أتباعهم على الإسلام. قال: وهذه الأقوال متقاربة، والقصد بجميعها الإعطاءُ لمن لا يتمكّن إسلامه حقيقةً إلا بالعطاء؛ فكأنه ضربٌ من الجهاد، والمشركون ثلاثة أصنافٌ: صنف يرجع بإقامة البرهان، وصنفٌ بالقهر، وصنفٌ بالإحسان، والإمام الناظر للمسلمين يستعمل مع كلّ صنف ما يراه سببًا لنجاته، وتخليصه من الكفر انتهى كلام القرطبيّ (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٥٧٨ - (أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ, عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نُعْمٍ, عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ, قَالَ: بَعَثَ عَلِيٌّ, وَهُوَ بِالْيَمَنِ بِذُهَيْبَةٍ بِتُرْبَتِهَا, إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَقَسَمَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ: الأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ الْحَنْظَلِيِّ, وَعُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرٍ الْفَزَارِيِّ, وَعَلْقَمَةَ بْنِ عُلَاثَةَ الْعَامِرِيِّ, ثُمَّ أَحَدِ بَنِي كِلَابٍ, وَزَيْدٍ الطَّائِيِّ, ثُمَّ أَحَدِ بَنِي نَبْهَانَ, فَغَضِبَتْ قُرَيْشٌ, وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى: صَنَادِيدُ قُرَيْشٍ, فَقَالُوا: تُعْطِي صَنَادِيدَ نَجْدٍ, وَتَدَعُنَا, قَالَ: «إِنَّمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ؛ لأَتَأَلَّفَهُمْ» , فَجَاءَ رَجُلٌ, كَثُّ اللِّحْيَةِ, مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ, غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ, نَاتِئُ الْجَبِينِ, مَحْلُوقُ الرَّأْسِ, فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ يَا مُحَمَّدُ, قَالَ: «فَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ , إِنْ عَصَيْتُهُ أَيَأْمَنُنِي عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ, وَلَا تَأْمَنُونِي؟» , ثُمَّ أَدْبَرَ الرَّجُلُ, فَاسْتَأْذَنَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فِي قَتْلِهِ, يَرَوْنَ أَنَّهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ, لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ, يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلَامِ, وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ, يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلَامِ, كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ, لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ, لأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هناد بن السري) الكوفي، ثقة [١٠] ٢٣/ ٢٥.
٢ - (أبو الأحوص) سلام بن سُلَيم الحنفي الكوفي، ثقة ثبت [٧] ٧٩/ ٩٦.
٣ - (سعيد بن مسروق) والد سفيان الثوري الكوفي، ثقة [٦] ١٥٣/ ١١٢١.
٤ - (عبد الرحمن بن أبي نُعم) -بضمّ النون، وسكون المهملة- البجليّ، أبي الْحَكَم الكوفيّ، صدوق، عابد [٣].
قال مندل بن عليّ، عن بكير بن عامر: لو قيل لعبد الرحمن قد تَوَجّهَ ملك الموت إليك يريد قبض روحك، ما كانت عنه زيادة على ما هو فيه. وقال محمد بن فضيل، عن أبيه: كان عبد الرحمن يُحْرِم من السنة إلى السنة، وكان يقول: لبيك لو كان رياءً
стр. 12217
لاضمحلّ (١). وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: كان من عبّاد أهل الكوفة، ممن يصبر على الجوع الدائم، أخذه الحجّاج ليقتله، وأدخله بيتًا مظلمًا، وسدّ الباب خمسة عشر يومًا، ثمّ أمر بالباب، ففتح ليُخرَج، فيُدفَنَ، فدخلوا عليه، فإذا هو قائمٌ يُصلي، فقال له الحجّاج: سِرْ حيث شئت. وروى عبد الرحمن بن أحمد في زيادات "الزهد" من طريق مغيرة، عن مقسم، قال: دخل ابن أبي نُعْم على الحجّاج أيّام الجماجم، فوعظه. وقال ابن سعد: كان ثقة، يُحرِم من السنة إلى السنة، وكان ثقة، وله أحاديث. وقال ابن أبي حاتم: ذَكَر أبي عبدَ الرحمن بنَ أبي نُعم، فذكر له فضلًا وعبادةً. وقال النسائيّ في "التمييز": ثقة. وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ضعيف.
روى له الجماعة وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط برقم ٢٥٧٨ و ٤١٠١ و ٤٥٦٩ و ٤٦٧٣ و ٤٦٧٤ و ٥٦٦١.
٥ - (أبو سعيد الخدريّ) سعد بن مالك بن سنان ﵄ ١٦٩/ ٢٦٢. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف وأنه مسلسل بالكوفيين، غير الصحابي فمدني، وفيه أبو سعيد ﵁ من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) سعد بن مالك بن سنان الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: بَعَثَ عَلِيٌّ) بن أبي طالب - رضي اللَّه تعالى عنه - (وَهُوَ بِالْيَمَنِ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، يعني أنه كان باليمن، وقد ولّاه النبيّ ﷺ قاضيا بها (بِذُهَيْبَةٍ) تصغير ذَهَبَة، وكأنه أنّثها على معنى الطائفة، أو الجملة. وقال الخطّابيّ: على معنى القطعة. قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأنها كانت تبرًا، وقد يؤنّث الذهب في بعض اللغات، وفي بعض النسخ من مسلم: "بذَهَبَة" بفتحتين بغير تصغير انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: اعتراض الحافظ على الخطّاب لا وجه له، إذ القطعة، هي الطائفة التي فسر بها هو، فتبصّر.
стр. 12218
وأيضًا ما فسّر به الخطّابيّ فسر به غيره، قال في "اللسان": قال الأزهريّ: والذهب معروف، وإنما أُنّث، وقال غيره: الذهب: التِّبْرُ، القطعة منه ذَهَبَةٌ، وعلى هذا يُذكّر، ويؤنّث على ما ذُكر في الجمع الذي لا يفارقه واحده إلا بالهاء. وقال ابن الأثير: هي تصغير ذهب، وأدخل الهاء فيها؛ لأن الذهب يؤنّث، والمؤنّث الثلاثيّ، إذا صُغر أُلحق في تصغيره الهاء، نحو قُويسة، وقيل: هو تصغير ذهبة، على نية القطعة منها، فصغّروها على لفظها، والجمع الأذهاب، والذُّهُوب انتهى (١).
فتبيّن بهذا أن ما قاله الخطابيّ صحيح. واللَّه تعالى أعلم.
زاد في رواية الشيخين: "في أديم مقروظ": و"الأديم": الجلد. و"المقروظ": المدبوغ بالقَرَظ، وهو شجر يُدبَغ به. قاله في "المفهم" (٢).
(بِتُرْبَتِهَا) أيِ مخلوطة بترابها، بمعنى أنها لم يتميّز من ترِاب معدنها. وفي رواية الشيخين: "لم تُحصّل من ترابها": قال في "الفتح": أي لم تخُلّص من تراب المعدن، فكأنها كانت تِبْرًا، وتخليصها بالسبك (٣).
[تنبيه]: اختُلف في هذه الذُّهيبة، فقيل: كانت خمس الخمس. وفيه نظر. وقيل: من الخمس، وكان ذلك من خصائصه ﷺ أنه يضعه في صنف من الأصناف للمصلحة.
وقيل: من أصل الغنيمة. وفيه بُعْدٌ. قاله في "الفتح".
(إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَسَمَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ) قال الفيّوميّ: "النفر" - بفتحتين-: جماعة الرجال من ثلاثة إلى عشرة. وقيل: إلى سبعة، ولا يقال: نفرٌ فيما زاد على العشرة انتهى.
(الْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ الْحَنْظَلِيِّ) بالجر بدل من "أربعة"، أو من "نفر"، ويجوز الرفع، والنصب على القطع.
وهو الأقرع بن بن حابس بن عثمان بن محمد بن سفيان بن مُجاشع التميميّ المجاشعيّ. قيل: كان اسمه فراس، والأقرع لقبه (٤).
وفي رواية للبخاريّ: "وأقرع بن حابس" بدون "ال"، قال ابن مالك: فيه شاهد على أن الألف واللام من الأعلام الغالبة قد يُنزعان عنه في غير نداء، ولا إضافة، ولا
стр. 12219
ضرورةٍ، وقد حكى سيبويه عن العرب: هذا يوم اثنين مبارك (١) وإلى هذا أشار في "خلاصته":
وَقَدْ يَصِيرُ عَلَمًا بِالْغَلَبَهْ … مُضَافٌ أَوْ مَصْحُوبُ "أَلْ" كَالْعَقَبَهْ
وَحَذْفَ "أَلْ" ذِي إِنْ تُنَادِ أَوْ تُضِفْ … أَوْجِبْ وَفِي غَيْرِهِمَا قَدْ تَنْحَذِفْ
(وَعُيَينَةَ بْنِ بَدْرٍ) بن حُذيفة بن بدر (الْفَزَارِيِّ، وَعَلْقَمَةَ بْنِ عُلَاثَةَ الْعَامِرِيِّ، ثَمَّ أَحَدِ بَنِي كلَابٍ) "عُلَاثة" -بضمّ العين المهملة، والمثلّثة- ووقع في رواية البخاريّ من طريق عبدَ الواحد بن زياد، عن عُمارة بن القعقاع، عن ابن أبي نُعْم: "إما علقمة، وإما عامر بن الطفيل". فقال في "الفتح": وجزم في رواية سعيد بن مسروق بأنه علقمة بن عُلاثة العامريّ، ثم أحد بني كلاب، وهو من أكابر بني عامر، وكان يتنازع الرياسة هو وعامر ابن الطفيل، وأسلم علقمة، فحسن إسلامه، واستعمله عمر على حَوْران، فمات بها في خلافته، وذكرُ عامر بن الطفيل غلطٌ من عبد الواحد، فإنه كان مات قبل ذلك انتهى (٢).
(وَزَيْدِ الطَّائِيِّ، ثُمَّ أَحَدِ بَنِي نَبْهَانَ) هو زيد بن مهلهل الطائيّ، ويقال له: زيد الخيل؛ لكرائم الخيل التي كانت له، وسمّاه النبيّ ﷺ زيد الخير -بالراء بدل اللام- وأثنى عليه، فأسلمِ، فحسن إسلامه، ومات في حياة النبيّ ﷺ .
(فغَضِبَتْ قُرَيْشٌ، وَقَالَ مَرَّةَ أُخْرَى) الظاهر أن القائل هو سعيد بن مسروق؛ لأن هذه الزيادة في روايته، كما يظهر من عبارة "الفتح"، ولفظه: وفي رواية سعيد بن مسروق:
"فغضبت قريش، والأنصار، وقالوا: يعطي صناديد أهل نجد، ويدعنا الخ" انتهى (صَنَادِيدُ قُرَيْشٍ) الصناديد -بالمهملة، والنون- جمع صِنديد، وهو الرئيس (فَقَالُوا: تُعْطِي صَنَادِيدَ نَجْدٍ، وَتَدَعُنَا) أي تتركنا.
وفي رواية الشيخين: "فقال رجلٌ من أصحابه: كنا نحن أحقّ بهذا من هؤلاء، قال: فبلغ ذلك النبيّ ﷺ ، فقال: "ألا تأمنوني؟ وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء، مساءً وصباحًا".
قال القرطبيّ في "المفهم": لا حجّة فيه لمن يرى أن اللَّه مختصّ بجهة فوقُ؛ لما تقدّم من استحالة الجسمية، وأيضًا فيحتمل أن يراد بـ "من في السماء" الملائكة، فإنه أمين عندهم، معروف بالأمانة، والسماء بمعنى العلوّ والرفعة المعنويّة. وهكذا القول
стр. 12220
في قوله تعالى تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ الآية [الملك: ١٦]، وقد تقدم أن التسليم في المشكلات أسلم انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي ذكره القرطبيّ في معنى هذا الحديث غير صحيح، والصواب إثبات الفوقية للَّه تعالى على ما يليق بجلاله، فهو سبحانه استوى على عرشه استواء حقيقيّا، يليق بجلاله، كما أخبر به في عدّة آيات الكتاب، وكما أخبر به النبيّ ﷺ في الأحاديث "الصحيحة" ولا يلزم من ذلك تجسيم، ولا تكييف، فإن قياس الغائب بالشاهد باطلٌ، فربنا هو الأعلى "سبحان ربي الأعلى"، وكلّ ما ثبت في النصّ من صفاته العليا فهو ثابت له على ظاهره، من غير تشبيه، ولا تمثيل، ولا تأويل، ولا تعطيل، وقد أشبعت الكلام على هذه المسألة في غير هذا الموضع من هذا الشرح. واللَّه سبحانه هو الهادي إلى سواء السبيل.
(قَالَ) ﷺ اعتذارًا إليهم (إِنَّمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ) أي إنما آثرت إعطاء هؤلاء، وتركتكم (لِأَتَأَلَّفَهُمْ) أي لأجل أن أستميل قلوبهم إلى الإسلام.
(فَجَاءَ رَجُلٌ) هو ذو الْخُويصِرَةِ التميميّ، كما ثبت صريحًا في رواية لأبي سعيد الخدريّ عند البخاريّ في "علامات النبوّة". وعند أبي داود: اسمه نافع. ورجّحه السهيليّ. وقيل: اسمه حُرْقُوص بن زُهير السعديّ.
(كَثُّ اللِّحْيَةِ) بفتح الكاف: أي غليظها (مُشْرِفُ الْوَجْنَتَينِ) المشرف -بشين معجمة، وفاء- بمعنى البارز، والمرتفع. والوجنتان: تثنية وَجْنة. قال الفيّوميّ: الوجنة من الإنسان ما ارتفع من لحم خدّه، والأشهر فتح الواو، وحكي التثليث، والجمع وَجَنَات، مثلُ سَجْدة وسَجَدَات انتهى.
وقال في "اللسان": الوجنة مثلثةً، والوَجَنَة محرَّكةً، والأُجْنة مثلثةً: ما انحدر من الْمَحْجِرِ (٢)، ونَتَأَ من الوجه. وقيل: ما نتأ من لحم الخدّ بين الصدغين، وكَنَفي الأنف.
وقيل: هو فَرَقُ ما بين الخدّين والْمَدْمع من العظم الشاخص في الوجه، إذا وضعت عليه يدك وجدت حجمه. وحكى الليحيانيّ: إنه لحسن الوَجَنَات، كأنه جعل كلّ جزء منها وجنة، ثم جمع على هذا انتهى.
(غَائِرُ الْعَينَيْنِ) بالغين المعجمة، والتحتانيّة، اسم فاعل من الْغَوْر، والمراد أن عينيه
стр. 12221
داخلتان في مَحَاجرهما، لا صقتان بقعر الحدقة، وهو ضدّ الْجُحُوظ (نَاتِىءُ الْجَبِينِ) بهمز ناتىء: أي مرتفع الجبين، والجبين -بفتح الجيم، وكسر الموحّدة-: جانب الجبهة، ولكلّ إنسان جبينان يكتنفان الجبهة، وجمعه جُبُن -بضمّتين، مثل بريد وبُرُد، وأَجْبِنة، مثلُ أَسْلِحَة. وفي "الكبرى": قاني الجبين" بالقاف بدل "ناتىء"، والظاهر أنه بمعناه؛ لأن قَنَا الأنفِ: ارتفاع أعلاه، واحْدِيدَاب وسطه، كما في "القاموس".
(مَحْلُوقُ الرَّأْسِ) وفي رواية للبخاريّ في "كتاب التوحيد" في وصف الخوارج: "سيماهم التحليق"، ولفظه من طريق معبد بن سيرين، عن أبي سعيد الخدري، ﵁، عن النبيّ ﷺ ، قال: "يَخرُج ناس من قبل المشرق، ويقرءون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، يَمرُقُون من الدين، كما يَمرُق السهم من الرَّمِيَّة، ثم لا يعودون فيه، حتى يعود السهم إلى فُوقِه، قيل: ما سيماهم؟، قال: "سيماهم التحليق"، أو قال: "التسبيد" انتهى. "التسبيد" بمعنى التحليق، أو أبلغ منه.
قال الكرمانيّ -رحمه اللَّه تعالى-: فيه إشكالٌ، وهو أنه يلزم من وجود العلامة وجود ذي العلامة، فيستلزم أن كلّ من كان محلوق الرأس، فهو من الخوارج، والأمر بخلاف ذلك اتفاقًا. ثم أجاب بأنّ السلف كانوا لا يحلقون رؤوسهم، إلا للنسك، أو في الحاجة، والخوارج اتخذوه دَيْدنًا، فصار شِعَارًا لهم، وعُرفوا به. قال: ويحتمل أن يُراد به حلق الرأس واللحية، وجميع شعورهم، وأن يراد به الإفراط في القتل، والمبالغة في المخالفة في أمر الديانة انتهى.
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: الأول باطل لأنه لم يقع من الخوارج. والثاني محتمل، لكن طرق الحديث المتكاثرة كالصريحة في إرادة حلق الرأس، والثالث كالثاني. واللَّه أعلم انتهى (١). وزاد في رواية الشيخين: "مشمّر الإزار".
(فَقَالَ: اتَّقِ اللَّه يَا مُحَمَّدُ، قَالَ) ﷺ (فَمَنْ يُطِيعُ اللَّه ، إِنْ عَصَيتُهُ؟) "من" استفهامية، والاستفهام للإنكار والتوبيخ. وفي رواية البخاريّ: "أو لست أحقّ ثم هل الأرض أن يتّقي اللَّه" (أَيَأْمَنُنِي عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ) أي يجعلني اللَّه تعالى مؤتمنًا على شرعه الذي يُنزله على أهل الأرض، حيث بعثني رسولا إليهم، ومعلوم أن مدار الرسالة على الأمانة (وَلَا تَأْمَنُونِي؟) أي لا تعتقدون كوني أمينًا، إذ آمنتم برسالتي؛ لأن ذلك مقتضى الإيمان بها (ثُمَّ أدْبَرَ الرَّجُلُ) وفي رواية الشيخين: "ثم ولّى الرجل" (فَاسْتَأْذَنَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فِي قَتلِهِ، يَرَوْنَ أَنَّهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ) يحتمل أن يكون "يرون" بالبناء للفاعل
стр. 12222
بمعنى يعلمون، ويحتمل أن يكون بالبناء للمفعول بمعنى يظنّون. وفي رواية الشيخين: "فقال خالد بن الوليد: يا رسول اللَّه، ألا أضرب عنقه؟ ".
وفي هذه الرواية أن الذي استأذن في قتله هو خالد بن الوليد. وفي رواية عند البخاريّ أن الذي استأذنه في قتله هو عمر بن الخطّاب - رضي اللَّه تعالى عنه -، ولا إشكال فيه، إذ يمكن الجمع، بأن يكون كلّ واحد منهما استأذن في قتله، فأجيب كلّ منهما. واللَّه تعالى أعلم.
(فَقَالَ: رَسُولُ اللَّه ﷺ ) وفي رواية الشيخين لما استأذن خالد في ضرب عنقه، قال ﷺ : "لا، لعله أن يكون يصلّي"، فقال خالد: وكم من مصلّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه؟، قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّي لم أومر أَنَّ أَنقُب قلوب الناس، ولا أشُقّ بطونهم"، قال: ثم نظر إليه، وهو مُقّفِّ، فقال: إنه يخرج من ضئضىء هذا الخ".
قال في "الفتح": قال القرطبي: إنما منع قتله، وإن كان قد استوجب القتل لئلا يتحدّث الناس أنه يقتل أصحابه، ولا سيما من صلّى، كما ثبت نظيره في قصّة عبد اللَّه ابن أُبيّ. وقال المازريّ: يحتمل أن يكون النبيّ- ﷺ لم يفهم من الرجل الطعن في النبوّة، وإنما نسبه إلى ترك العدل في القسمة، وليس ذلك كبيرة، والأنبياء معصومون من الكبائر بالإجماع، واختُلف في جواز وقوع الصغائر منهم. أو لعله لم يعاقب هذا الرجل لأنه لم يثبت ذلك عنه، بل نقله عنه واحدٌ، وخبر الواحد لا يُراق به الدم انتهى. وأبطله عياض بقوله في الحديث: "اعدل يا محمد"، فخاطبه في الملأ بذلك حتى استأذنوه في قتله، فالصواب ما تقدّم. انتهى.
(إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا) قال في "الفتح": كذا للأكثر بضادين معجمتين، مكسورتين، بينهما تحتانيّة، مهموزة، ساكنة، وفي آخره تحتانيّة مهموزة أيضًا. وفي رواية الكشميهنيّ: بصادين مهملتين، فأما بالضاد المعجمة، فالمراد به النسل والعقب. وزعم ابن الأثير أن الذي بالمهملة بمعناه. وحكى ابن الأثير أنه روي بالمدّ، بوزن قِنْدِيل انتهى (١) (قَوْمًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ) وفي رواية للشيخين: "يتلون كتاب اللَّه رطبًا".
قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: قوله: "يتلون كتاب اللَّه رطبًا" فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه الْحِذْق بالتلاوة، والمعنى أنهم يأتون به على أحسن أحواله.
والثاني: يواظبون على تلاوته، فلا تزال ألسنتهم رطبة به.
والثالث: أن يكون من حسن الصوت بالقراءة. انتهى (٢).
стр. 12223
(لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ) جمع حَنْجَرَة، وهي رأس الْغَلْصَمة (١)، حيث تراه ناتئًا من خارج الحلق (٢).
قال القاضي عياض -رحمه اللَّه تعالى-: فيه تأويلان:
أحدهما: معناه: لا تفهمه قلوبهم، ولا ينتفعون بما تلوا منه، ولا لهم حظّ سوى تلاوة الفم، والحنجرة، والحلق، إذ بهما تقطيع الحروف.
والثاني: معناه: لا يصعد لهم عملٌ، ولا تلاوةٌ، ولا يُتقبّل انتهى (٣).
(يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإسلَامِ، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأوثَانِ) قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: هذا منه ﷺ إخبار عن أمرٍ غيبٍ، وقِع نحوَ ما أخبر عنه، فكان دليلًا من أدلّة نبوّته ﷺ ، وذلك أنهم لَمّا حَكَموا بكفر مَن خرَجُوا عليه من المسلمين، استباحوا دماءهم، وتركوا أهل الذّمّة، وقالوا: نفي بذمّتهم، وعَدَلُوا عن قتال المشركين، واشتغلوا بقتال المسلمين عن قتال المشركين. وهذا كلّه من آثار عبادات الجهّال الذين لم يشرح اللَّه صدورهم بنور العلم، ولم يتمسّكوا بحبل وثيق، ولا صَحِبهم في حالهم ذلك توفيق، وكفى بذلك أن مُقَدَّمهم ردّ على رسول اللَّه ﷺ أمره، ونَسَبَه إلى الْجَوْر، ولو تبصّر لأبصر عن قرب أنه لا يُتَصَوَّر الظلم والْجَوْر في حقّ رسول اللَّه ﷺ ، كما لا يُتصوّر في حقّ اللَّه تعالى؛ إذ الموجودات كلّها ملكٌ للَّه تعالى، ولا يستحقّ أحد عليه حقًّا، فلا يُتصوّر في حقّه شيءٌ من ذلك، والرسول مُبلّغٌ حكمَ اللَّه تعالى، فلا يُتصوّر في حقّه من ذلك ما لا يتصوّر في حقّ مُرْسِلِه.
ويكفيك من جهلهم، وغُلُوّهم في بدعتهم حكمُهُم بتكفير مَن شهد له رسول اللَّه ﷺ بصحّة إيمانه، وبأنه من أهل الجنّة، كعليّ، وغيره، من صحابة رسول اللَّه ﷺ ، مع ما وَقَعَ في الشريعة، وعُلم على القطع والثبات من شهادات اللَّه، ورسوله لهم، وثنائه على عليّ، والصحابة عمومًا وخصوصًا انتهى كلام القرطبيّ (٤).
(يَمْرُقُونَ مِنَ الْإسْلَامِ) بضم الراء، يقال: فرَقَ السهمُ مُرُوقًا، من باب قعد: إذا خرج منه من الجانب الآخر. أي يخرجون من الإسلام خروجَ السهم إذا نفذ الصيدَ من جهة أخرى، ولم يتعلّق به شيء منه.
стр. 12224
وفي رواية عمارة بن القعقاع، عن ابن أبي نُعم: "من الدين" بدل الإسلام. قال في "الفتح": وفي قوله: "من الإسلام" ردّ على من أوّل "الدين" هنا بالطاعة، وقال: إن المراد أنهم يخرجون من طاعة الإمام، كما يخرج السهم من الرّمِيّة. وهذه صفة الخوارج الذين كانوا لا يطيعون الخلفاء.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الصواب أن المراد بخروجهم من الدين، خروجهم من الإسلام، الذي قال اللَّه تعالى فيه: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، كما فسّرته رواية المصنّف، إذ الرواية يفسّر بعضها بعضًا. واللَّه تعالى أعلم.
(كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ) بفتح الراء، وتشديد التحتانيّة: أي الصيد الْمَرْمِيّ. قال الفيّوميّ: الرَّمِيّةُ ما يُرمَى من الحيوان، ذكرًا كان أو أنثى، والجمع رَمِيَّات، ورَمَايا، مثلُ عَطِية، وعَطِيّات، وعَطَايا، وأصلها فَعِيلة بمعنى مفعولة. انتهى.
شبّهَ مروقهم من الإسلام بالسهم الذي يُصيب الصيد، فيدخل فيه، ويخرج منه، ومن شدّة سرعة خروجه لقوّة الرامي، لا يَعْلَق به من جسد الصيد شيء (١).
وفي رواية للبخاريّ من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد الخدريّ - رضي اللَّه تعالى عنه -: فقال عمر: يا رسول اللَّه، ائذن لي فيه، فأضربَ عنقه، فقال: "دعه، فإن له أصحابا، يَحقِر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرءون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين، كما يمرق السهم من الرمية، يُنظَر إلى نَصْلِه، فلا يوجد فيه شيء، ثم يُنظر إلى رِصَافه، فما يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نَضِيِّهِ -وهو قِدْحُهُ- فلا يوجد فيه شيء، ثم يُنظَر إلى قُذَذه، فلا يوجد فيه شيء، قد سَبَقَ الفرثَ والدمَ، آيتهم رجل أسود، إحدى عضديه مثل ثدي المرأة"، أو "مثل البَضْعَة، تَدَرْدَر، ويخرجون على حين فُرْقَة من الناس".
قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا الحديث، من رسول اللَّه ﷺ ، وأشهد أن عليّ بن أبي طالب قاتلهم، وأنا معه، فأمر بذلك الرجل، فالتُمِس، فأُتي به، حتى نظرتُ إليه، على نَعْتِ النبيّ ﷺ ، الذي نعته".
وقوله: "في نَصْله" أي حديدة السهم. و"رِصَافه" بكسر الراء، ثم مهملة، ثم فاء: عَصَبه الذي يكون فوق مدخل النّصل. والرِّصَاف جمعٌ، واحده رَصَفَة بحركات.
و"نَضِيّه" بفتح النون، وحكي ضمّها، وبكسر المعجمة، بعدها تحتانيّةٌ ثقيلة: القِدْح - بكسر، فسكون -كما فُسّر في الحديث- أي عود السهم قبل أن يُراش، وُينصّل.
стр. 12225
وقيل: ما بين الريش والنصل. و"الْقُذَذ" -بضمّ القاف، ومعجمتين، الأولى مفتوحة، جمع قُذّة: وهي رِيش السهم، يقال لكلّ واحدة قُذّة، ويقال: هو أشبه من القذّة بالقذّة؛ لأنها تُجعل على مثال واحد. وقوله: "آيتهم" أي علامتهم. وقوله: "بضعة" -بفتح الموحّدة: أي قطعة لحم. وقوله: "تدردر": أي تضطرب، وتتحرّك. وقوله: "على حين فُرْقة": أي يخرجون فى وقت افتراق الناس. وفي رواية لمسلم: "تمرق مارقة عند فُرقة من المسلمين، تقتلها أوْلى الطائفتين بالحقّ".
وفي هذا، وقولِهِ ﷺ : "تقتل عمّارًا الفئة الباغية" دلالة واضحة على أن عليًّا - رضي اللَّه تعالى عنه -، ومن معه كانوا على الحقّ، وأن من قاتلهم كانوا مخطئين في تأويلهم. واللَّه تعالى أعلم (١).
(لَئِنْ أَدْرَكتُهُمْ، لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ) أي قتلًا عامًّا، مستأصلًا، كما قال تعالى: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٨]. وفي رواية "قتل ثمود". قال القرطبيّ: ووجه الجمع أن يكون النبيّ ﷺ قال كليهما، فذكر أحد الرواة أحدهما، وذكر الآخرُ الآخرَ. ومعنى هذا أنه ﷺ كان يقتلهم قتلًا عامًّا، بحيث لا يُبقِي منهم أحدًا في وقت واحد، لا يؤخّر قتل بعضهم عن بعض، ولا يُقيل أحدًا منهم، كما فَعَل اللَّه بعاد، حيث أهلهكم بالريح العقيم، وبثمود، حيث أهلكهم بالصَّيْحَة انتهى (٢).
وقال في "الفتح": وقد استُشكل قوله: "لئن أدركتهم لأقتلتهم" مع أنه نهى خالدًا عن قتل أصلهم.
وأجيب بأنه أراد إدراك خروجهم، واعتراضهم على المسلمين بالسيف، ولم يكن ظهر ذلك في زمانه ﷺ ، وأوّل ما ظهر في زمان عليّ - رضي اللَّه تعالى عنه -، كما هو مشهور. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي سعيد الخدريّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٧٩/ ٢٥٧٨ و ٢٦/ ٤١٠١ - وفي "الكبرى" ٨١/ ٢٣٥٩ و"التفسير"
стр. 12226
١٧٠/ ١١٢٢١. وأخرجه (خ) في "المناقب" ٣٦١٠ و"المغازي" ٤٣٥١ و"التفسير" ٤٦٦٧ و"فضائل القرآن" ٥٠٥٨ و"الأدب" ٦١٦٣ و"استتابة المرتدّين" ٦٩٣١ و ٦٩٣٣ و"التوحيد" ٧٤٣٢ و ٧٥٦٢ (م) في "الزكاة" ١٠٦ (د) في "السنّة" ٤٧٦٤ (ق) في "المقدمة" ١٦٩ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ١٠٦٢٥ و ١٠٨٧٤ و ١١٠٩٦ و ١١١٨٥ و ١١٢٥٤ و ١١٢٩٦ "الموطّأ" في "النداء للصلاة" ٤٧٧. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان أن المؤلّفة قلوبهم من مصارف الزكاة، فيُعطون منها؛ استمالة لقلوبهم إلى الإسلام، وفيه خلاف للعلماء، سيأتي بيانه في المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالى (ومنها): ما كان عليه النبيّ ﷺ من العفو، والصفح، والتجاوز، وإن كانت الإساءة إليه كبيرة (ومنها): أنّ ملازمة قراءة القرآن لا يدلّ على صدق إيمان الشخص حتى يقوم بالعمل به كما ينبغي (ومنها): أن فيه بيان صفات الخوارج التي يتميزون بها عن المسلمين، فهم كثيرو العبادة، وعداوتهم للمسلمين أكثر من عداوة غيرهم (ومنها): مشروعيّة قتال الخوارج، سواء قلنا: إنهم مرتدّون عن الإسلام، أو قلنا: إنهم بغاة، خرجوا على أهل العدل (ومنها): أن فيه عَلَمًا من أعلام النبوّة، حيث أخبر النبيّ ﷺ بخروج الخوارج قبل أن يقع، فوقع على طِبْقِ ما أخبر ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤]. (ومنها): ما قال ابن هبيرة: إن قتال الخوارج أولى من قتال المشركين، والحكمة فيه أن في قتلهم حفظ رأس مال الإسلام، وفي قتال أهل الشرك طلب الربح، وحفظُ رأس المال أولى (ومنها): التحذير من الغلوّ في الديانة، والتنطّع في العبادة، وقد وصف الشارع الشريعة بأنها سهلة سمحة، وإنما ندب إلى الشدّة على الكفّار، والرأفة بالمؤمنين، فعكس ذلك الخوارج، فقتلوا المؤمنين، وتركوا الكفّار (ومنها): جواز قتال من خرج عن طاعة الإمام العادل، ونَصَبَ الحرب، فقاتل على اعتقاد فاسد (ومنها): أن فيه أن من المسلمين من يخرج من الدين من غير أن يقصد الخروج منه، ومن غير أن يختار دينًا على دين الإسلام (ومنها): أن فيه منقبةً لعمر، وخالد - رضي اللَّه تعالى عنهما -، لشدّتهما في الدين حيث أستاذنا بقتل ذلك الرجل (ومنها): أنه لا يُكتَفَى في التعديل بظاهر الحال، ولو بلغ المشهود بتعديله الغاية في العبادة، والتقشّف، والورع حتى يُختَبَرَ باطن حاله (ومنها): أنه احتجّ به من قال بتكفير الخوارج، وإليه ميل الإمام البخاريّ في "صحيحه"، حيث قرنهم بالملحدين، وبذلك صرّح ابن العربيّ في شرح الترمذيّ، فقال: الصحيح أنهم كفّار؛ لقوله ﷺ : "يمرقون من الإسلام"، ولقوله: "لأقتلنّهم قتل
стр. 12227
عاد"، وفي لفظ "ثمود"، وكلّ منهما إنما هلك بالكفر، وبقوله: "هم شرّ الخلق"، ولا يوصف بذلك إلا الكفّار، ولقوله: "إنهم أبغض الخلق إلى اللَّه تعالى".
وذهب كثير من أهل العلم إلى أن الخوارج فُسّاق، وأنهم يُجرَي عليهم حكم الإسلام؛ لتلفّظهم بالشهادتين، ومواظبتهم على أركان الإسلام.
قال القرطبيّ في "المفهم": والقول بتكفيرهم أظهر في الحديث، قال: وباب التكفير باب خطر، ولا نعدل بالسلامة شيئًا.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله القرطبيّ حسنٌ جدًّا، وحاصله أن التوقّف أسلم. وسيأتي تحقيق الخلاف في هذه المسألة، وبيان حجة كلّ قول، وترجيح الراجح بدليله في "كتاب تحريم الدم" -٢٦/ ٤١٠١ - إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم دفع الزكاة للمؤلّفة قلوبهم:
قال العلامة القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "تفسيره": اختلف العلماء في بقائهم، فقال عمر، والحسن، والشعبيّ، وغيرهم: انقطع هذا الصنف بعز الإسلام، وظهوره، وهذا مشهور مذهب مالك، وأصحاب الرأي، قال بعض علماء الحنفيّة: لما أعزّ اللَّه الإسلام، وأهله، وقطع دابر الكافرين -لعنهم اللَّه- اجتمعت الصحابة - رضي اللَّه تعالى - عنهم أجمعين في خلافة أبي بكر - رضي اللَّه تعالى عنه - على سقوط سهمهم.
وقال جماعة من العلماء: هم باقون؛ لأن الإمام ربما احتاج أن يستألف على الإسلام. وإنما قطعهم عمر لما رأى من إعزاز الدين. قال يونس: سألت الزهريّ عنهم؟ فقال: لا أعلم نسخًا في ذلك. قال أبو جعفر النحّاس: فعلى هذا الحكمُ فيهم ثابتٌ، فإن كان أحد يُحتاج إلى تألّفه، وُيخاف أن تَلحَق المسلمين منه آفةٌ، أو يُرجى أن يحسن إسلامه بعدُ دُفع إليه. قال القاضي عبد الوهّاب: إن احتيج إليهم في بعض الأوقات أعطوا من الصدقة. وقال القاضي ابن العربيّ: الذي عندي أنه إن قوي الإسلام زالوا، وإن احتيج إليهم أُعطُوا سهمهم، كما كان رسول اللَّه ﷺ يعطيهم، فإن في "الصحيح": "بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود كما بدأ" انتهى كلام القرطبيّ (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن هذا الذي قاله ابن العربيّ -رحمه اللَّه تعالى- هو الأرجح.
وحاصله: أن نصيب المؤلّفة قلوبهم باق على حسب الحاجة، فحيث وُجدت حاجة
стр. 12228
إلى تأليفهم، أُعطوا، وإلا فلا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): هذه القصّة التي ذُكرت في حديث الباب غير القصّة التي وقعت في غزوة حُنين، وهي شبيهة بها، ولذا وقع بعضهم في الخطإ، حيث جعلهما واحدًا.
وحاصل قصّة غزوة حنين، هو ما رواه مسلم -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه"، قال: ١٠٦٠ حدثنا محمد بن أبي عمر المكيّ، حدثنا سفيان، عن عمر بن سعيد بن مسروق، عن أبيه، عن عباية بن رفاعة، عن رافع بن خديج، قال: أعطى رسول اللَّه ﷺ ، أبا سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية، وعيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، كلّ إنسان منهم مائة من الإبل، وأعطى عباس بن مرداس، دون ذلك، فقال عباس بن مرداس:
أَتَجْعَلُ نَهْبِي وَنَهْبَ الْعُبَيْدِ … بَيْنَ عُيَينَةَ وَالأَقْرَعِ
فَمَا كَانَ بَدْرٌ وَلَا حَابِسٌ … يَفُوقَانِ مِرْدَاسَ فِي الْمَجْمَعِ
وَمَا كُنْتُ دُونَ امْرِئٍ مِنْهُمَا … وَمَنْ تَخْفِضِ الْيَوْمَ لَا يُرْفَعِ
قال: فأتم له رسول اللَّه ﷺ مائة (١). و"العبيد" اسم فرس العباس بن مرداس. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلت، وإليه أُنيب".
…
٨٠ - (الصَّدّقَةُ لِمَنْ تَحَمَّلَ بِحَمَالَةٍ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: غرض المصنّف بهذا الباب بيان صنف من أصناف مصارف الزكاة الثمانية، وهم الغارمون الذين ذكرهم اللَّه تعالى في آية الصدقة بقوله: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ الآية.
والباء في "بحمالة" زائدة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٥٧٩ - (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ, عَنْ حَمَّادٍ عَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي كِنَانَةُ بْنُ نُعَيْمٍ ح وَأَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ -وَاللَّفْظُ لَهُ- قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ, عَنْ أَيُّوبَ, عَنْ هَارُونَ, عَنْ كِنَانَةَ بْنِ نُعَيْمٍ, عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ, قَالَ: تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً, فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ , فَسَأَلْتُهُ فِيهَا, فَقَالَ: «إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ, إِلاَّ لِثَلَاثَةٍ: رَجُلٍ تَحَمَّلَ
стр. 12229
بِحَمَالَةٍ, بَيْنَ قَوْمٍ, فَسَأَلَ فِيهَا, حَتَّى يُؤَدِّيَهَا, ثُمَّ يُمْسِكَ»).
قال الجامع عَفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، وكلّهم تقدّموا غير اثنين:
١ - (هارون بن رئاب) -بكسر الراء، بعدها تحتانيّة مهموزة (١)، وآخره باء موحّدة- التميمي، ثم الأُسيديّ، أبو بكر، ويقال: أبو الحسن البصريّ، ثقة عابد [٦].
قال أحمد، وابن معين: ثقة. وقال الآجرّيّ، عن أبي داود: يقال: إنه أجلّ أهل البصرة. قال ابن عُيينة: كان عنده أربعة أحاديث. وقال النسائيّ: ثقة. وقال البخاريّ في "تاريخه": روى عن أنس. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: لم يسمع من أنس شيئًا (٢)، وكان من العبّاد، ممن يُخفِي الزهد. وقال أبو محمد بن حزم: اليمانُ، وهارون، وعليّ بنو رئاب، كان هارون من أهل السنّة، واليمان من أئمّة الخوارج، وعليّ من أئمة الروافض، وكانوا متعادين كلهم. وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. وقال يعقوب بن سفيان: ثقة. روى له مسلم، وأبو داود، والمصنّف وله في هذا الكتاب حديثان فقط هذا وكرره ثلاثة مرات برقم ٢٥٧٩ و ٢٥٨٠ و ٢٥٩١ وحديث رقم ٣٢٢٩ "طلقها، قال: لا أصبر عنها … " الحديث، وأعاده برقم ٣٤٦٥.
٢ - (كنانة بن نُعيم) العدويّ، أبو بكر البصريّ، ثقة [٤].
قال ابن سعد: كان معروفًا، ثقة، إن شاء اللَّه. وقال العجليّ: بصريّ تابعيّ ثقة.
وذكره ابن حبّان في "الثقات".
روى له مسلم، وأبو داود، والمصنّف وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وأعاده برقم ٢٥٨٠ و ٢٥٩١.
و"حماد": هو ابن زيد. و"إسماعيل": هو ابن علية. و"أيوب": هو السختيانيّ.
وشرح الحديث يأتي في الذي يليه، إن شاء اللَّه تعالى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجعِ والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٥٨٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ النَّضْرِ بْنِ مُسَاوِرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ, عَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي كِنَانَةُ بْنُ نُعَيْمٍ, عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ, قَالَ: تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً, فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , أَسْأَلُهُ فِيهَا, فَقَالَ: «أَقِمْ يَا قَبِيصَةُ, حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ, فَنَأْمُرَ لَكَ» , قَالَ: ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا قَبِيصَةُ, إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ, إِلاَّ لأَحَدِ ثَلَاثَةٍ: رَجُلٍ
стр. 12230
تَحَمَّلَ حَمَالَةً, فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ, حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا, مِنْ عَيْشٍ, أَوْ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ, وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ, فَاجْتَاحَتْ مَالَهُ, فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ, حَتَّى يُصِيبَهَا, ثُمَّ يُمْسِكَ, وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ, حَتَّى يَشْهَدَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِى الْحِجَا, مِنْ قَوْمِهِ, قَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ, فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ, حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ", أَوْ "سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ, فَمَا سِوَى هَذَا, مِنَ الْمَسْأَلَةِ, يَا قَبِيصَةُ سُحْتٌ, يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد تقدموا في السند الماضي غير شيخه "محمد بن النضر بن مساور" وهو المروزيّ، صدوق [١٠] ٧٠/ ٢٣٤٧. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ قَبيصَةَ) -بفتح القاف، وكسر الموحّدة، فمثنّاة تحتيّة، فصاد مهملة- (ابْنِ مُخَارِقٍ) -بضمّ المَيم، وتخفيف المعجمة- ابن عبد اللَّه الهلاليّ الصحابي، نزيل البصرة - رضي اللَّه تعالى عنه -، تقدّمت ترجمته في ١٦/ ١٤٨٦ أنه (قَالَ: تحَمَّلْتُ حَمَالَةً) بفتح الحاء المهملة، كسَحَابة: ما يتحمّله الإنسان عن غيره، من دية، أو غَرَامة، مثل أن يقع حربٌ بين فريقين، تُسفك فيها الدماء، فيدخل بينهم رجلٌ يتحمّل ديات القتلى؛ ليُصلح ذات البين، والتحمّل أن يحملها عنهم على نفسه -أي يتكفّلها، ويلتزمها في ذمّته-. أفاده في "النهاية" (١).
وقال الخطّابيّ -رحمه اللَّه تعالى-: تفسير الْحَمَالة أن يقع بين القوم التشاجر في الدماء والأموال، ويَحدُث بسببهما العداوة، والشحناء، ويُخاف من ذلك الفتق العظيم، فيتوسّط الرجل فيما بينهم، ويسعى في إصلاح ذات البين، ويتضمن مالًا لأصحاب الطوائل، يترضّاهم بذلك حتى تسكن الثائرة، وتعود بينهم الألفة انتهى.
وقال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: ما حاصله: الحمالة -بالفتح- هو المال الذي يتحمّله الإنسان، أي يستدينه، ويدفعه في إصلاح ذات البين، كالإصلاح بين قبيلتين، ونحو ذلك، وإنما تحلّ له المسألة، وُيعطَى من الزكاة بشرط أن يستدينه لغير معصية انتهى (٢).
وقال الشوكانيّ -رحمه اللَّه تعالى-: قد كانت العرب إذا وقعت بينهم فتنة اقتضت غرامة في دية، أو غيرها، قام أحدهم، فتبرّع بالتزام ذلك، والقيام به حتى ترتفع تلك الفتنة الثائرة، ولا شكّ أن هذا من مكارم الأخلاق، وكانوا إذا علموا أن أحدهم تحمّل حَمَالةً بادروا إلى معونته، وأعطوه ما تبرأ به ذمّته، وإذا سأل لذلك لم يُعَدَّ نقصًا في قدره، بل فخرًا انتهى (٣).
стр. 12231
(فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، أَسْاَلُهُ فِيهَا) أي في الحمالة، أي لأجلها (فَقَالَ: "أَقِمْ يَا قَبِيصَةُ) أمر من الإقامة، بمعنى اثبت، واصبر. وقال السنديّ: أي كن في المدينة مقيمًا (حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ) بنصب الفعل بـ "أن" مضمرةً وجوبًا بعد "حتّى"، لكونه مستقبلًا، كما قال في "الخلاصة":
وَبَعْدَ "حَتَّى" حَالًا اوْ مُؤَوَّلًا … بِهِ ارْفَعَنَّ وَانْصِبِ الْمُسْتَقْبَلَا
والمعنى: حتى يحضر لدينا مال الصدقة (فَنَأْمُرَ لَكَ) وفي "الكبرى" زيادة "بها". والفعل منصوب عطفًا على ما قبله.
(قَالَ: ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا قَبِيصَةُ، إِنَّ الصَّدَقَةَ") وفي الرواية الماضية: "إن المسألة" أي السؤال (لَا تَحِلُّ، إِلاَّ لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ) أي لا تحلّ إلا لصاحب ضرورة مُلجئة إلى السؤال، وهم هؤلاء الثلاثة (رَجُلٍ) بدل من "أحد"، أو من "ثلاثة"، وبالرفع خبر مبتدإ محذوف، أي أحدهم، ويجوز نصبهِ بتقدير فعل، كـ "أعني"، على لغة ربيعة الذين يقفون على المنصوب المنوّن بالسكون (تَحَمَّلَ حَمَالَةَ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ) أي جاز له سؤال الناس (حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ) قال ابن الأثير: أي ما يقوم بحاجته الضروريّة. وقِوام الشيء: عماده الذي يقوم به، يقال: فلان قِوام أهل بيته، وقِوام الأمر ملاكه. انتهى (١).
وقال في "القاموس": والقَوَام، كسَحَاب: العَدْل، وما يُعاش به. وبالضمّ: داءٌ في قوائم النساء. وبالكسر: نظام الأمر، وعماده، وملاكه.
وقال في "المصباح": القوام -بكسر القاف-: ما يُقيم الإنسان من القوت. والقوام بالفتح: العدل، والاعتدال، قال تعالى: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ أي عَدْلًا، وهو حسن القَوَام: أي الاعتدال انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تبيّن مما ذُكر أن القَوَام هنا يجوز ضبطه بالفتح، والكسر، على ما في "القاموس"، ومعناه: ما يقوم بحاجته الضروريّة. واللَّه تعالى أعلم.
(أَوْ) للشكّ من بعض الرواة (سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ) أي ما يكفي حاجته. و"السِّدَاد" - بالكسر-: كلّ شيء سَدَدت به خَلَلًا، وبه سمّي سِدَادُ الثَّغْر، والقارورةِ، والحاجةِ. قاله ابن الأثير (٢).
وقال الفيّوميّ: والسِّدَادُ -بالكسر-: ما تُسدّ به القارورة وغيرها، وسِدَاد الثَّغْر - بالكسر- من ذلك، واختلفوا في سِدَادٍ من عيشٍ، وسِدَادِ من عَوَزٍ لما يُرمَق به العيش، وتُسدّ به الْخَلَّة، فقال ابن السِّكِّيت، والفارابيّ، وتبعه الجوهريّ: بالفتح، والكسر،
стр. 12232
واقتصر الأكثرون على الكسر، منهم ابن قُتيبة، وثعلبٌ، والأزهريّ؛ لأنه مستعارٌ من سِدَاد القارورة، فلا يُغيّر، وزاد جماعةٌ، فقالوا: الفتح لحنٌ. وعن النضر بن شُمَيلٍ: سِدَادٌ من عَوَزٍ، إذا لم يكن تامّا، ولا يجوز فتحه. ونَقَل في "البارع" عن الأصمعيّ سِدَادٌ من عَوَزٍ بالكسر، ولا يقال: بالفتح، ومعناه: إن أعوز الأمر كلُّهُ ففي هذا ما يَسُدُّ بعضَ الأمر انتهى كلام الفيّوميّ (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما ذُكر أن الصواب في قوله: "سِدَادًا من عيش" في هذا الحديث بالكسر، وإن جوز بعضهم الفتح فيه أيضًا.
وإلى ما تقدّم أشار شيخنا عبد الباسط المناسي -رحمه اللَّه تعالى- بقوله:
إنَّ السِّدَادَ كِكِتَاب بُلْغَةُ … وَمَا بِهِ يُسَدُّ شَيْءٌ ثَابتُ
أمَّا الَّذي بِالْفَتْحِ كالسَّحَابِ … فَقَصْدُ دِينِ وَسَبِيلُ البَابِ
واختصرهما في بيت واحد فقال:
سِدَادُك الْمَكْسُورُ سِنَا بُلْغَتُكْ … وَمَا بِمَعْنَى الْقَصْدِ فِيهَا فتْحَتُكْ
واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية المصنّف تخالف رواية مسلم، وغيره، فإن فيها أن قوله: "حتى يُصيب قواما من عيش الخ" قيد في القسمين الأخيرين، وأما الأول فقيّده بقوله: "حتى يصيبها"، وهو المناسب، ولفظ مسلم: "يا قبيصة، إن المسألة لا تحل، إلا لأحد ثلاثة: رجلٍ تحمل حَمَالة، فحلت له المسألة، حتى يصيبها، ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة، اجتاحت ماله، فحلت له المسألة، حتى يصيب قواما من عيش"، أو قال: "سدادا من عيش، ورجل أصابته فاقة، حتى يقوم ثلاثة، من ذوي الحجا، من قومه، لقد أصابت فلانا فاقة، فحلت له المسألة، حتى يصيب قواما من عيش"، أو قال: "سدادا من عيش، فما سواهن من المسألة، يا قبيصة، سحتا يأكلها صاحبها سحتا". والضمير المؤنّث في قوله: "يصيبها" للحمالة.
(وَرَجُلٍ) يجوز فيه أوجه الإعراب الثلاثة على ما تقدّم في الذي قبله (أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ) هي الآفة التي تُهلك الثمار، والأموال، وتستأصلها، كالغرق، والحرق، والبرد، المفسد للزروع والثمار. قال الفيّوميّ: الجائحة الآفة، يقال: جاحت الآفة المالَ تَجُوحُهُ جَوْحًا، من باب قال: إذا أهلكته، وتَجِيحه جِيَاحةً لغةٌ، فهي جائحةٌ، والجمع الجوائحِ، والمال مَجُوحٌ، ومَجِيحٌ، وأجاحته بالألف لغة ثالثةٌ، فهو مُجَاحٌ، واجتاحتِ المال، مثلُ جاحته. انتهى.
стр. 12233
(فَاجْتَاحَتْ) أي استأصلت، وأتلفت (مَالَهُ) من ثمار بستانه، أو غيرها من الأموال (فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ، حَتَّى يُصِيبَهَا) أي حتى يصيب بدل ماله المجتاح، وأنّث ضميره لتأويله بالحاجة. واللَّه تعالى أعلم (ثُمَّ يُمْسِكَ) أي يترك السؤال؛ لأنه إنما حلّ له لأجل ما حلّ به من الجائحة، فلما أصاب حاجته ارتفعت الإباحة، فيجب أن يمسك عنه (وَرَجُلٍ) يجوز فيه أوجه الإعراب الثلاثة، كسابقيه (أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ) اسم من افتاق يفتاق: إذا احتاج. أي رجلٌ كان غنيًّا موسرًا، ثم افتقر، وأصابته حاجة، ولم يُعرَف حاله (حَتَّى يَشْهَدَ ثَلَاَثةٌ مِنْ ذوِي الْحِجَا) -بكسر الحاء المهملة، وفتح الجيم، بعدها ألف مقصورة-: أي العقل والفِطْنة. قال القرطبيّ: واشترط الحجا؛ لأن من عَدِمه لا يحصل بقوله ثقة، ولا يصلح للشهادة، أو لعله عبّر به عما يُشرط في المخبر والشاهد من الأمور التي توجب الثقة بأقوالهم، ويكون الموصوف بها عَدْلًا مرضيًّا انتهى (١).
(مِنْ قَوْمِهِ) إنما قيدهم بقومه؛ لأنهم أعلم بدَخِيلة أمره، واستظهر بالثالث ليُلحق بالمنتشر، ولم يحتج فيمن أصابته الجائحة إلى مثل هذا؛ لظهور أمر الجائحة، وأما أمر الفاقة، فقد تخفى. قاله القرطبيّ (٢).
وقال النوويّ: وإنما قال ﷺ : "من قومه؛ لأنهم من أهل الخبرة بباطنه، والمال مما يُخفَى في العادة، فلا يعلمه إلا من كان خبيرًا بصاحبه. وإنما اشترط الحجا تنبيهًا على أنه يشترط في الشاهد التيقّظ، فلا تُقبل من مغفّل. وأما اشتراط الثلاثة، فقال بعض أصحابنا: هو شرط في بينة الإعسار، فلا يُقبل إلا من ثلاثة؛ لظاهر هذا الحديث. وقال الجمهور: يقبل من عدلين، كسائر الشهادة، غير الزنا، وحملوا الحديث على الاستحباب. وهذا محمول على من عُرِف له مالٌ، فلا يُقبل قوله في تلفه، والإعسار إلا ببينة، وأما من لم يُعرف له مالٌ، فالقول قوله في عدم المال انتهى كلام النوويّ.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: يؤيّد هذا قوله في الحديث: "اجتاحت ماله"، فإنه يدلّ على أن الذي يشهد له الثلاثة هو الذي كان له مالٌ، فاجتاحته آفة، فاحتاج للمسألة. واللَّه تعالى أعلم.
وقال السنديّ: وهذا كنايةٌ عن كون تلك الفاقة محقّقةً، لا مُخَيلةً، حتى لو استُشهِد عقلاء قومه بتلك الفاقة لشهدوا بها. والفرق بين هذا القسم، والقسم السابق، أن الفاقة في القسم الأول ظاهرة بين غالب الناس، وفي هذا القسم خفيّةٌ عنهم انتهى.
(قَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ) أي يشهدوا قائلين: قد أصابت الخ. ولفظ مسلم: "حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا، لقد أصابت فلانًا فاقةٌ". قال النوويّ: هكذا في جميع النسخ -أي
стр. 12234
نسخ صحيح مسلم" -: "حتى يقوم ثلاثة، وهو صحيح، أي يقومون بهذا الأمر، فيقولون: لقد أصابته فاقة انتهى. ولفظ أبي داود: "حتى يقول" باللام من القول، ولا يحتاج إلى تقدير محذوف.
(فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ، حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا من عَيشٍ"، أَوْ "سِدَادًا مِنْ عَيشٍ، فَمَا سِوَى هَذَا) أي المذكور من الأمور الثلاثة، فإفراد اسم الإشارة بالتأويل بالمذكور (مِنَ الْمَسْأَلَةِ، يَا قَبيصَةُ سُحْتٌ) -بضم السين، والحاء المهملتين، أو بضمّ السين، وسكون الحاء، تخفيفًا-: هو كلّ مال حرام، لا يحلّ كسبه، ولا أكله، وسمّي بذلك لأنه يَسْحَتُ البركة: أي يُذهبها، ويَمْحَقها (يَأْكُلُهَا) أي يأكل ما يحصل له بالمسألة. قاله الطيبيّ.
وقال الصنعانيّ: "يأكلها": أي الصدقة، أنّث لأنه جعل السحت عبارة عنها، وإلا فالضمير له انتهى. (صَاحِبُهَا) أي صاحب المسألة (سُحْتًا) منصوب على الحال، أو بدل من الضمير المنصوب في "يأكلها". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث قبيصة بن مُخَارق - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا ٨٠/ ٢٥٧٩ و ٢٥٨٠ - و"الكبرى" ٨٢/ ٢٣٦٠ و ٢٣٦١. وأخرجه (م) في "الزكاة" ١٠٤٤ (د) ١٦٤٠ (أحمد) في "مسند المكّيين" ١٥٤٨٦ وفي "مسند البصريين" ٢٠٠٧٨ (الدارمي) في "الزكاة" ١٦٧٨. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان أن من تحمّل حَمالة يستحقّ الصدقة، وهو معنى ﴿الغارم﴾ المذكور في آية الصدقة (ومنها): أنه يدلّ على حرمة السؤال لغير من ذكر، ونحوهم، ممن يُباح لهم السؤال للحاجة.
(ومنها): ما قاله الخطّابيّ -رحمه اللَّه تعالى-: في هذا الحديث علم كثيرٌ، وفوائد جمّة، ويدخل في أبواب من العلم والحكم، وذلك أنه قد جعل من تحلّ له المسألة من الناس أقسامًا ثلاثة: غنيًّا، وفقيرين، وجعل الفقر على ضربين: فقرًا ظاهرًا، وفقرًا باطنًا، فالغني الذي تحلّ له المسألة هو صاحب الحمالة، وهي الكفالة، والحميل: الضمين، والكفيل، ثم ذكر تفسير الحمالة كما تقدّم، ثم قال: فهذا الرجل صنع معروفًا، وابتغى بما أتاه صلاحًا، فليس من المعروف أن تُوَرَّكَ الغرامة (١) في ماله، ولكن يُعان على أداء
стр. 12235
ما تحمّله منه، وُيعطى من الصدقة قدر ما يبرأ به ذمّته، ويخرج من عهدة ما تضمّنه منه.
وأما النوع الأول من نوعي أهل الحاجة، فهو رجل أصابته جائحةٌ في ماله، فأهلكته، والجائحة في غالب العرف هي ما ظهر من الآفات، كالسيل يُغرق متاعه، والنار تُحرقه، والبرد يُفسد زرعه، وثماره، ونحو ذلك من الأمور، وهذه أشياء لا تخفى آثارها عند كونها، ووقوعها، فإذا أصاب الرجل شيء منها، فذهب ماله، وافتقر، حلّت له المسألة، ووجب على الناس أن يُعطوه الصدقة من غير بينة، يطالبونه بها على ثبوت فقره، واستحقاقه إياها.
وأما النوع الآخر، فإنما هو فيمن كان له ملك ثابتٌ، وعُرف له يسار ظاهر، فادعى تَلَفَ ماله من لص طَرَقه، أو خيانة ممن أودعه، أو نحو ذلك من الأمور التي لا يبين لها أثرٌ ظاهر في المشاهدة والعيان، فإذا كان ذلك، ووقعت في أمره الرِّيبة في النفوس لم يعط شيئًا من الصدقة إلا بعد استبراء حاله، والكشف عنه بالمسألة من أهل الاختصاص به، والمعرفة بشأنه، وذلك معنى قوله: "حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجا من قومه: قد أصابت فلانًا الفاقة"، واشتراطه الحجا تأكيد لهذا المعنى، أي لا يكونون من أهل الغباوة والغفلة، ممن يخفى عليهم بواطن الأمور، ومعانيها، وليس هذا من باب الشهادة، ولكن من باب التبيّن والتعرّف، وذلك أنه لا مدخل لعدد الثلاثة في شيء من الشهادات، فإذا قال نفر من قومه، أو جيرانه، أو من ذوي الخبرة بشأنه: إنه صادق فيما يدّعيه، أُعطي الصدقة.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "ليس من باب الشهادات" فيه نظر لا يخفى. واللَّه تعالى أعلم.
(ومنها): أنّ فيه من العلم أن من ثبت عليه حقّ عند حاكم، فطلب المحكوم له حبسه، وادعى المحكوم عليه الإفلاس، والفقر، لا تسمع دعواه إلا ببيّنة، إن كان المحكوم عليه به لزمه بدل مال حصل في يده، كثمن مبيع، وقرض لثبوت غناه بحصول المبيع، والقرض في يده، وتُقبل دعواه الإفلاس فيما ليس بدل مال، كبدل الغصب، وضمان المتلفات، ونفقة من يلزمه الإنفاق عليه، فلا يُحبس فيما ذكر إن ادّعى الفقر؛ لأن الأصل في الآدميّ العسر، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ الآية. إلا إذا بَرْهَن خصمه أنّ له مالا، فيحبس حسبما يراه القاضي؛ لقوله ﷺ : "مَطْلُ الغنيّ ظلم". متّفق عليه. وقوله ﷺ : "لَيُّ الواجد يُحلّ عرضه، وعقوبته" حديث حسن، أخرجه أحمد، وأبو داود، والمصنّف، وابن ماجه.
وهذا إذا لم يكن له مالٌ ظاهرٌ، وإلا انتزع منه الحقّ، إن كان من جنسه، أو بيع عليه، إن لم يكن من جنسه. واللَّه تعالى أعلم.
(ومنها): أنه يدلّ على جواز نقل الصدقة من بلدة إلى أخرى، حيث قال: "أقم حتى
стр. 12236
تأتينا الصدقة، فنأمر لك بها"، وقد تقدّم تحقيق الخلاف في ذلك في باب "إخرج الزكاة من بلد إلى بلد" -٤٦/ ٢٥٢٢ - وأن الأصحّ جواز نقلها، إذا كان هناك مصلحة راجحة (ومنها): أن الحدّ الذي ينتهي إليه العطاء في الصدقة هو الكفاية التي يكون بها قِوام العيش، وسِداد الخلّة، وذلك يعتبر في كلّ إنسان بقدر حاله، ومعيشته، وليس فيه حدّ معلوم، يحمل عليه الناس كلهم مع اختلاف أحوالهم (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب".
…
٨١ - (الصَّدَقَةُ عَلَى الْيَتِيمِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: غرض المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بهذا بيان أن اليتيم من مصارف الزكاة، والمراد اليتيم الفقير، لا كلّ يتيم، ووجه استدلاله بحديث الباب أن قوله ﷺ : "ونعم صاحب المسلم هو، إن أَعطَى منه اليتيم الخ"، فإنه يعمّ الصدقة الواجبة، والتطوّع. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٥٨١ - (أَخْبَرَنِي زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ, قَالَ: أَخْبَرَنِي هِشَامٌ, قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي هِلَالٌ, عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ, عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ, قَالَ: جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ, وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ, فَقَالَ: «إِنَّمَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي, مَا يُفْتَحُ لَكُمْ مِنْ زَهْرَةٍ, وَذَكَرَ الدُّنْيَا, وَزِينَتَهَا, فَقَالَ: رَجُلٌ أَوَيَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ؟ , فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , فَقِيلَ لَهُ: مَا شَأْنُكَ؟ تُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , وَلَا يُكَلِّمُكَ, قَالَ: وَرَأَيْنَا أَنَّهُ يُنْزَلُ عَلَيْهِ, فَأَفَاقَ, يَمْسَحُ الرُّحَضَاءَ, وَقَالَ «أُشَاهِدُ السَّائِلَ؟ , إِنَّهُ لَا يَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ, وَإِنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ, أَوْ يُلِمُّ, إِلاَّ آكِلَةُ الْخَضِرِ, فَإِنَّهَا أَكَلَتْ, حَتَّى إِذَا امْتَدَّتْ خَاصِرَتَاهَا, اسْتَقْبَلَتْ عَيْنَ الشَّمْسِ, فَثَلَطَتْ, ثُمَّ بَالَتْ, ثُمَّ رَتَعَتْ, وَإِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ, حُلْوَةٌ, وَنِعْمَ صَاحِبُ الْمُسْلِمِ هُوَ, إِنْ أَعْطَى مِنْهُ الْيَتِيمَ, وَالْمِسْكِينَ, وَابْنَ السَّبِيلِ, وَإِنَّ الَّذِي يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ, كَالَّذِي يَأْكُلُ, وَلَا يَشْبَعُ, وَيَكُونُ عَلَيْهِ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ»).
стр. 12237
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (زياد بن أيوب) البغدادي، أبو هاشم الطُّوسي الأصل الملّقَّب دَلُّويه، ولَقَّبه أحمدُ شعبةَ الصغير [١٠] ١٠١/ ١٣٢.
٢ - (إسماعيل ابن عُلَيّة) هو: ابن إبراهيم، أبو بشر البصريُّ، ثقة حافظ [٨] ١٨/ ١٩.
٣ - (هشام) بن أبي عبد اللَّه سَنْبَر الدَّسْتُوَائي البصريُّ، ثقة ثبت، من كبار [٧] ٣٠/ ٣٤.
٤ - (يحيى بن أبي كثير) صالح بن المتوكل اليمامي، أبو نصر، ثقة ثبت يدلس ويرسل [٥] ٢٣/ ٢٤.
٥ - (هلال) بن عليّ بن أسامة العامري المدني، وينسب إلى جده، ثقة [٥] ٥١/ ٦٥.
٦ - (عطاء بن يسار) الهلالي، أبو محمد المدني، مولى ميمونة، ثقة فاضل صاحب مواعظ وعبادة، من صغار [٣] ٦٤/ ٨٠.
٧ - (أبو سعيد الخدري) سعد بن مالك بن سنان الأنصاري الصحابي ابن الصحابي - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٦٩/ ٢٦٢. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين من يحيى، فإنه وإن كان يماميًا إلا أنه سكن المدينة عشر سنين، وشيخه بغدادي، والباقيان بصريان. ومنها: أن فيه ثلاثةً من التابعين يروي بعضهم عن بعض: يحيى عن هلال، عن عطاء، ومنها: أن فيه أبا سعيد ﵁ من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) - رضي اللَّه تعالى عنه -. وعند البخاريّ في "الزكاة": "حدّثنا عطاء بن يسار، أنه سمع أبا سعيد الخدريّ - رضي اللَّه تعالى عنه -" (قَالَ: جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ، فَقَالَ: "إِنَّمَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ) و"إنما" أداة حصر. وفي نسخة: "إني". وفي "الكبرى": "إن مما أخاف عليكم"، وعليه فالجارّ والمجرور خبر مقدّم لـ "إن" (مِنْ بَعْدِي) أي بعد موتي (مَا يُفْتَحُ لَكُمْ) بالبناء للمفعول، و"ما" اسم موصول مفعول "أخاف"، أو اسم "إنّ" مؤخّرًا على ما في "الكبرى". وفي نسخة: "ما يفتح اللَّه لكم". والمقصود أنه ﷺ ما يخاف على أمته الفقر، وإنما يخاف عليهم الغنى.
стр. 12238
ولفظ البخاريّ: "إن أكثر ما أخاف عليكم ما يُخرج اللَّه لكم من بركات الأرض"، قيل: وما بركات الأرض؟ قال: "زهرة الدنيا".
(مِنْ زَهْرَةٍ) بيان لـ "ما". قال في "اللسان": وزَهْرة الدنيا -بفتح الزاي، وسكون الهاء-، وفتحها-: حُسنها، وبَهْجتها، وغَضَارتها. وفي التنزيل العزيز: ﴿زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال أبو حاتم: زَهَرة الدنيا -بالفتح-، وهي قراءة العامّة بالبصرة، قال: وزَهْرة هي قراءة أهل الحرمين، وأكثر الآثار على ذلك انتهى (١).
وقال في "الفتح": "الزهرة" -بفتح الزاي، وسكون الهاء-، وقد قُرىء في الشاذّ عن الحسن وغيره بفتح الهاء، فقيل: هما بمعنى، مثلُ جَهْرَة، وجَهَرَة. وقيل: بالتحريك جمع زاهر، كفاجر وفَجَرَة. والمراد بالزهرة الزينة، والبهجة، كما في الحديث، والزهرة مأخوذة من زهرة الشجر، وهو نَوْرُها -بفتح النون- والمراد ما فيها من أنواع المتاع، والعين، والثياب، والزرع، وغيرهما مما يفتخر الناس بحسنه مع قلّة البقاء انتهى (٢).
(وَذَكَرَ الدُّنْيَا، وَزِينَتَهَا) الظاهر أن الفاعل ضمير النبيّ ﷺ ، أي ذكر لفظ "الدنيا، وزينتها" مع لفظة "زهرة"، ولكن الراوي لم يحفظ كيفية ذكر هذين اللفظين معها، مع أنه يحفظ ذكر الجميع. ولفظ البخاريّ: "زهرة الدنيا" بالإضافة، من دون تردّد (فَقَالَ: رَجُلٌ) قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: لم أقف على اسمه (أَوَ يَأْتِي الْخَيْرُ بالشَّرِّ؟) بفتح واو "أَو"، والهمزة للاستفهام، والوا عاطفة على مقدّر، أي أتصير النعَمة عقوبة؟؛ لأن زهرة الدنيا نعمة من اللَّه تعالى، فهل تعود هذه النعمة نقمةً؟، وهو استفهام استرشاد، لا إنكار. والباء في قوله: "بالشرّ" صلة ليأتي، أي هل يستجلب الخيرُ الشرّ (٣).
وقال القرطبيّ: قوله: "وهل يأتي الخير بالشرّ" سؤالُ مَنِ استبعد حصول شرّ من شيء سمّاه رسول اللَّه ﷺ "بركات"، وسمّاه خيرًا في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨] وشِبْهِهِ مما سُمّي المال فيه خيرًا، فلما فَهِم ﷺ من سؤاله هذا الاستبعاد أجابه جواب من بقي عنده اعتقاد أن الخير الذي هو المال قد يَعرِض له أن يحصل عنه شرّ، إذا تعدى به حده، وأسرف فيه، ومنع من حقّه، ولذلك قال: "أَوَ خيرٌ هو؟ " -بهمزة الاستفهام، وواو العطف الواقعة بعدها المفتوحةِ على الرواية
стр. 12239
الصحيحة- مُنكِرًا على من توهّم أنه يحصل منه شرّ أصلًا، لا بالذات، ولا بالْعَرَض انتهى (١).
(فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) ولفظ البخاريّ: "فصمت النبيّ ﷺ " (فَقِيلَ لَهُ: مَا شَأْنُكَ؟ تُكَلِّمُ) بضمّ حرف المضارعة، من التكليم (رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَلَا يُكَلِّمُكَ، قَالَ) أبو سعيد ﵁ (وَرَأَيْنَا) بالبناء للفاعل: أي علمنا، ويحتمل أن يكون بالبناء للمفعول: أي ظننّا، ويؤيده ما في البخاريّ: "حتى ظننت"، وفي رواية: "حتى ظننّا". وقال في "الفتح": وفي رواية هلال: "فرُئينا" بضمّ الراء، وكسر الهمزة. وفي رواية الكشميهنيّ: "فأُرِينا" بضم الهمزة.
(أَنَّهُ) ﷺ (يُنْزَلُ عَلَيْهِ) بالبناء للمفعول، ونائب فاعله ضمير يعود إلى الوحي المفهوم من المقام، والمعنى: ينزل اللَّه تعالى عليه الوحي. وكأنهم فهموا ذلك بالقرينة، من الكيفيّة التي جرت عادته ﷺ بها عند ما يوحى إليه (فَأَفَاقَ يَمْسَحُ الرُّحَضَاءَ) -بضمّ الراء، وفتح المهملة، ثم المعجمة والمدّ: هو الْعَرَق. وقيل: الكثير. وقيل: عرَقُ الحمّى. وأصل الرَّحْض -بفتح، ثم سكون: الغسل، ولهذا فسّره الخطّابيّ بأنه عَرَقٌ يَرْحَضُ الجلدَ لكثرته (٢).
(وَقَالَ) ﷺ ("أَشَاهِدٌ السَّائِلُ؟) وفي نسخة: "أفشاهد السائل". وفي نسخة: "أين هذا". وفي رواية البخاريّ: "أين السائل؟ ". وفي رواية مسلم: "إن هذا السائلُ". قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: هكذا هو في بعض النسخ، وفي بعضها: "أين"، وفي بعضها: "أَنَّى"، وفي بعضها: "أَيُّ"، وكلُّهُ صحيح، فمن قال: "أنّى"، أو "أين" فهما بمعنى، ومن قال: "إنّ" فمعناه -واللَّه أعلم- إن هذا هو السائل الممدوح الحاذق الفَطِنُ، ولهذا قال: "وكأنه حمله"، ومن قال: "أَيّ"، فمعناه: أيّكم، فحذف الكاف والميم. واللَّه أعلم انتهى كلام النوويّ (٣).
وقال السنديّ: قوله: "أشاهد السائل" يريد التمهيد للجواب عن شاهد السائل، أي عما اعتمد السائل عليه في سؤاله بتقدير نفس الشاهد، حتى يُجيب عنه، أي أشاهدٌ السائل هذا، وهو أنه لا يأتي الخير بالشرّ انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا المعنى بعيدٌ، تبعده الرواية الأُخرى: "أين السائل"، ونحوها، بل الصواب أن المعنى: أحاضرٌ السائل، يعني أن الشخص الذي
стр. 12240
سأل، فنزل بسببه الوحي حاضر في المجلس، لم يبرح مكانه؛ وإنما قال ذلك لاحتمال أن ينتقل بعد السؤال إلى محلّ آخر، فأراد ﷺ التثبّت من حضوره، حتى يسمع الجواب بنفسه. واللَّه تعالى أعلم.
وزاد في رواية البخاريّ: "قال أبو سعيد: لقد حَمِدناه حين طلع ذلك". وفي رواية: "وكأنه حمده". قال في "الفتح": والحاصل أنهم لامُوهُ أوّلًا حيث رأوا سكوت النبيّ ﷺ ، فظنوا أنه أغضبه، ثم حَمِدوه آخرًا لَمّا رأوا مسألته سببًا لاستفاد ما قاله النبيّ ﷺ . وأما قوله: "وكأنه حمله"، فأخذه منه من قرينة الحال انتهى (١).
(إِنَّهُ لَا يَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ) وفي رواية البخاريّ: "لا يأتي الخير إلا بالخير". زاد في رواية الدارقطنيّ تكرار ذلك ثلاث مرَّات. وفي رواية لمسلم: "إنّ الخير لا يأتي إلا بخير، أَوَ هو خيرٌ؟ ".
قال في "الفتح": ويؤخذ منه أن الرزق ولو كثر فهو من جملة الخير، وإنما يَعرِض له الشرِّ بعارض البخل به عمن يستحقّه، والإسراف في إنفاقه فيما لم يشرع، وأنّ كلّ شيء قَضَى اللَّه أن يكون خيرًا، فلا يكون شرًّا، وبالعكس، ولكن يُخشى على من رُزِق الخير أن يَعرِض له في تصرّفه فيه ما يجلب له الشرِّ.
ووقع في مرسل سعيد المقبريّ عند سعيد بن منصور: "أو خيرٌ هو؟ ثلاث مرّات"، وهو استفهام إنكار، أي إن المال ليس خيرًا حقيقيًّا، وإن سُمّي خيرًا؛ لأن الخير الحقيقي هو ما يَعرض له من الإنفاق في الحقّ، كما أن الشرِّ الحقيقيّ فيه ما يَعرِض له من الإمساك عن الحقّ، والإخراج في الباطل، وما ذُكر في الحديث بعد ذلك من قوله: "وإن هذا المال خَضِرَةٌ حُلْوة" كضرب المثل بهذه الجملة. انتهى (٢).
[تنبيه]: زاد في "الكبرى" بعد قوله: "إنه": ما نصّه: "ولم أفهم كما أردتّ"، والظاهر أن القائل المصنّف، ويحتمل أن يكون غيره. يعني أنه لم يفهم لفظة "إنه" من لفظ شيخه فهمًا جيّدًا. واللَّه تعالى أعلم.
(وَإِنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ) -بفتح الراء، وكسر الموحّدة-: قيل: هو الفصل المشهور بالإنبات. وقيل: النهر الصغير المنفجر عن النهر الكبير. وقال القرطبيّ. الْجَدْوَل الذي يُسقَى به، والجمع أربعاء. والجدول: النهر الصغير الذي ينفجر من النهر الكبير. وقال في "المصباح": والربيع الجدولُ، وهو النهر الصغير. قال الجوهريّ: وجمع ربيع أربعاء، وأربعة، مثلُ نصيبِ، وأنصباءَ، وأنصبةٍ. وقال الفراء: يُجمع رَبيع الكلإِ،
стр. 12241
وربيع المشهور أربعةً، وربيع الجدول أربعاء، ويصغّر رَبيع على رُبَيِّعٍ، وبه سمّيت المرأة، ومنه الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ بن عَفْراء انتهى.
ويحتمل أن يكون معنى الربيع المطر النازل في وقت الربيع، ففي "اللسان": والرَّبيع أيضًا المطر الذي يكون في الربيع. انتهى.
قال النوويّ: ووقع في الروايتين السابقتين: "إن كلّ ما يُنبت الربيع، أو أنبت الربيع"، ورواية كلّ محمولة على رواية "مما" وهو من باب: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥] ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] انتهى (١).
وجعل في "الفتح" "من" في قوله: "مما ينبت" للتكثير، لا للتبعيض ليوافق رواية "كلّ ما أنبت".
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما ذكره النوويّ من حمل رواية "كلّ" على رواية "مما"، من كون المقصود هنا التبعيض أوضح مما قاله في "الفتح". واللَّه تعالى أعلم.
وإسناد الإنبات إلى الربيع مجازيّ؛ إذ المنبت في الحقيقة هو اللَّه تعالى. وهذا الكلام كلّه وقع كالمثل للدنيا. وقد وقع التصريح بذلك في مرسل سعيد المقبريّ (٢).
(يَقْتُلُ) زاد في رواية الشيخين: "حَبَطًا". وهو بفتح الحاء المهملة، والموحّدة، والطاء المهملة أيضًا: هو انتفاخ البطن من كثرة الأكل، يقال: حَبِطَتِ الإبلُ تَحْبَطُ حَبَطًا، من باب تَعِبَ: إذا أصابت مرعًى طيْبًا، فأمعنت في الأكل، حتى تنتفخ، فتموت. وروي بالخاء المعجمة، من التخبّط، وهو الاضطراب، والأول المعتمد. قاله في "الفتح".
(أَوْ يُلِمُّ) بضم أوله، وكسر ثانيه، من الإلمام، وهو القرب، أي يقارب القتل.
[تنبيه]: رواية المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- هنا، وفي "الكبرى" "يقتُل، أو يُلمّ" بدون كلمة "ما" قبل "يقتل"، وهي ثابتة في "الصحيحين"، وهي واضحة. ورواية المصنّف لها وجه صحيح أيضًا، وهو إما أن تكون "من" في "مما ينبت" تبعيضيّة، وهي اسم عند بعض النحاة، وجعلوا منه قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٢] فأعربوا "من الثمرات" مفعولَ "أخرج"، ورزقًا مفعولًا لأجله (٣).
стр. 12242
فتكون "من" هنا اسم "إنّ"، و"يَقتُل" خبرها. ويحتمل أن كلمة "ما" مقدّرة، والموصول مع صلته اسم "إنّ"، وحَذفُ الموصول، وإبقاء صلته جائز في كلام العرب، كقول حسّان - رضي اللَّه تعالى عنه -[من الطويل]:
أَمَنْ يهجُو رَسُولَ اللَّهِ مِنْكُمْ … وَيَمْدَحُهُ ويَنْصُرُهُ سَوَاءُ
إذ تقديره: ومن يمدحه الخ (١). والجارّ والمجرور في قوله: "مما يُنبت" خبر مقدّم. واللَّه تعالى أعلم.
(إِلَّا) بكسر الهمزة، تشديد اللام، على الاستثناء، وهذا هو المشهور الذي قاله الجمهور، من أهل الحديث، واللغة، وغيرهم. قال القاضي عياض: ورواه بعضهم "أَلَا" بفتح الهمزة، وتخفيف اللام، على الاستفتاح (٢).
(آكِلَةُ الْخَضِرِ) بالمدّ، وكسر الكاف، بصيغة اسم الفاعل. و"الخَضِرُ" بفتح الخاء، والضاد المعجمتين، وكذا لأكثر رواة البخاريّ، وهو ضرب من الكلأ، يُعجب الماشية، وواحده خَضِرَة. وفي رواية الكشميهني: "خُضْرَة" بضمّ الخاء، وسكون الضاد، وزيادة الهاء في آخره. وفي رواية السرخسيّ: "الخَضْرَاء" بفتح أوّله، وسكون ثانيه، وبالمدّ. ولغيرهم: "خُضَر" بضمّ أوله، وفتح ثانيه، جمع خُضْرَة. أفاده في "الفتح".
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الاستثناء هنا منقطع بمعنى "لكن"، و"آكلة" مبتدأ محذوف الخبر، أي لكن آكلة الخضر تنتفع بأكلها، فإنها تأخذ الكلأ على الوجه الذي ينبغي. ويحتمل أن يكون متصلًا، والمستثنى منه محذوف، أي يقتل كلّ آكلة، إلا آكلة الخضر. وأما ما قاله بعضهم من أن الاستثناء مفرّغ في الإثبات، فضعيف؛ لأن الاستثناء المفرّغ لا يقع في الإثبات، إلا على رأي ضعيف. فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
(فَإِنَّهَا أَكَلَتْ، حَتَّى إِذَا امْتَدَّتْ) وفي نسخة: "إذا امتلأت" (خَاصِرَتَاهَا) تثنية خاصرة، بخاء معجمة، وصاد مهملة: وهما جانبا البطن، من الحيوان. وفي رواية الكشميهني: "خاصرتها" بالإفراد، والمعنى حتى إذا شبعت (اسْتَقْبَلَتْ) وفي رواية للبخاريّ: "أتت" (عَينَ الشَّمْسِ) تستمرىء بذلك. زاد في رواية البخاريّ: "فاجترّت"، ولمسلم: ثم اجترّت"، وهو بالجيم، أي استرفعت ما أدخلته في كرشها من العلف، فأعادت مَضْغَه.
стр. 12243
قال النوويّ: قال أهل اللغة: الجِرَّة بكسر الجيم: ما يُخرجه البعير من بطنه ليمضعه، ثمّ يبلعه، والقصع: شدّة المضغ انتهى.
(فَثَلَطَتْ) بمثلّثة، ولام مفتوحتين، ثم طاء. وضبطها ابن التين: بكسر اللام: أي ألقت ما في بطنها رقيقًا. وقال النوويّ: الثَّلْط (١)، وهو الرجيع الرقيق، وأكثر ما يقال للإبل، والبقر، والفيلة انتهى (ثُمَّ بَالَتْ، ثُمَّ رَتَعَتْ) يقال: رَتَعت الماشيةُ، من باب نفع، ورُتُوعًا: رَعَت كيف شاءت. قاله في "المصباح".
والمعنى أنها إذا شبعت، فثقل عليها ما أكلت، تحيّلت في دفعه، بأن تجترّ، فيزاد نُعُومةً، ثم تستقبل الشمس، فتحمى بها، فيسهل خروجه، فإذا خرج زال الانتفاخ، فسلمت، وهذا بخلاف من لم تتمكّن من ذلك، فإن الانتفاخ يقتلها سريعًا.
قال الأزهريّ -رحمه اللَّه تعالى-: وأما قول النبيّ ﷺ : "وإن مما ينبت الربيع ما يَقتُلُ حَبَطًا، أو يُلمّ"، فإن أبا عُبيد فَسّر الْحَبَط، وترك من تفسير هذا الحديث أشياء، لا يستغني أهل العلم عن معرفتها، فذكرتُ الحديث على وجهه لأفسّر منه كلّ ما يُحتاج من تفسيره، ثمّ أورد الحديث بتمامه، ثم قال: وإنما تقصّيت رواية هذا الخبر؛ لأنه إذا بُتِرَ استَغْلَق معناه، وفيه مثلان: ضَرَب أحدَهما للْمُفْرِطِ في جمع الدنيا، مع منع ما جمَع من حقّه. والمثل الآخر ضربه للمقتصد في جمع المال، وبذله في حقّه.
فأما قوله ﷺ : "وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حَبَطًا، فهو مثل الحريص، والمفرط في الجمع والمنع، وذلك أن الربيع يُنبت أحرار العُشْب التي تَحْلَوْلِيها (٢) الماشيةُ فتستكثر منها، حتى تَنتَفِخ بطونها، وتَهْلِكَ، كذلك الذي يجمع الدنيا، ويَحْرِص عليها، ويَشِحّ على ما جمع حتى يمنع ذا الحقّ حقّه منها يَهلِكُ في الآخرة بدخول النار، واستيجاب العذاب.
وأما مثلُ المقتَصِدِ المحمود، فقوله ﷺ : "إلا آكلة الْخَضِرِ، فإنها أكلت، حتى إذا امتلأ خَواصرها استقبلت عين الشمس، فثَلَطت، وبالت، ثم رتعت". وذلك أن الْخَضِرَ ليس من أحرار البقول التي تستكثر منها الماشيةُ، فتُهلكه أكلًا، ولكنّه من الْجَنْبَة (٣) التي
стр. 12244
تَرعاها بعد هَيْجِ العُشْب (١)، وُيبْسه. قال: وأكثر ما رأيت العرب يجعلون الْخَضِرَ ما كان أخضر من الْحَلِيّ (٢) الذي لم يَصفرّ، والماشيةُ ترتع منه شيئًا، فشيئًا، ولا تستكثر منه، فلا تَحْبَط بطونها عنه، قال: وقد ذكره طَرَفَة، فبيّن أنه من نبات الصيف في قوله:
كَبَنَاتِ الْمَخْرِ يَمْأَدْنَ (٣) إِذَا … أَنْبَتَ الصَّيْفُ عَسَالِيجَ (٤) الْخَضِرْ
فالْخَضِر من كلأ الصيف في القَيْظِ، وليس من أحرار بُقول الربيع، والنَّعَمُ لا تَسْتَوبله (٥)، ولا تحبط بُطونها عنه، قال: وبنات مَخْرٍ أيضًا، وهي سحائبُ يأتين قُبُلَ الصيف. قال: وأما الْخُضَارةُ، فهي من البقول الشِّتَويّة، وليست من الْجَنْبَة، فضرب النبيّ ﷺ آكلة الخضر مثلًا لمن يقتصد في أخذ الدنيا، وجَمْعِها، ولا يُسرف في قَمّها (٦) والحرص عليها، وأنه ينجو من وَبَالها، كما نَجَت آكلة الْخَضِر، ألا تراه قال: فإنها إذا أصابت من الخضر، استقبلت عين الشمس، فثلطت، وبالت، وإذا ثلطت، فقد ذهب حَبَطُها، وإنما تَحْبَط الماشية إذا لم تَثلِطْ، ولم تَبُل، وأْتُطِمت (٧) عليها بطونها. وقوله: "إلا آكلة الخضر" معناه لكن آكلة الخضر.
وأما قوله ﷺ : إن هذا المال خَضِرَةٌ حُلْوَة" ههنا الناعمة الْغَضّة، وحَثَّ على إعطاء المسكين، واليتيم منه، مع حلاوته، ورغبة الناس فيه؛ ليقيه اللَّه ﵎ وَبَالَ نَعْمَتِها في دنياه وآخرته انتهى كلام الأزهريّ -رحمه اللَّه تعالى- (٨).
(وَإنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ) بفتح، فكسر: أي كبقلة خَضِرة في المنظر (حُلْوَةٌ) بضمّ، فسكون: أي كفاكهة حُلْوة في الذوق، فلكثرة ميل الطبع يأخذ الإنسان بكلّ وجه، فيؤدّيه ذلك إلى الوجه الذي لا ينبغي، فيهلك (وَنِعْمَ صَاحِبُ الْمُسْلِمِ هُوَ) وفي رواية البخاريّ: "فنعم المعونة هو" قال في "الفتح": هو كالتذييل للكلام المتقدِّم.
(إِنْ أَعْطَى مِنْهُ الْيَتِيمَ) أي بعد أن يأخذه بوجهه، وإلى هذا القيد أشار بذكر ما يقتضيه
стр. 12245
في المقابل، فلا بدّ في الخبر من أمرين: أحدهما: تحصيله بوجهه. والثاني: صرفه في مصارفه، وعند انتفاء أحدهما يصير ضررًا، وعلى هذا فقد ترك مقابل المذكور ههنا في قوله الآتي: "والذي يأخذه بغير حقّه الخ"، أي أو لا يستعمله بعد أخذه بحقّه في مصارفه، ففي الكلام الاحتباك (١). وقد يقال: فيه الإشارة إلى الملازمة بين القيدين، فلا يُوَفّق المرء للصرف في المصارف، إلا إذا أخذه بوجهه. أفاده السنديّ (٢).
وفيه إشارة إلى عكسه، وهو: بئس صاحب المسلم هو لمن لم يعط اليتيم، والمسكين، وابن السبيل.
(وَالْمِسْكِينَ، وَابْنَ السَّبِيلِ، وَإِنَّ الَّذِي يَأْخُذُهُ) أي المال (بِغَيرِ حَقِّهِ، كَالَّذِي يَأْكُلُ، وَلَا يَشْبَعُ) هذا ذُكر في مقابَلة قوله: "ونعم صاحب المسلم هو" (وَيَكُونُ عَلَيْهِ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي يشهد عليه بحرصه، واسرافه، وإنفاقه فيما لا يُرضي اللَّه .
قال في "الفتح": يحتمل أن يشهد عليه حقيقة، بأن ينطقه اللَّه تعالى ويجوز أن يكون مجازًا، والمراد شهادة الملك الموكّل به انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الاحتمال الثاني احتمالٌ ضعيف؛ لأنه لا داعي إلى المجاز مع إمكان الحقيقة، ومما يُبعده ما تقدّم في "باب مانع الزكاة" -٢٠/ ٢٤٨١ - من حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه -، مرفوعًا: "من آتاه اللَّه مالًا، فلم يؤدّ زكاته، مُثل له ماله يوم القيامة شُجاعًا، أقرع، له زبيبتان، يأخذ بلِهْزمتيه، يوم القيامة، فيقول: أنا مالك، أنا كنزك … " الحديث. فإنه نَصٌّ في أن المال يكلّمه، ويوبّخه حقيقة، فدلّ على أن المراد بالشهادة هنا الشهادة الحقيقيّة، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي سعيد الخدريّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
стр. 12246
أخرجه هنا ٨١/ ٢٥٨١ - وفي "الكبرى" ٨٣/ ٢٣٦٢. وأخرجه (خ) في "الجمعة" ٩٢٢ و"الزكاة" ١٤٦٥ و"الجهاد" ٢٨٤٢ و"الرقاق" ٦٤٢٧ (م) في "الزكاة" ١٠٥٢ (ق) في "الفتن" ٣٩٩٥ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ١٠٦٥١ و ١١٤٥٥. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو جواز الصدقة على اليتيم؛ إذ لم يفرّق في الإعطاء بين الواجب وغيره، فدلّ على أن اليتيم من مصارف الزكاة، لكن بشرط أن يكون فقيرًا، وإلا فلا يجوز دفع الزكاة إليه، للنصوص الدالة على أن الأغنياء ليسوا مصارف لها. واللَّه تعالى أعلم.
(ومنها): جلوس الإمام على المنبر عند الموعظة في غير خطبة الجمعة، ونحوها (ومنها): جلوس الناس حول الإمام ليمكنهم السماع لموعظته (ومنها): التحذير من المنافسة في الدنيا (ومنها): استفهام العالم عمّا يُشكل، وطلب الدليل لدفع المعارضة (ومنها): تسمية المال خيرًا، ويؤيّده قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ (ومنها): ضرب المثل بالحكمة، وإن وقع في اللفظ ذكر ما يُستهجن، كالبول والغائط، فإن ذلك يُغتفر لما يترتّب على ذكره من المعاني اللائقة بالمقام (ومنها): أنه ﷺ كان ينتظر الوحي عند إرادة الجواب عما يُسأل عنه، وهذا على ما ظنّه الصحابة، ويحتمل أن يكون سكوته ليأتي بالعبارة الوجيزة الجامعة المفهمة. وقد عدّ ابن دُريد هذا الحديث، وهو قوله: "إن مما يُنبت الربيع يقتل حبطًا، أو يُلمّ" من الكلام المفرد الوجيز الذي لم يُسبق ﷺ إلى معناه، وكلّ من وقع شيء منه في كلامه، فإنما أخذه منه. قاله في "الفتح" (ومنها): ما كان النبيّ ﷺ يلقاه من شدّة الوحي من العناء، حتى يتصبّب منه العرق، وقد ثبت في "الصحيحين" من حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، أنها قالت: "أن الحارث بن هشام - رضي اللَّه تعالى عنه - سأل رسول اللَّه ﷺ ، فقال: يا رسول اللَّه كيف يأتيك الوحي، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الْجَرَس، وهو أشدّه عليّ، فيُفْصَم عنّي، وقد وَعَيتُ منه ما قال، وأحيانًا يمثّل لي الملك رجلًا، فيكلّمني، فأعي ما يقول، قالت عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيُفصَم عنه، وإن جبينه، ليتفصّد عَرَقًا" (ومنها): أنه يستفاد منه ترك الْعَجَلة في الجواب، إذا كان يحتاج إلى التأمّل (ومنها): لوم من ظُنّ به تعنّتٌ في السؤال، وحَمْدُ من أجاد فيه (ومنها): ما قيل: إن فيه تفضيلَ الغنيّ على الفقير. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: ولا حجة فيه لأنه لا يمكن
стр. 12247
التمسّك به لمن لم يرجّح أحدهما على الآخر، والعجب أنّ النوويّ قال: فيه حجة لمن رجّح الغنيّ على الفقير، وكان قبل ذلك شرح قوله: "لا يأتي الخير إلا بالخير" على أن المراد أن الخير الحقيقيّ لا يأتي إلا بالخير، لكن هذه الزهرة ليست خيرًا حقيقيًّا؛ لما فيها من الفتنة، والمنافسة، والاشتغال عن كمال الإقبال على الآخرة. قال الحافظ: فعلى هذا يكون حجّة لمن يفضّل الفقر على الغنى، والتحقيق أن لا حجّة فيه لأحد القولين انتهى (١).
(ومنها): الحضّ على إعطاء المسكين، واليتيم، وابن السبيل (ومنها): أن المكتسب للمال من غير حلّه لا يُبارَك له فيه؛ لتشبيهه بالذي يأكل، ولا يشبع (ومنها): ذمّ الإسراف، وكثرة الأكل، والنَّهَم فيه (ومنها): أن اكتساب المال من غير حلّه، وكذا إمساكه عن إخراج الحقّ منه سبب لمحقه، فيصير غير مبارك، كما قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ الآية. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): فيما قاله العلماء في بيان التمثيل الذي ورد في هذا الحديث: قال في "الفتح": يؤخذ من الحديث التمثيل لثلاثة أصناف؛ لأن الماشية إذا رَعَت الخَضِر للتغذية، إما أن تقتصر منه على الكفاية، وإما أن تستكثر، الأول الزهّاد، والثاني، إما أن يحتال على إخراج ما لو بقي لضرّ، فإذا أخرجه زال الضرّ، واستمرّ النفع، وإما أن يهُمل ذلك، الأول العاملون في جمع الدنيا بما يجب من إمساك وبذل، والثاني العاملون في ذلك بخلاف ذلك.
وقال الطيبيّ: يؤخذ منه أربعة أصناف: فمن أكل منه أَكْلَ مُستَلِذّ، مُفرِط، منهمك، حتى تنتفخ أضلاعه، ولا يُقلع، فيسرع إليه الهلاك. ومن أكل كذلك، لكنه أخذ في الاحتيال لدفع الداء بعد أن استحكم، فغلبه، فأهلكه. ومن أكل كذلك، لكنه بادر إلى إزالة ما يضره، وتحيّل في دفعه، حتى انهضم، فيسلم. ومن أكل غير مفرط، ولا منهمك، وإنما اقتصر على ما يسدّ جوعته، ويُمسك رَمَقَه.
فالأول: مثال الكافر، والثاني: مثال العاصي الغافل عن الإقلاع، والتوبة، إلا عند فواتها. والثالث: مثل للمخلّط المبادر للتوبة، حيث تكون مقبولة. والرابع: مثال الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة. وبعضها لم يُصرَّح به في الحديث، وأخذُهُ منه محتمل.
وقال الزين ابن الْمُنَيِّر -رحمه اللَّه تعالى-: في هذا الحديث وجوه من التشبيه بديعة:
(أولها): تشبيه المال، ونموّه بالنبات وظهوره. (ثانيها): تشبيه المنهمك في الاكتساب والأسباب، بالبهائم المنهمكة في الأعشاب (ثالثها): تشبيه الاستكثار منه، والادّخار به
стр. 12248
بالشَّرَه في الأكل، والامتلاء منه. (رابعها): تشبيه الخارج من المال مع عظمته في النفوس حتى أدّى إلى المبالغة في البخل به بما تطرحه البهيمة من السَّلْح، ففيه إشارة بديعة إلى استقذاره شرعًا. (خامسها): تشبيه المتقاعد عن جمعه، وضمّه بالشاة إذا استراحت، وحطّت جانبها، مستقبلة عين الشمس، فإنها من أحسن حالاتها سكونًا، وسكينةً، وفيه إشارة إلى إدراكها لمصالحها. (سادسها): تشبيه موت الجامع المانع بموت البهيمة الغافلة عن دفع ما يضرّها. (سابعها): تشبيه المال بالصاحب الذي لا يُؤمن أن ينقلب عدوًّا، فإن المال من شأنه أن يُحرَز، ويُشدّ وَثَاقه حبًّا له، وذلك يقتضي منعه من مستحقّه، فيكون سببًا لعقاب مقتنيه. (ثامنها): تشبيه آخذه بغير حقّ بالذي يأكل، ولا يشبع انتهى.
وقال الغزاليّ -رحمه اللَّه تعالى-: مثلُ المال مَثَلُ الحية التي فيها ترياقٌ نافعٌ، وسمّ ناقع، فإن أصابها العارف الذي يحترز عن شرّها، ويعرف استخراج ترياقها كان نعمة، وإن أصابها الغبي، فقد لقي البلاء المهلك انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب".
…
٨٢ - (الصَّدّقَةُ عَلَى الأَقَارِبِ)
٢٥٨٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ, عَنْ حَفْصَةَ, عَنْ أُمِّ الرَّائِحِ, عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «إِنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ, وَعَلَى ذِى الرَّحِمِ اثْنَتَانِ: صَدَقَةٌ, وَصِلَةٌ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن عبد الأعلى) الصنعاني البصري، ثقة [١٠] ٥/ ٥.
٢ - (خالد) بن الحارث الْهُجَميُّ البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٤٢/ ٤٨.
٣ - (ابن عون) هو عبد اللَّه، أبو عون البصري، ثقة ثبت فاضل عابد، [٥] ٢٩/ ٣٣.
٤ - (حفصة) بنت سيرين، أم الهُذَيل الأنصارية البصرية، ثقة [٣] ٢٢/ ٣٩٠.
٥ - (أم الرائح) الرَّبَاب -بفتح أوله، وتخفيف الموحّدة، آخره موحّدة- بنت صُلَيع - بمهملتين -مصغّرةً- الضّبّيّة البصريّة، مقبولة [٣].
стр. 12249
رَوت عن عمّها سلمان بن عامر الضبّيّ في العقيقة، والفطر على التمر، والصدقة على ذي القرابة. وعنها حفصة بنت سيرين. ذكرها ابن حبّان في "الثقات".
علّق لها البخاريّ، وأخرج لها الباقون، إلا مسلمًا، ولها في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٦ - (سلمان بن عامر) بن أوس بن حجر بن عَمرو بن الحارث الضبّيّ. رَوى عن النبيّ ﷺ . وعنه ابنة أخيه أم الرائح الرباب بنت صُليع بن عامر الضبيّ، ومحمد، وحفصة ابنا سيرين، وعبد العزيز بن بشر بن كعب. وسكن البصرة.
قال مسلم بن الحجاج: وليس في الصحابة ضبّيّ غيره. انتهى.
قال الحافظ: في الصحابة يزيد بن نَعَامة الضبيّ، قال البخاريّ له صحبة، وكُدَير الضبّيّ مختلف في صحبته، وحنظلة بن ضِرَار الضبّيّ، قال الدُّولابيّ: قُتل يوم الجمل، وهو ابن مائة سنة، ذكره ابن قانع في الصحابة في آخرين مذكورين في الكتب المصنّفة في الصحابة، فينظر في قول مسلم.
وذكر أبو إسحاق الصريفينيّ: توفي سلمان في خلافة عثمان. وفيه نظر، والصواب أنه تأخر إلى خلافة معاوية. انتهى كلام الحافظ.
أخرج له الجماعة، إلا مسلمًا، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، وحديث (٤٢١٤) "في الغلام عقيقة، فأهريقوا عنه دمًا … " الحديث. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. ومنها: أنه مسلسل بالبصريين.
ومنها: أن رواته كلهم رواة الصحيح إلا أم الرائح، فقد علق لها البخاري، وأخرج لها أصحاب "السنن". ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعية عن تابعية. ومنها: أن صحابيه من المقلين من الرواية، فليس له في الكتب الستة إلا حديثان فقط، حديث الباب عند أصحاب "السنن"، وحديث العقيقة عند جميعهم إلا مسلمًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ سَلْمَانَ بْن عَامِرٍ) الضبّيّ - رضي اللَّه تعالى عنه - (عَنِ) وفي نسخة: "أن" (النَّبِيِّ ﷺ ) أنه (قَالَ: إِنَّ الصَّدَقَةَ) وفي نسخة بحذف "إنّ" (عَلَى الْمِسْكِينِ) إطلاقه يشمل الفرض، والنفل، فيدلّ على جواز أداء الزكاة إلى ذي القرابة مطلقًا. قال العلاّمة الشوكانيّ -رحمه اللَّه تعالى-: قد استُدلّ بالحديث على جواز صرف الزكاة إلى الأقارب، سواءٌ كان ممن تلزمهم النفقة، أم لا؟؛ لأن الصدقة المذكورة فيه لم تقيّد بصدقة
стр. 12250
التطوّع، ولكنه قد تقدّم عن ابن المنذر أنه حكى الإجماع على عدم جواز صرف الزكاة إلى الأولاد انتهى (١). وسيأتي تمام البحث فيه في المسائل الآتية في الحديث الثاني، إن شاء اللَّه تعالى.
(صَدَقَةٌ) أي فيه أجر صدقة واحدة (وَعَلَى ذِي الرَّحمِ) أي ذي القرابة (اثْنَتَانِ) أي والصدقة على ذي القرابة صدقتان، يعني أن فيها أجر صدقتين (صَدَقَةٌ، وَصِلَةٌ) بدل من "اثنتان"، أي أجر صدقة، وأجر صلة رحم، وفيه الحثّ على التصدّق على ذوي الأرحام، والاهتمام بهم، وأن التصدق عليهم أفضل من التصدّق على غيرهم؛ لأنه خيران، ولا شكّ أنهما أفضل من خير واحد. قيل: هذا غالبيّ، وقد يقتضي الحال العكس، بأن يكون غير القريب أشدّ حاجة، وتضرّرًا من القريب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث سلمان بن عامر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.
[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفيه أم الرائح، مقبولة تحتاج إلى متابع؟.
[قلت]: إنما صح بشواهده، فقد يشهد له حديث زينب الذي بعده، وهو متّفق عليه، وغيره. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٨٣/ ٢٥٨٢ - وفي "الكبرى" ٨٤ م ٢٣٦٣. وأخرجه (ق) في "الزكاة" ١٨٤٤ (أحمد) في "مسند المدنيين" ١٥٧٩٤ و ٢٧٥٤٤ و ١٧١٦ (الدارميّ) في "الزكاة" ١٦٨٠. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم
الوكيل.
٢٥٨٣ - (أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ (٢) , قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ, عَنْ شُعْبَةَ, عَنْ سُلَيْمَانَ, عَنْ أَبِي وَائِلٍ, عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ, عَنْ زَيْنَبَ, امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلنِّسَاءِ: «تَصَدَّقْنَ, وَلَوْ مِنَ حُلِيِّكُنَّ» , قَالَتْ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ, خَفِيفَ ذَاتِ الْيَدِ, فَقَالَتْ لَهُ: أَيَسَعُنِي أَنْ أَضَعَ صَدَقَتِي فِيكَ, وَفِي بَنِي أَخٍ لِي, يَتَامَى؟ , فَقَالَ: عَبْدُ اللَّهِ سَلِى عَنْ ذَلِكَ, رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَتْ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ , فَإِذَا عَلَى بَابِهِ, امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ, يُقَالُ
стр. 12251
لَهَا: زَيْنَبُ, تَسْأَلُ عَمَّا أَسْأَلُ عَنْهُ, فَخَرَجَ إِلَيْنَا بِلَالٌ, فَقُلْنَا لَهُ: انْطَلِقْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَسَلْهُ عَنْ ذَلِكَ, وَلَا تُخْبِرْهُ مَنْ نَحْنُ؟ , فَانْطَلَقَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَقَالَ: «مَنْ هُمَا؟» , قَالَ: زَيْنَبُ, قَالَ: «أَيُّ الزَّيَانِبِ؟» , قَالَ: زَيْنَبُ امْرَأَةُ عَبْدِ اللَّهِ, وَزَيْنَبُ الأَنْصَارِيَّةُ, قَالَ: «نَعَمْ, لَهُمَا أَجْرَانِ: أَجْرُ الْقَرَابَةِ, وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (بشر بن خالد) العسكري، أبو محمد البصري، ثقة يُغْرِبُ [١٠] ٢٦/ ٨١٢.
٢ - (غندر) محمد بن جعفر، أبو عبد اللَّه البصري، ثقة صحيح الكتاب [٩] ٢١/ ٢٢.
٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت [٧] ٢٤/ ٢٧.
٤ - (سليمان) بن مهران الأعمش الكوفي ثقة فقيه حافظ، يدلس [٥] ١٧/ ١٨.
٥ - (أبو وائل) شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي ثقة مخضرم [٢] ٢/ ٢.
٦ - (عمرو بن الحارث) بن أبي ضِرَار -بكسر المعجمة- ابن حبيب بن عائذ بن مالك بن جذيمة -وهو المصطلق- بن سعد بن كعب بن عمرو -وهو خزاعة- الخزاعيّ المصطلقيّ، أخو جويرية، أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنهما -، صحابيّ قليل الحديث.
روى عن النبيّ ﷺ ، وعن أبيه الحارث، وله صحبة، وعن ابن مسعود، وزينب امراة ابن مسعود، وقيل: عن ابن أخيها، عنها. وعنه مولاه دينار، وأبو عبيدة بن عبد اللَّه بن مسعود، وأبو إسحاق السبيعيّ، وأبو وائل، وزياد بن الجعد. قال ابن أبي داود: كان الحارث بن أبي ضِرَار، صهر عبد اللَّه بن مسعود. ورجّح ابن القطّان أن عمرو بن الحارث الراوي عن زينب غير صاحب الترجمة؛ لأن في كثير من الروايات، عن عمرو ابن الحارث ابن أخي زينب، وزينب ثقفيّة، فيكون ثقفيًّا، قال: اللَّهم إلا أن يكون ابن أخيها لأمّ، أو للرضاعة، فاللَّه أعلم.
روى له الجماعة وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، وحديث ٣٥٩٤ وأعاده برقم ٣٥٩٥ و ٣٥٩٦ ..
٧ - (زينب) بنت معاوية. وقيل: بنت أبي معاوية. وقيل: بنت عبد اللَّه بن معاوية بن عتاب ابن الأسعد بن غاضرة بن خُطَيط بن قسيّ -وهو ثقيف- وقيل: اسمها رائطة.
روت عن النبيّ ﷺ ، وعن زوجها عبد اللَّه بن مسعود، وعمر بن الخطّاب. وعنها ابنها أبو عبيدة، وابن أخيها، ولم يُسمّ، وعمرو بن الحارث بن أبي ضِرَار، وغيرهم.
стр. 12252
روى لها الجماعة وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، وحديث "إذا شهدت إحداكن صلاة العشاء فلا تمس طيبًا" كرره تسع مرات. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
ومنها: أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. ومنها: أن رجاله كلهم رجال الصحيح. ومنها: أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة، وسليمان وأبو وائل كوفيان، والباقيان مدنيان. ومنها: أن فيه رواية صحابي عن صحابية، وتابعي عن تابعي مخضرم. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عمرو بن الحارث) بن أبي ضِرَر الخزاعيّ ﵁.
قال في "الفتح": ووقع عند الترمذيّ عن هَنّاد، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عمرو بن الحارث بن المصطلق، عن ابن أخي زينب، امرأة عبد اللَّه، عن امرأة عبد اللَّه، فزاد في الإسناد رجلًا، والموصوف بكونه ابن أخي زينب هو عمرو ابن الحارث نفسه، وكأنّ أباه كان أخا زينب لأمها؛ لأنها ثقفيّة، وهو خزاعيّ. ووقع عند الترمذيّ أيضًا، من طريق شعبة، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد اللَّه بن عمرو بن الحارث ابن أخي زينب امرأة عبد اللَّه، عن زينب، فجعله عبد اللَّه بن عمرو، هكذا جزم به المزّيّ، وعقد لعبد اللَّه بن عمرو في "الأطراف" ترجمة لم يزد فيها على ما في هذا الحديث، قال الحافظ: ولم أقف على ذلك في الترمذيّ، بل وقفت على عدّة نسخ منه ليس فيها إلا عمرو بن الحارث.
وقد حكى ابن القطّان الخلافَ فيه على أبي معاوية، وشعبة، وخالف الترمذيّ في ترجيح رواية شعبة في قوله: "عن عمرو بن الحارث، عن ابن أخي زينب"؛ لانفراد أبي معاوية بذلك. قال ابن القطّان: لا يضرّه الانفراد؛ لأنه حافظٌ، وقد وافقه حفص بن غياث في رواية عنه، وقد زاد في الإسناد رجلًا، لكن يلزم من ذلك أن يتوقّف في صحّة الإسناد؛ لأن ابن أخي زينب حينئذ لا يُعرف حاله.
وقد حكى الترمذيّ في العلل المفرد أنه سأل البخاريّ عنه، فحكم على رواية أبي معاوية بالوهم، وأنّ الصواب رواية الجماعة، عن الأعمش، عن شقيق، عن عمرو بن الحارث ابن أخي زينب. قال الحافظ: ووافقه منصور، عن شقيق، أخرجه أحمد، فإن كان محفوظًا، فلعلّ أبا وائل حمله عن الأب، والابن، وإلا فالمحفوظ عن عمرو بن الحارث، وقد أخرجه النسائيّ، من طريق شعبة على الصواب، فقال: "عن عمرو بن
стр. 12253
الحارث" انتهى (١).
(عَنْ زَيْنَبَ، امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ) هي زينب بنت معاوية، ويقال لها: رائطة، كما تقدّم، لكن قال في "تهذيب التهذيب" ج ٤ ص ٦٧٥: فرّق أبو سعيد، وابن حبّان، والعسكريّ، وابن منده، وأبو نُعيم، وغير واحد بين زينب، ورائطة امرأتي ابن مسعود انتهى.
وقال في "الفتح": ويقال لها: أيضًا رائطة، وقع ذلك في "صحيح ابن حبّان" في نحو هذه القصّة، ويقال: هما اثنان عند الأكثرين، وممن جزم به ابن سعد، وقال الكلاباذيّ: رائطة هي المعروفة بزينب، وبهذا جزم الطحاويّ، فقال رائطة هي زينب، لا يعلم أن لعبد اللَّه امرأة في زمن رسول اللَّه ﷺ غيرها.
[تنبيه]: زاد في رواية البخاريّ هنا عن عمر بن حفص، عن أبيه، عن الأعمش: ما نصّه: قال: فذكرته لإبراهيم، فحدّثني إبراهيم، عن أبي عُبيدة، عن عمرو بن الحارث، عن زينب امرأة عبد اللَّه بمثله سواءً. انتهى.
فقال في "الفتح": القائل: "فذكرته الخ" هو الأعمش، وإبراهيم هو ابن يزيد النخعيّ، وأبو عُبيدة هو ابن عبد اللَّه بن مسعود، ففي الطريق ثلاثة من التابعين، ورجال الطريقين كلهم كوفيّون انتهى (٢).
(قَالَتٌ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لِلنِّسَاءِ: "تَصَدَّقْنَ") ولفظ البخاريّ: "قال: كنت في المسجد، فرأيت النبيّ ﷺ ، فقال: "تصدَّقنَ، ولو من حليّكنّ". وللمصنّف في "عِشْرة النساء" من طريق أبي معاوية، عن الأعمش: قالت: خطبنا رسول اللَّه ﷺ ، فقال: "يا معشر النساء، تصدّقن، ولو من حُليّكنّ، فإن أكثركنّ أهلُ جهنّم يوم القيامة".
(وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ) بضمّ الحاء المهملة، وكسر اللام، وتشديد الياء جمعًا، ويجوز فتح الحاء، وسكون اللام مفردًا (قَالَتْ: وَكَانَ عَبدُ اللَّهِ) أي ابن مسعود زوجها - رضي اللَّه تعالى عنهما - (خَفِيفَ ذَاتِ الْيَدِ) كناية عن الفقر، وقلّة المال (فَقَالَتْ لَهُ) فيه التفات؛ إذ الظاهر أن تقول: "فقلت له". وفي "عشرة النساء": "فقلت له" (أَيَسَعُني أَنْ أَضَعَ صَدَقَتي فِيكَ، وَفِي بَنِي أَخٍ لِي، يَتَامَى؟) جمع يتيم، وفي نسخة: "أيتام". وهو صفة لـ"بني"، أو حالٌ منه. قال الحافظ: لم أقف على تسمية الأيتام الذين كانوا في حجرها.
ولفظ البخاريٌ: "وكانت زينب تنفق على عبد اللَّه، وأيتام في حجرها، فقالت لعبد اللَّه: سل رسول اللَّه ﷺ أيجزيء عنّي أن أنفق عليك، وعلى أيتام في حجري من الصدقة؟ فقال: سلي أنت رسول اللَّه ﷺ … ". ولفظ مسلم: قالت: فرجعت إلى
стр. 12254
عبد اللَّه، فقلت: إنك رجل خفيف ذات اليد، وإن رسول اللَّه ﷺ قد أَمَرَنا بالصدقة، فأته فاسأله، فإن كان ذلك يُجزىء عني، وإلا صرفتها إلى غيركم، فقال لي عبد اللَّه: بل ائته أنت … ".
(فَقَالَ: عَبْدُ اللَّهِ: سَلِي عَنْ ذَلِكَ، رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) وسبب امتناعه عن السؤال ما بُيِّنَ في رواية المصنّف في "عشرة النساء"، ولفظه: وكان رسول اللَّه ﷺ ، قد أُلقيت عليه المهابة". فكما أن زينب هابت أن تسأله فكذلك عبد اللَّه هاب أن يسأله. وقيل: لعلّ امتناعه لأن سؤاله يُنبىء عن الطمع. والأول أظهر. واللَّه تعالى أعلم (قَالَتٌ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَإِذَا عَلَى بَابهِ، امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ) "إذا" هنا هي الفُجَائيّة، أي ففاجأني وجود امرأة من الأنصار علىَ بابه ﷺ (يُقَالُ لَهَا: زَيْنَبُ) هي امرأة أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاريّ البدريّ - رضي اللَّه تعالى عنه -. ففي رواية المصنّف في "عشرة النساء" من طريق علقمة، عن عبد اللَّه، قال: انطلقت امرأة عبد اللَّه، وامرأة أبي (١) مسعود إلى رسول اللَّه ﷺ ، كلّ واحدة تكتم صاحبتها أمرها … قال الحافظ: لم يذكر ابن سعد لأبي مسعود امرأة أنصاريّةً سوى هزيلة بنت ثابت بن ثعلبة الخزرجيّة، فلعلّ لها اسمين، أو وهم سمّاها زينب، انتقالًا من اسم امرأة عبد اللَّه إلى اسمها انتهى.
(تَسْألُ عَمَّا أَسْاَلُ عَنْهُ، فَخَرَجَ إِلَينَا بِلَالٌ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (فَقُلْنَا لَهُ: انْطَلِقْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَسَلْهُ عَنْ ذَلِكَ) وفي رواية علقمة المذكورة: "فقالتا لبلال: ايت رسول اللَّه ﷺ ، فقل: امرأتان لإحداهما فضلُ مال، وفي حجرها بنو أخ لها أيتام، فقالت الأخرى: إن لي فضل مال، ولي زوجٌ خفيف ذات اليد" … (وَلَا تُخْبِرْهُ) "لا" ناهية، ولذا جُزم الفعل بعدها (مَنْ نَحْنُ؟) أي لا تعيّن اسمنا، بل قل: تسأل امرأتان، إرادة الإخفاء، مبالغة في نفي الرياء، أو رعاية للأفضل، وهذا أيضًا يصلح أن يكون وجهًا لعدم دخولهما. وقيل: المعنى: لا تخبره، أي بلا سؤال، وإلا فعند السؤال يجب الإخبار، فلا يمكن المنع عنه، ولذلك أخبر بلال بعد السؤال (فَانْطَلَقَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) زاد في رواية: "فدخل، فسأله" (فَقَالَ) ﷺ (مَنْ هُمَا؟) أي من السائلتان؟. (قَالَ) بلال - رضي اللَّه تعالى عنه - مخبرًا عنهما، ومعينًا لهما لوجوبه عليه بطلب الرسول ﷺ ، واستخباره (زَيْنَبُ) أي اسم كلّ واحدة منهما زينب (قَالَ) ﷺ (أَيُّ الزَّيَانِبِ؟) وإنما لم يقل أيّة بالتأنيث؛ لأنه يجوز التذكير والتأنيث، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: ٣٤] (قَالَ) بلال (زَيْنَبُ امْرَأَةُ عَبْدِ اللَّهِ) بن مسعود (وَزَيْنَبُ الْأَنْصَارِيَّةُ) التي هي امرأة أبي مسعود.
стр. 12255
قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: ليس إخبار بلال - رضي اللَّه تعالى عنه - بالسائلتين اللتين استكتمتاه مَنْ هما بكشف أمانة سرّ؛ لوجهين:
[أحدهما]: أن بلالًا فَهِمَ أن ذلك ليس على الإلزام، وإنما كان ذلك منهما على أنهما رأتا أنه لا ضرورة تُحوِج إلى ذلك.
[الثاني]: أنه إنما أخبر بهما جوابًا لسؤال النبيّ ﷺ ، فرأى أنّ إجابة رسول اللَّه ﷺ أهمّ، وأوجب من كتمان ما أمرتاه به. وهذا كلّه بناء على أنهما أمرتاه به. ويحتمل أن يكون سؤالًا للإسراع، ولا يجب إسعاف كلّ سؤال انتهى (١).
(قَالَ) ﷺ (نَعَمْ) يجزئ عنهما (لَهُمَا) أي لكلّ واحدة منهما (أَجْرَانِ: أَجْرُ الْقَرَابَةِ) أي أجر صلة الرحم (وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ) أي أجر منفعة الصدقة، وهذا ظاهره أنها لم تشافهه بالسؤال، ولا شافهها بالجواب، وحديث أبي سعيد الذي أخرجه الشيخان، وغيرهما، وتقدّم للمصنف برقم -١٥٧٦ - (٢) يدلّ أنها شافهته، وشافهها؛ لقولها فيه: "يا نبيّ اللَّه إنك أمرت"، وقوله فيه: "صدق ابن مسعود، زوجك وولدك أحقّ". فيحتمل أن يكونا قصّتين. ويحتمل أن يقال: تُحمَل هذه المراجعة على المجاز، وإنما كانت على لسان بلال. قاله في "الفتح".
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن الاحتمال الأول هو الأرجح، ومما يرجّحه، اختلاف سياق القصّتين، ففي حديث الباب أن السؤال عن أيتام هم بنو أخيها، لا عن ولدها، وفي حديث أبي سعيد أن الولد لها من ابن مسعود - رضي اللَّه تعالى - عنهما، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.