وَصَلَاتُهُ نَافِلَةً لَهُ".
قَالَ قُتَيْبَةُ عَنِ الصُّنَابِحِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ.
رجال الإسناد: ستة
١ - (قتيبة) بن سعيد البغلاني ثقة ثبت [١٠] تقدم في ١/ ١.
٢ - (عتبة بن عبد الله) بن عتبة اليُحْمَدي (١) الأزدي أبو عبد الله المروزي.
روى عن مالك، وابن المبارك، وابن عيينة، والفضل بن موسى، وأبي غانم يونس بن نافع، وسعيد بن سالم القدَّاح وغيرهم.
وعنه النسائي، وابن خزيمة، ومحمد بن علي الحكيم الترمذي، وإسحاق بن إبراهيم البستي، وأبو رجاء حاتم بن محمد بن حاتم، وأبو رجاء محمد بن حمدويه المروزي، والحسن بن سفيان، وجماعة، قال النسائي: ثقة، وقال في موضع آخر: لا بأس به، وذكره ابن حبان في الثقات، قال ابن حمدويه: مات سنة ٢٤٤، قال الحافظ: وقال مسلمة: مروزي ثقة. تقدم في ٨١/ ٩٨.
٣ - (مالك) بن أنس الإمام الحجة الثبت [٧] تقدم في ١٩/ ٢٠.
٤، ٥ - (زيد بن أسلم، وعطاء بن يسار) تقدما ٨٤/ ١٠١.
٦ - (عبد الله الصنابحي) بضم الصاد المهملة، وفتح النون، وكسر الموحدة نسبة إلى صنابح بن زاهر، بطن من مراد، أفاده في اللباب.
стр. 1227
قال الحافظ في الإصابة: عبد الله الصنابحي مختلف فيه، قال مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله الصنابحي، عن النبي ﷺ قال: "إذا توضأ العبد المسلم خرجت خطاياه" الحديث كذا عند أكثر رواة الموطأ، وأخرجه النسائي من طريق مالك، ووقع عند مطرف، وإسحاق بن الطَّبَّاع، عن مالك بهذا السند، عن أبي عبد الله الصنابحي زادا أداة الكنية، وشذا بذلك، وأخرجه ابن منده من طريق أبي غَسَّان محمد بن مطرف، عن زيد بن أسلم بهذا السند عن عبد الله الصنابحي مثل رواية مالك، ونقل الترمذي، عن البخاري أن مالكا وَهمَ في قوله عن عبد الله الصنابحي، وإنما هو أبو عبد الله، وهو عبد الرحمن بن عُسَيلة، ولم يسمع من النبي ﷺ ، وظاهره أن عبد الله الصنابحي لا وجود له، وفيه نظر، فقد روى سويد بن سعيد، عن حفص ابن ميسرة، عن زيد بن أسلم، حديثا غير هذا، وهو عن عطاء بن يسار أيضًا عن عبد الله الصنابحي، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الشمس تطلع بين قرني شيطان" الحديث، وكذا أخرجه الدارقطني في غرائب مالك من طريق إسماعيل بن أبي الحارث، وابن منده من طريق إسماعيل الصائغ، كلاهما عن مالك، وزهير بن محمد، قالا: حدثنا زيد بن أسلم بهذا، قال ابن منده: رواه محمد بن جعفر بن أبي كثير، وخارجة بن مصعب، عن زيد.
قال الحافظ: وروى زهير بن محمد، وأبو غسان محمد بن مطرف، عن زيد بن أسلم بهذا السند حديثًا آخر عن عبد الله الصنابحي، عن عبادة بن الصامت في الوتر، أخرجه أبو داود، فورود عبد الله الصنابحي في هذين الحديثين من رواية هؤلاء الثلاثة عن شيخ مالك يدفع الجزم بوهم مالك فيه.
وقال العباس بن محمد الدُّوري، عن يحيى بن معين: عبد الله
стр. 1228
الصنابحي الذي روى عنه المدنيون يشبه أن يكون له صحبة، وذكر ابن منده عن ابن أبي خيثمة قال: قال يحيى بن معين: عبد الله الصنابحي، ويقال: أبو عبد الله، وخالفه غيره، فقال: هذا عن أبي عبد الله، وذكر أبو عمر مثل هذا المحكي عن ابن معين، وقال: الصواب أبو عبد الله، إن شاء الله، وقال ابن السكن: يقال: له صحبة، معدود في المدنيين، وروى عنه عطاء بن يسار، وأبو عبد الله الصنابحي مشهور، روى عن أبي بكر، وعبادة، وليست له صحبة، وقد وهم ابن قانع فيه وَهَمًا فاحشًا، فزعم أن أباه الأعسر، فكأنه توهم أنه الصنابح بن الأعسر، وليس كما توهم. اهـ الإصابة جـ ٢/ ص ٣٧٧.
لطائف الإسناد
منها: أنه من خماسياته، وأن رواته كلهم ثقات، وهم ما بين بغلاني، ومروزي، ومدنيين، وأن شيخ المصنف عتبة بن عبد الله ممن انفرد هو به من بين الستة.
شرح الحديث
(عن عبد الله الصنابحي أن رسول الله ﷺ قال: إذا توضأ العبد المؤمن فتمضمض خرجت الخطايا) بفتح الخاء جمع خَطيئة، على وزن فَعيلة، وهو جمع نادر، والخطيئة: الذنب على عمد، ولك أن تشدد الياء، لأن كل ياء ساكنة قبلها كسرة أو واو ساكنة قبلها ضمة، وهما زائدتان للمد، لا للإلحاق، ولا هما من نفس الكلمة، فإنك تقلب الهمزة بعد الواو واوًا، وبعد الياء ياء، وتدغم.
وحكى أبو زيد في جمعه خطائئ بهمزتين على فعائل.
والفعل أخطأ، وخَطىَء، وأخطأ يُخطئُ، إذا سلك الخطأ عمدًا وسهوًا، ويقال: خطئ بمعنى أخطأ، وقيل: خطىء إذا تعمد، وأخطأ
стр. 1229
إذا لم يتعمد، ويقال لمن أراد شيئا، ففعل غيره، أو فعل غير الصواب: أخطأ.
وقال الأُموي: المخطئ، من أراد الصواب، فصار إلى غيره، والخاطئ: من تعمد لما لا ينبغي، وتقول: لأن تخطئ في العلم أيسر من أن تخطئ في الدين، ويقال: قد خَطئت إذا أثمت، فأنا أخطأ، وأنا خاطئ، قال المنذري: سمعت أبا الهيثم يقول: خطئت لماَ صنعه عمدًا، وهو الذنب، وأخطأت: لما صنعه خطَأ غير عمد، قال: والخطأ مهموز مقصور: اسم من أخطأت خَطَأً وإخْطَاءً، قال: وخَطِئت خِطْأ بكسر الخاء مقصورًا: إذا أثمت. اهـ من اللسان بتصرف.
وفي المصباح: قال أبو عبيدة: خَطئ خْطئا من باب عَلم، وأخطأ بمعنى واحد، لمن يذنب على غير عمد، وقال غيره: خَطئ في الدين، وأخطأ في كل شيء عامدا كان أو غير عامد، وقيل: خَطئ إذا تعمد ما
نهي عنه، فهو خاطئ، وأخطأ إذا أردا الصواب، فصار إلى غيره، فإن أراد غير الصواب، وفعله، قيل: قصده، أو تعمده، والخِطْء -يعني بكسر فسكون- الذنب تسميه بالمصدر. اهـ.
(من فيه) أي من فمه، قال السندي: أي خرجت خطايا فيه من فيه، فاللام بدل من المضاف إليه، أو للعهد بالقرينة المتأخرة، وهكذا فيما بعد، فلا يرد أن تمام الخطايا إذا خرجت من فيه، فماذا يخرج من سائر الأعضاء، وقد حملوا الخطايا على الصغائر. اهـ جـ ١/ ص ٧٤.
وقال الباجي: يحتمل أن المضمضة كفارة لما يخص الفم من الخطايا، فعبر عن ذلك بخروجها منه، ويحتمل أن يعفو تعالى عن عقاب الإنسان بالذنوب التي اكتسبها وإن لم تختص بذلك العضو، وقال عياض: ذكْرُ خروج الخطايا استعارة لحصول المغفرة عند ذلك، لا أن الخطايا في
стр. 1230
الحقيقة شيء يَحُلُّ في الماء، أي لأنها ليست بأجسام، ولا كائنة في أجسام، فتخرج حقيقة، وإنما هو تمثيل، شبه الخطايا الحاصلة باكتساب أعضائه بأجسام ردية امتلا بها وعاء أريد تنظيفه، فتخرج منه شيئًا فشيئًا. اهـ زرقاني على الموطأ جـ ١/ ص ٦٧.
وقال ابن العربي في عارضة الأحوذي: قوله "خرجت الخطايا" يعني غفرت لأن الخطايا هي أفعال، وأعراض، لا تبقى، فكيف توصف بدخول أو بخروج، ولكن الباري لما أوقف المغفرة على الطهارة
الكاملة في العضو ضرب لذلك مثلًا بالخروج. اهـ.
وقال السيوطي في قوت المغتذي بعد نقل كلام ابن العربي هذا: ما لفظه: بل الظاهر حمله على الحقيقة، وذلك أن الخطايا تورث في الباطن والظاهر سوادًا يطلع عليه أرباب الأحوال والمكاشفات، والطهارة تزيله، وشاهد ذلك ما أخرجه المصنف يعني الترمذي، والنسائي، وابن ماجه والحاكم، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إن العبد إذا أذنب ذنبا نُكتَت في قلبه نكتة، فإن تاب ونزع واستغفر، صقل قلبه، وإن عاد زادت حتى تعلو قلبه، وذلك الران الذي ذكره الله في القرآن ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤] وأخرج أحمد، وابن خزيمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "الحجرالأسود ياقوتة بيضاء من الجنة، وكان أشد بياضًا من الثلج، وإنما سودته خطايا المشركين" قال السيوطي: فإذا أثرت الخطايا في الحجر ففي جسد فاعلها أولى، فإما أن يقدر خرج من وجهه أثر خطيئته، أو السواد الذي أحدثته، وإما أن يقال: إن الخطيئة نفسها تتعلق بالبدن على أنها جسم لا عرض بناء على إثبات عالم المثال، وأن كل ما هو في هذا العالم عرض له صورة في عالم المثال، ولهذا صح عرض الأعراض على آدم ﵇، ثم الملائكة، وقيل لهم: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾ [البقرة: آية ٣١] وإلا
стр. 1231
فكيف يتصور عرض الأعراض لو لم يكن لها صورة تشخص بها، قال: ومن شواهده في الخطايا، ما أخرجه البيهقي في سننه عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن العبد إذا قام يصلي أتي بذنوبه، فجعلت على رأسه، وعاتقه، فكلما ركع، وسجد تساقطت عنه".
وأخرج البزار، والطبراني، عن سلمان قال: قال رسول الله ﷺ : "المسلم يصلي وخطاياه مرفوعة على رأسه كلما سجد تحاتت عنه" انتهى كلام السيوطي، قال العلامة المباركفوري: لا شك في أن الظاهر هو حملة على الحقيقة، وأما إثبات عالم المثال، فعندي فيه نظر، فتكر. اهـ تحفة الأحوذي جـ ١ ص ٢٩.
قال الجامع: ما قاله العلامة المباركفوري ﵀ حسن جدًا.
والحاصل أن حمله على الظاهر هو الصواب، كما دلت عليه النصوص المتقدمة. والله تعالى أعلم.
(فإذا استثثر) بوزن استفعل، أي أخرج ماء الاستنشاق (خرجت الخطايا من أنفه، فإذا غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه، حتى تخرج من تحت أشفار عينيه) جمع شُفْر كقُفْل، وأقفال، وهو حرف
الجَفْن الذي ينبت عليه الهدب.
قال ابن قتيبة: والعامة تجعل أشفار العين الشعر، وهو غلط، وإنما الأشفار حروف العين التي ينبت عليها الشعر، والشعر الهدب، اهـ المصباح بتصرف.
وقال الباجي: جعل العينين مخرجًا لخطايا الوجه، دون الفم، والأنف، لأنهما يختصان بطهارة مشروعة في الوضوء دون العينين اهـ زرقاني جـ ١/ ص ٦٨.
(فإذا غسل يديه خرجت الخطايا من يديه حتى تخرج من تحت أظفار يده) في المصباح: الظفر للإنسان مذكر، وفيه لغات، أفصحها بضمتين وبها قرأ السبعة في قوله تعالى ﴿حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦]
стр. 1232
والثانية الإسكان للتخفيف، وقرأ بها الحسن البصري، والجمع أظفار، وربما جمع على أظفر مثل رُكْن وأرْكُن، والثالثة بكسر الظاء وزان حمل. والرابعة بكسرتين للإتباع، وقري بهما في الشاذ، والخامسة أظفور، والجمع أظافير، مثل أسبوع وأسابيع، اهـ
(فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه) قال الزرقاني: قال الباجي: جعلهما مخرجًا لخطايا الرأس مع إفرادهما بأخذ الماء لهما، ولم يجعل الفم والأنف مخرجًا لخطايا الوجه، لأنهما مقدمان على الوجه، فلم يكن لهما حكم التبع، وخرجت خطاياهما منهما قبل خروجها من الوجه، والأذنان مؤخران عن الرأس، فكان لهما حكم التبع اهـ، وفيه إشعار بأن خطايا الرأس متعلقة بالسمع، وأصرح منه حديث أبي أمامة عند الطبراني في الصغير "وإذا مسح برأسه كفر به ما سمعت أذناه" اهـ كلام الزرقاني جـ ١/ ص ٦٨.
وقال السندي: والمصنف ﵀ استدل بقوله "حتى تخرج من أذنيه" على أن الأذنين من الرأس، لأن خروج الخطايا منهما بمسح الرأس إنما يحسن إذا كانا منه، وعدل عن الحديث المشهور في هذه المسألة، وهو حديث "الأذنان من الرأس" لما قيل: إن حَمادًا تردد فيه أهو مرفوع، أم موقوف؟ وإسناده ليس بقائم، نعم قد جاء بطرق عديدة مرفوعا، فتقوى رفعه، وخرج من الضعف، لكن الاستدلال بما استدل به المصنف أجود، وأولى، وهذا من تدقيق نظره ﵀. اهـ كلام السندي.
قال الجامع: وسيأتي تحقيق هذه المسألة والحديث المذكور في المسائل الآتية آخر الباب إن شاء الله تعالى.
(فإن غسل رجليه خرجت الخطايا من رجليه حتى تخرج من تحت أظفار رجليه، ثم كان مشيه إلى المسجد، وصلاته نافلة له) أي زيادة له
стр. 1233
في الأجر على خروج الخطايا وغفرانها، ومعلوم ما في المشي، والصلاة من الثواب الجزيل. قاله الزرقاني.
وخص العلماء هذا ونحوه من الأحاديث التي فيها غفران الذنوب بالصغائر، أما الكبائر فلا يكفرها إلا التوبة، وقد تقدم تحقيق القول في ذلك عند شرح حديث عثمان ﵁ ٦٨/ ٨٤، وسيأتي أيضًا مزيد لذلك في المسائل إن شاء الله تعالى.
(قال قتيبة) بن سعيد في روايته (عن الصنابحي أن النبي ﷺ قال) يعني أن قتيبة خالف عُتْبَةَ بن عبد الله في روايته لهذا الحديث في قوله: الصنابحي، فإنه قال: عن عبد الله الصنابحي، وفي قوله: أن النبي ﷺ ، فإنه قال: أن رسول الله ﷺ قال، وهذا من تدقيقات المصنف حيث نَبَّهَ فيما يختلف الأشياخ فيه من الألفاظ، فلله دره عالمًا. وبالله تعالى التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بحديثي الباب
المسألة الأولى: في درجتهما: أما حديث ابن عباس فتقدم أنه صحيح.
وأما حديث الصنابحي: فقد صححه الحاكم، لكن تقدم أن البخاري رجح إرساله، ومثله لابن عبد البر في التمهيد، لكن ذكر بعد ذكر حديث عبد الله الصنابحي حديث عمرو بن عَبَسَة بأسانيده، وهو مثل حديث الصنابحي، إلا أنه ليس فيه قوله: "فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من أذنيه" قال أبو عمر: وإنما ذكرناها -يعني رواية عمرو بن عَبَسَة- ليُبين بها حديث الصنابحي، ويتصل، ويستند فلذا ذكرناها. اهـ جـ ٤/ ص ٥٧. يعني أنها تشهد لحديث الصنابحي فيتقوى بها، وإن كان مرسلا، والحاصل أن حديث الصنابحي صحيح لتقويه بما ذكر. والله أعلم.
المسألة الثانية: فيمن أخرجهما: أما حديث ابن عباس، فقد تقدم من أخرجه في الباب السابق، وأما حديث الصنابحي: فأخرجه الإمام
стр. 1234
أحمد، وابن ماجه، والحاكم وصححه، وصححه أيضا الشيخ الألباني.
المسألة الثالثة: استدل المصنف ﵀ بحديث الصنابحي على أن الأذنين يمسحان مع الرأس، وأنهما من الرأس، لأن قوله "حتى تخرج من أذنيه" يدل على أنهما داخلتان في مسماه.
وهذه المسألة، وهي مسألة كون الأذنين من الرأس اختلف فيها العلماء، قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر في التمهيد: وأما اختلاف العلماء في حكم الأذنين في الطهارة، فإن مالكا قال فيما رَوَى عنه ابنُ وهب، وابن القاسم، وأشهب وغيرهم: الأذنان من الرأس، إلا أنه قال: يُستَأنف لهما ماء جديد سوى الماء الذي يمسح به الرأس، فوافق الشافعي في هذه، لأن الشافعي قال: يمسح الأذنين بماء جديد، كما قال مالك، ولكنه قال: هما سنة على حيَالهما، لا من الوجه، ولا من الرأس، وقول أبي ثور في ذلك كقول الشافعي سواءً حرفا بحرف، وقول أحمد بن حنبل في ذلك كقول مالك سواءً في قوله: الأذنان من الرأس، وفي أنهما يستأنف لهما ماء جديد.
وقال الثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه: الأذنان من الرأس يمسحان بماء واحد، ورَوَى جماعة من السلف مثل ذلك القول من الصحابة والتابعين، وقال ابن شهاب الزهري: الأذنان من الوجه، وقال الشعبي: ما أقبل منهما من الوجه، وظاهرهما من الرأس، وبهذا القول قال الحسن بن حَيّ، وإسحاق بن راهويه: إن باطنهما من الوجه، وظاهرهما من الرأس، وحكيا عن أبي هريرة هذا القول، وعن الشافعي، والمشهور من مذهبه ما تقدم ذكره، رواه المزني، والربيع، والزعفراني، والبويطي، وغيرهم، وقد رُوي عن أحمد بن حنبل مثلُ قول الشافعي، وإسحاق في هذا أيضا، وقال داود: إن مسح أذنيه
стр. 1235
فحسن، وإن لم يمسح فلا شيء عليه.
وأهل العلم يكرهون للمتوضئ ترك مسح أذنيه، ويجعلونه تارك سنة من سنن النبي ﷺ ، ولا يوجبون عليه إعادة، إلا إسحاق بن راهويه، فإنه قال: إن ترك مسح أذنيه عامدًا لم يجزه، وقال أحمد بن حنبل: إن تركهما عمدا أحببت أن يعيد، وقد كان بعض أصحاب مالك يقول: من ترك سنة من سنن الوضوء، أو الصلاة عامدا أعاد، وهذا عند الفقهاء ضعيف، وليس لقائله سلف، ولا له حظ من النظر، ولو كان كذلك لم يعرف الفرضُ الواجبُ من غيره، وقال بعضهم: من ترك مسح أذنيه، فكأنه ترك مسح بعض رأسه، وهو ممن يقول بأن الفرض مسح بعض الرأس، وأنه يجزئ المتوضئ مسح بعضه، وقوله هذا كله على أصل مذهب مالك الذي يقتدى به.
واحتج مالك، والشافعي، في أخذهما للأذنين ماء جديدا، بأن عبد الله بن عمر كان يفعل ذلك، وحجة أبي حنيفة، وأصحابه، ومن قال بقولهم: إن الأذنين يمسحان مع الرأس بماء واحد حديث زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ أنه كذلك فعل، وذلك موجود أيضا في حديث عبد الله الخولاني، عن ابن عباس، عن علي، في صفة وضوء رسول الله ﷺ ، وفي حديث الرُّبَيّع بنت مُعَوِّذ بن عفراء، وفي حديث طلحة بن مصرف، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ .
واحتجوا أيضا بحديث الصنابحي هذا، قوله ﷺ : "فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من أذنيه" كما قال في الوجه "من أشفار عينيه"، وفي اليدين "من تحت أظفاره".
ومعلوم أن العمل في ذلك بماء واحد.
стр. 1236
واحتجوا أيضا بما رواه أبو داود بسنده عن ابن عباس: أنه رأى رسول الله ﷺ يتوضأ فذكر الحديث كله ثلاثا ثلاثا، وفيه قال: ومسح برأسه وأذنيه ظاهرهما، وباطنهما بمسحة واحدة، وأكثر الآثار على هذا، وقد يحتمل أنه مسح رأسه مرة واحدة، وأذنيه مرة واحدة، لأنه ذكر
الوضوء ثلاثًا ثلاثًا، إلا الرأس والأذنيين.
وحجة من قال بغسل باطنهما مع الوجه، وبمسح ظاهرهما مع الرأس: أن الله قد أمر بغسل الوجه وهو مأخوذ متن المواجهة، فكل ما وقع عليه اسم وجه، وجب عليه غسله، وأمر بمسح الرأس،
وما لم يواجهك من الأذنين من الرأس لأنهما، في الرأس، فوجب المسح على ما لم يواجه منهما مع الرأس.
قال أبو عمر: هذا قول ترده الآثار الثابتة عن النبي ﷺ أنه كان يمسح ظهور أذنيه وبطونهما من حديث علي، وعثمان، وابن عباس، والربيع بنت معوذ وغيرهم.
وحجة ابن شهاب في أنهما من الوجه، لأن ما لم ينبت عليه الشعر، فهو من الوجه، لا من الرأس إذا أدركته المواجهة، ولم يكن قفاء، والله قد أمر بغسل الوجه أمرا مطلقا، ويمكن أن يحتج له بحديث ابن أبي مليكة أنه رأى عثمان بن عفان ذكر صفة وضوء رسول الله ﷺ ثلاثا ثلاثا،
قال: ثم أدخل يده فأخذ ماء فمسح به رأسه وأذنيه، فغسل ظهورهما وبطونهما.
ومن الحجة له أيضا ما صح عن رسول الله ﷺ أنه كان يقول في سجوده: "سجد وجهي للذي خلقه، فشق سمعه وبصره" فأضاف السمع إلى الوجه، وهذا كلام محتمل للتأويل يمكن فيه الاعتراض.
وحجة الشافعي في قوله: إن مسح الأذنين سنة على حالهما،
стр. 1237
وليستا من الوجه، ولا من الرأس: إجماعُ القائلين بإيجاب الاستيعاب في مسح الرأس أنه إن ترك مسح أذنيه، وصلى لم يعد، فبطل قولهم: إنهما من الرأس، لأنه لو ترك شيئا من رأسه عندهم لم يجزئه، وإجماع العلماء في أن الذي يجب عليه حلق رأسه في الحج ليس عليه أن يأخذ ما على أذنيه من الشعر، فدل ذلك على أنهما ليستا من الرأس، وأن مسحهما سنة على الانفراد، كالمضمضة، والاستنشاق.
قال أبو عمر بن عبد البر ﵀: المعنى الذي يجب الوقوف على حقيقته في الأذنين: أن الرأس قد رأينا له حكمين: فما واجه منه كان حكمه الغسل، وما علا منه وكان موضعا لنبات الشعر كان حكمه المسح، واختلاف الفقهاء في الأذنين إنما هو هل حكمهما المسح كحكم الرأس، أو حكمهما الغسل كغسل الوجه، أو لهما من كل واحد منهما حكم، أو هما من الرأس فيمسحان معه؟ فلما قال ﷺ في هذا الحديث حديث الصنابحي "فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من أذنيه" فأتى بذكر الأذنين مع الرأس، ولم يقل: إذا غسل وجهه خرجت الخطايا من أذنيه: علمنا أن الأذنين ليس لهما من حكم الوجه شيء لأنهما لم يذكرا معه، وذكرا مع الرأس، فإن حكمهما المسح كحكم الرأس، فليس يصح من الاختلاف في ذلك عندي إلا مسحهما مع الرأس بماء واحد، واستئناف الماء لهما في المسح، فإن هذين القولين محتملان للتأويل، وأما قول من أمر بغسلهما، أو غسل بعضهما فلا معنى له، وذلك مدفوع بحديث الصنابحي هذا، مع ما روي عن النبي ﷺ في مسحهما اهـ كلام الحافظ ابن عبد البر في التمهيد ببعض تصرف جـ ٤/ ص ٣٩ - ٤٢.
وقد ذكر الإمام النووي ﵀ في شرح المهذب في تفصيل هذه المسألة، وذكر المذاهب بأدلتها كلاما نفيسا، أحببت نقله، وإن كان جله
стр. 1238
مذكورًا في كلام الحافظ بن عبد البر، لأن فيه زوائد مفيدة، وتفاصيل جيدة (١).
قال ﵀:
(فرع): مذاهب العلماء في الأذنين: مذهبنا أنهما ليستا من الوجه، ولا من الرأس، بل عضوان مستقلان يسن مسحهما على الانفراد، ولا يجب، وبه قال جماعة من السلف، حكوه عن ابن عمر، والحسن، وعطاء، وأبي ثور، وقال الزهري: هما من الوجه، فيغسلان معه، وقال أكثرون: هما من الرأس.
قال ابن المنذر: رويناه عن ابن عباس، وابن عمر، وأبي موسى، وبه قال عطاء، وابن المسيب، والحسن، وعمر بن عبد العزيز، والنخعي، وابن سيرين، وسعيد بن جبير، وقتادة، ومالك، والثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه، وأحمد.
قال الترمذي: وهو قول أكثر العلماء من الصحابة، فمن بعدهم، وبه قال الثوري، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق، واختلف هؤلاء: هل يأخذ لهما ماء جديدا، أم يمسح بماء الرأس؟ وقال الشعبي، والحسن ابن صالح: ما أقبل منهما، فهو من الوجه يغسل معه، وما أدبر فمن الرأس، يمسح معه، قاله ابن المنذر، واختاره إسحاق.
واحتج لمن قال: هما من الوجه، بأن النبي ﷺ كان يقول في سجوده "سجد وجهي الحذي خلقه، وشق سمعه وبصره" فأضاف السمع إلى الوجه، كما أضاف إليه البصر، واحتج من قال: هما من الرأس بقوله تعالى ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ [الأعراف: ١٥٠] وقيل المراد به
الأذن، واحتجوا بحديث شهر بن حوشب، عن أبي أمامة أن رسول الله
стр. 1239
- ﷺ قال: "الأذنان من الرأس" رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والبيهقي، وغيرهم، وروي من رواية ابن عباس، وابن عمر، وأنس، وعبد الله بن زيد، وأبي هريرة، وعائشة، وعن ابن عباس، أن النبي ﷺ مسح رأسه، وقال بالوُسْطَيين من أصابعه في باطن أذنيه والإبهامين من وراء أذنيه.
واحتج للشعبي ومن وافقه بما روي عن علي ﵁ أنه مسح رأسه ومؤخر أذنيه، ولأن الوجه ما حصلت به المواجهة، وهي حاصلة بما أقبل.
واحتج أصحابنا -يعني الشافعية- بأشياء أحسنها حديث عبد الله بن زيد أن رسول الله ﷺ "أخذ لأذنيه ماء خلاف الذي أخذ لرأسه" وهو حديث صحيح، فهذا صريح في أنهما ليستا من الرأس إذ لو كانتا منه لما أخذ لهما ماء كسائر أجزاء الرأس، وهو صريح في أخذ ماء جديد (١)، فيحتج به أيضا على من قال: يمسحهما بماء الرأس، وفيه رد على من قال. هما من الوجه، فقد جمع هذا الحديث الصحيح الدلالة للمذهب والرد على جميع المخالفين، واحتجوا على من قال: هما من الوجه بأن النبي ﷺ كان يمسحهما، ولم ينقل غسلهما مع كثرة رواة صفة الوضوء، واختلاف صفاته، ولأن الإجماع منعقد على أن المتيمم لا يلزمه مسحهما، قال القاضي أبو الطيب: ولأن الأصمعي، والمفضل بن سلمة قالا: الأذنان ليستا من الرأس، وهما إمامان من أجل أئمة اللغة، والمرجع في اللغة إلى نقل أهلها.
واحتجوا على من قال: هما من الرأس بأن الإجماع منعقد على أنه لا يجزئ مسحهما عن الرأس، بخلاف أجزائه، وبأنه لو قصر المحرم من شعرهما لم يجزئه عن تقصير الرأس بالإجماع، ولأنه عضو يخالف
стр. 1240
الرأس خلقة وسمتا، فلم يكن منه كالخد، وقولنا: وسمتا: احتراز من النَّزَعة، ولأن الإجماع منعقد على أن البياض الدائر حول الأذن ليس من الرأس مع قربه، فالأذن أولى ولأنه لا يتعلق بالأذن شيء من أحكام الرأس سوى المسح، فمن ادعى أن حكمهما في المسح حكم الرأس فعليه البيان.
وأما الجواب عن احتجاج الزهري، فمن وجهين:
أحدهما: المراد بالوجه الجملة، والذات، كقوله تعالى ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ (١)﴾ [القصص: ٨٨] والدليل على هذا أن السجود حاصل بأعضاء أخر.
الثاني: أن الشيء يضاف إلى ما يقاربه، وإن لم يكن منه.
والجواب عما احتج به القائلون بأنهما من الرأس من الآية أنه تأويل للآية على خلاف ظاهرها، فلا يقبل، والمفسرون مختلفون في ذلك، فقيل: إن المراد الرأس، وقيل: الأذن، وقيل: الذؤابة، فكيف يحتج بها، والحالة هذه.
والجواب عن الأحاديث أنها ضعيفة متفق على ضعفها، مشهور في كتب الحديث تضعيفها إلا حديث ابن عباس فإسناده جيد، ولكن ليس فيه دليل لما ادعوه، لأنه ليس فيه أنه مسحهما بماء الرأس المستعمل في الرأس، قال البيهقي: قال أصحابنا: كأنه كان يعزل من كل يد أصبعين، فإذا فرغ من مسح الرأس مسح بهما أذنيه.
وأما الجواب عن احتجاج الشعبي بفعل علي، فمن أوجه.
أحدها: أنها رواية ضعيفة لا تعرف.
والثاني: ليس فيها دليل على الفرق بين مقدم الأذن ومؤخرها.
والثالث: أن ذلك محمول على أنه استوعب الرأس فانْمَسَحَ مؤخر
стр. 1241
الأذن معه ضمنًا لا مقصودًا، لأن الاستيعاب لا يتأتى غالبًا إلا بذلك.
الرابع: لو صح ذلك عن علي، وتعذر تأويله، كان ما قدمناه من فعل النبي ﷺ ، وما هو المشهور عن علي أولى، والله أعلم. انتهى المجموع جـ ١/ ص ٤١٣ - ٤١٦.
قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر من الأقوال: أن الأذنين من الرأس، لظاهر حديث الصنابحي، وأن مسحهما بمائه لا بماء جديد، وأما ما استدل به الشافعية من حديث عبد الله بن زيد، قال: "أخذ لأذنيه ماء خلاف الذي أخذ لرأسه" كما قال النووي، فالصحيح أن المحفوظ "ومسح برأسه بماء غير فضل يديه" لم يذكر الأذنين، قاله الحافظ، وقال العلامة ابن القيم في الهدي: لم يثبت عنه أنه أخذ لهما
ماء جديدًا، وإنما صح ذلك عن ابن عمر ﵄. والله تعالى أعلم. نيل الأوطار جـ ١ ص ٢٤٣.
المسألة الرابعة: في حديث "الأذنان من الرأس":
قال الحافظ في الدراية في تخريج أحاديث الهداية: حديث "الأذنان من الرأس" أخرجه أبو داود من حديث أبي أمامة، قال: توضأ النبي ﷺ فغسل وجهه ثلاثا، ويديه ثلاثا، ومسح برأسه وقال: "الأذنان من الرأس" وأخرجه ابن ماجه من هذا الوجه بلفظ "الأذنان من الرأس، وكان يمسح رأسه مرة وكان يمسح الماقين" وأخرجه الترمذي، قال قتيبة: قال حماد: لا أدري هذا من قول النبي ﷺ ، أو من قول أبي أمامة، وقال الترمذي: ليس إسناده بالقائم.
وقال الدارقطني: رفعه وَهَم، وأخرجه الطحاوي بلفظ: "أن النبي ﷺ توضأ فمسح أذنيه مع الرأس، وقال: الأذنان من الرأس".
وفي الباب عن عبد الله بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ : "الأذنان من الرأس" أخرجه ابن ماجه، وفيه سويد بن سعيد، وقد اختلط، وعن ابن عباس مثله، أخرجه الدارقطني واختلف في وصله وإرساله، والراجح إرساله، وعن أبى هريرة مثله أخرجه ابن ماجه والدارقطني من
طريقين ضعيفين، وعن أبي موسى أخرجه الدارقطني، والطبراني،
стр. 1242
وعن ابن عمر أخرجه الدارقطني من طريقين ضعيفين، ورجح له طريقا موقوفة، وأخرجه عن أنس بإسناد ضعيف، وعن عائشة، ورجح إرساله، اهـ الدراية جـ ١/ ص ٢٠ - ٢١.
وفي التلخيص ما نصه: ذكر الأحاديث الواردة في أن الاذنين من الرأس:
الأول: حديث أبي أمامة، رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وقد بينت أنه مدرج في كتابي ذلك.
الثاني: حديث عبد الله بن زيد، قوّاه المنذري، وابن دقيق العيد، وقد بينت أيضا أنه مدرج.
الثالث: حديث ابن عباس، رواه البزار، وأعله الدارقطني بالاضطراب، وقال: إنه وهم، والصواب رواية ابن جريج عن سليمان ابن موسى مرسلا.
الرابع: حديث أبي موسى أخرجه الدارقطني، واختلف في وقفه، ورفعه، وصوب الوقف، وهو منقطع أيضا.
السادس: حديث ابن عمر: أخرجه الدارقطني وأعله أيضا.
السابع: حديث عائشة أخرجه الدارقطني، وفيه محمد بن الأزهر، وقد كذبه أحمد.
الثامن: حديث أنس أخرجه الدارقطني من طريق عبد الحكيم، عن أنس وهو ضعيف اهـ تلخيص الحبير جـ ١/ ص ٩١ - ٩٢.
قال الجامع عفا الله عنه: تبين بهذا كله أن حديث: "الأذنان من الرأس" ما صح مرفوعا، لكنه ثبت بما تقدم من حديث الصنابحي وغيره حكم المسألة، وقد يكون ما تقدم شاهدا لهذه الأحاديث، فتصح ولا
سيما مع كثرة طرقها (١) والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 1243
٨٦ - بابُ المَسْح عَلَى الْعمِامَةِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية المسح على العمامة.
قال في اللسان: والعمامة يعني بالكسر: من لباس الرأس، معروفة وربما كُني بها عن البيضة، أو المغفر، والجمع عَمائم، وعمام، بالكسر في الثاني، قال: والعرب تقول: لما وضعوا عمَامهم عرفناهم، فإما
يكون جمع عمامة جمع التكسير، وإما أن يكون من باب طلحة -يعني مما يفرق بينه وبين واحدة بالتاء- وقد اعتم بها وتعمم بمعنى. اهـ.
١٠٤ - أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ (ح) وَأَنْبَأَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، عَنْ بِلَالٍ، قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْخِمَارِ.
١٠٥ - وَأَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجَرْجَرَائِيُّ، عَنْ طَلْقِ بْنِ غَنَّامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، وَحَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى،
стр. 1244
عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، عَنْ بِلَالٍ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ.
١٠٦ - أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ بِلَالٍ، قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى الْخِمَارِ وَالْخُفَّيْنِ.
رجال الأسانيد
الإسناد الأول فيه ثمانية
١ - (الحسين بن منصور) بن جعفر بن عبد الله بن رزين بن محمَّد بن برد السلمي، أبو علي النيسابوري، عن الحسين بن محمَّد المروزي، وأبي ضمرة الليثي، وابن عيينة، وأبي أسامة، وابن نمير، ومبشر بن إسماعيل الحلبي، وعم أبيه مبشر بن عبد الله بن رزين، وابن أبي فديك، وأبي معاوية، وأحمد بن حنبل، وخلق.
وعنه البخاري، والنسائي، ويحيى بن يحيى، وهو من شيوخه، وبشر بن الحكم العبدي، وهو أكبر منه، وأبو أحمد الفراء، وأحمد بن إبراهيم بن بنت نصر بن زياد القاضي، وأبو الفضل أحمد بن سلمة، والحسن بن سفيان، والحسين القباني، وأبو العباس السراج، وعدة.
قال النسائي: ثقة، وقال الحاكم: هو شيخ العدالة، والتزكية في عصره، وكان أخص الناس بيحيى بن يحيى، وكان يحيى بن يحيى يعيب
стр. 1245
عليه اشتغاله بالشهادة، وقال أبو عمرو أحمد بن نصر: عرض عليه قضاء نيسابور، واختفى ثلاثة أيام، ودعا الله، فمات في اليوم الثالث، وذكره ابن حبان في الثقات، قال السراج وغيره: مات سنة ٢٣٨، قال الحافظ: وقال الحاكم أيضا في تاريخه: سئل عنه أبو أحمد الفراء، فقال: بخ بخ، ثقة مأمون فقيه البلد، وقال صالح بن محمَّد: لا بأس به، وليس له في البخاري إلا حديثه الذي أورده في كتاب الإكراه عن حسين بن منصور، عن أسباط، ولم يزد البخاري على قوله: حدثنا حسين بن منصور، فجزم الكلاباذي، ومن تبعه بأنه النيسابوري، مع احتمال أن يكون واحدا من الثلاثة الذين بعده هنا (يعني: الحسين بن منصور الطويل، أبا عبد الرحمن التمار الواسطي، والحسين بن منصور الكسائي، والحسين
ابن منصور الرَّقّي أبا علي البغدادي).
اهـ تهذيب التهذيب جـ ٢/ ص ٣٧١، وفي "ت" ثقة فقيه من العاشرة. اهـ أخرج له البخاري، والمصنف.
٢ - (أبو معاوية) محمَّد بن خازم الضرير الكوفي، ثقة أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهم في حديث غيره، من كبار التاسعة، وتقدم في ٢٦/ ٣٠.
٣ - (الأعمش) سليمان بن مهران أبو محمَّد الكاهلي مولاهم الكوفي ثقة حافظ عارف بالقراءة، وَرع لكنه يدلس من الخامسة، وتقدم في ١٧/ ١٨.
٤ - (عبد الله بن نمير) مصغرا الهمداني الخارفي، أبو هشام الكوفي، روى عن إسماعيل بن أبي خالد، والأعمش، ويحيى بن سعيد، وهشام بن عروة، وعبيد الله بن عمر، وموسى الجُهَني، وزكريا ابن أبي زائدة، وسعد بن سعيد الأنصاري، وحنظلة بن أبي سفيان،
стр. 1246
وسيف بن سليمان، والأوزاعي، وعثمان بن حكيم الأودي، والثوري، وعمرو بن عثمان بن موهب، ومجالد بن سعيد، وابن أبي ذئب، وعبد العزيز ابن سياه، ومالك بن مغول، وفضيل بن غزوان، وطائفة.
وعمه ابنه محمَّد، وأحمد، وأبو خيثمة، ويحيى بن يحيى، وعلي ابن المديني، وأبو بكر، وعثمان ابنا أبي شيبة، وأبو قدامة السرخسي، وأبو كريب، وأبو موسى، وأبو سعيد الأشج، وهناد بن السري، وأبو مسعود الرازي، وعلي بن حرب الطائي، والحسن بن علي بن عفان، وغيرهم، قال أبو نعيم: سئل سفيان عن أبي خالد الأحمر؟ فقال: نعم الرجل عبد الله بن نمير، وقال عثمان الدارمي: قلت ليحى بن معين: ابن إدريس أحب إليك في الأعمش، أو ابن نمير؟ فقال: كلاهما ثقة، وقال أبو حاتم: كان مستقيم الأمر، قال ابنه محمَّد وغيره: مات سنة ١٩٩، وقيل: إنه ولد في سنة ١١٥.
قال الحافظ: وذكره ابن حبان في الثقات، وقال العجلي: ثقة صالح الحديث، صاحب سنة، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، صدوقا. أخرج له الجماعة، وفي "ت" ثقة صاحب حديث من أهل
السنة، من أكابر [٩].
٥ - (الحكَم) بن عتيبة مصغرا الكندي مولاهم أبو محمَّد، ويقال: أبو عبد الله، ويقال: أبو عمر الكوفي، وليس هو الحكم بن عتيبة بن النهاس.
روى عن أبي جحيفة، وزيد بن أرقم، وقيل: لم يسمع منه، وعبد الله ابن أبي أوفى، هؤلاء صحابة، وشريح القاضي، وقيس بن أبي حازم، وموسى بن طلحة، ويزيد بن شريك التيمي، وعائشة بنت سعد، وعبد الله بن شداد بن الهاد، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء، وطاوس
стр. 1247
والقاسم بن مخيمرة، ومصعب بن سعد، ومحمد بن كعب القرظي، وابن أبي ليلى، وغيرهم من التابعين، وروى عن عمرو بن شعيب وهو أكبر منه، وعنه الأعمش، ومنصور، ومحمد بن جُحَادة، وأبو إسحاق السبيعي، وأبو إسحاق الشيباني، وقتادة، وغيرهم من التابعين، وأبان بن صالح، وحجاج بن دينار، وسفيان بن حسين، والأوزاعي، ومسعر، وشعبة، وأبو عوانة، وعدة.
قال الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، وعبدة بن أبي لبابة: ما بين لابتيها أفقه من الحكم، وقال مجاهد بن رومي: رأيت الحكم في مسجد الخيف، وعلماء الناس عيال عليه.
وقال جرير، عن مغيرة: كان الحكم إذا قدم المدينة أخلوا له سارية النبي ﷺ يصلي إليها، وقال عباس الدوري: كان صاحب عبادة وفضل، وقال ابن عيينة: ما كان بالكوفة بعد إبراهيم، والشعبي مثل الحكم، وحماد، وقال ابن مهدي: الحكم بن عتيبة ثقة ثبت، ولكن يختلف معنى حديثه، وقال ابن المديني: قلت ليحيى بن سعيد: أيّ أصحاب إبراهيم أحب إليك؟ قال: ليس هو بدون عمرو بن مرة، وأبي حَصين، وقال أحمد أيضا: أثبت الناس في إبراهيم الحكم، ثم منصور، وقال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائي: ثقة، زاد النسائي: ثبت، وكذا قال العجلي، وزاد: وكان من فقهاء أصحاب إبراهيم، وكان صاحب سنة، واتباع، وكان فيه تشيع، إلا أن ذلك لم يظهر منه، ذكر ابن منجويه أنه ولد سنة ٥٠، وقيل إنه مات سنة ١١٣، وقال الواقدي: ١٤، وقال عمرو بن علي وغيره: سنة ١٥، قال الحافظ: وكذا ذكر مولده ابن حبان، وأرخه ابن قانع سنة ٤٧، وقال ابن سعد: كان ثقة فقيها عالما رفيعا كثير الحديث، وقال الآجري عن أبي داود: قال أبو الوليد الطيالسي: ما أرى الحكم سمع من عاصم بن ضمرة، وقال ابن أبي حاتم،
стр. 1248
عن أبيه: لا أعلم الحكم روى عن عاصم شيئًا.
قال أبو داود: ورأى زيدَ بنَ أرقم، وعبد الله بنَ أبي أوفى، وليس له عنهما رواية، وقال الكناني، عن أبي حاتم: الحكم لقي زيد بن أسلم، ولا نعلم أنه سمع منه شيئًا، وقال أبو القاسم الطبراني: لم يثبت منه سماع، وقال يعقوب بن سفيان: كان فقيها ثقة، وقال أحمد: لم يسمع من علقمة شيئًا، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن الحكم عن عبيدة السلماني متصل؟ قال: لم يلقه، وقال أحمد وغيره: لم يسمع الحكم حديث مقسم، كتاب (١)، إلا خمسة أحاديث، وعدها يحيى القطان: حديث الوتر، والقنوت، والشفاعة، وعزمة الطلاق، وجزاء الصيد، والرجل يأتي امرأته وهي حائض، رواه ابن أبي خيثمة في تاريخه عن علي بن المديني، عن يحيى، وقال البخاري في التاريخ الكبير: قال القطان: قال شعبة: الحكم عن مجاهد كتاب إلا ما قال: سمعت، وقال ابن حبان في الثقات: كان يدلس، وكان سنُّه سنَّ إبراهيم
النخعي، وفي "ت" ثقة ثبت فقيه، إلا أنه ربما دلس من الخامسة، أخرج له الجماعة.
٦ - (عبد الرحمن بن أبي ليلى) واسمه يسار، ويقال بلال، ويقال: داود بن بلال بن بليل بن أحيحة بن الجلاة بن الحريشي بن جحجبا بن كلفة بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن أوس الأنصاري الأوسي، أبو عيسى الكوفي، والد محمَّد، ولد لست بقين من خلافة عمر.
روى عن أبيه، وعمر، وعثمان، وعلي، وسعد، ومعاذ بن جبل، والمقداد، وابن مسعود، وأبي ذر، وأبي بن كعب، وبلال بن رباح، وسهل بن حنيف، وابن عمر، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وقيس بن سعد، وأبي أيوب، وكعب بن عجرة، وعبد الله بن زيد بن
стр. 1249
عبد ربه، ولم يسمع منه، وأبي سعيد، وأبي موسى، وأم هانئ بنت أبي طالب، وأنس، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم، وسمرة بن جندب، وصهيب، وعبد الرحمن بن سمرة، وعبد الله بن عكيم، وأسيد بن حضير، وغيرهم.
وعنه ابنه عيسى، وابن ابنه عبد الله بن عيسى، وعمرو بن ميمون الأودي، وهو أكبر منه، والشعبي، وثابت البناني، والحكم بن عتيبة، وحُصَين بن عبد الرحمن، وعمرو بن مرة، ومجاهد بن جبر، ويحيى ابن الجزار، وهلال الوزان، ويزيد بن أبي زياد، وأبو إسحاق الشيباني، والمنهال بن عمرو، وعبد الملك بن عمير، والأعمش، وإسماعيل بن أبي خالد، وجماعة.
قال عطاء بن السائب عن عبد الرحمن: أدركت عشرين ومائة من الأنصار صحابة، وقال عبد الملك بن عمير: لقد رأيت عبد الرحمن في حلقة فيها نفر من الصحابة، فيهم البراء يسمعون لحديثه، وينصتون له، وقال عبد الله بن الحارث بن نوفل: ما ظننت أن النساء ولدن مثله، وقال الدوري، عن ابن معين: لم ير عمر، قال: قلت له: فالحديث الذي يروى كنا مع عمر نترا أى الهلال؟ فقال: ليس بشيء، وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة، وقال العجلي: كوفي ثقة، ذكر أبو عبيد أنه أصيب سنة ٧١، وهو وهم، ثم قال أبو عبيد: وأخبرني يحيى بن سعيد، عن سفيان، أن ابن شداد، وابن أبي ليلى، فقدا بالجماجم، وقد اتفقوا على أن الجماجم كانت سنة ٨٢ (١) وفيها أرخه خليفة وغير واحد، ويقال: إنه غرق بدجيل، والله أعلم.
قال الحافظ: قال ابن أبي حاتم: قلت لأبي: يصح لابن أبي ليلى
стр. 1250
سماع من عمر؟ قال: لا، قال أبو حاتم: روي عن عبد الرحمن أنه رأى عمر، وبعض أهل العلم يدخل بينه وبين عمر البراء بن عازب، وبعضهم كعب بن عجرة، وقال الآجري، عن أبي داود: رأى عمر، ولا أدري أيصح أم لا؟ وقال أبو خيثمة في مسنده: ثنا يزيد بن هارون، أنا سفيان الثوري، عن زيد، وهو الأيامي، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، سمعت عمر يقول: "صلاة الأضحى ركعتين (١)، والفطر ركعتين" الحديث، قال أبو خيثمة: تفرد به يزيد بن هارون، هكذا ولم يقل أحد: سمعت عمر غيره، ورواه يحيى بن سعيد، وغير واحد، عن سفيان، عن يزيد بن عبد الرحمن، عن الثقة، عن عمر، ورواه شريك، عن زبيد، عن عبد الرحمن، عن عمر، ولم يقل: سمعت، وقال ابن أبي خيثمة: في تاريخه: وقد روي سماعه من عمر من طرق، وليست بصحيحة، وقال الخليلي في الإرشاد: الحفاظ لا يثبتون سماعه من عمر، وقال ابن المديني: وكان شعبة ينكر أن يكون سمع من عمر، قال ابن المديني: ولم يسمع من معاذ بن جبل، وكذا قال الترمذي في العلل الكبير، وابن خزيمة، وقال يعقوب بن شيبة: قال ابن معين: لم يسمع من عمر، ولا من عثمان، وسمع من علي، وقال ابن معين: لم يسمع من المقداد، وقال العسكري: روى عن أسيد بن حضير مرسلا، وقال الذهلي والترمذي في جامعه: لم يسمع من عبد الله بن زيد بن عبد ربه، وقال الأعمش: ثنا إبراهيم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وكان لا يعجبه، يقول: هو صاحب مراء، وقال حفص بن غياث، عن الأعمش: سمعت عبد الرحمن يقول: أقامني الحجاج، فقال: العن الكاذبين، فقلت: لعن الله (٢) الكاذبين علي بن أبي طالب، وعبد الله
стр. 1251
ابن الزبير، والمختار بن أبي عبيد،، قال حفص: وأهل الشام حَمير، يظنون أنه يوقعها عليهم، وقد أخرجهم منها ورفعهم، أخرج له الجماعة، وفي "ت" ثقة من [٢].
٧ - (كعب بن عجرة) بضم العين وسكون الجيم الأنصاري المدني، أبو محمَّد، وقيل أبو عبد الله، وقيل أبو إسحاق، من بني سالم بن عوف، وقيل: من بني سالم بن بَليّ حليف بني الخزرج، وقيل في نسبه غير ذلك، روى عن النبي ﷺ ، وعمر بن الخطاب، وبلال، وروى عنه: بنوه إسحاق، والربيع، ومحمد، وعبد الملك، وابن عمر، وابن عباس، وجابر، وعبد الله بن معقل بن مقرن المزني، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وأبو وائل، ومحمد بن سيرين، وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، وطارق بن شهاب، ومحمد بن كعب القرظي، وأبو ثمامة الحناط، وسعيد المقبري، وقيل: بينهما رجل، وإبراهيم وليس بالنخعي، وعاصم العدوي، وموسى بن وردان، وغيرهم.
قال الواقدي: كان استأخر إسلامه، ثم أسلم، وشهد المشاهد، وهو الذي نزلت فيه بالحديبية الرخصة، في حلق المحرم رأسه والفدية.
قال خليفة: مات سنة ٥١، وقال الواقدي وآخرون: مات سنة ٢.
قال بعضهم: وهو ابن خمس، وقيل: سبع وسبعين سنة. أخرج له الجماعة.
٨ - (بلال) بن رباح التيمي، مولاهم المؤذن، أبو عبد الله، ويقال: أبو عبد الرحمن، وقيل: غير ذلك في كنيته، وهو ابن حمامة، وهي أمه، أسلم قديما، وعذب في الله، وشهد بدرا، والمشاهد كلها، وسكن دمشق.
روى عن النبي ﷺ ، وعنه أبو بكر، وعمر، وأسامة بن زيد، وكعب
стр. 1252
ابن عجرة، وأبو زيادة، وابن عمر، والبراء بن عازب، والصنابحي، وأبو عثمان النهدي، وأبو إدريس الخولاني، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وطارق بن شهاب، وقيس بن أبي حازم، وقيل: لم يلقه، وغيرهم.
قال البخاري: بلال بن رباح، أخو خالد، وعفرة، مات بالشام زمن عمر، وقال عمرو بن علي: سنة ٢٥، وهو ابن بضع وستين سنة، وقال الذهلي، عن يحيى بن بكير: مات بدمشق في طاعون عمواس سنة ١٧ أو ١٨، وقال شعيب بن طلحة: كان بلال ترب أبي بكر، وقال ابن زبر: مات بداريا، وحمل على رقاب الرجال، فدفن بباب كيسان، وقيل دفن بباب الصغير، وقال ابن منده في المعرفة: دفن بحلب ﵁. أخرج له الجماعة.
رجال الإسناد الثاني: تسعة
١ - (الحسين بن عبد الرحمن الجرجرائى (١)) أبو علي، روى عن الوليد بن مسلم، وطلق بن غنام، وابن نمير، وخلف بن تميم، وغيرهم. وعنه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وأحمد بن علي الأبَّار، وجعفر الفريابي، والقاسم المطرز، ومحمد بن إسحاق السراج وغيرهم، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: حدثنا عنه أهل واسط، وقال غيره: مات سنة ٢٥٣، قال الحافظ: وقال أبو حاتم: مجهول،
فكأنه ما خبر أمره، اهـ تهذيب التهذيب جـ ٢/ ص ٣٤٣.
وفي التقريب: مقبول من العاشرة، مات سنة ٢٥٣ اهـ.
٢ - (طلق بن غَنَّام) بفتح الغين المعجمة، والنون المشددة بن طلق بن
стр. 1253
معاوية، النخعي، أبو محمَّد الكوفي، روى عن أبيه، وشيبان بن عبد الرحمن، وقيس بن الربيع، ومالك بن مغْوَل، ويعقوب القُمِّي، وزائدة، وابن عمه حفص بن غياث، وشريك القاضي، وكان كاتبه، وإسرائيل، والمسعودي، وعبد السلام بن حرب، وغيرهم.
وعنه البخاري، وروى الأربعة له بواسطة عثمان بن أبي شيبة، وأحمد بن إبراهيم الدورقي، والحسين بن عيسى البسطامي، والحسين ابن عبد الرحمن الجرجرائي، والقاسم بن زكريا بن دينار، وأبو كريب،
وأبو شيبة بن أبي بكر بن أبي شيبة، وأبو سعيد الأشج، وأبو أمية الطرسوسي، وجماعة.
قال الآجري عن أبي داود: صالح، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال مطين وابن سعد: توفي في رجب سنة ٢١١، قال الحافظ: وقال ابن سعد: كان ثقة صدوقا، وكان عنده أحاديث، وقال العجلي، ومحمد بن عبد الله بن نمير، والدارقطني: ثقة. وقال ابن شاهين في الثقات: قال عثمان بن أبي شيبة: ثقة صدوق، لم يكن بالمتبحر في العلم، وقال أبو محمد بن حزم وحده: ضعيف. اهـ تهذيب التهذيب
جـ ٥/ ص ٣٣.
وفي التقريب: ثقة من كبار العاشرة، أخرج له البخاري والأربعة.
٣ - (زائدة) بن قدامة بضم القاف، وتخفيف الدال المهملة، الثقفي أبو الصلت الكوفي.
روى عن أبي إسحاق السبيعي، وعبد الملك بن عمير، وسليمان التيمي، وإسماعيل بن أبي خالد، وإسماعيل السُّدّي، وحميد الطويل، وزياد بن علاقة، وسماك بن حَرب، وشَبيب بن غَرْقَدَة، والمختار بن فُلْفُل، وهشام بن عروة، وأبي إسحاق الشيباني، وأبي الزناد،
стр. 1254
والأعمش، وهشام بن حسان، وخلق، وعنه ابن المبارك، وأبو أسامة وحسين بن علي الجعفي، وابن مهدي، وابن عيينة، وأبو إسحاق الفزاري، وأبو سعيد مولى بني هاشم، والطيالسيان، وطلق بن غنام، ومعاوية بن عمرو، وأبو حذيفة، وأبو نعيم، وأحمد بن يونس، وجماعة.
قال عثمان بن زائدة: قدمت الكوفة، فقلت للثوري: ممن أسمع؟ قال: عليك بزائدة، وقال أبو أسامة: حدثنا زائدة، وكان من أصدق الناس، وأبَرِّهم، وقال أبو داود الطيالسي، وسفيان بن عيينة: حدثنا زائدة بن قدامة، وكان لا يحدث قدريا، ولا صاحب بدعة، وقال أحمد: المتثبتون في الحديث أربعة: سفيان، وشعبة، وزهير، وزائدة.
وقال أيضًا: إذا سمعت الحديث عن زائدة، وزهير فلا تبال، أن لا تسمعه عن غيرهما، إلا حديث أبي إسحاق، وقال أبو زرعة: صدوق من أهل العلم، وقال أبو حاتم: كان ثقة صاحب سنة، وهو أحب إلى من أبي عوانة، وأحفظ من شريك، وأبي بكر بن عياش، قال العجلي: كان ثقة صاحب سنة، وقال أحمد بن يونس: رأيت زهير بن معاوية جاء إلى زائدة، فكلمه في رجل يحدثه، فقال: من أهل السنة هو؟ قال: ما أعرفه ببدعة، فقال: من أهل السنة هو؟ فقال زهير: متى كان الناس هكذا، فقال زائدة: متى كان الناس يشتمون أبا بكر، وعمر ﵄، وقال النسائي: ثقة، وقال محمَّد بن عبد الله الحضرمي: مات في أرض الروم غازيا سنة ستين، أو إحدى وستين ومائة.
قال الحافظ: وكذا قال ابن سعد، وقال: كان ثقة مأمونا، صاحب سنة، وأرخه القراب تبعا لعلي بن الجعد سنة ٦٣، وقال ابن حبان في الثقات: كان من الحفاظ المتقنين، لا يعد السماع حتى يسمعه ثلاث مرات، مات سنة إحدى، وكذا أرخه ابن قانع، وقال أبو نعيم: كان
стр. 1255
زائدة لا يكلم أحدًا حتى يمتحنه، فأتاه وكيع فلم يحدثه.
وقال عثمان بن سعيد: قلت ليحيى: زهير أحب إليك من الأعمش أو زائدة؟ فقال: كلاهما ثقة، وقال الدارقطني: من الأثبات الأئمة، وقال أبو داود الطيالسي: لم يكن زائدة بالأستاذ في حديث أبي إسحاق، وقال الذهلي: ثقة حافظ. اهـ تهذيب التهذيب جـ ٣/ ص ٣٠٦، وفي "ت" ثقة ثبت صاحب سنة من السابعة.
٤ - (حفص بن غياث) بن طلق بن معاوية بن مالك بن الحارث بن ثعلبة النخعي، أبو عمر الكوفي، قاضيها، وقاضي بغداد أيضا، روى عن جده، وإسماعيل بن أبي خالد، وأشعث الحداني، وأبي مالك الأشجعي، وسليمان التيمي، وعاصم الأحول، وعبيد الله بن عمر، ومصعب بن سليم، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وهشام بن عروة، والأعمش، والثوري، وجعفر الصادق، ويزيد بن عبد الله بن أبي بردة، وابن جريج، وليث بن أبي سليم، وخلق.
وعنه أحمد، وإسحاق، وعلي، وابنا أبي شيبة، وابن معين، وأبو نعيم، وأبو داود الحَفَريّ، وأبو خيثمة، وعفان، وأبو موسى، ويحيى ابن يحيى النيسابوري، وعمرو بن محمَّد الناقد، وأبو كريب، وابنه عمر بن حفص بن غياث، والحسن بن عرفة، وجماعة، وروى عنه يحيى القطان، وهو من أقرانه، قال ابن كامل: ولاه الرشيد قضاء الشرقية (١) ببغداد ثم عزله، وولاه قضاء الكوفة، وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: صاحب حديث، له معرفة، وقال العجلي: ثقة مأمون فقيه، وكان وكيع ربما سئل عن الشيء فيقول: اذهبوا إلى قاضينا فَسَلوُه، وقال يعقوب: ثقة ثبت إذا حدث من كتابه، ويتقى بعض حفظه، وقال ابن خراش: بلغني عن علي بن المديني، قال:
стр. 1256
سمعت يحيى بن سعيد يقول: أوثق أصحاب الأعمش حفص بن غياث، فأنكرت ذلك، ثم قدمت الكوفة بآخره فأخرج إليّ عمر بن حفص كتاب أبيه، عن الأعمش، فجعلت أترحم على يحيى، وحَكَى صاعقةُ، عن علي بن المديني شبيها بذلك، وقال ابن نمير: كان حفص أعلم بالحديث من ابن إدريس، وقال أبو زرعة: ساء حفظه بعد ما استقضي فمن كتب عنه في كتابه، فهو صالح، وإلا فهو كذا، وقال أبو حاتم: حفص أتقن وأحفظ من أبي خالد الأحمر، وقال الدوري عن ابن معين: حفص أثبت من عبد الواحد بن زياد.
وقال النسائي، وابن خراش: ثقة، وقال ابن معين: جميع ما حدث به ببغداد من حفظه، وقال الآجري، عن أبي داود: كان ابن مهدي لا يقدم من الكبار من أصحاب الأعمش غير حفص بن غياث، وقال داود ابن رشيد: حفص كثير الغلط، وقال ابن عمار: كان لا يحفظ حسنا، وكان عسرا، وقال الحسن بن سفيان، عن أبي بكر بن أبي شيبة: سمعت حفص بن غياث يقول: والله ما وليت القضاء حتى حلت لي الميتة، وكذا قال سجادة عنه، وزاد: ولم يخلف درهما يوم مات، وخلف عليه الدين، وكان يقال: ختم القضاء بحفص. وقال يحيى بن الليث بعد أن ساق قصة من عدله في قضائه: كان أبو يوسف لما ولي حفص قال لأصحابه: تعالوا نكتب نوادر حفص، فلما وردت قضاياه عليه، قال أصحابه: أين النوادر، فقال: ويحكم إن حفصا أراد الله فوفقه.
قال هارون بن حاتم: سئل حفص وأنا أسمع عن مولده فقال: ولدت سنة ١١٧.
قال: ومات سنة ٩٤ وكذا قال جماعة، وقال مسلم بن جنادة: مات سنة ٩٥، وقال الفلاس، وأبو موسى: ٩٦، والأول أصح.
стр. 1257
قال الحافظ: وقال ابن حبان في الثقات: مات في عشر ذي الحجة سنة خمس أو ست وتسعين، وذكر الأثرم عن أحمد بن حنبل، أن حفصا كان يدلس، وقال العجلي: ثبت فقيه البدن، وقال أبوجعفر محمَّد بن الحسين البغدادي: قلت لأبي عبد الله: من أثبت عندك: شعبة، أو حفص بن غياث؟ يعني في جعفر بن محمَّد، فقال: ما منهما إلا ثبت، وحفص أكثر رواية، والقليل من شعبة كثير، وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونا كثير الحديث يدلس.
وقال أبو عبيد الآجري عن أبي داود: كان حفص بآخره دخله نسيان، وكان يحفظ، ومما أنكر على حفص حديثه عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: "كنا نأكل ونحن نمشي"، قال ابن معين: تفرد، وما أراه إلا وهم فيه، وقال أحمد: ما أدري ماذا؟ كالمنكر له، وقال أبو زرعة: رواه حفص وحده، وقال ابن المديني: انفرد حفص نفسه بروايته، وإنما هو حديث أبي البزري، وكذا حديثه عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رفعه "من أقال مسلما عثرته" الحديث، قال ابن معين: تفرد به عن الأعمش، وقال صالح بن محمَّد: حفص لما ولي القضاء جفا كُتُبَه، وليس هذا الحديث في كتبه. وقال أبو بكر بن أبي شيبة: ليس هذا الحديث (١) قال ابن عدي: وقد رواه عن حفص يحيى بن معين، وزكريا بن عدي، وقال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يقول: في حديث حفص عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، مرفوعا "خمروا وجوه موتاكم" الحديث هذا خطأ، وأنكره، وقال: قد حدثناه حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء مرسلا، اهـ تهذيب التهذيب جـ ٢/ ص ٤١٥ - ٤١٨. وفي "ت" ثقة فقيه، تغير حفظه قليلا في الآخر [٨].
стр. 1258
٥ - (الأعمش)، ٦ - و (عبد الرحمن بن أبي ليلى)، ٧ - و (بلال) تقدموا في السند السابق.
٨ - (البراء) بتخيف الراء، (بن عازب) بن الحارث بن عدي بن مجدعة بن حارثة الأوسي، أبو عمارة، ويقال: أبو عمرو، ويقال: أبو الطفيل المدني الصحابي ابن الصحابي، نزل الكوفة ومات بها زمن مصعب بن الزبير، روى عن النبي ﷺ ، وعن أبي بكر، وعمر، وعلي، وأبي أيوب، وبلال، وغيرهم.
وعنه عبد الله بن يزيد الخطمي، وأبو جحيفة، ولهما صحبة، وعبيد، والربيع، ويزيد، ولوط، أولاد البراء، وابن أبي ليلى، وعدي ابن ثابت، وأبو إسحاق، ومعاوية بن سويد بن مقرن، وأبو بردة، وأبو
بكر، ابنا أبي موسى، وخلق.
قال الحافظ: لم يسق الشيخ من أخباره شيئا، وقال ابن حبان: استصغره النبي ﷺ يوم بدر، وكان هو وابن عمر لدَةً، مات سنة ٧٢، وذكر ابن قانع في معجم الصحابة، أنه غزا مع النبي ﷺ ١٥ غزوة، وقال ابن عبد البر: هو الذي افتتح الري، وقيل: هو الذي أرسل النبي ﷺ معه السهم إلى قليب الحديبية، فجاش بالري، والمشهور أن ذلك ناجية بن جتدب، قال: وأول مشاهده أحد، وقال العسكري، أول مشاهده الخندق، وشهد مع علي الجَمَل، وصفِّين، والنهروان، وكان يلقب ذا الغرة، كذا قيل، وعندي أن ذا الغرة آخر. أخرج له الجماعة، اهـ تهذيب التهذيب جـ ١/ ص ٤٢٥ - ٤٢٦.
رجال الإسناد الثالث: سته
١ - (هناد بن السري) بفتح السين وكسر الراء، وتشديد الياء، بن مصعب بن أبي بكر بن شبر بن صعفون بن عمرو بن زرارة بن عدس بن
стр. 1259
زائدة بن عبد الله بن دارم التميمي، الدارمي، أبو السري، الكوفي.
روى عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، وهشيم، وأبي بكر بن عياش، وعبد الله بن إدريس، وأبي الأحوص، وحفص بن غياث، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وأبي معاوية الضرير، وإسماعيل بن عياش، وشريك، وأبي زبيد عبثر بن القاسم، وعبد الله بن المبارك، وعبد السلام بن حرب، وعلي بن مسهر، وعبدة بن سليمان، وفضيل ابن عياض، وابن عيينة، ووكيع، وغيرهم.
روى عنه البخاري في خلق أفعال العباد، والباقون، وابن أخيه محمَّد بن السري بن يحيى بن السري، وأبو حاتم، وأبو زرعة، وأحمد ابن منصور الرمادي، ومحمد بن عبد الملك الدقيقي، ومطين، وعبدان الأهوازي، وبقي بن مخلد، وابن أبي الدنيا، ومحمد بن صالح بن دريح، ومحمد بن إسحاق السراج، قال أحمد بن حنبل: عليكم بهناد، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال قتيبة: ما رأيت وكيعا يعظم أحدا تعظيمه لهناد، وقال النسائي: ثقة، ذكره ابن حبان في الثقات.، وقال السراج: قال هناد بن السري: ولدت سنة ١٥٢، قال: ومات في ربيع (١) الآخر سنة ٢٤٣. اهـ تهذيب التهذيب جـ ١١/ ص ٧١، وفي "ت" ثقة من العاشرة.
٢ - (وكيع) بن الجراح بن مليح الرُّؤَاسي، أبو سفيان الكوفي، ثقة حافظ، عابد من كبار التاسعة، مات في آخر سنة ست، أو سنة سبع وتسعين، وله ٧٠ سنة، وتقدم في ٢٣/ ٢٥.
٣ - (شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي، الأزدي، مولاهم أبو بسطام الواسطي، ثم البصري. روى عن أبان بن تغلب، وإبراهيم
стр. 1260
ابن عامر بن مسعود، وإبراهيم بن محمَّد بن المنتشر، وإبراهيم بن مسلم الهجري، وإبراهيم بن مهاجر، وأبي إسحاق السبيعي، وإبراهيم بن ميسرة، وإسماعيل بن أبي خالد، وبُدَيل بن ميسرة، وثابت البناني، وجامع بن شداد، وحبيب بن الشهيد، وسعد بن إبراهيم، وجماعة آخرين.
وعنه أيوب، والأعمش، وسعد بن إبراهيم، ومحمد بن إسحاق، وهم من شيوخه، وجرير بن حازم، والثوري، والحسن بن صالح، وغيرهم، من أقرانه، ويحيى بن القطان، وابن مهدي، ووكيع، وابن إدريس، وابن المبارك، ويزيد بن زريع، وأبو داود، وأبو الوليد الطيالسيان، وابن علية، وإبراهيم بن طهمان، وأبو أسامة، وشريك القاضي، وعيسى بن يونس، ومعاذ بن معاذ. وهشيم، ويزيد بن هارون، وأبو عامر العقدي، ومحمد بن جعفر غندر، ومحمد بن أبي عدي، والنضر بن شميل، وآدم بن أبي إياس، وبدل بن المحبر، وآخرون.
قال أبو طالب عن أحمد: شعبة أثبت في الحكم من الأعمش، وأعلم بحديث الحكم، ولولا شعبة ذهب حديث الحكم، وشعبة أحسن حديثا من الثوري، لم يكن في زمن شعبة مثله في الحديث، ولا أحسن حديثا منه، قسم له من هذا الحظ.
وروى عن ثلاثين رجلا من أهل الكوفة لم يرو عنهم سفيان، وقال محمَّد بن العباس النسائي: سألت أبا عبد الله من أثبت، شعبة، أو سفيان؟ فقال: كان سفيان رجلا حافظا، وكان رجلا صالحا، وكان شعبة أثبت منه، وأنقى رجلا، وسمع من الحكم قبل سفيان بعشر سنين، وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: كان شعبة وحده في هذا
стр. 1261
الشأن، يعني في الرجال، وبصره بالحديث، وتثبته، وتنقيته الرجال، وقال معمر: كان قتادة يسأل شعبة عن حديثه، وقال حماد بن زيد: قال لنا أيوب: الآن يقدم عليكم رجل من أهل واسط، هو فارس في الحديث، فخذوا عنه، وقال أبو الوليد الطيالسي: قال لي حماد بن سلمة: إذا أردت الحديث فالزم شعبة، وقال حماد بن زيد: ما أبالي من خالفني إذا وافقني شعبة، فهذا خالفني شعبة في شيء تركته، وقال ابن مهدي: كان الثوري يقول: شعبة أمير المؤمنين في الحديث، وقال الثوري لسَلْم بن قتيبة: ما فعل أستاذنا شعبة، وقال أبو قطن عن أبي حنيفة: نعم حشو المصر هو، وقال الشافعي: لولا شعبة ما عرف الحديث بالعراق، وقال أبو زيد الهروي: قال شعبة: لأن أقطع الطريق أحب إلى من أن أقول لما لم أسمع، سمعت، وقال يزيد بن زريع: كان شعبة من أصدق الناس في الحديث، وقال أبو بحر البكراوي: ما رأيت أعبد لله من شعبة، لقد عبد الله حتى جف جلده على ظهره.
وقال مسلم بن إبراهيم: ما دخلت على شعبة في وقت صلاة قط إلا رأيته قائما يصلي.
وقال النضر بن شميل: ما رأيت أرحم بمسكين منه، وقال قراد أبو نوح: رأى علي شعبة قميصا، فقال: بكم أخذت هذا؟ قلت: بثمانية دراهم، قال لي: ويحك أما تتق الله، تلبس قميصا بثمانية، ألا اشتريت قميصا بأربعة، وتصدقت بأربعة، قلت: أنا مع قوم نتجمل لهم، قال: أيش تتجمل لهم؟، وقال وكيع: إني لأرجو الله أن يرفع لشعبة في الجنة درجات، لذبه عن رسول الله ﷺ ، وقال يحيى القطان: ما رأيت أحدا قط أحسن حديثا من شعبة، وقال ابن إدريس: ما جعلت بينك وبين الرجال مثل شعبة، وسفيان.
وقال ابن المديني: سألت يحيى بن سعيد، أيما كان أحفظ للأحاديث
стр. 1262
الطوال، سفيان، أو شعبة؟ فقال: كان شعبة أمَرَّ فيها، قال: وسمعت يحيى يقول: كان شعبة أعلم بالرجال، فلان عن فلان، وكان سفيان صاحب أبواب، وقال أبو داود: لما مات شعبة: قال سفيان: مات الحديث، قيل لأبي داود: هو أحسن حديثا من سفيان؟ قال: ليس في الدنيا أحسن حديثا من شعبة، ومالك على قلته، والزهري أحسن الناس حديثًا، وشعبة يخطئ فيما لا يضره، ولا يعاب عليه، يعني في الأسماء، وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونا ثبتا حجة صاحب حديث.
وقال العجلي: ثقة ثبت في الحديث، وكان يخطئ في أسماء الرجال قليلا، وقال صالح جزرة: أول من تكلم في الرجال شعبة، ثم تبعه القطان، ثم أحمد، ويحيى، وقال ابن سعد: توفي أول سنة ١٦٠ وله ٧٧ سنة، وكان من سادات أهل زمانه، حفظا، وإتقانًا وورعًا، وفضلا، وهو أول من فتش بالعراق عن أمر المحدثين، وجانب الضعفاء، والمتروكين، وصار عَلَما يقتدى به، وتبعه بعده عليه أهل العراق.
قال الحافظ: هذا بعينه كلام ابن حبان في الثقات، نقله ابن منجويه منه، ولم يعزه إليه، لكن عند ابن حبان أن مولده سنة ٨٢، وذكر ابن أبي خيثمة: أنه مات في جمادى الآخرة، وأما ما تقدم من أنه كان يخطئ في الأسماء، فقد قال الدارقطني في العلل: كان شعبة يخطئ في أسماء الرجال كثيرا، لتشاغله بحفظ المتون، وقال صالح بن سليمان: كان لشعبة أخوان يعالجان الصرف، وكان شعبة يقول لأصحاب الحديث: ويلكم، الزموا السوق، فإنما أنا عيال على إخوتي، وقال ابن معين: كان شعبة صاحب نحو، وشعر، وقال الأصمعي: لم نر أحدا أعلم بالشعر منه، وقال بدل بن المحبر: سمعت شعبة يقول: تعلموا العربية، فإنها تزيد في العقل، وقال ابن إدريس: شعبة قبان (١) المحدثين، ولو
стр. 1263
استقبلت من أمري ما استدبرت ما لزمت غيره، وقال أبو قطن: ما رأيت شعبة ركع إلا ظننت أنه قد نسي، وفي تاريخ ابن أبي خيثمة قال شعبة: ما رويت عن رجل حديثا إلا أتيته أكثر من مرة، والذي رويت عنه عشرة أتيته أكثر من عشر مرار، وقيل لابن عوف: مالكَ لا تحدث عن فلان؟ قال: لأن أبا بسطام تركه، وقال الحاكم: شعبة إمام الأئمة في معرفة الحديث بالبصرة، رأى أنس بن مالك، وعمرو بن سلمة الصحابيين (١)، وسمع من أربعمائة من التابعين اهـ تهذيب التهذيب جـ ٤/ ص ٣٣٨ - ٣٤٦ أخرج له الجماعة.
٤ - وأما (الحكم) ٥ - و (عبد الرحمن بن أبي ليلى)، و (بلال)، فقد تقدموا في السند السابق.
لطائف الأسانيد
أما الإسناد الأول:
ففيه أنه من ثمانياته، وأن رواته كلهم ثقات، وأنهم ما بين نيسابوري، وهو شيخه، وكوفيين وهم الباقون، إلا كعبا، فمدني، وبلالا، فمدني، ثم شامي.
وفيه رواية تابعي، عن تابعي، الأعمش، عن عبد الرحمن، ورواية صحابي، عن صحابي كعب عن بلال.
وفيه كتابة "ح" وهي إشارة إلى تحويل السند، وقد تقدم الكلام عليها.
وفيه الإخبار، والتحديث، والإنباء، والعنعنة.
وفيه عنعنة الأعمش، وهو مدلس، إلا أنه صرح بالتحديث عند
стр. 1264
مسلم من طريق عيسى بن يونس، ونصه، وفي حديثا عيسى، حدثني الحكم، حدثني بلال، يعني أن الأعمش صرح بالتحديث كما صرح كعب به، فانتفت تهمة التدليس، والحمد لله.
وأما الإسناد الثاني: ففيه أنه من تساعياته، وأن رواته ما بين جرجرائي، وهو شيخه، وكوفيين، وهم الباقون، إلا بلالا فمدني، ثم شامي، وفيه رواية تابعي، عن تابعي، وصحابي، عن صحابي، وفيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة، وأنه نازل لأن بينه وبين الأعمش ثلاث وسائط، بخلاف الأول، فإنه بواسطتين.
وأما الإسناد الثالث:
ففيه أنه من سداسياته، وأنه أعلى من الأولين، وأن رواته ثقات أجلاء، وأنهم كوفيون، إلا شعبة فواسطي، ثم بصري، وبلالا فمدني، ثم دمشقي.
وفيه رواية ثلاثة من التابعين، بعضهم عن بعض، إن صح أنَّ شعبة رأى أنسا وعمرا كما تقدم، لأن الأصح أن التابعي هو الذي رأى الصحابي.
شرح الحديث
(عن بلال) بن رباح ﵁ أنه (قال: رأيت النبي) وفي الروايتين الآتيتين رسول الله ( ﷺ يمسح على الحفين) تثنية خف بضم الخاء وتشديد الفاء، وهو الذي يلبس على الرجل، والجمع أخفاف، وخفاف، بالكسر، أفاده في اللسان.
(والخمار) بالكسر: ما تغطي به المرأة رأسها، والجمع خُمُر، مثل كتاب وكُتُب، أفاده في المصباح، وقال في النهاية: أراد به العمامة؛ لأن
стр. 1265
الرجل يغطي بها رأسه، كما أن المرأة تغطيه بخمارها، وذلك إذا كان قد اعتم عمَّة العرب، فأدارها تحت الحنك، فلا يستطيع رفعها في كل وقت، فتصير كالخفين غير أنه يحتاج إلى مسح القليل من الرأس ثم يمسح اهـ.
وقال السندي: قوله "والخمار" أي العمامة؛ لأن الرجل يغطي بها رأسه، كما أن المرأة تغطي الرأس بخمارها، وقد اعتذرمن لا يقول بالمسح على العمامة عن الحديث بأنه من أخبار الآحاد، فلا يعارض الكتاب، لأن الكتاب يوجب مسح الرأس، ومسح العمامة لا يسمى مسح الرأس، على أنه حكايته حال، فيجوز أن تكون العمامة صغيرة رقيقة بحيث ينفذ البلة منها إلى الرأس، ويؤيده اسم الخمار، فإن الخمار ما تستر به المرأة رأسها، وذاك يكون عادة بحيث يمكن نفوذ البلة منها إلى الرأس، إذا كانت البلة كثيرة فكأنه عبر باسم الخمار عن العمامة، لكونها كانت لصغرها كالخمار، على أن الحديث يحتمل أن يكون قبل نزول المائدة، والله أعلم اهـ السندي جـ ١/ ص ٧٥.
قال الجامع عفا الله عنه: الأحسن تفسير الخمار بما خمر به الرأس من عمامة أو منديل، أو غيرهما، قال في "ق": الخمار بالكسر النصيف، وكل ما ستر به شيئا، فهو خمارُهُ اهـ. ويدل عليه حديث ثوبان "أمرهم أن يمسحوا على العصائب" وسيأتي إن شاء الله تعالى، وما قاله في النهاية من أنه يحتاج إلى مسح القليل من الرأس، وكذا ما نقله السندي من اعتذار من لا يقول بالمسح على العمامة ليس مذهبا مرضيا، بل الصواب أن المسح على العمامة جائز، وسيأتي تحقيق الكلام فيه في المسائل إن شاء الله تعالى.
مسائل تتعلق بحديث الباب
المسألة الأولى: في درجته: حديث بلال ﵁ هذا أخرجه