يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب. هذا كلام القاضي.
قال: وقد رواه النسائيّ في "سننه" كما ذكر عن ابن عيينة، عن الزهريّ، عن السائب، عن حويطب، عن ابن السعديّ، عن عمر - رضي اللَّه تعالى عنه -. -يعني السند المذكور هنا-.
قال: ورويناه عن الحافظ عبد القادر الرُّهَاويّ في كتابه "الرباعيّات"، قال: وقد رواه هكذا عن الزهريّ: محمدُ بن الوليد الزبيديّ، وشعيب بن أبي حمزة الحمصيّان، وعُقيل بن خالد، ويونس بن يزيد الأيليان، وعمرو بن الحارث المصريّ، والحكم بن نافع الحمصيّ، ثم ذكر طرقهم بأسانيدها مطوّلةً مطرّقة، كلهم عن الزهريّ، عن السائب، عن حُويطب، عن ابن السعديّ، عن عمر. وكذا رواه البخاريّ من طريق شعيب. قال عبد القادر: ورواه النعمان بن راشد، عن الزهريّ، فأسقط حويطبًا. ورواه معمر، عن الزهريّ، واختُلف عنه فيه، فرواه عنه سفيان بن عيينة، وموسى بن أعين، كما رواه الجماعة، عن الزهريّ. ورواه ابن المبارك، عن معمر، فأسقط حويطبًا، كما رواه النعمان بن راشد، عن الزهريّ. ورواه عبد الرزاق، عن معمر، فأسقط حويطبًا، وابن السعديّ. ثم ذكر الحافظ عبد القادر طرقهم كذلك. قال: فهذا ما انتهى من طرق هذا الحديث. قال: والصحيح ما اتفق عليه الجماعة -يعني عن الزهريّ، عن السائب، عن حويطب، عن ابن السعديّ، عن عمر. انتهى كلام النوويّ (١).
قال الحافظ: ومقتضاه أن يكون سقوط حويطب من رواية مسلم وَهَمًا منه، أو من شيخه، وإلا فذِكْرُه ثابت من رواية غيره كما تقدّم، واللَّه أعلم. انتهى (٢).
شرح الحديث
(عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ) زاد في رواية البخاريّ: "ابن أخت نَمِر" -أي بفتح النون، وكسر الميم، بعدها راء- صحابيّ أدرك من زمن النبيّ ﷺ ستّ سنين، وحفظ عنه، وهو من أواخر الصحابة موتًا، وآخر من مات منهم بالمدينة. وقيل: محمود بن الربيع. وقيل: محمود بن لَبِيد. وتقدمت ترجمته في ١٥/ ١٣٩٢ - (عَنْ حُوَيْطِب بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبدُ اللَّهِ بْنُ السَّعْدِيِّ" - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، ﵁) زاد في رواية شعيب: "في خلافته" (مِنَ الشَّامِ، فَقَالَ: أَلَمْ أُخْبَرْ) وفي رواية الزبيديّ: "ألم أُحدَّث".
стр. 12322
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: [فإن قلت]: تقدّم في رواية بُسْر بن سعيد أن عمر هو الذي استعمله، ولفظه: "استعملني عمر بن الخطّاب - رضي اللَّه تعالى عنه - على الصدقة، فلما فرغت منها، فأدّيتها إليه، أمر لي بعُمالة، فقلت له: إنما عَملت للَّه … "، فكيف يُجمع بينه، وبين قوله هنا: "ألم أُخبر"؟.
[قلت]: يجاب عنه - واللَّه تعالى أعلم- بأن عمر هو الذي استعمله على الشام لجمع الصدقات، فلما جمعها، وقدم بها عليه، أمر له أن يُعطَى عُمالته، فلم يقبلها، فأُخبر بذلك عمر - رضي اللَّه تعالى عنه -، فاستدعاه، فقال له: ألم أخبر الخ. واللَّه تعالى أعلم.
(أَنَّكَ تَعْمَلُ عَلى عَمَلٍ، مِنْ أَعْمَالِ الْمُسْلِمِينَ) قد تبيّن من رواية بُسْر بن سعيد المذكورة نوع العمل الذي تولّاه، وهو السعي على الصدقة (فَتُعْطَى عَلَيْهِ عُمَالَةً) -بضمّ العين المهملة، وتخفيف الميم- اسم لأجرة العمل، وأما العَمَالة -بفتح العين- فهي نفس العمل (فَلَا تَقْبَلُهَا؟) وفي رواية الزبيديّ الآتية: "رددتها". وفي رواية شعيب الآتية: "كرهتها" (قَالَ) ابن السعديّ (أَجَلْ) بفتحتين، كـ "نعم" وزنًا ومعنًى. وفي الرواية الآتية: "قلت: بلى". زاد في الرواية الآتية: "فما تريد إلى ذلك؟ "، أي ما غاية قصدك بهذا الردّ؟، فبيّن قصده بقوله (إِنَّ لِي أَفْرَاسًا، وَأَعْبُدًا، وَأنَا بِخَيْرٍ) والأفراس بالفاء جمع فرس، والأعبد بالباء الموحّدة جمع عبد. قال الحافظ: وَللكشميهنيّ "أعتُد" -بمثناة بدل الموحّدة، جمع عَتيد، وهو المال المدّخر. ووقع عند ابن حبّان في "صحيحه" من طريق قبيصة بن ذؤيب أن عمر أعطى ابن السعديّ ألف دينار، فذكر بقيّة الحديث نحو الذي هنا. ورويناه في الجزء الثالث من "فوائد أبي بكر النيسابوريّ" الزيادات من طريق عطاء الخراسانيّ، عن عبد اللَّه بن السعديّ، قال: قدمت على عمر، فأرسل إليّ ألف دينار، فرددتها، وقلت: أنا عنها غنيّ"، فذكره أيضًا بنحوه، واستفيد منه قدر العمال المذكورة انتهى كلام الحافظ (١).
(وَأُرِيدُ أَنْ يَكُونَ عَمَلِي صَدَقَةً عَلَى الْمُسْلِمِينَ) أراد ابن السعديّ - رضي اللَّه تعالى عنه - بهذا بيان سبب تركه قبول العُمَالة، وذلك كونه غير محتاج إليها، وإرادته التصدّق بها على المسلمين.
(فَقَالَ: عُمَرُ ﵁: إِنِّي أَرَدْتُ) بضم التاء على التكلّم (الَّذِي أَرَدْتَ) بفتح التاء على الخطاب (وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ ، يُعْطِينِي الْمَالَ) وفي الرواية الآتية: "يعطني العطاء"
стр. 12323
و"العطاء": هو المال الذي يقسمه الإمام في المصالح.
ووقع في رواية بُسر بن سعيد عند مسلم: "فإني عملت على عهد رسول اللَّه ﷺ ، فعَمَّلني، فقلت مثل ذلك". فقوله: "عَمّلني" -بتشديد الميم، أي أعطاني أجرة عملي.
(فَأَقُولُ: أَعْطِهِ مَنْ هُوَ أَفْقَرُ إِلَيْهِ مِنِّي) قال الكرمانيّ: جاز الفصل بين أفعل التفضيل، وبين كلمة "من" لأن الفاصل ليس أجنبيًّا، بل هو ألصق به من الصلة؛ لأنه يحتاج إليه بحسب جوهر اللفظ، والصلة محتاجٌ إليها بحسب الصيغة انتهى.
(وَإِنَّهُ) ﷺ (أَعْطَانِي مَرةً مَالًا، فَقُلْتُ لَهُ: أَعْطِهِ منْ هُوَ أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنِّي، فَقَالَ) ﷺ ("مَا آتَاكَ اللَّهُ ، مِنْ هَذَا الْمَالِ، مِنْ غَيْرِ مَسأَلَةٍ) أي من غير طلب منك له.
قال النوويّ: فيه النهي عن السؤال. وقد اتفق العلماء على النهي عنه لغير الضرورة. واختُلف في مسألة القادر على الكسب، والأصحّ التحريم. وقيل: يباح بثلاثة شروط: أن لا يُذِلّ نفسه، ولا يُلحّ في السؤال، ولا يؤذي المسؤول، فإن فُقد شرط من هذه الشروط، فهي حرام بالاتفاق انتهى. وقد تقدم تمام البحث في هذه المسألة قريبًا، وباللَّه تعالى التوفيق.
(وَلَا إِشْرَافٍ) أي تطلّع إليه. والإشراف -بالمعجمة-: التعرّض للشيء، والحرص عليه، من قولهم أشرف على كذا: إذا تطاول له. وقيل للمكان المرتفع: شَرَفٌ لذلك.
قال أبو داود: سألت أحمد عن إشراف النفس؟ فقال: بالقلب. وقال يعقوب بن محمد: سألت أحمد عنه؟ فقال: هو أن يقول مع نفسه يبعث إليّ فلان بكذا. وقال الأثرم: يضيق عليه أن يردّه إذا كان كذلك. قاله في "الفتح" (١).
وقال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: إشراف النفس: تطلّعها، وتشوّفها، وشَرَهُهَا لأخذ المال، ولا شكّ أن هذه الأمور إذا كانت هي الباعثة على الأخذ للمال؛ كان ذلك من أدلّ دليل على شدّة الرغبة في الدنيا، والحبّ لها، وعدم الزهد فيها، والركون إليها، والتوسّع فيها، وكلّ ذلك أحوالٌ مذمومة، فنهاه عن الأخذ على هذه الحالة؛ اجتنابًا للمذموم، وقَمْعًا لدواعي النفس، ومخالفةً لها في هواها، فإن لم يكن كذلك جاز له الأخذ للأمن من تلك العلل المذمومة.
قال الطحاويّ: وليس معنى هذا الحديث في الصدقات، وإنما هو في الأموال التي يقسمها الإمام على أغنياء الناس وفقرائهم انتهى كلام القرطبيّ (٢).
(فَخُذْهُ) أي وجوبًا على ما قاله بعضهم؛ عملًا بظاهر الأمر، وهو الأقرب، أو
стр. 12324
استحبابًا على ما عليه الجمهور، كما سيأتي تحقيقه في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى.
(فَتَمَوَّلْهُ) أي اتخذه مالًا (أَوْ تصدَّق بِهِ) وفي رواية: "وتصدّق" بالواو. أي إذا أخذته، فإن شئت أبقه عندك، وإن شئت تصدّق به. قال في "الفتح": وهو أمر إرشاد على الصحيح. قال ابن بطّال: أشار ﷺ على عمر بالأفضل؛ لأنه وإن كان مأجورًا بإيثاره لعطائه عن نفسه من هو أفقر إليه منه، فإنّ أخذه للعطاء، ومباشرته للصدقة بنفسه أعظم لأجره، وهذا يدلّ على عظيم فضل الصدقة بعد التموّل؛ لما في النفوس من الشحّ على المال انتهى (١).
(وَمَا لَا، فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ) من أَتْبع مخفّفًا، أي ما لم يؤتيك اللَّه بالشرط المذكور، فلا تجعل نفسك تابعةً له، ناظرةً إليه؛ لأجل أن يحصل عندك.
وقال النوويّ: معناه: ما لم يوجد فيه هذا الشرط لا تُعلّق النفس به انتهى.
وقال القرطبيّ: أي لا تعلّقها، ولا تُطمعها في ذلك، فإذا فعلت ذلك بها سكنت، ويئست انتهى.
وفيه إشارة إلى أن المدار على عدم تعلّق النفس بالمال، لا على عدم أخذه وردّه على المعطي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عمر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٩٤/ ٢٦٥٤ و ٢٦٠٥ و ٢٥٠٦ و ٢٦٠٧ و ٢٦٠٨ - وفي "الكبرى" ٩٦/ ٢٣٨٥ و ٢٣٨٦ و ٢٣٨٧ و ٢٣٨٨ و ٢٣٨٩. وأخرجه (خ) في "الزكاة" ١٤٧٣ وفي "كتاب الأحكام" ٧١٦٤ (م) في "الزكاة" ١٠٤٥ (د) في "الزكاة" ١٦٤٧ وفي "الخراج" ٢٩٤٤ (أحمد) في "مسند العشرة" ١٠١ و ١٣٧ و ٢٨١ و ٣٧٣ (الدارمي) في "الزكاة" ١٦٤٧. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم من رزقه اللَّه تعالى
стр. 12325
مالًا من غير مسألة، وقد ذكرنا اختلاف أهل العلم فيه، والجمهور على استحباب أخذه على تفصيل في المسألة، لكن القول بالوجوب هو الأقرب؛ لأنه الذي تدلّ عليه ظواهر النصوص، كما سيأتي في المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالى (ومنها): أن للإمام أن يعطي بعض رعيّته إذا رأى لذلك وجهًا، وإن كان غيره أحوج إليه منه (ومنها): أن ردّ عطية الإمام ليس من الأدب، ولا سيّما من الرسول ﷺ ؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ الآية (ومنها): أن فيه منقبةً لعمر بن الخطاب - رضي اللَّه تعالى عنه -، وبيانَ فضله، وزُهده، وإيثاره، وكذا لابن السعديّ - رضي اللَّه تعالى عنه -، فقد طابق فعلُه فعلَه (ومنها): أنّ أخذ ما جاء من المال من غير سؤال، ولا إشراف نفس أفضل من ردّه؛ لأن أخذه يكون أعون على العمل، وألزم للنصيحة, لأنه إذا لم يأخذ كان عند نفسه متطوّعًا بالعمل، فقد لا يجدّ جدّ من أخذ، ركونًا إلى أنه غير ملتزم، بخلاف الذي يأخذ، فإنه يكون مستشعرًا بأن العمل واجبٌ عليه، فيجدّ جدَّه فيه (ومنها): أن التصدّق بالمال بعد قبضه أفضل من التصدّق قبله؛ لأن الإنسان إذا دخل المال في يده يكون أحرص عليه، فإذا تصدّق به، طيّبة نفسه، كان أدلّ على حبه للخير، وقوة إيمانه، بخلاف ما إذا تصدّق قبل قبضه، فإن النفس لا تطمع إليه كثيرًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم أخذ الشخص ما جاءه من المال، من غير مسألة، ولا إشراف، وفي عطيّة السلطان:
قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: اختلف العلماء فيمن جاءه مالٌ، هل يجب قبوله، أم يُندبُ؟ على ثلاثة مذاهب، حكاها أبو جعفر محمد بن جرير الطبريّ، وآخرون، والصحيح المشهور الذي عليه الجمهور أنه يستحبّ في غير عطيّة السلطان، أما عطيّة السلطان، فحرّمها قوم، وأباحها قوم، وكرهها قوم، والصحيح أنه إن غلب الحرام فيما في يد السلطان حرمت، وكذا إن أَعطَى من لا يستحقّ، وإن لم يغلب الحرام، فمباحٌ، إن لم يكن في القابض مانع يمنعه من استحقاق الأخذ. وقالت طائفة: الأخذ واجبٌ من السلطان وغيره.
وقال آخرون: هو مندوبٌ في عطيّة السلطان، دون غيره، واللَّه أعلم انتهى كلام النوويّ (١).
وقال الحافظ: والتحقيق في المسألة أن من عُلِمَ كون ماله حلالًا، فلا تردّ عطيّته،
стр. 12326
ومن عُلم كون ماله حرامًا، فتحرم عطيّته، ومن شُكّ فيه، فالاحتياط ردّه، وهو الورع، ومن أباحه أَخَذَ بالأصل.
قال ابن المنذر: واحتجّ من رخّص فيه بأن اللَّه تعالى قال في اليهود: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾، وقد رهن الشارع درعه عند يهوديّ، مع علمه بذلك، وكذلك أَخَذَ الجزية منهم مع العلم بأن أكثر أموالهم من ثمن الخمر والخنزير، والمعاملات الفاسدة انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أرجح الأقوال عندي في مسألة القبول القولُ بالوجوب؛ لظواهر النصوص، إذ هي بصيغة الأمر، ولا صارف له إلى الندب، وما ادعاه بعضهم من الإجماع على الندب غير صحيح؛ لما عرفت من الخلاف.
وأما عطيّة السلطان، فالتفصيل الذي ذكره الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-، هو الصواب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في حكم أخذ الراتب لمن يقوم بمصالح المسلمين:
قال الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه": "باب رزق (٢) الحاكم، والعاملين عليها، وكان شريح القاضي يأخذ على القضاء أجرًا. وقالت عائشة: يأكل الوصي بقدر عُمالته. وأكل أبو بكر، وعمر. ثم أورد حديث عمر - رضي اللَّه تعالى عنه - المذكور في الباب محتجًّا به على جواز ذلك.
قال الطبريّ -رحمه اللَّه تعالى-: في حديث عمر الدليل الواضح على أن لمن شُغِل بشيء من أعمال المسلمين أَخْذَ الرزق على عمله ذلك، كالولاة، والقضاة، وجُبَاة الفيء، وعُمّال الصدقة، وشبههم؛ لإعطاء رسول اللَّه ﷺ عمر العُمَالةَ على عمله. وذكر ابن المنذر أن زيد بن ثابت - رضي اللَّه تعالى عنه -، كان يأخذ الأجر على القضاء. واحتجّ أبو عبيد في جواز ذلك بما فرض اللَّه للعاملين على الصدقة، وجعل لهم منها حقًّا؛ لقيامهم، وسعيهم فيها. وقال ابن المنذر: وحديث ابن السعديّ حجة في جواز أرزاق القضاة من وجهها.
وقال النوويّ: في هذا الحديث جواز أخذ العوض على أعمال المسلمين، سواء كانت لدين، أو لدنيا، كالقضاء، والحسبة، وغيرهما انتهى (٣).
стр. 12327
وقال الطبريّ: ذهب الجمهور إلى جواز أخذ القاضي الأجرة على الحكم؛ لكونه يشغله الحكم عن القيام بمصالحه، غير أن طائفة من السلف كرهت ذلك، ولم يحرّموه مع ذلك.
وقال أبو عليّ الكرابيسيّ: لا بأس للقاضي أن يأخذ الرزق على القضاء عند أهل العلم قاطبةً، من الصحابة، ومن بعدهم، وهو قول فقهاء الأمصار، لا أعلم بينهم اختلافًا، وقد كره ذلك قوم، منهم مسروق، ولا أعلم أحدًا منهم حرّمه.
وقال المهلّب: وجه الكراهة أنه في الأصل محمول على الاحتساب؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾، فأرادوا أن يجري الأمر على الأصل الذي وضعه اللَّه لنبيه ﷺ ، ولئلا يدخل فيه من لا يستحقه، فيتحيّل على أموال الناس.
وقال غيره: أخذ الرزق على القضاء، إذا كانت جهة الأخذ من الحلال جائز إجماعًا، ومن تركه إنما تركه تورُّعًا، وأما إذا كانت هناك شبهة، فالأولى الترك جزمًا، ويحرم إذا كان المال يؤخذ لبيت المال من غير وجهه، واختُلِف إذا كان الغالب حرامًا. وأما من غير بيت المال ففي جواز الأخذ من المتحاكمين خلاف، ومن أجازه شرط فيه شروطًا، لا بدّ منها.
قال الحافظ: وقد جر القول بالجواز إلى إلغاء الشروط، وفشا ذلك في هذه الأعصار بحيث تعذّر إزالة ذلك، واللَّه المستعان انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحاصل أن أخذ الراتب على العمل جائزٌ مطلقًا، على الوجه الذي سبق تقريره آنفًا، ولا ينافي ذلك إخلاص العمل للَّه تعالى، كما اتّضح ذلك من حديث عمر - رضي اللَّه تعالى عنه - المذكور في الباب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٦٠٦ - (أَخْبَرَنَا كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ, عَنِ الزُّبَيْدِيِّ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ, أَنَّ حُوَيْطِبَ بْنَ عَبْدِ الْعُزَّى أَخْبَرَهُ, أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ السَّعْدِيِّ أَخْبَرَهُ, أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ, فِي خِلَافَتِهِ, فَقَالَ: لَهُ عُمَرُ: أَلَمْ أُحَدَّثْ أَنَّكَ تَلِى مِنْ أَعْمَالِ النَّاسِ أَعْمَالاً, فَإِذَا أُعْطِيتَ الْعُمَالَةَ رَدَدْتَهَا؟ , فَقُلْتُ: بَلَى, فَقَالَ عُمَرُ ﵁: فَمَا تُرِيدُ إِلَى ذَلِكَ؟ , فَقُلْتُ: لِي أَفْرَاسٌ, وَأَعْبُدٌ, وَأَنَا بِخَيْرٍ, وَأُرِيدُ أَنْ يَكُونَ عَمَلِي صَدَقَةً عَلَى الْمُسْلِمِينَ, فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: فَلَا تَفْعَلْ, فَإِنِّي كُنْتُ أَرَدْتُ مِثْلَ الَّذِي أَرَدْتَ, كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعْطِينِي الْعَطَاءَ, فَأَقُولُ أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ
стр. 12328
- ﷺ : «خُذْهُ, فَتَمَوَّلْهُ, أَوْ تَصَدَّقْ بِهِ, مَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ, وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ, وَلَا سَائِلٍ, فَخُذْهُ, وَمَا لَا, فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ»).
قال الجامع عفا اللَّه تعالىَ عنه: هذا الحديث متّفق عليه، و"كثير بن عبيد": هو أبو الحسن الْمَذحِجيّ الحمصيّ الحذّاء المقرئ، ثقة [١٠] ٥/ ٤٨٦.
و"محمد بْنُ حَرْبٍ": هو الخولانيّ الحمصيّ الأبرش، ثقة [٩] ١٢٢/ ١٧٢.
و"الزُّبَيدِيِّ": هو محمَد بن الوليد، أبو الهذيل الحمصيّ القاضي، ثقة ثبت، من كبار أصحاب الزهريّ [٧] ٤٥/ ٥٦.
وقوله: "ألم أُحَدّث" بالبناء للمفعول. وقوله: "تلي" مضارع وَلِي، من الولاية.
وقوله: "فما تريد إلى ذلك" أي أيَّ شيء تريد من فعلك هذا؟، فـ "إلى" بمعنى "من"، كما في قول الشاعر [من الطويل]:
تَقُولُ وَقَد عَالَيْتُ بِالْكُورِ فَوْقَهَا … أَيُسْقَى فَلَا يَرْوَى إِلَيَّ ابْنُ أَحْمَرَا
أي منّي (١).
وقوله: "غير مشرف": من الإشراف: أي غير طامع. وتمام شرح الحديث، والكلام على مسائله تقدّم في الذي قبله. وباللَّه تعالى التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٦٠٧ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ, وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ, عَنِ الْحَكَمِ بْنِ نَافِعٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعَيْبٌ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, قَالَ: أَخْبَرَنِي السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ, أَنَّ حُوَيْطِبَ بْنَ عَبْدِ الْعُزَّى أَخْبَرَهُ, أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ السَّعْدِيِّ أَخْبَرَهُ, أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ, فِي خِلَافَتِهِ, فَقَالَ عُمَرُ: أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَلِى مِنْ أَعْمَالِ النَّاسِ أَعْمَالاً, فَإِذَا أُعْطِيتَ الْعُمَالَةَ كَرِهْتَهَا؟ , قَالَ: فَقُلْتُ: بَلَى, قَالَ: فَمَا تُرِيدُ إِلَى ذَلِكَ؟ , فَقُلْتُ: إِنَّ لِي أَفْرَاسًا, وَأَعْبُدًا, وَأَنَا بِخَيْرٍ, وَأُرِيدُ أَنْ يَكُونَ عَمَلِي صَدَقَةً عَلَى الْمُسْلِمِينَ, فَقَالَ عُمَرُ: فَلَا تَفْعَلْ, فَإِنِّي كُنْتُ أَرَدْتُ الَّذِي أَرَدْتَ, فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْطِينِي الْعَطَاءَ, فَأَقُولُ: أَعْطِهِ, أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي, حَتَّى أَعْطَانِي مَرَّةً مَالاً, فَقُلْتُ: أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي, فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «خُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ, وَتَصَدَّقْ بِهِ, فَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ, وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ, وَلَا سَائِلٍ, فَخُذْهُ, وَمَا لَا, فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متفق عليه و"عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ": هو أبو سعيد النسائيّ، ثقة [١٠] ١٠٨/ ١٤٧ من أفراد المصنّف. و"إِسْحَاقُ ابْنُ مَنْصُورٍ": هو الكوسج المروزيّ، ثقة ثبت [١١] ٧٢/ ٨٨. و"الْحَكَمِ بْنِ نَافِعِ": هو أبو اليمان الحمصيّ المشهور بكنيته، ثقة ثبت [١٠] ١٤/ ٢١٣٢. و "شُعَيّبٌ": هو ابن أبي
стр. 12329
حمزة، أبو بشر الحمصيّ، ثقة عابد، من أثبت الناس في الزهريّ [٧] ٦٩/ ٨٥. وقوله: "ألم أُخبر" بالبناء للمفعول. وكذا قوله: "فإذا أُعطيتَ". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٦٠٨ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ, قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعَيْبٌ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ, قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ ﵁ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ , يُعْطِينِي الْعَطَاءَ, فَأَقُولُ: أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي, حَتَّى أَعْطَانِي مَرَّةً مَالاً, فَقُلْتُ لَهُ: أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي,
فَقَالَ: «خُذْهُ, فَتَمَوَّلْهُ, وَتَصَدَّقْ بِهِ, وَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ, وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ, وَلَا سَائِلٍ, فَخُذْهُ, وَمَا لَا, فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متفق عليه، و"سالم بن عبد اللَّه": هو ولد عبد اللَّه بن عمر شيخه في السند، وكان ثقة ثبتًا، عابدًا، فاضلًا، وهو أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة على بعض الأقوال، وكان يُشَبّه بأبيه في هديه، وسَمْته [٣] ٢٣/ ٤٩٠.
زاد في رواية مسلم في هذه الرواية من طريق عمرو بن الحارث، عن الزهريّ: "قال سالم: فمن أجل ذلك كان ابن عمر لا يسأل أحدًا شيئًا، ولا يردّ شيئًا أعطيه".
قال في "الفتح": وهذا بعمومه ظاهر في أنه كان لا يردّ ما فيه شبهة، وقد ثبت أنه كان يقبل هدايا المختار بن أبي عُبيد الثقفيّ، وهو أخو صفيّة بنت أبي عبيد زوج ابن عمر، وكان المختار غلب على الكوفة، وطرد عُمّال عبد اللَّه بن الزبير، وأقام أميرًا عليها مدّةً في غير طاعة خليفة، وتصرّف فيما يتحصّل منها من المال على ما يراه، ومع ذلك فكان ابن عمر يقبل هداياه، وكأن مستنده أن له حقًّا في بيت المال، فلا يضرّه على أي كيفيّة وصل إليه، أو كان يرى أن التَّبِعة في ذلك على الآخذ الأول، أو أن للمعطي المذكور مالًا آخر في الجملة، وحقّا مّا في المال المذكور، فلما لم يتميّز، وأعطاه له عن طيب نفس دخل في عموم قوله: "ما أتاك من هذا المال من غير سؤال، ولا استشراف، فخذه"، فرأى أنه لا يُستَثنَى من ذلك إلا ما عَلِمَهُ حرامًا محضًا انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب".
…
стр. 12330
٩٥ - (بَابُ اسْتِعْمَالِ آلِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ علَى الصَّدقَةِ)
٢٦٠٩ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَّادِ بْنِ الأَسْوَدِ بْنِ عَمْرٍو, عَنِ ابْنِ وَهْبٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ الْهَاشِمِيِّ, أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ بْنَ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَخْبَرَهُ, أَنَّ أَبَاهُ رَبِيعَةَ بْنَ الْحَارِثِ, قَالَ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ, وَالْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ, ائْتِيَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , فَقُولَا لَهُ: اسْتَعْمِلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى الصَّدَقَاتِ, فَأَتَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ, وَنَحْنُ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ, فَقَالَ لَهُمَا: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , لَا يَسْتَعْمِلُ مِنْكُمْ أَحَدًا عَلَى الصَّدَقَةِ, قَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: فَانْطَلَقْتُ أَنَا, وَالْفَضْلُ, حَتَّى أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , فَقَالَ لَنَا: «إِنَّ هَذِهِ الصَّدَقَةَ إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ, وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ, وَلَا لآلِ مُحَمَّدٍ ﷺ »).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عمرو بن سوّاد -بتشديد الواو- ابن الأسود بن عمرو) العامريّ، أبو محمد المصريّ، ثقة [١١] ٤٥/ ٥٩٤.
٢ - (ابْنِ وَهْبٍ) هو: عبد اللَّه، أبو محمد المصريّ الحافظ الثبت [٩] ٩/ ٩.
٣ - (يُونُسُ) هو ابن يزيد الأيليّ الحافظ الثبت [٧] ٩/ ٩.
٤ - (ابْنُ شِهَاب) هو محمد بن مسلم الإمام الحجة الثبت المشهور [٤] ١/ ١.
٥ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ الْهَاشِمِيِّ): هو عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطّلب الهاشميّ، نُسب لجدّه، أبو يحيى المدنيّ، ثقة [٣] ١٦/ ١٦٣٨.
٦ - (عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنَ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) بن هاشم الهاشميّ، أمه أم الحَكَم بنت الزبير بن عبد المطلب. رَوَى عن النبيّ ﷺ ، وعن عليّ. وعنه ابنه عبد اللَّه، وعبد اللَّه بن عبد اللَّه بن الحارث بن نوفل، على خلاف في ذلك كله. قال ابن عبد البرّ: كان على عهد رسول اللَّه ﷺ رجلًا، ولم يُغيّر رسول اللَّه ﷺ اسمه فيما عَلِمتُ، سكن المدينة، ثم انتقل إلى الشام في خلافة عمر، ومات في إِمْرَة يزيد بن معاوية سنة (٦٢).
وقال العسكريّ: هو المطّلب بن ربيعة، هكذا يقول أهل البيت، وأصحاب الحديث يختلفون، فمنهم من يقول: المطلب بن ربيعة، ومنهم من يقول: عبد المطلب. وقال أبو القاسم البغويّ: عبد المطّلب، ويقال: المطّلب. وقال أبو القاسم الطبرانيّ:
стр. 12331
الصواب: المطلب، وذكر أنه توفّي سنة (٦١) وفيها أرّخه ابن أبي عاصم.
روى له مسلم، وأبو داود، والمصنّف وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد.
منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. ومنها: أن رجاله عندهم رجال الصحيح. ومنها: أن نصفه الأول مسلسل بالمصريين، والثاني بالمدنيين. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ الْهَاشِمِيِّ) هكذا في رواية يونس، عن ابن شهاب، عند مسلم، والمصنّف، ووقع عند مسلم من رواية جويرية، عن مالك، عن الزهريّ: "أن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن نوفل بن الحارث بن عبد المطّلب حدثه". قال النوويّ، وكلاهما صحيح، والأصل هو رواية مالك، ونسبه في رواية يونس إلى جدّه، ولا يمتنع ذلك. قال النسائيّ: ولا نعلم أحدًا روى هذا الحديث عن مالك إلا جويرية بن أسماء انتهى (١).
(أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِب بْنَ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَاهُ رَبِيعَةَ بْنَ الْحَارِثِ) بن عبد المَطلب بن هاشم الهاشميّ، ابن عم النبيّ ﷺ ، له صحبة. روى عن ابن عمه الفضل بن العبّاس. وعنه عبد اللَّه بن نافع بن عمياء، على خلاف فيه، وابنه عبد المطّلب بن ربيعة، وفي إسناد حديثه اختلاف. قال أبو القاسم الطبرانيّ: توفّي سنة (٢٣). وقال ابن سعد: هاجر مع العبّاس، ونوفل بن الحارث، وشهد الفتح، والطائف، وثبت يوم حنين، وتوفّي بعد أخويه: نوفل، وأبي سفيان. وقال خليفة، والعسكري، وغيرهما: مات بالمدينة في أول خلافة عمر. وأرّخه ابن حبّان مثل الطبرانيّّ. روى له الترمذيّ، والمصنّف حديثًا واحدًا (٢).
(قَالَ: لِعَبدِ الْمُطلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ) أي لابنه، وفيه التفات، إذ الظاهر أن يقول: قال لي الخ (وَالْفَضلِ بْنِ الْعَباسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) أي لابن عمه - رضي اللَّه تعالى - عنهم.
стр. 12332
ورواية المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- هنا ظاهرة في أن الآمر لهما هو ربيعة وحده، وفي رواية مسلم أن الآمر هو والعباس بن عبد المطلب، وقد ساق مسلم -رحمه اللَّه تعالى- الحديث في "صحيحه" مطوّلًا، فقال:
١٠٧٢ - حدثني عبد اللَّه بن محمد بن أسماء الضُّبَعي، حدثنا جُويرية، عن مالك، عن الزهري، أن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب حدثه، أن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث حدثه، قال: اجتمع ربيعة بن الحارث، والعباس بن عبد المطلب، فقالا: واللَّه لو بعثنا هذين الغلامين -قالا: لِي، وللفضل بن عباس- إلى رسول اللَّه ﷺ ، فكلماه، فأمّرهما على هذه الصدقات، فأَدَّيَا ما يؤدي الناس، وأصابا مما يصيب الناس، قال: فبينما هما في ذلك، جاء علي بن أبي طالب، فوقف عليهما، فذكرا له ذلك، فقال عليّ بن أبي طالب: لا تفعلا، فواللَّه ما هو بفاعل، فانتحاه (١) ربيعة بن الحارث، فقال: واللَّه ما تصنع هذا، إلا نَفَاسة (٢) منك علينا، فواللَّه لقد نِلْتَ صِهْر رسول اللَّه ﷺ ، فما نَفِسناه عليك (٣)، قال: عليٌّ: أرسلوهما، فانطلقا، واضطجع عليٌّ، قال: فلما صلى رسول اللَّه ﷺ الظهر، سبقناه إلى الحجرة، فقمنا عندها، حتى جاء، فأخذ بآذاننا، ثم قال: "أخرجا ما تصرران" (٤)، ثم دخل، ودخلنا عليه، وهو يومئذ عند زينب بنت جحش، قال: فتواكلنا الكلام، ثم تكلم أحدنا، فقال: يا رسول اللَّه، أنت أبر الناس، وأوصل الناس، وقد بَلَغْنا النكاح، فجئنا لتُؤَمِّرَنا على بعض هذه الصدقات، فنؤدي إليك، كما يؤدي الناس، ونُصيب كما يصيبون، قال: فسكت طويلا، حتى أردنا أن نكلمه، قال: وجعلت زينب، تَلمَع (٥) علينا، من وراء الحجاب، أن لا تكلماه، قال: ثم قال: "إن الصدقة، لا تنبغي لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس، ادْعُوَا لي مَحْمِيَةَ"، وكان على الخمس، ونوفلَ بنَ الحارث بن عبد المطلب، قال: فجاءاه، فقال لمحمية: "أنكح هذا الغلام، ابنتك" -للفضل بن عباس- فأنكحه، وقال لنوفل بن الحارث: "أنكح هذا الغلام ابنتك" -لي- فأنكحني، وقال لمحمية: "أَصْدِقْ عنهما من الخمس، كذا وكذا"،- قال الزهري: ولم يسمه لي-.
стр. 12333
ثم أخرجه من طريق يونس، عن ابن شهاب، قال: وساق الحديث بنحو حديث مالك، وقال فيه: فألقى عليٌّ رداءه، ثم اضطجع عليه، وقال: أنا أبو حسنٍ القَرْمُ (١)، واللَّه لا أَرِيمُ (٢) مكاني، حتى يرجع إليكما ابناكما، بِحَوْر (٣) ما بعثتما به إلى رسول اللَّه ﷺ ، وقال في الحديث: ثم قال لنا: "إن هذه الصدقات، إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد، ولا لآل محمد"، وقال أيضًا: ثم قال رسول اللَّه ﷺ : "ادْعُوَا لي مَحْمِيَةَ بن جَزْء" -وهو رجل من بني أسد، كان رسول اللَّه ﷺ ، استعمله على الأخماس.
(ائْتِيَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقُولَا لَهُ: اسْتَعْمِلْنَا يَا رَسُولَ اللَّه عَلَى الصَّدَقَاتِ) أي ولّنا على جمع الصدقات، حتى نأخذ الأجرة منها، فنقضي حاجتنا (فَأَتَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (وَنَحْنُ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ) أي على التشاور في إتيان رسول اللَّه ﷺ لطلب العمل منه (فَقَالَ:) عليّ - رضي اللَّه تعالى عنه - (لَهُمَا) أي لعبد المطّلب، وللفضل بن عباس (إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، لَا يَسْتَعْمِلُ مِنْكُمْ) أي من بني هاشم (أَحَدًا عَلَى الصَّدقَةِ) الظاهر أن عليًّا - رضي اللَّه تعالى عنه - سمع ذلك من النبيّ ﷺ (قَالَ: عَبْدُ الْمُطلِب: فَانْطَلَقْتُ أَنَا، وَالْفَضْلُ) مخالِفَينِ قول عليّ - رضي اللَّه تعالى عنه -؛ لظنهما أنه قال ذلكَ لغرض نفسيّ، كما تقدّم في رواية مسلم قول ربيعة له: "واللَّه ما تصنع هذا إلا نفاسة منك علينا" (حَتَّى أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) أي فكلمناه بذلك، كما تقدّم تفصيل ما قالاه في رواية مسلم المذكورة (فَقَالَ: لَنَا: إِنَّ هَذِهِ الصَّدَقَةَ) أي أنواع الزكاة (إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ) فيه تنبيه على علة تحريمها على بني هاشم، وبني المطّلب، وأن ذلك لكرامتهم، وتنزيههم عن الأوساخ.
ومعنى أوساخ الناس أنها تطهيرٌ لأموالهم، ونفوسهم، كما قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ الآية [التوبة: ١٠٣] فهي كغُسالة الأوساخ. قاله النوويّ (وِإنهَّا لَا تحَلُّ لِمُحَمَّدٍ) ﷺ (وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ ﷺ ) هذا صريح في أنها محرّمة عليهم، سواءٌ كان بسبب العمل، أو بسبب الفقر والمسكنة، وغيرهما، من الأسباب الثمانية. قال النوويّ: وهذا هو الصحيح عند أصحابنا -يعني الشافعيّة- وجوّز بعض أصحابنا لنبي هاشم، وبني المطّلب العمل عليها بسهم العامل؛ لأنه إجارةٌ. وهذا ضعيف، أو باطل، وهذا الحديث صريحٌ في ردّه انتهى (٤).
стр. 12334
وقال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: إنما كانت الصدقة كذلك؛ لأنها تطهّرهم من البخل، وأموالَهم من إثم الكنز، فصارت كماء الغُسالة التي تُعاب. ومساقُ الحديث والتعليل يقتضي أنها لا تحلّ لأحد من آل النبيّ ﷺ ، وإن كانوا عاملين عليها، وهو رأي الجمهور، وقد ذهب إلى جوازها لهم إذا كانوا عاملين عليها أبو يوسف، والطحاويّ، والحديث ردّ عليهم. انتهى (١).
[فإن قيل]: كيف أباح النبيّ ﷺ الصدقة لأمته، وقد أخبر أنها أوساخ الناس، ولذا حرّمها عليه، وعلى آل بيته؟.
[أجيبب]: بأنه إنما أباحها للضرورة، فلذا جاءت النصوص الكثيرة في النهي عن سؤالها، فينبغي للحازم أن لا يراها مباحة إلا للضرورة، فلا يتوسّع فيها، بل يتناول منها للحاجة الملحّة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد المطّلب بن ربيعة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٩٥/ ٢٦٠٩ - وفي "الكبرى" ٩٧/ ٢٣٩٠. وأخرجه (م) في "الزكاة" ١٠٧٢ (د) في "الخراج" ٢٩٨٥ (أحمد) في "مسند الشاميين" ٦٤١٧٠. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم استعمال آل النبيّ ﷺ على الصدقة، وأخذ العُمَالة عليه، وهو التحريم، فلا يجوز لآل النبيّ ﷺ أخذ العُمَالَةِ على الصدقات، وهو رأي الجمهور، وهو الصواب؛ لأن حديث الباب نصّ صريح في ذلك (ومنها): تحريم الصدقة على النبيّ ﷺ ، وآله، سواء كان صدقة الفرض، أم صدقة التطوّع على الراجح؛ لإطلاق النّصّ، وسيأتي اختلاف أهل العلم فيه قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى (ومنها): بيان فضيلة أهل بيت النبيّ ﷺ ، ومكانتهم الرفيعة، حيث حرّم اللَّه تعالى عليهم الصدقات؛ لكونها أوسخ الناس (ومنها): أن الصدقة أوساخ أرباب الأموال، فلا ينبغي لعاقل أخذها، إلا إذا وقع في حاجةٍ مُلحَّةٍ، وضرورةٍ مُلجْئةٍ. واللَّه تعالى أعلم
стр. 12335
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في المراد بآل النبيّ ﷺ الذين تحرم عليهم الصدقة:
ذهب الشافعيّ، وجماعة من العلماء إلى أنهم بنو هاشم بن عبد مناف، وبنو المطّلب ابن عبد مناف، واستدلّ الشافعيّ على ذلك بأن النبيّ ﷺ أشرك بني المطّلب مع بني هاشم في سهم ذوي القربى، ولم يُعط أحدًا من قبائل قريش غيرهم، وتلك العطيّة عِوَضٌ عُوِّضُوه بدلًا عمّا حُرِموه من الصدقة. كما أخرج البخاريّ من حديث جبير بن مُطعِم، قال: مشيت أنا، وعثمان بن عفّان إلى النبيّ ﷺ ، فقلنا: يا رسول اللَّه أعطيت بني المطّلب من خمس خيبر، وتركتنا، ونحن وهم بمنزلة واحدة، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إنما بنو المطّلب، وبنو هاشم شيء واحد".
وذهب أبو حنيفة، ومالك إلى أنهم بنو هاشم فقط (١).
وعن أحمد روايتان كالمذهبين. وقيل: هم قريش كلّها. وقال أصبغ المالكيّ: هم بنو قصيّ.
وقال العلاّمة الصنعانيّ -رحمه اللَّه تعالى-: الأقرب في المراد بالآل ما فسّرهم به زيد ابن أرقم عند مسلم في "المناقب" في قصّة طويلة، بأنهم آل عليّ، وآل العبّاس، وآل جعفر، وآل عقيل انتهى.
قال: يزيد آل الحارث بن عبد المطّلب؛ لحديث عبد المطّلب بن ربيعة -يعني حديث الباب- فهذا تفسير الراوي، وهو مقدّم على تفسير غيره، فالرجوع إليه في تفسير آل محمد ﷺ هنا هو الظاهر؛ لأن لفظ الآل مشتركٌ، وتفسير روايه دليل على المراد منه، وكذلك يدخل في تحريم الزكاة عليهم بنو المطّلب بن عبد مناف، كما يدخلون في قسمة الخمس، كما يفيده حديث جُبير بن مطعم، يعني الذي تقدّم استدلال الشافعيّ به. قال: هذا الحديث دليلٌ على أن بني المطّلب يشاركون بني هاشم في سهم ذوي القربى، وتحريم الزكاة أيضًا، دون من عداهم، وإن كانوا في النسب سواء، وعلّله ﷺ باستمرارهم على المولاة، كما في لفظ آخر عَلَّلَهُ بأنهم لم يفارقونا في جاهليّة، ولا إسلام، فصاروا كالشيء الواحد في الأحكام، وهو دليل واضحٌ في ذلك، وإليه ذهب
стр. 12336
الشافعيّ، وخالفه الجمهور، وقالوا: إنه أعطى بني المطّلب على جهة التفضيل، لا الاستحقاق، وهو خلاف الظاهر، بل قوله: "شيء واحد" دليلٌ على أنهم يشاركونهم في استحقاق الخمس، وتحريم الزكاة انتهى كلام الصنعانيّ.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي حقّقه الصنعانيّ -رحمه اللَّه تعالى-، من ترجيح ما ذهب إليه الإمام الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى-، ومن تبعه، وهو أن آله ﷺ هم بنو هاشم، وبنو المطّلب، هو الأرجح عندي؛ لوضوح دليله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في الصدقة التي تحرم على النبيّ ﷺ ، هل هي مطلق الصدقة، أو المفروضة فقط:
ذهب الجمهور إلى أنه ﷺ كان يحرم عليه صدقة الفرض، والتطوّع، وقد ادّعى الإجماع على ذلك جماعة، منهم الخطّابيّ، لكن فيه نظر، فقد حكى غير واحد عن الشافعيّ في التطوّع قولًا، وكذا في رواية عن أحمد، ولفظه في رواية الميمونيّ: "ولا يحلّ للنبيّ ﷺ ، وأهل بيته صدقة الفطر، وزكاة الأموال، والصدقة يصرفها الرجل على محتاج يريد بها وجه اللَّه تعالى، فأما غير ذلك، فلا، أَلَيْسَ يقال: كلّ معروف صدقة؟، وقد كان يُهدى للنبيّ ﷺ ، ويستقرض، فليس ذلك من صدقة الأموال على الحقيقة، كالقرض، والهديّة، وفعل المعروف غير محرّم عليه (١).
وقال الماورديّ: يحرم عليه كلّ ما كان من الأموال متقوّما. وقال غيره: لا تحرم عليه الصدقة العاقة، كمياه الآبار، وكالمساجد، واختلف هل كان تحريم الصدقة من خصائصه، دون الأنبياء، أو كلّهم سواء في ذلك (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الأرجح عندي أن كلّ ما كان باسم الصدقة محرّم عليه ﷺ ، سواء كان فرضًا، أو تطوّعًا؛ لإطلاق النصوص، وأما ما ليس كذلك، كالهديّة، وفعل المعروف له، فلا يحرم عليه؛ لأنه ﷺ كان يُهدَى إليه، فيقبل الهديّة، وكان يستقرض، وكان أصحابه - رضي اللَّه تعالى عنهم - يعملون له المعروف، فلا يردّ ذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): هل يلتحق به ﷺ آله في تحريم الصدقة مطلقًا، أم لا؟:
قال ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى-: لا نعلم خلافًا في أن بني هاشم لا تحلّ لهم الصدقة المفروضة. وكذا حكى الإجماع ابن رسلان. وروى أبو عصمة عن أبي حنيفة جواز
стр. 12337
دفعها إلى الهاشميّ في زمانه. قال الطحاويّ: هذه الرواية عن أبي حنيفة ليست بالمشهورة. وروي عنه، وعن أبي يوسف: يحلّ من بعضهم لبعض، لا من غيرهم.
قال الحافظ: وعند المالكيّة في ذلك أربعة أقوال مشهورة: الجواز، المنع، جواز التطوّع دون الفرض، عكسه. وأدلّة المنع ظاهرة من حديث الباب وغيره. ولقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ [الفرقان: ٥٧]، ولو أحلّها لآله لأوشك أن يطعنوا فيه. ولقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]، وثبت عن النبيّ ﷺ : "الصدقة أوساخ الناس" كما رواه مسلم.
ويؤخذ من هذا جواز التطوّع دون الفرض، وهو قول أكثر الحنفيّة، والمصحّح عند الشافعيّة، والحنابلة، وأما عكسه، فقالوا: إن الوجب حقّ لا زم، لا يلحق بأخذه ذلّة، بخلاف التطوّع. ووجه التفرقة بين بني هاشم وغيرهم أن موجب المنع رفع يد الأدنى على الأعلى، فأما الأعلى على مثله فلا. ولم أر لمن أجاز مطلقًا دليلًا، إلا ما تقدّم عن أبي حنيفة انتهى كلام الحافظ (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تَبَيَّنَ مما تقدّم من الأدلّة أن الأرجح القول بتحريم الصدقة مطلقًا، فرضًا كانت أو تطوّعًا على آله ﷺ . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب".
…
٩٦ - (بَابٌ ابْنُ أُخْتِ الْقَوْم مِنْهُمْ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: غرض المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بهذا الاستدلال بحديث الباب على منع من كانت أمه هاشميّة من الصدقة؛ لأنَّهُ منهم حكمًا، وهو ظاهرٌ، فإن الحديث، وإن ورد على سبب خاصّ، كما سيأتي قريبًا، لكن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٦١٠ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, قَالَ: قُلْتُ: لأَبِى إِيَاسٍ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ (٢): أَسَمِعْتَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
стр. 12338
"ابْنُ أُخْتِ الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ (١) "؟، قالَ: نَعَمْ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه المروزي، نزيل نيسابور، ثقة ثبت إمام [١٠] ٢/ ٢.
٢ - (وكيع) بن الجرّاح الرؤاسي، أبو سفيان الكوفي، ثقة ثبت [٩] ٢٣/ ٢٥.
٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت [٧] ٢٤/ ٢٧.
٤ - (إياس بن معاوية بن قرّة) بن هلال المزني البصريّ، ثقة فقيه [٣] ٢٢/ ١٨٧٠.
٥ - (أنس بن مالك) ابن النضر الصحابي الشهير ﵁ ٦/ ٦. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف ﵀، وأن رجاله كلهم رجال الصحيح، وهو مسلسل بثقاة البصريين من شعبة، وفيه أنس ﵁ من المكثرين السبعة روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة ﵃ بالبصرة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن شعبة بن الحجّاج أنه (قال: قُلْتُ: لِأَبِي إِيَاسِ مُعَاوِيةَ بْنِ قُرَّةَ) بجرّ "معاوية" بدل من "أبي إياس". (أَسَمِعْتَ أَنسَ بْنَ مَالِك يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ابْنُ أُخْتِ الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ"؟) أي أنه يُعدّ واحدًا منهم، فحكمه كحكمهم، فينبغي أن لا تحلّ الزكاة لابن أخت هاشميّ، كما لا تحلّ لهاشميّ، ولإفادة هذا المعنى ذكر المصنّف ﵀ تعالى هذا الحديث هنا.
قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: استدلّ به من يورّث ذوي الأرحام. وأجاب الجمهور بأنه ليس في هذا اللفظ ما يقتضي توريثه، وإنما معناه أن بينه وبينهم ارتباطًا، وقرابةً، ولم يتعرّض للإرث. وسياق الحديث يقتضي أن المراد أنه كالواحد منهم في إفشاء سرّهم بحضرته، ونحو ذلك انتهى.
وقال الحافظ في "الفتح": واستدلّ به من قال بأن ذوي الأرحام يرثون كما يرث العصبات، وحمله من لم يقل بذلك على ما تقدّم، وكأن البخاريّ رمز إلى الجواب
стр. 12339
بإيراد هذا الحديث؛ لأنه لو صحّ الاستدلال بقوله: "ابن أخت القوم منهم" على إرادة الميراث لصحّ الاستدلال به على أن العتيق يرث ممن أعتقه؛ لورود مثله في حقّه، فدلّ على أن المراد بقوله: "من أنفسهم"، وكذا "منهم" في المعاونة، والانتصار، والبرّ، والشفقة، ونحو ذلك، لا في الميراث.
وقال ابن أبي جمرة: الحكمة في ذكر ذلك إبطال ما كانوا عليه في الجاهليّة من عدم الالتفات إلى أولاد البنات فضلًا عن أولاد الأخوات، حتى قال قائلهم:
بَنُونَا بَنُو أَبْنَائِنَا وَبَنَاتُنَا … بَنُوهُنَّ أَبْنَاءُ الرِّجَالِ الأَبَاعِدِ
فأراد بهذا الكلام التحريضَ على الأُلْفة بين الأقارب. انتهى (١).
[تنبيهان]:
(أحدهما): سبب قوله ﷺ : "ابن أخت القوم منهم" هو ما أخرجه البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" عن أنس - رضي اللَّه تعالى عنه -، قال: دعا النبيّ ﷺ الأنصار، فقال: "هل فيكم أحدٌ من غيركم؟ "، قالوا: لا، إلا ابن أخت لنا، فقال رسول اللَّه ﷺ : "ابن أخت القوم منهم".
(الثاني): أنه وقع عند أحمد من طريق شعبة، عن معاوية بن قرّة في حديث أنس هذا أن المراد بابن أخت القوم هو النعمان بن مقرّن المزنيّ - رضي اللَّه تعالى عنه -، أي لأن أمه أنصارية.
ووقع ذلك في قصّة أخرى كما أخرجه الطبرانيّ من حديث عُتبة بن غَزْوَان أن النبيّ ﷺ قال يومًا لقريش: "هل فيكم من ليس منكم"؟ قالوا: لا، إلا ابن أختنا عتبة ابن غزوان، فقال: "ابن أخت القوم منهم". وله من حديث عمرو بن عوف أن النبيّ ﷺ دخل بيته، قال: "ادخلوا عليّ، ولا يدخل عليّ إلا قرشيّ"، فقال: "هل معكم أحدٌ غيركم"؟، قالوا: معنا ابن الأخت، والمولى، قال: "حليف القوم منهم، ومولى القوم منهم". وأخرج أحمد نحوه من حديث أبي موسى، والطبرانيّ نحوه من حديث أبي سعيد. ذكره في "الفتح" (٢).
(قَالَ: نَعَمْ) أي قال معاوية: نعم سمعته يقول ذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 12340
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٩٦/ ٢٦١٠ و ٢٦١١ وفي "الكبرى" ٩٨/ ٢٣٩٢ و ٢٣٩٣. وأخرجه (خ) في "المناقب" ٣٥٢٨ وفي "الفرائض" ٦٧٦٢ (م) في "الزكاة" ١٠٥٩ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ١١٧٧٧ و ٢٣٣٨ و ١٢٤٤٦ و ١٢٦٧١ و ١٢٩٠٨ و ١٣٠٠٣ و ١٣١٦٢ و ١٣٥٠١ و ١٣٥٢١ و ١٣٥٢٨ (الدارمي) في "السير" ٢٥٢٧. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٦١١ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا وَكِيعٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ,, عَنْ قَتَادَةَ,, عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «ابْنُ أُخْتِ الْقَوْمِ مِنْهُمْ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الكلام على هذا الحديث قد استوفيته في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب".
…
٩٧ - (بَابٌ مَوْلَى الْقَوْم مِنْهُمْ)
٢٦١٢ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ, عَنِ ابْنِ أَبِي رَافِعٍ, عَنْ أَبِيهِ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , اسْتَعْمَلَ رَجُلاً, مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ, عَلَى الصَّدَقَةِ, فَأَرَادَ أَبُو رَافِعٍ, أَنْ يَتْبَعَهُ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لَنَا, وَإِنَّ مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عمرو بن علي) الفلاس الصيرفي البصري، ثقة ثبت [١٠] ٤/ ٤.
٢ - (يحيى) بن سعيد القطان البصري الإمام الحجة الثبت [٩] ٤/ ٤.
٣ - (شعبة) المذكور في الباب الماضي.
٤ - (الحكم) بن عُتَية الكندي، أبو محمد الكوفي، ثقة ثبت ربما دلّس [٥] ٨٦/
١٠٤.
стр. 12341
٥ - (ابن أبي رافع) هو عبيد اللَّه الآتي قريبًا.
٦ - (أبوه) أبو رافع الآتي قريبًا. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وأن رجاله عندهم رجال الصحيح، وأن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستة بلا واسطة، وأن نصفه الأول مسلسل بثقات البصريين، والثاني بثقات الكوفيين، وفيه رواية الابن عن أبيه، وتابعي عن تابعي، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ أَبِي رَافِعٍ) هو عبيد اللَّه بن أبي رافع مولى النبيّ ﷺ المدنيّ، كان كاتب عليّ - رضي اللَّه تعالى عنه -، ثقة [٣] تقدّمت ترجمته في ١٧/ ٨٩٧ (عَنْ أَبِيهِ) أبي رافع القبطيّ، مولى رسول اللَّه ﷺ ، اختلف في اسمه، فقيل: إبراهيم، وقيل: أسلم، وقيل: ثابت، وقيل: هُرْمُز، صحابيّ مشهور، مات - رضي اللَّه تعالى عنه - في أول خلافة عليّ على الصحيح، وتقدّمت ترجمته في ٥٨/ ٨٦٢ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، اسْتَعْمَلَ رَجُلًا) أي أرسله عاملًا على الصدقة. وهذا الرجل هو الأرقم بن أبي الأرقم، فقد أخرج أحمد من طريق سفيان، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم بن عتيبة، عن ابن أبي رافع، عن أبيه، قال: مَرَّ عليّ الأرقم الزهري، أو ابن أبي الأرقم، واستُعمِل على الصدقات، قال: فاستتبعني … " الحديث. لكن في قوله الزهريّ كلام يأتي قريبًا.
(مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ) هذا هو الأصحّ. وقيل: إنه زهريّ.
قال الحافظ في "الإصابة": روى الطبرانيّ من طريق الثوريّ، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عبّاس، قال: استعمل النبيّ ﷺ الأرقم بن أبي الأرقم الزهريّ على السعاية، فاستتبع أبا رافع، مولى النبيّ ﷺ ، فقال النبيّ ﷺ : "يا أبا رافع، إن الصدقة حرامٌ على محمد، وعلى آل محمد" انتهى.
فهذا يدلّ على أن للأرقم الزهريّ أيضا صحبة.
لكن رواه شعبة، عن مقسم، فقال: استعمل رجلًا من بني مخزوم. كذلك أخرجه أبو داود وغيره، وإسناده أصحّ من الأول. انتهى كلام الحافظ (١).
стр. 12342
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لكن قوله: "عن شعبة، عن مقسم" فيه نظرٌ, لأن رواية أبي داود: "عن شعبة، عن الحكم، عن ابن أبي رافع الخ"، كرواية المصنّف، لا عن شعبة، عن مقسم. فليُحرّر.
[تنبيه]: الأرقم بن أبي الأرقم الزهريّ لم أجد ترجمته، وأما الأرقم بن أبي الأرقم المخزوميُّ، فقد ترجمه في "الإصابة"، فقال: كان اسمه عبد مناف بن أسد ابن عبد اللَّه بن عمرو بن مخزوم، أبو عبد اللَّه، وكان من السابقين الأولين. قيل: أسلم بعد عشرة. وقال البخاريّ: له صحبة. وذكره ابن إسحاق، وموسى بن عقبة فيمن شهد بدرًا. وروى الحاكم في "المستدرك" أنه أسلم سابع سبعة، وكانت داره على الصفا، وهي الدار التي كان النبي ﷺ يجلس فيها في الإسلام، وذكر قصّة طويلة لهذه الدار، وأن الأرقم حبسها، وأن أحفاده بعد ذلك باعوها لأبي جعفر المنصور. ورواه ابن منده من طريق أقوى من طريق الحاكم، وهي عن عبد اللَّه بن عثمان بن الأرقم، عن جدّه، وكان بدريًّا، وكان رسول اللَّه ﷺ في داره التي عند الصفا، حتى تكاملوا أربعين رجلًا مسلمين، وكان آخرهم إسلامًا عمر، فلما تكاملوا أربعين رجلًا خرجوا. وشهد الأرقم بدرًا، وأحدًا، والمشاهد كلها، وأقطعه النبيّ ﷺ دارًا بالمدينة. ومات سنة (٥٥) وقيل: (٥٣)، وهو ابن (٨٥) سنة، وصلى عليه سعد ابن أبي وقّوص - رضي اللَّه تعالى عنهما - بوصيّة منه. انتهى ما في "الإصابة" باختصار (١).
(عَلَىِ الصَّدقَةِ) أي على جمعها من الأغنياء، حتى تُفرّق على الأصناف المستحقّين لها (فَأَرَادَ أبُو رَافِعٍ، أَنْ يَتْبَعَهُ) أي بعد أن طلب الرجل ذلك منه، ففي رواية أبي داود: "فقال لأبي رافع: اصحبني، فإنك تُصيب منها، قال: حتى آتي النبيّ ﷺ ، فأسأله، فأتاه، فسأله … " (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لَنَا") يعني نفسه، وأهل بيته (وَإنَّ مَوْلَى الْقَوْم مِنْهُمْ) فيه تحريم الصدقة مطلقًا واجبة كانت، أو تطوّعًا على النبيّ ﷺ ، وأهل بيته، ومواليهم، ولو كانوا عُمّالًا عليها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي رافع - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
стр. 12343
أخرجه هنا ٩٧/ ٢٦١٢ - وفي "الكبرى" ٩٩/ ٢٣٩٤. وأخرجه (د) في "الزكاة" ١٦٥٠ (ت) في "الزكاة" ٦٥٢ (أحمد) في "مسند القبائل" ٢٦٦٤١. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم دفع الزكاة لموالي أهل البيت:
ذهب أبو حنيفة، وأصحابه، وأحمد، وبعض المالكيّة، كابن الماجشون، وهو الصحيح عند الشافعيّة، إلى تحريم الصدقة عليهم.
وذهب مالك، وبعض الشافعيّة -وعزاه في "الفتح" إلى الجمهور- إلى جواز دفعها إليهم؛ لأنهم ليسوا منهم حقيقةً، ولا حظّ لهم في سهم ذوي القربى، فلا يُحرَمون من الصدقة، كسائر الناس، قال الحافظ: ومنشأ الخلاف قوله: "مولى القوم منهم"، أو "من أنفسهم"، هل يتناول المساواة في حكم تحريم الصدقة، ألا؟. وحجة الجمهور أنه لا يتناول جميع الأحكام، فلا دليل فيه على تحريم الصدقة، لكنه ورد على سبب الصدقة، وقد اتفقوا على أنه لا يخرج السبب، وإن اختلفوا، هل يُخصّ به، أولا انتهى (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الصواب ما ذهب إليه الأولون، من تحريم الصدقة عليهم؛ لحديث الباب، وهو نصّ صحيح صريح في المسألة، والعلل التي تمسك بها المجيزون واهية، إذ العلل العقليّة، لا تقام الأدلة النقليّة، ولقد أحسن من قال، وأجاد في المقال [من الوافر]:
إِذَا جَالَتْ خُيُولُ النَّصِّ يَوْمًا … تُجَارِي فِي مَيَادِينِ الْكِفَاحِ
غَدَتْ شُبَهُ الْقِيَاسِيِّينَ صَرْعَى … تَطِيرُ رُؤُوسُهُنَّ مَعَ الرِّياحِ
والحاصل أنه لا يجوز دفع الزكاة لموالي أهل البيت، كما لا يجوز دفعها إليهم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب".
…
٩٨ - (الصَّدَقَةُ لَا تحَلُّ لِلنَّبِيِّ ﷺ -)
ولفظ "الكبرى": "الهديّة للنبيّ ﷺ ".
стр. 12344
٢٦١٣ - (أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ وَاصِلٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ جَدِّهِ, قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أُتِيَ بِشَيْءٍ, سَأَلَ عَنْهُ, أَهَدِيَّةٌ, أَمْ صَدَقَةٌ؟ , فَإِنْ قِيلَ: صَدَقَةٌ, لَمْ يَأْكُلْ, وَإِنْ قِيلَ هَدِيَّةٌ, بَسَطَ يَدَهُ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زياد بن أيوب) الحافظ الثبت المعروف بـ "دلّويه" [١٠] ١٠١/ ١٣٢.
٢ - (عبد الواحد بن واصل) السدوسيّ مولاهم، أبو عبيدة الحدَّاد البصريّ، نزيل بغداد، ثقة، تكلّم فيه الأزديّ بغير حجة [٩] ٥٥/ ٩٧٢. والباقون يأتون قريبًا.
٣ - (بهز بن حكيم) بن معاوية القُشَيريُّ، أبو عبد الملك البصريّ، صدوق [٦] ١/ ٢٤٣٦.
٤ - (أبوه) حكيم بن معاوية القُشَيريّ البصريّ، صدوق [٣] ١/ ٢٤٣٦.
٥ - (جدّه) معاوية بن حَيْدَة -بفتح الحاء المهملة، وسكون التحتانية- ابن معاوية ابن كعب القشيريّ، صحابي نزل البصرة، ومات بخراسان ﵁ ١/ ٢٤٣٦. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن بهز بن حكيم، (عن أبيه) حكيم (عن جدّه) معاوية ﵁ أنه (قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ ، إِذَا أُتِيَ بِشَيْءٍ) ولفظ البخاريّ من حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه -: "إذا أتي بطعام". وزاد أحمد، وابن حبّان من طريق حماد بن سلمة، عن محمد بن زياد، عنه: "من غير أهله". قاله في "الفتح" (١) (سَأَلَ عَنْهُ، أَهَدِيَّةٌ، أَمْ صَدَقَةٌ؟، فَإنْ قِيلَ: صَدَقَةٌ، لَمْ يَأْكُلْ) لكونها محرّمة عليه. وللبخاريّ في حديث أبي هريرة: "قال لأصحابه: كلوا".
وهو ظاهر في كونه لا يأكل من الصدقات مطلقًا، فرضا كانت، أو تطوّعًا، وهو الراجح من أقوال أهل العلم، كما تقدّم (وَإِنْ قِيلَ هَدِيَّةٌ، بَسَطَ يَدَهُ) أي للأكل، ولفظ الترمذيّ من طريق يوسف بن سعيد الضُّبَعيّ، عن بهز: "وإن قالوا: هديّة أكل". وفي حديث أبي هريرة عند البخاريّ: "وإن قيل: هدية، ضرب بيده ﷺ ، فأكل معهم". قال في "الفتح": أي شرع في الأكل مسرعًا، ومثله ضَرَب في الأرض: إذا أسرع السير فيها انتهى (٢).
قال ابن بطّال -رحمه اللَّه تعالى-: إنما كان النبيّ ﷺ لا يأكل الصدقة؛ لأنها أوساخ الناس؛ ولأن الصدقة منزلة ضَعَةٍ، والأنبياء منزّهون عن ذلك؛ لأنه ﷺ -كان كما وصفه
стр. 12345
اللَّه تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾، والصدقة لا تحلّ للأغنياء، وهذا بخلاف الهديّة، فإن العادة جارية بالإثابة عليها، وكذلك كان شأنه ﷺ انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث معاوية بن حَيْدة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٩٨/ ٢٦١٣ - وفي "الكبرى" ١٠٠/ ٢٣٩٥. وأخرجه (ت) ٦٥٦ (أحمد) في "مسند البصريين" ١٩٥٥٠. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان تحريم الصدقة على النبيّ ﷺ (ومنها): بين حلّ الهديّة له (ومنها): أنّ الصدقة تفارق الهديّة، حيث حُرّمت هي عليه، دون الهديّة، وذلك لأن القصد من الصدقة ثواب الآخرة، وهو ينبىء عن عزّ المعطِي، وذُل الآخذ في احتياجه إلى الترحّم عليه، والرفق به، والقصد من الهديّة التحبّب إلى المهدَى إليه، وإكرامه بعرضها عليه، ففيها غاية العزّة والرفعة له، وأيضًا من شأن الهديّة مكافأتها في الدنيا، ولذا كان ﷺ يأخذ الهديّة، وُيثيب عليها بإعطاء العوض عنها، فقد أخرج البخاريّ في، "صحيحه" من حديث عائشة ﵂، قالت: "كان رسول اللَّه ﷺ ، يقبل الهديّة، ويثيب عليها".
فلا منّة للمُهدِي فيها البتّة، بل هي لمجرّد المحبّة، كما يدلّ كليه حديث: "تهادوا تحابّوا (٢) "، وأما جزاء الصدقة، فإنه في العقبى، ولا يجازي فيها إلا المولى .
(ومنها): بيان فضل النبيّ ﷺ ، حيث أكرمه اللَّه تعالى بعدم حلّ الصدقة، لكونها من أوساخ الناس، ولِمَا يلحق الآخذ من الذلّ والهوان، بخلاف الهديّة، فإنها يراد بها إكرام آخذها، فتناسب كرامة النبيّ ﷺ ، وكمال شرفه العظيم (ومنها): أنه ينبغي الورع، والاحتياط في المواضع التي يتشكك فيها الإنسان، من الأمور التي تشتمل على المحظور والمباح، فإنه ﷺ إنما كان يسأل إذا جاءه شيء، أصدقةٌ، أم هديةٌ؛ لاشتماله على الحظر والإباحة، فإذا تبيّن له إحداهما عمل بمقتضاه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب،
стр. 12346
وإليه المرجع والماب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب".
…
٩٩ - (إِذَا تَحَوَّلَتِ الصَّدَقَةُ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: غرض المصنّف بهذا أن الصدقة إذا أخذها مستحقّها، ثم أهداها لمن لا يستحقّها حلّت له، لكونها خرجت عن اسم الصدقة، وصارت هديّة، فجواب "إذا" محذوف دلّ عليه الحديث: أي حلتّ للنبيّ ﷺ ، وآل بيته. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٦١٤ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ يَزِيدَ, قَالَ: حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ, عَنْ إِبْرَاهِيمَ, عَنِ الأَسْوَدِ, عَنْ عَائِشَةَ, أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِىَ بَرِيرَةَ, فَتَعْتِقَهَا, وَأَنَّهُمُ اشْتَرَطُوا وَلَاءَهَا, فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَقَالَ: «اشْتَرِيهَا, وَاعْتِقِيهَا, فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ» , وَخُيِّرَتْ حِينَ أُعْتِقَتْ, وَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِلَحْمٍ, فَقِيلَ: هَذَا مِمَّا تُصُدِّقَ بِهِ, عَلَى بَرِيرَةَ, فَقَالَ: «هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ, وَلَنَا هَدِيَّةٌ» , وَكَانَ زَوْجُهَا حُرًّا).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عمرو بن يزيد) بالزاي -الْجَزمِيُّ، أبو بُرَيْدٍ - بالموحدة، وراء، آخره دال مهملة، مصغرًا - البصري، صدوق [١١] ١٠٠/ ١٣٠ من أفراد المصنف.
٢ - (بهز بن أسد) العمّيّ البصري، ثقة ثبت [٩] ٢٤/ ٢٨.
٣ - (إبراهيم) بن يزيد النخعي الكوفي الفقيه، ثقة يرسل [٥] ٢٩/ ٣٣.
٤ - (الأسود) بن يزيد النخعي الكوفي، ثقة مخضرم فقيه [٢] ٢٩/ ٣٣.
٥ - (عائشة) أُمُّ المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥.
والباقيان تقدما قبل باب. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سباعيات المصنّف ﵀، وأنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة، وبعده بالكوفيين إلا عائشة فمدنية، وأن رجاله رجال الصحيح غير شيخه كما مرّ آنفًا، وأن فيه
стр. 12347
ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، وأن فيه عائشة ﵂ من المكثرين السبعة روت (٢٢١٠) أحاديث. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ) بنت صفوان. وهي بفتح الموحّدة، بوزن فَعِيلة، مشتقّة من الْبَرِيرِ، وهو ثمر الأراك. وقيل: إنها فَعِيلة من البرّ، بمعنى مفعولة، كمبرورة، أو بمعنى فاعلة، كرحيمة، هكذا وجهه القرطبيّ، والأول أولى؛ لأنه ﷺ غَيّر اسم جويرية، وكان اسمها بَرّة، وقال: "لا تزكّوا أنفسكم"، فلو كانت بَرِيرة من البرّ لشاركتها في ذلك. وكانت بريرة لناس من الأنصار، كما وقع عند أبي نُعيم. وقيل: لناس من بني هلال. قاله ابن عبد البرّ. ويمكن الجمع. وكانت تخدُم عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - قبل أن تُعتَق، وعاشت إلى خلافة معاوية - رضي اللَّه تعالى عنه -، وتفرّست في عبد الملك بن مروان أنه يلي الخلافة، فبشّرته بذلك، وروى هو ذلك عنها (١) (فَتُعْتِقَهَا) وسبب إرادة عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - عتقها أنها طلبت ذلك منها، كما سيأتي من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كاتبت بريرة على نفسها، بتسع أواق، في كل سنة بأوقية، فأتت عائشة تستعينها، فقالت: لا، إلا أن يشاءوا أن أَعُدَّها لهم عَدَّةً واحدة، ويكون الولاء لي، فذهبت بريرة، فكلمت في ذلك أهلها، فأبوا عليها، إلا أن يكون الولاء لهم، فجاءت إلى عائشة، وجاء رسول اللَّه ﷺ عند ذلك، فقالت لها: ما قال أهلها، فقالت: لا، ها اللَّه إذا، إلا أن يكون الولاء لي، فقال رسول اللَّه ﷺ : "ما هذا؟ "، فقالت: يا رسول اللَّه، إن بريرة، أتتني تستعين بي، على كتابتها، فقلت: لا، إلا أن يشاءوا أن أعدها لهم، عَدَّة واحدة، ويكون الولاء لي، فذَكَرَتْ ذلك لأهلها، فأبوا عليها، إلا أن يكون الولاء لهم، فقال رسول اللَّه ﷺ : "ابتاعيها، واشترطي لهم الولاء، فإن الولاء لمن أعتق" .... " الحديث.
(وَإِنَّهُمُ اشْتَرَطُوا وَلَاءَهَا) أي وافقوا على بيعها، لكن بشرط أن يكون ولاء بريرة لهم، لا لعائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - (فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) وفي رواية هشام، عن أبيه: "فسمع بذلك رسول اللَّه ﷺ ، فسألني، فأخبرته". وفي رواية مالك، عن هشام: "فجاءت من عندهم، ورسول اللَّه ﷺ جالسٌ، فقالت: إني عرضت عليهم، فأبوا، فسمع النبيّ ﷺ ". وفي رواية أيمن: "فسمع بذلك النبيّ ﷺ ، أو بلغه". زاد في
стр. 12348
"الشروط" من هذا الوجه: "فقال: "ما شأن بريرة". وكلها في "صحيح البخاري". ويأتي بعضها للمصنّف. ولمسلم من رواية أبي أسامة، ولابن خزيمة من رواية حماد بن سلمة، كلاهما عن هشام: "فجاءتني بريرة، والنبيّ ﷺ جالسٌ، فقالت لي فيما بيني وبينها: ما أراد أهلها، فقلت: لا ها اللَّه إذًا، ورفعت صوتي، وانتهرتها، فسمع بذلك النبيّ ﷺ ، فسألني، فأخبرته". لفظ ابن خزيمة (١).
(فَقَالَ) ﷺ ("اشْتَرِيهَا) وفي رواية: "ابتاعيها" (وَأَعْتِقِيهَا) زاد في رواية: "واشترطي لهم الولاء".
وفيه أن الشرط الفاسد لا يفسد البيع، وأما ما ذكره السنديّ من الاستشكال، والجواب عنه، فإنه مبنيّ على مذهبه، والحقّ أن مثل هذا الشرط لا يفسد البيع؛ لصريح قوله- ﷺ : "اشتريها، واشترطي لهم الولاء"، فقد بيّن أن مثل هذا الشرط الباطل لا يؤثّر في صحة البيع، وسيأتي مزيد بسط لذلك في محلّه، إن شاء اللَّه تعالى (فَإِنَّ الْوَلًاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ") وفي رواية: "فإنما الولاء لمن أعتق"، بلفظ "إنما" وهي أداة حصر، وهو إثبات الحكم للمذكور، ونفيه عما عداه، ولولا ذلك لما لزم من إثبات الولاء للمعتِقِ نفيه عن غيره. واستدلّ بمفهومه على أنه لا ولاء لمن أسلم على يديه رجلٌ، أو وقع بينه وبينه محالفة، خلافًا للحنفيّة، ولا للملتقط، خلافًا لإسحاق. ويستفاد من منطوقه إثبات الولاء لمن أعتق سائبةً، خلافًا لمن قال: يصير ولاؤه للمسملمين، ويدخل فيمن أعتق عتقُ المسلم للمسلم، وللكافر، وبالعكس ثبوت الولاء للمعتق. قاله في "الفتح" (٢).
(وَخُيِّرَتْ حِينَ أُعْتِقَتْ) ببناء الفعلين للمفعول: أي خَيّرها رسول اللَّه ﷺ لَمّا أعتقت بين أن تبقى مع زوجها، وبين أن تفارقه. وفيه أن الأمة إذا أعتقت تُخيّر، واختلف هل يشترط في الخيار كون زوجها عبدًا، أو تُخيّر مطلقًا، فذهب الجمهور إلى أنها لا تُخيّر إلا إذا كان زوجها عبدًا، وذهبت الحنفيّة إلى أنها تُخيّر مطلقًا، سواء كانت تحت حرّ، أم عبد، والأول هو الأرجح، وسبب الخلاف في ذلك اختلاف الروايات في زوج بريرة، أكان عبدًا، أو حرًّا؟، والأول أصحّ الروايات. وسيأتي تحقيق ذلك في محلّه، من "كتاب الطلاق"، إن شاء اللَّه تعالى.
(وَأُتِيَ) بالبناء للمفعول، ونائب فاعله قوله (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بلَحْمٍ، فَقِيلَ: هَذَا مِمَّا تُصُدِّقَ بِهِ) ببناء الفعل للمفعول (عَلَى بَرِيرَةَ، فَقَالَ) ﷺ (هُوَ لَهَاَ صَدَقَةٌ) قال ابن مالك -رحمه اللَّه تعالى-: يجوز في "صدقة" الرفع على أنه خبر "هو"، و"لها" صفة، قُدِّمت،
стр. 12349
فصارت حالًا، والنصب على الحال، وُيجعل "لها" الخبر انتهى (١) (وَلَنَا هَدِيَّةٌ) فيه أن التحريم إنما هو على الصفة، لا على العين.
(وَكَانَ زَوْجُهَا) اسمه مُغيث، وكان عبدًا أسود لنبي المغيرة، من بني مخزوم (حُرًّا) ووقعت جملة "وكان زوجها حُرًّا" في "الكبرى" عقب قوله: "وخُيّرت حين أُعتقت".
ثم إن كون زوجها حرًّا إنما وقع في رواية الأسود، قال في "الفتح": وقد اختلف فيه على راويه، هل هو من قول الأسود، أو رواه عن عائشة، أو هو قول غيره. قال إبراهيم بن أبي طالب أحد حفّاظ الحديث، وهو من أقران مسلم فيما أخرجه البيهقيّ عنه: خالف الأسود الناسَ في زوج بريرة. وقال الإمام أحمد: إنما يصحّ أنه كان حرًّا عن الأسود وحده، وما جاء عن غيره، فليس بذاك، وصحّ عن ابن عبّاس وغيره أنه كان عبدًا، ورواه علماء المدينة، وإذا روى علماء المدينة شيئًا، وعملوا به، فهو أصحّ شيء، وإذا عَتَقَت الأمة تحت الحرّ، فعقدها المتّفق على صحّته لا يفسخ بأمر مختلف فيه انتهى (٢).
وسيأتي مزيد بسط في المسألة في "كتاب الطلاق"، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٩٩/ ٢٦١٤ وفي "الطلاق" ٣١/ ٣٤٤٧ و ٣٤٤٨ و ٣٤٤٩ و ٣٤٥٠ و ٣٤٥١ و ٣٤٥٢ و ٣٤٥٣ و ٣٤٥٤ وفي "البيوع" ٧٨/ ٤٦٤٢ و ٣٦٤٣ و ٤٦٤٤ و ٨٥/ ٤٦٥٥ و / ٤٦٥٦٨٦ - وفي "الكبرى" ١٠١/ ٢٣٩٦ وفي "الطلاق" ٣٠/ ٥٦٤٠ و ٥٦٤١ و ٣١/ ٥٦٤٢ و ٥٦٤٣ و ٣٢/ ٥٦٤٤ و ٥٦٤٥ و ٥٦٤٦ و ٥٦٤٨ وفي "البيوع" ٧٩/ ٦٢٣٨ و ٦٢٣٩ و ٦٢٤٠ و ٨٦/ ٦٢٥١ و ٨٧/ ٦٢٥٢.
وأخرجه (خ) في "الصلاة" ٤٥٦ وفي "الزكاة" ١٤٩٣ وفي "البيوع" ٢١٥٥ وفي "العتق" ٢٥٣٦ و ٢٥٦١ و ٢٥٦٤ و ٢٥٦٥ و "الهبة" ٢٥٧٨ و"الشروط" ٢٧١٧ و ٢٧٢٦ و ٢٧٢٩ و ٢٧٣٥ و"النكاح" ٥٠٩٧ و"الطلاق" ٥٢٧٩ و ٥٢٨٤ و"الأطعمة" ٥٤٣٠ و"كفارات الأيمان" ٦٧١٧ و"الفرائض" ٦٧٥١ و ٦٧٥٤ و ٦٧٥٨ و ٦٧٦٠. (م) في "العتق" ١٥٠٤ (د) في "العتق" ٣٩٢٩ (ت) في "البيوع" ١٢٥٦ (ق) في "الدعاء"
стр. 12350
٣٨٣٥ (الموطأ) في "العتق والولاء" ١٥١٩. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما بوّب له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو أن الصدقة إذا تحوّلت عن اسمها، إلى اسم الهديّة حلّت للنبيّ ﷺ ، وأهل بيته، ومثله كلّ من لا تحلّ له الصدقة، كالغنيّ (ومنها): جواز كتابة الأمة كالعبد (ومنها): جواز كتابة المتزوّجة، ولو لم يأذن به الزوج، وليس له منعها، ولو أدّى ذلك إلى فراقها (ومنها): جواز تصرّف المرأة الرشيدة بغير إذن زوجها (ومنها): جواز بيع المكاتب برضاه (ومنها): جواز البيع على شرط العتق (ومنها): تخيير الأمة إذا أعتقت، فإن شاءت اختارت زوجها، وإن شاءت فارقته، لكن بشرط أن يكون زوجها عبدًا، وهو الراجح.
وفوائده هذا الحديث كثيرة، حتى أوصلها بعضهم إلى نحو مائة، وسنذكر أكثرها في "كتاب الطلاق" إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب".
…
١٠٠ - (شِرَاءُ الصَّدَقَةِ)
٢٦١٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ, وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ, قِرَاءَةً عَلَيْهِ, وَأَنَا أَسْمَعُ, عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ, قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ, عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ: حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ , فَأَضَاعَهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ, وَأَرَدْتُ أَنْ أَبْتَاعَهُ مِنْهُ, وَظَنَنْتُ أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصٍ, فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , فَقَالَ: «لَا تَشْتَرِهِ, وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ, فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ, كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (محمد بن سلمة) بن أبي فاطمة المرادي الجَمَلِيُّ، أبو الحارث المصري، ثقة ثبت [١١] ١٩/ ٢٠.
٢ - (الحارث بن مسكين) الأموي مولاهم، أبو عمرو المصري الفقيه، ثقة [١٠] ٩/ ٩.
٣ - (ابن القاسم) هو: عبد الرحمن العُتَقِيُّ المصريّ الفقيه، صاحب مالك، ثقة، من
стр. 12351
كبار [١٠] ١٩/ ٢٠.
٤ - (مالك) بن أنس الإمام المدني الحجة المشهور [٧] ٧/ ٧.
٥ - (زيد بن أسلم) العدوي مولاهم المدني، ثقة فقيه [٣] ٦٤/ ٨٠.
٦ - (أبوه) أسلم العدويّ مولاهم، أبو خالد، ويقال: أبو زيد. قيل: إنه حبشيّ. وقيل: من سبي عَيْنِ التمر، أدرك زمن النبيّ ﷺ ، ثقة مخضرمٌ [٢].
قال ابن إسحاق: بعث أبو بكر عمر سنة (١١) فأقام للناس الحجّ، وابتاع فيها أسلم مولاه. وقال العجليّ: مدنيّ ثقة من كبار التابعين. وقال أبو زرعة: ثقة. وقال يعقوب ابن شيبة: كان ثقة، وهو من جِلّة موالي عمر، وكان يقدّمه. وفي "تاريخ ابن عساكر": كان أسود مشروطًا. وقال أبو عبيد: توفّي سنة (٨٠) وقال غيره: وهو ابن (١١٤) سنة. هذا حكاه البخاريّ، والْفَسَويّ في "تاريخيهما" عن إبراهيم بن المنذر، عن زيد بن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وزاد: وصلّى عليه مروان.
قال الحافظ: وهو يقتضي أنه مات قبل سنة (٨٠) بل قبل سنة (٧٠) ويدلّ له أن البخاريّ ذكر ذلك في "التاريخ الأوسط" في "فصل من مات بين الستين إلى السبعين"، ومروان مات سنة (٦٤) ونُفي من المدينة في أوائلها. وروى ابن منده، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" بإسناد ضعيف أن أسلم سافر مع النبيّ ﷺ . لكن يحتمل لو صحّ السند أن يكون أسلمَ آخَرَ غيرَ مولى عمر انتهى كلام الحافظ.
روى له الجماعة. وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٧ - (عمر) بن الخطاب - رضي اللَّه تعالى عنه -، تقدم في ٦٠/ ٧٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سباعيات المصنف ﵀، وأنه مسلسل بالمدنيين من مالك، ورجاله رجال الصحيح، غير الحارث، وفيه رواية الابن عن أبيه عن مولاه، وروايد تابعي عن تابعي، وفيه عمر ﵁ أحد الخلفاء الأربعة، والعشرة المبشرين بالجنة ﵃. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسلَمَ، عَنْ أَبيهِ) أسلم، أنه (قَالَ: سَمِعتُ عُمَرَ) زاد في رواية ابن عيينة: "على المنبر". وهو في "المَوطّآت للدارقطنيّ".
وهذا صريح في كون الحديث من مسند عمر - رضي اللَّه تعالى عنه -. وكذا الرواية التالية من طريق معمر، عن الزهريّ، وأما الرواية الثالثة من طريق عُقيل عن الزهريّ،
стр. 12352
فظاهرها أنه من مسند ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -. وقد رجّح الدارقطنيّ الثانية، قال الحافظ: لكن حيث جاءت من طريق سألم وغيره من الرواة عن ابن عمر، فهو من مسنده، وأما رواية أسلم مولى عمر، فهي عن عمر نفسه. واللَّه أعلم (١).
(يَقُولُ: حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ) زاد القعنبيّ في "الموطإ": "عَتيق". والعتيق الكريم الفائق من كلّ شيء. وهذا الفرس أخرج ابن سعد عن الواقديّ بسنده، عن سهل بن سعد في تسمية خيل النبيّ ﷺ ، قال: "وأهدى تميم الداريّ له فرسًا، يقال له: الورد، فأعطاه عمر، فحمل عليه عمر في سبيل اللَّه، فوجده يباع … " الحديث. فعرف بهذا تسميته، وأصله. ولا يُعارضه ما أخرجه مسلم، ولم يسق لفظه، وساقه أبو عوانة في "مستخرجه" من طريق عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: أن عمر حمل على فرس في سبيل اللَّه، فأعطاه رسول اللَّه ﷺ رجلاً"؛ لأنه يُحمل على أن عمر لما أراد أن يتصدّق به، فوّض إلى رسول اللَّه ﷺ اختيار من يتصدّق به عليه، أو استشاره فيمن يحمله عليه، فأشار به عليه، فنُسبت إليه العطيّة؛ لكونه أمره بها.
(فِي سَبيلِ اللَّهِ ) وفي رواية عُقيل الآتية: "أن عمر تصدّق بفرس". والمعنى أنه ملّكه لهَ، ولذا ساغ له بيعه. ومنهم من قال: كان عمر قد حبسه، وإنما ساغ للرجل بيعه؛ لأنه حصل فيه هُزَالٌ، عَجَزَ لأجله عن اللحاق بالخيل، وضعف عن ذلك، وانتهى إلى حالة عدم الانتفاع به. وأجاز ذلك ابن القاسم، ويدلّ على أنه تمليك قوله: "ولا تَعُد في صدقتك"، ولو كان حبيسًا لعلّله به. قاله في "الفتح".
(فَأَضَاعَهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ) أي لم يحسن القيام عليه، وقصّر في مؤونته، وخدمته. وقيل: لم يعرف مقداره، فأراد بيعه بدون قيمته. وقيل: معناه استعمله في غير ما جُعل له، والأول أظهر، ويؤيّده رواية مسلم من طريق رَوْح بن القاسم، عن زيد بن أسلم: "فوجده قد أضاعه صاحبه، وكان قليل المال"، فأشار إلى علّة ذلك، وإلى العذر المذكور في إرادة بيعه (٢).
(وَأَرَدْتُ أَنْ أَبْتَاعَهُ مِنْهُ) أي اشتريه من ذلك الرجل (وَظَنَنْتُ أنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصٍ) بضمّ، فسكون: ضدّ الغَلَاء، أي بثمن قليل (فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) أي عن حكم شرائه (فَقَالَ) ﷺ (لَا تَشْتَرِهِ) وفي رواية عُقيل: "لا تعُد في صدقتك" سمى الشراء عودًا في الصدقة من حيث إن الغرض منها ثواب الآخرة، فإذا اشتراها برخص، فكأنه اختار
стр. 12353
عَرَض الدنيا على الآخرة، مع أن العادة تقتضي بيع مثل ذلك برخص لغير المتصدّق، فكيف بالمتصدّق، فيصير راجعًا في ذلك المقدار الذي سومح فيه.
(وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ) أي بثمن قليل. وهذا مبالغة في رُخصه، وهو الذي حمل عمر - رضي اللَّه تعالى عنه - على الشراء.
ويستفاد منه أن البائع كان قد ملكه، ولو كان حبيسًا كما ادعاه من قال بجواز بيعه؛ لكونه صار لا ينتفع به فيما حبس له لما كان له أن يبيعه إلا بالقيمة الوافرة، ولا كان له أن يسامح منها بشيء، ولو كان المشتري هو الْمُحَبِّس.
وقد استَشكَلَ الإسماعيليّ، فقال: إذا كان شرط الواقف ما ثبت في حديث ابن عمر في وقف عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -: "لا يُباع أصله، ولا يوهب"، فكيف يجوز أن يباع الفرس الموهوب، وكيف لا يُنهى بائعه، أو يمنع من بيعه؟.
قال: فلعلّ معناه أن عمر جعله صدقة يعطيها من يرى رسول اللَّه ﷺ إعطاءه، فأعطاه النبيّ ﷺ الرجل المذكور، فجرى منه ما ذكر.
ويستفاد من التعليل المذكور أيضًا أنه لو وجده مثلًا يباع بأغلى من ثمنه لم يتناوله النهي. أفاده في "الفتح" (١).
(فَإِن الْعَائِدَ) الفاء للتعليل (فِي صَدَقَتِهِ، كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ) الغرض من التشبيه تقبيح صورة ذلك الفعل. وفي رواية: "كالعائد في قيئه" واستدلّ به على تحريم ذلك؛ لأن أكل القيء حرام. قال القرطبيّ: وهذا هو الظاهر من سياق الحديث. ويحتمل أن يكون التشبيه للتنفير خاصّة؛ لكون القيء مما يُستقذر، وهو قول الأكثرين. ويلتحق بالصدقة الكفّارات، والنذر، وغيرهما من القربات. وأما إذا ورثه فلا كراهة، وأبعد من قال: يتصدّق به.
[تنبيه]: زاد في رواية سالم عند البخاريّ في آخره: "ولهذا كان ابن عمر لا يترك أن يبتاع شيئًا تصدّق به إلا جعله صدقة". يعني أن ابن عمر كان إذا اتفق له أن يشتري شيئًا مما تصدق به لا يتركه في ملكه حتى يتصدّق به، وكأنه فهم أن النهي عن شراء الصدقة إنما هو دمن أراد أن يتملّكها، لا لمن يردّها صدقة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
стр. 12354
حديث عمر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٠٠/ ٢٦١٥ و ٢٦١٦ و ٢٦١٧ - وفي "الكبرى" ١٠٢/ ٢٣٩٧ و ٢٣٩٨ و ٢٣٩٩. وأخرجه (خ) في "الزكاة" ١٤٨٩ و ١٤٩٠ و"الجهاد والسير" ٢٩٧١ و ٣٠٠٢ و ٣٠٠٣ (م) في "الهبات" ١٦٢٠ و ١٦٢١ (د) في "الزكاة" ١٥٩٣ (ت) في "الزكاة" ٦٦٨ (ق) في "الأحكام" ٢٣٩٠ و ٢٣٩٢ (أحمد) في "مسند العشرة" ٢٨٣ و ٣٨٦ و ٥١٥٥ و ٥٧٦٢ "الموطّأ" في "الزكاة" ٦٢٤ و ٦٢٥. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم شراء الصدقة، وهو المنع؛ لأنه يكون رجوعًا عنها (ومنها): مشروعيّة الحمل في سبيل اللَّه تعالى، والإعانة على الغزو بكلّ شيء (ومنها): أن العمل في سبيل اللَّه يكون تمليكًا، فيجوز للمحمول بيعه، والانتفاع بثمنه (ومنها): استعمال التشبيه في توضيح المسائل (ومنها): فضل عمر - رضي اللَّه تعالى عنه -، حيث امتنع من شراء صدقته، وقد وجدها تباع برخص، حتى استشار النبيّ ﷺ ، وعلم حكم اللَّه في ذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم شراء الصدقة:
ذهب الجمهور، ومنهم مالك، والكوفيون، والشافعيّ -كما قال ابن بطّال- إلى كراهة ذلك؛ لحديث الباب، وسواء كانت الصدقة فرضًا، أو تطوّعًا، فإن اشترى أحد صدقته لم يُفسخ بيعه، وأولى به التنزه عنها، وكذا قولهم فيما يخرجه المكفّر في كفّارة اليمين.
وذهب قوم إلى جواز شرائها، ومنهم-كما قال ابن المنذر- الحسن، وعكرمة، وربيعة، والأوزاعيّ.
وذهب قوم إلى تحريم ذلك، فلا يجوز لأحد أن يشتري صدقته، ويفسخ البيع (١). قال القرطبيّ وغيره: وهو الظاهر (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: القول بالتحريم هو الأرجح عندي؛ لحديث عمر - رضي اللَّه تعالى عنه - المذكور في الباب، فإن النهي للتحريم على المذهب الراجح؛ كما أن الأمر للوجوب، قال اللَّه تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ
стр. 12355
أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، وقال رسول اللَّه ﷺ -فيما يأتي للمصنّف برقم -٢٦١٩ - من حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه -، مرفوعًا: "وإذا نهيتكم عن شيء، فاجتبوه" (١). ولا دليل هنا من نصّ، ولا إجماع يصرف النهي عن التحريم إلى كراهة التنزيه.
والحاصل أن شراء الصدقة محرم، يفسد به البيع. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): قال الطبريّ -رحمه اللَّه تعالى-: يُخصّ من عموم هذا الحديث مَن وَهَب بشرط الثواب، ومن كان والدًا، والموهوب ولده، والهبة التي لم تُقبض، والتي ردّها الميراث إلى الواهب؛ لثبوت الأخبار باستثناء كلّ ذلك، وأما ما عدا ذلك، كالغنيّ يثيب الفقير، ونحو من يَصِل رحمه، فلا رجوع لهؤلاء. قال: ومما لا رجوع فيه مطلقًا الصدقة يراد بها ثواب الآخرة. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): قال في "الفتح": وقد استُشكل ذكر عمر - رضي اللَّه تعالى عنه -يعني حمله في سبيل اللَّه- مع ما فيه من إذاعة عمل البرّ، وكتمانُهُ أرجح.
وأجيب بأنه تعارض عنده المصلحتان: الكتمان، وتبليغ الحكم الشرعيّ، فرجَّحَ الثاني، فعمل به.
وتُعُقّب بأنه كان يمكن أن يقول: حمل رجل فرسًا مثلًا، ولا يقول: حملت، فيجمع بين المصلحتين. والظاهر أن محلّ رجحان الكتمان إنما هو قبل الفعل، وعنده، وأما بعد وقوعه، فلعلّ الذي أعطيه أذاع ذلك، فانتفى الكتمان، ويضاف إليه أن في إضافته ذلك إلى نفسه تأكيدًا لصحّة الحكم المذكور؛ لأن الذي تقع له القصّة أجدر بضبطها ممن ليس عنده إلا وقوعها بحضوره، فلما أمن ما يخشى من الإعلان بالقصد، صرّح بإضافة الحكم إلى نفسه.
ويحتمل أن يكون محلّ ترجيح الكتمان لمن يَخشَى على نفسه من الإعلان العجب والرياء، أما من أَمِنَ من ذلك كعمر - رضي اللَّه تعالى عنه - فلا انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الاحتمال الأخير عندي أقوى.
وحاصله أن عمر - رضي اللَّه تعالى عنه - لما أَمِنَ من مَعَرّة الإعلان، من العجب والرياء اختار الإعلان به؛ لما يترتّب عليه من ترغيب الناس إلى مثل عمله، فيَقتَدُوا به فيحملوا في سبيل اللَّه تعالى، ويكون له الأجر في ذلك؛ لقوله ﷺ : "من سنّ سنّة حسنة، فله أجرها، وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، لا ينقص من أجورهم شيئًا … "
стр. 12356
الحديث (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٦١٦ - (أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ, عَنْ مَعْمَرٍ, عَنِ الزُّهْرِيِّ,, عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, عَنْ أَبِيهِ,, عَنْ عُمَرَ, أَنَّهُ حَمَلَ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ, فَرَآهَا تُبَاعُ, فَأَرَادَ شِرَاءَهَا, فَقَالَ: لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا تَعْرِضْ فِي صَدَقَتِكَ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من رجال الأربعة، وهو ثقة. والحديث متّفق عليه، وقد تقدّم شرحه، والكلام على مسائله في الذي قبله. وباللَّه تعالى التوفيق.
وقوله: "لا تَعْرِض في صدقتك" -بفتح التاء، والراء، ويجوز كسرها: أي لا تتعرّض للعَوْدة فيها.
قال الفيّوميّ: وما عَرَضتُ له بسوء: أي ما تعرّضت. وقيل: ما صِرْتُ له عُرْضةً بالوقيعة فيه، من باب ضرب، وعَرِضتُ له بالسوء، من باب تَعِبَ لغةٌ، وفي الأمر لا تَعْرِض له بكسر الراء، وفتحها: أي لا تتعرّض له، فتمنعه باعتراضك أن يبلغ مراده؛ لأنه يقال: سِرتُ، فعرض لي في الطريق عارض، من جبل، ونحوه. أي مانع يمنع من المضيّ. انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٦١٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا حُجَيْنٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنْ عُقَيْلٍ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ, كَانَ يُحَدِّثُ, أَنَّ عُمَرَ تَصَدَّقَ بِفَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ , فَوَجَدَهَا تُبَاعُ بَعْدَ ذَلِكَ, فَأَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ, ثُمَّ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَأْمَرَهُ فِي ذَلِكَ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة.
و"حجين" -بالمهملة، والجيم، آخره نون، مصغّرًا -: هو ابن المثنّى اليماميّ، أبو عُمير البغداديّ، ثقة [٩] ١٨٠/ ١١٥٠.
وقوله: "فوجدها" بضمير المؤنّث، ثم قال: "فأراد أن يشتريه" بضمير المذكّر، وفي "الكبرى" بالتذكير في الموضعين، وكلٌّ صحيح؛ لأن الفرس يذكّر، ويؤنّث، قال
стр. 12357
الفيّوميّ: والفَرَس يقع على الذكر والأنثى، فيقال: هو الفرس، وهي الفرس، وتصغير الذكر: فُرَيسٌ، والأنثى: فُرَيسة، على القياس، وجُمِعت الفرس على غير لفظها، فقيل: خَيْلٌ، وعلى لفظها، فقيل: ثلاثة أفراس بالهاء للذكور، وثلاث أفراس بحذفها للإناث، ويقع على التركيّ، والعربيّ. قال ابن الأنباريّ: وربّما بنوا الأنثى على الذكر، فقالوا فيها: فَرَسَةٌ. وحكاه يونس سماعًا عن العرب. انتهى (١).
والحديث متّفق عليه، وقد تقدّم تمام البحث فيه في الحديث الأول.
وبقيّة مباحثه ستأتي مستوفاةً في المواضع المناسبة لها، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى وليّ التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٦١٨ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ وَيَزِيدُ, قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , أَمَرَ عَتَّابَ بْنَ أَسِيدٍ, أَنْ يَخْرِصَ الْعِنَبَ, فَتُؤَدَّى زَكَاتُهُ زَبِيبًا, كَمَا تُؤَدَّى زَكَاةُ النَّخْلِ تَمْرًا").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحَديث لم أره في "الكبرى"، وكان حقّه أن يُذكر في باب "كم يترك الخارص؟ "، ولا أدري لماذا أخّره ههنا.
ورجال إسناده رجال الصحيح، و"عمرو بن عليّ": هو الفلّاس. و"بِشْر": هو ابن المفضّل. و"يزيد": هو ابن زيع. وكلهم تقدّموا، غير:
١ - (عبد الرحمن بن إسحاق) بن عبد اللَّه بن كنانة العامريّ القرشيّ مولاهم، ويقال: الثقفيّ، المدنيّ، نزيل البصرة. ويقال له: عبّاد بن إسحاق، صدوق، رُمِي بالقدر [٦].
قال القطّان: سألت عنه بالمدينة، فلم أرهم يَحمدونه. وكذا قال عليّ بن المدينيّ.
قال: وسمعت سفيان، سئل عنه، فقال: كان قدريًّا، فنفاه أهل المدينة. وقال يزيد بن زُريع: ما جاءنا أحفظ منه.
وقال أبو بكر بن زنجويه: سمعت أحمد يقول: هو رجلٌ صالح، أو مقبول. وقال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: صالح الحديث. وقال مرّة: ليس به بأس. وقال أبو طالب، عن أحمد: رَوَى عن أبي الزناد أحاديث منكرة. وكان يحيى لا يُعجبه، وهو صالح الحديث. وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: كان إسماعيل ابن عُليّة يرضاه. وقال ابن الجنيد، عن ابن معين: ثقة، هو أحبّ إليّ من صالح بن أبي الأخضر. وقال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: صُويلح. وقال مرّة: ثقة. وكذا قال الدُّوريّ عنه. وقال مرّةً: صالح الحديث. وقال ابن المدينيّ: كان يَرَى القدر، ولم يَحمِل عنه أهل
стр. 12358
المدينة. وقال يعقوب بن شيبة: صالح. وقال يعقوب سفيان: ليس به بأس. وقال العجليّ: يُكتب حديثه، وليس بالقويّ. وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه، ولا يُحتجّ به، وهو قريبٌ من ابن إسحاق صاحب "المغازي"، وهو حسن الحديث، وليس بثبت، وهو أصلح من عبد الرحمن بن إسحاق أبي شيبة الواسطيّ. وقال البخاريّ: ليس ممن يُعتمد على حفظه إذا خالف من ليس دونه، وإن كان ممن يُحتمل في بعض. قال: وقال إسماعيل بن إبراهيم: سألت أهل المدينة عنه، فلم يَحمَدوه، مع أنه لا يُعرف له بالمدينة تلميذٌ إلا موسى الزَّمْعيّ، روى عنه أشياء فيها اضطراب. وقال الآجريّ، عن أبي داود: قدريّ إلا أنه ثقة، قال: هَرَبَ إلى البصرة لما طُلب القدريّة أيام مروان. وقال النسائيّ: ليس به بأس، ولم يكن ليحيى القطّان فيه رأي. وقال ابن خُزيمة: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن عديّ: في حديثه بعض ما يُنكر، ولا يتابع عليه والأكثر منه صحاح، وهو صالح الحديث، كما قال أحمد. وقال الدارقطنيّ: ضعيف يُرمَى بالقدر. وقال الساجيّ: صدوق يُرمى بالقدر. وقال ابن سعد: هو أثبت من الواسطيّ. وقال الحاكم: لا يَحتَجّان به -يعني الشيخين-، ولا واحد منهما، وإنما أخرجا له في الشواهد. وقال المرّوذيّ، عن أحمد: أما ما كتبنا من حديثه فصحيح. وقال السعديّ: كان غير محمود في الحديث. وحكى الترمذيّ في "العلل" عن البخاريّ أنه وثّقه.
علّق له البخاريّ، وأخرج له في "الأدب المفرد"، والباقون. وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط برقم ٢٦١٨ و ٣٠٩٩ و ٣٧٦٢ و ٣٩٢٧ و ٤٠٠٨ و ٥٠٤٣.
شرح الحديث
(عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ) بن حَزْن بن أبي وهب بن عمرو بن عابد بن عمران بن مخزوم القرشيّ المخزوميّ، أحد العلماء الأثبات الفقهاء الكبار، من كبار [٣] اتفقوا على أن مرسلاته أصحّ المراسيل، وقال ابن المدينيّ: لا أعلم في التابعين أوسع منه علمًا، مات بعد (٩٠) وقد ناهز (٨٠) تقدّمت ترجمته في -٩/ ٩ - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، أَمَرَ عَتَّابَ بْنَ أَسِيدٍ) -بفتح الهمزة- ابن أبي العِيص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف الأمويّ، أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو محمد المكيّ. روى عن النبيّ ﷺ . وعنه عمرو بن أبي عَقْرب، وابن المسيّب، وعطاء بن أبي رباح، وعبد اللَّه بن عُبيدة الرَّبَذيّ.
قال ابن عبد البرّ: استعمله النبيّ ﷺ على مكّة عام الفتح في خروجه إلى حُنين، فحجّ بالناس سنة ثمان، وحج المشركون على ما كانوا عليه، ولم يزل على مكّة حتى قُبض رسول اللَّه ﷺ ، وأقرّه أبو بكر، فلم يزل عليها واليًا إلى أن مات، فكانت وفاته
стр. 12359
فيما ذكر الواقديّ يوم مات أبو بكر الصدّيق. وقال محمد بن سلاّم الْجُمَحيّ وغيره: جاء نَعْي أبي بكر إلى مكة يوم دُفن عَتَّاب، وكان عتّاب رجلًا صالحًا خيّرًا فاضلًا.
قال مصعب الزُّبَيريّ: خطب عليّ بن أبي طالب جُويرية بنت أبي جهل، فشقّ ذلك على فاطمة، فأرسل إليها عتّابٌ: أنا أريحك منها، فتزوّجها، فولدت له عبد الرحمن بن عتّاب. قال أبو داود: لم يسمع سعيد بن المسيّب من عتّاب شيئًا.
وقال أيوب بن عبد اللَّه بن يسار، عن عمرو بن أبي عَقْرب: سمعت عتّاب بن أَسِيد، فذكر حديثًا. انتهى.
أخرج له الأربعة، وله عندهم حديث في الخَرْص -يعني هذا الحديث- وعند ابن ماجه آخر في النهي عن شِفَ ما لم يُضْمَن.
وقال الحافظ معلّقا على حكايته أيوب بن عبد اللَّه المذكورة-: ومقتضاه أن عتّابًا تأخّرت وفاته عما قال الواقديّ؛ لأن أيوب ثقة، وعمرو بن أبي عَقْرب ذكره البخاريّ في التابعين، وقال: سمع عتّابًا.
وقد ذكر أبو جعفر الطبريّ عتابًا فيمن لا يُعرف تاريخ وفاته، وقال في "تاريخه": إنه كان والي مكّة لعمر سنة عشرين. وذكره قبل ذلك في سنين عمر، ثمّ ذكره في سنة (٢١)، ثم في سنة (٢٢)، ثم قال في مقتل عمر سنة (٢٣): قُتل، وعاملُهُ على مكّة نافع ابن عبد الحارث انتهى.
فهذا يشعر بأن موت عتاب كان في أواخر سنة (٢٢)، أو أوائل سنة (٢٣)، فعلى هذا فيصحّ سماع سعيد بن المسيّب منه. واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام الحافظ.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: خلاصة ما ذُكر أن الأرجح تأخّر وفات عتّاب، عما قاله الواقديّ؛ لأن الواقديّ ضعيف جدًّا، فلا تقبل روايته، ولا سيّما وقد خالفه ثقة؟، فسماع سعيد عن عتّاب هو الظاهر. وقد تقدم هذا البحث في -٢٦/ ٢٤٩١ - واللَّه تعالى أعلم.
(أنْ يَخْرُصَ الْعِنَبَ) بضم الراء، يقال: خَرَصتُ العنب خَرْصًا، من باب قتل: قدّرتُ ثمره، والاسم الْخِرْص -بالكسر- (فَتُؤَدَّى زَكَاتُهُ زَبِيبًا) ببناء الفعل للمفعول، أي تدفع زكاته إلى مستحقّيها صالحة للانتفاع (كمَا تُؤَدَّى زَكَاةُ النَّخْلِ تَمْرًا) أشار به إلى أن الزكاة لا تُخرج عقب الخرص، وإنما تُخرج إذا صار الرُّطَب تمرًا، والعنب زبييًا.
وإنما جعل النبيّ ﷺ خرص العنب كخرص النخل؛ لأنه يُخرص من التمر ما يحيط به البصر ظاهرًا، ولا يحول دونه حائلٌ، ولا يخفى في ورق الشجر، والعنب في هذا المعنى، فلذا شُبّه بالنخل، بخلاف سائر الثمار، فإن هذا المعنى معدوم فيها.
أو لأن خيبر فُتحت أوّلًا سنة سبع، وبها نخلٌ، وبَعث إليهم ﷺ عبد اللَّه بن رواحة،
стр. 12360
فخَرَصَها، فلما فتح الطائف، وبها عنب كثير، أمر بخرصه، كخرص النخل المعروف عندهم.
وحكمة الخرص أن الفقراء شركاء أرباب الأموال في الثمر، فلو مُنع أرباب الأموال من الانتفاع بثمارهم إلى أن تبلغ غايتها في الصلاح، لأضرّ ذلك بهم، ولو انبسطت أيديهم فيها لأخلّ ذلك بحقّ الفقراء منها، ولَمّا كانت الأمانة غير متحقّقة عند كلّ واحد من أرباب الأموال، وعُمّالهم، وَضَعَت الشريعة هذا الضابط؛ ليَتَوصّل به أرباب الأموال إلى الانتفاع بها، ويُحفَظ للمساكين حقوقهم (١). واللَّه تعالى أعلم.
وقد تقدّم تمام البحث في مسألة الخرص، واختلاف العلماء فيه، وأن الحقّ مشروعيته في -٢٦/ ٢٤٩١ فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث سعيد بن المسيّب أن رسول اللَّه ﷺ أمر عَتّاب بن أسيد الخ صحيح؛ لأن الظاهر -كما أسلفته قريبًا- سماع سعيد من عتّاب - رضي اللَّه تعالى عنه -، فهو متّصلٌ، ولو قلنا بعدم سماعه منه، فإنه صحيح أيضًا, لأن جلّ الأئمّة على تصحيح مراسيل سعيد -رحمه اللَّه تعالى-، قال النوويّ: هذا الحديث، وإن كان مرسلًا لكن اعتضد بقول الأئمة انتهى.
وأيضًا، فله شواهد، قد تقدّم بيانها في -٢٦/ ٢٤٩١ مستوفًى.
والحاصل أن حديث عتاب هذا صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: روى الدارقطنيّ هذا الحديث من طريق الواقديّ، عن عبد الرحمن بن عبد العزيز الأُماميّ، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيّب، عن المسور بن مخرمة، عن عتّاب بن أَسِيد، قال أمر رسول اللَّه ﷺ أن نخرُص أعناب ثقيف، كخرص النخل، ثم تؤدّى زبيبًا كما تؤدّى زكاة النخل تمرًا".
قال أبو حاتم: الصحيح: عن سعيد بن المسيّب أن النبيّ ﷺ أمر عتّابًا، مرسل انتهى. على أن الواقديّ ضعيف جدًّا (٢).