه حقّ يجب عليه مراعاته، والكبر يحمله على أن يحتقر المعطَى له، وإن كان في نفسه فاضلًا، ومُوجِب ذلك كلّه الجهل، ونسيان منّة اللَّه تعالى فيما أنعم به عليه، إذ قد أنعم عليه مما يُعطي، ولم يَحْرِمه ذلك، وجعله ممن يُعطي، ولم يجعله ممن يسأل، ولو نظر ببصيرته لعلم أن المنّة للآخذ؛ لما يُزيل عن المعطي من إثم المنع، وذمّ المانع، ومن الذنوب، ولما يحصل له من الأجر الجزيل، والثناء الجميل. وقيل: المنّان في هذا الحديث هو من المنّ الذي هو القطع، كما قال اللَّه تعالى:

стр. 12169

﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصّلت: ٨] أي غير مقطوع، فيكون معناه: البخيل بقطعه عطاء ما يجب عليه للمستحقّ، كما جاء في حديث آخر: "البخيل المنّان" (١)، فنعته به. والتأويل الأول أظهر. أفاده القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحديث الذي أشار إليه القرطبيّ أخرجه أحمد في "مسنده"، فقال: ٢١٠٢٠ - حدثنا يزيد، أخبرنا الأسود بن شيبان، عن يزيد أبي العلاء، عن مطرف ابن عبد اللَّه بن الشخير، قال: بلغني عن أبي ذر حديث، فكنت أحب أن ألقاه، فلقيته، فقلت له: يا أبا ذر، بلغني عنك حديث، فكنت أحبّ أن ألقاك، فأسألَكَ عنه، فقال: قد لقيت، فاسأل، قال: قلت: بلغني أنك تقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ ، يقول: "ثلاثة يحبهم اللَّه ، وثلاثة يبغضهم اللَّه "، قال: نعم، فما أخالني، أكذب على خليلي محمد ﷺ ، ثلاثا، يقولها، قال: قلت: مَن الثلاثة الذين يحبهم اللَّه ؟، قال: "رجل غزا في سبيل اللَّه، فلقي العدوَّ، مجاهدا محتسبا، فقاتل حتى قُتِل"، وأنتم تجدون في كتاب اللَّه : ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف: ٤]، "ورجل له جار يؤذيه، فيصبر على أذاه، ويحتسبه، حتى يكفيه اللَّه إياه بموت، أو حياة، ورجل يكون مع قوم، فيسيرون حتى يشق عليهم الْكَرَى"، أو "النعاس"، فينزلون في آخر الليل، فيقوم إلى وضوئه، وصلاته"، قال: قلت: مَن الثلاثة الذينِ يبغضهم اللَّه؟ قال: "الفخور المختال، وأنتم تجدون في كتاب اللَّه : ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد: ٢٣]، والبخيل المنان، والتاجر، والبَيّاع الحلاف"، قال: قلت: يا أبا ذر، ما المال؟ قال: فرق لنا، وذود -يعني بالفرق غنما يسيرة- قال: قلت: لست عن هذا أسال، إنما أسألك عن صامت المال، قال: ما أصبح لا أمسى، وما أمسى لا أصبح، قال: قلت: يا أبا ذر، مالك ولإخوتك قريش؟ قال: واللَّه لا أسألهم دنيا، ولا أستفتيهم عن دين اللَّه ﵎، حتى ألقى اللَّه ورسوله ثلاثًا يقولها. انتهى (٣). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد اللَّه بن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا حسنٌ. وعبد اللَّه بن يسار روى

стр. 12170

عنه جماعة-كما تقدّم- ووثقه ابن حبّان، فهو حسن الحديث. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٦٩/ ٢٥٦٢ - وفي "الكبرى" ٧١/ ٢٣٤٣. وأخرجه (أحمد) في "مسند المكثرين" ٦٠٧٨. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو ذمّ المنّان بما أعطى (ومنها): تحريم عقوق الوالدين، وأنه من الكبائر (ومنها): تحريم تشبّه النساء بالرجال في الزّيّ والهيئة (ومنها): ذمّ الدياثة، وهي إقرار الخبث في أهله، كما بُيّنت في رواية أحمد المتقدّمة، وأنها من الكبائر (ومنها): تحريم إدمان شرب الخمر، وأنه من الكبائر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٥٦٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, عَنْ مُحَمَّدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمُدْرِكِ (١) , عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ, عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الْحُرِّ, عَنْ أَبِي ذَرٍّ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ , يَوْمَ الْقِيَامَةِ, وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ, وَلَا يُزَكِّيهِمْ, وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ, فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: "خَابُوا, وَخَسِرُوا, خَابُوا, وَخَسِرُوا, قَالَ: «الْمُسْبِلُ إِزَارَهُ, وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ, وَالْمَنَّانُ عَطَاءَهُ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (محمد بن بشار) بندار أبو بكر البصري، ثقة [١٠] ٢٤/ ٢٧. ٢ - (محمد) بن جعفر غُندر البصري، ثقة [٩] ٢١/ ٢٢. ٣ - (شعبة) بن الحجاج المذكور قريبًا. ٤ - (عليّ بن المدرك) النخعيّ، أبو مدرك الكوفيّ، ثقة [٤] ١٦٨/ ٢٦١. ٥ - (أبو زرعة بن عمرو بن جرير) بن عبد اللَّه البجليّ الكوفيّ، قيل: اسمه هَرِم، وقيل: غيره، ثقة [٣] ٤٣/ ٥٠. ٦ - (خَرَشَة) -بفتح الخاء المعجمة، والراء، والشين المعجمة- ابن الحرّ -بضمّ المهملة- الفَزَاريّ، كان يتيمًا في حَجْر عمر بن الخطّاب - رضي اللَّه تعالى عنه -. قال الآجريّ، عن أبي داود: خَرَشَة بن الحرّ له صحبةٌ، وأخته سلامة بنت الحرّ لها صحبة. وذكره ابن حبّان في ثقات التابعين. وقال العجليّ: كوفي تابعيّ، من كبار التابعين. وقد ذكره ابن عبد البرّ، وأبو نعيم، وابن منده في الصحابة. وقال أبو موسى

стр. 12171

المدينيّ: خلط أبو عبد اللَّه -يعني ابن منده- بينه، وبين خَرَشَة المراديّ، والظاهر أنهما اثنان. وقال ابن سعد: توفّي في ولاية بشر بن مروان على الكوفة. وقال خليفة: مات سنة (٧٤ هـ). روى له الجماعة، وله عند المصنف هذا الحديث فقط، كرره خمس مرات برقم ٢٥٦٣ و ٢٥٦٤ و ٤٤٦٠ و ٤٤٦١ و ٥٣٣٥. ٧ - (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) جندب بن جنادة الصحابيّ الشهير - رضي اللَّه تعالى عنه -، تقدم ٢٠٣/ ٣٢٢. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، وأن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستة بلا واسطة. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة، وبالكوفيين بعده. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض: علي عن أبي زرعة، عن خرشة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث - (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "ثَلَاَثةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ ) قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: أي بكلام مَن رضي عنه، ويجوز أن يكلّمهم بما يكلّم به من سَخِط عليه، كما جاء في صحيح البخاريّ، من حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه -، مرفوعًا: "يقول اللَّه لمانع الماء: اليوم أمنعك فضلي، كما منعتَ فضلَ ما لم تعمل يداك". وقد حكى اللَّه تعالى أنه يقول للكافرين: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]. وقيل: معناه لا يكلّمهم بغير واسطة، استهانةً بهم. وقيل: معنى ذلك: الإعراض عنهم، والغضب عليهم انتهى (١). وقال النووي -رحمه اللَّه تعالى-: قوله: "ثلاثة لا يكلّمهم اللَّه، ولا ينظر إليهم، ولا يزكّيهم، ولهم عذاب أليم" هو على لفظ الآية الكريمة. قيل: معنى "لا يكلّمهم": أي لا يكلّمهم تكليم أهل الخيرات، وبإظهار الرضى، بل كلام أهل السخط والغضب. وقيل: المراد الإعراض عنهم. وقال جمهور المفسرين: لا يكلّمهم كلامًا ينفعهم، ويَسُرّهم. وقيل: لا يرسل إليهم الملائكة بالتحيّة انتهى (٢). (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) قيده به إشارة إلى أنه محلّ الرحمة المستمرّة، بخلاف رحمة الدنيا، فإنها قد تنقطع بما يتجدّد من الحوادث. قاله في "الفتح" (٣).

стр. 12172

(وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ) أي نظر رحمة، ولطف، وإحسان إليهم. قال في "الفتح": أي لا يرحمه، فالنظر إذا أضيف إلى اللَّه تعالى كان مجازًا، وإذا أضيف إلى المخلوق كان كناية. ويحتمل أن يكون المراد لا ينظر اللَّه إليه نظر رحمة. وقال شيخنا -يعني العراقيّ- في "شرح الترمذيّ": عبّر عن المعنى الكائن عند النظر بالنظر؛ لأنّ من نظر إلى متواضع رَحِمَه، ومن نظر إلى متكبّر مَقَتَه، فالرحمة والمقت متسبّبان عن النظر. وقال الكرمانيّ: نسبة النظر لمن يجوز عليه النظر كناية؛ لأنّ من اعتدّ بالشخص التَفَتَ إليه، ثمّ كثر عبارةً عن الإحسان، وإن لم يكن هناك نظر، ولمن لا يجوز عليه حقيقة النظر، وهو تقليب الحدقة، واللَّه منزه عن ذلك، فهو بمعنى الإحسان، مجاز عما وقع في حقّ غيره كناية. قال: ويؤيّد ما ذُكر من حمل النظر على الرحمة، أو المقت ما أخرجه الطبرانيّ، وأصله في أبي داود، من حديث أبي جُرَيٍّ: "إن رجلًا ممن كان قبلكم، لَبِسَ بردةً، فتبختر فيها، فنظر اللَّه إليه، فمقته، فأمر الأرض، فأخذته" الحديث انتهى ما في "الفتح". قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي ذكروه من نفي نظر اللَّه تعالى حقيقةً، وأنه ليس له نظر، وإنما هو مجاز عن الرحمة غير صحيح، وإنما حملهم على ذلك أنهم ظنّوا أن النظر لا معنى له إلا تقليب الحدقة، وهذا خطأ؛ لأن هذا في النظر المضاف إلى المخلوقين، وأما نظر الخالق، فهو نظر يليق بجلاله، لا نعلم كيفيته، كما لا نعلم حقيقة ذاته العليّة؛ لأن الصفة فرع عن الذات. فالحقّ أن النظر ثابت للَّه تعالى حقيقة، لا مجازًا، وأما تفسير نظره هنا بأنه نظر رحمة، وإحسان، فلا يتنافى مع ما فسّرنا به آنفًا، لأن هذا بيان للمقصود هنا بقرينة الأدلة الأخرى؛ لأن نظر اللَّه تعالى محيط بجميع مخلوقاته، لا يخفى عليه شيء، فكان المراد هنا نظرًا خاصّا، وهو الذي يكون لأوليائه سبحانه، وتعالى، وهو نظر الرحمة، واللطف، والإحسان. والفرق بين إثبات النظر، وكون المراد نظرًا خاصّا، وهو نظر الرحمة، وبين نفي النظر، وكونه بمعنى الرحمة واضح، لا يخفى للمتأمّل. والحديث الذي ذكره الحافظ عن الطبرانيّ، وادعى أنه يؤيّد ما ذكر مَن حَمَلَ النظر على الرحمة، أو المقت، لا يؤيّد مُدّعاه، بل هو موضّحٌ لما قلناه، فإنه أثبت أولًا النظر للَّه تعالى، ثم رتّب المقت عليه بالفاء التعقيبيّة، فقال: "فمقته، فأَمَرَ الأرضَ الخ"، فإن هذا واضح في إثبات النظر للَّه تعالى، وهو الذي قلناه، وقد أوضحت المسألة بأكثر من هذا في غير هذا الموضع، فتبصّر بالإنصاف، ولا تَتَهوَّر بتقليد ذوي الاعتساف، واللَّه

стр. 12173

تعالى وليّ التوفيق. (وَلَا يُزَكِّيهِمْ) أي لا يطهّرهم من دنس ذنوبهم؛ لعظيم جُرْمهم. قال الزجّاج: لا يُثني عليهم، ومن لم يثن عليه عذّبه (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) أي شديد الألم الْمُوجع. قال الواحدي: هو العذاب الذي يَخلُصُ إلى قلوبهم وَجَعُه، قال: والعذاب: كلّ ما يُعْيِي الإنسان، وَيشُقّ عليه، قال: وأصل العذاب في كلام العرب من العذب، وهو المنع، يقال: عذبته عَذْبًا: إذا منعته، وعَذَب عُذوبًا: أي امتنع، وسمّي المّاء عذْبًا؛ لأنه يمنع العطش، فسمّي العذاب عذابًا؛ لأنه يمنع المعاقَبَ من معاودة جُرْمه، وبمنع غيره من مثل فعله. ذكره النوويّ في شرحه لصحيح مسلم (١). وقال الراغب في "مفرداته": واختُلف في أصله، فقال بعضهم: هو من قولهم: عَذَبَ الرجلُ: إذا ترك المأكل والنوم، فهو عاذِبٌ، وعَذُوبٌ، فالتعذيب في الأصل حَملُ الإنسان أن يَعْذِبَ: أي يجوعَ، ويسهَرَ. وقيل: أصله من الْعَذْبِ، فعذّبتُهُ: أي أزلتُ عَذْبَ حياته، على بناء مَرَّضته، وقَذّيته. وقيل: أصل التعذيب إكثار الضرب بعَذَبَة السّوط، أي طرفها. وقد قال بعض أهل اللغة: التعذيب هو الضرب. وقيل: هو من قولهم: ماءٌ عَذَبٌ، إذا كان فيه قَذًى وكَدَرٌ، فيكون عذّبته، كقولك: كدّرت عيشَهُ، وزَلَّقتُ حياته. وعَذَبَة السوط، واللسان، والشجر: أطرافها، انتهى (٢). (فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّه ﷺ ) أي قرأ هذه الجُمَل المذكورة (فَقَالَ: أَبُو ذَرٍّ) - رضي اللَّه تعالى - عنه (خَابُوا) أي لم يظفروا بمرادهم، والكلام يحتمل أن يكون دعاء عليهم بالخيبة، وأن يكون إخبارًا بخيبتهم. يقال: خاب يخيب خَيبة: إذا لم يظفر بما طلب، وخيّبه اللَّه تعالى -بالتشديد-: جعله خائبًا. أفاده الفيّوميّ (وَخَسِرُوا) أي هلكوا، والكلام عليه كسابقه (خَابُوا، وَخَسِرُوا) كرره مرّتين للتأكيد. زاد في رواية مسلم: "من هم يا رسول اللَّه". (قَالَ) ﷺ (الْمُسْبِلُ إِزَارَهُ) من الإسبال، وهو الإرخاء عن الحدّ الذي ينبغي الوقوف عنده. يعني: أنّ أحد الثلاثة الذين لهم هذا الوعيد الشديد: هوالرجل الذي يُرخِي إزاره، ويجرّ طَرَفه خُيَلاءً، كما جاء مفسّرًا في حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - المتّفق عليه: "لا ينظر اللَّه إلى من جرّ ثوبه خيلاء". والخيلاء الكبر، والعجب. قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: وهذا التقييد بالجرّ خيلاء يُخصّص عموم المسبل

стр. 12174

إزاره، ويدلّ على أن المراد بالوعيد من جرّ خُيَلَاءً، وقد رَخّص النبيّ ﷺ في ذلك لأبي بكر الصدّيق - رضي اللَّه تعالى عنه -، فقد أخرج الشيخان، من حديث عبد اللَّه بن عمر ﵄، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَن جَرَّ ثوبه خيلاء، لم ينظر اللَّه إليه يوم القيامة"، فقال أبو بكر: إن أحد شقي ثوبي يسترخي، إلا أن أتعاهد ذلك منه، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إنك لست تصنع ذلك خيلاء" (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحاصل أن الوعيد المذكور خاصّ بمن جرّه خُيلاء، وأما جرّه بغير الخيلاء، فحرامٌ؛ لما أخرجه البخاريّ، من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ ، قال: "ما أسفَلَ من الكعبين، من الإزار ففي النار". [تنبيه]: يستثنى من ذلك النساء؛ لما أخرجه الترمذيّ، وصحّحه، من طريق أيوب، عن نافع، عن ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -، متّصلًا بحديثه المذكور في قصّة أبي بكر - رضي اللَّه تعالى عنه -: فقالت أم سلمة: فكيف تصنع النساء بذيولهنّ؟ فقال: "يُرخين شبرًا"، فقالت: إذًا تنكشف أقدامهنّ، قال: "فيرخينه ذراعًا، لا يزدن عليه". لفظ الترمذيّ. قال الحافظ: وقد عزا بعضهم هذه الزيادة لمسلم، فوهم، فإنها ليست عنده، وكأنّ مسلمًا أعرض عن هذه الزيادة للاختلاف فيها على نافع، فقد أخرجه أبو داود، والنسائيّ (٢) وغيرهما، من طريق عبيد اللَّه بن عمر، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة. وأخرجه أبو داود من طريق أبي بكر بن نافع، والنسائيّ، من طريق أيوب بن موسى، ومحمد بن إسحاق، ثلاثتهم، عن نافع، عن صفية بنت أبي عبيد، عن أم سلمة. وأخرجه النسائيّ من رواية يحيى بن أبي كثير، عن نافع، عن أم سلمة نفسها، وفيه اختلاف آخر، ومع ذلك فله شاهد من حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - أخرجه أبو داود من رواية أبي الصّديق، عن ابن عمر، قال: "رخص رسول اللَّه ﷺ لأمهات المؤمنين شبرًا، ثم استزدنه، فزادهنّ شبرًا، فكن يرسلن إلينا، فنذرع لهنّ ذراعًا". وأفادت هذه الرواية قدر الذراع المأذون فيه، وأنّه شبران بشبر اليد المعتدلة. قال الحافظ: ويستفاد من هذا الفهم التعقّب على من قال: إن الأحاديث المطلقة في الزجر عن الإسبال مقيّدة بالأحاديث الأخرى المصرّحة بمن فعله خيلاء. وسيأتي تمام البحث في هذه المسألة في "كتاب الزينة"، في أواخر الكتاب -١٠٥/ ٥٣٣٦ - إن شاء اللَّه تعالى. [تنبيه]: قال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبريّ، وغيره: وذَكَر إسبال الإزار

стр. 12175

وحده؛ لأنه كان عامّة لباسهم، وحكم غيره من القميص وغيره حكمه. قال النوويّ: وقد جاء ذلك مبيّنًا منصوصًا عليه من كلام رسول اللَّه ﷺ ، من رواية سالم بن عبد اللَّه، عن أبيه، عن النبي ﷺ ، قال: "الإسبال في الإزار، والقميص، والعمامة، مَن جَرَّ منها شيئا، خُيَلاء، لم ينظر اللَّه إليه يوم القيامة" (١). وسيأتي تمام البحث فيه في "كتاب الزينة" -١٠١٥٣٢٦ - وما بعدها من الأبواب، إن شاء اللَّه تعالى. (وَالْمُنَفِّقُ) بتشديد الفاء، من نَفَّقَ السِّلْعَة: إذا رَوَّجَها، قاله في "القاموس"، وفي "المصباح": ونَفَقَتِ السِّلْعَةُ، والمرأةُ نَفَاقًا، بالفتح: كثُر طُلَّابها، وخُطّابها انتهى (سِلْعَتَهُ) بكسر السين المهملة، وسكون اللام: البِضَاعة، جمعها سِلَعٌ، مثلُ سدر وسِدَرٍ. ومثله سِلْعة الجسد (٢)، وهي الغدّة، وأما السَّلْعَة بَالفتح، فهي الشجّة، وجمعها سَلَعات، مثل سجدة وسَجَدات، وقد نظم ذلك بعضهم بقوله [من الرجز]: وَسِلْعَةُ الْمَتَاعِ سِلْعَةُ الْجَسَدْ … كُلٌّ بِكَسْرِ السِّينِ هَكَذَا وَرَدْ أَمَّا الَّتِي بِالْفَتحِ فَهْيَ الشَّجَّهْ … عِبَارَةُ "الْمِصْبَاحِ" فَاسْلُكْ نَهجَهْ (بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ) بكسر اللام، وإسكانها، وممن ذكر الإسكان ابنُ السّكّيت في أول "إصلاح المنطق". قاله النوويّ. (وَالْمَنَّانُ عَطَاءَهُ) تقدّم تفسيره في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي ذرّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٦٩/ ٢٥٦٣ و ٢٥٦٤ وفي "البيوع" ٥/ ٤٤٥٨ و ٤٤٥٩ وفي "الزينة" ١٠٤/ ٥٣٣٢ و ٥٣٣٣ - وفي "الكبرى" ٧١/ ٢٣٤٤ و ٢٣٤٥ و"البيوع" ٥/ ٦٠٥٠ و ٦٠٥١ و"الزينة" ١٠٣/ ٩٧٠١ و ٩٧٠٢. وأخرجه (م) في "الإيمان" ١٠٦ (د) في "اللباس" ٤٠٨٧ (ت) في "البيوع" ١٢١١ (ق) في "التجارة" ٢٢٠٨ (أحمد) في "مسند

стр. 12176

الأنصار" ٢١٠٣٤ "الدارميّ" في "البيوع" ٢٦٠٥. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو ذمّ المنّان بما أعطى، وأنّ المنّ مُحرَّم (ومنها): أن اللَّه ينظر إلى عباده المؤمنين المستقيمين، ويزكّيهم، يوم القيامة، وينجيهم من عذابه، وأن من أجرم بالإسبال، وتنفيق السلعة باليمين الكاذبة، والمنّان بما أعطي لا ينظر إليهم، ولا يزكّيهم، ولهم عذابٌ أليم (ومنها): أن هذه الأفعال المذكورة من الكبائر؛ لأنه تعالى لا يتوعّد بهذا الوعيد الشديد إلا من ارتكب الذنوب الكبائر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعمِ الوكيل. ٢٥٦٤ - (أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ, عَنْ شُعْبَةَ, قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ -وَهُوَ الأَعْمَشُ - عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُسْهِرٍ, عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الْحُرِّ, عَنْ أَبِي ذَرٍّ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ , يَوْمَ الْقِيَامَةِ, وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ, وَلَا يُزَكِّيهِمْ, وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: الْمَنَّانُ بِمَا أَعْطَى, وَالْمُسْبِلُ إِزَارَهُ, وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ»). قالَ الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، وكلّهم تقدّموا، غير: ١ - (سليمان بن مُسهر) الفزاريّ الكوفيّ، ثقة [٤]. روى عن خَرَشَة بن الحرّ. وعنه إبراهيم النخعيّ، وهو من أقرانه، والأعمش. قال النسائيّ، والعجليّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات" في الطبقة الثالثة. وذكره ابن منده في "كتاب الصحابة"، وخطّأه أبو نعيم، وقال: بل هو تابعيّ. روى له مسلم، وأبو داود، والمصنّف، وله عند المصنّف هذا الحديث كرره ثلاث مرات برقم ٢٥٦٤ و ٤٤٦١ و ٥٣٣٥. و"بشر بن خالد": هو العسكريّ، أبو محمد الفرائضيّ، نزيل البصرة، ثقة يُغرب [١٠] ٢٦/ ٨١٢. والحديث صحيح، وقدم شرحه، والكلام على مسائله في الحديث الذي قبله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلت، وإليه أنيب".

стр. 12177

٧٠ - (بَابُ رَدِّ السَّائِلِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بردّه ردَّهُ بإعطاء شيء مما تيسّر، لا ردّه خائبًا، كما يوضحه الحديث الذي أورده في الباب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٥٦٥ - (أَخْبَرَنِي (١) هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْنٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ ح وَأَنْبَأَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ زَيْدِ (٢) بْنِ أَسْلَمَ, عَنِ ابْنِ بُجَيْدٍ الأَنْصَارِيِّ, عَنْ جَدَّتِهِ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «رُدُّوا السَّائِلَ, وَلَوْ بِظِلْفٍ» , فِي حَدِيثِ هَارُونَ: "مُحْرَقٍ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (هارون بن عبد اللَّه) الحمال، أبو موسى البغدادي، ثقة حافظ [١٠] ٥٠/ ٦٢. ٢ - (قتيبة بن سعيد) الثقة الثبت [١٠] ١/ ١. ٣ - (معن) بن عيسى القزّاز، أبو يحيى المدني، ثقة ثبت، قال أبو حاتم: هو أثبت أصحاب مالك، من كبار [١٠] ٥٠/ ٦٢. ٤ - (مالك) بن أنس الإمام الحجة الفقيه الشهير [٧] ٧/ ٧. ٥ - (زيد بن أسلم) العدوي المدني الفقيهن ثقة، يرسل [٣] ٦٤/ ٨٠. ٦ - (ابن بُجيد) هو: عبد الرحمن بن بُجَيد- بموحّدة مصغّرًا- ابن وهب بن قيظيّ بن قيس ابن لوذان بن ثعلبة بن عليّ بن مجدعة بن حارثة الأنصاريّ الحارثيّ المدنيّ، مختلف في صحبته. روى عن النبيّ ﷺ ، وعن جدّته، أم بُجيد. وعنه زيد بن أسلم، ومحمد بن إبراهيم ابن الحارث، وسعيد المقبريّ. قال ابن عبد البرّ: أنكر على سهل بن أبي حَثمة حديثَ القسامة، وكان يُذكَر بالعلم، وفي صحبته نظر، إلا أنه روى عن النبيّ ﷺ ، فمنهم من يقول: إنه حديثٌ مرسل. وذكره ابن حبّان في ثقات التابعين، وقال: يقال: إنّ له صحبة. وقال أبو القاسم البغويّ: لا أدري له صحبةٌ، أم لا؟. وقال أبو نُعيم: قال ابن أبي داود: له صحبة.

стр. 12178

قال الحافظ: وأشار أبو عمر بقوله: "أنكر إلخ" إلى ما وقع في سياقه عند أبي داود أنّ سهل ابن أبي حثمة وَهِمَ. وروى قاسم بن أصبغ حديثه المذكور في "القسامة" من طريق محمد بن إبراهيم بن الحارث التيميّ، وما هو بأكثر علمًا منه، ولكنّه كان أسنّ منه انتهى. ولم يذكر أبو داود هذه الزيادة. وعند النسائيّ من طريق مالك، عن زيد بن أسلم، عن ابن بُجَيد، عن جدّته حديثٌ غير هذا -يعني حديث الباب- قال: وكذا وقع غير مسمّى لأكثر رواة "الموطّإ"، وسمّاه يحيى بن بُكير محمدًا، وجزم بهذا، فكان يلزم المزّيّ أن يترجم لمحمد بن بُجيد، وكأنه اعتمد على ما وقع في "الأطراف" في مسند أم بُجيد، فقال في رواية النسائيّ من طريق مالك، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن بُجيد، وليس هو في شيء من "الأطراف"، وذلك أنه وقع من طريق أخرى عن سعيد المقبريّ، عن عبد الرحمن بن بُجيد، عن جدّته، أم بُجيد -يعني الآتي للمصنف برقم ٧٦/ ٢٥٧٤ - فظنّ مصنّف "الأطراف" اتحاد الروايتين، فجزم بأن شيخ ابن أسلم هو عبد الرحمن بن بُجيد، وفيه نظر؛ لأنه لا مانع أن يكون محمد بن بجيد شيخ زيد بن أسلم، غير عبد الرحمن بن بجيد شيخ سعيد المقبريّ، وأن كلاّ منهما يروي عن جدّته انتهى كلام الحافظ. روى له أبو داود، والترمذيّ، والمصنّف، وله عنده هذا الحديث، وأعاده برقم ٢٥٧٤. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله الحافظ من تعدّد الروايتين، وكون شيخ زيد ابن أسلم غير شيخ سعيد القبريّ عندي محلّ توقّف. واللَّه تعالى أعلم. ٧ - (جدته) أم بُجيد الأنصارية - رضي اللَّه تعالى عنها -، كانت من المبايعات، أخرج لها أبو داود، والترمذي، والمصنف، ولها في هذا الكتاب هذا الحديث، وأعاده برقم (٢٥٧٤). واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى- بالنسبة للسند الأول، ومن خماسياته بالنسبة للثاني، فهو أعلى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير ابن بجيد، وجدته، فأخرج لهما أبو داود، والترمذي، والمصنف. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَن) عبد الرحمن (ابْنِ بُجَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ جَدَّتِهِ) أم بُجَيد الأنصاريّة، يقال: اسمها حَوّاء، وكانت من المبايعات، - رضي اللَّه تعالى عنها -، وفي الرواية الآتية -٧٦/ ٢٥٧٤ - من طريق سعيد المقبريّ، عن عبد الرحمن بن بُجيد، عن جدّته أمّ بُجيد، وكانت ممن بايعت رسول اللَّه ﷺ أنها قالت لرسول اللَّه ﷺ : إن المسكين ليقوم على

стр. 12179

بابي، فما أجد له شيئًا، أعطيه إياه، فقال لها رسول اللَّه ﷺ : "إن لم تجدي شيئًا تعطينه إياه، إلا ظلفا محرقا، فادفعيه إليه" (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "رُدُّوا السَّائِلَ") كناية عن إعطائه (وَلَوْ بِظِلْفٍ) -بكسر الظاء المعجمة، وسكون اللام، بعدها فاء- هو من الشاء، والبقر، ونحوه، كالظفر من الإنسان، والجمع أظلاف، مثلُ حِمْل وأَحْمَال. وقوله (في حَدِيثِ هَارُونَ: مُحْرَقٍ) يعني أن لفظ رواية هارون بن عبد اللَّه: "ولو بظلف محرق" بزيادة "محرق". وهو كناية عن الشيء القليل، والمقصود المبالغة في الحثّ على الصدقة. والمعنى: تصدّقوا بما تيسّر، وإن قلّ، ولا تجعلوا السائل محرومًا، بل أعطوه شيئًا، ولو كان شيئًا يسيرًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أم بُجيد - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٧٠/ ٢٥٦٥ و ٧٦/ ٢٥٧٤ - وفي "الكبرى" ٧٢/ ٢٣٤٦ و ٧٨/ ٢٣٥٥. وأخرجه (د) في "الزكاة" ١٦٦٧ (ت) في "الزكاة" ٦٦٥ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ٢٦٦٠٧ و ٢٦٦١٠ (مالك) في "الموطإ" ١٧١٤. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلت، وإليه أُنيب". … ٧١ - (بَابُ مَنْ يُسْأَلُ وَلَا يُعْطِي) أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على ذمّ الشخص الذي يُسأل شيئًا، وهو يقدر عليه، فيمنعه السائل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٥٦٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ (١) , قَالَ: سَمِعْتُ بَهْزَ بْنَ حَكِيمٍ يُحَدِّثُ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ جَدِّهِ, قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَقُولُ «لَا يَأْتِى رَجُلٌ

стр. 12180

مَوْلَاهُ, يَسْأَلُهُ مِنْ فَضْلٍ عِنْدَهُ, فَيَمْنَعُهُ إِيَّاهُ, إِلاَّ دُعِيَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعٌ أَقْرَعُ, يَتَلَمَّظُ فَضْلَهُ الَّذِي مَنَعَ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (محمد بن عبد الأعلى) الصنعاني البصري، ثقة [١٠] ٥/ ٥. ٢ - (المعتمر) بن سليمان بن طرخان، أبو محمد البصري، ثقة، من كبار [٩] ١٠/ ١٠. ٣ - (بهز بن حكيم) القشيري، أبو عبد الملك البصري، صدوق [٦] ١/ ٢٤٣٦. ٤ - (أبوه) حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري، صدوق [٣] ١/ ٢٤٣٦. ٥ - (جدّه) معاوية بن حَيْدَةَ بن معاوية بن كعب القشيري، صحابي نزل البصرة، ومات بخراسان، تقدم في ١/ ٢٤٣٦. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن أبيه، عن جده. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث عن معاوية بن حَيْدة - رضي اللَّه تعالى عنه - أنه (قال: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: "لَا يَأْتِي رَجُلٌ مَوْلَاهُ، يَسْأَلُهُ) حال من "رجل"، أي حال كونه سائلًا له وجاز إتيان الحال من النكرة؛ لوقوعها في سياق النفي، كما قال في "الخلاصة": وَلَمْ يُنَكَّرْ غَالِبًا ذُو الْحَالِ إنْ … لَمْ يَتَأخَّرْ أَوْ يُخَصَّصْ أَوْيَبِنْ مِنْ بَعْدِ نَفْي أوْ مُضَاهِيهِ كَلَا … يَبْغِي امْرُؤٌ عَلَى امْرىءٍ مُسْتسْهِلَا (مِنْ فَضْلِ عِنْدَهُ) أي بعض شيء فاضل عن حاجته، وفيه إشارة إلى أنّ الشخص لا يلام في منع ما لم يفضل عن حاجه (فَيَمْنَعَهُ إِيَّاهُ) بنصب الفعل بـ "أَنْ" مضمرة بعد الفاء السببيّة الواقعة بعد النفي، كما قال في "الخلاصة": وَبَعْدَ فَا جَوَابِ نَفْيٍ أَوْ طَلَبْ … مَحْضَيْنِ "أَنْ" وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ (إِلَّا دُعِيَ لَهُ يَومَ الْقِيَامَةِ) أي لذلك المولى المانع فضلَ ما عنده (شُجَاعٌ) بالرفع على أنه نائب الفاعل لـ "دُعِي". وفي بعض النسخ "شجاعًا" بالنصب، وعلى هذا فهو حال مقدّمة على صاحبها، وهو "فضله الذي منع" الآتي، وهو النائب عن الفاعل. وهذا الوجه يحتمل أيضًا على الصورة الأولى، ولا يعترض بعدم كتابته بالألف؛ لأنه يُحمَل على لغة ربيعة، وعادة القدماء الذين كانوا يرسمون المنصوب المنون بصورتي

стр. 12181

المرفوع والمجرور. والمعنى: إلا دُعِيَ له يوم القيامة فضلُهُ الذي منعه، حال كونه شجاعًا أقرع. ولفظ أبي داود: "إلا دُعي له يوم القيامة فضلُهُ الذي منعه، شجاعًا أقرعَ"، وهي واضحة. و"الشجاع": -بضمّ الشين المعجمة، وكسرها، كغُراب، وكِتاب-: الحيّة مطلقًا، أو الذكر منها، أو ضَرْبٌ منها صغير، جمعه شِجْعانٌ -بالكسر والضمّ-. أفاده في "القاموس". وفي "اللسان": "الشجاع" ضرب من الحيّات دقيقٌ، زعموا أنه أجرؤها، قال ابن أحمر [من الكامل]: وَحَبَتْ لَهُ أُذُنٌ يُرَاقِبُ سَمْعَهَا … بَصَرٌ كَنَاصِبَةِ الشُجَاعِ الْمُسْخَدِ حَبَت: انتصبت. و"ناصبة الشجاع": عينه التي ينصبها للنظر إذا نظر انتهى. (أَقْرَعُ) صفة لشجاع، قال أبو داود في "سننه" بعد أن أخرج الحديث ما نصّه: الأقرع الذي ذهب شعر رأسه من السمّ انتهى. وقال ابن منظور: الأقرع هو الذي لا شعر على رأسه، يريد حية قد تمعّط جلد رأسه؛ لكثرة سمّه، وطول عمره. وقيل: سمّي أقرع لأنه يَقْرِي السمّ، ويجمعه في رأسه، حتى تتمعّط منه فَرْوَة رأسه. قال ذو الرّمّة يصف حيّة [من الطويل]: قَرَى السُّمَّ حَتَّى انْمَازَ فَرْوَةُ رَأْسِهِ … عَنِ الْعَظْمِ صِلٌّ فَاتِكُ اللَّسْعِ مَارِدُهْ (١) (يَتَلَمَّظُ) أي يُخرج لسانه، يقال: تَلَمّظتِ الحيّةُ: إذا أخرجت لسانها. قاله في "القاموس". أو معناه: يُحرّك لسانه عليه، ويتبع أثره. وقال في "اللسان": التلمّظ: الأخذ باللسان ما يبقى في الفم بعد الأكل. وقيل: هو تتبع الطُّعم والتذوّق. وقيل: هو تحريك اللسان في الفم بعد الأكل، كأنه يتتبّع بقيّة من الطعام بين أسنانه. قال: وقال الجوهريّ: لَمَظَ يَلمُظُ -بالضمّ- لمظًا: إذا تتبّع بلسانه بقيّة الطعام في فمه، أو أخرج لسانه، فمسَحَ به شفتيه، وكذلك التلمّظ انتهى. وقوله (فَضْلُهُ الَّذِي مَنَعَ) بالرفع على أنه النائب عن الفاعل على تقدير نصب "شجاع"، وعلى تقدير رفعه، فهو بدلٌ منه، ولا يقال: إن المبدل منه في نيّة الطرح؛ لأن ذلك أغلبيّ، أو أنّ طرحه بالنسبة للعامل، أي أن عامله مطروحٌ ليس عاملًا في البدل، أو معنى ذلك -كما قال الدمامينيّ-: إن البدل مستقلّ بنفسه، لا متمّمٌ لمتبوعه، كعطف البيان، والنعت (٢). وقد جوّزوا في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ الآية. كون: "الجنّ" بدلًا من

стр. 12182

"شُرَكاء"، مع أنه لا معنى لقوله: "وجعلوا للَّه الجنّ" بدون "شركاء". أو هو خبرٌ لمبتدإ محذوف، أي هو فضله. ويحتمل أن يُنصب بتقدير "أعني"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جدّه هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٧١/ ٢٥٦٦ - وفي "الكبرى" ٧٣/ ٢٣٤٧. وأخرجه (د) في "كتاب الأدب" ٥١٣٩ (أحمد) في "مسند البصريين" ٩٥٢٨ أو ١٩٥٤٣. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو ذمّ منع السائل ما فضل عن الحاجة (ومنها): الوعيد الشديد لمن بخل على عبده بما أنعم اللَّه به عليه (ومنها): أن اللَّه تعالى يُعاقب البخيل بنفس ما بخل به، حيث حمله على البخل به ظنه أنه ينفعه مستقبلًا، فجازاه اللَّه تعالى بأن جعله شجاعًا أقرع، فعذّبه به. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ٧٢ - (مَنْ سَأَلَ بِاللَّهِ -) أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على حكم من سأل باللَّه تعالى، وهو وجوب إعطائه واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٥٦٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنْ مُجَاهِدٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنِ اسْتَعَاذَ بِاللَّهِ, فَأَعِيذُوهُ, وَمَنْ سَأَلَكُمْ بِاللَّهِ, فَأَعْطُوهُ, وَمَنِ اسْتَجَارَ بِاللَّهِ, فَأَجِيرُوهُ وَمَنْ آتَى إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا, فَكَافِئُوهُ, فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَادْعُوا لَهُ, حَتَّى تَعْلَمُوا أَنْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قتيبة) بن سعيد المذكور قبل باب.

стр. 12183

٢ - (أبو عوانة) الوضاح بن عبد اللَّه اليشكري الواسطي، ثقة ثبت [٧] ٤١/ ٤٦. ٣ - (الأعمش) سليمان بن مهران، أبو محمد الكوفي ثقة ثبت ورع، إلا أنه يدلس [٥] ١٧/ ١٨. ٤ - (مجاهد) بن جبر، أبو الحجاج المخزومي مولاهم المكيّ، ثقة إمام في التفسير والعلم [٣] ٢٧/ ٣١. ٥ - (ابن عمر) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٢/ ١٢. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، وفيه ابن عمر - رضي اللَّه تعالى - عنهما من المكثرين السبعة، والعبادلة الأربعة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنِ اسْتَعَاذَ بِاللَّهِ) ولفظ أحمد، وأبي داود: "من استعاذكم باللَّه" (فَأَعِيذُوهُ) أي من طلب منكم أن تدفعوا عنه شرّكم، أو شرّ غيركم باللَّه، مثل أن يقول: يا فلان باللَّه عليك، أو أسألك باللَّه أن تدفع عنّي شرّك، أو شرّ فلان، أو احفظني من فلان، فأجيبوه، واحفظوه تعظيمًا لاسم اللَّه تعالى. وقال الطيبيّ: أي من استعاذ بكم، وطلب منكم دفع شرّكم، أو شرّ غيركم عنه قائلًا: باللَّه أن تدفع عنّي شرّك، فأجيبوه، وادفعوا عنه الشرّ، تعظيمًا لاسم اللَّه تعالى، فالتقدير: من استعاذ منكم، متوسّلًا باللَّه، مستعطفًا به. ويحتمل أن تكون الباء صلةَ "استعاذ"، أي من استعاذ باللَّه، فلا تتعرّضوا له، بل أعيذوه، وادفعوا عنه الشرّ، فوُضِعَ "أَعِيذوا" موضع ادفعوا، ولا تتعرّضوا، مبالغةً. انتهى (١). (وَمَنْ سَأَلَكُمْ بِاللَّهِ) ولفظ أبي داود: "ومن سأل باللَّه" (فَأَعْطُوهُ) تعظيمًا لاسم اللَّه تعالى، وشفقةً على عباده. (وَمَنِ اسْتَجَارَ بِاللَّهِ، فَأَجِيرُوهُ) أي من طلب الأمان، والحفظ، فأمّنوه، واحفظوه (وَمَنْ آتَى إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا) "أتى" بلا مدّ، بمعنى فَعلَ، أي من أحسن إليكم إحسانًا قوليًّا، أو فعليًا. ويحتمل أن يكون "آتى" كأعطى وزنًا ومعنًى، وإنما عدّه بـ "إلى" لتضمينه معنى

стр. 12184

الوصول، أو الإحسان. واللَّه تعالى أعلم (فَكَافِئُوهُ) من المكافأة بالهمز، وهي المجازاة بالمثل، يقال: كافأه مكافأةً، وكِفَاءً: ماثله. وكلّ شيء ساوى شيئًا حتى يكون مثله، فهو مكافىء له. قاله في "اللسان". والمعنى: أحسنوا إليه بمثل ما أحسن إليكم (فَإنْ لَمْ تَجِدُوا) زاد في رواية أحمد: "ما تكافئوه". والأصل تكافئونه، فسقطت النون بلا ناصب، وجازم، تخفيفًا، على حدّ قول الشاعر [من الرجز]: أَبِيتُ أَسْرِي وَتَبِيتِي تَدْلُكِي … وَجْهَكِ بِالْعَنَبَرِ وَالْمِسْكِ الذّكِي (فَادْعُوا لَهُ) أي كافئوه بالدعاء له، بأن تسألوا اللَّه تعالى أن يكافئه على معروفه (حَتَّى تَعْلَمُوا أَنْ قَدْ كَافَأْتمُوهُ) أي كرّروا الدعاء، وبالغوا فيه حتى تعلموا مكافأتكم له باستجابة دعائكم له. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أن الأمر في الأشياء المذكورة في هذا الحديث للوجوب، إذ الأمر للوجوب، إلا لصارف، والظاهر أنه لا صارف هنا، لكنه مشروط بأمرين: [أحدهما]: أن يكون قادرًا عليه؛ للأدلة الأخرى، كقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ الآية. وقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ الآية، وقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ الآية، ولحديث أبي هريرة ﵁: "ما نهيتكم عنه، فاجتنبوه، وما أمرتكم به، فافعلوا منه ما استطعتم … " الحديث. متفق عليه. [الثاني]: أن يكون السائل باللَّه محتاجًا، لا يسأل تكثّرًا، وإلا كان سؤاله محرمًا، فيكون إعطاؤه إعانةً على الإثم، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ الآية. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٧٢/ ٢٥٦٧ - وفي "الكبرى" ٧٤/ ٢٣٤٨. وأخرجه (د) في "الأدب" ٥١٠٩ (أحمد) في "مسند المكثرين" ٥٣٤٢. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو مشروعيّة إعطاء من سأل باللَّه

стр. 12185

- (ومنها): إعاذة من استعاذ باللَّه (ومنها): إجارة من استجار باللَّه (ومنها): مكافأة من أحسن بالمال، فإن لم يوجد المال، فبالدعاء. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [فائدة]: أخرج الترمذيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "جامعه" بإسناد رجاله ثقات، عن أسامة ابن زيد ﵁، قال، قال رسول اللَّه ﷺ : "من صُنِعَ إليه معروف، فقال لفاعله: جزاك اللَّه خيرًا، فقد أبلغ في الثناء". قال أبو عيسى هذا حديث حسن جيد غريب لا نعرفه من حديث أسامة بن زيد إلا من هذا الوجه. وقد روي عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ بمثله، وسألت محمدا، فلم يعرفه، حدثني عبد الرحيم بن حازم البلخي، قال: سمعت المكيّ بن إبراهيم يقول: كنا عند ابن جريج المكيّ، فجاء سائل، فسأله، فقال ابن جريج لخازنه: أعطه دينارا، فقال: ما عندي إلا دينار، إن أعطيته لَجُعتَ وعيالُك، قال: فغضب، وقال: أعطه، قال المكيّ: فنحن عند ابن جريج، إذ جاءه رجل بكتاب، وصُرَّة، وقد بعث إليه بعض إخوانه، وفي الكتاب: إني قد بعثت خمسين دينارا، قال: فَحَلَّ ابن جريج الصُّرَّة، فعدّها، فإذا هي أحد وخمسون دينارا، قال: فقال ابن جريج لخازنه: قد أعطيت واحدا، فرده اللَّه عليك، وزادك خمسين دينارا. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ٧٣ - (مَنْ سَأَلَ بِوَجْهِ اللَّه -) أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على جواز السؤال بوجه اللَّه . ٢٥٦٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ, قَالَ: سَمِعْتُ بَهْزَ بْنَ حَكِيمٍ, يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ, عَنْ جَدِّهِ, قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ, مَا أَتَيْتُكَ حَتَّى حَلَفْتُ أَكْثَرَ مِنْ عَدَدِهِنَّ -لأَصَابِعِ يَدَيْهِ- أَلاَّ آتِيَكَ, وَلَا آتِيَ دِينَكَ, وَإِنِّي كُنْتُ امْرَأً, لَا أَعْقِلُ شَيْئًا, إِلاَّ مَا عَلَّمَنِي اللَّهُ وَرَسُولُهُ, وَإِنِّي أَسْأَلُكَ بِوَجْهِ اللَّهِ , بِمَا بَعَثَكَ رَبُّكَ إِلَيْنَا؟ , قَالَ: «بِالإِسْلَامِ» , قَالَ: قُلْتُ: وَمَا آيَاتُ الإِسْلَامِ؟ , قَالَ: «أَنْ تَقُولَ: أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ إِلَى
следующие страницы →