← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 12181–12220 · переход к 12186.

стр. 12181

المرفوع والمجرور. والمعنى: إلا دُعِيَ له يوم القيامة فضلُهُ الذي منعه، حال كونه شجاعًا أقرع. ولفظ أبي داود: "إلا دُعي له يوم القيامة فضلُهُ الذي منعه، شجاعًا أقرعَ"، وهي واضحة. و"الشجاع": -بضمّ الشين المعجمة، وكسرها، كغُراب، وكِتاب-: الحيّة مطلقًا، أو الذكر منها، أو ضَرْبٌ منها صغير، جمعه شِجْعانٌ -بالكسر والضمّ-. أفاده في "القاموس". وفي "اللسان": "الشجاع" ضرب من الحيّات دقيقٌ، زعموا أنه أجرؤها، قال ابن أحمر [من الكامل]: وَحَبَتْ لَهُ أُذُنٌ يُرَاقِبُ سَمْعَهَا … بَصَرٌ كَنَاصِبَةِ الشُجَاعِ الْمُسْخَدِ حَبَت: انتصبت. و"ناصبة الشجاع": عينه التي ينصبها للنظر إذا نظر انتهى. (أَقْرَعُ) صفة لشجاع، قال أبو داود في "سننه" بعد أن أخرج الحديث ما نصّه: الأقرع الذي ذهب شعر رأسه من السمّ انتهى. وقال ابن منظور: الأقرع هو الذي لا شعر على رأسه، يريد حية قد تمعّط جلد رأسه؛ لكثرة سمّه، وطول عمره. وقيل: سمّي أقرع لأنه يَقْرِي السمّ، ويجمعه في رأسه، حتى تتمعّط منه فَرْوَة رأسه. قال ذو الرّمّة يصف حيّة [من الطويل]: قَرَى السُّمَّ حَتَّى انْمَازَ فَرْوَةُ رَأْسِهِ … عَنِ الْعَظْمِ صِلٌّ فَاتِكُ اللَّسْعِ مَارِدُهْ (١) (يَتَلَمَّظُ) أي يُخرج لسانه، يقال: تَلَمّظتِ الحيّةُ: إذا أخرجت لسانها. قاله في "القاموس". أو معناه: يُحرّك لسانه عليه، ويتبع أثره. وقال في "اللسان": التلمّظ: الأخذ باللسان ما يبقى في الفم بعد الأكل. وقيل: هو تتبع الطُّعم والتذوّق. وقيل: هو تحريك اللسان في الفم بعد الأكل، كأنه يتتبّع بقيّة من الطعام بين أسنانه. قال: وقال الجوهريّ: لَمَظَ يَلمُظُ -بالضمّ- لمظًا: إذا تتبّع بلسانه بقيّة الطعام في فمه، أو أخرج لسانه، فمسَحَ به شفتيه، وكذلك التلمّظ انتهى. وقوله (فَضْلُهُ الَّذِي مَنَعَ) بالرفع على أنه النائب عن الفاعل على تقدير نصب "شجاع"، وعلى تقدير رفعه، فهو بدلٌ منه، ولا يقال: إن المبدل منه في نيّة الطرح؛ لأن ذلك أغلبيّ، أو أنّ طرحه بالنسبة للعامل، أي أن عامله مطروحٌ ليس عاملًا في البدل، أو معنى ذلك -كما قال الدمامينيّ-: إن البدل مستقلّ بنفسه، لا متمّمٌ لمتبوعه، كعطف البيان، والنعت (٢). وقد جوّزوا في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ الآية. كون: "الجنّ" بدلًا من

стр. 12182

"شُرَكاء"، مع أنه لا معنى لقوله: "وجعلوا للَّه الجنّ" بدون "شركاء". أو هو خبرٌ لمبتدإ محذوف، أي هو فضله. ويحتمل أن يُنصب بتقدير "أعني"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جدّه هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٧١/ ٢٥٦٦ - وفي "الكبرى" ٧٣/ ٢٣٤٧. وأخرجه (د) في "كتاب الأدب" ٥١٣٩ (أحمد) في "مسند البصريين" ٩٥٢٨ أو ١٩٥٤٣. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو ذمّ منع السائل ما فضل عن الحاجة (ومنها): الوعيد الشديد لمن بخل على عبده بما أنعم اللَّه به عليه (ومنها): أن اللَّه تعالى يُعاقب البخيل بنفس ما بخل به، حيث حمله على البخل به ظنه أنه ينفعه مستقبلًا، فجازاه اللَّه تعالى بأن جعله شجاعًا أقرع، فعذّبه به. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ٧٢ - (مَنْ سَأَلَ بِاللَّهِ -) أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على حكم من سأل باللَّه تعالى، وهو وجوب إعطائه واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٥٦٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنْ مُجَاهِدٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنِ اسْتَعَاذَ بِاللَّهِ, فَأَعِيذُوهُ, وَمَنْ سَأَلَكُمْ بِاللَّهِ, فَأَعْطُوهُ, وَمَنِ اسْتَجَارَ بِاللَّهِ, فَأَجِيرُوهُ وَمَنْ آتَى إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا, فَكَافِئُوهُ, فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَادْعُوا لَهُ, حَتَّى تَعْلَمُوا أَنْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قتيبة) بن سعيد المذكور قبل باب.

стр. 12183

٢ - (أبو عوانة) الوضاح بن عبد اللَّه اليشكري الواسطي، ثقة ثبت [٧] ٤١/ ٤٦. ٣ - (الأعمش) سليمان بن مهران، أبو محمد الكوفي ثقة ثبت ورع، إلا أنه يدلس [٥] ١٧/ ١٨. ٤ - (مجاهد) بن جبر، أبو الحجاج المخزومي مولاهم المكيّ، ثقة إمام في التفسير والعلم [٣] ٢٧/ ٣١. ٥ - (ابن عمر) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٢/ ١٢. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، وفيه ابن عمر - رضي اللَّه تعالى - عنهما من المكثرين السبعة، والعبادلة الأربعة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنِ اسْتَعَاذَ بِاللَّهِ) ولفظ أحمد، وأبي داود: "من استعاذكم باللَّه" (فَأَعِيذُوهُ) أي من طلب منكم أن تدفعوا عنه شرّكم، أو شرّ غيركم باللَّه، مثل أن يقول: يا فلان باللَّه عليك، أو أسألك باللَّه أن تدفع عنّي شرّك، أو شرّ فلان، أو احفظني من فلان، فأجيبوه، واحفظوه تعظيمًا لاسم اللَّه تعالى. وقال الطيبيّ: أي من استعاذ بكم، وطلب منكم دفع شرّكم، أو شرّ غيركم عنه قائلًا: باللَّه أن تدفع عنّي شرّك، فأجيبوه، وادفعوا عنه الشرّ، تعظيمًا لاسم اللَّه تعالى، فالتقدير: من استعاذ منكم، متوسّلًا باللَّه، مستعطفًا به. ويحتمل أن تكون الباء صلةَ "استعاذ"، أي من استعاذ باللَّه، فلا تتعرّضوا له، بل أعيذوه، وادفعوا عنه الشرّ، فوُضِعَ "أَعِيذوا" موضع ادفعوا، ولا تتعرّضوا، مبالغةً. انتهى (١). (وَمَنْ سَأَلَكُمْ بِاللَّهِ) ولفظ أبي داود: "ومن سأل باللَّه" (فَأَعْطُوهُ) تعظيمًا لاسم اللَّه تعالى، وشفقةً على عباده. (وَمَنِ اسْتَجَارَ بِاللَّهِ، فَأَجِيرُوهُ) أي من طلب الأمان، والحفظ، فأمّنوه، واحفظوه (وَمَنْ آتَى إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا) "أتى" بلا مدّ، بمعنى فَعلَ، أي من أحسن إليكم إحسانًا قوليًّا، أو فعليًا. ويحتمل أن يكون "آتى" كأعطى وزنًا ومعنًى، وإنما عدّه بـ "إلى" لتضمينه معنى

стр. 12184

الوصول، أو الإحسان. واللَّه تعالى أعلم (فَكَافِئُوهُ) من المكافأة بالهمز، وهي المجازاة بالمثل، يقال: كافأه مكافأةً، وكِفَاءً: ماثله. وكلّ شيء ساوى شيئًا حتى يكون مثله، فهو مكافىء له. قاله في "اللسان". والمعنى: أحسنوا إليه بمثل ما أحسن إليكم (فَإنْ لَمْ تَجِدُوا) زاد في رواية أحمد: "ما تكافئوه". والأصل تكافئونه، فسقطت النون بلا ناصب، وجازم، تخفيفًا، على حدّ قول الشاعر [من الرجز]: أَبِيتُ أَسْرِي وَتَبِيتِي تَدْلُكِي … وَجْهَكِ بِالْعَنَبَرِ وَالْمِسْكِ الذّكِي (فَادْعُوا لَهُ) أي كافئوه بالدعاء له، بأن تسألوا اللَّه تعالى أن يكافئه على معروفه (حَتَّى تَعْلَمُوا أَنْ قَدْ كَافَأْتمُوهُ) أي كرّروا الدعاء، وبالغوا فيه حتى تعلموا مكافأتكم له باستجابة دعائكم له. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أن الأمر في الأشياء المذكورة في هذا الحديث للوجوب، إذ الأمر للوجوب، إلا لصارف، والظاهر أنه لا صارف هنا، لكنه مشروط بأمرين: [أحدهما]: أن يكون قادرًا عليه؛ للأدلة الأخرى، كقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ الآية. وقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ الآية، وقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ الآية، ولحديث أبي هريرة ﵁: "ما نهيتكم عنه، فاجتنبوه، وما أمرتكم به، فافعلوا منه ما استطعتم … " الحديث. متفق عليه. [الثاني]: أن يكون السائل باللَّه محتاجًا، لا يسأل تكثّرًا، وإلا كان سؤاله محرمًا، فيكون إعطاؤه إعانةً على الإثم، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ الآية. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٧٢/ ٢٥٦٧ - وفي "الكبرى" ٧٤/ ٢٣٤٨. وأخرجه (د) في "الأدب" ٥١٠٩ (أحمد) في "مسند المكثرين" ٥٣٤٢. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو مشروعيّة إعطاء من سأل باللَّه

стр. 12185

- (ومنها): إعاذة من استعاذ باللَّه (ومنها): إجارة من استجار باللَّه (ومنها): مكافأة من أحسن بالمال، فإن لم يوجد المال، فبالدعاء. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [فائدة]: أخرج الترمذيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "جامعه" بإسناد رجاله ثقات، عن أسامة ابن زيد ﵁، قال، قال رسول اللَّه ﷺ : "من صُنِعَ إليه معروف، فقال لفاعله: جزاك اللَّه خيرًا، فقد أبلغ في الثناء". قال أبو عيسى هذا حديث حسن جيد غريب لا نعرفه من حديث أسامة بن زيد إلا من هذا الوجه. وقد روي عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ بمثله، وسألت محمدا، فلم يعرفه، حدثني عبد الرحيم بن حازم البلخي، قال: سمعت المكيّ بن إبراهيم يقول: كنا عند ابن جريج المكيّ، فجاء سائل، فسأله، فقال ابن جريج لخازنه: أعطه دينارا، فقال: ما عندي إلا دينار، إن أعطيته لَجُعتَ وعيالُك، قال: فغضب، وقال: أعطه، قال المكيّ: فنحن عند ابن جريج، إذ جاءه رجل بكتاب، وصُرَّة، وقد بعث إليه بعض إخوانه، وفي الكتاب: إني قد بعثت خمسين دينارا، قال: فَحَلَّ ابن جريج الصُّرَّة، فعدّها، فإذا هي أحد وخمسون دينارا، قال: فقال ابن جريج لخازنه: قد أعطيت واحدا، فرده اللَّه عليك، وزادك خمسين دينارا. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ٧٣ - (مَنْ سَأَلَ بِوَجْهِ اللَّه -) أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على جواز السؤال بوجه اللَّه . ٢٥٦٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ, قَالَ: سَمِعْتُ بَهْزَ بْنَ حَكِيمٍ, يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ, عَنْ جَدِّهِ, قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ, مَا أَتَيْتُكَ حَتَّى حَلَفْتُ أَكْثَرَ مِنْ عَدَدِهِنَّ -لأَصَابِعِ يَدَيْهِ- أَلاَّ آتِيَكَ, وَلَا آتِيَ دِينَكَ, وَإِنِّي كُنْتُ امْرَأً, لَا أَعْقِلُ شَيْئًا, إِلاَّ مَا عَلَّمَنِي اللَّهُ وَرَسُولُهُ, وَإِنِّي أَسْأَلُكَ بِوَجْهِ اللَّهِ , بِمَا بَعَثَكَ رَبُّكَ إِلَيْنَا؟ , قَالَ: «بِالإِسْلَامِ» , قَالَ: قُلْتُ: وَمَا آيَاتُ الإِسْلَامِ؟ , قَالَ: «أَنْ تَقُولَ: أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ إِلَى

стр. 12186

اللَّهِ , وَتَخَلَّيْتُ, وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ, وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ, كُلُّ مُسْلِمٍ عَلَى مُسْلِمٍ مُحَرَّمٌ, أَخَوَانِ, نَصِيرَانِ, لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْ مُشْرِكٍ, بَعْدَ مَا أَسْلَمَ عَمَلاً, أَوْ يُفَارِقَ الْمُشْرِكِينَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد هم المذكورون قبل باب، والحديث تقدّم للمصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في "باب وجوب الزكاة" برقم-١/ ٢٤٣٦ - سندًا، ومتنًا، أورده هناك استدلالًا على وجوب الزكاة، وتقدّم هناك شرحه، والكلام على مسائله، وباللَّه تعالى التوفيق. ومحلّ الاستدلال على الترجمة هنا قوله: "أسألك بوجه اللَّه "، فإن النبيّ ﷺ أقرّه عليه، فدلّ على أنّ السؤال بوجه اللَّه مشروع. واللَّه تعالى أعلم. [فإن قلت]: كيف تجمع بين حديث الباب، وحديث: "ملعونٌ من سأل بوجه اللَّه، وملعونٌ من يُسأل بوجه اللَّه، ثم منع سائله ما لم يسأله هُجْرًا". رواه الطبرانيّ، قال المنذريّ: رجاله رجال الصحيح، إلا شيخه، يحيى بن عثمان بن صالح، وهو ثقة انتهى؟. [قلت]: الذي يظهر لي -واللَّه تعالى أعلم- أن يُجمَعُ بينهما يحمل حديث الطبرانيّ على من يسأل بوجه اللَّه تعالى بلا حاجة تدعوه لذلك، وإنما لمجرّد عدم مبالاته بعظمة اسم اللَّه تعالى. وأما الحديث الذي أخرجه أبو داود من طريق سليمان بن معاذ التميمي، حدثنا ابن المنكدر، عن جابر، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يسأل بوجه اللَّه، إلا الجنة". فإنه حديث ضعيف؛ لأن في سنده سليمان بن معاذ، وهو سليمان بن أرقم بن معاذ، نُسب لجدّه، وهو ضعيف. واللَّه تعالى أعلم. وقوله: "وإني كنت امرأ" "كان" هنا زائدة، ويحتمل أن تكون بمعنى "صار"، وإني صِرْتُ امرأً الخ. وقوله: "بما بعثك اللَّه" "ما" استفهاميّةٌ، والغالب فيها أن تحذف ألفها إذا جُرّت، وتقدّم تمام البحث فيه في الباب المذكور. وقوله: "مُحْرِم" تقدّم ضبطه بصيغة اسم الفاعل من أحرم رباعيًّا، بمعنى أنه يُحرِّمُ أذاك عليه. ويحتمل أن يكون بصيغة اسم المفعول المضعّف، من حُرِّمَ، أي حَرّم اللَّه تعالى تعرّض مسلم على مسلم بالأذى، إلا بما شرعه الشارع، كالقصاص، وإقامة الحدود عليه، وتضمينه المال إذا أتلف مال غيره، ونحو ذلك. وقوله: "أخوان" خبر لمحذوف، أي هما أخوان. وقوله: "أو يفارق الخ" بالنصب بـ "أن" مضمرة وجوبًا بعد "أو" التي بمعنى "إلى"، أي إلى أن يفارق المشركين، وفيه

стр. 12187

وجوب الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام، فمن لم يهاجر فلا تقبل له الأعمال، والظاهر أن هذا قبل فتح مكّة، أو يحمل على ما إذا لم يتمكّن من إقامة دينه في بلاد المشركين، وإلا فالهجرة تكون مستحبّة. فافهم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلت، وإليه أنيب". … ٧٤ - (منْ يَسْأَلُ بِاللَّهِ ، وَلَا يُعْطِي) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: يحتمل بناء الفعل الأول للفاعل، وللمفعول، فيكون المعنى على الأوّل: هذا باب ذكر ذمّ من يَسأل شيئًا باللَّه تعالى لنفسه، ولا يعطي إذا سأله به سائل، حيث جمع بين قبيحين، سؤاله باللَّه تعالى لنفسه، ومنعه من سأله به، فاستخفّ باسم اللَّه تعالى في الحالتين. ويكون المعنى على الثاني: ذمّ من يسأله الناس شيئًا باللَّه تعالى، فلا يُعطيهم ما سألوه، أي مِع القدرة عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٥٦٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا (١) ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ خَالِدٍ الْقَارِظِيِّ, عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ النَّاسِ مَنْزِلاً» , قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ, قَالَ: «رَجُلٌ آخِذٌ بِرَأْسِ فَرَسِهِ, فِي سَبِيلِ اللَّهِ , حَتَّى يَمُوتَ, أَوْ يُقْتَلَ, وَأُخْبِرُكُمْ بِالَّذِي يَلِيهِ» , قُلْنَا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ, قَالَ: «رَجُلٌ مُعْتَزِلٌ فِي شِعْبٍ, يُقِيمُ الصَّلَاةَ, وَيُؤْتِى الزَّكَاةَ, وَيَعْتَزِلُ شُرُورَ النَّاسِ, وَأُخْبِرُكُمْ بِشَرِّ النَّاسِ» , قُلْنَا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ, قَالَ: «الَّذِي يُسْأَلُ بِاللَّهِ , وَلَا يُعْطِي بِهِ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (محمد بن رافع) أبو عبد اللَّه النيسابوري، ثقة عابد [١١] ٩٢/ ١١٤.

стр. 12188

٢ - (ابن أبي فُدَيكَ) هو: محمد بن إسماعيل بن مسلم الدِّيليُّ مولاهم، أبو إسماعيل المدنيُّ، صدوق من صغار [٨] ٥١/ ٩٦٢. ٣ - (ابن أبي ذئب) هو: محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث أبي ذئب القرشيّ المدنيّ، ثقة [٧] ٤١/ ٦٨٥. ٤ - (سَعِيدِ بْنِ خَالِدٍ) بن عبد اللَّه بن قارظ -بالظاء المشالة- الكنانيّ الْقَارِظِيّ المدنيّ، حليف بني زهرة، صدوق [٣]. قال النسائيّ في "الجرح والتعديل": ثقة. وقال الدارقطنيّ: مدنيّ يُحتجّ به. وذكره ابن حبّان في "الثقات" (١). وقال ابن سعد: توفّي في آخر سلطان بني أُميّة، وله أحاديث. روى له "أبو داود، والمصنّف، وابن ماجه"، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث برقم ٢٥٦٩ و ٤٢٦٢ و ٤٣٥٥. ٥ - (إِسْمَاعيلُ بْنُ عَبدِ الرَّحْمَنِ) بن ذُؤيب، وقيل: ابن أبي ذئب الأسديّ، ثقة [٣] ٤٥/ ٥٩١. ٦ - (عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ) الهلاليّ مولاهم، أبو محمد المدنيّ، مولى ميمونة - رضي اللَّه تعالى عنها -، ثقة فاضل، صاحب مواعظ، وعبادة، من صغار [٣] ٦٤/ ٨٠. ٧ - (ابن عباس) البحر الحبر - رضي اللَّه تعالى عنهما -. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سباعيات المصنف؛ وأنه مسلسل بالمدنين غير شيخه، فنيسابوري، وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: سعيد عن إسماعيل عن عطاء، وهو من رواية الأقران، فإنهم من الطبقة الثالثة، وفيه ابن عباس ﵄ من العبادلة الأربعة والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "أَلَا أُخْبِرُكُمْ") "ألا" مركّبة من همزة الاستفهام التقريريّ، و"لا" النافية (بِخَيْرِ النَّاسِ) أي بمن هو من خير الناس، وكذلك قوله: "بِشَرّ الناس"، أي بمن هو من شرّ الناس. وقيل: أطلق للمبالغة في الحثّ على الأوّل، والتحذير عن الثاني.

стр. 12189

وقال القاضي عياض: وهذا عامّ مخصوص، وتقديره: "من خير الناس"، وإلّا فالعلماء الذين حملوا الناس على الشرائع، والسنن، وقادوهم إلى الخير أفضل، وكذا الصدّيقون، كما جاءت به الأحاديث، ويؤيّده أن في رواية للنسائيّ: "إن من خير الناس رجلًا عَمِلَ في سبيل اللَّه على ظهر فرسه" بـ "من" التي للتبعيض انتهى. وقال الحافظ: وفي رواية للحاكم: سئل أَيُّ المؤمنين أكمل إيمانًا؟، قال: "الذي يجاهد في سبيل اللَّه بنفسه، وماله الخ". وكأنّ المراد بالمؤمن من قام بما تعين عليه القيام به، ثمّ حصّل هذه الفضيلة، وليس المراد من اقتصر على الجهاد، وأهمل الواجبات العينيّة، وحينئذ فيظهر فضل المجاهد؛ لما فيه من بذل نفسه، وماله للَّه تعالى، ولما فيه من النفع المتعدّي (١) (مَنْزِلًا) قال الباجيّ: أي أكثرهم ثوابًا، وأرفعهم درجةً. (قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "رَجُلٌ) بالرفع خبر لمبتدإ محذوف، أي هو رجلٌ (آخِذٌ) صفة لـ "رجل" (بِرَأْسِ فَرَسِهِ، فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) كناية عن مداومة الجهاد. وفي رواية "الموطّإ": "رجل آخذ بعنان فرسه، يجاهد في سبيل اللَّه". ولفظ الترمذيّ: "ممسكٌ بعنان فرسه". و"العِنَان" -بالكسر-: اللَّجَام. قال الباجيّ: يريد- واللَّه أعلم- أنه مواظبٌ على ذلك، ووصفه بأنه آخذ بعنان فرسه، يجاهد في سبيل اللَّه بمعنى أنه لا يخلو في الأغلب من ذلك، راكبًا له، أو قائدًا معظم أمره، ومقصوده من تصرّفه، فوصف بذلك جميع أحواله، وإن لم يكن آخذًا بعنان فرسه في كثير منها انتهى (حَتَّى يَمُوتَ، أَوْ يُقْتَلَ، وَأَخْبِرُكُمْ بِالَّذِي يَلِيهِ") أي يتّبعه في الخيريّة، وفي رواية الترمذيّ: "بالذي يتلوه". وفي رواية "الموطّإ": "ألا أُخبركم بخير الناس منزلّا بعده". قال الباجيّ -رحمه اللَّه تعالى-: وصف رسول اللَّه ﷺ أفضل المنازل، ونصّ عليها، ورغّب فيها من قَوِيَ عليها، وأخبر بعد ذلك من قَصَرَ عن هذه الفضيلة، وضَعُف عنها، فليس كلّ الناس يستطيع الجهاد، ولا يقدر على أن يكون آخذًا بعِنَان فرسه فيه، ففي الناس الضعيف، والكبير، وذو الحاجة، والفقير انتهى (قُلْنَا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "رَجُلٌ مُعْتَزِلٌ") خبر لمحذوف: أي هو رجلٌ معتزل، بصيغة اسم الفاعل من اعتزل عن الناس: إذا انفرد عنهم، أي متباعدٌ عن الناس، منفرد عنهم (فِي شِعْبٍ) -بكسر الشين المعجمة، وسكون العين المهملة-: هو الطريق، أو الطريق في الجبل، والجمع شِعَاب -بالكسر أيضًا. والمراد أنه منفرد عن الناس في موضع خال من

стр. 12190

البوادي، والصحارى. ولفظ الترمذيّ: رجلٌ معتزلٌ في غُنيمة له، يؤدّي حقّ اللَّه فيها". وهو تصغير غَنَم، وهو مؤنّث سماعيّ، ولذلك صُغّر بالتاء، والمراد قطعة من الغنم، وفيه إشارة إلى قلّتها. قال الحافظ أبو عمر -رحمه اللَّه تعالى-: إنما وردت الأحاديث بذكر الشِّعْب، والجبل؛ لأن ذلك في الأغلب يكون خاليًا من الناس، فكلّ موضع يبعد عن الناس، فهو داخلٌ في المعنى. انتهى. (يُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَيُؤْتِي الزَّكَاةَ) زاد في رواية "الموطّإ": ويعبد اللَّه، لا يشرك به شيئًا" (وَيعْتَزِلُ شُرُورَ النَّاسِ) يحتمل أن تكون الإضافة فيه بمعنى اللام، فيكون المعنى: يبتعد عن إيصال شروره للناس، فيكون بمعنى حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ عند الشيخين: "ويَدَعُ الناس من شرّه". والمراد أن من أسباب اعتزاله عن الناس أن لا يصيب أحدًا من المسلمين بسوء. ويحتمل أن تكون الإضافة بمعنى "من"، ويكون المعنى: يبتعد عن وصول الشرور من الناس إليه. واللَّه تعالى أعلم. قال الباجيّ -رحمه اللَّه تعالى-: فمنزلة هذا منزلة بعد منزلة المجاهد من أفضل المنازل؛ لأداء الفرائض، وإخلاصه للَّه تعالى العبادة، وبُعْده عن الرياء والسمعة، إذا خفي، ولم يكن ذلك شهرة له؛ ولأنه لا يؤذي أحدًا، ولا يذكره، ولا تبلغ درجته درجة المجاهد؛ لأن المجاهد يذبّ عن المسلمين، ويجاهد الكافرين حتى يُدخلهم في الدين، فيتعدّى فضله إلى غيره، ويكثر الانتفاع به، وهذا المعتزل لا يتعدّى نفعه إلى غيره. وفي حديث أبي سعيد الخدريّ ﷺ : قيل: يا رسول اللَّه، أيّ الناس أفضل؟، فقال رسول اللَّه ﷺ : "مؤمن يجاهد في سبيل اللَّه بنفسه وماله"، قالوا: ثم من؟ قال: "مؤمن في شِعْب من الشعاب، يتقي اللَّه، ويَدَعُ الناسَ من شره". متّفق عليه. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وإنما كان المؤمن المعتزل يتلو المجاهد في الفضيلة؛ لأنّ الذي يُخالط الناس لا يَسلَم من ارتكاب الآثام، فقد لا يفي هذا بهذا، وهو مقيّدٌ بوقوع الفتن. انتهى بتصرّف (١). (وَأُخْبِرُكُمْ بِشَرِّ النَّاسِ"، قُلْنَا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "الَّذِي يَسْأَلُ بِاللَّهِ ،

стр. 12191

وَلَا يُعْطِي بِهِ) يحتمل بناء الفعلين للفاعل، ويكون المعنى: يسأل غيره بحقّ اللَّه، ثمّ إذا سئل هو به لا يُعطي، بل يَنكُص، ويبخل. ويحتمل بناء الأول للمفعول: أي يسأله غيرُهُ باللَّه، فلا يجيب، يعني أنه يسأله صاحب حاجة، بأن يقول له: أعطني باللَّه، وهو يقدر، ولا يُعطيه شيئًا، بل يردّه خائبًا. قال الطيبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: الباء فيه كالباء في "كتبتُ بالقلم"، أي يسأل بواسطة ذكر اسم اللَّه تعالى. أو هي للقسم، والاستعطاف، أي يقول السائل: أعطني شيئًا بحقّ اللَّه تعالى. وقال ابن حجر الهيتميّ -رحمه اللَّه تعالى-: أي مُقْسِمًا عليه باللَّه، استعطافًا إليه، وحملًا له على الإعطاء، بأن يقال له: بحقّ اللَّه أعطني كذا للَّه، ولا يعطي مع ذلك شيئًا، أي والصورة أنه مع قدرته عَلِمَ اضطرار السائل إلى ما سأله. وعلى هذا يُحمل قول الْحَلِيميّ -رحمه اللَّه تعالى-، أخذًا من هذا الحديث وغيره: إنّ ردّ السائل بوجه اللَّه كبيرة انتهى (١). واختار السنديّ -رحمه اللَّه تعالى- الاحتمال الأوّل، واستبعد الثاني، حيث قال: قوله: "الذي يسأل باللَّه" على بناء الفاعل، أي الذي يجمع بين القبيحين: أحدهما: السؤال باللَّه. والثاني: عدم الإعطاء لمن يسأل به تعالى، فما يُراعي حرمة اسمه تعالى في الوقتين جميعًا. وأما جعله مبنيًّا للمفعول، فبعيد، إذ لا صُنْعَ للعبد في أن يسأله السائل باللَّه، فلا وجه للجمع بينه وبين ترك الإعطاء في هذا المحلّ، والوجه في إفادة ذلك المعنى أن يقال: الذي لا يعطي إذا سئل باللَّه ونحوه. واللَّه تعالى أعلم. انتهى (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي استبعده السنديّ عندي غير مستبعد، فإنّ المعنى عليه صحيح أيضًا، ووجه ذلك أن معناه: شرّ الناس هو الذي يُسأل باللَّه تعالى، أي يسأله الناس شيئًا مما يقدر عليه باللَّه تعالى، ثم لا يعطيهم ما سألوه باللَّه تعالى. والحاصل أن الاحتمالين صحيحان. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح.

стр. 12192

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٧٤/ ٢٥٦٩ - وفي "الكبرى" ٧٦/ ٢٣٥٠. وأخرجه (ت) في "الجهاد" ١٦٥٢ (الموطأ) في "الجهاد" ٩٧٦ (الدارميّ) في "الجهاد" ٢٢٩٥. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان ذمّ من يسأل باللَّه تعالى، ولا يعطي (ومنها): بيان فضل الجهاد في سبيل اللَّه تعالى (ومنها): فضل العزلة عن الناس، مع أداء حقوق اللَّه تعالى، لما فيه من السلامة من الغيبة، واللغو، ونحو ذلك لكن قال الجمهور محلّ ذلك عند وقوع الفتن. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم العزلة: اختلف السلف -رحمهم اللَّه تعالى- في أصل العزلة، فذهب الجمهور إلى أن الاختلاط أولى؛ لما فيه من اكتساب الفوائد الدينيّة للقيام بشعائر الدين، وتكثير سواد المسلمين، وإيصال أنواع الخير إليهم، من إعانة، وإغاثة، وعيادة، وغير ذلك. وقال قوم: العزلة أولى؛ لتحقّق السلامة بشرط معرفة ما يتعيّن. وقال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: المختار تفضيل المخالطة لمن لا يغلب على ظنّه أنه يقع في معصية، فإن أشكل الأمر، فالعزلة أولى. وقال غيره: يختلف باختلاف الأشخاص، فمنهم من يتحتّم عليه أحد الأمرين. ومنهم من يترجّح، وليس الكلام فيه، بل إذا تساويا، فيختلف باختلاف الأحوال، فإن تعارضا اختلف باختلاف الأوقات، فمن يتحتّم عليه المخالطة من كانت له قدرة على إزالة المنكر، فيجب عليه إما عينًا، وإما كفايةً بحسب الحال والإمكان. وممن يترجّح من يغلب على ظنّه أنه يسلم في نفسه إذا قام في الأمر في المعروف، والنهي عن المنكر. وممن يستوي من يأمن على نفسه، ولكنه يتحقّق أنه لا يطاع. وهذا حيث لا يكون هناك فتنة عامّة، فإن وقعت الفتنة ترجّحت العزلة لما ينشأ فيها غالبًا من الوقوع في المحذور، وقد تقع العقوبة بأصحاب الفتنة، فتعمّ من ليس من أهلها، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾. قال الحافظ: ويؤيّد التفصيل المذكور حديث أبي سعيد ﵁ أيضًا: "خير الناس رجلٌ جاهد بنفسه وماله، ورجلٌ في شعب من الشعاب يعبد ربه، ويدع الناس من شرّه". انتهى (١).

стр. 12193

وقد كتب الإمام الحافظ أبو عمر ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى- في كتابه "التمهيد" بحثًا نفيسًا فيما يتعلّق بالعزلة، أحببت إيراده هنا تتميمًا للفائدة، وتكميلًا للعائدة، وهاك خلاصته: قال- عند شرح حديث الباب-: ما حاصله: في الحديث حضّ على الانفراد عن الناس، واعتزالهم، والفرار عنهم. قال: وقد فضّلها رسول اللَّه ﷺ -كما ترى، وفضّلها جماعة العلماء والحكماء، لا سيّما في زمن الفتن، وفساد الناس، وقد يكون الاعتزال عن الناس مرّةً في الجبال والشعاب، ومرّةً في السواحل والرباط، ومرّةً في البيوت. وقد جاء في غير هذا الحديث: "إذا كانت الفتنة، فأَخْف مكانَك، وكُفَّ لسانك" (١). ولم يخصّ موضعًا من موضع. وقد قال عقبة بن عامر ﵁ لرسول اللَّه ﷺ ما النجاة يا رسول اللَّه؟ فقال: "يا عقبة أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك" (٢). وبمثل هذا أوصى ابن مسعود ﵁ رجلًا، قال له: أوصني. ثم أخرج أبو عمر بسنده أنّ ابن مسعود ﵁ أُهدي له طائرٌ، فقال: وددتُ أني حيث صِيد هذا الطائر، لا يكلّمني أحدٌ، ولا أكلّمه.

стр. 12194

وعن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه قال: بينما نحن حَوْلَ رسول اللَّه ﷺ ، إذ ذَكَرَ الفتنةَ، فقال: "إذا رأيتم الناس قد مَرِجَت (١) عهودهم، وخَفَّت أماناتهم، وكانوا هكذا" -وشبك بين أصابعه- قال: فقمت إليه، فقلت: كيف أفعل عند ذلك اللَّهُمَّ جعلني اللَّه فداك- قال: "الزم بيتك، وامْلِكْ عليك لسانك، وخذ بما تعرف، ودع ما تنكر، وعليك بأمر خاصة نفسك، ودعْ عنك أمر العامة". وأخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه بإسناد صحيح. وقالت عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -: كان أول ما بُدىء به رسول اللَّه ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا، إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان يلحق بغار حراء، فيتحنث فيه، اللياليَ ذوات العدد، قبل أن يرجع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة، فيتزود بمثلها، حتى فَجِئَه الحق، وهو في غار حراء … " الحديث. متّفق عليه. قال: وكان يقال قديمًا: طوبى لمن خزن لسانه، ووسعه بيته، وبكى على خطيئته. ثم أخرج بسنده، عن سليم بن عامر، قال: قال أبو الدرداء ﵁: نعم صومعة الرجل بيته، يكفّ فيه بصره، ونفسه، وفرجه، وإياكم والمجالس في الأسواق، فإنها تُلغي، وتُلهي. ثم أخرج بسنده: أن عمر بن الخطّاب ﵁ قال: إن اليأس غنى، وإن الطمع فقر حاضر، وإن العزلة راحة من خُلَطاء السوء. وقد روي من مرسل الحسن، وغيره، عن النبيّ ﷺ ، أنه قال: "صوامع المؤمنين بيوتهم". وأخرج عن يسار بن عبد الرحمن، قال لي بكير بن الأشجّ: ما فعل خالك؟ قال: قلت: لزم البيت منذ كذا وكذا، فقال: ألا إن رجالًا من أهل بدر لزموا بيوتهم بعد قتل عثمان، فلم يخرجوا إلا إلى قبورهم. وأخرج عن قيس بن أبي حازم، قال: قال طلحة بن عبيد اللَّه: أقلُّ لعيب الرجل لزومه بيته. قال: وعن حذيفة ﵁ أنه قال: لوددت أني وجدت من يقوم لي في مالي، فدخلت بيتي، فأغلقت بابي، فلم يدخل عليّ أحد، ولم أخرج إلى أحد، حتى ألحق باللَّه . وقال غيره: طوبى لمن كان غنيًّا خفيًّا. وكان طاوس يجلس في البيت، فقيل له: لم تكثر الجلوس في البيت؟ فقال: حَيْفُ الأئمة، وفساد الناس. قال أبو عمر -رحمه اللَّه تعالى-: فرّ الناس قديمًا من الناس، فكيف بالحال اليوم، مع ظهور فسادهم، وتعذّر السلامة منهم، ورحم اللَّه منصورًا الفقيه، حيث يقول [من

стр. 12195

مجزوّ الخفيف]: النَّاسُ بَحْرٌ عَمِيقٌ … وَالْبُعْدُ عَنْهُمْ سَفِينَهْ وَقَدْ نَصَحْتُكَ فَانْظُرْ … لِنَفْسِكَ الْمُسْتَكِينَهْ وقال رجل لسفيان الثوريّ: أوصني، فقال. هذا زمان السكوت، ولزوم البيوت. وأخذ هذا منصورٌ، فقال [من مجزوّ الكامل]: الْخَيرُ أَجْمَعُ فِي السُّكُو … تِ وَفِي مُلَازَمَةِ الْبُيُوتْ فَإِذَا اسْتَوَى لَكَ ذَا وَذَ … لِكَ فَاقْتَنِعْ بِأَقَلِّ قُوتْ وأخرج عن سفيان الثوريّ، قال: ما رأيت لأحد خيرًا من أن يدخل في جُحر. وقال يحيى بن يمان: قال لي سفيان: أَنكِرْ من تَعرف، ولا تتعرّف من لا تعرف. وأخرج عن سفيان بن عيينة، قال: رأيت سفيان الثوريّ في النوم، فقلت: أوصني، فقال: أقلّ من معرفة الناس، أقلّ من معرفة الناس. قال ابن عيينة: كأنه ملدوغٌ من مجالسة الناس. وقال داود الطائيّ: فِرَّ من الناس كما تفرّ من الأسد، واستوحش منهم كما تستوحش من السباع. ومما يُروى عن الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى-، وزمانه لا محالة خيرٌ من زماننا هذا [من البسيط]: لَيْتَ السِّبَاعَ لَنَا كَانَتْ مُجَاوِرَةً … وَلَيتَنَا لَا نَرَى مِمَّنْ نَرَى أَحَدًا إِنَّ السِّبَاعَ لَتَهْدَا فِي مَرَابِضِهَا … وَالنَّاسُ لَيسَ بَهِادٍ شَرُّهُمْ أَبَدًا فَاهْرُبْ بِنَفْسِكَ وَاسْتَأْنِسْ بِوَحْدَتَهِا … تَعِشْ سَلِيمًا إِذَا مَا كُنْتَ مُنْفَرِدًا وقال الفضيل بن عياض: أقِلَّ من معرفة الناس، وليكن شغلك في نفسك. وقال وُهيب بن الورد: خالطت الناس خمسين سنة، فما وجدت رجلًا غفر لي ذنبًا فيما بيني وبينه، ولا وصلني إذا قطعته، ولا ستر عليّ عورةً، ولا أمنته إذا غضب، فالاشتغال بهؤلاء حُمْقٌ. وقال مالك بن دينار: قال لي راهبٌ من الرهبان: يا مالك، إن استطعت أن تجعل بينك وبين الناس سُورًا من حديد، فافعل، فانظر كلّ جليس لا تستفيد منه خيرًا في دينك، فانبذه عنك. وأخرج عن عمر بن الخطّاب، قال: خذوا بحظّكم من العزلة. وكان سعيد بن المسيّب يقول: العزلة عبادة. وذكر عبد اللَّه بن حبيق، قال: قال لي يوسف بن أسباط: قال لي سفيان الثوريّ -وهو يطوف حول الكعبة- والذي لا إله إلا هو، لقد حلّت العزلة. وقال بعض الحكماء: الحكمة عشرة أجزاء، تسعة منها في الصمت" العاشرة عزلة الناس، قال: وعالجت نفسي على الصمت، فلم أظفر به، فرأيت أن العاشرة خير الأجزاء، وهي عزلة الناس.

стр. 12196

قال أبو عمر: وقد جَعَلَت طائفة من العلماء العزلة، اعتزال الشرّ، وأهله بقلبك وعملك، وإن كنت بين ظهرانيهم، ذكر ابن المبارك، قال: حدّثنا وهيب بن الورد، قال: جاء رجل إلى وهب بن منبّه، فقال: إنّ الناس قد وقعوا فيما فيه وقعوا، وقد حدّثت نفسي أن لا أخالطهم، فقال: لا تفعل، إنه لا بدّ لك من الناس، ولا بدّ لهم منك، ولك إليهم حوائج، ولهم إليك حوائج، ولكن كن فيهم أصمّ سميعًا، أعمى بصيرًا، سَكُوتًا نَطُوقًا. وقال ابن المبارك في تفسير العزلة: وإن خاضوا في غير ذلك، فأسكت. قال أبو عمر: يشبه أن يكون من ذهب هذا المذهب مِنْ حجته: ما رواه أحمد، والترمذيّ، وابن ماجه، عن ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -، عن النبيّ ﷺ ، قال: "المؤمن الذي يُخالط الناس، ويصبر على أذاهم أعظم أجرًا من المؤمن الذي لا يخالطهم، ولا يصبر على أذاهم". قال: وروينا عن الأحنف بن قيس، أنه قال: الكلام بالخير أفضل من السكوت، والسكوت خير من الكلام باللغو والباطل، والجليس الصالح خير من الوحدة، والوحدة خير من جليس السوء. ثم أخرج الأحاديث المرفوعة بأسانيده: (منها): حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى - عنهما المذكور في الباب. (ومنها): حديث أبي سعيد الخدريّ - رضي اللَّه تعالى عنه -: أن رجلًا أتى رسول اللَّه ﷺ ، فقال: يا رسول اللَّه، أيّ الناس أفضل؟ قال: "مؤمنٌ يجاهد في سبيل اللَّه بنفسه وماله"، فقال: ثمّ من يا رسول اللَّه؟ قال: "ثمّ مؤمنٌ في شعب من الشعاب يتّقي اللَّه، ويَدَعُ الناس من شرّه". متّفق عليه. (ومنها): حديث أبي سعيد أيضًا: قيل: يا رسول اللَّه، أيّ الأعمال أفضل؟، قال: "الجهاد في سبيل اللَّه "، قيل: ثمّ مهْ؟ قال: "رجلٌ في شعب من الشعاب، يتّقي ربّه ، ويذَرُ الناس من شرّه". (١) (ومنها): حديثه أيضًا: قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يوشك أن يكون خير مال المسلم غنمٌ، يتبع بها شَعَفَ الجبال، ومواقع القطر، يفرّ بدينه من الفتن". رواه البخاريّ. (ومنها): حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يأتي على الناس زمانٌ يكون فيه خير الناس فيه منزلةً من أخذ بعنان فرسه في سبيل اللَّه، كلّما سمع بهَيْعَة استوى على متنه، ثم يطلب الموت في مظانّه، ورجلٌ في شعب من هذه الشعاب، يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويَدَعُ الناس إلا من خير". رواه أحمد بسند رجاله ثقات (ومنها): حديث أم مبشّر بنت البراء بن معرور - رضي اللَّه تعالى عنها -، قالت: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول لأصحابه: "ألا أخبركم بخير الناس، رجلًا؟ "، قالوا: بلى، يا

стр. 12197

رسول اللَّه، فأشار بيده إلى الشام، وقال: "رجلٌ أخذ بعنان فرسه في سبيل اللَّه، ينتظر أن يُغِير، أو يُغار عليه"، ثمّ قال: "ألا أخبركم بخير الناس بعده؟ قالوا: بلى، يا رسول اللَّه، فأشار بيده نحو الحجاز، ثمّ قال: "رجلٌ في غُنيمة، يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، وُيقيم حقّ اللَّه في ماله، قد اعتزل شرور الناس". قال أبو عمر -رحمه اللَّه تعالى-: إنما جاءت هذه الأحاديث بذكر الشعاب والجبال، واتّباع الغنم -واللَّه أعلم- لأن ذلك هو الأغلب في المواضع التي يَعتزِلُ فيها الناس، فكلّ موضع يبعد عن الناس، فهو داخلٌ في هذا المعنى، مثل الاعتكاف في المساجد، ولزوم السواحل، للرباط والذكر، ولزوم البيوت فرارًا عن شرور الناس؛ لأن من نأى عنهم سلموا منه، وسلم منهم؛ لما في مجالستهم، ومخالطتهم من الخوض في الغيبة، واللغو، وأنواع اللغط. انتهى كلام أبي عمر -رحمه اللَّه تعالى- بتصرّف (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يترجّح عندي أن الأحاديث الواردة في العزلة محمولة على أيام الفتن، وأما في سائر الأزمان فالأفضل للمسلم أن يخالط جماعة المسلمين، ويكون معهم، بل ربّما يجب عليه ذلك، وذلك فيما إذا كان قادرًا على إزالة المنكر، ونحو ذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلت، وإليه أُنيب". … ٧٥ - (ثَوَابُ مَنْ يُعْطِي) أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على فضل من يعطي السائل باللَّه تعالى. ٢٥٧٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ مَنْصُورٍ, قَالَ: سَمِعْتُ رِبْعِيًّا, يُحَدِّثُ عَنْ زَيْدِ بْنِ ظَبْيَانَ, رَفَعَهُ إِلَى أَبِي ذَرٍّ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «ثَلَاثَةٌ يُحِبُّهُمُ اللَّهُ , وَثَلَاثَةٌ يُبْغِضُهُمُ اللَّهُ , أَمَّا الَّذِينَ يُحِبُّهُمُ اللَّهُ , فَرَجُلٌ أَتَى قَوْمًا, فَسَأَلَهُمْ بِاللَّهِ , وَلَمْ يَسْأَلْهُمْ بِقَرَابَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ, فَمَنَعُوهُ, فَتَخَلَّفَهُ رَجُلٌ بِأَعْقَابِهِمْ, فَأَعْطَاهُ سِرًّا, لَا يَعْلَمُ بِعَطِيَّتِهِ إِلاَّ اللَّهُ , وَالَّذِي أَعْطَاهُ, وَقَوْمٌ سَارُوا لَيْلَتَهُمْ, حَتَّى إِذَا كَانَ النَّوْمُ, أَحَبَّ إِلَيْهِمْ, مِمَّا يُعْدَلُ بِهِ نَزَلُوا, فَوَضَعُوا رُءُوسَهُمْ, فَقَامَ يَتَمَلَّقُنِي, وَيَتْلُو آيَاتِي, وَرَجُلٌ كَانَ فِي سَرِيَّةٍ, فَلَقُوا الْعَدُوَّ,

стр. 12198

فَهُزِمُوا, فَأَقْبَلَ بِصَدْرِهِ, حَتَّى يُقْتَلَ, أَوْ يَفْتَحَ اللَّهُ لَهُ, وَالثَّلَاثَةُ الَّذِينَ يُبْغِضُهُمُ اللَّهُ , الشَّيْخُ الزَّانِي, وَالْفَقِيرُ الْمُخْتَالُ وَالْغَنِىُّ الظَّلُومُ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيح (١)، تقدّم للمصنّف في "كتاب الصلاة" "فضل صلاة الليل في السفر" رقم ٧/ ١٦١٥ - وتقدّم شرحه، والكلام على مسائله هناك. و"محمد" هو ابن جعفر غندر. و"منصور": هو ابن المعتمر. و"رِبْعيّ" بن حِرَاش التابعيّ الجليل الكوفيّ العابد الثقة. و"زيد بن ظبيان" الكوفيّ، وثّقه ابن حبّان. ودلالة الحديث على الترجمة واضحة، حيث إنه يدلّ على ثواب من أعطى السائل باللَّه تعالى، ولا سيّما في حالة منع الناس له، فإنه يدلّ على تعظيم اسم اللَّه تعالى، فأثابه اللَّه تعالى بمحبّته له. وقوله: "فرجل" أي فأحدهم معطي رجل. وقوله: "فتخلفه" أي مشى خلفه. وقوله: "وقوم" أي "والثاني" قارئ قوم. وقوله: "مما يُعْدل به" أي يساويه. وقوله: "يتملّقني" أي يتضرّع لديّ بأحسن ما يكون. وأما الثلاثة الذين يُبغضهم اللَّه تعالى، فسيأتي شرحهم بعد باب، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلت، وإليه أُنيب". … ٧٦ - (تَفْسِيرُ الْمِسْكِينِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: غرض المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، بهذا بيان معنى المسكين الذي ذكره اللَّه تعالى في آية الصدقات، حيث قال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ الآية بما أورده من الأحاديث، وسيأتي اختلاف أهل العلم في الفرق بينه، وبين الفقير في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٥٧١ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ, قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ, عَنْ عَطَاءِ

стр. 12199

بْنِ يَسَارٍ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ, وَاللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ, إِنَّ الْمِسْكِينَ الْمُتَعَفِّفُ, اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عليّ بن حُجْرة) السعديّ المروزيّ ثقة حافظ، من صغار [٩] ١٣/ ١٣. ٢ - (إسماعيل) بن جعفر بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ المدنيّ، ثقة ثبت [٨] ١٦/ ١٧. ٣ - (شريك) بن عبد اللَّه بن أبي نَمِر، أبو عبد اللَّه المدنيّ، صدوق يُخطىء [٥] ١/ ١٥٠٤. ٤ - (عطاء بن يسار) أبو محمد المدنيّ الفاضل العابد الواعظ، ثقة، من صغار [٣] ٦٤/ ٨٠. ٥ - (أبو هريرة) ﵁ ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فمروزيّ، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة رأس المكثرين من الرواية" روى (٥٣٧٤) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: "لَيْسَ الْمِسْكِينُ) أي الكامل في المسكنة. قال القرطبيّ: مِفْعيل من السكون. فكأن مَنْ عَدِمَ المالَ سكنت حركاته، ووجوه مكاسبه ولذلك قال تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] أي لا صقًا بالتراب. وعند الأصمعيّ: أنه أسوأ حالًا من الفقير. وعند غيره عكس ذلك. وقيل: هما اسمان لمسمّى واحد انتهى (١). وسنكمّل الكلام في ضبط المسكين، واشتقاقه، وفي الفرق بينه وبين الفقير في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى. (الَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ) بالتاء المثناة الفوقية، وهو في "الصحيحين" وغيرهما، ووقع في "الكبرى" بالثاء المثلّثة. واللَّه تعالى أعلم (وَاللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ) قال في "اللسان": اللَّقْمَة -بالفتح- واللُّقْمة- بالضمّ-: ما تهُيّئه للَّقْم. قال: وفي "التهذيب": اللُّقْمة -بالضمّ- اسم لما يهُيّئه الإنسان للالتقام، واللَّقْمة -بالفتح- أكلها بمرّة، تقول:

стр. 12200

أكلتُ لُقْمةً بلَقْمَتين. انتهى. وفي الرواية التالية: "ليس المسكين بهذا الطّوّاف الذي يطوف على الناس، ترُدُّهُ اللقمة، واللقمتان، والتمرة، والتمرتان"، قالوا: فما المسكين؟، قال: "الذي لا يَجد غنًى يُغنيه … ". وفي رواية البخاريّ: "ليس المسكين الذي تردّه الأكلة، والأكلتان، ولكنّ المسكين الذي ليس له غنى، ويستحيي"، أو "لا يسأل الناس إلحافًا". وقوله: "الأكلة، والأكلتان". قال أهل اللغة: الأُكلة -بالضمّ-: اللقمة، و -بالفتح-: المرّة من الغداء، والعشاء. والموافق هنا المضموم، بدليل رواية المصنّف "اللقمة، واللقمتان". (إِنَّ الْمِسْكِينَ) أي الكامل في المسكنة (الْمُتَعَفِّفُ) أي الممتنع عن المسألة، بمعنى أنه لا يسأل الناس مع احتياجه تعفّفًا، ولذا أتبعه بقوله (اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ) أي إن شئتم أن تعلموا الدليل على هذا فاقرءوا قوله تعالى (﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]) قال السمين الحلبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: الإلحاف، والإلحاح، واللَّجَاج، والإحفاء، كلّه بمعنًى، يقال: ألحف، وألحّ في المسألة: إذا لجّ فيها. قال: واشتقاقه من اللِّحَاف؛ لأنه يشتمل الناس بمسألته، ويعمّهم، كما يشتمل اللّحاف مَنْ تحتَهُ وُيغطّيه. ومنه قول ابن أحمر يصف ذَكَر نَعَام يَحضُنُ بيضه بجناحيه، ويجعل جناحه لها كاللِّحاف [من الكامل]: يَظَلُّ يَحُفّهُنَ بِقَفْقَفَيْهِ (١) … وَيُلْحِفُهُنَّ هَفْهَافًا ثَخِينَا وقال آخر في المعنى [من الرمل]: ثُمَّ رَاحُوا عَبَقُ الْمِسْكِ بِهمْ … يُلْحِفُونَ الأَرْضَ هُدَّابَ الأُزُرْ أي يُلبسونها الأرض كإلباس اللحاف للشيء. وقيل: با اشتقاق اللفظة من لَحْفِ الجبلِ، وهو المكان الخَشِنُ، ومجازه أنّ السائل لكثرة سؤاله كأنه استعمل الخشونة في مسألته. وقيل: بل هي من لَحَفَني فلانٌ: أي أعطاني فضل ما عنده، وهو قريبٌ من معنى الأول. قال: وفي نصب ﴿إِلْحَافًا﴾ ثلاثة أوجه: (أحدهما): نصبه على المصدر بفعل مقدر، أي يُلحفون إلحافًا، والجملة المقدّرة حالٌ من فاعل ﴿يَسْأَلُونَ﴾. (الثاني): أن يكون مفعولًا من أجله: أي لا يسألون لأجل الإلحاف. (الثالث): أن يكون مصدرًا في موضع الحال، تقديره: لا يسألون ملحفين. أي إلحاحًا، يقال: ألحف عليّ، وألحّ، وأحفاني بالمسألة بمعنًى واحد. وقال أبو

стр. 12201

عبيدة: انتصب إلحافًا على أنه مصدر في موضع الحال، أي لا يسألون الناس في حال الإلحاف، أو مفعولٌ لأجله، أي لا يسألون لأجل الإلحاف. انتهى (١). وقال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وهل المراد نفي المسألة، أي لا يسألون أصلًا، أو نفي السؤال بالإلحاف خاصّةً، فلا ينتفي السؤال بغير إلحاف فيه احتمال، والثاني أكثر في الاستعمال. ويحتمل أن يكون المراد لو سألوا لم يسألوا إلحافًا، فلا يستلزم الوقوع. قاله في "الفتح" (٢). وقال السمين -رحمه اللَّه تعالى-: واعلم أن العرب إذا نفت الحكم عن محكوم عليه فالأكثر في لسانهم نفي ذلك القيد، نحو: ما رأيت رجلًا صالحًا، الأكثر على أنك رأيت رجلًا، ولكن ليس بصالح، وبجوز أنك لم تر رجلًا البتّة، لا صالحًا، ولا طالحًا، فقوله: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ المفهوم أنهم يسألون لكن لا بإلحاف، ويجوز أن يكون المعنى: أنهم لا يسألون، ولا يُلحفون، والمعنيان منقولان في التفسير، والأرجح الأوّل عندهم. ومثله في المعنى: ما تأتينا، فتحدّثنا، يجوز أنه يأتيهم، ولا يحدّثهم. ويجوز أنه لا يأتيهم، ولا يُحدّثهم، انتفى السبب، وهو الإتيان، فانتفى المسبب، وهو التحديث. انتهى كلام السمين باختصار، وتصرّف (٣). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٢٥٧١ و ٢٥٧٢ و ٢٥٧٣ - وفي "الكبرى" ٧٨/ ٢٣٥٢ و ٢٣٥٣ و ٢٣٥٤. وأخرجه (خ) في "الزكاة" ١٤٧٦ و ١٤٦٩ وفي "التفسير" ٤٥٣٩ (م) في "الزكاة" ١٠٣٩ (د) في "الزكاة" ١٦٣١ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ٧٤٨٦ و ٨٨٦٧ و ٨٨٩٥ و ٢٧٢٣٢ و ٢٧٢٦٨ (الموطأ) "الجامع" ١٧١٣ (الدارمي) في (الزكاة) ١٦١٥. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان معنى المسكين الذي ذكره اللَّه بقوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ الآية.

стр. 12202

(ومنها): أن المسكنة إنما تُحمد مع العفّة عن السؤال، والصبر على الحاجة (ومنها): استحباب الحياء في كلّ الأحوال (ومنها): أن فيه دليلًا لمن يقول: إن الفقير أسوأ حالًا من المسكين، وأن المسكين الذي له شيء، لكنه لا يكفيه، بخلاف الفقير فإنه الذي لا شيء له، كما سيأتي توجيهه، إن شاء اللَّه تعالى (ومنها): حسن الإرشاد لوضع الصدقة، وأن يُتحرّى وضعها فيمن صفته التعفّف، دون الإلحاح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): اختلاف أهل العلم في الفرق بين الفقير والمسكين: قال العلّامة القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "تفسيره": واختلف علماء اللغة، وأهل الفقه في الفرق بين الفقير والمسكين على تسعة أقوال: (الأول): ما ذهب إليه يعقوب بن السّكّيت، والْقُتَبيّ، ويونس بن حبيب من أنّ الفقير أحسن حالًا من المسكين، قالوا: الفقير هو الذي له بعض ما يكفيه، وُيقيمه، والمسكين الذي لا شيء له، واحتجّوا بقول الراعي [من البسيط]: أَمَّا الْفَقِيرُ الَّذِي كَانَتْ حَلُوبَتُهُ … وَفْقَ الْعِيَالِ فَلَمْ يُتْرَكْ لَهُ سَبَدُ (١) وذهب إلى هذا قومٌ من أهل اللغة، والحديث، منهم أبو حنيفة، والقاضي عبد الوهّاب. والوفق من الموافقة بين الشيئين كالالتحام؛ يقال: حَلُوبته وفقَ عياله، أي لها لَبَنٌ قدرَ كفايتهم، لا فضل فيه. قاله الجوهريّ. (الثاني): ذهب آخرون إلى أن المسكين أحسن حالًا من الفقير. واحتجّوا بقوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ الآية، فأخبر أنّ لهم سفينةً من سُفُن البحر، وربّما ساوت جملةً من المال، وعضدوه بما روي عن النبيّ ﷺ أنه تعوّذ من الفقر. وروي عنه أنه قال: "اللَّهمّ أحييني مسكينًا، وأمتني مسكينًا" (٢)، فلو كان المسكين أسوأ حالًا من الفقير لتناقض الخبران؛ إذ يستحيل أن يتعوّذ من الفقر، ثمّ يسأل ما هو أسوأ حالًا منه، وقد استجاب اللَّه دعاءه، وقُبِض، وله مالٌ مما أفاء اللَّه عليه، ولكن لم يكن معه تمام الكفاية؛ ولذلك رَهَنَ دِرْعَه، قالوا: وأمّا بيت الراعي، فلا حجّة فيه؛ لأنه إنما ذكر أن الفقير كانت له حَلُوبةٌ في حالٍ. قالوا: والفقير معناه في كلام العرب المفقور الذي نُزِعت فِقَرُهُ (٣) من ظهره من شدّة الفقر، فلا حال أشدّ من

стр. 12203

هذه، وقد أخبر اللَّه بقوله: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾، واستشهدوا بقول الشاعر [من الكامل]: لَمَّا رَأَى لُبَدُ (١) النُّسُورَ تَطَايَرَتْ … رَفَعَ الْقَوَادِمَ كَالْفَقِيرِ الأَعْزَلِ أي لم يُطق الطيران، فصار بمنزلة من انقطع صلبه، ولَصِق بالأرض. ذهب إلى هذا الأصمعيّ، وغيره، وحكاه الطحاويّ عن الكوفيين، وهو أحد قولي الشافعيّ، وأكثرِ أصحابه. (الثالث): أنّ الفقير والمسكين سواء، لا فرق بينهما في المعنى، وإن افترقا في الاسم، وإلى هذا ذهب الشافعيّ في أحد قوليه، وابن القاسم، وسائر أصحاب مالك، وبه قال أبو يوسف. قال القرطبيّ: ظاهر اللفظ يدلّ على أن المسكين غير الفقير، وأنهما صنفان، إلا أنّ أحد الصنفين، أشدّ حاجة من الآخر، فمن هذا الوجه يقرب قول من جعلهما صنفًا واحدًا. ولا حجّة في قول من احتجّ بقوله: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾؛ لأنه يحتمل أن تكون مستأجرة لهم؛ كما يقال: هذه دار فلان إذا كان ساكنها، وإن كانت لغيره، وقد قال اللَّه تعالى في وصف أهل النار: ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾، فأضافها إليهم، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾، وقال ﷺ : "من باع عبدًا، وله مالٌ"، وهو كثير جدًّا يُضاف الشيء إليه، وليس له، ومنه قولهم: باب الدار، وجُلُّ الدابّة، وسَرْجُ الفرس، وشبهه، ويجوز أن يُسمَّوا مساكين على جهة الرحمة والاستعطاف؛ كما يقال لمن امتُحِنَ بنكبة، أو دُفع إلى بليّة مسكين، وفي الحديث: "مساكين أهل النار"، وقال الشاعر [من الطويل]: مَسَاكِينُ أَهْلِ الْحُبِّ حَتَّى قُبُورُهُمْ … عَلَيْهَا تُرَابُ الذُّلِّ بَيْنَ الْمَقَابِرِ وأما ما تأوّلوه من قوله ﵇: "اللَّهم أحييني مسكينًا" الحديث. رواه أنس، فديس كذلك؛ وإنما المعنى ههنا التواضع للَّه الذي لا جبروت فيه، ولا نخوّة، ولا كِبْر، ولا بَطَرَ، ولا تكبّر، ولا أَشَرَ، ولقد أحسن أبو العَتَاهية، حيث قال [من البسيط]: إِذَا أَرَدتَّ شَرِيفَ الْقَوْمِ كُلِّهِمِ … فَانْظُرْ إِلَى مَلِكِ فِي زِيِّ مِسْكِنِ ذَاكَ الَّذِي عَظُمَتْ فِي اللَّه رَغْبَتَهُ … وَذَاكَ يَصْلُحُ لِلدُّنْيَا وَلِلدِّينِ وليس بالسائل؛ لأنّ النبيّ ﷺ قد كره السؤال، ونهى عنه، وقال في امرأة سوداء أبت

стр. 12204

أن تزول له عن الطريق: "دعوها، فإنها جبّارة" (١). وأما قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾، فلا يمتنع أن يكون لهم شيء. واللَّه أعلم. وما ذهب إليه أصحاب مالك، والشافعيّ في أنهما سواء حسن. (الرابع): ما ذكره ابن سُحنون عن مالك، أنه قال: الفقير المحتاج المتعفّف، والمسكين السائل، وروي عن ابن عباس، وقاله الزهريّ، واختاره ابن شعبان. (الخامس): ما قاله محمد بن مسلمة: الفقير الذي له المسكن، والخادم، والمسكين الذي لا مال له. قال القرطبيّ: وهذا القول عكس ما ثبت في "صحيح مسلم" عن عبد اللَّه بن عمرو، وسأله رجلٌ، فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال له عبد اللَّه: ألك امرأة تأوي إليها؟ قال: نعم، قال: ألك مسكن تسكُنُه؟ قال: نعم، قال: فأنت من الأغنياء، قال: فإنّ لي خادمًا، قال: فأنت من الملوك. (السادس): ما روي عن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، قال: الفقير من المهاجرين، والمساكين من الأعراب الذين لم يهاجروا. وقاله الضحّاك. (السابع): أن المسكين الذي يخشع، ويستكنّ، وان لم يسأل، والفقير: الذي يتحمّل، ويقبل الشيء سرًّا، ولا يخشع. قاله عبيد اللَّه بن الحسن. (الثامن): المساكين الطّوّافون، والفقراء فقراء المسلمين. قاله مجاهد، وعكرمة، والزهريّ. (التاسع): الفقراء فقراء المسلمين، والمساكين فقراء أهل الكتاب. قاله عكرمة. انتهى كلام القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- بتصرّف (٢). وقال ابن الأثير -رحمه اللَّه تعالى- في "النهاية": وقد تكرّر ذكر المسكين، والمساكين، والمسكنة، والتمسكن. قال: وكلّها يدور معناه على الخضوع والذلّة، وقلّة المال، والحال السيّئة. واستكان: إذا خَضَعَ، والمسكنة: فقر النفس، وتمسكن: إذا تشبّه بالمساكين، وهم جمع المسكين، وهو الذي لا شيء له. وقيل: هو الذي له بعض الشيء. وقد تقع المسكنة على الضعف. انتهى (٣). وقال العلاّمة اللغويّ ابن منظور -رحمه اللَّه تعالى- في كتابه "لسان العرب":

стр. 12205

والْمِسْكين أي بالكسر، والْمَسْكين أي بالفتح -الأخيرة نادرة؛ - لأنه ليس في الكلام مَفْعِيلٌ-: الذي لا شيء له. وقيل: الذي لا شيء له يكفي عياله. قال أبو إسحاق: المسكين الذي أسكنه الفقر، أي قلّل حركته، وهذا بعيد؛ لأن مسكينًا في معنى فاعل. وقوله: الذي أسكنه الفقر يُخرجه إلى معنى مفعول. وهو مِفْعيل من السكون، مثلُ الْمِنْطيق من النُّطْق. قال ابن الأنباريّ: قال يونس الفقير أحسن حالًا من المسكين، والفقير الذي له بعض ما يُقيمه. والمسكين أسوأ حالًا من الفقير، وهو قول ابن السكيت؛ قال يونس: وقلت لأعرابيّ أفقير أنت أم مسكين؟ فقال: لا واللَّه، بل مسكين، فأعلم أنه أسوأ حالا من الفقير؛ واحتجّوا على أن المسكين أسوأ حالًا من الفقير بقول الراعي [من البسيط]: أما الْفَقِيرُ الَّذِي كَانَتْ حَلُوبَتُهُ … وَفْقَ الْعِيَالِ فَلَمْ يُتْرَكْ لَهُ سَبَدُ فأثبت أن للفقير حَلوبةً، وجعلها وَفْقًا لعياله؛ قال: وقول مالك في هذا كقول يونس. وروي عن الأصمعيّ أنه قال: المسكين أحسن حالًا من الفقير، وإليه ذهب أحمد بن عُبيد، قال: وهو القول الصحيح عندنا؛ لأن اللَّه تعالى قال: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ فأخبر أنهم مساكين، وأن لهم سفينة، تساوي جملة، وقال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾، فهذه الحال التي أخبر بها عن الفقراء، هي دون الحال التي أخبر بها عن المساكين. قال ابن برّيّ: وإلى هذا القول ذهب عليّ بن حمزة الأصفهانيّ اللغويّ، ويرى أنه الصواب، وما سواه خطأٌ، واستدلّ على ذلك بقوله: ﴿مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾، فأكّد سُوء حاله بصفة الفقر؛ لأن الْمَتْرَبة الفقر، ولا يؤكّد الشيء إلا بما هو أوكد منه، واستدلّ على ذلك بقوله : ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾، فأثبت أنّ لهم سفينة يعملون عليها في البحر، واستدلّ أيضًا بقول الراجز: هَلْ لَكَ فِي أَجْرٍ عَظِيمٍ تُؤْجَرُهُ … تُغِيثُ مِسْكِينًا قَلِيلًا عَسْكَرُهْ عَشْرُ شِيَاهٍ سَمْعُهُ وَبَصَرُهْ … قَدْ حَدَّثَ النَّفسَ بِمِصْرٍ يَحْضُرُهْ فأثبت أنّ له عشر شياه، وأراد بقوله: عسكره غنمه، وأنها قليلة، واستدلّ أيضًا ببيت الراعي، وزعم أنه أعدل شاهد على صحّة ذلك، وهو قوله: أَمَّا الْفَقِيرُ الَّذِي كَانَتْ حَلُوبَتُهُ لأنه قال: أما الفقير الذي كانت حَلُوبته، ولم يقل: الذي حلوبته، وقال: فلم يُترك له سَبَدٌ، فأعلمك أنه كانت له حلوبة تقوت عياله، ومن كانت هذه حاله، فليس بفقير،

стр. 12206

ولكن مسكين، ثم أعلمك أنها أُخذت منه، فصار إذ ذاك فقيرًا، يعني ابنُ حمزة بهذا القول أنّ الشاعر لم يُثبت أن للفقير حَلوبة؛ لأنه قال: الذي كانت حلوبته، ولم يقل: الذي حلوبته، وهذا كما تقول: أما الفقير الذي كان له مالٌ، وثَرْوَةٌ، فإنه لم يُترك له سَبَد، فلم يُثبت بهذا أن للفقير مالًا وثروة، وإنما أثبت سُوء حاله الذي به صار فقيرًا، بعد أن كان ذا مال وثروة، وكذلك يكون المعنى في قوله: أَمَّا الْفَقِيرُ الَّذِي كَانَتْ حَلُوَبتُهُ أنه أثبت فقره لعدم حلوبته بعد أن كان مسكينًا قبل حلوبته، ولم يُرد أنه فقير مع وجودها، فإنّ ذلك لا يصحّ كما لا يصحّ أن يكون للفقير مالٌ وثروة في قولك: أما الفقير الذي كان له مالٌ وثروة؛ لأنه لا يكون فقيرًا مع ثروته وماله. قال: فثبت بهذا أن المسكين أصلح حالًا من الفقير. قال عليّ بن حمزة: ولذلك بدأ اللَّه تعالى بالفقير قبل من يستحقّ الصدقة من المسكين وغيره، وأنت إذا تأمّلت قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ الآية، وجدته سبحانه قد رتّبهم، فجعل الثاني أصلح حالًا من الأول، والثالثَ أصلح حالًا من الثاني، وكذلك الرابع، والخامس، والسادس، والسابع، والثامن. قال: ومما يدلّك على أن المسكين أصلح حالًا من الفقير أن العرب قد تسمّت به، ولم تتسمّ بفقير لتناهي الفقر في سوء الحال. ألا ترى أنهم قالوا: تمسكن الرجل، فبنوا منه فعلًا على معنى التشبيه بالمسكين في زيّه، ولم يفعلوا ذلك في الفقير؛ إذ كانت حاله لا يَتزيّا بها أحد. قال: ولهذا رَغِبَ الأعرابي الذي سأله يونس عن اسم الفقير لتناهيه في سوء الحال، فآثر التسمية بالمسكنة، أو أراد أنه ذليلٌ لبعده عن قومه ووطنه. قال: ولا أظنّه أراد إلا ذلك، ووافق قولُ الأصمعيّ، وابنِ حمزة في هذا قولَ الشافعيّ. وقال قتادة: الفقير الذي به زمانة، والمسكين الصحيح المحتاج. وقال زيادة اللَّه بن أحمد: الفقير القاعد في بيته، لا يسأل، والمسكين الذي يسأل. انتهى كلام ابن منظور باختصار (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تحرّر مما تقدّم أن قول الجمهور، ومنهم الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى-: إن الفقير أسوأ حالًا من المسكين هو الأرجح؛ لآية: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ الآية، ولحديث الباب، حيث وصفه بقوله: "الذي لا يجد غنى يُغنيه"، فإنه دالّ على أن له شيئًا من المال، لكنه لا يكفيه، ولآية الصدقة، حيث رتّبت المستحقّين لها بالترقّي من الأدنى إلى الأعلى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه

стр. 12207

المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٥٧٢ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ,, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ أَبِي الزِّنَادِ, عَنِ الأَعْرَجِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ,: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِهَذَا الطَّوَّافِ, الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ, تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ, وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ» , قَالُوا فَمَا الْمِسْكِينُ؟ , قَالَ: «الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ, وَلَا يُفْطَنُ لَهُ, فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ, وَلَا يَقُومُ فَيَسْأَلَ النَّاسَ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير مرّة و"أبو الزناد": هو عبد اللَّه بن ذكوان المدنيّ الحافظ الثقة. و"الأعرج": عبد الرحمن بن هُرْمز المدنيّ الحافظ الفقيه الثبت. وقوله: "ليس المسكين الخ". قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: معناه: المسكين الكامل الْمَسْكَنة الذي هو أحقّ بالصدقة، وأحوج إليها ليس هو هذا الطوّاف، وليس معناه نفي أصل المسكنة عنه، بل معناه نفي كمال المسكنة انتهى. وقوله: "بهذا الطواف" الباء زائدة في خبر "ليس"، كما قال ابن مالك في "الخلاصة": وَبَعْدَ "مَا" وَ"لَيْسَ" جَرَّ الْبَا الْخَبَرْ … وَبَعْدَ "لَا" وَنَفْيِ "كَانَ" قَدْ يُجَرُّ وقوله: "تردّه اللقمة" أي يُردّ على الأبواب لأجل اللقمة، أو أنه إذا أَخَذ لقمة رجع إلى باب آخر، فكأن اللقمة ردّته من باب إلى باب، والمراد ليس المسكين المعدود في مصارف الزكاة هذا المسكين، بل هذا داخل في الفقير، وإنما المسكين المستور الحال الذي لا يعرفه أحدٌ إلا بالتفتيش، وبه يتبيّن الفقير والمسكين في المصارف. وقيل: المراد ليس المسكين الكامل الذي هو أحقّ بالصدقة، وأحوج إليها المردود على الأبواب لأجل اللقمة، ولكن الكامل الذي لا يجد الخ. قاله السنديّ. وقوله: "فما المسكين؟ "، قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: هكذا الرواية، وهو صحيحٌ؛ لأن "ما" تأتي كثيرًا لصفات من يَعقل، كقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الآية. انتهى. يعني وهذا الحديث منه. وقوله: "ولا يُفطَن له" بالبناء للمفعول مخفّفًا. وقوله: "فيُتصدّق" بالبناء للمفعول، والنصب بـ "أن" مضمرة بعد الفاء السبيية، كما قال في "الخلاصة": وَبَعْدَ فَا جَوَابِ نَفْي أَوْ طَلَبْ … مَحْضَيْنِ "أَنْ" وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ وقوله: "فيسأل الناس" بالبناء للفاعل، ونصبه بـ "أن" كسابقه. وتمام شرح الحديث، والكلام على مسائله قد مضى في الحديث الذي قبله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٥٧٣ - (أَخْبَرَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ, عَنِ

стр. 12208

الزُّهْرِيِّ, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ,: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ الأُكْلَةُ وَالأُكْلَتَانِ, وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ» , قَالُوا: فَمَا الْمِسْكِينُ؟ يَا رَسُولَ اللَّهِ, قَالَ: «الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى, وَلَا يَعْلَمُ النَّاسُ حَاجَتَهُ, فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، "نصر بن عليّ": هو الجهضميّ البصريّ الثقة الثبت، أحد مشايخ الأئمة الستة دون واسطة. و"عبد الأعلى" وهو ابن عبد الأعلى الساميّ، أبو محمد البصريّ الثقة. وقوله: "الأكلة" -بالضمّ: اللُّقمة، وقد تقدّم ضبطها بالضمّ، والفتح، وبيان المعنى فيهما في شرح حديث أول الباب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٥٧٤ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بُجَيْدٍ, عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ بُجَيْدٍ, وَكَانَتْ مِمَّنْ بَايَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهَا قَالَتْ: لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ الْمِسْكِينَ, لَيَقُومُ عَلَى بَابِي, فَمَا أَجِدُ لَهُ شَيْئًا, أُعْطِيهِ إِيَّاهُ, فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنْ لَمْ تَجِدِى شَيْئًا, تُعْطِينَهُ إِيَّاهُ, إِلاَّ ظِلْفًا مُحْرَقًا, فَادْفَعِيهِ إِلَيْهِ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "سعيد بن أبي سعيد": هو المقبريّ. و"عبد الرحمن ابن بُجَيد" بن وهب الأنصاريّ الحارثيّ، له رؤية. والحديث صحيح، تقدّم شرحه، والكلام على مسائله في "باب ردّ السائل" -٧٠/ ٢٥٦٥ - فراجعه هناك تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. وقوله: "إن لم تجدي الخ" يعني أنه لا ينبغي أن يرجع من عندك محروما، بل أعطيه ولو شيئًا يسيرًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب". … ٧٧ - (الْفَقِيرُ الْمُخْتَالُ) أي هذا باب ذكر الحديثين الدّالّين على ذمّ الفقير المختال، وهو المتكبّر، وقيل: هو الصَّلِفُ المتباهي الْجَهُول الذي يَأْنَف من ذوي قرابته إذا كانوا فقراء، ومن جيرانه إذا كانوا كذلك، ولا يُحسن عِشْرَتهم، ويقال: هو ذو خَيْلَة أيضًا؛ قال الراجز: يَمْشِي مِنَ الْخَيْلَةِ يَوْمَ الْوِرْدِ … بَغيًا كَمَا يَمْشِي وَليُّ الْعَهْدِ. والخالُ، والْخَيل -بفتح، فسكون- والْخُيَلاءُ -بالضمّ- والْخِيَلاء -بالكسر-

стр. 12209

والأَخيَلُ، والْخَيْلَة -بفتح، فسكون- والْمَخِلية: كلّه الكبر، والعجب. أفاده في "اللسان". واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٥٧٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ, قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي, يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ , يَوْمَ الْقِيَامَةِ الشَّيْخُ الزَّانِي, وَالْعَائِلُ الْمَزْهُوُّ, وَالإِمَامُ الْكَذَّابُ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (محمد بن المثنى) أبو موسى العَنَزي البصري، ثقة ثبت [١٠] ٦٤/ ٨٠. ٢ - (يحيى) بن سعيد القطان الإمام الحجة الثبت [٩] ٤/ ٤. ٣ - (ابن عجلان) هو: محمد ابن عجلان المدني، صدوق، [٥] ٣٦/ ٤٠. ٤ - (أبوه) هو: عجلان مولى فاطمة بنت عتبة المدني، لا بأس به [٤] ٥٣/ ٢٥٣٤. ٥ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وأنه مسلسل بالمدنيين من ابن عجلان، وشيخه ويحيى بصريان، وفيه رواية الابن عن أبيه، وتابعي عن تابعي، وفيه أبو هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - من المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا، وأن شيخه أحد التسعة الذين يروي عنهم الأئمة الستة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ثَلَاَثةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي لا يكلّمهم أصلًا، أو لا يكلّمهم كلامًا يسُرُّهم؛ لأنه ثبت أنه يكلّم أهل النار، كما قال تعالى: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، وهؤلاء لا يكنون أسوأ من الكفّار (الشَّيخُ الزَّانِي) أي الرجل الكبير السنّ الذي بلغ إلى حالة لا يحتاج فيها كثيرًا إلى النساء (وَالْعَائِلُ) أي الفقير، والْمُعِيل: الكثير العيال. يقال: عال الرجلُ يَعِيل، من باب باع، فهو عائلٌ: إذا افتقر. والْعَيْلَة: الفقر، وأعال فهو مُعِيلٌ: إذا كثر عياله. وجمع العائل: عالةٌ، وهو في تقدير فُعَلَة، مثلُ كافر وكَفَرَة. أفاده في "المصباح" (الْمَزْهُوُّ) ولفظ مسلم: "وعائلٌ مستكبر". و"المزهُو" بصيغة اسم المفعول: أي المتكبّر، من زُهِي الرجل بالبناء للمفعول على الأكثر، أو من زَهَا بالبناء للفاعل، على قلّة.

стр. 12210

[فائدة]: قال ابن منظور -رحمه اللَّه تعالى-: الزَّهْو -بفتح، فسكون-: الكبر، والتِّيه، والْفَخْرُ، والعَظَمَة. قال أبو الْمُثَلَّم الْهُذَليّ [من المتقارب]: مَتَى مَا أَشَأْ غَيْرَ زَهْوِ الْمُلُو … كِ أَجْعَلْكَ رَهْطًا عَلَى حُيَّضِ ورجلٌ مَزْهُوّ بنفسِه: أي مُعْجبٌ، وبفلان زَهْوٌ: أي كبرٌ، ولا يقال: زَهَا، وزُهِي فلانٌ، فهو مزهوّ: إذا أُعجب بنفسه، وتكبّر. قال ابن سِيدَهْ: وقد زُهِي على لفظ ما لم يُسَمَّ فاعله، جزم به أبو زيد، وأحمد بن يحيى، وحكى ابن السِّكِّيت: زُهيتُ، وزَهَوْتُ. وللعرب أحرف لا يتكلّمون بها إلا على سبيل المفعول به، وإن كان بمعنى الفاعل، مثلُ زُهِيَ الرجلُ، وعُنِي بالأمر، ونُتِجَت الشاة، والناقة، وأشبَاهها، فإذا أمرت به قلت: لِتُزْهَ يا رجلٌ، وكذلك الأمر من كلّ فعل لم يُسمّ فاعله؛ لأنك إذا أمرت منه، فإنما تأمر في التحصيل غير الذي تخُاطبه أن يوقع به، وأمر الغائب لا يكون إلا باللام، كقولك: لِيَقُمْ زيدٌ. وفيه لغة أخرى، حكاها ابن دُريد زَهَا يزهو زَهْوًا: أي تكبّر انتهى كلام ابن منظور باختصار. واللَّه تعالى أعلم. (وَالإمَامُ الْكَذَّابُ) وفي الرواية التالية: "والإمام الجائر". وفي رواية مسلم: "وملكٌ كذّاب". قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "المفهم": وإنما غُلّظ العقاب على هؤلاء الثلاثة؛ لأن الحامل لهم على تلك المعاصي محض المعاندة، واستخفاف أمر تلك المعاصي التي اقتحموها؛ إذ لم يحملهم على ذلك حاملٌ حاجيّ، ولا دعتهم إليها ضرورة، كما يدعو من لم يكن مثلهم. وبيان ذلك أن الشيخ لا حاجة، ولا داعية له تدعوه إلى الزنى؛ لضعف داعية النكاح في حقّه، ولكمال عقله، ولقرب أجله، إذ قد انتهى طرف عمره، ونحو ذلك الملك الكذّاب؛ إذ لا حاجة له إلى الكذب، فإنه يمكنه أن يُمَشِّي أغراضه بالصدق؛ فإن خاف من الصدق مفسدةً ورَّى. وأما العائل المستكبر، فاستحق ذلك لغلبة الكبر على نفسه؛ إذ لا سبب له من خارج يحمله على الكبر، فإن الكبر غالبًا إنما يكون بالمال، والْخَدَم، والجاه، وهو قد عَدِمَ ذلك كلّه، فلا موجب له إلا غلبة الكبر على نفسه، وقلّة مبالاته بتحريمه، وتوعُّد الشرع عليه، مع أنّ اللائق به، والمناسب لحاله الرّقّة، والتواضع؛ لفقره وعجزه. انتهى كلام القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- (١). وهو كلام نفيس جدًّا. وقال القاضي عياض -رحمه اللَّه تعالى-: وأما سبب تخصيصه ﷺ هؤلاء الثلاثة بالوعيد

стр. 12211

المذكور أنّ كلّ واحد منهم التزم المعصية المذكورة مع بُعْدها منه، وعدم ضرورته إليها، وضعف دواعيها عنده، وإن كان لا يُعذَر أحد بذنب، لكن لما لم يكن إلى هذه المعاصي ضرورة مُزعجة، ولا دواعي متعادة (١) أشبه إقدامهم عليها المعاندة، والاستخفاف بحقّ اللَّه تعالى، وقصد معصيته، لا لحاجة غيرها: فإن الشيخ لكمال عقله، وتمام معرفته بطول ما مرّ عليه من الزمان، وضعف أسباب الجماع، والشهوة للنساء، واختلال دواعيه لذلك عنده ما يريحه من دواعي الحلال الذي هذا، ويخلي سرّه منه، فكيف بالزنا الحرام، وإنما دواعي ذلك الشباب، والحرارة الغريزية، وقلّة المعرفة، وغلبة الشهوة؛ لضعف العقل، وصغر السنّ. وكذلك الإمام لا يَخشى من أحد من رعيّته، ولا يَحتاج إلى مداهنته، ومصانعته، فإن الإنسان إنما يُداهن، ويصانع بالكذب وشبهه من يَحذَره، ويخشى أذاه، ومعاتبته، أو يطلب عنده بذلك منزلة، أو منفعة، وهو غنيّ عن الكذب مطلقًا. وكذلك العائل المستكبر قد عَدِمَ المال، وإنما سبب الفخر، والخيلاء، والتكبّر، والارتفاع على القرناء الثَّرْوَةُ في الدنيا؛ لكونه ظاهرًا فيها، وحاجات أهلها إليه، فإذا لم يكن عنده أسبابها، فلماذا يستكبر، ويحتقر غيره؟، فلم يبق فعله، وفعل الشيخ الزاني، والإمام الكاذب إلا لضرب من الاستخفاف بحق اللَّه تعالى (٢). ذكره النوويّ في "شرحه" وهو بمعنى كلام القرطبي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٧٧/ ٢٥٧٥ - وفي "الكبرى" ٧٩/ ٢٣٥٦. وأخرجه (م) في "الإيمان" ١٠٧ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ٧٣٩٣ و ٩٣١١ و ٩٨٦٦ و ٩٨٦٧. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان ذمّ الفقير المتكبّر (ومنها):

стр. 12212

ذمّ الزاني الكبير السنّ (ومنها): ذمّ الملك الكذاب (ومنها): أن مرتكبي المعاصي تتفاوت مراتبهم بحسب الدواعي الحاملة لهم على ارتكابها، فمن كان له داع يحمله، ويقهره على ارتكابها، كان أخف جُرْمًا ممن لا داعي له إلى ذلك، وهذا فضل عظيم من ربّ رحيم، حيث خفّف العقاب عن المغلوب المقهور، وأما من ليس كذلك، فإنه يعظم عقابه، حيث كان حامله على الارتكاب مجرّد الاستخاف بأمر اللَّه تعالى، وقلّة خوفه منه. ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٥٧٦ - (أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَارِمٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ, عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «أَرْبَعَةٌ يُبْغِضُهُمُ اللَّهُ : الْبَيَّاعُ الْحَلاَّفُ, وَالْفَقِيرُ الْمُخْتَالُ, وَالشَّيْخُ الزَّانِي, وَالإِمَامُ الْجَائِرُ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه "أبي داود" وهو سليمان بن سَيْف الحرّاني الثقة الحافظ [١١] ١٠٣/ ١٣٦ فإنه من أفراده. و"عارم": هو محمد بن الفضل، أبو النعمان السَّدُوسي البصريّ الحجة الثبت [٩] ٤٦/ ١٧٢٨. "وحمّاد": هو ابن زيد الإمام الحجة الثبت [٨] ٣/ ٣. و"عبيد اللَّه بن عمر": هو العمريّ المدنيّ الفقيه الثبت الحجّة [٥] ١٥/ ١٥. وشرح الحديث يعلم مما قبله. وقوله: "البيّاع الحلاّف" فعّال للمبالغة، أي الرجل الكثير البيع الكثير الحلف؛ لينفّق سلعته بأيمانه الكاذبة. وقوله: "والإمام الجائر": يحتمل أن يكون بمعنى: "الإمام الكذّاب"، في الحديث الماضي، وهو الملك الكذّاب. ويحتمل أن يكون أعمّ؛ لأن الجور هو الظلم، والميل عن الطريق، يقال: جار يجور جَوْرًا، من باب قال: إذا ظلم، أو مال عن الطريق. فيكون المعنى: الإمام الذي يميل عن الطريق المستقيم، فيظلم الناس، ويظلم نفسه، والاحتمال الأول أقوى. واللَّه تعالى أعلم. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا ٧٧/ ٢٥٧٦ - وفي "الكبرى" - ٢٣٥٧ وفي "الرجم" ١/ ٧١٣٩. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب".

стр. 12213

٧٨ - (فَضْلُ السَّاعِي عَلَى الأَرْمَلَةِ) أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على فضل الساعي في مصلحة المرأة الفقيرة التي مات زوجها. ولفظ "الكبرى": "فضل الساعي على الأرملة والمسكين"، وهو الموافق للفظ الحديث. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: مناسبة إيراد هذا الباب هنا كون الأرملة من جملة مصارف الزكاة، فأراد أن يبيّن أنها وإن كانت من جملة المصارف، إلا أن لها فضلًا، حيث إن من سعى في إيصال الخير إليها كان كالمجاهد في سبيل اللَّه تعالى، فيكون فضل دفع الزكاة إليها أكثر من الدفع إلى غيرها من أمثالها من الفقراء. و"الأرملة": هي التي لا زوج لها؛ لافتقارها إلى من يُنفق عليها. قال الأزهريّ: لا يقال لها: أرملةٌ إلا إذا كانت فقيرةً، فإن كانت موسرةً، فليست بأرملةٍ، والجمع أرامل، حتى قيل: رجلٌ أرملٌ إذا لم يكن له زوجٌ. قال ابن الأنباريّ: وهو قليلٌ؛ لأنه لا يَذهَبُ زاده بفقد امرأته؛ لأنها لم تكن قيّمةً عليه. قال ابن السكّيت: والأرامل: المساكينُ رجالًا كانوا أو نساء. ذكره الفيّوميّ. وقال ابن منظور -رحمه اللَّه تعالى-: وأَرْمَلَتِ المرأةُ: إذا مات عنها زوجها. وأرملت: صارت أرملةً. وقال ابن الأنباريّ: سمّيت أرملة لذهاب زادها، وفقدها كاسبها، ومن كان عيشُها صالحًا به، من قول العرب: أرمل القومُ، والرجل: إذ ذهب زادهم، قال: ولا يقال له إذا ماتت امرأته: أرمل إلا في شذوذ؛ لأن الرجل لا يذهب زاده بموت امرأته، إذ لم تكن قيّمة عليه، والرجل قيّم عليها، وتلزمه عَيْلُولتها، ومؤنتها، ولا يلزمها شيء من ذلك. قال: ورُدّ على القتيبيّ قولُهُ فيمن أوصى بماله للأرامل أنه يعطى منه الرجال الذين ماتت أزواجهم؛ لأنه يقال: رجلٌ أرملٌ، وامرأة أرملة. قال: وهذا مثل الوصيّة للجواري، لا يُعطى منه الغلمان، ووصية الغلمان لا يُعطى منه الجواري، وإن كان يقال للجارية: غُلَامة انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٥٧٧ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ, عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ (٢) عَنْ أَبِي الْغَيْثِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ

стр. 12214

- ﷺ : «السَّاعِي عَلَى الأَرْمَلَةِ, وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ »). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عمرو بن منصور)، أبو سعيد النسائيّ الثقة الثبت [١١] ١٠٨/ ١٤٧ من أفراد المصنّف. ٢ - (عبد اللَّه بن مسلمة) القعنبي البصري، ثقة ثبت عابد، من صغار [٩] ٧٨/ ٢٥٧٧. ٣ - (مالك) بن أنس، إمام دار الهجرة الفقيه الحجة [٧] ٧/ ٧. ٤ - (ثور بن زيد الدِّيلي) بكسر المهملة المدني، [٦] ١١/ ١٢١٠. ٥ - (أبو الغيث) سالم مولى ابن مُطيع المدنيّ، ثقة [٣]. ٦ - (أبو هريرة) ﵁ -١/ ١. واللَّه تعالى أعلم. روى عن أبي هريرة. وعنه ثور بن زيد الدِّيليّ، وسعيد المقبريّ، وإسحاق بن سالم، وصفوان بن سليم، وغيرهم. قال أحمد: لا أعلم أحدًا روى عنه إلا ثورٌ، وأحاديثه متقاربة. وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: ثقة، يُكتب حديثه. وقال ابن سعد: كان ثقةً حسن الحديث. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وذكر ابن شاهين أنّ كلام أحمد ابن حنبل اختلف فيه. روى الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط برقم ٢٥٧٧ و ٣٦٧١ و ٣٨٢٧. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف ﵀، وأنه مسلسل بالمدنيين من مالك. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ، وَالْمِسْكِينِ") أي الذي يذهب ويجيء في تحصيل ما ينفع الأرملة والمسكين. وفي لفظ شكّ فيه القعنبيّ: "كالقائم لا يفتر، وكالصائم لا يُفطر" (كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّه ) زاد في رواية البخاريّ: "أو القائم الليل، الصائم النهار". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه.

стр. 12215

(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه- هنا ٧٨/ ٢٥٧٧ - وفي "الكبرى" ٢٣٥٨. وأخرجه (خ) في "النفقات" ٥٢٥٣ وفي "الأدب" ٦٠٠٦ و ٦٠٠٧ (م) في "الزهد والرقائق" ٢٩٨٨ (ت) في "البرّ والصلة" ١٩٦٩ (ق) في "التجارات" ٢١٤٠ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ٨٥١٥. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان فضل السعي في تحصيل النفع للأرملة، أي المرأة التي مات زوجها، ولا مال لها (ومنها): أن بعض الأعمال يساوي الجهاد، وقيام الليل، وصيام النهار (ومنها): أن معرفة مقدار ثواب الأعمال مفوّض إلى اللَّه ، فربّ عمل سهل يساوي فضل عمل شاقّ، وبالعكس. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب". … ٧٩ - (الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "المؤلّفة" بصيغة اسم المفعول، وقلوبهم بالرفع على أنه نائب الفاعل: أي المستمالَةُ قلوبهم بالإحسان، والمودّة، وكان النبيّ ﷺ يعطيهم من الصدقات، وكانوا من أشراف العرب، فمنهم من كان يُعطيه دفعًا لأذاه، ومنهم من كان يعطيه طَمَعًا في إسلامه، وإسلام أتباعه، ومنهم من كان يُعطيه ليَثْبُت على إسلامه؛ لقرب عهده بالجاهلية. قاله الفيّوميّ. وقال العلاّمة القرطبيّ في "تفسيره": هم قوم كانوا في صدر الإسلام ممن يُظهر الإسلام، يُتَألّفون بدفع سهم من الصدقة إليهم لضعف يقينهم. قال الزهريّ: المؤلّفة مَن أسلم من يهوديّ، أو نصرانيّ، وإن كان غنيًّا. وقال بعض المتأخّرين: اختُلِف في صفتهم؛ فقيل: هم صنف من الكفّار يُعطَون ليتألّفوا على الإسلام، وكانوا لا يُسلمون بالقهر والسيف، ولكن يسلمون بالعطاء والإحسان. وقيل: هم قوم أسلموا في الظاهر، ولم تستيقن قلوبهم، فيُعْطَون ليتمكّن الإسلام في صدورهم. وقيل: هم قوم من عظماء المشركين لهم أتباع يُعطَون ليتألفوا

стр. 12216

أتباعهم على الإسلام. قال: وهذه الأقوال متقاربة، والقصد بجميعها الإعطاءُ لمن لا يتمكّن إسلامه حقيقةً إلا بالعطاء؛ فكأنه ضربٌ من الجهاد، والمشركون ثلاثة أصنافٌ: صنف يرجع بإقامة البرهان، وصنفٌ بالقهر، وصنفٌ بالإحسان، والإمام الناظر للمسلمين يستعمل مع كلّ صنف ما يراه سببًا لنجاته، وتخليصه من الكفر انتهى كلام القرطبيّ (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٥٧٨ - (أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ, عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نُعْمٍ, عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ, قَالَ: بَعَثَ عَلِيٌّ, وَهُوَ بِالْيَمَنِ بِذُهَيْبَةٍ بِتُرْبَتِهَا, إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَقَسَمَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ: الأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ الْحَنْظَلِيِّ, وَعُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرٍ الْفَزَارِيِّ, وَعَلْقَمَةَ بْنِ عُلَاثَةَ الْعَامِرِيِّ, ثُمَّ أَحَدِ بَنِي كِلَابٍ, وَزَيْدٍ الطَّائِيِّ, ثُمَّ أَحَدِ بَنِي نَبْهَانَ, فَغَضِبَتْ قُرَيْشٌ, وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى: صَنَادِيدُ قُرَيْشٍ, فَقَالُوا: تُعْطِي صَنَادِيدَ نَجْدٍ, وَتَدَعُنَا, قَالَ: «إِنَّمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ؛ لأَتَأَلَّفَهُمْ» , فَجَاءَ رَجُلٌ, كَثُّ اللِّحْيَةِ, مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ, غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ, نَاتِئُ الْجَبِينِ, مَحْلُوقُ الرَّأْسِ, فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ يَا مُحَمَّدُ, قَالَ: «فَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ , إِنْ عَصَيْتُهُ أَيَأْمَنُنِي عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ, وَلَا تَأْمَنُونِي؟» , ثُمَّ أَدْبَرَ الرَّجُلُ, فَاسْتَأْذَنَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فِي قَتْلِهِ, يَرَوْنَ أَنَّهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ, لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ, يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلَامِ, وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ, يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلَامِ, كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ, لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ, لأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (هناد بن السري) الكوفي، ثقة [١٠] ٢٣/ ٢٥. ٢ - (أبو الأحوص) سلام بن سُلَيم الحنفي الكوفي، ثقة ثبت [٧] ٧٩/ ٩٦. ٣ - (سعيد بن مسروق) والد سفيان الثوري الكوفي، ثقة [٦] ١٥٣/ ١١٢١. ٤ - (عبد الرحمن بن أبي نُعم) -بضمّ النون، وسكون المهملة- البجليّ، أبي الْحَكَم الكوفيّ، صدوق، عابد [٣]. قال مندل بن عليّ، عن بكير بن عامر: لو قيل لعبد الرحمن قد تَوَجّهَ ملك الموت إليك يريد قبض روحك، ما كانت عنه زيادة على ما هو فيه. وقال محمد بن فضيل، عن أبيه: كان عبد الرحمن يُحْرِم من السنة إلى السنة، وكان يقول: لبيك لو كان رياءً

стр. 12217

لاضمحلّ (١). وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: كان من عبّاد أهل الكوفة، ممن يصبر على الجوع الدائم، أخذه الحجّاج ليقتله، وأدخله بيتًا مظلمًا، وسدّ الباب خمسة عشر يومًا، ثمّ أمر بالباب، ففتح ليُخرَج، فيُدفَنَ، فدخلوا عليه، فإذا هو قائمٌ يُصلي، فقال له الحجّاج: سِرْ حيث شئت. وروى عبد الرحمن بن أحمد في زيادات "الزهد" من طريق مغيرة، عن مقسم، قال: دخل ابن أبي نُعْم على الحجّاج أيّام الجماجم، فوعظه. وقال ابن سعد: كان ثقة، يُحرِم من السنة إلى السنة، وكان ثقة، وله أحاديث. وقال ابن أبي حاتم: ذَكَر أبي عبدَ الرحمن بنَ أبي نُعم، فذكر له فضلًا وعبادةً. وقال النسائيّ في "التمييز": ثقة. وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ضعيف. روى له الجماعة وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط برقم ٢٥٧٨ و ٤١٠١ و ٤٥٦٩ و ٤٦٧٣ و ٤٦٧٤ و ٥٦٦١. ٥ - (أبو سعيد الخدريّ) سعد بن مالك بن سنان ﵄ ١٦٩/ ٢٦٢. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف وأنه مسلسل بالكوفيين، غير الصحابي فمدني، وفيه أبو سعيد ﵁ من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) سعد بن مالك بن سنان الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: بَعَثَ عَلِيٌّ) بن أبي طالب - رضي اللَّه تعالى عنه - (وَهُوَ بِالْيَمَنِ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، يعني أنه كان باليمن، وقد ولّاه النبيّ ﷺ قاضيا بها (بِذُهَيْبَةٍ) تصغير ذَهَبَة، وكأنه أنّثها على معنى الطائفة، أو الجملة. وقال الخطّابيّ: على معنى القطعة. قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأنها كانت تبرًا، وقد يؤنّث الذهب في بعض اللغات، وفي بعض النسخ من مسلم: "بذَهَبَة" بفتحتين بغير تصغير انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: اعتراض الحافظ على الخطّاب لا وجه له، إذ القطعة، هي الطائفة التي فسر بها هو، فتبصّر.

стр. 12218

وأيضًا ما فسّر به الخطّابيّ فسر به غيره، قال في "اللسان": قال الأزهريّ: والذهب معروف، وإنما أُنّث، وقال غيره: الذهب: التِّبْرُ، القطعة منه ذَهَبَةٌ، وعلى هذا يُذكّر، ويؤنّث على ما ذُكر في الجمع الذي لا يفارقه واحده إلا بالهاء. وقال ابن الأثير: هي تصغير ذهب، وأدخل الهاء فيها؛ لأن الذهب يؤنّث، والمؤنّث الثلاثيّ، إذا صُغر أُلحق في تصغيره الهاء، نحو قُويسة، وقيل: هو تصغير ذهبة، على نية القطعة منها، فصغّروها على لفظها، والجمع الأذهاب، والذُّهُوب انتهى (١). فتبيّن بهذا أن ما قاله الخطابيّ صحيح. واللَّه تعالى أعلم. زاد في رواية الشيخين: "في أديم مقروظ": و"الأديم": الجلد. و"المقروظ": المدبوغ بالقَرَظ، وهو شجر يُدبَغ به. قاله في "المفهم" (٢). (بِتُرْبَتِهَا) أيِ مخلوطة بترابها، بمعنى أنها لم يتميّز من ترِاب معدنها. وفي رواية الشيخين: "لم تُحصّل من ترابها": قال في "الفتح": أي لم تخُلّص من تراب المعدن، فكأنها كانت تِبْرًا، وتخليصها بالسبك (٣). [تنبيه]: اختُلف في هذه الذُّهيبة، فقيل: كانت خمس الخمس. وفيه نظر. وقيل: من الخمس، وكان ذلك من خصائصه ﷺ أنه يضعه في صنف من الأصناف للمصلحة. وقيل: من أصل الغنيمة. وفيه بُعْدٌ. قاله في "الفتح". (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَسَمَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ) قال الفيّوميّ: "النفر" - بفتحتين-: جماعة الرجال من ثلاثة إلى عشرة. وقيل: إلى سبعة، ولا يقال: نفرٌ فيما زاد على العشرة انتهى. (الْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ الْحَنْظَلِيِّ) بالجر بدل من "أربعة"، أو من "نفر"، ويجوز الرفع، والنصب على القطع. وهو الأقرع بن بن حابس بن عثمان بن محمد بن سفيان بن مُجاشع التميميّ المجاشعيّ. قيل: كان اسمه فراس، والأقرع لقبه (٤). وفي رواية للبخاريّ: "وأقرع بن حابس" بدون "ال"، قال ابن مالك: فيه شاهد على أن الألف واللام من الأعلام الغالبة قد يُنزعان عنه في غير نداء، ولا إضافة، ولا

стр. 12219

ضرورةٍ، وقد حكى سيبويه عن العرب: هذا يوم اثنين مبارك (١) وإلى هذا أشار في "خلاصته": وَقَدْ يَصِيرُ عَلَمًا بِالْغَلَبَهْ … مُضَافٌ أَوْ مَصْحُوبُ "أَلْ" كَالْعَقَبَهْ وَحَذْفَ "أَلْ" ذِي إِنْ تُنَادِ أَوْ تُضِفْ … أَوْجِبْ وَفِي غَيْرِهِمَا قَدْ تَنْحَذِفْ (وَعُيَينَةَ بْنِ بَدْرٍ) بن حُذيفة بن بدر (الْفَزَارِيِّ، وَعَلْقَمَةَ بْنِ عُلَاثَةَ الْعَامِرِيِّ، ثَمَّ أَحَدِ بَنِي كلَابٍ) "عُلَاثة" -بضمّ العين المهملة، والمثلّثة- ووقع في رواية البخاريّ من طريق عبدَ الواحد بن زياد، عن عُمارة بن القعقاع، عن ابن أبي نُعْم: "إما علقمة، وإما عامر بن الطفيل". فقال في "الفتح": وجزم في رواية سعيد بن مسروق بأنه علقمة بن عُلاثة العامريّ، ثم أحد بني كلاب، وهو من أكابر بني عامر، وكان يتنازع الرياسة هو وعامر ابن الطفيل، وأسلم علقمة، فحسن إسلامه، واستعمله عمر على حَوْران، فمات بها في خلافته، وذكرُ عامر بن الطفيل غلطٌ من عبد الواحد، فإنه كان مات قبل ذلك انتهى (٢). (وَزَيْدِ الطَّائِيِّ، ثُمَّ أَحَدِ بَنِي نَبْهَانَ) هو زيد بن مهلهل الطائيّ، ويقال له: زيد الخيل؛ لكرائم الخيل التي كانت له، وسمّاه النبيّ ﷺ زيد الخير -بالراء بدل اللام- وأثنى عليه، فأسلمِ، فحسن إسلامه، ومات في حياة النبيّ ﷺ . (فغَضِبَتْ قُرَيْشٌ، وَقَالَ مَرَّةَ أُخْرَى) الظاهر أن القائل هو سعيد بن مسروق؛ لأن هذه الزيادة في روايته، كما يظهر من عبارة "الفتح"، ولفظه: وفي رواية سعيد بن مسروق: "فغضبت قريش، والأنصار، وقالوا: يعطي صناديد أهل نجد، ويدعنا الخ" انتهى (صَنَادِيدُ قُرَيْشٍ) الصناديد -بالمهملة، والنون- جمع صِنديد، وهو الرئيس (فَقَالُوا: تُعْطِي صَنَادِيدَ نَجْدٍ، وَتَدَعُنَا) أي تتركنا. وفي رواية الشيخين: "فقال رجلٌ من أصحابه: كنا نحن أحقّ بهذا من هؤلاء، قال: فبلغ ذلك النبيّ ﷺ ، فقال: "ألا تأمنوني؟ وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء، مساءً وصباحًا". قال القرطبيّ في "المفهم": لا حجّة فيه لمن يرى أن اللَّه مختصّ بجهة فوقُ؛ لما تقدّم من استحالة الجسمية، وأيضًا فيحتمل أن يراد بـ "من في السماء" الملائكة، فإنه أمين عندهم، معروف بالأمانة، والسماء بمعنى العلوّ والرفعة المعنويّة. وهكذا القول

стр. 12220

في قوله تعالى تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ الآية [الملك: ١٦]، وقد تقدم أن التسليم في المشكلات أسلم انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي ذكره القرطبيّ في معنى هذا الحديث غير صحيح، والصواب إثبات الفوقية للَّه تعالى على ما يليق بجلاله، فهو سبحانه استوى على عرشه استواء حقيقيّا، يليق بجلاله، كما أخبر به في عدّة آيات الكتاب، وكما أخبر به النبيّ ﷺ في الأحاديث "الصحيحة" ولا يلزم من ذلك تجسيم، ولا تكييف، فإن قياس الغائب بالشاهد باطلٌ، فربنا هو الأعلى "سبحان ربي الأعلى"، وكلّ ما ثبت في النصّ من صفاته العليا فهو ثابت له على ظاهره، من غير تشبيه، ولا تمثيل، ولا تأويل، ولا تعطيل، وقد أشبعت الكلام على هذه المسألة في غير هذا الموضع من هذا الشرح. واللَّه سبحانه هو الهادي إلى سواء السبيل. (قَالَ) ﷺ اعتذارًا إليهم (إِنَّمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ) أي إنما آثرت إعطاء هؤلاء، وتركتكم (لِأَتَأَلَّفَهُمْ) أي لأجل أن أستميل قلوبهم إلى الإسلام. (فَجَاءَ رَجُلٌ) هو ذو الْخُويصِرَةِ التميميّ، كما ثبت صريحًا في رواية لأبي سعيد الخدريّ عند البخاريّ في "علامات النبوّة". وعند أبي داود: اسمه نافع. ورجّحه السهيليّ. وقيل: اسمه حُرْقُوص بن زُهير السعديّ. (كَثُّ اللِّحْيَةِ) بفتح الكاف: أي غليظها (مُشْرِفُ الْوَجْنَتَينِ) المشرف -بشين معجمة، وفاء- بمعنى البارز، والمرتفع. والوجنتان: تثنية وَجْنة. قال الفيّوميّ: الوجنة من الإنسان ما ارتفع من لحم خدّه، والأشهر فتح الواو، وحكي التثليث، والجمع وَجَنَات، مثلُ سَجْدة وسَجَدَات انتهى. وقال في "اللسان": الوجنة مثلثةً، والوَجَنَة محرَّكةً، والأُجْنة مثلثةً: ما انحدر من الْمَحْجِرِ (٢)، ونَتَأَ من الوجه. وقيل: ما نتأ من لحم الخدّ بين الصدغين، وكَنَفي الأنف. وقيل: هو فَرَقُ ما بين الخدّين والْمَدْمع من العظم الشاخص في الوجه، إذا وضعت عليه يدك وجدت حجمه. وحكى الليحيانيّ: إنه لحسن الوَجَنَات، كأنه جعل كلّ جزء منها وجنة، ثم جمع على هذا انتهى. (غَائِرُ الْعَينَيْنِ) بالغين المعجمة، والتحتانيّة، اسم فاعل من الْغَوْر، والمراد أن عينيه
следующие страницы →