لَهَا: زَيْنَبُ, تَسْأَلُ عَمَّا أَسْأَلُ عَنْهُ, فَخَرَجَ إِلَيْنَا بِلَالٌ, فَقُلْنَا لَهُ: انْطَلِقْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَسَلْهُ عَنْ ذَلِكَ, وَلَا تُخْبِرْهُ مَنْ نَحْنُ؟ , فَانْطَلَقَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَقَالَ: «مَنْ هُمَا؟» , قَالَ: زَيْنَبُ, قَالَ: «أَيُّ الزَّيَانِبِ؟» , قَالَ: زَيْنَبُ امْرَأَةُ عَبْدِ اللَّهِ, وَزَيْنَبُ الأَنْصَارِيَّةُ, قَالَ: «نَعَمْ, لَهُمَا أَجْرَانِ: أَجْرُ الْقَرَابَةِ, وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (بشر بن خالد) العسكري، أبو محمد البصري، ثقة يُغْرِبُ [١٠] ٢٦/ ٨١٢.
٢ - (غندر) محمد بن جعفر، أبو عبد اللَّه البصري، ثقة صحيح الكتاب [٩] ٢١/ ٢٢.
٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت [٧] ٢٤/ ٢٧.
٤ - (سليمان) بن مهران الأعمش الكوفي ثقة فقيه حافظ، يدلس [٥] ١٧/ ١٨.
٥ - (أبو وائل) شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي ثقة مخضرم [٢] ٢/ ٢.
٦ - (عمرو بن الحارث) بن أبي ضِرَار -بكسر المعجمة- ابن حبيب بن عائذ بن مالك بن جذيمة -وهو المصطلق- بن سعد بن كعب بن عمرو -وهو خزاعة- الخزاعيّ المصطلقيّ، أخو جويرية، أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنهما -، صحابيّ قليل الحديث.
روى عن النبيّ ﷺ ، وعن أبيه الحارث، وله صحبة، وعن ابن مسعود، وزينب امراة ابن مسعود، وقيل: عن ابن أخيها، عنها. وعنه مولاه دينار، وأبو عبيدة بن عبد اللَّه بن مسعود، وأبو إسحاق السبيعيّ، وأبو وائل، وزياد بن الجعد. قال ابن أبي داود: كان الحارث بن أبي ضِرَار، صهر عبد اللَّه بن مسعود. ورجّح ابن القطّان أن عمرو بن الحارث الراوي عن زينب غير صاحب الترجمة؛ لأن في كثير من الروايات، عن عمرو ابن الحارث ابن أخي زينب، وزينب ثقفيّة، فيكون ثقفيًّا، قال: اللَّهم إلا أن يكون ابن أخيها لأمّ، أو للرضاعة، فاللَّه أعلم.
روى له الجماعة وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، وحديث ٣٥٩٤ وأعاده برقم ٣٥٩٥ و ٣٥٩٦ ..
٧ - (زينب) بنت معاوية. وقيل: بنت أبي معاوية. وقيل: بنت عبد اللَّه بن معاوية بن عتاب ابن الأسعد بن غاضرة بن خُطَيط بن قسيّ -وهو ثقيف- وقيل: اسمها رائطة.
روت عن النبيّ ﷺ ، وعن زوجها عبد اللَّه بن مسعود، وعمر بن الخطّاب. وعنها ابنها أبو عبيدة، وابن أخيها، ولم يُسمّ، وعمرو بن الحارث بن أبي ضِرَار، وغيرهم.
стр. 12252
روى لها الجماعة وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، وحديث "إذا شهدت إحداكن صلاة العشاء فلا تمس طيبًا" كرره تسع مرات. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
ومنها: أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. ومنها: أن رجاله كلهم رجال الصحيح. ومنها: أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة، وسليمان وأبو وائل كوفيان، والباقيان مدنيان. ومنها: أن فيه رواية صحابي عن صحابية، وتابعي عن تابعي مخضرم. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عمرو بن الحارث) بن أبي ضِرَر الخزاعيّ ﵁.
قال في "الفتح": ووقع عند الترمذيّ عن هَنّاد، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عمرو بن الحارث بن المصطلق، عن ابن أخي زينب، امرأة عبد اللَّه، عن امرأة عبد اللَّه، فزاد في الإسناد رجلًا، والموصوف بكونه ابن أخي زينب هو عمرو ابن الحارث نفسه، وكأنّ أباه كان أخا زينب لأمها؛ لأنها ثقفيّة، وهو خزاعيّ. ووقع عند الترمذيّ أيضًا، من طريق شعبة، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد اللَّه بن عمرو بن الحارث ابن أخي زينب امرأة عبد اللَّه، عن زينب، فجعله عبد اللَّه بن عمرو، هكذا جزم به المزّيّ، وعقد لعبد اللَّه بن عمرو في "الأطراف" ترجمة لم يزد فيها على ما في هذا الحديث، قال الحافظ: ولم أقف على ذلك في الترمذيّ، بل وقفت على عدّة نسخ منه ليس فيها إلا عمرو بن الحارث.
وقد حكى ابن القطّان الخلافَ فيه على أبي معاوية، وشعبة، وخالف الترمذيّ في ترجيح رواية شعبة في قوله: "عن عمرو بن الحارث، عن ابن أخي زينب"؛ لانفراد أبي معاوية بذلك. قال ابن القطّان: لا يضرّه الانفراد؛ لأنه حافظٌ، وقد وافقه حفص بن غياث في رواية عنه، وقد زاد في الإسناد رجلًا، لكن يلزم من ذلك أن يتوقّف في صحّة الإسناد؛ لأن ابن أخي زينب حينئذ لا يُعرف حاله.
وقد حكى الترمذيّ في العلل المفرد أنه سأل البخاريّ عنه، فحكم على رواية أبي معاوية بالوهم، وأنّ الصواب رواية الجماعة، عن الأعمش، عن شقيق، عن عمرو بن الحارث ابن أخي زينب. قال الحافظ: ووافقه منصور، عن شقيق، أخرجه أحمد، فإن كان محفوظًا، فلعلّ أبا وائل حمله عن الأب، والابن، وإلا فالمحفوظ عن عمرو بن الحارث، وقد أخرجه النسائيّ، من طريق شعبة على الصواب، فقال: "عن عمرو بن
стр. 12253
الحارث" انتهى (١).
(عَنْ زَيْنَبَ، امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ) هي زينب بنت معاوية، ويقال لها: رائطة، كما تقدّم، لكن قال في "تهذيب التهذيب" ج ٤ ص ٦٧٥: فرّق أبو سعيد، وابن حبّان، والعسكريّ، وابن منده، وأبو نُعيم، وغير واحد بين زينب، ورائطة امرأتي ابن مسعود انتهى.
وقال في "الفتح": ويقال لها: أيضًا رائطة، وقع ذلك في "صحيح ابن حبّان" في نحو هذه القصّة، ويقال: هما اثنان عند الأكثرين، وممن جزم به ابن سعد، وقال الكلاباذيّ: رائطة هي المعروفة بزينب، وبهذا جزم الطحاويّ، فقال رائطة هي زينب، لا يعلم أن لعبد اللَّه امرأة في زمن رسول اللَّه ﷺ غيرها.
[تنبيه]: زاد في رواية البخاريّ هنا عن عمر بن حفص، عن أبيه، عن الأعمش: ما نصّه: قال: فذكرته لإبراهيم، فحدّثني إبراهيم، عن أبي عُبيدة، عن عمرو بن الحارث، عن زينب امرأة عبد اللَّه بمثله سواءً. انتهى.
فقال في "الفتح": القائل: "فذكرته الخ" هو الأعمش، وإبراهيم هو ابن يزيد النخعيّ، وأبو عُبيدة هو ابن عبد اللَّه بن مسعود، ففي الطريق ثلاثة من التابعين، ورجال الطريقين كلهم كوفيّون انتهى (٢).
(قَالَتٌ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لِلنِّسَاءِ: "تَصَدَّقْنَ") ولفظ البخاريّ: "قال: كنت في المسجد، فرأيت النبيّ ﷺ ، فقال: "تصدَّقنَ، ولو من حليّكنّ". وللمصنّف في "عِشْرة النساء" من طريق أبي معاوية، عن الأعمش: قالت: خطبنا رسول اللَّه ﷺ ، فقال: "يا معشر النساء، تصدّقن، ولو من حُليّكنّ، فإن أكثركنّ أهلُ جهنّم يوم القيامة".
(وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ) بضمّ الحاء المهملة، وكسر اللام، وتشديد الياء جمعًا، ويجوز فتح الحاء، وسكون اللام مفردًا (قَالَتْ: وَكَانَ عَبدُ اللَّهِ) أي ابن مسعود زوجها - رضي اللَّه تعالى عنهما - (خَفِيفَ ذَاتِ الْيَدِ) كناية عن الفقر، وقلّة المال (فَقَالَتْ لَهُ) فيه التفات؛ إذ الظاهر أن تقول: "فقلت له". وفي "عشرة النساء": "فقلت له" (أَيَسَعُني أَنْ أَضَعَ صَدَقَتي فِيكَ، وَفِي بَنِي أَخٍ لِي، يَتَامَى؟) جمع يتيم، وفي نسخة: "أيتام". وهو صفة لـ"بني"، أو حالٌ منه. قال الحافظ: لم أقف على تسمية الأيتام الذين كانوا في حجرها.
ولفظ البخاريٌ: "وكانت زينب تنفق على عبد اللَّه، وأيتام في حجرها، فقالت لعبد اللَّه: سل رسول اللَّه ﷺ أيجزيء عنّي أن أنفق عليك، وعلى أيتام في حجري من الصدقة؟ فقال: سلي أنت رسول اللَّه ﷺ … ". ولفظ مسلم: قالت: فرجعت إلى
стр. 12254
عبد اللَّه، فقلت: إنك رجل خفيف ذات اليد، وإن رسول اللَّه ﷺ قد أَمَرَنا بالصدقة، فأته فاسأله، فإن كان ذلك يُجزىء عني، وإلا صرفتها إلى غيركم، فقال لي عبد اللَّه: بل ائته أنت … ".
(فَقَالَ: عَبْدُ اللَّهِ: سَلِي عَنْ ذَلِكَ، رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) وسبب امتناعه عن السؤال ما بُيِّنَ في رواية المصنّف في "عشرة النساء"، ولفظه: وكان رسول اللَّه ﷺ ، قد أُلقيت عليه المهابة". فكما أن زينب هابت أن تسأله فكذلك عبد اللَّه هاب أن يسأله. وقيل: لعلّ امتناعه لأن سؤاله يُنبىء عن الطمع. والأول أظهر. واللَّه تعالى أعلم (قَالَتٌ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَإِذَا عَلَى بَابهِ، امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ) "إذا" هنا هي الفُجَائيّة، أي ففاجأني وجود امرأة من الأنصار علىَ بابه ﷺ (يُقَالُ لَهَا: زَيْنَبُ) هي امرأة أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاريّ البدريّ - رضي اللَّه تعالى عنه -. ففي رواية المصنّف في "عشرة النساء" من طريق علقمة، عن عبد اللَّه، قال: انطلقت امرأة عبد اللَّه، وامرأة أبي (١) مسعود إلى رسول اللَّه ﷺ ، كلّ واحدة تكتم صاحبتها أمرها … قال الحافظ: لم يذكر ابن سعد لأبي مسعود امرأة أنصاريّةً سوى هزيلة بنت ثابت بن ثعلبة الخزرجيّة، فلعلّ لها اسمين، أو وهم سمّاها زينب، انتقالًا من اسم امرأة عبد اللَّه إلى اسمها انتهى.
(تَسْألُ عَمَّا أَسْاَلُ عَنْهُ، فَخَرَجَ إِلَينَا بِلَالٌ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (فَقُلْنَا لَهُ: انْطَلِقْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَسَلْهُ عَنْ ذَلِكَ) وفي رواية علقمة المذكورة: "فقالتا لبلال: ايت رسول اللَّه ﷺ ، فقل: امرأتان لإحداهما فضلُ مال، وفي حجرها بنو أخ لها أيتام، فقالت الأخرى: إن لي فضل مال، ولي زوجٌ خفيف ذات اليد" … (وَلَا تُخْبِرْهُ) "لا" ناهية، ولذا جُزم الفعل بعدها (مَنْ نَحْنُ؟) أي لا تعيّن اسمنا، بل قل: تسأل امرأتان، إرادة الإخفاء، مبالغة في نفي الرياء، أو رعاية للأفضل، وهذا أيضًا يصلح أن يكون وجهًا لعدم دخولهما. وقيل: المعنى: لا تخبره، أي بلا سؤال، وإلا فعند السؤال يجب الإخبار، فلا يمكن المنع عنه، ولذلك أخبر بلال بعد السؤال (فَانْطَلَقَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) زاد في رواية: "فدخل، فسأله" (فَقَالَ) ﷺ (مَنْ هُمَا؟) أي من السائلتان؟. (قَالَ) بلال - رضي اللَّه تعالى عنه - مخبرًا عنهما، ومعينًا لهما لوجوبه عليه بطلب الرسول ﷺ ، واستخباره (زَيْنَبُ) أي اسم كلّ واحدة منهما زينب (قَالَ) ﷺ (أَيُّ الزَّيَانِبِ؟) وإنما لم يقل أيّة بالتأنيث؛ لأنه يجوز التذكير والتأنيث، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: ٣٤] (قَالَ) بلال (زَيْنَبُ امْرَأَةُ عَبْدِ اللَّهِ) بن مسعود (وَزَيْنَبُ الْأَنْصَارِيَّةُ) التي هي امرأة أبي مسعود.
стр. 12255
قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: ليس إخبار بلال - رضي اللَّه تعالى عنه - بالسائلتين اللتين استكتمتاه مَنْ هما بكشف أمانة سرّ؛ لوجهين:
[أحدهما]: أن بلالًا فَهِمَ أن ذلك ليس على الإلزام، وإنما كان ذلك منهما على أنهما رأتا أنه لا ضرورة تُحوِج إلى ذلك.
[الثاني]: أنه إنما أخبر بهما جوابًا لسؤال النبيّ ﷺ ، فرأى أنّ إجابة رسول اللَّه ﷺ أهمّ، وأوجب من كتمان ما أمرتاه به. وهذا كلّه بناء على أنهما أمرتاه به. ويحتمل أن يكون سؤالًا للإسراع، ولا يجب إسعاف كلّ سؤال انتهى (١).
(قَالَ) ﷺ (نَعَمْ) يجزئ عنهما (لَهُمَا) أي لكلّ واحدة منهما (أَجْرَانِ: أَجْرُ الْقَرَابَةِ) أي أجر صلة الرحم (وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ) أي أجر منفعة الصدقة، وهذا ظاهره أنها لم تشافهه بالسؤال، ولا شافهها بالجواب، وحديث أبي سعيد الذي أخرجه الشيخان، وغيرهما، وتقدّم للمصنف برقم -١٥٧٦ - (٢) يدلّ أنها شافهته، وشافهها؛ لقولها فيه: "يا نبيّ اللَّه إنك أمرت"، وقوله فيه: "صدق ابن مسعود، زوجك وولدك أحقّ". فيحتمل أن يكونا قصّتين. ويحتمل أن يقال: تُحمَل هذه المراجعة على المجاز، وإنما كانت على لسان بلال. قاله في "الفتح".
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن الاحتمال الأول هو الأرجح، ومما يرجّحه، اختلاف سياق القصّتين، ففي حديث الباب أن السؤال عن أيتام هم بنو أخيها، لا عن ولدها، وفي حديث أبي سعيد أن الولد لها من ابن مسعود - رضي اللَّه تعالى - عنهما، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 12256
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث زينب امرأة ابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٨٢/ ٢٥٨٣ - وفي "الكبرى" ٨٣/ ٢٣٣٦٤ وفي "عشرة النساء" ٨٧/ ٩٢٠٠ و ٩٢٠١ و ٩٢٠٢ و ٩٢٠٣. وأخرجه (خ) في "الزكاة" ١٤٦٦ (م) في "الزكاة" ١٠٠٠ (ت) في "الزكاة" ٦٣٥ (ق) في "الزكاة" ١٨٣٤ (أحمد) في "مسند المكيين" ١٥٦٥٢ و"باقي مسند الأنصار" ٢٦٥٠٨ (الدارمي) في الزكاة ١٦٥٤. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما بوّب له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو جواز صرف الصدقة على الأقارب، وفيه اختلاف بين العلماء سنحققه في المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): الحثّ على الصدقة على الأقارب (ومنها): الحثّ على صلة الرحم (ومنها): جواز تبرّع المرأة بمالها بغير إذن زوجها (ومنها): مشروعيّة عظة الإمام النساء (ومنها): ترغيب وليّ الأمر في أفعال الخير للرجال والنساء (ومنها): جواز تحدّث الرجل مع النساء الأجانب عند أمن الفتنة (ومنها): التخويف من المؤاخذة بالذنوب، وما يُتوقّع بسببها من العذاب، فإن النبيّ ﷺ قال: "يا معشر النساء تصدّقن، فإني رأيتكنّ أكثر أهل النار" (ومنها): جواز فُتيا العالم مع وجود من هو أعلم منه، حيث أفتى ابن مسعود بجواز صرف صدقة امرأته له، وقال النبيّ ﷺ : "صدق ابن مسعود"، كما في حديث أبي سعيد الخدريّ - رضي اللَّه تعالى عنه - (ومنها): طلب الترقّي في تحمّل العلم، حيث ذهبت زينب إلى رسول اللَّه ﷺ بعد أن أفتاها زوجها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في جواز في دفع الزكاة إلى الأقارب:
قال الإمام ابن قدامة نقلًا عن ابن المنذر -رحمهما اللَّه تعالى-: أجمع أهل العلم على أن الزكاة لا يجوز دفعها إلى الوالدين في الحال التي يُجبر الدافع إليهم على النفقة عليهم؛ لأن دفع زكاته إليهم تُغنيهم عن نفقته، وتُسقطها عنه، ويعود نفعها إليه، فكأنه دفعها إلى نفسه، فلم تجز، كما لو قضى بها دينه.
قال: ونصّ أحمد، فقال: لا يعطي الوالدين من الزكاة، ولا الولد، ولا ولد الولد، ولا الجدّ، ولا الجدّة، ولا ولد البنت.
стр. 12257
قال: وأما سائر الأقارب، فمن لا يُوَرَّثُ منهم يجوز دفع الزكاة إليه، سواء كان انتفاء الإرث لانتفاء سببه، لكونه بعيد القرابة، أو لمانع، مثل الأخ المحجوب بالابن، فيجوز دفع الزكاة إليه؛ لأنه لا قرابة جزئيّة بينهما، ولا ميراث، فأشبها الأجانب، وإن كان بينهما ميراث، كالأخوين الذين يرث أحدهما الآخر، ففيه روايتان عن أحمد:
[إحداهما]: يجوز دفع زكاته إلى الآخر، وهي الظاهرة عنه، رواها عنه جماعة، فقد سئل: أيُعطِي الأخ، والأختَ، والخالة من الزكاة؟ قال: يعطي كلَّ القرابة إلا الأبوين والولد. وهذا قول أكثر أهل العلم. قال أبو عبيد: هو القول عندي؛ لقول النبيّ ﷺ : "الصدقة على المسكين صدقةٌ، وهي لذي الرحم اثنان، صدقة وصلة". فلم يشترط نافلة، ولا فريضة، ولم يفرّق بين الوارث وغيره.
[الرواية الثانية]: لا يجوز دفعها إلى الْمُوّرَّثِ؛ لأنه يلزمه مؤنته، فيغنيه بزكاته عن مؤنته، ويعود نفع زكاته إليهم، فلم يجز، كدفعها إلى والده، أو قضاء دينه بها. والحديث يحتمل صدقة التطوّع، فيُحمل عليها. انتهى مختصركلام ابن قدامة بتصرف (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي القول الراجح هو الأول، كما اختاره أبو عبيد، واحتجّ له بإطلاق حديث: "الصدقة على المسكين الخ"، وكذلك إطلاق حديث زينب المذكور في الباب، فإن ترك الاستفصال ينزّل منزل العموم، كما هو مبيّن في محلّه.
والحاصل أن الحقّ جواز دفع الزكاة لعموم الأقارب، فإن صحّ الإجماع على أنه لا يجوز دفعها للوالدين -كما ادعاه ابن المنذر- قلنا به، وإلا فهما داخلان في عموم النصوص أيضًا.
قال العلامة الشوكانيّ -رحمه اللَّه تعالى-: ويؤيّد الجواز، والإجزاء الحديث الذي تقدّم عند البخاريّ، بلفظ: "زوجك، وولدك أحقّ من تصدّقت عليهم". وترك الاستفصال في مقام الاحتمال، ينزّل منزلة العموم في المقال. ثم الأصل عدم المانع، فمن زعم أن القرابة، أو وجوب النفقة مانعان، فعليه الدليل، ولا دليل انتهى (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله الشوكانيّ -رحمه اللَّه تعالى-، هو عين التحقيق الحقيق بالقبول، المؤيَّد بأدلّة النقول. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 12258
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في جواز دفع زكاة أحد الزوجين إلى الآخر: قال الإمام ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: أجمعوا على أنّ الرجل لا يعطي زوجته من الزكاة شيئًا؛ لأن نفقتها واجبةٌ عليه.
قال الصنعاني: وعندي فيه توقّف؛ لأن غنى المرأة بوجوب النفقة على زوجها، لا يصيّرها غنيّةً، الغِنَى الذي يمنع من حلّ الزكاة لها انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله الصنعانيّ متّجهٌ؛ إذ التعليل بوجوب نفقتها على الزوج، لا يوجب امتناع الصرف إليها؛ لأن نفقتها واجبة عليه، غنيّةً كانت، أو فقيرة، فالصرف إليها لا يسقط عنه شيئًا (١). واللَّه تعالى أعلم.
وأما دفع الزوجة زكاتها إلى زوجها، فذهب الشافعيّ، والثوريّ، وابن المنذر (٢)، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وإحدى الروايتين عن مالك، وأحمد (٣) إلى جوازه.
وحجّتهم حديثُ زينب المذكور في الباب، ووجه الاحتجاج به أنها سألته عن الصدقة على زوجها، وعلى الأيتام في حجرها، فأجابها بأن لها أجرَ الصلة، وأجر الصدقة، ولم يستفسر، هل هي صدقة واجبة، أم تطوّعٌ؟، وترك الاستفصال في حكايته الحال ينزّل منزلة العموم في المقال.
وذهب أبو حنيفة، ومالك، وأحمد في رواية إلى منعه. واحتجّوا بأنها تنتفع بدفعها إليه؛ لأنه إن كان عاجزًا عن الإنفاق عليها تمكّن بأخذ الزكاة من الإنفاق فيلزمه، وإن لم يكن عاجزًا، ولكنه أيسر بها، لزمه نفقة الموسرين، فتنتفع بها في الحالين.
ورُدَّ هذا بأنه يلزم منه منع دفعها له صدقة التطوّع أيضًا؛ للعلّة المذكورة؛ مع أنه يجوز دفعها إليه اتفاقًا.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أنّ المذهب الأول هو الأرجح؛ لأمرين: (الأول): أن الزوج داخل في الأصناف المنصوص عليهم في مصارف الزكاة؛ لأنه فقير. (الثاني): أنه ليس في المنع نصّ، ولا إجماعٌ، ولا قياس صحيح.
قال العلاّمة الشوكانيّ -رحمه اللَّه تعالى-: الظاهر أنه يجوز صرف زكاتها إليه:
(أما أوّلًا): فلعدم المانع من ذلك، ومن قال: إنه لا يجوز فعليه الدليل. (وأما ثانيًا): فلأن ترك استفصاله ﷺ لها ينزّل منزلة العموم، فلما لم يستفصلها عن الصدقة،
стр. 12259
هل هي تطوّع، أم واجبٌ، فكأنه قال: يجزي عنك فرضًا كان، أو تطوّعًا انتهى (١) وهو بحث نفيس جدًّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه عليه توكلت، وإليه أنيب".
٨٣ - (الْمَسْأَلَةُ)
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدّالّة على ذمّ سؤال الناس أموالهم.
٢٥٨٤ - (أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي, عَنْ صَالِحٍ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, أَنَّ أَبَا عُبَيْدٍ, مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَزْهَرَ, أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ, يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لأَنْ يَحْتَزِمَ أَحَدُكُمْ, حُزْمَةَ حَطَبٍ عَلَى ظَهْرِهِ, فَيَبِيعَهَا, خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ رَجُلاً, فَيُعْطِيَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أبو داود) سليمان بن سيف الحرّاني، ثقة حافظ [١١] ١٠٣/ ١٣٦.
٢ - (يعقوب بن إبراهيم) بن سعد الزهري، أبو يوسف المدني نزيل بغداد، ثقة فاضل، من صغار [٩] ١٩٦/ ٣١٤.
٣ - (أبوه) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، أبو إسحاق المدني، نزيل بغداد، ثقة حجه [٨] ١٩٦/ ٣١٤.
٤ - (صالح) بن كيسان، أبو محمد الغفاري المدني، ثقة ثبت فقيه [٤] ١٩٦/ ٣١٤.
٥ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري الإمام الحجة الثبت [٤] ١/ ١.
٦ - (أبو عبيد مولى عبد الرحمن بن أزهر) هو سعد بن عبيد الزهري مولاهم المدني، ثقة [٢] ١/ ١٨١٩.
٧ - (أبو هريرة) ﵁ -١/ ١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين.
غير شيخه فحرّاني. ومنها: أن فيه ثلاثةً من التابعين يروي بعضهم عن بعض: صالح عن الزهريّ عن أبي عبيد، وكلهم مدنيون. ومنها: أن فيه أبا هريرة ﵁ رأس المكثرين من الرواية، روى (٥٣٧٤) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 12260
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم (أَنَّ أَبَا عُبَيْدٍ) سَعْدَ بن عُبيد (مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَزْهَرَ) ويقال له: مولى عبد الرحمن بن عوت (أَخْبَرَهُ) أي أخبر ابنَ شهاب (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَأَنْ يَحْتَزِمَ أَحَدُكُمْ) بفتح اللام، قال الكرمانيّ: هي إما ابتدائيّة، أو جواب قسمِ محذوف انتهى. و"يحتزم": أي يشدّ بالحبل، يقال: حَزَمتُ الدّابّةَ حَزْمًا، من باب ضرب: شددتها بالْحِزَام. قاله في "المصباح". واحتزم الرجلُ، وتحزم بمعنًى، وذلك إذا شد وسطه بحبل. أفاده في "اللسان" (حُزْمَةَ حَطَبٍ) بالنصب مفعول "يحتزم". وفي نسخة: "بحزمة حطب" بزيادة الباء. و"الْحُزْمة" بضمّ، فسكون، وجمعه حُزَم، كغرفة، وغُرَف، ما يشدّ به الشيء. و"الحطب" بفتح المهملتين: ما أُعدّ من الشجر شَبُوبًا -أي وَقُودًا- للنار. قاله في "اللسان" (عَلَى ظَهْرِهِ) ولفظ "الكبرى": "فيحملها على ظهره"، فالجارّ والمجرور هنا يتعلق بـ "يحملها" مقدّرًا (فَيَبِيعَهَا) بالنصب عطفًا على "يحتزم" (خَيْرٌ) خبر قوله: "أن يحتزم"؛ لأنه في تأويل المصدر مبتدأ، أي احتزامُه خيرٌ له.
وقال في "الفتح": ليست "خير" هنا بمعنى أفعل التفضيل؛ إذ لا خير في السؤال مع القدرة على الاكتساب، والأصحّ عند الشافعيّة أن سؤال مَن هذا حاله حرام. ويحتمل أن يكون المراد بالخير فيه بحسب اعتقاد السائل، وتسميتِهِ الذي يُعطاه خيرًا، وهو في الحقيقة شرّ انتهى (١).
وقال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: [فإن قلت]: لا خير في السؤال، فما وجه هذا الترجيح؟.
[قلت]: يحتمل وجهين:
[أحدهما]: أن ذلك حيث اضطرّ إلى السؤال بحيث لا يصير فيه ذمّ أصلًا، فتَرْكُه مع ذلك خير من فعله، وفي هذا الجواب نظرٌ؛ لأن من أمكنه الاحتطاب لم يضطرّ إلى السؤال.
[ثانيهما]: أن هذه الصيغة، وهي "خيرٌ" قد تستعمل في غير الترجيح، كما في قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ الآية انتهى (٢).
وقال السنديّ في شرحه: "الكلام من قبيل: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾، والمراد أن ما يلحق الإنسان بالاحتزام من التعب الدنيويّ خيرٌ له مما يلحقه بالسؤال من التعب الأخرويّ، فعند الحاجة ينبغي أن يختار الأول، ويترك الثاني انتهى (٣). وقال في حاشية
стр. 12261
مسلم: قوله: "خير له الخ". أي لو فُرض في السؤال خيريّة لكان هذا خيرًا منه، وإلا فمعلومٌ أنه لا خيريّة في السؤال انتهى (١).
(مِنْ أَنْ يَسْأَلَ رَجُلًا) أي من سؤاله رجلًا، والمراد بالرجل الشخص، فسؤال المرأة مثل سؤال الرجل (فَيُعْطِيَهُ) بالنصب عطفًا على ما قبله، أي فيعطيه ذلك الرجل مسؤوله، فيُحَمّله ثقل المنّة، ومذلّة المسألة ("أَوْ يَمْنَعَهُ") بالنصب أيضًا: أي يمعنه مسؤوله، فيكتسب الذلّ والهوان، والخيبة، والحرمان. يعني أن الإعطاء، والمنع سيّان في كون الاحتزام خيرًا له. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٨٣/ ٢٥٨٤ و ٢٥٨٩ - وفي "الكبرى" ٨٥/ ٢٣٦٥. (خ) في "الزكاة" ١٤٧٠ (م) في "الزكاة" ١٠٤٢ (ت) في "الزكاة" ٦٨٠ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ٧٢٧٥ و ٧٤٣٩ و ٧٩٢٧ و ٨٨٨٩ و ٩١٤٠ و ٩٥٥٨ و ٩٧٩٢ و ٩٧٩٦ و ١٠٠٦٠ (الموطأ) ١٨٨٣ - واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما بوّب له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان ذمّ السؤال، وأنه من أقبح الخصال، ولولا قبحه في نظر الشرع لم يفضل عليه امتهان المرء نفسه في طلب الرزق، وذلك لما يدخل على السائل من ذلّ السؤال، ومن ذلّ الردّ، إذا لم يُعط، ولِمَا يدخل على المسؤول من الضيق في ماله، إن أَعطَى كلّ سائل (ومنها): جواز الحلف لتقوية الأمر، وتأكيده (٢) (ومنها): الحثّ على طلب الرزق، وارتكاب المشقّة في ذلك، ولو أدّى ذلك إلى امتهان المرء نفسه (ومنها): ترجيح الاكتساب على السؤال، ولو كان بعمل شاقّ كالاحتطاب، ولو لم يَقدِر على بهيمة يحمل الحطب عليها، بل حمله على ظهره. وذكر ابن عبد البرّ، عن عمر - رضي اللَّه تعالى عنه -، قال: مكسبة فيها بعض الدناءة خيرٌ من مسألة الناس.
(ومنها): الحضّ على التعفّف عن المسألة، والتنزّه عنها.
стр. 12262
قال الحافظ أبو عمر ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى-: وما زال ذوو الهمم والأخطار من الرجال، يتنزّهون عن السؤال، ولقد أحسن أبو الفضل أحمد بن المعذل بن غيلان العبديّ الفقيه المالكي حيث يقول:
الْتَمِسِ الأَرْزَاقَ عِنْدَ الَّذِي … مَا دُونَهُ إِنْ سِيلَ مِنْ حَاجِبِ
مَنْ يُبْغِضُ التَّارِكَ عَنْ سُؤْلِهِ … جُودًا وَمَنْ يَرْضَى عَنِ الطَّالِبِ
وَمَنْ إِذَا قَالَ: جَرَى قَوْلُهُ … بِغَيرِ تَوْقِيعٍ إِلَى كَاتِبِ
ومن أحسن ما قيل نظمًا في الرضى والقناعة، وذم السؤال قولُ بعض الأعراب [من الطويل]:
عَلَامَ سُؤَالُ النَّاسِ وَالرِّزْقُ وَاسِعُ … وَأَنْتَ صَحِيحٌ لَمْ تَخُنْكَ الأَصَابِعُ
وَلِلْعَيشِ أَوْكَارٌ وَفِي الأَرْضِ مَذهَبُ … عَرِيضٌ وَبَابُ الرزْقِ فِي الأَرْضِ وَاسِعُ
فَكُنْ طَالِبًا لِلرِّزْقِ مِنْ رَازِقِ الغِنَى … وَخَلِّ سُؤَالَ النَّاسِ فَاللهُ صَانِعُ
وقال مسلم بن الوليد [من الطويل أيضًا]:
أَقُولُ لِمَأْفُونِ (١) الْبَدِيَهةِ طَائِرٍ … مَعَ الْحِرْصِ لَمْ يَغْنَنم وَلَمْ يَتَمَوَّلِ
سَلِ النَّاسَ إِنِّي سَائِلُ اللَّهِ وَحْدَهُ … وَصَائِنٌ عِرْضِي عَنْ فُلَانٍ وَعَنْ فُلِ
وقال عُبيد بن الأبرص:
مَنْ يَسَلِ النَّاسَ يَحْرِمُوهُ … وَسَائِلُ اللَّهِ لَا يَخِيبُ
ومن قصيدة للحسين بن حميد [من البسيط]:
وَسَائِلُ النَّاسِ إِنْ جَادُوا وَإِنْ بَخِلُوا … فَإنهُ بِرِدَاءِ الذُّلِّ مُشْتَمِلُ
وقال أبو العتاهية، فأحسن [من الوافر]:
أَتَدْرِي أَيُّ ذُلٍّ فِي السُّؤَالِ … وَفِي بَذْلِ الْوُجُوهِ إِلَى الرِّجَالِ
يَعِزُّ عَلَى التَّنَزُّهِ مَنْ رَعَاهُ … وَيَسْتَغْنِي الْعَفِيفُ بِغَيْرِ مَالِ
تَعَالَى اللَّهُ يَا سَلْمُ بْنَ عَمْرٍ … أَذَلَّ الْحِرْصُ أَعْنَاقَ الرِّجَالِ
وَمَا دُنْيَاكَ إِلَّا مِثْلُ فَيْءٍ … أَظَلَّكَ ثُمَّ آذَنَ بِالزَّوَالِ
إِذَا كَانَ النَّوَالُ بِبَذْلِ وَجْهِي … فَلَا قَرُبْتُ مِنْ ذَاكَ النَّوَالِ
стр. 12263
مَعَاذَ اللَّه مِنْ خُلُقٍ دَنِيءٍ … يَكُونُ الْفَضلُ فِيهِ عَلَي لَالِي
تَوَقَّ يَدَا تَكُونُ عَلَيْكَ فَضلًا … فَصَانِعُهَا إِلَيكَ عَلَيْكَ عَالِي
يَدٌ تَعْلُو بِجَمِيلِ فِعْلٍ … كَمَا عَلَتْ الْيَمِينُ عَلَى الشِّمَالِ
وُجُوهُ الْعَيْشِ مِنْ سَعَةٍ وَضِيقٍ … وَحَسْبُكَ وَالتَّوَسُّعُ فِي الْحَلَالِ
وَتُنْكِرُ أَنْ تَكُونَ أَخَا نَعِيمٍ … وَأَنْتَ تُصِيفُ فِي فَيءِ الظِّلَالِ
وَأَنْتَ تُصِيبُ قُوتَكَ فِي عَفَافٍ … وَرِيُّكَ إِنْ ظَمِئْتَ مِنَ الزُّلَالِ
مَتَى تُمْسِي وَتُصْبِحُ مُسْتَرِيحًا … وَأَنْتَ الدَّهْرَ لَا تَرْضَى بِحَالِ
تُكَابِدُ جَمْعَ شَيءٍ بَعْدَ شَيْءٍ … وَتَبغِي أَنْ تَكُونَ رَخِيَّ بَالِ
وَقَدْ يَجْزِي قَلِيلُ الْمَالِ مَجْزَى … كَثِيرِ الْمَالِ فِي سَدِّ الْخِلَالِ
إِذَا كَانَ الْقَلِيلُ يَسُدُّ فَقْرِي … وَلَمْ أَجِدِ الْكَثِيرَ فَلَا أُبَالِي
هِيَ الدُّنْيَا رَأَيْتُ الْحُبَّ فِيهَا … عَوَاقِبُهُ التَّفَرقُ عَنْ تَقَالِ
تُسَرُّ إِذَا نَظَرْتَ إِلَى هِلَالٍ … وَنَقْصُكَ إِنْ نَظَرْتَ إِلَى الْهِلَالِ (١)
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في حديث الباب فضيلةُ الاكتساب بعمل اليد، وقد ذكر بعضهم أنه أفضل المكاسب. وقال الماورديّ: أصول المكاسب الزراعة، والتجارة، والصناعة، وأيها أطيب؟ فيه مذاهب للناس، أشبهها بمذهب الشافعيّ أن التجارة أطيب، قال: والأشبه عندي أن الزراعة أطيب؛ لأنها أقرب إلى التوكّل.
قال النوويّ في "شرح المهذّب": في "صحيح البخاريّ"، عن المقدام بن معد يكرب - رضي اللَّه تعالى عنه -، عن النبيّ ﷺ ، قال: "ما أكل أحد قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبيّ داود ﵇ كان يأكل من عمل يده". قال النوويّ: فالصواب ما نصّ عليه رسول اللَّه ﷺ ، وهو عمل اليد، فإن كان زراعةً، فهو أطيب المكاسب، وأفضلها؛ لأنه عمل يده، ولأن فيه توكّلًا، كما ذكره الماورديّ؛ ولأن فيه نفغا عامًّا للمسلمين، والدوابّ، وأنه لا بدّ في العادة أن يؤكل منه بغير عوض، فيحصل له أجره. وإن لم يكن ممن يعمل بيده، بل يعمل له غلمانه، وأجراؤه، فاكتسابه بالزراعة أفضل؛ لما ذكرناه.
стр. 12264
وقال في "الروضة" -بعد ذكره الحديث المتقدّم-: فهذا صريحٌ في ترجيح الزراعة، والصناعة؛ لكونهما من عمل يده، ولكن الزراعة أفضلهما؛ لعموم النفع بها للآدميّ وغيره، وعموم الحاجة إليها. واللَّه أعلم.
قال وليّ الدين: وغاية ما في حديث الباب تفضيل الاحتطاب على السؤال، وليس فيه أنه أفضل المكاسب، فلعلّه ذكره لتيسّره، ولا سيّما في بلاد الحجاز؛ لكثرة ذلك فيها. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): حديث الباب يدلّ أيضًا على جواز الاكتساب بالمباحات، كالحطب، والحشيش النابتين في موات.
واستدلّ به المهلّب على جواز الاحتطاب، والاحتشاش من الأرض المملوكة، حتى يمنع من ذلك مالك الأرض، فترفع حينئذ الإباحة.
قال وليّ الدين: وهو مرود، فإن النبات في الأرض المملوكة ملك لمالكها، فلا يجوز التصرّف فيه بغير إذنه.
ثم حكى المهلّب عن ابن الموّاز أنه حَكَى عن ابن القاسم، عن مالك، قال: كانت له أرض يملكها، ليست بأرض خربة، فإن أراد أن يبيع ما ينبت فيها من المراعي بعد طيبهن أنه لا بأس به. وقال أشهب: لا يجوز ذلك؛ لأنه رزقٌ مِن رزقِ اللَّه تعالى، ولا يحلّ لربّ الأرض أن يمنع منه أحدًا، لقوله- ﷺ : "لا يُمنَع فضلُ الماء ليُمنَع به الكلأُ". ولو كان النبات في حائط إنسان لما حلّ له أن يمنع منه أحدًا؛ لقوله ﷺ : "لا حمى إلا للَّه، ولرسوله". وقال الكوفيّون كقول أشهب. قاله في "طرح التثريب" (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما قاله الإمام مالك -رحمه اللَّه تعالى- هو الأرجح؛ لأن معنى الحديث: أنه لا يجوز لصاحب الماء الفاضل عن حاجته منعه عن أصحاب المواشي، حتى لا يترتّب على منعه منع الكلأ المباح, لأنهم إذا لم يجدوا ماء لا يمكنهم رعي مواشيهم في ذلك الكلإ، وليس المراد منع الكلإ المملوك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في الاكتساب فائدتان: الاستغناء عن السؤال، والتصدّق على المحتاج، وقد ذكرهما النبيّ ﷺ في قوله في رواية مسلم: "فيتصدّق، ويستغني من الناس". كذا في أكثر نسخ "صحيح مسلم" بالميم، وفي بعضها "عن الناس" بالعين. قال النوويّ: وكلاهما صحيح، والأول محمول على الثاني. انتهى (٣). واللَّه تعالى أعلم
стр. 12265
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): أشار في رواية مسلم إلى العلّة في تفضيل الاكتساب على السؤال، وهي أن العيد العليا أفضل من اليد السفلى، والمكتسب يده عليا، إن تصدّق، وكذا إن لم يتصدّق، وفسّرنا العليا بالمتعفّفه عن السؤال، فقد يُستدل بهذا على ترجيح الرواية التي فيها "اليد العليا هي المتعفّفه"؛ لأنه لا يلزم من الاكتساب الصدقةُ، لكن تبيّن برواية مسلم أن تفضيل الاكتساب هو للصدقة والاستغناء عن الناس، وكما أنه لا يلزم من الاكتساب الصدقة، لا يلزم من الاكتساب التعفّف عن السؤال، فربّ مكتسب مكتفِ، يسأل تكثّرًا. قاله وليّ الدين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثامنة): ذكر الحافظ العراقيّ في "شرح الترمذيّ" أن المسألة تنقسم إلى الأحكام الشرعيّة: التحريم، والكراهة، والوجوب، والندب، والإباحة. وقال أبو بكر ابن العربيّ: وبالجملة فإن السؤال واجبٌ في موضع، جائزٌ في آخر، حرامٌ في آخر، مندوب على طريق، فأما وجوبه، فللمريدين في ابتداء الأمر، وظاهر حالهم، وللأولياء للاقتداء، وجريًا على عادة اللَّه في خلقه، ألا ترى إلى سؤال موسى والخضر لأهل القرية طعامًا، وهما من اللَّه تعالى بالمنزلة المعلومة، فالتعريف بالحاجة فرض على المحتاج، وإذا ارتفعت الضرورة جاز أن يسأل في الزائد عليها، مهما يحتاج إليه، ولا يقدر عليه، ثم أنشد لبعضهم:
لَمَالُ الْمَرْءِ يُصْلِحُهُ فَيُغْنِي … مَفَاقِرَهُ (١) أَعَفَّ مِنَ الْقُنُوعِ
قال: وإذا كملت للمرء مفاقره، وارتفعت حاجاته، لم يجز له أن يسأل تكثّرًا. ثم قال: وقد يكون السؤال واجبًا، أو مندوبًا، أما وجوبه، فللمحتاج، وأما المندوب فلمن يُعينه، وُيبيّن حاجته، إن استحيى هو من ذلك، أو رجا أن يكون بيانه أنفع، وأنجح من بيان حال السائل، كما كان النبيّ ﷺ يسأل لغيره انتهى.
قال الحافظ العراقيّ -رحمه اللَّه تعالى-: فذكر أربعة أوجه من الأحكام الشرعيّة في المسألة، دون الخامس، وهو قسم المكروه، فأما تمثيله للواجب بسؤال المحتاج فواضحٌ، وأما قسم المكروه، فسؤاله للسلطان مع إمكان الاستغناء عنه، وقد جمعهما النبيّ ﷺ في حديث سمرة - رضي اللَّه تعالى عنه - بقوله: "إلا أن يسأل الرجل سلطانًا، أو في أمر لا بدّ منه"، فهذا الأخير هو السؤال الواجب، قال: وأما تمثيل القاضي أبي بكر
стр. 12266
السؤال الواجب بالمريدين في ابتداء الأمر، وبسؤال الأولياء للاقتداء، وتمثيله بسؤال موسى والخضر طعامًا من أهل القرية ففيه نظر، ولا يُطلق على سؤال المريدين في ابتدائهم اسم الوجوب، وإنما جرت عادت المشايخ الذين يهذّبون أخلاق المريدين بفعل ذلك لكسر أنفسهم إذا كان في ذلك صلاحهم، فأما الوجوب الشرعيّ فلا، وأما سؤال الخضر وموسى، فلا يلزم هذه الأمة الاقتداء بهما في ذلك، وإنما وقع ذلك من الخضر لحكمة أطلعه اللَّه عليها ليبيّن لموسى ﵇ ما ينتهي الحال إليه في المرّات الثلاث انتهى كلام العراقيّ منقولًا من "طرح التثريب" (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قول أبي بكر بن العربيّ: فأما وجوبه فللمريدين في ابتداء الأمر الخ صدور مثل هذا الكلام من أمثاله عجيب، كيف يكون تهذيب الأخلاق بما هو من محظورات الشرع؟، فهل تهذب النفوس إلا بمتابعة الرسول ﷺ ، ومخالفة الهوى المضادّة لسنته؟. وهل جاء عنه ﷺ أنه أمر بتهذيب الأخلاق بالسؤال؟ وهل الأولياء يكونون قدوة في الشيء المذموم شرعًا، وما كانوا أولياء إلا بالتقوى، واتباع السنة، ومجانبة البدع والهوى، إن هذا لهو العجب العجاب. ومن الغريب أن العراقيّ اعترض عليه في قوله بالوجوب، ولم يعترض عليه في دعواه مشروعية تهذيب الأخلاق بالسؤال، بل وافقه في أصل المشروعية، حيث قال: وإنما جرت عادت المشايخ الذين يهذّبون أخلاق المريدين بفعل ذلك لكسر أنفسهم إذا كان في ذلك صلاحهم.
فهل هذا التهذيب من عمل الصحابة، والتابعين؟، لا، بل هذا مما ابتدعه الجهالة الذين لم يستضيئوا بنور الكتاب والسنّة، فالتهذيب الصحيح للأخلاق والنفوس، لا يكون إلا بما شرعه الشارع الحكيم على لسان من أرسله مهذبًا للأخلاق، وهاديًا إلى الخلّاق.
وبالجملة فالنجاة كلّ النجاة في الدنيا والآخرة في اتباع من قال اللَّه تعالى في حقّه: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤]، وقال: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وقال: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة التاسعة): قال الحافظ العراقيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "شرح الترمذيّ": ورد التخصيص في السؤال في أربعة أماكن: وهي أن يسأل سلطانًا، أو في أمر لا بدّ منه، أو ذا رحم في حاجة، أو الصالحين.
فأما السلطان فهو الذي بيده أموال المصالح، وأما الأمر الذي لا بدّ منه، فهو الحاجة
стр. 12267
التي لا بدّ منها. وأما ذو الرحم، فلما ورد في الصدقة على ذي الرحم من الفضل، ولذهاب بعض العلماء إلى وجوب النفقة عليه مع وصف الفقر والعجز، فرُخّص في سؤاله. وأما سؤال الصالحين فهو في حديث ابن الفراسيّ. -يعني الآتي للنسائيّ في الباب التالي.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: في تخصيص هذين القسمين نظر، إذ الأول يحتاج لدليل يخصّصه من عموم النهي عن السؤال كالقسمين الأولين، وما استدلّ به بعيد عن هذا. وأما الثاني فحديثه لا يصحّ، كما سيأتي. فتبصّر. واللَّه تعالى أعلم.
قال: وحيث جاز السؤال، فيجتنب فيه الإلحاف، والسؤال بوجه اللَّه تعالى، لما في سنن أبي داود، من حديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه -، مرفوعًا: "لا يُسأل بوجه اللَّه إلا الجنّة" (١). قال: ومع ذلك فينبغي إعطاؤه، ما لم يسأل ممتنعًا؛ لما روى الطبرانيّّ في "معجمه الكبير" من حديث أبي موسى الأشعريّ - رضي اللَّه تعالى عنه - بإسناد حسن، عن النبيّ ﷺ ، أنه قال: "ملعون من سأل بوجه اللَّه، وملعون من سُئل بوجه اللَّه، فمنع سائله، ما لم يسأل هُجْرًا". انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٥٨٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ, عَنْ شُعَيْبٍ, عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ, عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ, قَالَ: سَمِعْتُ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ, يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ, حَتَّى يَأْتِىَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ, لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةٌ, مِنْ لَحْمٍ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن عبد اللَّه بن عبد الحكم) المصري الفقيه، ثقة [١١] ١٢٠/ ١٦٦.
٢ - (شعيب) بن الليث بن سعد الفهمي مولاهم، أبو عبد الملك المصري، ثقة نبيل فقيه، من كبار [١٠] ١٢٠/ ١٦٦.
٣ - (الليث بن سعد) بن عبد الرحمن الفهمي، أبو الحارث المصري، ثقة ثبت فقيه إمام مشهور [٧] ٣١/ ٣٥.
٤ - (عبيد اللَّه بن أبي جعفر) أبو بكر الفقيه المصريّ، مولى بني كنانة، ويقال: مولى بني أُميّة، قيل: اسم أبيه يسار -بتحتانيّة، ومهملة- ثقة [٥].
رأى عبد اللَّه بن جَزْء الزُّبيديّ. قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: كان يتفقّه، ليس به
стр. 12268
بأس. وقال أبو حاتم: ثقة، مثل يزيد بن أبي حبيب. وقال النسائيّ: ثقة. وقال ابن خِرَاش: صدوق. وقال ابن سعد: ثقة فقيه زمانه. وقال ابن يونس: كان عالماً عابدًا زاهدًا. وقال العجليّ: عبد اللَّه بن أبي جعفر مصريّ ثقة، وأخوه لا بأس به. ونقل صاحب "الميزان" عن أحمد أنه قال: ليس بالقويّ. قال أبو شُريح عبد الرحمن بن شُريح، عن عبيد اللَّه بن أبي جعفر: غزونا القُسطنطينيّة، فكُسِر بنا مركبنا، فألقانا الموج على خشبة في البحر، وكنّا خمسة، أو ستة، فأنبت اللَّه لنا بعددنا ورقة لكلّ رجل منا، فكنا نمصها، فتُشبعنا، وتروينا، فإذا أمسينا أثبت اللَّه لنا مكانها أخرى، حتى مرّ بنا مركبٌ، فحملنا. قال ابن لهيعة: وُلد سنة ستين. مات سنة (٢) وقيل (٤) وقيل (٥) وقيل (١٣٦). روى له الجماعة وله في هذا الكتاب تسعة أحاديث فقط.
٥ - (حمزة بن عبد اللَّه) بن عمر العدوي المدني، شقيق سالم، ثقة [٣] ٦٨/ ٢٣٣٦.
٦ - (عبد اللَّه بن عمر) بن الخطاب - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٢/ ١٢. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف ﵀، وأنه مسلسل بالمصريين إلى عبيد اللَّه، والباقيان مدنيان، وفيه رواية تابعي عن تابعي، والابن عن أبيه، وفيه ابن عمر ﵄ من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن عبيد اللَّه بن أبي جعفر أنه (قال: سَمِعْتُ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ) ابن عمر (يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ) أي يسأل الناس المال، والمراد سؤال التكثّر، من غير حاجة، ولا ضرورة؛ لما في "صحيح مسلم" من طريق أبي زرعة، عن أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى - عنه، مرفوعًا: "من سأل الناس أموالهم تكثرًا، فإنما يسأل جمرًا، فليستقلّ، أو ليستكثر". قال القاضي عياض -رحمه اللَّه تعالى-: معناه أنه يعاقب بالنار، ويحتمل أن يكون على ظاهره، وأنّ الذي يأخذه يصير جمرًا، يُكوى به، كما ثبت في مانع الزكاة انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الاحتمال الثاني هو الحقّ؛ إذ لاداعي للعدول عنه. واللَّه تعالى أعلم.
(حَتَّى يَأْتِيَ يَومَ الْقِيَامَةِ، لَيْسَ فْي وَجْهِهِ مُزعَةٌ، مِن لَحْم") بضمّ الميم، وحكي كسرها، وسكون الزاي، بعدها مهملة: أي قطعة. وقال ابن التين: ضبطه بعضهم بفتح
стр. 12269
الميم والزاي، والذي أحفظه عن المحدّثين الضمّ.
قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: قوله: "مزعة لحم": أي قطعة لحم، ومنه مَزَعَت المرأةُ الصوفَ: إذا قطعته لتهيّئه للغزل، وتمزّع أنفه: أي تشقّق. وهذا كما قيل في الحديث الآخر: "المسائل كُدُوحٌ، أو خُدُوشٌ، يَخدُشُ بها الرجل وجهه يوم القيامة" (١).
وهذا محمولٌ على كلّ من سأل سؤالًا لا يجوز له، وخصّ الوجه بهذا النوع؛ لأن الجناية به وقعت، إذ قد بذل من وجهه ما أُمر بصونه عنه، وتصرّف به في غير ما سُوّغ له انتهى (٢).
وقال الخطّابيّ -رحمه اللَّه تعالى-: يحتمل أن يكون المراد أنه يأتي ساقطًا، لا قدر له، ولا جاه. أو يُعذّب في وجهه حتى يسقط لحمه لمشاكلة العقوبة في مواضح الجناية من الأعضاء؛ لكونه أذلّ وجهه بالسؤال. أو أنه يُبعث ووجهه عظم كلّه، فيكون ذلك شعاره الذي يُعرف به انتهى.
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: الأول صرف للحديث عن ظاهره، وقد يؤيّده ما أخرجه الطبرانيّ، والبزار من حديث مسعود بن عمرو، مرفوعًا: "لا يزال العبد يسأل، وهو غنيّ، حتى يَخْلُق وجهه، فلا يكون له عند اللَّه وجه".
وقال ابن أبي جمرة: معناه أنه ليس في وجهه من الحسن شيء؛ لأن حسن الوجه هو بما فيه من اللحم. ومال المهلّب إلى حمله على ظاهره. انتهى (٣).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حمل الحديث على ظاهره هو الأولى، ولا ينافيه حديث الطبرانيّ والبزّار المذكور؛ لأن المعنى: أنه يأتي يوم القيامة وقد سقط لحم وجهه، ومع ذلك لا يكون له وجه، أي شرف عند اللَّه تعالى، وقد أورد البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- مؤيّدًا حمل الحديث على ظاهره بعد أن أورد حديث ابن عمر المذكور حديثه في الشفاعة، فقال: وقال: "إن الشمس تدنو يوم القيامة، حتى يبلغ العَرَق نصف الأذن، فبينا هم كذلك، استغاثوا بآدم، ثم بموسى، ثم بمحمد ﷺ ".
وزاد عبد اللَّه بن صالح: حدثني الليث، حدثني ابن أبي جعفر، فيشفع ليُقضَى بين الخلق، فيمشي، حتى يأخذ بحلقة الباب، فيومئذ يبعثه اللَّه مقاما محمودا، يحمده أهل الجمع كلهم".
ووجه ذلك أن الشمس إذا دنت يكون من لا لحم على وجهه أشدّ تأذّيًا بها من غيره.
والحاصل أن ظاهر الحديث هو المقصود، وبقية المعاني لا تنافيه، فيبعث لا لحم على وجهه، ويكون لا قدر له عند اللَّه تعالى، ويعذّب بتساقط لحمه.
стр. 12270
وهذا كلّه فيمن سأل تكثّرًا، وهو غني، لا تحلّ له الصدقة، وأما من سأل، وهو مضطرٌّ، فذلك مباحٌ له، فلا يتناله الوعيد المذكور؛ للأدلّة الأخرى التي تدلّ على عدم دخوله فيه، كما أشرت إليه سابقًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد اللَّه بن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٨٣/ ٥٨٤ - وفي "الكبرى" ٨٥/ ٢٣٦٦. وأخرجه (خ) في "الزكاة" ١٤٧٠ (م) في "الزكاة" ١٠٤٢ (ت) في "الزكاة" ٦٨٠ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ٧٢٧٥، و ٧٤٣٩ و ٧٩٢٧ و ٨٨٩ و ٩١٤٠ و ٩٥٥٨ و ٩٧٩٦ و ٩٧٩٦ و ١٠٠٦٠ (الموطأ) ١٨٨٣. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما بوّب له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان ذمّ المسألة (ومنها): بيان عقوبة مَنْ أكثر من سؤال الناس، وهو أنه يأتي يوم القيامة، وليس على وجهه قطعة لحم (ومنها): أن يوم القيامة هو يوم وقوع الجزاء الأوفى، من ثواب، أو عقاب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٥٨٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي صَفْوَانَ الثَّقَفِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ خَالِدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ بِسْطَامِ بْنِ مُسْلِمٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلِيفَةَ, عَنْ عَائِذِ بْنِ عَمْرٍو, أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ ﷺ , فَسَأَلَهُ, فَأَعْطَاهُ, فَلَمَّا وَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى أُسْكُفَّةِ الْبَابِ, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَوْ تَعْلَمُونَ مَا فِي الْمَسْأَلَةِ, مَا مَشَى أَحَدٌ إِلَى أَحَدٍ, يَسْأَلُهُ شَيْئًا»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن عثمان بن أبي صفوان الثقفيّ)، البصريُّ، ثقة [١١] ١٠/ ٤٦٨ من أفراد المصنّف، وأبي داود.
٢ - (أميّة بن خالد) القيسيّ، أبو عبد اللَّه البصريّ، أخو هُدْبة، أكبر منه، صدوق [٩] ٤٢/ ١٩٠٦.
٣ - (شعبة) بن الحجاج المذكور في الباب الماضي.
٤ - (بسطام بن مسلم) -بكسر الموحّدة، وحكي فتحها، قال ابن الصلاح: أعجميّ لا ينصرف، ومنهم من صرفه- ابن نمير الْعَوْذيّ -بفتح المهملة، وسكون الواو-
стр. 12271
البصريّ، ثقة [٧].
قال أحمد: صالح الحديث، ليس به بأس. وقال ابن معين، وأبو زرعة، وأبو داود، والعجليّ: ثقة. وقال ابن نُمير: رفيع جدًّا، وهو شيخٌ قديمٌ، كان من قدماء شيوخ وكيع. وقال أبو حاتم: لا بأس به، صالح، وهو أحبّ إليّ من كثير بن يسار أبي الفضل. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، وأبو داود في "المراسيل"، والمصنّف، وابن ماجه وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط برقم ٢٥٨٦ و ٣٧٢٧ و ٥٥٥٥.
٥ - (عبد اللَّه بن خليفة) ويقال: خليفة بن عبد اللَّه العَنْبَريّ، ويقال: الْغُبَريّ البصريّ، مجهول [٣].
روى عن عائذ بن عمرو المزنيّ، وعبادة بن الصامت. وعنه بسطام بن مسلم، فقط، ووهم من زعم أنّ شعبة روى عنه، إنما روى شعبة، عن بسطام، عنه. انفرد به المصنّف بهذا الحديث فقط.
٦ - (عائذ بن عمرو) بن هلال المزنيّ، أبو هُبيرة البصريّ، صحابيّ شهد بيعة الرضوان. وروى عن النبيّ ﷺ ، وعن أبي بكر. وعنه ابنه حَشْرَج، وأبو جمرة الضُّبَعيّ، والحسن، ومعاوية بن قُرّة، وعبد اللَّه بن خليفة، وأبو عمران الْجَوْنيّ، وغيرهم.
قال أبو الشيخ الأصفهانيّ: عائذ بن عمرو أخو رافع بن عمرو، وكانا من أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، مات عائذٌ في ولاية عبيد اللَّه بن زياد. وأرّخه ابن قانع سنة (٦١).
وقال البغويّ: حدثنا الزهرانيّ، حدثنا جعفر بن سُليمان، حدّثنا أسماء بن عُبيد، قال: قال عائذ المزنيّ: لأن أصبّ طستي في حَجَلتي (١) أحبّ إليّ من أصبّ في طريق المسلمين. قال: وكان لا يُخرِج من داره ماءً إلى الطريق، من ماء سماء ولا غيره، فرؤي له أنه في الجنّة، فقيل: بم؟ قال: بكفّه أذاه عن المسلمين. روى له البخاريّ، ومسلم، والمصنّف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وأنه مسلسل بالبصريين، وأن صحابيه من المقلين من الرواية، فليس له في الكتب الستة إلا أربعة أحاديث، حديث الباب عند المصنّف فقط، وحديث "أن أبا سفيان مرّ على سلمان وصهيب … " عند مسلم والمصنف في "الكبرى"، وحديث "هل يُنقَضُ الوتر … " عند البخاريّ فقط،
стр. 12272
وحديث "إن شر الرعاء الحطمة … " عند مسلم فقط. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَائِذِ بْنِ عَمْرٍو) المزنيّ - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّ رَجُلًا) لم أر من سمّاه (أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَسَأَلَهُ) أي شيئًا من المال (فَأَعْطَاهُ) أي ما سأله (فَلَمَّا وَضَعَ رِجْلَهُ) أي ثم انصرف ذاهبًا إلى محلّه، فلما وضع رجلّه (عَلَى أُسْكُفَّةِ الْبَاب) -بهمزة قطع مضمومة، وسكون السين المهملة، وضمّ الكاف، وتشديد الفاء: عَتَبَةُ الباب السفلى (قَالَ: رَسُولُ اللَّه ﷺ ) منبّهًا له، ولمن حضر مجلسه على مضرّة السؤال، وقبحه (لَؤ تَعْلَمُونَ مَا فِي الْمَسْأَلَةِ) أي من الضرر، أو الإثم (مَا مَشَى أَحَدٌ إِلَى أَحَدٍ، يَسْأَلُهُ شَيْئًا) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، وإن كان نكرة؛ لوقوعه بعد النفي، كما قال في "الخلاصة":
وَلَمْ يُنَكَّرْ غَالِبًا ذُو الْحَالِ إِنْ … لَمْ يَتَأَخَّرْ أَوْ يُخَصَّصْ أَوْ يَبِنْ
مِنْ بَعْدِ نَفْي أَوْ مُضَاهِيهِ كَلًا … يَبْغِي امْرُؤٌ عَلَى امْرِي مُستَسْهِلًا
والحديث دليل على ذمّ سؤال المال من الناس، والتقبيح له، والتحذير عنه غاية التحذير. واللَّه تعالى أعلم.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث عائذ بن عمرو - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا حسنٌ.
[فإن قلت]: بسطام بن مسلم مجهول، فكيف يحسّن حديثه؟.
[قلت]: إنما حسّنته من أجل شواهده، فإن الأحاديث الواردة في ذمّ السؤال، كحديثي الباب، وغيرهما تشهد له. واللَّه تعالى أعلم.
وهو من أفراد المصنّف، أخرج هنا -٨٣/ ٢٥٨٦ - وفي "الكبرى" ٢٣٦٦/ ٨٧. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب".
…
٨٤ - (سُؤَالُ الصَّالِحِينَ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على جواز سؤال الصالحين.
٢٥٨٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ,, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ, عَنْ بَكْرِ بْنِ سَوَادَةَ,
стр. 12273
عَنْ مُسْلِمِ بْنِ مَخْشِيٍّ, عَنِ ابْنِ الْفِرَاسِيِّ, أَنَّ الْفِرَاسِيَّ, قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَسْأَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ , قَالَ: «لَا, وَإِنْ كُنْتَ سَائِلاً, لَا بُدَّ, فَاسْأَلِ الصَّالِحِينَ»).
رجال هذا الإسناد سبعة:
١ - (قتيبد) بن سعيد الثقفي البغلاني، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (الليث) بن سعد المذكور في الباب الماضي.
٣ - (جعفر بن ربيعة) بن شُرَحبيل الكندي المصري، ثقة [٥] ١٢٢/ ١٧٣.
٤ - (بكر بن سوادة) بن ثُمامة الجُذامي المصريّ، ثقة فقيه [٣] ١٢٢/ ١٧٣.
٥ - (مسلم بن مَخْشيّ) -بفتح الميم، وسكون الخاء المعجمة- أبو معاوية المصريّ. مقبول [٣].
روى عن ابن الفراسيّ، وعنه بكر بن سَوَادة. ذكره ابن حبّان في "الثقات". روى له مسلم، وأبو داود، والمصنّف، وابن ماجه وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
[تنبيه]: وقع في "مسند أحمد" -رحمه اللَّه تعالى- في هذا الإسناد: ما نصّه: ١٨٤٦٦ حدثنا قتيبة بن سعيد -قال أبو عبد الرحمن: وكتب به إلي قتيبة بن سعيد: كتبت إليك بخطي، وختمت الكتاب بخاتمي، ونقشه: اللَّهُ وليّ سعيد ﵀، وهو خاتم أبي: حدثنا ليث بن سعد، عن جعفر بن ربيعة الخ. والباقيان يأتي الكلام عليهما قريبًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ الْفِرَاسِيِّ) لا يُعرف اسمه (أَنَّ الْفِرَاسِيَّ) -بكسر الفاء، وتخفيف الراء، وكسر السين المهملة، وتشديد الياء التحتانيّة- قال في "الإصابة": فراسٌ له صحبة. قاله البخاريّ. قال: هكذا رأيته في نسخة قديمة من تاريخ البخاريّ في حرف الفاء، وكذا ذكر ابن السكن أن البخاريّ سمّاه فراسًا، قال: وقال غيره: الفراسيّ من بني فراس بن مالك بن كنانة، ولا يوقف على اسمه، ومخرج حديثه عن أهل مصر. وذكره البغويّ، وابن حبّان بلفظ النسب، كما هو المشهور، لكن صنيعه يقتضي أنه اسم بلفظ النسب، والمعروف أنه نسبة، وأنّ اسمه لا يعرف، والمعروف في الحديث: "عن ابن الفراسيّ، عن أبيه". وقيل: "عن ابن الفراسيّ" فقط، وهو مرسلٌ، وهو كذلك في "سنن ابن ماجه" انتهى (١).
(قَالَ: لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَسْاَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟) بتقدير همزة الاستفهام، أي أأسأل ما
стр. 12274
أحتاج إليه، فالمراد سؤال الناس، بدليل قوله في الجواب: "فاسأل الصالحين"، فلا يدخل فيه سؤال اللَّه تعالى، فإنه مأمور به، قال اللَّه تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ الآية. وقد أخرج أحمد، والترمذيّ، وابن ماجه بإسناد لا بأس به، من حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه -، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من لم يسأل اللَّه غضب عليه"، لفظ الترمذيّ (١).
ولبعضهم [من الكامل]:
اللَّه يَغضَبُ إِنْ تَرَكْتَ سُؤَالَهُ … وَبُنَيُّ آدَمَ حِينَ يُسْأَلُ يَغْضَبُ
(قَالَ) ﷺ (لَا) أي لا تسأل الناس شيئًا (وَإِنْ كُنْتَ سَائِلًا، لَا بُدَّ) قال محمد مرتضى الزبيديّ -رحمه اللَّه تعالى-: وقولهم: لا بُدّ اليوم من قضاء حاجتي، أي لا فراق منه. قاله أبو عمرو. وقيل: لا بدّ منه لا مَحَالَةَ. وقال الزمخشريّ: أي لا عِوَض، ومعناه أمر لا زمٌ، لا تُمْكِن مفارقته، ولا يوجد بدلٌ منه، ولا عوضٌ يقوم مقامه. وقال شيخنا: قالوا: ولا يستعمل إلا في النفي، واستعماله في الإثبات مولّد انتهى كلام المرتضى (٢).
والجملة في محلّ نصب على الحال من "سائلا"، أي إن كنت سائلًا، حال كونك غير مستغنٍ عن السؤال، بأن اضطررت إليه، ولا تجد منه مَفَرًّا (فَاسْأَلِ الصَّالِحِينَ) والمعنى: لا تسأل الناس شيئًا، بل سِلِ اللَّهَ تعالى، وأَحْسِنِ التوكّلَ عليه، فإن سؤال الناس ذلّ، فإن لم تجد مَفرًّا من سؤال الناس، ودعتك الضرورة إلى ذلك، فسل الصالحين منهم، القائمين بحقوق اللَّه ، وحقوق العباد؛ لأنهم الكرماء الرحماء الذين لا يمنّون إذا أَعْطَوْا، ولا يردّون السائل خائبًا، وإن كان بهم حاجة إلى ما يُعطُونه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾، ولا يُعطُون إلا من حلال، وإذا لم يجدوا ما يعطونه ردوا السائل بالحسنى، ودَعَوا له، ودعاؤهم مرجوّ الإجابة. وهذا إرشاد إلى ما هو الأولى، وإلا فسؤال غير الصالحين جائز، كما سبق بيانه مفصّلاً (٣).
وقال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: يحتمل أن يراد بالصالحين الصالحون من أرباب الأموال الذين لا يمنعون ما عليهم من الحقّ، وقد لا يعلمون المستحقّ من غيره، فإذا عرفوا بالسؤال المحتاجَ أعطوه مما عليهم، من حقوق اللَّه تعالى.
стр. 12275
ويحتمل أن يراد بهم من يُتبرّك بدعائه، وتُرجَى إجابته، إذا دعا اللَّه له.
ويحتمل أن يراد الساعون في مصالح الخلق بسؤالهم لمن علموا استحقاقه ممن عليه حقّ، فيعطيهم أرباب الأموال بوثوقهم بصلاحهم انتهى كلام وليّ الدين (١).
[تنبيه]: قال في "القاموس" الصلاح ضدّ الفساد. فقال شارحه: وقد يوصف به آحاد الأمة، ولا يوصف به الأنبياء، والرسل، ﵈. قال شيخنا: وخالف في ذلك السبكيّ، وصحّح أنهم يوصفون به، وهو الذي صححه جماعة، ونقله الشهاب في مواضع من "شرح الشفا" انتهى (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: القول الأول ضعيف جدًّا؛ بل باطلٌ؛ لمخالفته النصوص القرآنيّة، فقد وصف اللَّه تعالى الأنبياء والمرسلين بالصلاح في غير ما آية، فقال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ﴾، وقال: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، وقال حكايه عن يوسف ﵇: ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾، وعن سليمان ﵇: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾، وغير ذلك من الآيات. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث الفراسي - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا ضعيف؛ لجهالة ابن الفراسيّ، ولأن مسلم ابن مخشيّ مقبول، كما في "التقريب"، فلا بدّ له من متابع، وقد تفرّد به عن ابن الفراسيّ. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثاني): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٨٤/ ٢٥٨٧ - وفي "الكبرى" ٨٦/ ٢٣٦٨. وأخرجه (د) في "الزكاة" ١٦٤٦ (أحمد) في "مسند الكوفيين" ١٨٤٦٦. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب".
…
стр. 12276
٨٥ - (الاسْتِعْفَافُ عَنِ الْمَسْأَلَةِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الاستعفاف مصدر استّعّفَّ، وهو طلب العِفَّةِ، أو هو بمعنى عَفَّ عن الشيء يَعِفّ من باب ضرب عِفَّةً بالكسر، وعَفَّا بالفتح: امتنع عنه، فهو عَفِيف. قاله في "المصباح". والمراد بالمسألة هنا سؤال المال، لا المسائل الدينيّة، أو في الأمر الذي لا بدّ منه، كما سيأتي في -٩٣/ ٢٦٠٠ - ، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٥٨٨ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, عَنْ مَالِكٍ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ, عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ, أَنَّ نَاسًا مِنَ الأَنْصَارِ, سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ, فَأَعْطَاهُمْ, ثُمَّ سَأَلُوهُ, فَأَعْطَاهُمْ, حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا عِنْدَهُ, قَالَ: «مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ, فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ, وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ, يُعِفَّهُ اللَّهُ , وَمَنْ يَصْبِرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ, وَمَا أُعْطِىَ أَحَدٌ عَطَاءً, هُوَ خَيْرٌ, وَأَوْسَعُ مِنَ الصَّبْرِ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قتيبة) بن سعيد المذكور في الباب الماضي.
٢ - (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة الحجة الفقيه [٧] ٧/ ٧.
٣ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري الإمام الحجة الحافظ [٤] ١/ ١.
٤ - (عطاء بن يزيد) الليثيّ الجُنْدعيّ المدنيّ نزيل الشام، ثقة [٣] ٢٠/ ٢١.
٥ - (أبو سعيد الخدري) سعد بن مالك بن سنان الصحابي ابن الصحابي ﵄ ١٦٩/ ٢٦٢. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف، وأنه مسلسل بالمدنيين غير شيخه فبغلاني، وفيه رواية تابعي عن تابعي، وفيه أبو سعيد صحابي ابن صحابى، من المكثرين السبعة روى (١١٧٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي سعيد الْخُدْرِيِّ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّ نَاسًا مِنَ الْأَنْصَارِ) قال الحافظ: لم يتعيّن لي أسماؤهم، إلا أن النسائيّ روى من طريق عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري،
стр. 12277
عن أبيه ما يدلّ على أن أبا سعيد راوي الحديث خوطب بشيء من ذلك.، ففي حديثه: سرحتني أمي إلى النبيّ ﷺ يعني لأسأله من حاجة شديدة، فأتيته، وقعدت، فاستقبلني، فقال: "من استغنى أغناه اللَّه … " الحديث، وزاد فيه: "ومن سأل، وله أوقيّةٌ، فقد ألحف"، فقلت: ناقتي خير من أوقية، فرجعت، ولم أسأله (١).
واعترضه العينيّ بأنه ليس فيه شيء يدلّ على كونه مع الأنصار في حالة سؤالهم النبيّ ﷺ .
وعند الطبرانيّ من حديث حكيم بن حزام أنه ممن خوطب ببعض ذلك، ولكنّه ليس أنصاريًّا، إلا بالمعنى الأعمّ (٢).
(سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) أي شيئًا من المال (فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ، فَأَعْطَاهُمْ) بتكرير السؤال، والإعطاء مرّتين (حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا عِنْدَهُ) بكسر الفاء، وإهمال الدال، من باب تَعِبَ، نَفَادًا: أي فَنِيَ، وانقطع (قَالَ) ﷺ (مَا يَكُونُ) "ما" موصولة، لا شرطيّة، وإلا لجُزِم "يكون". وفي رواية مسلم: "ما يكن عندي" بالجزم، وعليه فـ "ما" شرطيّة، وعلى كلّ فهي مبتدأ (عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ) أي كلّ شيء، من مال، موجودِ عندي (فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ) بتشديد الدال المهملة، بعدها خاء معجمة، أي لن أحبسه، وأخبأه، وأمنعكم إياه منفردًا به عنكم، أو لن أجعله ذخيرةً لغيركم، مُعْرِضًا عنكم.
والجمة خبر "ما"، ودخلت الفاء في الخبر؛ لتضمّن المبتدإ معنى الشرط، أي لن أحبسه عنكم، ولا أنفرد به دونكم (وَمَنْ يَسْتَغفِفْ) "من " هنا شرطيّة، ولذا جُزم الفعلان بعدها، و"يستعفف" بفاءين، وكذا عند البخاريّ في رواية الكشميهني، ومسلم، ووقع عند البخاريّ في رواية الحمويّ، والمستملي "يستعفّ" بفاء واحدة مشدّدة ".والمعنى: من يَطلُب من نفسه العفّة عن السؤال. قال الطيبيّ: أو يطلب العفّة من اللَّه تعالى، فليست السين لمجرّد التأكيد. وقال الجزريّ: الاستعفاف طلب العَفَاف، والتعفّف، وهو الكفّ من الحرام، والسؤال من الناس، أي مَن طلب العفّة، وتكلّفها أعطاه اللَّه إياها. وقيل: الاستعفاف الصبر، والنزاهة عن الشيء، يقال: عفّ يعِفّ عِفّةً، فهو عفيف انتهى (يُعِفَّهُ اللَّهُ ) بضمّ التحتانيّة، وكسر المهملة، وتشديد الفاء المفتوحة للتخلّص من التقاء الساكنين، إذ هو مجزوم على أنه جواب الشرط، ويجوز ضم فائه إتباعًا لضم الهاء.
والمعنى: يرزقه اللَّه تعالى العفّة، أي الكفّ عن السؤال والحرام. وقال القاري:
стр. 12278
يعفه اللَّه: أي يجعله عفيفًا، من الإعفاف، وهو إعطاء العفّة، وهي الحفظ عن المناهي، يعني من قنع بأدنى قوت، وترك السؤال تَسهُل عليه القناعة، وهي كنز لا يفنى انتهى. وقال ابن التين: معناه إما أن يرزقه من المال ما يستغني به عن السؤال، وإما أن يرزقه القناعة انتهى (١).
وزاد في رواية الشيخين: "ومن يستغن يغنه اللَّه". أي من يستغن باللَّه تعالى عمن سواه، أو يُظهِر الغنى بالاستغناء عن أموال الناس، والتعفّف عن السؤال، حتى يحبسه الجاهل بحاله غنيًّا من التعفّف، يرزقه اللَّه غنى القلب، ففي الصحيح: "ليس الغنى عن كثرة العرض، وإنما الغنى غنى النفس". ولو حُمل على غنى المال لما بَعُد، أي يعطيه اللَّه تعالى ما يُغنيه عن سؤال الناس. واللَّه تعالى أعلم.
(وَمَنْ يَصْبِرْ) "من" شرطية كسابقتها، و"يصبر" بفتح الياء، وكسر الباء ثلاثيًّا، من باب ضرب، وفي رواية: "يتصبّر" بفتح الفوقية، وتشديد الموحّدة المفتوحة: أي يعالج الصبر على ضيق العيش وغيره، من مكاره الدنيا. وقال السنديّ: أي يتكلف في تحمّل مشاقّ الصبر، وفي التعبير بباب التكلّف إشارة إلى أنّ مَلَكَة الصبر تحتاج في الحصول إلى الاعتبار، وتحمّل المشاقّ من الإنسان. وقال القاري: أي يطلب توفيق الصبر من اللَّه تعالى؛ لأنه تعالى قال: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧]، أو يأمر نفسه بالصبر، ويتكلّف في التحمّل عن مشاقه، وهو تعميم بعد تخصيص؛ لأن الصبر يشتمل على صبر الطاعة، والمعصية، والبليّة. أو من يتصبّر عن السؤال، والتطلّع إلى ما في أيدي الناس بأن يتجرّع مرارة ذلك، ولا يشكو حاله لغير ربّه (يُصَبِّرْهُ اللَّهُ) بضمّ أوّله، وتشديد الموحّدة المكسورة، من التصبير: أي يُسَهِّل عليه الصبر، فتكون الجمل مؤكّدات. ويؤيّد إرادة معنى العموم قوله الآتي: "وما أعطي أحد الخ". وقال الباجيّ: معناه من يتصدّ للصبر، ويؤثره يعينه اللَّه تعالى عليه، ويوفّقه انتهى.
(وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ) ببناء الفعل للمفعول، و"أحد" نائب فاعله، وهو المفعول الأول. وقوله (عَطَاءَ) بالنصب هو المفعول الثاني (هُوَ خَيْرٌ) أي أفضل، والجملة في محلّ نصب صفة لـ "عطاء". وفي رواية البخاريّ "خيرًا" بالنصب، وإسقاط لفظ "هو"، فيكون صفة لـ "عطاء" أيضًا (وَأَوْسَعُ) بالرفع عطفًا على "خيرٌ". وقوله (مِنَ الصَّبْرِ) تنازعاه "خير"، و"أوسع". ثم إن الكلام على تقدير "مِنْ ": أي الصبر من أفضل ما يعطاه أحد، وأوسعه؛ لأن الإيمان أفضل الجميع، حيث إنه لا اعتداد بالصبر وغيره إلا بالإيمان،
стр. 12279
أو يقدر "هو خير، وأوسع بعد الإيمان". واللَّه تعالى أعلم.
قال الطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: يريد أن من طلب من نفسه العفّة عن السؤال، ولم يُظهر الاستغناء يعفّه اللَّه، أي يصيره عفيفًا، ومن ترقّى عن هذه المرتبة إلى ما هو أعلى، من إظهار الاستغناء عن الخلق، لكن إذا أُعطي شيئًا لم يرده، يملأ اللَّه تعالى قلبه غنى، ومن فاز بالقَدَح المعَلَّى، وتصبّر، ولم يسأل، وإن أُعطي لم يقبل، فهذا هو الصبر الجامع لمكارم الأخلاق انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: "وإن أُعطِي لم يقبل" فيه نظر؛ إذ فيه مخالفة أمر النبيّ ﷺ بقوله: "ما جاءك من هذا المال، وأنت غير مشرف، ولا سائل، فخذه، فتموّله، وتصدّق به"، فكيف يكون من ردّ ما أمر باخذه أعلى المرتبة؟، هذا غريب، فتبصّر. واللَّه تعالى أعلم.
وقال ابن الجوزيّ -رحمه اللَّه تعالى-: إنما جُعل الصبر خير العطاء؛ لأنه حبس النفس عن فعل ما تحبّه، وإلزامها بفعل ما تكره في العاجل مما لو فعله، أو تركه لتأذّى به في الآجل.
وقال القاريّ -رحمه اللَّه تعالى-: وذلك لأن مقام الصبر أعلى المقامات؛ لأنه جامع لمكارم الصفات والحالات، ولذا قُدّم على الصلاة في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥]، ومعنى كونه أوسع أنه تتّسع به المعارف، والمشاهد، والأعمال، والمقاصد انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي سعيد الخدريّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا ٨٥/ ٢٥٨٨ - وفي "الكبرى" ٨٧/ ٢٣٦٩. وأخرجه (خ) في "الزكاة" ١٤٦٩ وفي "الرقاق" ٦٤٧٠ (م) في "الزكاة" ١٠٥٣ (د) في "الزكاة" ١٦٤٤ (ت) في "البرّ والصلة" ٢٠٢٤ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ١٠٦٠٦ و ١٠٦٧٦ و ١٠٧٠٧ و ١١٠٠٧ (الموطأ) في "كتاب الجامع" ١٨٨٠. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
стр. 12280
(منها): ما بوّب له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان فضل الاستعفاف عن مسألة الناس أموالَهُم (ومنها): ما كان عليه النبيّ ﷺ من السخاء والجود والكرم وإنفاذ أمر اللَّه تعالى، حيث قال له: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ (ومنها): إعطاء السائل مرّتين (ومنها): الاعتذار إلى السائل (ومنها): الحضّ على التعفّف (ومنها): جواز السؤال للحاجة، وإن كان الأولى تركه، والصبر على الفاقة حتى يرزقه اللَّه تعالى بغير مسألة (ومنها): الحضّ على الصبر، وأنه أفضل ما يعطاه المرأ؛ لكون الجزاء عليه غير مقدّر، ولا محدود، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٥٨٩ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ شُعَيْبٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا مَعْنٌ, قَالَ: أَنْبَأَنَا مَالِكٌ, عَنْ أَبِي الزِّنَادِ, عَنِ الأَعْرَجِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ, لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ, فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ, خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْتِىَ رَجُلاً, أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ, فَيَسْأَلَهُ أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدّم في -٨٣/ ٢٥٨٤ - وتقدم شرحه، والكلام على مسائله هناك، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
و"عليّ بن شعيب" بن عديّ السمسار البزاز البغداديّ، فارسيّ الأصل، ثقة، من كبار [١١] ١٧٦/ ٢٧٨ من أفراد المصنّف، روى عنه في "المجتبى" في ثلاثة مواضع، هذا، وفي ١٧٦/ ٢٧٨ - ١١١/ ٥٣٤٩.
و"معن" بن عيسى القزّاز الحافظ الثبت المدنيّ، من كبار [١٠] ٥٠/ ٦٢، والسند كلّه من رجال الجماعة، غير شيخه.
وقوله: "لأن يحتطب" أي يجمع الحطب. وقوله: "فيسأله" بالنصب عطفًا على "يأتي". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب".
…
٨٦ - (فَضْلُ مَن لَا يَسْأَلُ النَّاسَ شَيْئًا)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: المراد بسؤال الناس هنا السؤال المتعلّق بالدنيا، فلا
стр. 12281
يتناول المسألة المتعلّقة بالدين، كأن يسأل ما يجهله من أمر دينه، فإنه واجب، فضلًا عن أن يكون مذمومًا، ولا يتناول أيضًا سؤال ما ثبت له من الحقوق عند الناس، كالودائع، وضمان المتلفات، وثمن المبيعات، ونحو ذلك، فإن هذا لا يدخل فيه قطعًا، للأدلّة الأخرى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٥٩٠ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ, حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ, عَنْ ثَوْبَانَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ يَضْمَنْ لِي وَاحِدَةً؟ , وَلَهُ الْجَنَّةُ» , قَالَ يَحْيَى: هَاهُنَا كَلِمَةٌ, مَعْنَاهَا: "أَنْ لَا يَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئًا").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عمرو بن علي) الفلاّس الصيرفي البصري، ثقة ثبت [١٠] ٤/ ٤.
٢ - (يحيى) بن سعيد القطان البصري الإمام الحجة الثبت [٩] ٤/ ٤.
٣ - (ابن أبي ذئب) هو: محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب القرشي العامري، أبو الحارث.
٤ - (محمد بن قيس) القاصّ المدنيّ، [٦] ٥١/ ٩٦٢.
٥ - (عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية) بن أبي سُفيان، صدوق [٣].
قال مصعبٌ الزبيري: كان رجلًا صالحًا. وقال أبو زرعة: معاوية، وعبد الرحمن، وخالد، بنو يزيد بن معاوية كانوا صالحي القوم. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال البخاريّ: حديثه عن النبيّ ﷺ مرسل. وقال الوليد بن مسلم: قَدِم عبد الرحمن بن يزيد على عمر بن عبد العزيز يرفع إليه دينًا. روى له المصنّف، وابن ماجه حديث الباب فقط.
٦ - (ثوبان) بن بُجْدُد مولى النبي ﷺ صحبه، ولازمه، ونزل بعده الشام، ومات بحمص سنة (٥٤) ١١/ ١٢. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وأن رجاله رجال الصحيح، غير عبد الرحمن كما سبق آنفًا، وأنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه ويحيى فبصريان، وأن شيخه أحد مشايخ الستة بلا واسطة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ ثَوْبَانَ) أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ يَضْمَنْ لِي وَاحِدَةً؟) وفي نسخة
стр. 12282
"بواحدة" بالباء الموحّدة، وهو لغة، يقال: ضَمنتُ المالَ، وبه، ضَمَانًا، فأنا ضامن، وضَمينٌ: التزمتُهُ، ويتعدّى بالتضعيف، فيقال: ضَمَّنتُهُ المالَ: ألزمته إياه. قاله في "المصباح".
والمعنى: من يلزم لي خصلة واحدةً، ويدوم على هذه الخصلة؟.
و"من" هنا استفهاميّة، وهي مبتدأ، خبرها جملة "يضمنُ الخ (وَلَهُ الْجَنَّةُ) أي مضمون له الجنّة في مقابلة ضمانه تلك الخصلة. وفي لفظ لأحمد: "من يضمنُ لي خَلَّةً، وأضمنُ له الجنة".
(قَالَ: يَحْيىَ) بن سعيد القطّان الراوي عن ابن أبي ذئب (هَاهُنَا كَلِمَةٌ، مَعْنَاهَا: "أَنْ لَا يَسْألَ النَّاسَ شَيْئًا) يعني أن في هذا الموضع كلمة، وهي الكلمة التي طلب النبيّ ﷺ ضمانها حتى يضمن له الجنّة، ولكن يحيى لم يحفظ لفظها، وإنما حفظ معناها، وهو: "أن لا يسأل الناس شيئًا".
وقد حفظ لفظها وكيع عند أحمد، وابن ماجه، ويزيد بن هارون، وأبو النضر عند أحمد.
قال الإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى- في "مسنده" -٢١٩١٧ - : حدثنا يزيد بن هارون، وأبو النضر، قالا: حدثنا ابن أبي ذئب، عن محمد بن قيس، عن عبد الرحمن بن معاوية، عن ثوبان مولى رسول اللَّه ﷺ ، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من يتقبلُ لي بواحدة، أتقبل له بالجنة"، قال: قلت: أنا يا رسول اللَّه، قال: "لا تسأل الناس شيئا". قال: فربما سقط سوط ثوبان، وهو على بعيره، فما يسأل أحدا، أن يناوله، حتى ينزل إليه، فيأخذه.
وقال الإمام ابن ماجه -رحمه اللَّه تعالى -١٨٣٧ - : حدثنا عليّ بن محمد، حدّثنا وكيع، عن ابن أبي ذئب، عن محمد بن قيس، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن ثوبان، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ يتقبلُ لي بواحدة، وأتقبل له بالجنة؟، قلت: أنا، قال: "لا تسأل الناس شيئا".
قال: فكان ثوبان يقع سوطه، وهو راكب، فلا يقول لأحد: ناولنيه، حتى يَنزل، فيأخذه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ثوبان - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
стр. 12283
أخرجه هنا -٨٦/ ٢٥٩٠ - وفي "الكبرى" ٨٨/ ٢٣٧١. وأخرجه (ق) في "الزكاة" ١٨٣٧ (أحمد) في "باقي مسند الأنصار" ١٨٩٩ و ٢١٩١٧. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان فضل من لا يسأل الناس شيئًا من أموالهم، تعفّفًا، حيث يُجَازَى بالجنّة التي فيها ما تشتهيه الأنفس، وتلذّ الأعين، وفيها ما لا عين رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر (ومنها): بيان دناءة سؤال الناس، فإنه مَذلّة، ومَذمّة، وإراقة لماء الوجه (ومنها): بيان فضل ثوبان - رضي اللَّه تعالى عنه -، حيث وعده رسول اللَّه ﷺ بالجنّة، وقد وفي هو بما التزمه، كما بيّنته روايتا أحمد، وابن ماجه السابقتان. (ومنها): ما كان عليه الصحابة - رضي اللَّه تعالى - عنهم من الالتزام بوفاء ما عاهدوا عليه رسول اللَّه ﷺ . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٥٩١ - (أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى -وَهُوَ ابْنُ حَمْزَةَ- قَالَ: حَدَّثَنِي الأَوْزَاعِيُّ, عَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ, أَنَّهُ حَدَّثَهُ, عَنْ أَبِي بَكْرٍ, عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ, قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَقُولُ «لَا تَصْلُحُ الْمَسْأَلَةُ, إِلاَّ لِثَلَاثَةٍ: رَجُلٍ أَصَابَتْ مَالَهُ جَائِحَةٌ, فَيَسْأَلُ, حَتَّى يُصِيبَ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ, ثُمَّ يُمْسِكَ, وَرَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً, فَيَسْأَلُ, حَتَّى يُؤَدِّىَ إِلَيْهِمْ حَمَالَتَهُمْ, ثُمَّ يُمْسِكَ عَنِ الْمَسْأَلَةِ, وَرَجُلٍ يَحْلِفُ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ, مِنْ قَوْمِهِ, مِنْ ذَوِى الْحِجَا بِاللَّهِ, لَقَدْ حَلَّتِ الْمَسْأَلَةُ لِفُلَانٍ, فَيَسْأَلُ, حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ مَعِيشَةٍ, ثُمَّ يُمْسِكَ عَنِ الْمَسْأَلَةِ, فَمَا سِوَى ذَلِكَ سُحْتٌ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث أخرجه مسلم، وقد تقدّم للمصنّف في -٨٠/ ٢٥٧٩ و ٢٥٨٠ - وتقدّم هناك شرحه، والكلام على مسائله، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
و"هشام بن عمّار": هو السلميّ الدمشقيّ الخطيب، صدوق كَبِرَ، فصار يتلقّن، فحديثه القديم أصحّ، من كبار [١٠] ١٣٤/ ٢٠٢. و"يحيى بن حمزة": هو أبو عبد الرحمن الدمشقيّ القاضي ثقة، رُمي بالقدر [٨] ٦٠/ ١٧٦٨. و"الأوزاعي": هو عبد الرحمن بن عمرو الدمشقيّ الإمام الحجة الثبت المشهور [٧] ٤٥/ ٥٦.
والباقون تقدّموا في الباب المذكور. و"أبو بكر": هو كنانة بن نُعيم المذكور باسمه هناك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب".
стр. 12284
٨٧ - (حَدُّ الْغِنَى)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على مقدار الغنى الذي يمنع السؤال من الناس.
٢٥٩٢ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ, عَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ سَأَلَ, وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ, جَاءَتْ خُمُوشًا", أَوْ "كُدُوحًا فِي وَجْهِهِ, يَوْمَ الْقِيَامَةِ, قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, وَمَاذَا يُغْنِيهِ؟ , أَوْ مَاذَا أَغْنَاهُ؟ , قَالَ: «خَمْسُونَ دِرْهَمًا, أَوْ حِسَابُهَا مِنَ الذَّهَبِ». قَالَ: يَحْيَى قَالَ سُفْيَانُ: وَسَمِعْتُ زُبَيْدًا يُحَدِّثُ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أحمد بن سليمان) أبو الحسين الرُّهاويّ الحافظ الثبت [١١] ٣٨/ ٤٢ من أفراد المصنّف.
٢ - (يحيى بن آدم) أبو زكريّا الكوفيّ الحافظ الثبت الفاضل [٩] ١/ ٤٥١.
٣ - (سفيان الثوري) ابن سعيد، أبو عبد اللَّه الكوفي الإمام الحجة الثبت [٧] ٣٣/ ٣٧.
٤ - (حكيم بن جُبير) الأسديّ الكوفيّ، ضعيف رمي بالتشيّع [٥] ٨٤/ ٢٤٢٦.
٥ - (محمد بن عبد الرحمن بن يزيد) بن قيس النخعيّ، أبو جعفر الكوفيّ، ثقة [٦]. قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة. وقال أبو زرعة: كان رَفيع القدر من الجلّة. وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. وقال حسين بن عليّ الجعفيّ: كان يقال له: الكيِّس؛ لعبادته. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وذكر ابن إدريس، عن ليث، عن مجاهد: أعجب أهل الكوفة إليّ أربعة، فذكره فيهم. روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والأربعة، وله عند المصنّف حديث الباب فقط.
٦ - (أبوه) عبد الرحمن بن يزيد بن قيس النخعيّ، أبو بكر الكوفيّ، ثقة، من كبار [٣] ٣٧/ ٤١.
٧ - (عبد اللَّه بن مسعود) الصحابي المشهور - رضي تعالى عنه - ٣٥/ ٣٩. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 12285
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ سَأَلَ) أي من الناس أموالهم (وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، أي والحال أن عنده ما يغنيه عن مسألة الناس (جَاءَتْ) الفاعل ضمير المسألة المفهومة من "سأل"، أي جاءت مسألته (خُمُوشًا) جمع خَمْش، كفَلْس وفُلُوس، وهو الأثر في الوجه، يقال: خَمَشت المرأةُ وجهها بظفرها خَمْشًا، من باب ضرب: جَرَحت ظاهر البشرة، ثمّ أطلق الخمش على الأثر. أفاده في "المصباح". وهو منصوب على الحال. ولفظ أبي داود: "جاء يوم القيامة، ومسألته خُموش، أو خُدُوش، أو كُدُوح" (أَوْ "كُدُوحًا") "أو" هنا للشكّ من بعض الرواة، و"الكُدوح" جمع كَدْح، كفلس وفلوس، وهو -كما في "القاموس" بمعنى الْخَدْش. وقال في مادّة خدش: خَدَشَهُ يخدِشُه -أي من باب ضرب-: خَمَشَه، والجلدَ مزّقه، قَلّ، أو كثُرَ، أو قَشَره بعُود ونحوه. والْخَدْشُ اسم لذلك الأثر أيضًا، وجمعه خُدُوش انتهى.
وقال في "المرعاة": "خُمُوش، أو خُدُوش، أو كُدوح" بضم أوائلها ألفاظ متقاربة المعاني، جمع خَمْش، وخَدْش، وكَدْح.
فـ "أو" هنا لشكّ الراوي، إذ الكلّ يُعْرِب عن أثر ما يظهر على الجلد واللحم، من ملاقاة الجسد ما يقشر، أو يجرح، ولعلّ المراد بها آثار مستنكرة في وجهه حقيقةً، أو أمارات ليُعرَف، ويُشهَر بذلك بين أهل الموقف.
أو لتقسيم منازل السائل، فإنه مقلّ، أو مكثر، أو مُفْرِطٌ في المسألة، فذكر الأقسام على حسب ذلك. والخمش أبلغ في معناه من الخدش، وهو أبلغ من الكدح، إذ الخمشُ في الوجه، والخدش في الجلد، والكدح فوق الجلد. وقيل: الخدش قَشْرُ الجلد بعود، والخمش قشره بالأظفار، والكدحُ العضّ، وهي في أصلها مصادر، لكنّها لما جُعلت أسماء الآثار جمُعت. كذا في "المرقات" (١).
(فِي وَجْهِهِ) متعلّق بمحذوف صفة لـ و"خموش"، أي كائنةً في وجهه (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) متعلّق بـ "جاءت" (قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَاذَا يُغْنِيهِ؟) أي أيّ شيء يغنيه غنًى يمنعه عن السؤال، وليس المراد بيان الغنى الموجب للزكاة، أو المحرِّم لأخذها من غير سؤال (أَوْ مَاذَا أَغْنَاهُ؟) "أو" هنا للشكّ من الراوي (قَالَ) ﷺ (خَمْسُونَ دِرْهَمًا) خبر لمحذوف، أي هو خمسون درهمًا (أَوْ حِسَابُهَا مِنَ الذَّهَبِ) "أو" هنا للتنويع. يعني أن الغنى المانع من
стр. 12286
السؤال أن يملك الشخص خمسين درهمًا، أو يملك قيمتها من الذهب.
وفيه دليل على أن من ملك خمسين درهمًا، أو قيمتها من الذهب يحرم عليه السؤال، وهذا فرد من أفراد الغنى المانع عن السؤال، إذ لا عبرة للمفهوم، فلا دليل فيه على إباحة السؤال لمن كان عنده أقلّ من خمسين درهمًا مما بيّنه النبيّ ﷺ في أحاديث أُخَر.
وقيل: هذا الحديث منسوخٌ بحديث الأُوقيّة، وهو منسوخ بـ "ما يُغدّيه، ويُعشّيه".
وقيل: يُجمع بين هذه الأحاديث بأنّ القدر الذي يَحرُم السؤال عنده هو أكثرها، وهي الخمسون عملًا بالزيادة.
وقال في "حُجّة اللَّه البالغة" جـ ٢ ص ٣٥: جاء في تقدير الغنية المانعة من السؤال أنها أوقية، أو خمسون درهمًا. وجاء أيضًا أنها ما يُغدّيه وُيعشّيه، وهذه الأحاديث ليست متخالفة عندنا؛ لأن الناس على منازل شتًى، ولكلّ واحد كسبٌ، لا يمكن أن يتحوّل عنه، أعني الإمكان المأخوذ في العلوم الباحثة عن سياسة المُدُن، لا المأخوذ في علم تهذيب النفوس.
فمن كان كاسبًا بالحرفة، فهو معذورٌ حتى يجد آلات الحرفة، ومن كان زارعًا حتى يجد الزرع، ومن كان تاجرًا حتى يجد البضاعة، ومن كان على الجهاد مسترزقًا بما يروح ويغدو من الغنائم، كما كان أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، فالضابط فيه أوقيّة، أو خمسون درهمًا، ومن كان كاسبًا يحمل الأثقال في الأسواق، أو احتطاب الحطب وبيعه، وأمثال ذلك، فالضابط فيه ما يغدّيه، ويعشّيه. واللَّه تعالى أعلم انتهى.
وقد استُدلّ بهذا الحديث لأحمد، وإسحاق، ومن وافقهما على أن الغنى المانع من أخذ الصدقة هو ملك خمسين درهمًا.
وتُعقّب بأنه ليس في الحديث أن من ملك خمسين درهمًا لم تحلّ له الصدقة، وإنما فيه أنه كره المسألة فقط، فلا يحلّ له أخذ الزكاة بالسؤال، وأما الأخذ من غير سؤال فلا دليل فيه على منعه. وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الثالثة، إن شاء اللَّه تعالى.
(قَالَ: يَحْيىَ) هو ابن سعيد القطّان (قَالَ: سُفْيَانُ) هو الثوريّ الراوي عن حكيم بن جُبير في السند السابق (وَسَمِعْتُ زُبَيْدًا) هو ابن الحارث اليماميّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، الثقة الثبت العابد، من الطبقة السادسة، تقدّمت ترجمته في ٣٧/ ١٤٢٠ (يُحَدِّثُ) جملة حالية من المفعول (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ) المذكور في السند السابق.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: غرض سفيان بهذا الكلام بيان أن ضعف حكيم بن جبير لا يضرّ بصحة الحديث، إذ لم ينفرد به، بل تابعه عليه من الثقات زبيد بن الحارث
стр. 12287
الياميّ، فرواه عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد.
وسبب قوله هذا أن حكيم بن جُبير تكلموا فيه، قال الدارقطنيٌ: متروك. وقال الجوزجانيّ: كذاب. وقال ابن معين، وأبو داود: ليس بشيء. وقال أحمد، وأبو حاتم: ضعيف منكر الحديث. وقال البخاريّ في "التاريخ": كان يحيى، وعبد الرحمن لا يحدّثان عنه، وتكلّم فيه شعبة، وتركه من أجل هذا الحديث.
وقال النسائيّ: ليس بالقويّ. وقال أيضًا: ولا نعرف هذا الحديث إلا من حديث حكيم بن جُبير، وحكيم ضعيف، وسئل شعبة عن حكيم بن جبير، فقال: أخاف النار، وقد روى عنه قديمًا انتهى (١).
وما ذكره المصنّف هنا عن سفيان ذكره أيضًا غيره، فقد رواه أبو داود من طريق يحيى ابن آدم، عن سفيان، وفي آخره: قال يحيى -هو ابن آدم- فقال عبد اللَّه بن عثمان لسفيان حفظي أن شعبة لا يروي عن حكيم بن جبير؟، فقال سفيان: فقد حدّثناه زُبيد، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد انتهى.
وراه الترمذيّ من طريق شريك، عن حكيم بن جُبير، ثم قال: حديث حسن، وقد تكلم شعبة في حكيم بن جبير من اْجل هذا الحديث. ثم روى من طريق يحيى بن آدم: حدّثنا سفيان، عن حكيم بن جُبير بهذا الحديث، فقال له عبد اللَّه بن عثمان صاحب شعبة: لو غيرُ حكيم حدّث بهذا، فقال سفيان: وما لحكيم؟ لا يحدّث عنه شعبة؟، قال: نعم، قال سفيان: سمعت زبيدًا يُحدّث بهذا عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد انتهى.
وظاهر ما أشار إليه سفيان -رحمه اللَّه تعالى- أن الحديث صحيح من رواية زُبيد، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، فلا يضرّه رواية حكيم بن جبير.
لكن مع ذلك فقد ضعّف الحديث جماعة من الحفاظ، فقد ذكر الحافظ في "الفتح" بعد ذكر رواية سفيان عن زبيد، نقلًا عن الترمذيّ: ما لفظه: ونصَّ أحمد في "علل الخلّال" وغيرها على أن رواية زبيد موقوفة انتهى.
وقال ابن معين. يرويه سفيان، عن زُبيد، ولا أعلم أحدًا يرويه عنه غير يحيى بن آدم، وهذا وَهَمٌ، لو كان كذا لحدّث به الناس عن سفيان، ولكنه حديث منكر -يعني وإنما المعروف بروايته حكيم. ذكره الذهبيّ والمنذريّ.
стр. 12288
وذكر البيهقي عن يعقوب بن سفيان، قال: هذه حكايته بعمدة، لو كان حديث حكيم ابن جبير عند زبيد ما خفي على أهل العلم انتهى.
لكن نقل الحافظ أبو عمر، عن أبي بكر الأثرم، عن الإمام أحمد أنه قوّى حديث ابن مسعود هذا، فقال في "التمهيد": قال: حديث عبد اللَّه بن مسعود في هذا حسنٌ، وإليه نذهب في الصدقة. قلت له (١): ورواه زبيد، وهو لحكيم بن جبير فقط؟ فقال: رواه زبيد فيما قال يحيى بن آدم: سمعت سفيان يقول: فحدّثنا زبيد، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد. قلت لأبي عبد اللَّه: دم يخبر به محمد بن عبد الرحمن؟ فقال: لا. قال: وسمعته، وذكر حديث أبي سعيد الخدريّ، عن النبيّ ﷺ : "من سأل وله أوقيّة، أو قيمة أوقيّة، فهو مُلحِف". فقال: هذا يقوّي حديث عبد اللَّه بن مسعود انتهى. كلام ابن عبد البرّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد اللَّه بن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا ضعيف؛ لضعف حكيم بن جبير، ولا يقال: رواه زبيد، وهو ثقة؛ لأنه رواه موقوفًا، كما قاله الإمام أحمد، فلا تقوي روايته روايته، والحاصل أن الحديث ضعيف؛ لضعف حكيم، ومخالفته لزبيد. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٨٧/ ٢٥٩٢ - وفي "الكبرى" ٨٩/ ٢٣٧٣. وأخرجه (د) في "الزكاة" ١٦٢٦ (ت) في "الزكاة" ٦٥٠ (ق) في "الزكاة" ١٨٤٠ (أحمد) في "مسند المكثرين" ٣٦٦٦ و ٤١٩٥ و ٤٢٤٩ و ٤٤٢٦ (الدارمي) ١٦٤٠. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حدّ الغنى:
قال الإمام الترمذيّ -رحمه اللَّه تعالى- بعد أن أخرج الحديثَ: ما نصُّهُ: والعمل على هذا عند بعض أصحابنا، وبه يقول الثوريّ، وعبد اللَّه بن المبارك، وأحمد، وإسحاق، قالوا: إذا كان عند الرجل خمسون درهمًا لم تحلّ له الصدقة.
ولم يذهب بعض أهل العلم إلى حديث حكيم بن جُبير، ووسّعوا في هذا، وقالوا:
стр. 12289
إذا كان عنده خمسون درهمًا، أو أكثر، وهو محتاج، له أن يأخذ من الزكاة، وهو قول الشافعيّ، وغيره من أهل الفقه والعلم انتهى (١).
وقال الحافظ أبو عمر ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى-: وهذا باب اختلف العلماء فيه، ونحن نذكره ههنا - وباللَّه توفيقنا - فأما مالك -رحمه اللَّه تعالى-، فروى عنه ابن القاسم أنه سئل هل يُعطَى من الزكاة من له أربعون درهمًا؟ فقال: نعم، وهو المشهور من مذهب مالك. وروى الواقديّ عن مالك أنه قال: لا يُعطى من الزكاة من له أربعون درهمًا.
قال أبو عمر: هذا يحتمل أن يكون قويًّا مكتسبًا، حسن التصرّف في هذه المسألة، وفي الأولى ضعيفًا عن الاكتساب، أو من له عيال. واللَّه أعلم.
وقد قال مالك في صاحب الدار التي ليس فيها فضلٌ عن سكناه، ولا في ثمنها فضلٌ إن بيعت فيه بعد دار تحمله: إنه يُعطى من الزكاة، قال: وإن كانت الدار في ثمنها ما يشترى له به مسكن، ويفضل له فضلٌ يعيش به: إنه لا يعطى من الزكاة، والخادمُ عنده كذلك.
وقوله أيضًا هذا في الدار والخادم يحتمل التأويلين جميعًا، إلا أن المعروف من مذهبه أنه لا يحدّ في الغنى حدًّا لا يجاوزه إلا على قدر الاجتهاد، والمعروفِ من أحوال الناس، وكذلك يَرُدّ ما يعطى المسكين الواحد من الزكاة أيضًا إلى الاجتهاد من غير توقيف.
فأما الثوريّ، وأبو حنيفة، والشافعيّ، وأبو ثور، وأبو عبيد، وأحمد بن حنبل، والطبريّ، فكلّهم يقولون فيمن له الدار، والخادم، وهو لا يستغني عنهما: إنه يأخذ من الزكاة، وتحلّ له، ولم يفسّروا هذا التفسير الذي فسّره مالك.
إلا أن الشافعيّ قال في "كتاب الكفّارات": من كان له مسكنٌ، لا يستغني عنه هو وأهله، وخادم، أعطي من كفّارة اليمين، والزكاةِ، وصدقة الفطر، قال: وإن كان مسكنه يفضل عن حاجته، وحاجة أهله الفضل الذي يكون بمثله غنيًّا، لم يُعطَ من ذلك شيئًا، فهذا القول ضارع قول مالك، إلا أن مالكًا قال: يفضل له من ذلك فضلٌ يعيش به، ولم يقل: كم يعيش به، والشافعيّ قال: يفضل له من ذلك فضلٌ يكون به غنيًّا.
وروى سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، قال: يُعطَى من الزكاة من له
стр. 12290
المسكن والخادم، ورواه الربيع عن الحسن. وفسّره أبو عبيد على نحو ما قال الشافعيّ. وعن إبراهيم النخعيّ نحو قول الحسن في ذلك. وعن سعيد بن جبير مثله.
واختلفوا في المقدار الذي تحرم به الصدقة لمن ملكه من الذهب، والفضّة، وسائر العروض.
فأما مالك فقد ذكرنا قوله في الأربعين درهمًا، ولا اختلاف عنه في ذلك. وكان الحسن البصريّ يقول: من له أربعون درهمًا فهو غني، وحجة من ذهب إلى أن يُحدد في هذا في أربعين درهمًا حديث الأسديّ -يعني الحديث الآتي بعد بابين- وهو حديث ثابت، وحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه -يعني الآتي بعد باب-، وحديث أبي سعيد الخدريّ -يعني الآتي بعد باب أيضًا-.
وقال أبو حنيفة، وأصحابه: لا تحلّ الصدقة لمن له مائتا درهم، ولا بأس أن يأخذ من له أقلّ منها، ويَكرهون أن يُعطَى إنسانٌ واحدٌ من الزكاة مائتي درهم، فإن أعطيها أجزأت عن المعطي عندهم، ولا بأس أن يُعطى أقلّ من مائتي درهم، وهو قول ابن شُبْرُمة. ورَوَى هشام عن أبي يوسف في رجل له على رجل مائة وتسعة وتسعون درهمًا، فيتصدّق عليه من الزكاة بدرهمين أنه يقبل واحدًا، ويردّ واحدًا، ففي هذا إجازة أن يقبل تمام المائتين، وكراهة أن يقبل ما فوقها.
وحجّتهم في ذلك قول رسول اللَّه ﷺ : "أُمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم، وأردّها في فقرائكم". والغنيّ من له مائتا درهم؛ لوجوب الزكاة عليه فيها؛ لأنها لا تؤخذ إلا من غنيّ.
وكان الثوريّ، والحسن بن صالح، وابن المبارك، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه يقولون: لا يُعطى من الزكاة من له خمسون درهمًا، أو عدلها من الذهب.
واحتجّوا في ذلك بحديث عبد اللَّه بن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - في ذلك -يعني حديث الباب- قال: وهذا الحديث إنما يدور على حكيم بن جُبير، وهو متروك الحديث. هكذا رواه جماعة من أصحاب الثوريّ، منهم ابن المبارك، وغيره، عن الثوريّ، عن حكيم بن جبير، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه -. إلا يحيى بن آدم، فإنه جعل فيه مع حكيم بن جبير زبيدًا الأياميّ. ولا يجوز عند الثوريّ، وأحمد بن حنبل، والحسن بن صالح، ومن قال بقولهم أن يُعطى أحدٌ من الزكاة أكثر من خمسين درهمًا؛ لأنه الحدّ بين الغنيّ والفقير عندهم، والزكاة إنما جعلها اللَّه للفقراء، والمساكين، وحرّمها على الأغنياء، إلا الخمسة الذين