السؤال أن يملك الشخص خمسين درهمًا، أو يملك قيمتها من الذهب.
وفيه دليل على أن من ملك خمسين درهمًا، أو قيمتها من الذهب يحرم عليه السؤال، وهذا فرد من أفراد الغنى المانع عن السؤال، إذ لا عبرة للمفهوم، فلا دليل فيه على إباحة السؤال لمن كان عنده أقلّ من خمسين درهمًا مما بيّنه النبيّ ﷺ في أحاديث أُخَر.
وقيل: هذا الحديث منسوخٌ بحديث الأُوقيّة، وهو منسوخ بـ "ما يُغدّيه، ويُعشّيه".
وقيل: يُجمع بين هذه الأحاديث بأنّ القدر الذي يَحرُم السؤال عنده هو أكثرها، وهي الخمسون عملًا بالزيادة.
وقال في "حُجّة اللَّه البالغة" جـ ٢ ص ٣٥: جاء في تقدير الغنية المانعة من السؤال أنها أوقية، أو خمسون درهمًا. وجاء أيضًا أنها ما يُغدّيه وُيعشّيه، وهذه الأحاديث ليست متخالفة عندنا؛ لأن الناس على منازل شتًى، ولكلّ واحد كسبٌ، لا يمكن أن يتحوّل عنه، أعني الإمكان المأخوذ في العلوم الباحثة عن سياسة المُدُن، لا المأخوذ في علم تهذيب النفوس.
فمن كان كاسبًا بالحرفة، فهو معذورٌ حتى يجد آلات الحرفة، ومن كان زارعًا حتى يجد الزرع، ومن كان تاجرًا حتى يجد البضاعة، ومن كان على الجهاد مسترزقًا بما يروح ويغدو من الغنائم، كما كان أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، فالضابط فيه أوقيّة، أو خمسون درهمًا، ومن كان كاسبًا يحمل الأثقال في الأسواق، أو احتطاب الحطب وبيعه، وأمثال ذلك، فالضابط فيه ما يغدّيه، ويعشّيه. واللَّه تعالى أعلم انتهى.
وقد استُدلّ بهذا الحديث لأحمد، وإسحاق، ومن وافقهما على أن الغنى المانع من أخذ الصدقة هو ملك خمسين درهمًا.
وتُعقّب بأنه ليس في الحديث أن من ملك خمسين درهمًا لم تحلّ له الصدقة، وإنما فيه أنه كره المسألة فقط، فلا يحلّ له أخذ الزكاة بالسؤال، وأما الأخذ من غير سؤال فلا دليل فيه على منعه. وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الثالثة، إن شاء اللَّه تعالى.
(قَالَ: يَحْيىَ) هو ابن سعيد القطّان (قَالَ: سُفْيَانُ) هو الثوريّ الراوي عن حكيم بن جُبير في السند السابق (وَسَمِعْتُ زُبَيْدًا) هو ابن الحارث اليماميّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، الثقة الثبت العابد، من الطبقة السادسة، تقدّمت ترجمته في ٣٧/ ١٤٢٠ (يُحَدِّثُ) جملة حالية من المفعول (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ) المذكور في السند السابق.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: غرض سفيان بهذا الكلام بيان أن ضعف حكيم بن جبير لا يضرّ بصحة الحديث، إذ لم ينفرد به، بل تابعه عليه من الثقات زبيد بن الحارث
стр. 12287
الياميّ، فرواه عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد.
وسبب قوله هذا أن حكيم بن جُبير تكلموا فيه، قال الدارقطنيٌ: متروك. وقال الجوزجانيّ: كذاب. وقال ابن معين، وأبو داود: ليس بشيء. وقال أحمد، وأبو حاتم: ضعيف منكر الحديث. وقال البخاريّ في "التاريخ": كان يحيى، وعبد الرحمن لا يحدّثان عنه، وتكلّم فيه شعبة، وتركه من أجل هذا الحديث.
وقال النسائيّ: ليس بالقويّ. وقال أيضًا: ولا نعرف هذا الحديث إلا من حديث حكيم بن جُبير، وحكيم ضعيف، وسئل شعبة عن حكيم بن جبير، فقال: أخاف النار، وقد روى عنه قديمًا انتهى (١).
وما ذكره المصنّف هنا عن سفيان ذكره أيضًا غيره، فقد رواه أبو داود من طريق يحيى ابن آدم، عن سفيان، وفي آخره: قال يحيى -هو ابن آدم- فقال عبد اللَّه بن عثمان لسفيان حفظي أن شعبة لا يروي عن حكيم بن جبير؟، فقال سفيان: فقد حدّثناه زُبيد، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد انتهى.
وراه الترمذيّ من طريق شريك، عن حكيم بن جُبير، ثم قال: حديث حسن، وقد تكلم شعبة في حكيم بن جبير من اْجل هذا الحديث. ثم روى من طريق يحيى بن آدم: حدّثنا سفيان، عن حكيم بن جُبير بهذا الحديث، فقال له عبد اللَّه بن عثمان صاحب شعبة: لو غيرُ حكيم حدّث بهذا، فقال سفيان: وما لحكيم؟ لا يحدّث عنه شعبة؟، قال: نعم، قال سفيان: سمعت زبيدًا يُحدّث بهذا عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد انتهى.
وظاهر ما أشار إليه سفيان -رحمه اللَّه تعالى- أن الحديث صحيح من رواية زُبيد، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، فلا يضرّه رواية حكيم بن جبير.
لكن مع ذلك فقد ضعّف الحديث جماعة من الحفاظ، فقد ذكر الحافظ في "الفتح" بعد ذكر رواية سفيان عن زبيد، نقلًا عن الترمذيّ: ما لفظه: ونصَّ أحمد في "علل الخلّال" وغيرها على أن رواية زبيد موقوفة انتهى.
وقال ابن معين. يرويه سفيان، عن زُبيد، ولا أعلم أحدًا يرويه عنه غير يحيى بن آدم، وهذا وَهَمٌ، لو كان كذا لحدّث به الناس عن سفيان، ولكنه حديث منكر -يعني وإنما المعروف بروايته حكيم. ذكره الذهبيّ والمنذريّ.
стр. 12288
وذكر البيهقي عن يعقوب بن سفيان، قال: هذه حكايته بعمدة، لو كان حديث حكيم ابن جبير عند زبيد ما خفي على أهل العلم انتهى.
لكن نقل الحافظ أبو عمر، عن أبي بكر الأثرم، عن الإمام أحمد أنه قوّى حديث ابن مسعود هذا، فقال في "التمهيد": قال: حديث عبد اللَّه بن مسعود في هذا حسنٌ، وإليه نذهب في الصدقة. قلت له (١): ورواه زبيد، وهو لحكيم بن جبير فقط؟ فقال: رواه زبيد فيما قال يحيى بن آدم: سمعت سفيان يقول: فحدّثنا زبيد، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد. قلت لأبي عبد اللَّه: دم يخبر به محمد بن عبد الرحمن؟ فقال: لا. قال: وسمعته، وذكر حديث أبي سعيد الخدريّ، عن النبيّ ﷺ : "من سأل وله أوقيّة، أو قيمة أوقيّة، فهو مُلحِف". فقال: هذا يقوّي حديث عبد اللَّه بن مسعود انتهى. كلام ابن عبد البرّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد اللَّه بن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا ضعيف؛ لضعف حكيم بن جبير، ولا يقال: رواه زبيد، وهو ثقة؛ لأنه رواه موقوفًا، كما قاله الإمام أحمد، فلا تقوي روايته روايته، والحاصل أن الحديث ضعيف؛ لضعف حكيم، ومخالفته لزبيد. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٨٧/ ٢٥٩٢ - وفي "الكبرى" ٨٩/ ٢٣٧٣. وأخرجه (د) في "الزكاة" ١٦٢٦ (ت) في "الزكاة" ٦٥٠ (ق) في "الزكاة" ١٨٤٠ (أحمد) في "مسند المكثرين" ٣٦٦٦ و ٤١٩٥ و ٤٢٤٩ و ٤٤٢٦ (الدارمي) ١٦٤٠. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حدّ الغنى:
قال الإمام الترمذيّ -رحمه اللَّه تعالى- بعد أن أخرج الحديثَ: ما نصُّهُ: والعمل على هذا عند بعض أصحابنا، وبه يقول الثوريّ، وعبد اللَّه بن المبارك، وأحمد، وإسحاق، قالوا: إذا كان عند الرجل خمسون درهمًا لم تحلّ له الصدقة.
ولم يذهب بعض أهل العلم إلى حديث حكيم بن جُبير، ووسّعوا في هذا، وقالوا:
стр. 12289
إذا كان عنده خمسون درهمًا، أو أكثر، وهو محتاج، له أن يأخذ من الزكاة، وهو قول الشافعيّ، وغيره من أهل الفقه والعلم انتهى (١).
وقال الحافظ أبو عمر ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى-: وهذا باب اختلف العلماء فيه، ونحن نذكره ههنا - وباللَّه توفيقنا - فأما مالك -رحمه اللَّه تعالى-، فروى عنه ابن القاسم أنه سئل هل يُعطَى من الزكاة من له أربعون درهمًا؟ فقال: نعم، وهو المشهور من مذهب مالك. وروى الواقديّ عن مالك أنه قال: لا يُعطى من الزكاة من له أربعون درهمًا.
قال أبو عمر: هذا يحتمل أن يكون قويًّا مكتسبًا، حسن التصرّف في هذه المسألة، وفي الأولى ضعيفًا عن الاكتساب، أو من له عيال. واللَّه أعلم.
وقد قال مالك في صاحب الدار التي ليس فيها فضلٌ عن سكناه، ولا في ثمنها فضلٌ إن بيعت فيه بعد دار تحمله: إنه يُعطى من الزكاة، قال: وإن كانت الدار في ثمنها ما يشترى له به مسكن، ويفضل له فضلٌ يعيش به: إنه لا يعطى من الزكاة، والخادمُ عنده كذلك.
وقوله أيضًا هذا في الدار والخادم يحتمل التأويلين جميعًا، إلا أن المعروف من مذهبه أنه لا يحدّ في الغنى حدًّا لا يجاوزه إلا على قدر الاجتهاد، والمعروفِ من أحوال الناس، وكذلك يَرُدّ ما يعطى المسكين الواحد من الزكاة أيضًا إلى الاجتهاد من غير توقيف.
فأما الثوريّ، وأبو حنيفة، والشافعيّ، وأبو ثور، وأبو عبيد، وأحمد بن حنبل، والطبريّ، فكلّهم يقولون فيمن له الدار، والخادم، وهو لا يستغني عنهما: إنه يأخذ من الزكاة، وتحلّ له، ولم يفسّروا هذا التفسير الذي فسّره مالك.
إلا أن الشافعيّ قال في "كتاب الكفّارات": من كان له مسكنٌ، لا يستغني عنه هو وأهله، وخادم، أعطي من كفّارة اليمين، والزكاةِ، وصدقة الفطر، قال: وإن كان مسكنه يفضل عن حاجته، وحاجة أهله الفضل الذي يكون بمثله غنيًّا، لم يُعطَ من ذلك شيئًا، فهذا القول ضارع قول مالك، إلا أن مالكًا قال: يفضل له من ذلك فضلٌ يعيش به، ولم يقل: كم يعيش به، والشافعيّ قال: يفضل له من ذلك فضلٌ يكون به غنيًّا.
وروى سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، قال: يُعطَى من الزكاة من له
стр. 12290
المسكن والخادم، ورواه الربيع عن الحسن. وفسّره أبو عبيد على نحو ما قال الشافعيّ. وعن إبراهيم النخعيّ نحو قول الحسن في ذلك. وعن سعيد بن جبير مثله.
واختلفوا في المقدار الذي تحرم به الصدقة لمن ملكه من الذهب، والفضّة، وسائر العروض.
فأما مالك فقد ذكرنا قوله في الأربعين درهمًا، ولا اختلاف عنه في ذلك. وكان الحسن البصريّ يقول: من له أربعون درهمًا فهو غني، وحجة من ذهب إلى أن يُحدد في هذا في أربعين درهمًا حديث الأسديّ -يعني الحديث الآتي بعد بابين- وهو حديث ثابت، وحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه -يعني الآتي بعد باب-، وحديث أبي سعيد الخدريّ -يعني الآتي بعد باب أيضًا-.
وقال أبو حنيفة، وأصحابه: لا تحلّ الصدقة لمن له مائتا درهم، ولا بأس أن يأخذ من له أقلّ منها، ويَكرهون أن يُعطَى إنسانٌ واحدٌ من الزكاة مائتي درهم، فإن أعطيها أجزأت عن المعطي عندهم، ولا بأس أن يُعطى أقلّ من مائتي درهم، وهو قول ابن شُبْرُمة. ورَوَى هشام عن أبي يوسف في رجل له على رجل مائة وتسعة وتسعون درهمًا، فيتصدّق عليه من الزكاة بدرهمين أنه يقبل واحدًا، ويردّ واحدًا، ففي هذا إجازة أن يقبل تمام المائتين، وكراهة أن يقبل ما فوقها.
وحجّتهم في ذلك قول رسول اللَّه ﷺ : "أُمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم، وأردّها في فقرائكم". والغنيّ من له مائتا درهم؛ لوجوب الزكاة عليه فيها؛ لأنها لا تؤخذ إلا من غنيّ.
وكان الثوريّ، والحسن بن صالح، وابن المبارك، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه يقولون: لا يُعطى من الزكاة من له خمسون درهمًا، أو عدلها من الذهب.
واحتجّوا في ذلك بحديث عبد اللَّه بن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - في ذلك -يعني حديث الباب- قال: وهذا الحديث إنما يدور على حكيم بن جُبير، وهو متروك الحديث. هكذا رواه جماعة من أصحاب الثوريّ، منهم ابن المبارك، وغيره، عن الثوريّ، عن حكيم بن جبير، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه -. إلا يحيى بن آدم، فإنه جعل فيه مع حكيم بن جبير زبيدًا الأياميّ. ولا يجوز عند الثوريّ، وأحمد بن حنبل، والحسن بن صالح، ومن قال بقولهم أن يُعطى أحدٌ من الزكاة أكثر من خمسين درهمًا؛ لأنه الحدّ بين الغنيّ والفقير عندهم، والزكاة إنما جعلها اللَّه للفقراء، والمساكين، وحرّمها على الأغنياء، إلا الخمسة الذين
стр. 12291
ذكرهم رسول اللَّه ﷺ (١).
وقال عبيد اللَّه بن الحسن: من لا يكون له ما يقيمه، ويكفيه سنةً، فإنه يُعطى من الزكاة، وما أعلم لهذا القول وجهًا، إلا أن يكون صاحبه عساه أخذه من حديث ابن شهاب، عن مالك بن أوس بن الْحَدَثَان، عن عمر بن الخطاب - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنّ رسول اللَّه ﷺ كان يدّخر مما أفاء اللَّه عليه قوت سنة، ثم يجعل ما سوى ذلك في الكُرَاع، والسلاح، مع قول اللَّه : ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾.
وقال الشافعيّ: يعطى الرجل على قدر حاجته حتى يُخرجه ذلك من حدّ الفقر إلى حدّ الغنى، كان ذلك تجب فيه الزكاة، أو لا تجب فيه الزكاة، ولا أَحَدَ حَدّ في ذلك حدًّا. ذكره المزنيّ، والربيع جميعًا عنه، ولا خلاف عنه في ذلك. وكان الشافعيّ يقول أيضًا: قد يكون الرجل بالدرهم غنيًّا مع كسبه، ولا يُغنيه الألف مع ضعفه في نفسه، وكثرة عياله.
وقال الطبريّ: لا يأخذ من الزكاة من له خمسون درهمًا، أو عدلها ذهبًا، إذا كان على التصرّف بها قادرًا، حتى يستغني عن الناس، فهذا كان كذلك حرُمت عليه الصدقة.
وأما إذا صرف الخمسين درهمًا في مسكن، أو خادم، أو ما لا يجد منه بُدًّا، وليس له سواها، وكان على التصرّف بها غير قادر حلّت له الزكاة بحديث ابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه -، عن النبيّ ﷺ في الخمسين درهمًا -يعني حديث الباب-. وذكر حديث قبيصة بن المخارق: لا تحلّ المسألة لمن له سداد من عيش، أو قوام من عيش. فكأنه جعل السداد الخمسين درهمًا المذكورة في حديث ابن مسعود. واللَّه تعالى أعلم بهذا الظاهر من معنى قوله هذا.
قال أبو عمر: ليس عن النبيّ ﷺ ، ولا عن أصحابه في هذا الباب شيء يرفع الإشكال، ولا ذكر أحدٌ عنه، ولا عنهم في ذلك نصًّا، غير ما جاء عن النبيّ ﷺ من كراهية السؤال، وتحريمه لمن ملك مقدارًا مّا، في آثار كثيرة، مختلفة الألفاظ والمعاني، فجعلها قومٌ من أهل العلم حدًّا بين الغنيّ والفقير.
وأبى ذلك آخرون، وقالوا: إنما فيها تحريم السؤال، أو كراهيته، فأما من جاءه شيء من الصدقات عن غير مسألة، فجائزٌ له أخذه، وأكله، ما لم يكن غنيًّا الغنى المعروف
стр. 12292
عند الناس، فتحرم عليه حينئذ الزكاة، دون التطوّع.
ولا خلاف بين علماء المسلمين أن الصدقة المفروضة لا تحلّ لغنيّ، إلا ما ذُكر في حديث أبي سعيد الخدريّ (١).
واختلفوا في صدقة التطوّع، هل تحلّ للغنيّ؟، فمنهم من يرى التنزّه عنها، ومنهم من لم ير بها بأسًا، إذا جاءت من غير مسألة؛ لقوله ﷺ لعمر: "ما جاءك من غير مسألة، فكله، وتموّله، فإنما هو رزق ساقه اللَّه إليك". مع إجماعهم على أن السؤال لا يحلّ لغنيّ معروف الغنى.
وأكثر من كره صدقة التطوّع إنما كرهها من أجل الامتنان، ورأوا التنزّه عن التطوّع من الصدقات؛ لما يلحق قابضها من ذلّ النفس، والخضوع لمعطيها، ونزعوا، أو بعضهم بالحديث: "إن الصدقة أوساخ الناس، يغسلونها عنهم"، فرأوا التنزّه عنها، ولم يُجيزوا أخذها لمن استغنى عنها بالكفاف، ما لم يضطرّ إليها، حتى قال سفيان - رحمه اللَّه تعالى -: جوائز السلطان أحبّ إليّ من صلات الإخوان؛ لأنهم يمنّون.
قال أبو عمر: أما من حدّ في الغنى حدًّا خمسين درهمًا، أو أربعين درهمًا، أو مائتي درهم، وزعموا أن المرء غنيّ بملكه هذا المقدار، على اختلافهم فيه، ومن قال: لا يُعطى أحدٌ من الفقراء أكثر من مائتي درهم، أو أكثر من خمسين درهمًا من الزكاة، فإنه يدخل على كلّ واحد منهم ما يردّ قولَه من حديث سهل بن أبي حثْمَة أن رسول اللَّه ﷺ وَدَى الأنصاريّ المقتول بخيبر بمائة ناقة من إبل الصدقة، ودفعها إلى أخيه عبد اللَّه بن سهل، قد نزع لهذا بعض أصحابنا، وفي ذلك عندي نظر.
فأما من جعل المرء بملكه ما تجب فيه الصدقة غنيًّا؛ لقوله ﷺ : "أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم"، فإنه يدخل عليه الإجماع على أن من ملك خمسة أوسق من شعير، قيمتها خمسة دراهم، أو نحوها، مما لا يكون غنى عند أحد، وكان ملكه إياها بزرعه لها في أرضه، ولم يملك من حصاده غيرها أن الصدقة عليه فيها، وإن لم يملك شيئًا سواها، وهذا عند جميعهم فقير مسكين، غير غنيّ، وقد وجبت عليه الصدقة، وهذا ينقض ما أصّلوه. وما ذهب إليه مالك، والشافعيّ أولى بالصواب في هذا الباب، واللَّه أعلم انتهى كلام ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى- (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي ذهب إليه الحافظ أبو عمر ﵀ تعالى، من ترجيح مذهب الإمامين: مالك، والشافعيّ، وهي إحدى الروايتين عن
стр. 12293
أحمد، واختارها أبو الخطّاب -كما قال ابن قدامة --رحمهم اللَّه تعالى-- هو الأرجح عندي.
وحاصله أن الغنى المانع من أخذ الزكاة هو الكفاية، فإذا لم يكن محتاجًا حرمت عليه الزكاة، وإن لم يملك شيئًا، وإن كان محتاجًا حلت له، وإن ملك نصابًا، أو أكثر من أي نوع كان، فتقدّر الكفاية بسدّ الحاجة، لا بخمسين درهمًا، أو نحوها, لأن اللَّه تعالى جعلها للفقراء والمساكين، فكلّ من له حاجة فهو فقير، وذلك يختلف باختلاف الأشخاص، والأزمان، والأمكنة، فيقدّر فقر كلّ أحد على حسب حاله، فيجوز له أخذ الزكاة بقدر ما يسدّ حاجته، فربّ شخص يكون عنده ألف أو أكثر، ولا يكفيه؛ لكثرة عياله، فتحلّ له الزكاة، وآخر عنده عشرة دراهم، ولا يحتاج إلى غيرها، فلا تحلّ له.
وأما النصوص التي اعتمدوا عليها من تقدير الغنى بالخمسين، أو أربعين، أو بما يغدّيه، ويعشيه، فإنما هي للنهي عن السؤال، لا لأخذ الصدقة من غير سؤال، على أن بعضها لا يصحّ كحديث الخمسين، كما قدمته قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب".
…
٨٨ - (بَابُ الإِلْحَافِ فِي الْمَسْأَلَة)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على النهي عن الإلحاف، أي شدّة الإلحاح في المسألة.
٢٥٩٣ - (أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ, عَنْ عَمْرٍو, عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ, عَنْ أَخِيهِ, عَنْ مُعَاوِيَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : «قَالَ لَا تُلْحِفُوا فِي الْمَسْأَلَةِ, وَلَا يَسْأَلْنِي أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا, وَأَنَا لَهُ كَارِهٌ, فَيُبَارَكُ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتُهُ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (الحسين بن حُرَيث) الخُزَاعيُّ، أبو عمار المروزيُّ، ثقة [١٠] ٨/ ٢٢١٦.
٢ - (سفيان) بن عيينة المكي الحافظ الثبت الحجة [٨] ١/ ١.
٣ - (عمرو) بن دينار الجُمَحيُّ الأثرم، أبو محمد المكي، ثقة ثبت [٤] ١١٢/ ١٥٤.
٤ - (وهب بن مُنَبِّه) بن كامل الأبْنَاويّ، أبو عبد اللَّه اليماني، ثقة [٣] ٦٥/ ٢٥٥٧.
٥ - (أخوه) همام بن مُنَبِّه بن كامل، أبو عقبة الصنعاني، ثقة [٤] ١/ ٣٩٧.
стр. 12294
٦ - (معاوية) بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية الأموي، الخليفة الصحابي ابن الصحابيّ ﵄ تقدم ٢٨٦/ ٢٩٤. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف ﵀. ومنها: أن رجاله كلهم رجال الصحيح. ومنها: أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعضهم: عمرو عن وهب عن همام، وفيه رواية الأخ عن أخيه. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ مُعَاوِيَةَ) بن أبي سفيان - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : "قَالَ: لَا تُلْحِفُوا فِي الْمَسْأَلَةِ) بضم حرف المضارعة، من ألحف رباعيّا. وذكر السنديّ أنه من ألحف، أو لحّف بالتشديد، ولم أر في كتب اللغة التشديد، فليُنظر. قال ابن منظور: الإلحاف: شدّة الإلحاح في المسألة، وألحف السائلُ: ألحّ، قال ابن بَرّيّ: ومنه قول بشّار بن بُرْد [من الرجز]:
الْحُرُّ يُلْحِي والْعَصَا لِلْعَبْدِ … وَلَيْسَ لِلْمُلْحِفِ مِثْلُ الرّدِّ
ونقل الأزهريّ، عن الزجّاج أن معنى ألحف شَمِلَ بالمسألة، وهو مستغننٍ عنها، قال: واللَّحَاف من هذا اشتقاقه؛ لأنه يَشمَل الإنسان في التغطية، قال: والمعنى في قوله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ أي ليس منهم سؤالٌ، فيكون إلحاح، كما قال امرؤ القيس:
عَلَى لِاحِب لَا يهتَدَى بمَنَارهِ
المعنى: ليس به منارٌ، فيُهتَدَى به. انتهى كلام ابن منظورَ بتصرّف (١). وقد تقدّم تمام الكلامِ في معنى الآية في ٧٦/ ٢٥٧١ وباللَّه تعالى التوفيق.
(وَلَا يَسْأَلنِي) بالرفع على أن "لا" نافية، ويحتمل أن تكون ناهية، والفعل بعدها مجزوم بها (أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا) أي من المال (وَأَنا لَهُ كَارِهٌ) جملة في مَحَلِّ نصب على الحال من مقدر، أي فأعطيه، والحال أنا كاره لعطائه، يوضّح التقدير المذكور ما في صحيح مسلم، ولفظه: "فتُخرج له مسألته منِّي شيئًا، وأنا له كاره" (فَيُبَارَكَ لَهُ) بالنصب بـ "أن" مضمرة بعد الفاء السببيّة الواقعة في جواب النفي، كما قال في "الخلاصة":
وَبَعْدَ فَا جَوَابِ نَفْيٍ أَوْ طَلَبْ … مَحْضَيْنِ "أَنْ" وَسَتْرُهَا حَتْمٌ نَصَبْ
(فِيمَا أَعْطَيْتُهُ) يعني أن المال الذي أعطاه ﷺ للسائل، وهو كاره لعطائه لا يبارك اللَّه تعالى فيه. وفيه تحريم الإلحاح في السؤال؛ لأنه ورد بصيغة النهي، وهي للتحريم ما لم
стр. 12295
يصرفها صارف، ولا صارف هنا، وأن ما أُخذ عن إلحاح لا بركة فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
حديث معاوية - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٨٨/ ٢٥٩٣ - وفي "الكبرى" ٩٠/ ٢٣٧٤. وأخرجه (م) في "الزكاة" ١٠٣٨ (أحمد) في "مسند الشاميين" ١٦٤٥٠ (الدارميّ) في "الزكاة" ١٦٤٤.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما بوّب له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم الإلحاف، وهو النهي عنه، والظاهر أنه للتحريم؛ إذ لا صارف له (ومنها): بيان نزع البركة عما أخذ بالإلحاف (ومنها): أنه يستفاد منه أن ما أُخذ بدون إلحاف يبارك اللَّه تعالى فيه، وذلك كأن يسأل لحاجة، بدون إلحاح، أو يُعطَى بغير سؤال، ويوضّح ذلك حديث حكيم بن حزام - رضي اللَّه تعالى عنه - الآتي -٩٣/ ٢٦٠١ - : "فمن أخذه بطيب نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه … " الحديث. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب".
…
٨٩ - (مَنِ الْمُلْحِفُ؟)
أي هذا باب ذكر الحديثين الدّالّين على جواب سؤال من سأل عن الملحف، بقوله: "من الملحف"، فـ "من" هنا استفهاميّة مبتدأ، و"الملحف بصيغة اسم الفاعل خبر المبتدإ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٥٩٤ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ, عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ, عَنْ دَاوُدَ بْنِ شَابُورَ, عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ جَدِّهِ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ سَأَلَ, وَلَهُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا, فَهُوَ الْمُلْحِفُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "داود بن شابور" -بالمعجمة، والموحّدة- أبو سليمان المكيّ [٦].
قال ابن معين، وأبو زرعة، وأبو داود، والنسائيّ: ثقة. وقال إبراهيم الحربيّ: مكيّ ثقة. وذكر البيهقيّ في "المعرفة" أنّ الشافعيّ قال: هو من الثقات. وذكره ابن حبّان في
стр. 12296
"الثقات"، وقال: قيل: إنه داود بن عبد الرحمن بن شابور. روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، وأبو داود، والمصنّف. وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
والباقون كلهم ثقات، وقد تقدّموا في الباب الماضي والذي قبله. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث
(عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبيهِ) شعيب بن محمد بن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص (عَنْ جَدِّهِ) الصحيح أن الضمير يعود إلى شعيب، لا إلى عمرو، وجدّه هو عبد اللَّه بن عمرو بن العاص - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ سَأَلَ) أي من الناس مالًا (وَلَهُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (فَهُوَ الْمُلْحِفُ) أي فهو الملحّ في المسألة الذي بين حكمه -وهو التحريم- في حديث الباب المتقدّم بقوله: "لا تلحفوا في المسألة". واللَّه تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح، انفرد به المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا -٨٩/ ٢٥٩٤ - وفي "الكبرى" ٩١/ ٢٣٧٥. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعمِ الوكيل.
٢٥٩٥ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الرِّجَالِ, عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: سَرَّحَتْنِي أُمِّي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَأَتَيْتُهُ, وَقَعَدْتُ فَاسْتَقْبَلَنِي, وَقَالَ «مَنِ اسْتَغْنَى أَغْنَاهُ اللَّهُ , وَمَنِ اسْتَعَفَّ أَعَفَّهُ اللَّهُ , وَمَنِ اسْتَكْفَى كَفَاهُ اللَّهُ , وَمَنْ سَأَلَ, وَلَهُ قِيمَةُ أُوقِيَّةٍ, فَقَدْ أَلْحَفَ» , فَقُلْتُ: نَاقَتِي الْيَاقُوتَةُ خَيْرٌ مِنْ أُوقِيَّةٍ, فَرَجَعْتُ, وَلَمْ أَسْأَلْهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (ابن أبي الرجال) هو: عبد الرحمن بن أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن الأنصاريّ المدنيّ، نزيل الثُّغُور، صدوق ربّما أخطأ [٨] ٤٣/ ٩٤٩ من رجال الأربعة.
٣ - (عمارة بن غزية) الأنصاري المدني، لا بأس به [٦] ١٦٨/ ١١٣٧.
٤ - (عبد الرحمن بن أبي سعيد) الخدري الأنصاري المدني، ثقة [٣] ١/ ٣٢٦.
٥ - (أبوه) سعد بن مالك بن سنان الخدري، أبو سعيد الأنصاري ﵄ ١٦٩/ ٢٦٢. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف ﵀، وأن رجاله رجال الصحيح غير ابن أبي
стр. 12297
الرجال كما مرّ آنفًا، وفيه رواية الابن عن أبيه، وفيه أبو سعيد ﵁ من المكثرين السبعة روى (١١٧٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ) سعد بن مالك بن سنان - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: سَرَّحَتْنِي أُمِّي) بتشديد الراء، من التسريح، وهو الإرسال، أي أرسلتني (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) أي ليسأله شيئًا من المال لحاجة ألمّت بهم، كما بيّنته الرواية الآتية في المسألة الرابعة عن "التمهيد" لابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى- (فَأتَيْتُهُ، وَقَعَدْتُ، فَاسْتَقْبَلَنِي) يقال: استقبلت الشيء: إذا واجهته (وَقَالَ) ﷺ (مَنِ) هي في المواضع الثلاثة يحتمل أن تكون موصولة مبتدأ، ويحتمل أن تكون شرطيّة (اسْتَغنَى أَغْنَاهُ اللَّه ) أي من طلب من اللَّه تعالى أن يُغنيه عن مسألة الناس رزقه الغنى عنهم، إما بأن يرزقه مالًا كثيرًا، أو يرزقه القناعة بما لديه، وإن قلّ (وَمَنِ اسْتَعَفَّ أَعَفَّهُ اللَّهُ ) أي من طلب من اللَّه تعالى أن يرزقه العفاف من الحرام رزقه اللَّه تعالى الحلال الذي يمنعه من الوقوع في الحرام، أو يرزقه العفّة منه (وَمَنِ اسْتَكْفَى كَفَاهُ اللَّه ) أي من طلب من اللَّه تعالى الكفاية رزقه ما يكفيه عن التعرّض لما عند الناس بالسؤال أو غيره (وَمَنْ) هي هنا شرطيّة؛ لاقتران جوابها بالفاء (سَأَلَ، وَلَهُ قِيمَةُ أُوقِيَّةٍ) - بضمّ الهمزة، وتشديد الياء- قال الفيّوميّ: هي عند العرب أربعون درهمًا، وهي في تقدير أُفعولة، كالأُعجوبة، والأُحدُوثة، والجمع الأواقيّ بالتشديد، والتخفيف. وقال ثعلبٌ في باب المضموم أوّلُهُ: وهي الأُوقيّة، والْوُقيّة لغة، وهي بضمّ الواو، هكذا هي مضبوطة في كتاب ابن السّكّيت. وقال الأزهريّ: قال الليث: الوُقيّة سبعة مثاقيل، وهي مضبوطة بالضمّ أيضًا. قال المطّرّزيّ: وهكذا هي مضبوطةٌ في شرح السنّة في عدّة مواضع، وجرى على ألسنة الناس بالفتح، وهي لغة حكاها بعضهم، وجمعُها وَقَايَا، مثلُ عَطيّة وعَطَيَا انتهى كلام الفيّوميّ (١).
سمّيت أوقيّة من الوقاية؛ لأن المال مخزون مصون، أو لأنه يقي الشخص من الضرورة.
قال الحافظ أبو عمر -رحمه اللَّه تعالى-: والأوقية إذا أطلقت، فإنما يراد بها الفضّة، دون الذهب وغيره، هذا قول العلماء، ألا ترى إلى حديث أبي سعيد الخدريّ - رضي اللَّه تعالى عنه -: "ليس فيما دون خمس أوق صدقة" فلم يختلف العلماء أنه لم يَعنِ بذلك إلا
стр. 12298
الفضّة، دون غيرها، وما علمت أن أحدًا قال في الأوقيّة المذكورة في هذا الحديث أنه أريد بها غير الفضّة، وفي ذلك كفاية انتهى (١).
وقال الباجي -رحمه اللَّه تعالى-: هذا إنما هو في السؤال دون الأخذ، فيحلّ أخذ الصدقة لمن له خمس أواق، وإن كان تجب عليه زكاتها، إذا كان ذا عيال. انتهى (٢).
(فَقَدْ أَلْحَفَ) أي سأل بالإلحاح المنهي عنه. قال أبو سعيد (فَقُلْتُ) أي في نفسي (نَاقَتِي الْيَاقُوتَةُ) أي المسمّاة بهذا الاسم (خَيْرٌ مِنْ أُوقيَّةِ، فَرَجَعْتُ، وَلَمْ أَسْأَلْهُ) أي لم أسأل النبيّ ﷺ شيئًا من المال. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي سعيد الخدريّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٨٩/ ٢٥٩٥ - وفي "الكبرى" ٩١/ ٢٣٧٦. وأخرجه (د) في "الزكاة" ١٦٢٨ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ١٠٦٠٦ و ١٠٦٧٦ و ١١٠٠٠٧. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان معنى الْمُلْحِف، وهو الذي يسأل، وعنده من المال أوقيّة، وهو أربعون درهمًا (ومنها): أن هذا الحديث، والذي قبله فيه بيان معنى قوله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ الآية (ومنها): ما كان عليه النبيّ ﷺ من بيان الأحكام للناس، ولو لم يسأله أحد؛ حيث إن اللَّه تعالى وكل إليه البيان بقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية (ومنها): فضل أبي سعيد - رضي اللَّه تعالى عنه -، حيث ترك السؤال، وقد جاء من أجله لَمّا سمع من النبيّ ﷺ ما يُنَفّر عنه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): ذكر الحافظ أبو عمر -رحمه اللَّه تعالى- أن حديث أبي سعيد -رضي اللَّه تعالى عنه - المذكور في الباب روي بغير هذا اللفظ، فقال في "التمهيد" -بعد أن أورد حديث رجل من بني أسد الآتي في الباب التالي-: ما لفظه:
стр. 12299
وقد رَوَى عمارة بن غَزيّة، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدريّ، عن أبيه، عن النبيّ ﷺ نحو هذا الحديث الذي رواه عطاء بن يسار، عن الأسديّ، قال أبو سعيد: استُشهِد أبي يوم أحد، وتركَنَا بغير مال، فأصابتنا حاجة شديدة، فقالت لي أمّي: أَيْ بُنَيّ ائت النبيّ ﷺ ، فاسأله لنا شيئًا، قال: فجئت، وهو في أصحابه جالسٌ، فسلّمتُ، وجلستُ، فاستقبلني، وقال: "من استغنى أغناه اللَّه، ومن استعفّ أعفّه اللَّه، ومن استكفّ كفاه اللَّه"، قال: قلت: ما يريد غيري، فرجعت، ولم أكلّمه في شيء، فقالت لي أمّي ما فعلتَ؟ فأخبرتها الخبر، فرزقنا اللَّه شيئًا، فصبرنا، وبلغنا، حتى ألحّت علينا حاجة هي أشدّ منها، فقالت لي أمّي: ائت النبيّ ﷺ ، فسله لنا شيئًا، قال: فجته، وهو في أصحابه جالسٌ، فاستقبلني، فأعاد القول الأول، وزاد فيه: "من سأل، وله أوقيّةٌ، أو "قيمة أوقيّة، فهو مُلحف"، فقلت: إن لنا ناقةً خيرًا من أوقيّة، فرجعت، ولم أسأله.
هكذا رُوي هذا الحديث عن أبي سعيد، ورواه مالك، عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد الليثيّ، عن أبي سعيد الخدريّ بغير هذا اللفظ (١)، والمعنى واحد، إلا أنه لم يذكر فيه: "من سأل، وله أوقيّة" إلى آخره، وإنما هذا موجود من رواية مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن رجل من بني أسد -يعني الحديث الآتي في الباب التالي-.
وهذا الحديث من حديث ابن شهاب محفوظ كما رواه مالك، وليس يُحفَظ حديث أبي سعيد الخدريّ المذكور فيه الأوقيّة إلا بالإسناد المذكور، عن عمارة بن غَزيّة، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، وهو لا بأس به، وقد احتجّ به أحمد بن حنبل انتهى كلام ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى- (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب".
…
стр. 12300
٩٠ - (إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ دَرَاهِمُ، وَكَانَ لَهُ عَدْلُهَا)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: جواب "إذا" محذوفٌ يدلّ عليه الحديث، تقديره: لا يسأل؛ لكونه إلحافًا.
و"العدل" -بالكسر والفتح-: المثل، وقيل: -بالفتح- ما عادله من جنسه، و-بالكسر- ما ليس من جنسه، وقيل بالعكس. قاله ابن الأثير (١).
وقال الفيّومّي: وعِدل الشيء بالكسر: مثله من جنسه، أو مقداره. قال ابن فارس: والعِدْلُ الذي يُعادِلُ في الوزن والقدر، وعدله بالفتح: ما يقوم مقامه من غير جنسه، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾، وهو في الأصل مصدر، يقال: عَدَلت هذا بهذا عَدْلًا، من باب ضرب: إذا جعلته مثله، قائمًا مقامه، قال تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾. انتهى (٢). والمراد هنا: القيمة. واللَّه تعالى أعلم.
٢٥٩٦ - قَالَ (٣) الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ, عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا مَالِكٌ, عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ, عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ, عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ, قَالَ: نَزَلْتُ أَنَا وَأَهْلِي, بِبَقِيعِ الْغَرْقَدِ, فَقَالَتْ لِي أَهْلِي: اذْهَبْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَسَلْهُ لَنَا شَيْئًا نَأْكُلْهُ, فَذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَوَجَدْتُ عِنْدَهُ رَجُلاً يَسْأَلُهُ, وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا أَجِدُ مَا أُعْطِيكَ» , فَوَلَّى الرَّجُلُ عَنْهُ, وَهُوَ مُغْضَبٌ, وَهُوَ يَقُولُ: لَعَمْرِى إِنَّكَ لَتُعْطِي مَنْ شِئْتَ, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّهُ لَيَغْضَبُ عَلَيَّ, أَنْ لَا أَجِدَ مَا أُعْطِيهِ, مَنْ سَأَلَ مِنْكُمْ, وَلَهُ أُوقِيَّةٌ, أَوْ عِدْلُهَا, فَقَدْ سَأَلَ إِلْحَافًا» , قَالَ: الأَسَدِيُّ, فَقُلْتُ لَلَقْحَةٌ لَنَا, خَيْرٌ مِنْ أُوقِيَّةٍ, وَالأُوقِيَّةُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا, فَرَجَعْتُ وَلَمْ أَسْأَلْهُ, فَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ شَعِيرٌ وَزَبِيبٌ, فَقَسَّمَ لَنَا مِنْهُ, حَتَّى أَغْنَانَا اللَّهُ ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (الحارث بن مسكين) الأموي مولاهم، أبو عمرو المصري، ثقة [١٠] ٩/ ٩.
٢ - (ابن القاسم) هو: عبد الرحمن العُتِقيُّ المصريّ، صاحب مالك، ثقة فقيه، من
стр. 12301
كبار [١٠] ١٩/ ٢٠.
٣ - (مالك) بن أنس الإمام الحجة الفقيه المدني [٧] ٧/ ٧.
٤ - (زيد بن أسلم) العدوي مولاهم المدني، ثقة فقيه [٣] ٦٤/ ٨٠.
٥ - (عطاء بن يسار) مولى ميمونة المدني، ثقة فقيه عابد [٣] ٦٤/ ٨٠.
٦ - (رجل من بني أسد) مبهم يأتي الكلام عليه. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف ﵀، وأن رجاله كلهم ثقات، وهو مسلسل بالمدنيين، غير الحارث وابن القاسم فمصريان، وفيه رواية تابعي عن تابعي. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ رَجُل مِنْ بَني أَسَدٍ) لم يسمّ، ولكن لا يضرّ ذلك، إذ هو - رضي اللَّه تعالى عنه - صحابيّ، فجهالته لا تضرّ؛ لأنهم كُلَّهم عُدُول، فالحديث صحيح.
قال الحافظ أبو عمر ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى-: هكذا رواه مالك، وتابعه هشام ابن سعد وغيره، وهو حديث صحيحٌ متّصلٌ، وليس حكم الصاحب إذا لم يُسمّ كحكم من دونه إذا لم يسمّ عند العلماء؛ لارتفاع الجرحة عن جميعهم، وثبوت العدالة لهم، قال الأثرم: قلت لأبي عبد اللَّه أحمد بن حنبل: إذا قال رجلٌ من التابعين: حدّثني رجل من أصحاب النبيّ ﷺ ، ولم يسمّه، فالحديث صحيح؟ قال: نعم. انتهى (١).
(قَالَ: نَزَلْتُ أَنَا وَأَهْلِي) المراد زوجته بدليل قوله: "فقالت لي أهلي"، ويحتمل أن يكون المراد أهل بيته، يؤيّد هذا ما يأتي لأبي داود: "فجعلوا يذكورون من حاجاتهم" (بِبَقِيعِ الْغَرْقَدِ) هو مَدفن أهل المدينة. والبقيع في الأصل المكان المتّسع من الأرض.
وقيل: هو خاصّ بما فيه شجر، أو أصول شجر، من ضروب شتّى. والغرقد -بفتح الغين المعجمة، وسكون الراء، وفتح القاف-: شجرٌ له شوكٌ، كالسدر، وكان في مدفن أهل المدينة، ثم زال، وبقي اسمه (فَقَالَتْ لِي أَهْلِى) ولفظ "الكبرى": "فقال لي أهلي" (اذْهَبْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَسَلْهُ لَنَا شَيْئًا نَأْكُلُهُ) زاد في رواية أبي داود: "فجعلوا يذكرون من حاجاتهم"، والضمير لأهله، زوجته ومن معها (فَذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) أي ليسأله (فَوَجَدْتُ عِنْدَهُ رَجُلًا يَسَأَلُهُ) أي شيئًا من المال (وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا أَجِدُ مَا أُعْطِيكَ"، فَوَلَّى الرَّجُلُ عَنْهُ) ولأبي داود: "فتولّى الرجل" (وَهُوَ مُغْضَبٌ) اسم
стр. 12302
مفعول، من أُغضِب، والجملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، أي أدبر، والحال أنه غضبان؛ لعدم قضاء النبيّ ﷺ حاجته (وَهُوَ يَقُولُ) جملة حالية معطوفة على الأولى (لَعَمْرِي) بفتح العين المهملة، وسكون الميم: أي لحياتي، ولا تستعمل في القسم إلا بالفتح، وأما في غيره، فيجوز فيها الفتح، والضمّ، والضمّتان، والجمع أعمار.
[فإن قلت]: كيف أقرّ النبيّ ﷺ الرجل على هذا الحلف، وقد صحّ عنه النهي عن الحلف بغير اللَّه؟.
[قلت]: يجاب عنه بأنه قبل النهي عن الحلف بغير اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم.
(وإِنَّكَ لَتُعْطِي مَن شِئْتَ) ممن لا يستحقّها، أي وتمنع من شئت ممن يستحقّها، والظاهر أن الرجل كان من أجلاف الأعراب حديث عهد بالإِسلام، أو كان منافقًا، على أن رسول اللَّه ﷺ كان لا ينتقم لنفسه.
وقال الحافظ أبو عمر -رحمه اللَّه تعالى-: يحتمل أن يكون من الأعراب الجفاة الذين لا يدرون حدود ما أنزل اللَّه على رسوله.
وفي هذا دليلٌ على ما قال مالك: إن من تولّى تفريق الصدقات لم يَعدَم من يلومه، قال: وقد كنتُ أتولاّها لنفسي، فأوذيت، فتركت ذلك.
وقد يجوز أن يكون مَنْعُ النبيّ ﷺ للرجل الذي منعه حين سأله من الصدقة؛ لأنه كان غنيًّا، لا تحلّ له، أو ممن لا يجوز له أخذها لمعان، اللَّه ورسوله أعلم بها انتهى كلام ابن عبد البرّ (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الاحتمال الثاني فيه نظر، إذ ظاهر قوله ﷺ : "لا أجد ما أعطيك" يُبعده. واللَّه تعالى أعلم.
(قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّهُ لَيَغْضَبُ عَلَيَّ، أَنْ لَا أَجِدَ مَا أُعْطِيهِ) "أن" مصدريّة، والمصدر المنسبك مجرور بحرف جرّ محذوف قياسًا، أي في عدم وجودي شيئًا أعطيه (مَنْ سَأَلَ مِنْكُمٌ، وَلَهُ أُوقِيَّةٌ، أَوْ عِدْلُهَا) تقدّم أول الباب ضبطها بالكسر، والفتح، والخلاف في ذلك، والمعنى: ما يبلغ قيمتها من غير الدراهم (فَقَدْ سَأَلَ إِلْحَافًا) منصوب على الحال، أو مفعولٌ لأجله (قَالَ: الأسَدِيُّ) أي الرجل المنسوب إلى بني أسد، وهو الصحابيّ الراوي للحديث (فَقُلْتُ) عند سماع ذلك (لَلَقْحَةٌ لَنَا) بفتح اللام الأولى، وهي ابتدائية، أو جواب قسم مقدّر، وبكسر اللام الثانية، أو فتحها: هي الناقة
стр. 12303
القريبة العهد بالنتاج، أو التي هي ذات اللبن، جمعها لِقَحٌ، مثلُ سِدْرة وسِدَر،، أو مثلُ قَصْعة، وقِصَع (خَيْرٌ مِنْ أُوقِيَّةٍ، وَالْأوقِيَّةُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا) هذا تفسيرٌ من مالك -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، كما صرّح بذلك ابن الجارود في "المنتقى"، ولفظه: قال مالكٌ: والأوقيّة أربعون درهمًا (١) (فَرَجَعْتُ وَلَمْ أَسأَلْهُ) فيه دليل على قوّة فهمه بغيره (فَقُدِمَ) بضمّ القاف، وكسر الدال (٢) بالبناء للمفعول، ويحتمل أن يكون بالبناء للفاعل، والفاعل "شعير" (عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ شَعِيرٌ وَزَبِيبٌ، فَقَسَّمَ لَنَا مِنْهُ) أي أعطانا بعضه (حَتَّى أَغْنَانَا اللَّهُ ) أي عن السؤال بما قسمه لهم رسول اللَّه ﷺ من دون مسألة، أو بغير ذلك مما فتحه اللَّه تعالى عليهم من خيراته. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث رجل من بني أسد - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه-٩٠/ ٢٥٩٦ - وفي "الكبرى" ٩٢/ ٢٣٧٧. وأخرجه (د) في "الزكاة" ١٦٢٧ (أحمد) في "مسند المدنيين" ١٥٩٧٦ وفي "باقي مسند الأنصار" ٢٣١٣٦ و (الموطأ) في "كتاب الجامع" ١٨٨٤. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما بوّب له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو أنه إذا لم يكن عند الشخص أربعون درهما، ولكن عنده ما يعادلها قيمة من غير النقود كان كمن عنده أربعون درهمًا، فلا يحلّ له أن يسأل الناس (ومنها): ما كان عليه بعض الأعراب من الجهل بمقام رسول اللَّه ﷺ ، وغلظة الطبيعة، وجفاء السلوك، كما أخبر اللَّه تعالى عنهم بقوله: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ الآية (ومنها): ما كان عليه النبيّ ﷺ من الحلم، والصفح، والعفو، والإعراض عن الجاهلين، عملًا بقوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (ومنها): ما كان عليه الصحابة من الصبر على الإقلال، وقلّة ذات اليد (ومنها): ما كان عليه الصحابة من قوّة الفهم، وشدّة الحزم والعزم، فإن هذا الصحابيّ جاء إلى رسول اللَّه ﷺ يسأله في حاجة له، فلما سمع منه الموعظة اتعظ، وأعرض عن
стр. 12304
حاجته، وتوكّل على ربّه، فرجع، ففتح اللَّه تعالى عليه من غير مسألة، فاستغنى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٥٩٧ - (أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ, عَنْ أَبِي بَكْرٍ, عَنْ أَبِي حَصِينٍ, عَنْ سَالِمٍ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ, وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هناد بن السري) التيمي الكوفي، ثقة [١٠] ٢٣/ ٢٥.
٢ - (أبو بكر) بن عيّاش الكوفيّ الثقة العابد المقرئ المشهور، إلا أنه لما كبر ساء حفظه، وكتابه صحيح [٧] ٩٨/ ١٢١.
٣ - (أبو حصين) -بفتح الحاء، وكسر الصاد المهملتين- عثمان بن عاصم الأسديّ الكوفيّ الثقة الثبت [٤] ١٠٢/ ١٥٢.
٤ - (سالم) بن أبي الجعد رافع الغطفانيّ الأشجعيّ مولاهم الكوفيّ الثقة [٣] ٦١/ ٧٧.
(أبو هريرة) ﵁ ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف ﵀، وأنه مسلسل بالكوفيين، غير الصحابي، فمدني، وفيه رواية تابعي عن تابعي، وفيه أبو هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تحَلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ) هذا مما لا خلاف فيه بين أهل العلم، وإنما الخلاف بينهم في حد الغنى الذي يحرّم الصدقة، وقد تقدّم تحقيق الخلاف في ذلك في باب "حدّ الغنى" -٨٧/ ٢٥٩٢ - وأن الأرجح أن حد الغنى يعتبر في كلّ شخص بحاله، وحال الزمن، والمكان. فقد قال الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى-: لا حدّ للغنى معلومًا، وإنما يُعتبر حال الإنسان. وقال أيضًا: قد يكون الرجل بالدرهم غنيًّا مع الكسب، ولا يُغنيه الألف، مع ضعفه في نفسه، وكثرة عياله انتهى.
والحاصل أن من وجد كفايته هو الغنيّ، وإن كان لا يملك إلا قليلًا، ومن لا فلا، وإن كان يملك كثيرًا. واللَّه تعالى أعلم.
(وَلَا لِدِي مِرَّةٍ) بكسر الميم، وتشديد الراء: أي قوّة. قال الخطّابيّ -رحمه اللَّه تعالى-:
стр. 12305
معنى الْمِرّة: القوّةُ، وأصلها من شدّة فَتْل الحبل، يقال: أمررت الحبلَ: إذا أحكمت فَتْلَهُ، فمعنى الْمِرّة في الحديث شدّة أَسْرِ الخلق، وصحّة البدن التي تكون معها احتمال الكدّ والتعب انتهى (١). وقال الجوهريّ: الْمِرّة: القوّة، وشدّة العقل، ورجلٌ مَرِير: أي قويّ ذو مرّة. وقال غيره: المرّة القوّة على الكسب والعمل.
(سَوِيٍّ) أي سليم الْخَلْق، تامّ الأعضاء. قال الجوهريّ: السويّ: مستوي الخلق، والمراد استواء الأعضاء، وسلامتها.
ولا بدّ من قيده بكونه مكتسبًا، بدليل الحديث الآتي في الباب التالي بلفظ: "ولا حظّ فيها لغنيّ، ولا لقويّ مكتسب".
يعني أنه لا تحلّ الصدقة لمن كان قويّا سليم الأعضاء مكتسبًا، فلو كان قويّا سليم الأعضاء، ولكن ليس له كسبٌ، أو كان له كسب، ولكن شُغِل عنه، بأن كان عالمًا يحتاج الناس إلى علمه، لو اكتسب لما انتفع بعلمه الناس، أو كان طالب علم، لو اشتغل بالكسب لانقطع عن العلم، ونحو ذلك جاز له أخذها.
والحجة في ذلك أن فقراء المهاجرين كانوا منقطعين للعلم، وللجهاد، فكان رسول اللَّه ﷺ يُعطيهم من الصدقة، ولم يكلّفهم بالاكتساب، مع أن أكثرهم قادرون عليه، فدلّ على أن من امتنع عن الاكتساب لمهمّة دينية جاز له أخذها، وإن كان قادرًا على الكسب، فقوله: "لقويّ مكتسب" ظاهر في كونه مكتسبًا بالفعل، فمن تهيّأت له أسباب الكسب، وكان متفرّغًا له، لم يجز له أخذها؛ لحديث الباب. واللَّه تعالى أعلم.
وقال الإمام الترمذيّ -رحمه اللَّه تعالى-: قد روي في غير هذا الحديث عن النبيّ ﷺ : "لا تحلّ المسألة لغنيّ، ولا لذي مرّة سويّ" (٢)، وإذا كان الرجل قويًّا محتاجًا، ولم يكن عنده شيء، فتصدّق عليه أجزأ عن المتصدّق عند أهل العلم، ووجه هذا الحديث عند بعض أهل العلم على المسألة انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله الترمذيّ -رحمه اللَّه تعالى- عندي فيه نظرٌ من وجهين:
[أحدهما]: أن الحديث المذكور ضعيف؛ لأن في سنده مجالد بن سعيد، وهو ضعيف.
[والثاني]: أن حديث الباب ليس فيه منع المحتاج عن الصدقة مطلقًا، بل بشرط أن
стр. 12306
يكون قادرًا على الكسب، ومكتسبًا بالفعل، كما أوضحته فيما سبق، فلو لم يكن له كسبٌ، أو وجد كسبًا، ولكنه لا يقدر عليه، فإنه يجوز له الأخذ منها.
والحاصل أن تأويل الحديث بالمسألة غير صحيح. واللَّه تعالى أعلم.
وقال القاري: في هذا الحديث نفي كمال الحلّ، لا نفس الحلّ، أو لا تحلّ له بالسؤال انتهى.
وقال السنديّ: لا تحلّ الصدقة، أي سؤالها، وإلا فهي تحلّ للفقير، وإن كان صحيحًا سويّ الأعضاء، إذا أعطاه أحدٌ بلا سؤال.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: فيما قاله القاري، والسنديّ نظرٌ، فإنه من جنس ما تقدّم في كلام الترمذيّ، وقد عرفت ما فيه، فتبصّر بالإنصاف، ولا تتحيّر بالاعتساف. واللَّه تعالى أعلم.
وقال الخطّابيّ: اختلف الناس في جواز أخذ الصدقة لمن يجد قوّة يقدر بها على الكسب، فقال الشافعيّ: لا تحل له الصدقة، وكذلك قال إسحاق بن راهويه، وأبو عبيد. وقال أصحاب الرأي: يجوز له أخذ الصدقة إذا لم يملك مائتي درهم فصاعدًا انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي الأرجح ما ذهب إليه الأولون، فلا تحلّ الصدقة لقويّ سليم الأعضاء، مكتسب، فلو لم يكن قادرًا على الكسب، أو كان قادرًا عليه، ولكن لا يتيسّر له، بأن كانت أسباب الكسب غير مُتَاحَة له جاز أخذ الصدقة، وبهذا تجتمع الأحاديث من دون تعارض. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.
[فإن قلت]: ذكر في "التنقيح" أن الإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى- قال: سالم بن أبي الجعد لم يسمع عن أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه -. فكيف يصحّ مع الانقطاع؟
[قلت]: لا يضرّ ذلك لأن الحديث رواه الحاكم في "المستدرك" ج ١ ص ٤٠٧ - من طريق أبي حازم، عن أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه -، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبيّ، فلا يضره الانقطاع المذكور؛ لصحّته من هذا الوجه، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
стр. 12307
أخرجه هنا -٩٠/ ٢٥٩٧ - وفي "الكبرى" ٩٢/ ٢٣٧٨. وأخرجه (ق) في "الزكاة" ١٨٣٩ (أحمد) في "مسند المكثرين" ٨٨١٨.
[تنبيه]: إيراد هذا الحديث في هذا الباب فيه بعدٌ، والظاهر أنه من جملة أحاديث الباب التالي؛ إذ هو المناسب له، لكن قد تقدّم في غير موضع، ويأتي أيضًا أن المصنّف جرت له عادة غريبة، وهي أنه يورد في آخر باب مّا حديثًا يتعلق بالباب الذي يليه، ولعله للربط بينهما. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب".
…
٩١ - (مَسْأَلَةُ الْقَوِيِّ الْمُكْتَسِبِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على حكم سؤال القويّ المكتسب للصدقة، وهو التحريم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٥٩٨ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى, عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي, قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ, أَنَّ رَجُلَيْنِ حَدَّثَاهُ, أَنَّهُمَا أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَسْأَلَانِهِ مِنَ الصَّدَقَةِ, فَقَلَّبَ فِيهِمَا الْبَصَرَ, وَقَالَ مُحَمَّدٌ: بَصَرَهُ, فَرَآهُمَا جَلْدَيْنِ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنْ شِئْتُمَا, وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ, وَلَا لِقَوِىٍّ مُكْتَسِبٍ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عمرو بن عليّ) الفلاس الصيرفي، ثقة حافظ [١٠] ٤/ ٤.
٢ - (محمد بن المثنى) أبو موسى العَنَزيُّ البصري، ثقة ثبت [١٠] ٦٤/ ٨٠.
٣ - (يحيى) بن سعيد القطان البصري الإمام الحجة الثبت [٩] ٤/ ٤.
٤ - (هشام بن عروة) أبو المنذر المدني، ثقة فقيه ربما دلس [٥] ٤٩/ ٦١.
٥ - (أبوه) عروة بن الزبير بن العوّام المدني ثقة ثبت فقيه [٣] ٤٠/ ٤٤.
٦ - (عبيد اللَّه بن عديّ بن الخيار) -بكسر المعجمة، وتخفيف التحتانيّة- ابن عديّ بن نوفل بن عبد مناف القرشيّ النوفليّ المدنيّ ثقة [٢].
قال أبو القاسم البغويّ: بلغني أنه وُلد في عهد رسول اللَّه ﷺ . وذكره ابن سعد في
стр. 12308
الطبقة الأولى من تابعي أهل المدينة، وقال: أمه أم قتال بنت أسيد بن أبي العيص، ومات بالمدينة في خلافة الوليد بن عبد الملك، وكان ثقة قليل الحديث. وقال خليفة: مات في آخر خلافة الوليد. وقال العجليّ: تابعيّ ثقة، من كبار التابعين، وهو ابن أخت عثمان. وذكره ابن حبّان في الصحابة، وقال: ولد في زمن النبيّ ﷺ ، ثم ذكره في ثقات التابعين، وقال: مات سنة (٩٥). وقال ابن ماكولا: قُتل أبوه يوم بدر كافرًا. وذكر ابن سعد أباه في مُسلمة الفتح. وقال ابن إسحاق: حدثني الزهريّ، عن عطاء بن يزيد، عن عبيد اللَّه بن عديّ بن الخيار، وكان من فقهاء قريش، وعلمائهم، وقد أدرك أصحاب النبيّ ﷺ متوافرين.
روى له الجماعة، سوى الترمذيّ، وابن ماجه. وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٧ - (رجلان) هما: صحابيان ﵄، فلا يضر إبهامهما. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنّف ﵀، وأن رجاله كلهم رجال الصحيح، وأن شيخيه من مشايخ الأئمة الستة بلا واسطة، وأن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، وفيه رواية الابن عن أبيه. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(قَالَ) عروة ابن الزبير (حَدَّثَنِي عُبَيدُ اللَّهِ بْنُ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ، أَنَّ رَجُلَينِ) لم يُسَمّيا، وقد تقدّم قريبًا أن جهالة الصحابيّ لا تضرّ؛ لكون كلهم عدولًا (حَدَّثَاهُ، أَنَّهمَا أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) ولفظ أبي داود: "أنهما أتيا النبيّ ﷺ في حجّة الوداع، وهو يَقسِم الصدقة، فسألاه منها … " (يَسْأَلَانهِ مِنَ الصَّدقَةِ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (فَقَلَّبَ فِيهِمَا الْبَصَرَ) بتشديد اللام، من التقليب، وفي بعض النسخ: "النظر" بدل "البصر". أي أجال فيهما نظره، ليتعرّف هل هما مستحقان للصدقة، أم لا؟. ولفظ أبي داود: "فرفع فينا البصر، وخفَضَه" (وَقَالَ مُحَمَّدٌ بَصَرَهُ) يعني أن محمد بن المثنّى قال في روايته: "بصره" بالإضافة، بدل قول عمرو بن عليّ: "البصر" بأداة التعريف، وهذا من ورع المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وشدّة احتياطه في المحافظة على ألفاظ الشيوخ، وأدائها على وجهها، وإن لم تختلف المعاني (فَرَآهُمَا جَلْدَيْنِ) تثنية جَلْد -بفتح الجيم، وسكون اللام -وهو القويّ، مأخوذ من الْجَلَد -بفتح الجيم، والسلام -وهو القوّة، تقول منه: جَلُد الرجلُ، من باب كرم جَلَدًا -بفتح اللام- وجَلادةً، وجُلُودةً، فهو جَلْدٌ- بسكونها- وجَلِيدٌ: بَيِّنُ القوّة.
стр. 12309
(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنْ شِئْتُمَا) هكذا نسخ "المجتبى" بحذف الجواب، أي أعطيتكما من الصدقة. وقد صرّح به في "الكبرى" ولفظه: "إن شئتما أعطيتكما"، ومثله في رواية أبي داود (وَلَا حَظَّ فِيهَا) أي لا نصيب في الصدقة، أو في سؤالها (لِغَنِيٍّ) أي لصاحب مالٍ يُعدّ به غنيًّا (وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِب) أي لقادر على كسب كفايته، وإن لم يكن له مالٌ يعدّ به غنيًّا.
وفيه أن الصدقة لا تحلّ للقادر على اكتساب كفايته، إذ هو مَكْفِيٌّ بالاكتساب، ككفاية الغني بالمال. وإليه ذهب الشافعيّ، وأحمد، وإسحاق بن راهويه، وأبو عبيد، وابن المنذر. وقال أبو حنيفة، وأصحابه: يجوز للقويّ المكتسب الأخذ من الزكاة ما لم يملك نصابًا فاضلًا عن حوائجه الأصليّة. وقال مالك، وأصحابه: يجوز دفع الزكاة للقادر على الكسب، إذا كان فقيرًا، لا يملك قوت عامه، ولو ترك التكسّب اختيارًا.
قالوا: ومن كانت له صنعة تكفيه وعيالَهُ، لم يُعطَ، وإن لم تكفه أعطي تمام كفايته. وأجابوا عن حديث الباب بأن المراد بقوله: "ولا لقويّ مكتسب" أنه لا يحلّ له أن يسألها مع قدرته على اكتساب قوته؛ لقوله ﷺ : "وإن شئتما أعطيتكما"، فلو كان الأخذ محرّمًا غير مسقط للزكاة لم يعلّق الإعطاء على اختيارهما، أما إذا أُعطي من غير سؤال، فلا يحرم عليه أخذها؛ لدخوله في الفقراء، وقد قال النبي ﷺ لمعاذ: "أَعْلِمْهُم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، وتردّ في فقرائهم"، فجعل الأغنياء من تجب عليهم الزكاة، ومن يأخذها فقيرًا، وإن كان قادرًا على الكسب.
وتُعُقّب بأن هذا صرف للحديث عن ظاهره بدون مقتضٍ، فإنه صريحٌ في تحريم الزكاة على القادر المكتسب، سواء أسألها، أم لم يسألها. وقوله: "إن شئتما أعطيتكما" تفويض لهما في أنهما هل يستحقّانها لفقرهما، أم لا؛ لاستغنائهما بمال، أو كسب.
وقال الطيبيّ: معناه: لا أعطيكما؛ لأنها حرام على القويّ المكتسب، فإن رضيتما بأكل الحرام أعطيتكما، قاله توبيخا انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبيد اللَّه بن عديّ بن الخيار، عن رجدين من أصحاب النبيّ ﷺ صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
стр. 12310
أخرجه هنا -٩١/ ٢٥٩٨ - وفي "الكبرى" ٩٣/ ٢٣٧٩. وأخرجه (د) في "الزكاة" ١٦٣٣ (أحمد) في "مسند الشاميين" ١٧٥١١ وفي "باقى مسند الأنصار" ٢٢٥٥٤. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما بوّب له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم مسألة الشخص القويّ المكتسب، وهو التحريم (ومنها): أن الأصل فيمن لم يُعلم له مالٌ الفقر، والاستحقاق من الصدقة (ومنها): مجرّد القوّة لا يقتضي عدم استحقاق الصدقة، بل لا بدّ من أن ينضمّ إليها الاكتساب (ومنها): أن القادر على اكتساب ما يكيفيه لا يجوز له أخذ من الصدقة المفروضة؛ لاستغنائه بالكسب، كاستغناء الغنيّ بالمال. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه انيب".
…
٩٢ - (مَسْأَلَةُ الرَّجُلِ ذَا سُلْطَانٍ)
٢٥٩٩ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ, عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ, عَنْ زَيْدِ بْنِ عُقْبَةَ, عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ الْمَسَائِلَ كُدُوحٌ, يَكْدَحُ بِهَا الرَّجُلُ وَجْهَهُ, فَمَنْ شَاءَ كَدَحَ وَجْهَهُ, وَمَنْ شَاءَ تَرَكَ, إِلاَّ أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ ذَا سُلْطَانٍ, أَوْ شَيْئًا لَا يَجِدُ مِنْهُ بُدًّا»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أحمد بن سليمان) أبو الحسين الرُّهاوي، ثقة حافظ [١١] ٣٨/ ٤٢.
٢ - (محمد بن بشر) العبدي الكوفي، ثقة حافظ [٩] ٥/ ٨٨٢.
٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت [٧] ٢٤/ ٢٧.
٤ - (عبد الملك) بن عمير بن سُوَيد الفَرَسِيّ الكوفيّ، ثقة فقيه تغير حفظه، وربما دلس [٣] ٤١/ ٩٤٧.
٥ - (زيد بن عقبة) الفزاري الكوفي، ثقة [٣] ٣٩/ ١٤٢٢.
٦ - (سمرة بن جندب) بن هلال الفزاري، حليف الأنصار، صحابي مشهور، مات سنة (٥٨ هـ) تقدم في ٢٥/ ٣٩٣ واللَّه تعالى أعلم.
стр. 12311
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف ﵀، وأن رجاله كلهم ثقات، وفيه رواية تابعي عن تابعي. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ) ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ الْمَسَائِلَ) جمع مسألة مصدرٌ ميميّ لـ "سأل" بمَعنى السؤال، وإنما جمعت لاختلاف أنواعها، والمراد هنا سؤال الشخص أموال الناس (كُدُوحٌ) بالرفع خبر "إن"، وهو بضمّ الكاف جمع كَدْح، كفلس وفلوس، وهو كلّ أثر، من خَدْشٍ، أو عَضّ. ويحتمل أن يكون مصدرا، سمي به الأثر. والإخبار به عن المسائل حينئذ باعتبار من قامت به آثاره، أي أن سؤال الشخص أموال الناس من غير حاجة، كخدوش (يَكْدَحُ بِهَا الرَّجُلُ وَجْهَهُ) بفتح حرف المضارعة، من باب فتح. أي يَخدُش، ويَجرح بتلك المسائل وجهه يوم القيامة. ويحتمل أن يكون المراد أنه يُريق بالسؤال ماء وجهه، ويسعى في ذهاب كرامته، فهي شين في العِرْض، كما أن الجراحة في الوجه شين فيه.
وفي الرواية الآتية في الباب التالي: "كَدٌّ يكُدّ بها الرجل وجهه". قال الجزريّ: الكدّ الإتعاب، يقال: كَدّ يكُدُّ في عمله: إذا استعجل، وتعب. وأراد بالوجه ماءه، ورَوْنَقَه انتهى. وقال السيوطيّ في "قوت المغتذي": كَدٌّ بفتح الكاف، وتشديد الدال المهملة، وفي رواية أبي داود: "كُدُوح" بضم الكاف، والدال، وحاء مهملة. وقد ذكر اللفظين معًا أبو موسى المدينيّ في "ذيله" على "الغريبين"، وفسّر الكُدوح بالخُدوش في الوجه، والكدّ بالتعب والنصب. قال العراقيّ: ويجوز أن يكون الكدح بمعنى الكدّ، من قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ كَادِحٌ﴾ [الانشقاق: ٦]، وهو السعي والحرص انتهى ما في "قوت المغتذي" (١).
(فَمَنْ شَاءَ كَدَحَ وَجْهَهُ) بالسؤال (وَمَنْ شَاءَ تَرَكَ) الكُدُوح، أو السؤال، وهذا ليس بتخيير، بل هو توبيخٌ، كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ الآية (إِلَّا أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ ذَا سُلْطَانٍ) أي إلا أن يسأل الشخص صاحب حكم وولايةٍ حقَّه من بيت المال، أو غيره، فيباح له السؤال حينئذ، ولا منّة للسلطان في ذلك؛ لأنه متولٍّ بيتَ مال المسلمين، ووكيل على حقوقهم، فهذا سأله المحتاجون إنما يسألونه حقوقهم، فهو كسؤال الإنسان وكيله أن يُعطيه من ماله.
стр. 12312
قال الخطّابيّ في "المعالم": قوله: "إلا أن يسأل ذا سلطان" هو أن يسأله حقّه من بيت المال الذي في يده، وليس هذا على معنى استباحة الأموال التي تحويها أيدي بعض السلاطين من غصب أملاك المسلمين انتهى (١).
(أَوْ شَيْئًا لَا يَجِدُ مِنْهُ بُدًّا) أي إلا أن يسأل غير ذا سلطان شيئًا لا بد له منه، كما إذا تحمّل دينًا لإصلاح ذات البين، أو أصابته فاقة شديدة، أو أصاب ماله جائحة، كما تقدّم تفصيله، فيباح له السؤال.
قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: ظاهره أنه عطفٌ على "ذا سلطان"، ولا يستقيم، إذ السؤال يتعدّى إلى مفعولين: الشخص، والمطلوب المحتاج إليه، و"ذا سلطان" هو الأول، وترك الثاني للعموم، و"شيئًا" ها هنا لا يصلح أن يكون الأولَ، بل هو الثاني، إلا أن يراد بـ "شيئًا" شخصًا، ومعنى "لا يجد منه بُدًّا" أي من سؤاله بُدًّا، وهو تكلّفٌ بعيد، فالأقرب أن يقال: تقديره: "أو يسأل شيئًا الخ"، وحُذف ههنا المفعول الأول؛ لقصد العموم، أو يقدّر: يسأل ذا سلطان أيَّ شيء كان، أو غيره شيئًا لا يجد منه بُدًّا، فهو من عطف شيئين على شيئين، إلا أنه حُذف من كلّ منهما ما ذُكر مماثله في الآخر، من صنعة الاحتباك، واللَّه تعالى أعلم انتهى كلام السنديّ (٢).
قيل: ظاهر هذا الحديث أنه لا بأس بسؤال السلطان تكثّرًا؛ لأنه جعل سؤاله قسيمًا لسؤال غيره ما لا بدّله منه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث سمرة بن جندب - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٩٢/ ٢٥٩٩ و ٩٣/ ٢٦٠٠ - وفي "الكبرى" ٩٤/ ٢٣٨٠ و ٩٥/ ٢٣٨١. وأخرجه (د) في "الزكاة" ١٦٣٩ (ت) في "الزكاة" ٦٨٤. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو جواز سؤال الرجل ذا سلطان؛ لأن له عنده حقًّا في بيت المال، وإن لم يتعيّن (ومنها): جواز سؤال غير ذي السلطان
стр. 12313
في الأمر الذي لا بدّ منه، كأن يتحمّل حمالة، أو يستدين دَينًا في واجب، أو مباح (ومنها): ذم السؤال، وأنه شَينٌ في الشخص، يَجرَح به عرضه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في سؤال السلطان، وقبول جائزته:
قال الحافظ أبو عمر ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى-بعد أن أخرج الحديث-: ما نصّه: هذا حديث صحيح ثابت، وهو أصلٌ عند العلماء في سؤال السلطان خاصّة، وقبول جوائزه، وأَعطِيَتِهِ على كلّ حال، ما لم يعلمه حرامًا بعينه. وعمومُ هذا الحديث يقتضي كلّ سلطان، لم يخصّ من السلاطين صفة دون صفة، وقد كان يعلم كثيرًا مما يكون بعده، ألا ترى إلى قوله: "سيكون بعدي أمراء يؤخّرون الصلاة عن ميقاتها … " الحديث. فما لم يُعلَم الحرامُ عندهم بصفته جاز قبوله.
ثم أخرج بسنده عن نافع، أن عبد اللَّه بن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - كان يقبل جوائز الأمراء. وروى الأعمش وغيره، عن حبيب بن أبي ثابت، قال: رأيت هدايا المختار تأتي ابن عبّاس، وابن عمر، فيقبلانها.
قال أبو عمر: قَبِل جوائزَ الأمراء جمهورُ العلماء، منهم: عامرٌ الشعبيّ، والحسن البصريّ، وإبراهيم النخعيّ، وابن شهاب الزهريّ، والقاسم بن مُخيمِرَة، والحسن بن محمد ابن الحنفيّة، وثابتٌ البنانيّ، ويزيد الرَّقَاشيّ، وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، ومالك بن أنس، وسفيان الثوريّ، وابن عُيينة، والأوزاعيّ، وسعيد بن عبد العزيز، والشافعيّ، وأبو يوسف، ومحمد، وكان يحيى بن سعيد الأنصاريّ في ديوان الوليد، وكان جماعة من العلماء كانوا في ديوان بني أميّة، وبني العباس في العطاء. وذكر الحسن الحلواني في "كتاب المعرفة"، قال: حدثنا ابن عمير، قال: حدثنا ضمرة، عن أبي جميلة، قال: ذكر الوليد بن هشام لعمر بن عبد العزيز القاسمَ بن مُخيمِرة، قال: فأرسل إليه، فلما دخل عليه قال له عمر: سل حاجتك، قال: يا أمير المؤمنين قد علمتَ ما جاء في المسألة، قال: ليس أنا ذاك، إنما أنا قاسم، فسل حاجتك، قال: يا أمير المؤمنين أخدمني، قال: قد أمرنا لك بخادم، فخذها من عند الوليد بن هشام.
قال: وحدثنا عليّ بن حفص، قال: حدثنا الأشجعيّ، عن سفيان، عن منصور، قال: خرج إبراهيم النخعيّ، وتميم بن سلمة إلى عامل حلوان، فأعطاهما، قال: ففضّل تميمًا على إبراهيم، فوجد إبراهيم من ذلك في نفسه.
وذكر ابن أبي حاتم حديث أحمد بن منصور الرماديّ، عن القعنبيّ، قال: سمعت
стр. 12314
يحيى بن سُليم الطائفيّ، يحدّث عن سفيان بن عيينة أن محمد بن إبراهيم -يعني الهاشميّ- كان واليا على مكة، بعث إلى سفيان الثوريّ مائتي دينار، فأبى أن يقبلها، فقلت له: يا أبا عبد اللَّه كأنك لا تراها حلالًا، قال: بلى، ولكنّي أكره أن أَذِلّ.
وكان سفيان الثوريّ يقول: جوائز السلطان أحبّ إليّ من صلة الإخوان؛ لأنهم لا يمنّون، والإخوان يمنّون، وكان يحتجّ بقول ابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه -: لك الْمَهْنَى، وعليه المَأْثَمُ. وأخرج بسنده عن أبي الخلاّل، قال: سألت عثمان بن عفّان عن جائزة السلطان؟ قال: لحم ظبي ذكيّ. قال: وروينا عن الحسن بن أبي الحسن، من وجوه أنه كان يقول: لا يَرُدّ جوَائزهم إلا أحمق، أو مُرَاءٍ.
قال: وقال الليث: إن لم يكن له مال سوى الخمر، فليكفّ عنه. قال: وأكره طعام العمّال من جهة الورع، من غير تحريم. وقال القاسم بن محمد: لو كانت الدنيا كلها حرامًا لما كان بدّ من العيش فيها.
وقال مالك: فكلّ مَن عَمِل للسلطان عملًا، فله رزقه من بيت المال، قال: فلا بأس بالجائزة يُجاز بها الرجل، يراه الإمام بجائزته أهلًا لعلم، أو دينِ عليه، ونحو ذلك.
قال أبو عمر: ما أعلم أحدًا لم يقبل جوائز السلطان من علماء التابعين إلا سعيد بن المسيّب، وابن سيرين. انتهى كلام ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى- بتصرّف (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب".
…
٩٣ - (مَسْأَلَةُ الرَّجُلِ فِي أَمْرٍ لَا بُدَّ مِنْهُ)
٢٦٠٠ - (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ, عَنْ زَيْدِ بْنِ عُقْبَةَ, عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْمَسْأَلَةُ كَدٌّ, يَكُدُّ بِهَا الرَّجُلُ وَجْهَهُ, إِلاَّ أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ سُلْطَانًا, أَوْ فِي أَمْرٍ لَا بُدَّ مِنْهُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيح، وقد تقدّم شرحه، والكلام
стр. 12315
على مسائله في الباب الماضي، وباللَّه تعالى التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٦٠١ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ, عَنْ سُفْيَانَ, عَنِ الزُّهْرِيِّ,, قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ, عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ, قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَعْطَانِي, ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي, ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا حَكِيمُ, إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ, فَمَنْ أَخَذَهُ بِطِيبِ نَفْسٍ, بُورِكَ لَهُ فِيهِ, وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ, لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ, وَكَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ, وَلَا يَشْبَعُ, وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متّفق عليه، وقد تقدّم برقم -٥٠/ ٢٥٣١ - وتقدّم شرحه، والكلام على مسائله هناك، فراجعه تستفد، واللَّه تعالى وليّ التوفيق.
وقوله: "بسخاوة نفس" قال الزركشيّ -رحمه اللَّه تعالى-: أي بطيب نفس، من غير حرص عليه. وقال في "الفتح": أي بغير شَرَهٍ، ولا إلحاح، أي من أخذه بغير سؤال، وهذا بالنسبة إلى الآخذ، ويحتمل أن يكون بالنسبة إلى المعطي، أي بسخاوة نفس المعطي، أي باشراحه بما يعطيه انتهى.
وقوله: "وكان كالذي يأكل ولا يشبع" قال الزركشيّ -رحمه اللَّه تعالى-: يعني مَن به الجوع الكاذب، كلما ازداد أكلًا ازداد جوعًا. وقال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: قيل: هو الذي به داء لا يشبع بسببه. وقيل: يحتمل أن المراد تشبيه بالبهيمة الراعية انتهى.
وقوله: "واليد العليا خير من اليد السفلى" تقدّم أن الراجح في تفسيره: أن العُليا هي المعطية، والسُّفْلى هي السائلة، كما تقدّم في حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -، وفيه أقوال أخرى تقدّم ذكرها في -٥٢/ ٢٥٣٣ - لكن الصواب هو الأول؛ لأن خير ما فُسّر به الحديث ما جاء في رواية أخرى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٦٠٢ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ, قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْكِينُ بْنُ بُكَيْرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ, عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ, قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , فَأَعْطَانِي, ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي, ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي, ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا حَكِيمُ, إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ, حُلْوَةٌ, مَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ, بُورِكَ لَهُ فِيهِ, وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ النَّفْسِ, لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ, وَكَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ, وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدّم الكلام عليه في الذي قبله. ورجاله تقدّموا غيرا مرّة، غير:
١ - (مسكين بن بُكير) الْحَرَّانيّ، أبي عبد الرحمن الحذّاء، صدوقٌ يُخطىء، وكان صاحب حديث [٩].
стр. 12316
قال الأثرم: سمعت أحمد يحسن أمره. وقال مرّة: قدّمه أبو عبد اللَّه على مَخْلَد بن يزيد، وقال: حدّث عن شعبة بأحاديث لم يروها غيره. وقال أبو داود: سمعت أحمد يقول: لا بأس به، ولكن في حديثه خطأ. وقال ابن معين: لا بأس به. وكذا قال أبو حاتم، وزاد: صالح الحديث، يحفظ الحديث. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: مات سنة (١٩٨). وقال أبو أحمد الحاكم: كان كثير الوهم والخطإ. وقال في موضع آخر: ومن أين كان مسكين يضبط عن سعيد؟. وقال ابن شاهين في "الثقات": قال ابن عمّار: يقولون: إنه ثقة، لم أسمع منه.
روى له الجماعة، سوى الترمذيّ، وابن ماجه. وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (٢٦٠٢) و (٥٠٩٧) و (٥٤٠٤). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٦٠٣ - (أَخْبَرَنِي الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ بَكْرٍ, قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي, عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ, وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ, أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ, قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَعْطَانِي, ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي, ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا حَكِيمُ, إِنَّ هَذَا الْمَالَ حُلْوَةٌ, فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ, بُورِكَ لَهُ فِيهِ, وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ, لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ, وَكَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ, وَالْيَدُ الْعُلْيَا, خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى» , قَالَ حَكِيمٌ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ, لَا أَرْزَأُ أَحَدًا بَعْدَكَ, حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا بِشَيْءٍ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الَكلام على هذا الحديث كالكلام فيما قبله.
والإسناد أوله مصريّون، إلى عمرو بن الحارث، وآخره مدنيّون، و"الربيع بن سليمان": هو المصريّ الجيزيّ الأعرج الثقة. و"والد إسحاق": هو بكر بن مضر المصريّ الثقة الثبت. وكلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فمن أفراده هو، وأبي داود.
وقوله: "لا أرزأ أحدًا بعد الخ" -بفتح الهمزة، وإسكان الراء، وفتح الزاي، بعدها همزة-: أي لا أنقص ماله بسؤاله. وفي رواية: "قلت: فواللَّه لا تكون يدي بعدك تحت يد من أيدي العرب".
زاد في رواية البخاريّ: "فكان أبو بكر - رضي اللَّه تعالى عنه - يدعو حكيمًا إلى العطاء، فيأبى أن يقبله منه، ثم إن عمر - رضي اللَّه تعالى عنه - دعاه ليعطيه، فأبى أن يقبل منه شيئًا، فقال: إني أشهدكم معشر المسلمين على حكيم أَنِّي أَعْرِض عليه حقّه من هذا الفيء، فيأبى أن يأخذه، فلم يرزأ حكيمٌ أحدًا من الناس بعد رسول اللَّه ﷺ حتى توفّي".
وإنما امتنع حكيم من أخذ العطاء مع أنه حقّه لأنه خشي أن يقبل من أحد شيئًا، فيعتاد الأخذ، فتتجاوز به نفسه إلى ما لا يريده، ففطمها عن ذلك، وترك ما يريبه إلى ما
стр. 12317
لا يريبه. وإنما أشهد عليه عمرُ - رضي اللَّه تعالى عنه -؛ لأنه أراد أن لا يَنسُبَهُ أحد لم يَعرف باطن الأمر إلى منع حكيم من حقّه. قاله في "الفتح" (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب".
…
٩٤ - (مَنْ آتَاهُ اللَّه مَالًا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ)
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدّالّة على حكم الشخص الذي آتاه اللَّه تعالى مالًا من غير أن يسأل الناس.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: "من" يحتمل أن تكون موصولة مبتدأٌ خبرها محذوف، لدلالة الحديث عليه، أي أخذه. ويحتمل أن تكون شرطيّة، جوابها محذوف لدلالة الحديث عليه أيضًا، أي أخذه، أو فليأخذه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٦٠٤ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنْ بُكَيْرٍ, عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ, عَنِ ابْنِ السَّاعِدِيِّ الْمَالِكِيِّ, قَالَ: اسْتَعْمَلَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁, عَلَى الصَّدَقَةِ, فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنْهَا, فَأَدَّيْتُهَا إِلَيْهِ, أَمَرَ لِي بِعُمَالَةٍ, فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّمَا عَمِلْتُ لِلَّهِ , وَأَجْرِي عَلَى اللَّهِ , فَقَالَ: خُذْ مَا أَعْطَيْتُكَ, فَإِنِّي قَدْ عَمِلْتُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَقُلْتُ لَهُ: مِثْلَ قَوْلِكَ, فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِذَا أُعْطِيتَ شَيْئًا, مِنْ غَيْرِ أَنْ تَسْأَلَ, فَكُلْ وَتَصَدَّقْ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح.
وقوله: "عن ابن الساعديّ". هكذا وقع في هذا الإسناد "عن ابن الساعديّ" عند المصنّف، وكذا هو عند مسلم من طريق الليث، عن بُكير بن الأشجّ، وخالفه عمرو بن الحارث، عن بكير، عند مسلم أيضًا، فقال: "عن ابن السعديّ"، وهو المحفوظ.
قال القاضي عياض -رحمه اللَّه تعالى-: الصواب "ابن السعديّ"، كما في الرواية الأخرى، واسمه قُدامة. وقيل: عمرو، وإنما قيل له: "السعديّ" لأنه استُرضع في بني سعد بن بكر، وأما "الساعديّ" فلا يُعرف له وجه، وابنه عبد اللَّه من الصحابة، وهو
стр. 12318
قرشي عامريّ مالكيّ، من مالك بن حِسْل بن عامر بن لؤيّ انتهى.
وفي "تهذيب التهذيب": عبد اللَّه بن السعديّ، واسمه عمرو. وقيل: قُدامة. وقيل: عبد اللَّه بن وقدان بن عبد شمس بن عبد وُدّ بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤيّ العامري، أبو محمد، ويقال له: السعديّ؛ لأنه كان مسترضعًا في بني سعد. وقال فيه بعضهم: ابن الساعديّ، سكن الأردنّ. روى عن النبيّ ﷺ ، وعن عمر بن الخطّاب حديث الْعُمَالة، وعن محمد بن حبيب المصريّ، إن كان محفوظًا. وعنه حُويطب بن عبد العزّى، والسائب بن يزيد، وعبد اللَّه بن مُحيريز، ومالك بن يُخامر، وأبو إدريس، وبُسْر بن سعيد، وحسّان بن الضمريّ. قال الواقديّ: توفّي سنة (٥٤). وقال ابن حبّان: مات في خلافة عمر. قال ابن عساكر: لا أراه محفوظًا.
أخرج له الجماعة، سوى الترمذيّ، وابن ماجه وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، وأعاده بعده برقم ٢٦٠٥ و ٢٦٠٦ و ٢٦٠٧ وحديث: "لا تنقطع الهجرة … " برقم ٤١٧٢ وأعاده بعده ٤١٧٣.
وأما شرح الحديث، والكلام على مسائله، فسيأتي في الحديث الذي يليه، إن شاء اللَّه تعالى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجعِ والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٦٠٥ - (أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَخْزُومِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ, عَنْ حُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى, قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ السَّعْدِيِّ, أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ, ﵁ مِنَ الشَّامِ, فَقَالَ: أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَعْمَلُ عَلَى عَمَلٍ, مِنْ أَعْمَالِ الْمُسْلِمِينَ, فَتُعْطَى عَلَيْهِ عُمَالَةً, فَلَا تَقْبَلُهَا؟ , قَالَ: أَجَلْ, إِنَّ لِي أَفْرَاسًا, وَأَعْبُدًا, وَأَنَا بِخَيْرٍ, وَأُرِيدُ أَنْ يَكُونَ عَمَلِي صَدَقَةً عَلَى الْمُسْلِمِينَ, فَقَالَ: عُمَرُ ﵁ إِنِّي أَرَدْتُ الَّذِي أَرَدْتَ, وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْطِينِى الْمَالَ, فَأَقُولُ: أَعْطِهِ مَنْ هُوَ أَفْقَرُ إِلَيْهِ مِنِّي, وَإِنَّهُ أَعْطَانِى مَرَّةً مَالاً, فَقُلْتُ لَهُ: أَعْطِهِ مَنْ هُوَ أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنِّي, فَقَالَ: «مَا آتَاكَ اللَّهُ , مِنْ هَذَا الْمَالِ, مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ, وَلَا إِشْرَافٍ, فَخُذْهُ, فَتَمَوَّلْهُ, أَوْ تَصَدَّقْ بِهِ, وَمَا لَا, فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (سعيد بن عبد الرحمن) بن حسان المخزومي، أبو عبيد اللَّه المكي، ثقة، من صغار [١٠] ٤١/ ١٢٧٧.
٢ - (سفيان) بن عيينة أبو محمد المكي، ثقة ثبت حجة [٨] ١/ ١.
٣ - (الزهري) محمد بن مسلم الإمام الحجة الثبت المدني [٤] ١/ ١.
٤ - (السائب بن يزيد) بن سعيد بن ثمامة الكندي الصحابي الصغير ﵁، تقدم في
стр. 12319
١٥/ ١٣٩٢.
٥ - (حُويطب بن عبد العزّى) بن أبي قيس بن عبد وُدّ بن نصر بن مالك بن حِسْل بن عامر بن لؤيّ العامري، أبو محمد، ويقال: أبو الأصبغ، مكيّ من مسلمة الفتح، وشهد حُنينًا، وكان من المؤلّفة، وجدّد أنصاب الحرم في عهد عمر.
روى عن عبد اللَّه بن السعديّ. وعنه السائب بن يزيد، وابنه أبو سفيان بن حُويطب، وعبد اللَّه بن بُريدة، وغيرهم. قال الدُّوريّ، عن ابن معين: لا أحفظ عنه، عن النبيّ ﷺ شيئًا ثابتًا. وقال الزبير بن بكّار: هو الذي افتدت أمه يمينه. وقال أحمد: بلغني عن الشافعيّ، قال: كان حويطب حَميد الإسلام (١).
وقال الواقديّ: حدثنا عبد الرحمن بن عبد العزيز، حدثنا عبد اللَّه بن أبي بكر بن حزم: وكان حويطب يقول: انصرفت من صلح الحديبية، وأنا مستيقن أن محمدًا ﷺ سيظهر، فذكر قصّة طويلة. وروى ابن سعد في "الطبقات" من طريق المنذر بن جَهم وغيره، عن حويطب، قال: لما دخل رسول اللَّه ﷺ مكّة خِفْتُ خوفًا شديدًا، فذكر قصّة طويلة، فَفَرَّقْتُ أهلي بحيث يأمنون، وانتهيت إلى حائط عوف، فأقمت فيه، فإذا بأبي ذرّ، وكانت لي به معرفة -والمعرفة أبدًا نافعة- فسلّمت عليه، فذكرت له، فقال: اجمع عيالك، وأنت آمن، وذهب إلى رسول اللَّه ﷺ ، فأخبره، فاطمأننتُ، فقال لي أبو ذرّ: حتى متى يا أبا محمد، قد سُبِقتَ، وفاتك خير كثير، ورسول اللَّه ﷺ أبرّ الناس، وأحلم الناس، وشرفه شرفك، وعزّه عزّك، فقلت: أنا أخرج معك، فقال: إذا رأيته، فقل: السلام عليك أيها النبيّ ورحمة اللَّه، فقلتها، فقال: "وعليك السلام"، فتشهدتُ، فسُرّ بذلك، وقال: "الحمد للَّه الذي هداك"، قال: واستقرضني مالًا، فأقرضته أربعين ألفًا، وشهدتُ معه حُنينًا، وأعطاني من الغنائم، ثم قدم حُويطب المدينة، فنزلها إلى أن مات، وباع داره بمكة من معاوية بأربعين ألف دينار، فاستكثرها بعض الناس، فقال حويطب: وما هي لمن عنده خمس من العيال؟. وروى عبد الرزاق من طريق أبي نَجِيح، عن حويطب: أن امرأة جذبت أمتها، وقد عاذت منها بالبيت، فشُلّت يدها، فلقد جاء الإسلام، وإن يدها شلّاء. ورواه الطبرانيّ من وجه آخر من طريق ابن أبي نَجيح، عن أبيه، عن حُويطب، لكن قال: إن العائذة امرأة، وإن الذي جذبها زوجها (٢).
قال الواقدي: كان قد بلغ عشرين ومائة سنة، ستين في الإسلام، وستين في الجاهلية. قال خليفة: مات سنة (٥٤).
стр. 12320
وذكر في "الفتح" أنه كان من أعيان قريش، وأسلم في الفتح، وكان حَمِيد الإسلام، وكانت وفاته بالمدينة سنة (٥٤) من الهجرة، وهو ابن مائة وعشرين سنة، وهو ممن أُطلق عليه أنه عاش ستين في الجاهلية، وستين في الإسلام تجوّزًا، ولا يتمّ ذلك تحقيقًا؛ لأنه إن أريد بزمان الإسلام أول البعثة، فيكون عاش سبعًا وستين، أو الهجرة، فيكون عاش فيه أربعًا وخمسين، أو زمن إسلامه هو، فيكون ستًّا وأربعين، والأول أقرب إلى الإطلاق على طريقة جبر الكسر تارةً، وإلغائه أخرى انتهى (١).
روى له الشيخان، والنسائيّ حديث الباب فقط (٢).
٦ - (عبد اللَّه بن السعدي) هو ابن الساعدي المذكور في السند الماضي.
٧ - (عمر بن الخطاب) - رضي اللَّه تعالى عنه - تقدّم في ٦/ ٧٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-؛ ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين من الزهريّ، والباقيان مكيان. ومنها: أنه اجتمع فيه أربعة من الصحابة، يروي بعضهم عن بعض: السائب، وحويطب، وابن السعديّ، وعمر - رضي اللَّه تعالى عنهم -. وقد ذكر بعضهم السند المذكور في بيتين، فقال [من البسيط]:
وَفِي الْعُمَالَةِ إِسْنَادٌ بِأَرْبَعَةٍ … مِنَ الصَّحَابَةِ فِيهِ عَنْهُمُ ظَهَرَا
السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ حُوَيْطِبٍ عَبْـ … ـدُ اللَّهِ حَدَّثهُ بِذَاكَ عَنْ عُمَرَا (٣)
[تنبيه]: وقع للإمام مسلم -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه"، في هذا الإسناد خطأ، حيث أخرجه بسنده عن ابن شهاب، عن السائب بن يزيد، عن عبد اللَّه بن السعديّ، عن عمر بن الخطّاب - رضي اللَّه تعالى عنه -، فأسقط حويطبًا.
قال النوويّ في "شرحه": واعلم أن هذا الحديث مما استُدرك على مسلم، قال القاضي عياض: قال أبو عليّ بن السكن: بين السائب بن يزيد، وعبد اللَّه بن السعديّ رجلٌ، وهو حُويطب بن عبد العزّى، قال النسائيّ: لم يسمعه السائب من ابن السعديّ، بل إنما رواه عن حويطب عنه. وقال غيره: هو محفوظ من طريق عمرو بن الحارث، رواه أصحاب شُعيب، والزبيديّ، وغيرهما، عن الزهريّ، قال: أخبرني السائب بن يزيد أن حويطبًا أخبره أن عبد اللَّه بن السعديّ أخبره، أن عمر أخبره. وكذلك رواه
стр. 12321
يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب. هذا كلام القاضي.
قال: وقد رواه النسائيّ في "سننه" كما ذكر عن ابن عيينة، عن الزهريّ، عن السائب، عن حويطب، عن ابن السعديّ، عن عمر - رضي اللَّه تعالى عنه -. -يعني السند المذكور هنا-.
قال: ورويناه عن الحافظ عبد القادر الرُّهَاويّ في كتابه "الرباعيّات"، قال: وقد رواه هكذا عن الزهريّ: محمدُ بن الوليد الزبيديّ، وشعيب بن أبي حمزة الحمصيّان، وعُقيل بن خالد، ويونس بن يزيد الأيليان، وعمرو بن الحارث المصريّ، والحكم بن نافع الحمصيّ، ثم ذكر طرقهم بأسانيدها مطوّلةً مطرّقة، كلهم عن الزهريّ، عن السائب، عن حُويطب، عن ابن السعديّ، عن عمر. وكذا رواه البخاريّ من طريق شعيب. قال عبد القادر: ورواه النعمان بن راشد، عن الزهريّ، فأسقط حويطبًا. ورواه معمر، عن الزهريّ، واختُلف عنه فيه، فرواه عنه سفيان بن عيينة، وموسى بن أعين، كما رواه الجماعة، عن الزهريّ. ورواه ابن المبارك، عن معمر، فأسقط حويطبًا، كما رواه النعمان بن راشد، عن الزهريّ. ورواه عبد الرزاق، عن معمر، فأسقط حويطبًا، وابن السعديّ. ثم ذكر الحافظ عبد القادر طرقهم كذلك. قال: فهذا ما انتهى من طرق هذا الحديث. قال: والصحيح ما اتفق عليه الجماعة -يعني عن الزهريّ، عن السائب، عن حويطب، عن ابن السعديّ، عن عمر. انتهى كلام النوويّ (١).
قال الحافظ: ومقتضاه أن يكون سقوط حويطب من رواية مسلم وَهَمًا منه، أو من شيخه، وإلا فذِكْرُه ثابت من رواية غيره كما تقدّم، واللَّه أعلم. انتهى (٢).
شرح الحديث
(عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ) زاد في رواية البخاريّ: "ابن أخت نَمِر" -أي بفتح النون، وكسر الميم، بعدها راء- صحابيّ أدرك من زمن النبيّ ﷺ ستّ سنين، وحفظ عنه، وهو من أواخر الصحابة موتًا، وآخر من مات منهم بالمدينة. وقيل: محمود بن الربيع. وقيل: محمود بن لَبِيد. وتقدمت ترجمته في ١٥/ ١٣٩٢ - (عَنْ حُوَيْطِب بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبدُ اللَّهِ بْنُ السَّعْدِيِّ" - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، ﵁) زاد في رواية شعيب: "في خلافته" (مِنَ الشَّامِ، فَقَالَ: أَلَمْ أُخْبَرْ) وفي رواية الزبيديّ: "ألم أُحدَّث".
стр. 12322
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: [فإن قلت]: تقدّم في رواية بُسْر بن سعيد أن عمر هو الذي استعمله، ولفظه: "استعملني عمر بن الخطّاب - رضي اللَّه تعالى عنه - على الصدقة، فلما فرغت منها، فأدّيتها إليه، أمر لي بعُمالة، فقلت له: إنما عَملت للَّه … "، فكيف يُجمع بينه، وبين قوله هنا: "ألم أُخبر"؟.
[قلت]: يجاب عنه - واللَّه تعالى أعلم- بأن عمر هو الذي استعمله على الشام لجمع الصدقات، فلما جمعها، وقدم بها عليه، أمر له أن يُعطَى عُمالته، فلم يقبلها، فأُخبر بذلك عمر - رضي اللَّه تعالى عنه -، فاستدعاه، فقال له: ألم أخبر الخ. واللَّه تعالى أعلم.
(أَنَّكَ تَعْمَلُ عَلى عَمَلٍ، مِنْ أَعْمَالِ الْمُسْلِمِينَ) قد تبيّن من رواية بُسْر بن سعيد المذكورة نوع العمل الذي تولّاه، وهو السعي على الصدقة (فَتُعْطَى عَلَيْهِ عُمَالَةً) -بضمّ العين المهملة، وتخفيف الميم- اسم لأجرة العمل، وأما العَمَالة -بفتح العين- فهي نفس العمل (فَلَا تَقْبَلُهَا؟) وفي رواية الزبيديّ الآتية: "رددتها". وفي رواية شعيب الآتية: "كرهتها" (قَالَ) ابن السعديّ (أَجَلْ) بفتحتين، كـ "نعم" وزنًا ومعنًى. وفي الرواية الآتية: "قلت: بلى". زاد في الرواية الآتية: "فما تريد إلى ذلك؟ "، أي ما غاية قصدك بهذا الردّ؟، فبيّن قصده بقوله (إِنَّ لِي أَفْرَاسًا، وَأَعْبُدًا، وَأنَا بِخَيْرٍ) والأفراس بالفاء جمع فرس، والأعبد بالباء الموحّدة جمع عبد. قال الحافظ: وَللكشميهنيّ "أعتُد" -بمثناة بدل الموحّدة، جمع عَتيد، وهو المال المدّخر. ووقع عند ابن حبّان في "صحيحه" من طريق قبيصة بن ذؤيب أن عمر أعطى ابن السعديّ ألف دينار، فذكر بقيّة الحديث نحو الذي هنا. ورويناه في الجزء الثالث من "فوائد أبي بكر النيسابوريّ" الزيادات من طريق عطاء الخراسانيّ، عن عبد اللَّه بن السعديّ، قال: قدمت على عمر، فأرسل إليّ ألف دينار، فرددتها، وقلت: أنا عنها غنيّ"، فذكره أيضًا بنحوه، واستفيد منه قدر العمال المذكورة انتهى كلام الحافظ (١).
(وَأُرِيدُ أَنْ يَكُونَ عَمَلِي صَدَقَةً عَلَى الْمُسْلِمِينَ) أراد ابن السعديّ - رضي اللَّه تعالى عنه - بهذا بيان سبب تركه قبول العُمَالة، وذلك كونه غير محتاج إليها، وإرادته التصدّق بها على المسلمين.
(فَقَالَ: عُمَرُ ﵁: إِنِّي أَرَدْتُ) بضم التاء على التكلّم (الَّذِي أَرَدْتَ) بفتح التاء على الخطاب (وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ ، يُعْطِينِي الْمَالَ) وفي الرواية الآتية: "يعطني العطاء"
стр. 12323
و"العطاء": هو المال الذي يقسمه الإمام في المصالح.
ووقع في رواية بُسر بن سعيد عند مسلم: "فإني عملت على عهد رسول اللَّه ﷺ ، فعَمَّلني، فقلت مثل ذلك". فقوله: "عَمّلني" -بتشديد الميم، أي أعطاني أجرة عملي.
(فَأَقُولُ: أَعْطِهِ مَنْ هُوَ أَفْقَرُ إِلَيْهِ مِنِّي) قال الكرمانيّ: جاز الفصل بين أفعل التفضيل، وبين كلمة "من" لأن الفاصل ليس أجنبيًّا، بل هو ألصق به من الصلة؛ لأنه يحتاج إليه بحسب جوهر اللفظ، والصلة محتاجٌ إليها بحسب الصيغة انتهى.
(وَإِنَّهُ) ﷺ (أَعْطَانِي مَرةً مَالًا، فَقُلْتُ لَهُ: أَعْطِهِ منْ هُوَ أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنِّي، فَقَالَ) ﷺ ("مَا آتَاكَ اللَّهُ ، مِنْ هَذَا الْمَالِ، مِنْ غَيْرِ مَسأَلَةٍ) أي من غير طلب منك له.
قال النوويّ: فيه النهي عن السؤال. وقد اتفق العلماء على النهي عنه لغير الضرورة. واختُلف في مسألة القادر على الكسب، والأصحّ التحريم. وقيل: يباح بثلاثة شروط: أن لا يُذِلّ نفسه، ولا يُلحّ في السؤال، ولا يؤذي المسؤول، فإن فُقد شرط من هذه الشروط، فهي حرام بالاتفاق انتهى. وقد تقدم تمام البحث في هذه المسألة قريبًا، وباللَّه تعالى التوفيق.
(وَلَا إِشْرَافٍ) أي تطلّع إليه. والإشراف -بالمعجمة-: التعرّض للشيء، والحرص عليه، من قولهم أشرف على كذا: إذا تطاول له. وقيل للمكان المرتفع: شَرَفٌ لذلك.
قال أبو داود: سألت أحمد عن إشراف النفس؟ فقال: بالقلب. وقال يعقوب بن محمد: سألت أحمد عنه؟ فقال: هو أن يقول مع نفسه يبعث إليّ فلان بكذا. وقال الأثرم: يضيق عليه أن يردّه إذا كان كذلك. قاله في "الفتح" (١).
وقال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: إشراف النفس: تطلّعها، وتشوّفها، وشَرَهُهَا لأخذ المال، ولا شكّ أن هذه الأمور إذا كانت هي الباعثة على الأخذ للمال؛ كان ذلك من أدلّ دليل على شدّة الرغبة في الدنيا، والحبّ لها، وعدم الزهد فيها، والركون إليها، والتوسّع فيها، وكلّ ذلك أحوالٌ مذمومة، فنهاه عن الأخذ على هذه الحالة؛ اجتنابًا للمذموم، وقَمْعًا لدواعي النفس، ومخالفةً لها في هواها، فإن لم يكن كذلك جاز له الأخذ للأمن من تلك العلل المذمومة.
قال الطحاويّ: وليس معنى هذا الحديث في الصدقات، وإنما هو في الأموال التي يقسمها الإمام على أغنياء الناس وفقرائهم انتهى كلام القرطبيّ (٢).
(فَخُذْهُ) أي وجوبًا على ما قاله بعضهم؛ عملًا بظاهر الأمر، وهو الأقرب، أو
стр. 12324
استحبابًا على ما عليه الجمهور، كما سيأتي تحقيقه في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى.
(فَتَمَوَّلْهُ) أي اتخذه مالًا (أَوْ تصدَّق بِهِ) وفي رواية: "وتصدّق" بالواو. أي إذا أخذته، فإن شئت أبقه عندك، وإن شئت تصدّق به. قال في "الفتح": وهو أمر إرشاد على الصحيح. قال ابن بطّال: أشار ﷺ على عمر بالأفضل؛ لأنه وإن كان مأجورًا بإيثاره لعطائه عن نفسه من هو أفقر إليه منه، فإنّ أخذه للعطاء، ومباشرته للصدقة بنفسه أعظم لأجره، وهذا يدلّ على عظيم فضل الصدقة بعد التموّل؛ لما في النفوس من الشحّ على المال انتهى (١).
(وَمَا لَا، فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ) من أَتْبع مخفّفًا، أي ما لم يؤتيك اللَّه بالشرط المذكور، فلا تجعل نفسك تابعةً له، ناظرةً إليه؛ لأجل أن يحصل عندك.
وقال النوويّ: معناه: ما لم يوجد فيه هذا الشرط لا تُعلّق النفس به انتهى.
وقال القرطبيّ: أي لا تعلّقها، ولا تُطمعها في ذلك، فإذا فعلت ذلك بها سكنت، ويئست انتهى.
وفيه إشارة إلى أن المدار على عدم تعلّق النفس بالمال، لا على عدم أخذه وردّه على المعطي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عمر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٩٤/ ٢٦٥٤ و ٢٦٠٥ و ٢٥٠٦ و ٢٦٠٧ و ٢٦٠٨ - وفي "الكبرى" ٩٦/ ٢٣٨٥ و ٢٣٨٦ و ٢٣٨٧ و ٢٣٨٨ و ٢٣٨٩. وأخرجه (خ) في "الزكاة" ١٤٧٣ وفي "كتاب الأحكام" ٧١٦٤ (م) في "الزكاة" ١٠٤٥ (د) في "الزكاة" ١٦٤٧ وفي "الخراج" ٢٩٤٤ (أحمد) في "مسند العشرة" ١٠١ و ١٣٧ و ٢٨١ و ٣٧٣ (الدارمي) في "الزكاة" ١٦٤٧. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم من رزقه اللَّه تعالى
стр. 12325
مالًا من غير مسألة، وقد ذكرنا اختلاف أهل العلم فيه، والجمهور على استحباب أخذه على تفصيل في المسألة، لكن القول بالوجوب هو الأقرب؛ لأنه الذي تدلّ عليه ظواهر النصوص، كما سيأتي في المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالى (ومنها): أن للإمام أن يعطي بعض رعيّته إذا رأى لذلك وجهًا، وإن كان غيره أحوج إليه منه (ومنها): أن ردّ عطية الإمام ليس من الأدب، ولا سيّما من الرسول ﷺ ؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ الآية (ومنها): أن فيه منقبةً لعمر بن الخطاب - رضي اللَّه تعالى عنه -، وبيانَ فضله، وزُهده، وإيثاره، وكذا لابن السعديّ - رضي اللَّه تعالى عنه -، فقد طابق فعلُه فعلَه (ومنها): أنّ أخذ ما جاء من المال من غير سؤال، ولا إشراف نفس أفضل من ردّه؛ لأن أخذه يكون أعون على العمل، وألزم للنصيحة, لأنه إذا لم يأخذ كان عند نفسه متطوّعًا بالعمل، فقد لا يجدّ جدّ من أخذ، ركونًا إلى أنه غير ملتزم، بخلاف الذي يأخذ، فإنه يكون مستشعرًا بأن العمل واجبٌ عليه، فيجدّ جدَّه فيه (ومنها): أن التصدّق بالمال بعد قبضه أفضل من التصدّق قبله؛ لأن الإنسان إذا دخل المال في يده يكون أحرص عليه، فإذا تصدّق به، طيّبة نفسه، كان أدلّ على حبه للخير، وقوة إيمانه، بخلاف ما إذا تصدّق قبل قبضه، فإن النفس لا تطمع إليه كثيرًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم أخذ الشخص ما جاءه من المال، من غير مسألة، ولا إشراف، وفي عطيّة السلطان:
قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: اختلف العلماء فيمن جاءه مالٌ، هل يجب قبوله، أم يُندبُ؟ على ثلاثة مذاهب، حكاها أبو جعفر محمد بن جرير الطبريّ، وآخرون، والصحيح المشهور الذي عليه الجمهور أنه يستحبّ في غير عطيّة السلطان، أما عطيّة السلطان، فحرّمها قوم، وأباحها قوم، وكرهها قوم، والصحيح أنه إن غلب الحرام فيما في يد السلطان حرمت، وكذا إن أَعطَى من لا يستحقّ، وإن لم يغلب الحرام، فمباحٌ، إن لم يكن في القابض مانع يمنعه من استحقاق الأخذ. وقالت طائفة: الأخذ واجبٌ من السلطان وغيره.
وقال آخرون: هو مندوبٌ في عطيّة السلطان، دون غيره، واللَّه أعلم انتهى كلام النوويّ (١).
وقال الحافظ: والتحقيق في المسألة أن من عُلِمَ كون ماله حلالًا، فلا تردّ عطيّته،