الحديث (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٦١٦ - (أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ, عَنْ مَعْمَرٍ, عَنِ الزُّهْرِيِّ,, عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, عَنْ أَبِيهِ,, عَنْ عُمَرَ, أَنَّهُ حَمَلَ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ, فَرَآهَا تُبَاعُ, فَأَرَادَ شِرَاءَهَا, فَقَالَ: لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا تَعْرِضْ فِي صَدَقَتِكَ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من رجال الأربعة، وهو ثقة. والحديث متّفق عليه، وقد تقدّم شرحه، والكلام على مسائله في الذي قبله. وباللَّه تعالى التوفيق.
وقوله: "لا تَعْرِض في صدقتك" -بفتح التاء، والراء، ويجوز كسرها: أي لا تتعرّض للعَوْدة فيها.
قال الفيّوميّ: وما عَرَضتُ له بسوء: أي ما تعرّضت. وقيل: ما صِرْتُ له عُرْضةً بالوقيعة فيه، من باب ضرب، وعَرِضتُ له بالسوء، من باب تَعِبَ لغةٌ، وفي الأمر لا تَعْرِض له بكسر الراء، وفتحها: أي لا تتعرّض له، فتمنعه باعتراضك أن يبلغ مراده؛ لأنه يقال: سِرتُ، فعرض لي في الطريق عارض، من جبل، ونحوه. أي مانع يمنع من المضيّ. انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٦١٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا حُجَيْنٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنْ عُقَيْلٍ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ, كَانَ يُحَدِّثُ, أَنَّ عُمَرَ تَصَدَّقَ بِفَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ , فَوَجَدَهَا تُبَاعُ بَعْدَ ذَلِكَ, فَأَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ, ثُمَّ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَأْمَرَهُ فِي ذَلِكَ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة.
و"حجين" -بالمهملة، والجيم، آخره نون، مصغّرًا -: هو ابن المثنّى اليماميّ، أبو عُمير البغداديّ، ثقة [٩] ١٨٠/ ١١٥٠.
وقوله: "فوجدها" بضمير المؤنّث، ثم قال: "فأراد أن يشتريه" بضمير المذكّر، وفي "الكبرى" بالتذكير في الموضعين، وكلٌّ صحيح؛ لأن الفرس يذكّر، ويؤنّث، قال
стр. 12357
الفيّوميّ: والفَرَس يقع على الذكر والأنثى، فيقال: هو الفرس، وهي الفرس، وتصغير الذكر: فُرَيسٌ، والأنثى: فُرَيسة، على القياس، وجُمِعت الفرس على غير لفظها، فقيل: خَيْلٌ، وعلى لفظها، فقيل: ثلاثة أفراس بالهاء للذكور، وثلاث أفراس بحذفها للإناث، ويقع على التركيّ، والعربيّ. قال ابن الأنباريّ: وربّما بنوا الأنثى على الذكر، فقالوا فيها: فَرَسَةٌ. وحكاه يونس سماعًا عن العرب. انتهى (١).
والحديث متّفق عليه، وقد تقدّم تمام البحث فيه في الحديث الأول.
وبقيّة مباحثه ستأتي مستوفاةً في المواضع المناسبة لها، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى وليّ التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٦١٨ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ, قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ وَيَزِيدُ, قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , أَمَرَ عَتَّابَ بْنَ أَسِيدٍ, أَنْ يَخْرِصَ الْعِنَبَ, فَتُؤَدَّى زَكَاتُهُ زَبِيبًا, كَمَا تُؤَدَّى زَكَاةُ النَّخْلِ تَمْرًا").
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحَديث لم أره في "الكبرى"، وكان حقّه أن يُذكر في باب "كم يترك الخارص؟ "، ولا أدري لماذا أخّره ههنا.
ورجال إسناده رجال الصحيح، و"عمرو بن عليّ": هو الفلّاس. و"بِشْر": هو ابن المفضّل. و"يزيد": هو ابن زيع. وكلهم تقدّموا، غير:
١ - (عبد الرحمن بن إسحاق) بن عبد اللَّه بن كنانة العامريّ القرشيّ مولاهم، ويقال: الثقفيّ، المدنيّ، نزيل البصرة. ويقال له: عبّاد بن إسحاق، صدوق، رُمِي بالقدر [٦].
قال القطّان: سألت عنه بالمدينة، فلم أرهم يَحمدونه. وكذا قال عليّ بن المدينيّ.
قال: وسمعت سفيان، سئل عنه، فقال: كان قدريًّا، فنفاه أهل المدينة. وقال يزيد بن زُريع: ما جاءنا أحفظ منه.
وقال أبو بكر بن زنجويه: سمعت أحمد يقول: هو رجلٌ صالح، أو مقبول. وقال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: صالح الحديث. وقال مرّة: ليس به بأس. وقال أبو طالب، عن أحمد: رَوَى عن أبي الزناد أحاديث منكرة. وكان يحيى لا يُعجبه، وهو صالح الحديث. وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: كان إسماعيل ابن عُليّة يرضاه. وقال ابن الجنيد، عن ابن معين: ثقة، هو أحبّ إليّ من صالح بن أبي الأخضر. وقال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: صُويلح. وقال مرّة: ثقة. وكذا قال الدُّوريّ عنه. وقال مرّةً: صالح الحديث. وقال ابن المدينيّ: كان يَرَى القدر، ولم يَحمِل عنه أهل
стр. 12358
المدينة. وقال يعقوب بن شيبة: صالح. وقال يعقوب سفيان: ليس به بأس. وقال العجليّ: يُكتب حديثه، وليس بالقويّ. وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه، ولا يُحتجّ به، وهو قريبٌ من ابن إسحاق صاحب "المغازي"، وهو حسن الحديث، وليس بثبت، وهو أصلح من عبد الرحمن بن إسحاق أبي شيبة الواسطيّ. وقال البخاريّ: ليس ممن يُعتمد على حفظه إذا خالف من ليس دونه، وإن كان ممن يُحتمل في بعض. قال: وقال إسماعيل بن إبراهيم: سألت أهل المدينة عنه، فلم يَحمَدوه، مع أنه لا يُعرف له بالمدينة تلميذٌ إلا موسى الزَّمْعيّ، روى عنه أشياء فيها اضطراب. وقال الآجريّ، عن أبي داود: قدريّ إلا أنه ثقة، قال: هَرَبَ إلى البصرة لما طُلب القدريّة أيام مروان. وقال النسائيّ: ليس به بأس، ولم يكن ليحيى القطّان فيه رأي. وقال ابن خُزيمة: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن عديّ: في حديثه بعض ما يُنكر، ولا يتابع عليه والأكثر منه صحاح، وهو صالح الحديث، كما قال أحمد. وقال الدارقطنيّ: ضعيف يُرمَى بالقدر. وقال الساجيّ: صدوق يُرمى بالقدر. وقال ابن سعد: هو أثبت من الواسطيّ. وقال الحاكم: لا يَحتَجّان به -يعني الشيخين-، ولا واحد منهما، وإنما أخرجا له في الشواهد. وقال المرّوذيّ، عن أحمد: أما ما كتبنا من حديثه فصحيح. وقال السعديّ: كان غير محمود في الحديث. وحكى الترمذيّ في "العلل" عن البخاريّ أنه وثّقه.
علّق له البخاريّ، وأخرج له في "الأدب المفرد"، والباقون. وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط برقم ٢٦١٨ و ٣٠٩٩ و ٣٧٦٢ و ٣٩٢٧ و ٤٠٠٨ و ٥٠٤٣.
شرح الحديث
(عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ) بن حَزْن بن أبي وهب بن عمرو بن عابد بن عمران بن مخزوم القرشيّ المخزوميّ، أحد العلماء الأثبات الفقهاء الكبار، من كبار [٣] اتفقوا على أن مرسلاته أصحّ المراسيل، وقال ابن المدينيّ: لا أعلم في التابعين أوسع منه علمًا، مات بعد (٩٠) وقد ناهز (٨٠) تقدّمت ترجمته في -٩/ ٩ - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، أَمَرَ عَتَّابَ بْنَ أَسِيدٍ) -بفتح الهمزة- ابن أبي العِيص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف الأمويّ، أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو محمد المكيّ. روى عن النبيّ ﷺ . وعنه عمرو بن أبي عَقْرب، وابن المسيّب، وعطاء بن أبي رباح، وعبد اللَّه بن عُبيدة الرَّبَذيّ.
قال ابن عبد البرّ: استعمله النبيّ ﷺ على مكّة عام الفتح في خروجه إلى حُنين، فحجّ بالناس سنة ثمان، وحج المشركون على ما كانوا عليه، ولم يزل على مكّة حتى قُبض رسول اللَّه ﷺ ، وأقرّه أبو بكر، فلم يزل عليها واليًا إلى أن مات، فكانت وفاته
стр. 12359
فيما ذكر الواقديّ يوم مات أبو بكر الصدّيق. وقال محمد بن سلاّم الْجُمَحيّ وغيره: جاء نَعْي أبي بكر إلى مكة يوم دُفن عَتَّاب، وكان عتّاب رجلًا صالحًا خيّرًا فاضلًا.
قال مصعب الزُّبَيريّ: خطب عليّ بن أبي طالب جُويرية بنت أبي جهل، فشقّ ذلك على فاطمة، فأرسل إليها عتّابٌ: أنا أريحك منها، فتزوّجها، فولدت له عبد الرحمن بن عتّاب. قال أبو داود: لم يسمع سعيد بن المسيّب من عتّاب شيئًا.
وقال أيوب بن عبد اللَّه بن يسار، عن عمرو بن أبي عَقْرب: سمعت عتّاب بن أَسِيد، فذكر حديثًا. انتهى.
أخرج له الأربعة، وله عندهم حديث في الخَرْص -يعني هذا الحديث- وعند ابن ماجه آخر في النهي عن شِفَ ما لم يُضْمَن.
وقال الحافظ معلّقا على حكايته أيوب بن عبد اللَّه المذكورة-: ومقتضاه أن عتّابًا تأخّرت وفاته عما قال الواقديّ؛ لأن أيوب ثقة، وعمرو بن أبي عَقْرب ذكره البخاريّ في التابعين، وقال: سمع عتّابًا.
وقد ذكر أبو جعفر الطبريّ عتابًا فيمن لا يُعرف تاريخ وفاته، وقال في "تاريخه": إنه كان والي مكّة لعمر سنة عشرين. وذكره قبل ذلك في سنين عمر، ثمّ ذكره في سنة (٢١)، ثم في سنة (٢٢)، ثم قال في مقتل عمر سنة (٢٣): قُتل، وعاملُهُ على مكّة نافع ابن عبد الحارث انتهى.
فهذا يشعر بأن موت عتاب كان في أواخر سنة (٢٢)، أو أوائل سنة (٢٣)، فعلى هذا فيصحّ سماع سعيد بن المسيّب منه. واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام الحافظ.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: خلاصة ما ذُكر أن الأرجح تأخّر وفات عتّاب، عما قاله الواقديّ؛ لأن الواقديّ ضعيف جدًّا، فلا تقبل روايته، ولا سيّما وقد خالفه ثقة؟، فسماع سعيد عن عتّاب هو الظاهر. وقد تقدم هذا البحث في -٢٦/ ٢٤٩١ - واللَّه تعالى أعلم.
(أنْ يَخْرُصَ الْعِنَبَ) بضم الراء، يقال: خَرَصتُ العنب خَرْصًا، من باب قتل: قدّرتُ ثمره، والاسم الْخِرْص -بالكسر- (فَتُؤَدَّى زَكَاتُهُ زَبِيبًا) ببناء الفعل للمفعول، أي تدفع زكاته إلى مستحقّيها صالحة للانتفاع (كمَا تُؤَدَّى زَكَاةُ النَّخْلِ تَمْرًا) أشار به إلى أن الزكاة لا تُخرج عقب الخرص، وإنما تُخرج إذا صار الرُّطَب تمرًا، والعنب زبييًا.
وإنما جعل النبيّ ﷺ خرص العنب كخرص النخل؛ لأنه يُخرص من التمر ما يحيط به البصر ظاهرًا، ولا يحول دونه حائلٌ، ولا يخفى في ورق الشجر، والعنب في هذا المعنى، فلذا شُبّه بالنخل، بخلاف سائر الثمار، فإن هذا المعنى معدوم فيها.
أو لأن خيبر فُتحت أوّلًا سنة سبع، وبها نخلٌ، وبَعث إليهم ﷺ عبد اللَّه بن رواحة،
стр. 12360
فخَرَصَها، فلما فتح الطائف، وبها عنب كثير، أمر بخرصه، كخرص النخل المعروف عندهم.
وحكمة الخرص أن الفقراء شركاء أرباب الأموال في الثمر، فلو مُنع أرباب الأموال من الانتفاع بثمارهم إلى أن تبلغ غايتها في الصلاح، لأضرّ ذلك بهم، ولو انبسطت أيديهم فيها لأخلّ ذلك بحقّ الفقراء منها، ولَمّا كانت الأمانة غير متحقّقة عند كلّ واحد من أرباب الأموال، وعُمّالهم، وَضَعَت الشريعة هذا الضابط؛ ليَتَوصّل به أرباب الأموال إلى الانتفاع بها، ويُحفَظ للمساكين حقوقهم (١). واللَّه تعالى أعلم.
وقد تقدّم تمام البحث في مسألة الخرص، واختلاف العلماء فيه، وأن الحقّ مشروعيته في -٢٦/ ٢٤٩١ فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث سعيد بن المسيّب أن رسول اللَّه ﷺ أمر عَتّاب بن أسيد الخ صحيح؛ لأن الظاهر -كما أسلفته قريبًا- سماع سعيد من عتّاب - رضي اللَّه تعالى عنه -، فهو متّصلٌ، ولو قلنا بعدم سماعه منه، فإنه صحيح أيضًا, لأن جلّ الأئمّة على تصحيح مراسيل سعيد -رحمه اللَّه تعالى-، قال النوويّ: هذا الحديث، وإن كان مرسلًا لكن اعتضد بقول الأئمة انتهى.
وأيضًا، فله شواهد، قد تقدّم بيانها في -٢٦/ ٢٤٩١ مستوفًى.
والحاصل أن حديث عتاب هذا صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: روى الدارقطنيّ هذا الحديث من طريق الواقديّ، عن عبد الرحمن بن عبد العزيز الأُماميّ، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيّب، عن المسور بن مخرمة، عن عتّاب بن أَسِيد، قال أمر رسول اللَّه ﷺ أن نخرُص أعناب ثقيف، كخرص النخل، ثم تؤدّى زبيبًا كما تؤدّى زكاة النخل تمرًا".
قال أبو حاتم: الصحيح: عن سعيد بن المسيّب أن النبيّ ﷺ أمر عتّابًا، مرسل انتهى. على أن الواقديّ ضعيف جدًّا (٢).
стр. 12361
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٠٠/ ٢٦١٨ - فقط، وليس له ذكر في "الكبرى". وأخرجه (د) في "الزكاة" ١٦٠٣ (ت) في "الزكاة" ٦٤٤ (ق) في "الزكاة" ١٨١٩. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[خاتمة]: نختم بها "كتاب الزكاة"، وهي من مهمات المسائل، ذكرها الإمام أبو محمد بن حزم -رحمه اللَّه تعالى- في كتابه "المحلّى"، قال -رحمه اللَّه تعالى-:
[مسألة]: وفرضٌ على الأغنياء من أهل كلّ بلد أن يقوموا بفقرائهم، ويُجبرهم السلطان على ذلك، إن لم تقم الزكوات بهم، فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لا بدّ منه، ومن اللباس للشتاء، والصيف بمثل ذلك، وبمسكن يُكنّهم من المطر، والصيف، والشمس، وعيون المارّة.
برهان ذلك قول اللَّه تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ [الإسراء: ٢٦] وقال تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٦]. فأوجب اللَّهَ تعالى حقّ المساكين، وابن السبيل، وما ملكت اليمين، مع حقّ ذي القربي، وافترض الإحسان إلى الأبوين، وذي القربي، والمساكين، والجار، وما ملكت اليمين، والإحسانُ يقتضي كلّ ما ذكرنا، ومنعه إساءة بلا شكّ.
وقال تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٤]، فقرن اللَّه تعالى إطعام المسكين بوجوب الصلاة.
وعن رسول اللَّه ﷺ من طرق كثيرة في غاية الصحّة أنه قال: "من لا يرحَم الناس، لا يرحمه اللَّه".
قال أبو محمد: ومن كان على فضل، ورأى أخاه المسلم جائعًا عريان ضائعًا، فلم يُغِثْه، فما رحمه بلا شكّ. وهذا خبر رواه نافع بن جبير بن مطعم، وقيس بن أبي حازم، وأبو ظبيان، وزيد بن وهب، كلهم عن جرير بن عبد اللَّه، عن رسول اللَّه ﷺ (١). وروَى أيضًا معناه الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن رسول اللَّه ﷺ (٢).
ثم أخرج بسنده إلى أبي عثمان النهديّ: أن عبد الرحمن بن أبي بكر الصدّيق حدّثه: "أنّ أصحاب الصفّة كانوا فقراء، وأن رسول اللَّه ﷺ قال: "من كان عنده طعام اثنين،
стр. 12362
فليذهب بثالث، ومن كان عنده طعام أربعة، فليذهب بخامس، أو سادس" (١). فهذا هو نفس قولنا.
ثم أورد حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - أن رسول اللَّه ﷺ قال: "المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يُسلمه" (٢).
قال: من تركه يجوع، وَيعْرَى، وهو قادرٌ على إطعامه، وكسوته، فقد أسلمه.
ثم أخرج بسنده عن أبي سعيد الخدريّ - رضي اللَّه تعالى عنه -: أن رسول اللَّه ﷺ ، قال: من كان عنده فضل ظهر، فَلْيَعُدْ به على من لا ظهر له، ومن كان له فضلٌ مِن زاد، فليعد به على من لا زاد له"، قال: فذكر من أصناف المال ما ذكر، حتى رأينا أنه لا حقّ لأحد منا في فضل.
قال أبو محمد: وهذا إجماع الصحابة - رضي اللَّه تعالى عنهم - يخبر بذلك أبو سعيد، وبكلّ ما في هذا الخبر نقول.
وعن النبيّ ﷺ ، قال: "أطعموا الجائع، وعودوا المريض، وفكّوا العاني" (٣). والنصوص من القرآن والأحاديث الصحاح في هذا تكثر جدًّا.
ثم أورد عن أبي وائل، قال: قال عمر بن الخطّاب - رضي اللَّه تعالى عنه -: لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لأخذت فضول أموال الأغنياء، فقسمتها على فقراء المهاجرين. قال: وهذا إسناد في غاية الصحّة والجلالة.
وعن محمد بن عليّ بن أبي طالب، أنه سمع علي بن أبي طالب - رضي اللَّه تعالى عنه - يقول: إن اللَّه تعالى فرض على الأغنياء في أموالهم بقدر ما يكفي فقراءهم، فإن جاعوا، أو عَرُوا، وجَهِدُوا، فبمنع الأغنياء، وحقُّ على اللَّه تعالى أن يحاسبهم يوم القيامة، ويعذّبهم عليه.
وعن ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه قال: في مَالِكَ حقٌ سوى الزكاة. وعن عائشة أم المؤمنين، والحسن بن عليّ، وابن عمر أنهم قالوا كلهم لمن سألهم: إن كنت تسأل في دم موجع، أو غُرْم مفظع (٤)، أو فقر مُدقع (٥)، فقد وجب حقّك.
وصحّ عن أبي عبيدة بن الجراح، وثلاثمائة من الصحابة - رضي اللَّه تعالى عنهم - أن
стр. 12363
زادهم فَنِيَ، فأمرهم أبو عبيدة، فجمعوا أزوادهم في مزودين، وجعل يقوتهم إياها على السواء.
فهذا إجماع مقطوع به من الصحابة - رضي اللَّه تعالى عنهم -، لا مخالف لهم منهم. وصحّ عن الشعبيّ، ومجاهد، وطاوس، وغيرهم كلهم يقول: في المال حقّ سوى الزكاة.
قال أبو محمد: وما نعلم عن أحد منهم خلاف هذا، إلا عن الضحّاك بن مزاحم، فإنه قال: نسخت الزكاة كلّ حقّ في المال. قال أبو محمد: وما روايةُ الضحاك بحجة، فكيف برأيه.
والعجب أن المحتجّ بهذا أول مخالف له، فيرى في المال حقوقًا سوى الزكاة، منها النفقات على الأبوين المحتاجين، وعلى الزوجة، وعلى الرقيق، وعلى الحيوان، والديون، والأُرُوش، فظهر بهذا تناقضهم.
[فإن قيل]: فقد رويتم من طريق ابن أبي شيبة: ثنا أبو الأحوص، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: من أدّى زكاة ماله، فليس عليه جُناحٌ أن لا يتصدّق. ومن طريق الحكم، عن مقسم، عن ابن عبّاس في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] نسخها العشر، ونصف العشر.
[فالجواب]: أن رواية عكرمة، فإنما هي أن لا يتصدّق تطوّعًا، وهذا صحيح، وأما القيام بالمجهود، ففرض ودَين، وليس صدقة تطوّع.
وأما رواية مقسم فساقطة؛ لضفها (١)، وليس فيها لو صحّت خلاف لقولنا.
ويقولون: من عطش، فخاف على الموت، ففرض عليه أن يأخذ الماء حيث وجده، وأن يقاتل عليه. قال: فأيّ فرق بين ما أباحوا له من القتال على ما يدفع به عن نفسه الموت من العطش، وبين ما منعوه منه من القتال عن نفسه فيما يدفع به عنها الموت من الجوع والعري؟ وهذا خلاف للإجماع، وللقرآن، وللسنن، وللقياس.
قال: ولا يحلّ لمسلم اضطرّ أن يأكل ميتة، أو لحم خنزير، وهو يجد طعامًا فيه فضلٌ عن صاحبه، لمسلم، أو ذمّيّ؛ لأن فرضًا على صاحب الطعام إطعام الجائع، فإذا كان ذلك
стр. 12364
كذلك، فليس بمضطرّ إلى الميتة، ولا إلى لحم الخنزير. وله أن يقاتل عن ذلك. انتهى المقصود من كلام ابن حزم بتصرّف، وهو كلام حسنٌ جدًّا. واللَّه تعالى أعلم.
وكتب العلاّمة أحمد محمد شاكر -رحمه اللَّه تعالى- تحت كلام ابن حزم هذا: ما نصّه: مِن هذا، ومن أمثاله في الشريعة الإسلامية يرى المنصف أن التشريع الإسلاميّ في الذروة العليا من الحكمة والعدل، وليت إخواننا الذين غرّتهم القوانين الوضعيّة، وأُشرِبتها نفوسُهم يطّلعون على هذه الدقائق، ويتفقّهونها؛ ليروا أن دينهم جاءهم بأعلى أنواع التشريع في الأرض، تشريع يُشبع القلب والروح، ويطبّق في كلّ مكان، وكلّ زمان، و ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤]. ولو فقه المسلمون أحكام دينهم، ورجعوا إلى استنباطها من المنبع الصافي، والمورد العذب -الكتاب والسنّة- وعملوا بما يأمرهم به ربّهم في خاصّة أنفسهم، وفي أمورهم العامّة، وفي أحوال اجتماعهم، لو علموا هذا، لكانوا سادة الأمم.
وهل قامت الثورات المخرّبة الهادمة، والفتن المهلكة، إلا من ظلم الغنيّ للفقير، ومن استئثاره بخير الدنيا، وبجواره أخوه يموت جوعًا وعريًا، والْمُثُلُ كثيرة.
ولو فقه الأغنياء لعلموا أن أول ما يَحفَظ عليهم أموالهم إسداءُ المعروف للفقراء، بل القيام نحوهم بما أوجبه اللَّه على الأغنياء، فليفقهوا، وليعلموا، ويعملوا، فقد جاءتهم النذُر، هدانا اللَّه جميعًا انتهى كلام العلامة أحمد محمد شاكر -رحمه اللَّه تعالى-، وهو كلام نفيسٌ جدًّا، ينبغي الاهتمام بفهمه، والعناية بالعمل به، وتطبيق الأمة الإِسلاميّة له على أنفسها، وأموالها، حتى تكون لها العاقبة المحمودة، فمن تفقّه في دينه، وعمل بمقتضى علمه في أمر دينه ودنياه، فإنه من المتّقين، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب".
…
٢٣ - (كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجِّ)
أي هذا كتاب تُذكر فيه الأحاديث المتعلقة ببيان مناسك الحجّ.
وفيه مسائل:
(المسألة الأولى): ترجم المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- هنا بـ "كتاب مناسك الحجّ"،
стр. 12365
ومثله الطحاويّ في "شرح معاني الآثار"، وترجم في "الكبرى" بـ "كتاب الحجّ"، كالإمام البخاريّ في "صحيحه"، وترجم الترمذيّ بـ "أبواب الحجّ"، وأبو داود، وابن ماجه بـ "كتاب المناسك". ولكلّ وجهة هو مولّيها.
ثم إنّ المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- قدّم ذكر "كتاب الصلاة"، ثم أتبعه بذكر "كتاب الصوم"، ثم بذكر "كتاب الزكاة"، ثم بذكر "كتاب مناسك الحجّ"، وذلك لأنه وقع تقديم الصوم على الزكاة في حديث طلحة بن عبيد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنه -، الذي تقدّم له في أول "كتاب الصوم".
وأيضًا للمناسبة من حيث المعنى، وذلك لأن الصلاة لَمّا كانت عبادة بدنية محضة ناسب تقديمها، ولَمّا كان الصوم مثلها، ناسب ذكره بعدها، ولَمّا كانت الزكاة عبادة ماليّة محضة، ناسب تأخيرها عنهما، ولَمّا كان الحجّ مركّبًا منهما ناسب أن يكون خاتمة الجميع، هذا بالنسبة لصنيعه في "المجتبى".
وأما صنيعه في "الكبرى"، فقد خالف هذا الترتيب، فذكر الزكاة بعد الصلاة، ثم أتبعها الصوم، ثم المناسك، لكنه أدخل بين الصوم والمناسك "كتاب المحاربين".
والمناسبة فيه واضحة، من حيث إن الزكاة قرينة الصلاة، في كتاب اللَّه تعالى، حيث يقول: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وكذلك ترتيبها في حديث "بُني الإسلام على خمس … "، وغيره من الأحاديث، ولما اختلفت الروايات في تقديم الصوم على الحجّ، وتأخيره عنه، اختلف صنيع المصنّفين، فمنهم من قدّم الصوم، كالمصنّف هنا، ومنهم من آخره كالإمام البخاريّ. ولكلّ وجهة كما أسلفناه.
لكن لا يظهر وجه إدخال المصنّف "كتاب المحاربين" بين الصوم والمناسك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): "الكتاب" يجوز أن يكون بمعنى المكتوب، كالحساب بمعنى المحسوب، وهو في الأصل مصدر كَتَبَ يكتُب كَتْبًا، وكِتابة، وكِتابًا، وهو يَجمَع الأبواب؛ إذ هو من الكَتْب، وهو الجمع، والباب هو النوع، وأصله المدخل، ثم استعمل في المعاني مجازًا. أفاده العينيّ (١).
وهو خبر مبتدإ محذوف، أي هذا كتاب مناسك الحجّ، ويجوز العكس. ويجوز نصبه على أنه مفعول لفعل مقدّر، أي خذ كتاب مناسك الحجّ.
وإضافة "الكتاب" إلى "مناسك" بمنى اللام، وأما إضافة "مناسك للـ "حج"، فمن باب
стр. 12366
إضافة الأعم إلى الأخصّ؛ لأن المناسك هي العبادات، والطاعات، فتكون الإضافة كشجر أراك، وعلم الحديث، وعلم الفقه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): "المناسك" جمع مَنسك -بفتح السين، وكسرها-: وهي العبادة، أو مكانها، أو زمانها، فهو صالح للزمان، والمكان، والحدث، وجميعها مراد هنا، إذ الكتاب مسوق لبيان أعمال الحجّ، وأزمنته، وأمكنته، ثمّ سميّت أمور الحجّ كلّها مناسك.
قال الفيّوميّ: نَسَكَ للَّه يَنسُك نَسْكًا، من باب قتل: تطوّع بقربة، والنسك -بضمّتين-: اسم منه، وفي التنزيل: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾، والمنسك -بفتح السين، وكسرها: يكون زمانًا، ومصدرًا، ويكون اسم المكان الذي تُذبح فيه النَسِيكة، وهي الذبيحة، وزنًا ومعنًى،
وفي التنزل: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ -بالفتح، والكسر في السبعة. ومناسك الحجّ: عباداته. وقيل: مواضع العبادات، ومن فَعَل كذا عليه نُسُكٌ: أي دمٌ يُريقه، ونَسَكَ: تزهّد، وتعبّد، فهو ناسك، والجمع نُسّاك، مثلُ عابد وعُبّاد انتهى (١).
وقال العينيّ: والمنسك المذبح، وقد نَسَك ينسُك نسكًا: إذا ذبح، والنسيكة: الذبيحة، وجمعها نُسُك، والنُّسُكُ أيضًا: الطاعة، والعبادة، وكلّ ما يُتقرّب به إلى اللَّه . والنسك: ما أَمَرت به الشريعة، والورع، وما نهت عنه. والناسك: العابد، وسئل ثعلبٌ عن الناسك ما هو؟، فقال: هو مأخوذ من النَّسِيكة، وهي سبيكة الفضّة، المصفاة، كأنّ الناسك صفّى نفسه للَّه تعالى. انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في ضبط "الحجّ"، ومعناه لغةً، وشرعًا:
أما ضبطه، فإنه يقال: بفتح الحاء، وكسرها، لغتان، قُرىء بهما في السبع، وأكثر السبعة على الفتح، وكذا الحجّة فيها لغتان، وأكثر المسموع الكسر، وهو القياس قاله النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- انتهى (٣).
وقال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: "الحجّ" -بفتح الحاء المهملة، وكسرها- لغتان، نقل الطبريّ أن الكسر لغة أهل نجد، والفتح لغيرهم. ونقل عن حسين الْجُعْفيّ أن الفتح الاسمُ، والكسر المصدر، وعن غيره عكسه. قاله في "الفتح" (٤).
стр. 12367
وقال العينيّ -رحمه اللَّه تعالى-: قال الزّجّاج: يُقرأ بفتح الحاء، وكسرها -أي في القرآن- والأصل الفتح. وقُرىء بهما في السبعة، وأكثرهم على الفتح. وفي أمالي الهجريّ: أكثر العرب يكسرون الحاء فقط. وقال ابن السّكّيت: بفتح الحاء القصد، وبالكسر القوم الْحُجّاج. والحجّة بالفتح الفَعْلة من الحجّ، وبكسر الحاء: التلبية والإجابة. وقال في "اللسان": والحجّ بالكسر الاسم، والحجّة المرّة الواحدة، وهو من الشواذّ؛ لأن القياس بالفتح.
والحاجّ: الذي يحجّ، وربما يُظهرون التضعيف في ضرورة الشعر، قال الراجز:
بكُلَّ شَيْخٍ عَامِرِ أَوْ حَاجِجِ
وُيجمع على حُجُج، بالضمّ، نحو بازل وبُزُل، وعائذ وعُوذ (١).
وأما معناه لغةً: فهو القصد، وعن الخليل، قال: الحجّ كثرة القصد إلى من تُعظّمه (٢).
وقال الفيّوميّ: حَجّ حجًّا، من باب قتل: قصد، فهو حاجّ، هذا أصله، ثمّ قُصِرَ استعمالُهُ في الشرع على قصد الكعبة للحجّ، أو العمرة، ومنه يقال: ما حجَّ، ولكن دَجَّ، فالحجّ: القصد للنسك، والدَّجُّ: القصد للتجارة، والاسم الحجّ بالكسر، والحجّة: المرّة بالكسر على غير قياس، والجمع حِجَج، مثلُ سِدْرَة وسِدَر. قال ثعلب: قياسه الفتح، ولم يُسمع من العرب، وبها سمّي الشهر ذو الحجّة بالكسر، وبعضهم يفتح في الشهر، وجمعه ذوات الحجة، وجمع الحاجّ حُجّاجٌ، وحَجِيج. انتهى كلام الفيّوميّ (٣).
وقال الأزهريّ: وأصل الحجّ من قولك حَجَجت فلانًا أحُجّه حجّا: إذا عُدت إليه مرّة بعد أخرى، فقيل: حجّ البيت؛ لأن الناس يأتونه كلّ سنة. وفي "العباب": رجلٌ محجوجٌ: أي مقصود، وقد حجّ بنو فلان فلانًا: إذا أطالوا الاختلاف إليه. ومنه قول المْخُبَّل السَّعديّ [من الطويل]:
وَأَشْهَدُ مِنْ عَوْفٍ حُلُولًا كَثِيرَةً … يَحُجُّونَ سِبَّ الزَّبْرِقَانِ الْمُزَعْفَرَا
يقول: يأتونه مرّة بعد أخرى؛ لسؤدده، والْحُلُول بضمّ الحاء المهملة، يقال: قوم حُلُول: أي نُزُولٌ، وكذلك حلالٌ بالكسر. والسِّبُّ بكسر السين المهملة، وتشديد الباء
стр. 12368
الموحّدة: العمامة. والزِّبْرِقَان -بكسر الزاي، وسكون الباء الموحّدة، وكسر الراء، وبالقاف المخفّفة، وفي آخره نون- وهو في الأصل اسم القمر، وهو لقبُ، واسمه الحصين. قال ابن السّكّيت: لُقّب الزبرقان؛ لصفرة عمامته (١).
وأما معناه شرعًا: فالحجّ قصدٌ إلى زيارة البيت الحرام على وجه التعظيم بأفعال مخصوصة.
وسببه البيت؛ لأنه يضاف إليه، ولهذا لا يجب في العُمْرِ إلا مرّة واحدة؛ لعدم تكرار السبب. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في وقت ابتداء فرض الحجّ:
قال العلاّمة القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "المفهم": واختُلف في زمان فرض الحجّ، فقيل: سنة خمس من الهجرة. وقيل: سنة تسع، وهو الصحيح؛ لأن فتح مكّة كان في التاسع عشر من رمضان سنة ثمان من الهجرة، وحجّ بالناس في تلك السنة عَتّاب بن أَسيد - رضي اللَّه تعالى عنه -، ووقف بالمسلمين، ووقف المشركون على ما كانوا عليه في الجاهليّة، فلما كانت سنة تسع فُرض الحجّ، ثم إن النبيّ ﷺ أَمَرَ أبا بكر، فحجّ بالناس تلك السنة، ثم أتبعه عليّ بن أبي طالب - رضي اللَّه تعالى عنه - بسورة براءة، فقرأها على الناس في الموسم، ونبذ للناس عهدهم، ونادى في الناس أن لا يحجّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عُريان. ووافقت حجة أبي بكر في تلك السنة أن كانت في شهر ذي القعدة، على ما كانوا يديرون الحجّ في كلّ شهر من شهور السنة، فلما كانت سنة عشر حج رسول اللَّه ﷺ حجته المسمّاة بحجة الوداع، على ما يأتي بيانها في حديث جابر وغيره، ووافق النبيّ تلك السنة أن وقع الحجّ في ذي الحجة في زمانه، ووقته الأصليّ، الذي فرضه اللَّه فيه، ولذلك قال ﷺ : "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللَّه السموات والأرض … " الحديث (٢). انتهى كلام القرطبيّ (٣).
وقال في "الفتح": واختُلف في وقت ابتداء فرضه، فقيل: قبل الهجرة، وهو شاذّ. وقيل: بعدها، ثم اختلف في سَنَته، فالجمهور على أنها سنة ستّ؛ لأنها نزل فيها قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، وهذا ينبني على أن المراد بالإتمام ابتداء الفرض، ويؤيّده قراءة علقمة، ومسروق، وإبراهيم النخعيّ بلفظ: "وأقيموا". أخرجه الطبريّ بأسانيد صحيحة عنهم. وقيل: المراد بالإتمام الإكمال بعد الشروع، وهذا يقتضي تقدّم
стр. 12369
فرضه قبل ذلك. وقد وقع في قصّة ضمام بن ثعلبة ذكر الأمر بالحجّ، وكان قدومه على ما ذكر الواقديّ سنة خمس، وهذا يدلّ -إن ثبت- على تقدّمه على سنة خمس، أو وقوعه فيها. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في اختلاف العلماء في كون الحجّ على الفور، أم على التراخي؟:
قال الإمام النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- في "شرح المهذّب": ما حاصله: ذهب إلى أن الحجّ على التراخي الشافعيُّ، والأوزاعيّ، والثوريّ، ومحمد بن الحسن، ونقله الماوَرْدِيُّ عن ابن عبّاس، وأنس، وجابر، وعطاء، وطاوس، - رضي اللَّه تعالى عنهم -.
وذهب إلى أنه على الفور مالك، وأبو يوسف، والمزنيّ، وهو قول جمهور أصحاب أبي حنيفة، ولا نصّ لأبي حنيفة في ذلك.
واحتجّ لهم بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وهذا أمر، والأمر يقتضي الفور، وبحديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -: "من أراد الحجّ فليعجل"، وبالحديث الآخر: "من لم يمنعه من الحجّ حاجة، أو مرضٌ حابسٌ، أو سلطان جائرٌ، فليمت إن شاء يهوديًّا، أو نصرانيًّا". ولأنها عبادة تجب الكفّارة بإفسادها، فوجبت على الفور كالصوم، ولأنها عبادة تتعلّق بقطع مسافة بعيدة كالجهاد، ولأنه إذا لزمه الحجّ، وأخّره، إما أن تقولوا: يموت عاصيًا، وإما غير عاص، فإن قلتم: ليس بعاص خرج الحجّ عن كونه واجبًا، وإن قلتم: عاصٍ، فإن ما أن تقولوا: عصى بالموت، أو بالتأخير، ولا يجوز أن يعصي بالموت؛ إذ لا صنع له فيه، فثبت أنه بالتأخير، فدلّ على وجوبه على الفور.
واحتجّ الأولون القائلون بالتراخي بأن فريضة الحجّ نزلت بعد الهجرة، وفتح رسول اللَّه ﷺ مكّة في رمضان سنة ثمان، وانصرف عنها في شوّال من سنته، واستخلف عتّاب بن أَسِيد، فأقام للناس الحجّ سنة ثمان، بأمر رسول اللَّه ﷺ ، وكان رسول اللَّه ﷺ مقيمًا بالمدينة هو، وأزواجه، وعامّة أصحابه، ثم غزا غزوة تبوك في سنة تسع، وانصرف عنها قبل الحجّ، فبعث أبا بكر - رضي اللَّه تعالى عنه -، فأقام للناس الحجّ سنة تسع، ورسول اللَّه ﷺ ، وأزواجه، وعامّة أصحابه قادرون على الحجّ، غير مشتغلين بقتال، ولا غيره، ثمّ حجّ النبيّ ﷺ بأزواجه، وأصحابه كلّهم سنة عشر، فدلّ على جواز تأخيره. هذا دليل الشافعيّ، وجمهور أصحابه.
قال البيهقيّ: وهذا الذي ذكره الشافعيّ مأخوذ من الأخبار، قال: فأما نزول فرض
стр. 12370
الحجّ بعد الهجرة، فكما قال.
واستدلّ أصحابنا له بحديث كعب بن عجرة - رضي اللَّه تعالى عنه -، قال: وقف عليّ رسول اللَّه ﷺ بالحُدَيبية، ورأسي يَتَهافَت قملًا، فقال: "يؤذيك هوامّك؟ "، قلت: نعم يا رسول اللَّه، قال أبو داود: فقال: "قد آذاك هوامّ رأسك؟ "، قال: نعم، قال: "فاحلق رأسك"، قال: ففيّ نزلت هذه الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ الآية. رواه الشيخان. فثبت بهذا الحديث أن قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ الآية نزلت سنة ستّ من الهجرة، وهذه الآية دالّة على وجوب الحجّ.
وقد أجمع المسلمون على أن الحديبية كانت سنة ستّ من الهجرة في ذي القعدة، وثبت بالأحاديث "الصحيحة" واتفاق العلماء أن النبيّ ﷺ وغزا حُنينًا بعد فتح مكّة، وقسم غنائمها، واعتمر من سنته في ذي القعدة، وكان إحرامه بالعمرة من الجعرانة، ولم يبق بينه وبين الحجّ إلا أيامٌ يسيرة، فلو كان على الفور لم يرجع من مكّة حتى يحجّ مع أنه هو، وأصحابه كانوا حينئذ موسرين، فقد غنموا الغنائم الكثيرة، ولا عذر لهم، ولا قتال، ولا شغل آخر، وإنما آخّره ﷺ عن سنة ثمان بيانًا لجواز التأخير، وليتكامل الإسلام، والمسلمون، فيحجّ بهم حجّةً الوداع، ويحضرها الخلق، فيبلّغوا عنه المناسك، ولهذا قال في حجة الوداع: "ليبلّغ الشاهد منكم الغائب، ولتأخذوا عني مناسككم"، ونزل فيها قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية.
قال أبو زرعة الرازيّ، فيما رويناه عنه: حضر مع رسول اللَّه ﷺ حجة الوداع بمائة ألف، وأربعة عشر ألفًا، كلّهم قد رآه، وسمع منه. فهذا قول الإمام أبي زرعة الذي لم يحفظ أحدٌ من حديث رسول اللَّه ﷺ كحفظه، ولا ما يقاربه.
[فإن قيل]: إنما آخره إلى سنة عشر؛ لتعذّر الاستطاعة؛ لعدم الزاد والراحلة، أو الخوف على المدينة، والاشتغال بالجهاد.
[فجوابه]: ما سبق قريبًا.
واحتجّ أصحابنا أيضًا بحديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه -، قال: نُهينا أن نسأل رسول اللَّه ﷺ عن شيء، فكان يُعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل، فيسأله، ونحن نسمع، فجاء رجل من أهل البادية، فقال: يا محمد أتانا رسولك، فزعم لنا أنك تزعم، أن اللَّه أرسلك، قال: "صدق"، قال: فمن خلق السماء؟، قال: "اللَّه"، قال: فمن خلق الأرض؟، قال: "اللَّه"، قال: فمن نصب هذه الجبال، وجعل فيها ما جعل؟، قال: "اللَّه"، قال: فبالذي خلق السماء، وخلق الأرض، ونصب هذه الجبال،
стр. 12371
آللَّه أرسلك؟، قال: "نعم"، قال: وزعم رسولك، أن علينا خمس صلوات، في يومنا وليلتنا، قال: "صدق"، قال: فبالذي أرسلك، آللَّه أمرك بهذا؟، قال: "نعم"، قال: وزعم رسولك، أن علينا زكاة في أموالنا، قال: "صدق"، قال: فبالذي أرسلك، آللَّه أمرك بهذا؟، قال: "نعم"، قال: وزعم رسولك، أن علينا صوم شهر رمضان، في سنتنا، قال: "صدق"، قال: فبالذي أرسلك، آللَّه أمرك بهذا؟، قال: "نعم"، قال: وزعم رسولك، أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلا، قال: "صدق"، قال: ثم ولَّى، قال: والذي بعثك بالحق، لا أزيد عليهن، ولا أنقص منهن، فقال النبيّ ﷺ : "لئن صدق ليدخلن الجنّة". رواه مسلم بهذا اللفظ، وروى البخاريّ أصله.
وفي راوية للبخاريّ أن هذا الرجل ضمام بن ثعلبة، وقدوم ضمام على النبيّ ﷺ كان سنة خمس من الهجرة. قاله محمد بن حبيب، وآخرون، وقال غيرهم: سنة سبع. وقال أبو عبيد: سنة تسع. وقد صرّح في الحديث بوجوب الحجّ.
وأما الجواب عن احتجاج الحنفيّة بالآية الكريمة، وأن الأمر يقتضي الوجوب، فجوابه نعم يقتضي الفور، لكن إذا لم تقم قرينة تصرفه إلى التراخي، وقد قامت هنا، وهي ما قدمناه من فعل رسول اللَّه ﷺ ، وأكثر أصحابه.
وأما الحديث: "من أراد الحجّ فليعجل"، فإنه ضعيف، وأيضًا أنه حجة لنا لأنه فوّض فعله إلى إرادته، واختياره، ولو كان على الفور لم يفوضه إلى اختياره.
وأما حديث: "فليمت إن شاء يهوديا" فجوابه أنه ضعيف، وأيضًا الذمّ لمن أخّره إلى الموت، ونحن نوافق على تحريم تأخيره إلى الموت، والذي نقول بجوازه هو التأخير بحيث يُفعل قبل الموت. أو أنه محمول على من تركه معتقدًا عدم وجوبه مع الاستطاعة، فهذا كافرٌ، ويؤيّد هذا قوله: "فليمت، إن شاء يهوديا، أو نصرنيًّا". وظاهره أنه يموت كافرًا، ولا يكون ذلك إلا إذا اعتقد عدم وجوبه مع الاستطاعة، وإلا فقد أجمعت الأمة على أن من تمكّن من الحجّ، فلم يحجّ، ومات، لا يحكم بكفره، بل عاص، فوجب تأويل الحديث لو صحّ.
والجواب عن قياسهم على الصوم أنه مُضيَّق، فكان فعله مُضَيَّقًا بخلاف الحجّ.
والجواب عن قياسهم على الجهاد أنه لا نسلّم وجوب الجهاد على الفور، بل هو موكول إلى رأي الإمام بحسب المصلحة في الفور والتراخي. وأيضًا في تأخير الجهاد ضَرَرًا على المسلمين، بخلاف الحجّ.
والجواب عن قولهم: إذا أخّره، ومات هل يموت عاصيًا؟، الصحيح عندنا موته عاصيًا، وإنما عصى لتفريطه بالتأخير إلى الموت، وإنما جاز له التأخير بشرط سلامة
стр. 12372
العاقبة، كما إذا ضرب ولده، أو زوجته، أو ضرب المعلّم الصبيّ، أو عزّر السلطان إنسانًا، فمات، فإنه يجب الضمان؛ لأنه مشروط بسلامة العاقبة. واللَّه تعالى أعلم انتهى كلام النوويّ باختصار، وتصرّف (١).
وقال الحافظ أبو عمر ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى-: ومن الدليل على أن الحجّ على التراخي إجماع العلماء على ترك تفسيق القادر على الحجّ إذا أخّره العامَ والعامين، ونحوهما، وأنه إذا حجّ من بعد أعوام من حين استطاعته، فقد أدّى الحجّ الواجب عليه في وقته، وليس هو عند الجميع كمن فاتته الصلاة حتى خرج وقتها، فقضاها بعد خروج وقتها، ولا كمن فاته صيام رمضان لمرض، أو سفر، فقضاه، ولا كمن أفسد حجّه، فقضاه، فلما أجمعوا على أنه لا يقال لمن حجّ بعد أعوام من وقت استطاعته: أنت قاض لما وجب عليك، علمنا أن وقت الحجّ موسّع فيه، وأنه على التراخي، لا على الفور انتهى كلام ابن عبد البرّ (٢).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تبيّن مما ذكر من الأدلّة أن الأرجح قول من قال: إن وجوب الحجّ على التراخي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): في فوائد الحجّ:
لقد قد اعتنى العلماء بذكر فوائد الحجّ، ومنهم الشاه وليّ اللَّه الدهلويّ ﵀ تعالى، فقد أفاد، وأجاد في كتابه "حجة البالغة" جـ ٢ ص ٤٢ فلنقتصر على ما ذكره، قال -رحمه اللَّه تعالى-: المصالح المرعيّة في الحجّ أمور:
(منها): تعظيم بيت اللَّه تعالى، فإنه من شعائر اللَّه، وتعظيمه تعظيم للَّه تعالى. (ومنها): تحقيق معنى العرضة، فإن لكلّ دولة، أو ملّة اجتماعًا، يتوارده الأقاصي والأداني، ليعرف بعضهم بعضًا، ويستفيدوا أحكام الملّة، ويعظّموا شعائرها، والحجّ عرضة المسلمين، وظهور شوكتهم، واجتماع جنودهم، وتنويه ملّتهم، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ الآية [البقرة: ١٢٥].
(ومنها): موافقة ما توارث الناس عن سيّدنا إبراهيم، وإسماعيل، ﵉، فإنهما إماما الملّة الحنيفية، ومُشَرّعاها للعرب، والنبيّ ﷺ بُعث لتظهر به الملّة الحنيفيّة، وتعلو به كلمتها، وهو قوله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ الآية [الحجّ: ٧٨].، فمن الواجب المحافظة على ما استفاض عن إماميها، كخصال الفطرة، ومناسك الحجّ، وهو
стр. 12373
قوله ﷺ : "قِفُوا على مشاعركم، فإنكم على إرث، من إرث أبيكم إبراهيم" (١).
(ومنها): الاصطلاح على حال يتحقّق بها الرفق لعامّتهم، وخاصّتهم، كنزول منى، والمبيت بمزدلفة، فإنه لو لم يُصطَلَح على مثل هذا لشقّ عليهم، ولو لم يسجّل عليه، لم تجتمع كلمتهم عليه مع كثرتهم، وانتشارهم.
(ومنها): الأعمال التي تُعلِنُ بأن صاحبها موحّد، تابعٌ للحقّ، متديّنٌ بالملّة الحنيفيّة، شاكرٌ للَّه تعالى على ما أنعم على أوائل هذه الملّة، كالسعي بين الصفا والمروة.
(ومنها): أن أهل الجاهليّة كانوا يحجّون، وكان الحجّ أصل دينهم، ولكنّهم خلطوا أعمالًا ما هي مأثورة عن إبراهيم ﵇، وإنما هي اختلاقٌ منهم، وفيها إشراك لغير اللَّه باللَّه تعالى، كتعظيم إساف، ونائلة، وكالإهلال لمناة الطاغية، وكقولهم في التلبية: لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه، وما ملك، ومن حقّ هذه الأعمال أن يُنهى عنها، ويؤكّد ذلك، وأعمالًا انتحلوها، فخرًا، وعجبًا، كقول الحُمْس: نحن قُطّان بيت اللَّه، فلا نخرج من حرم اللَّه، فنزل: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ الآية [البقرة: ١٩٩].
(ومنها): أنهم ابتدعوا قياسات فاسدة، هي من باب التعمّق في الدين، وفيها حرجٌ للناس، ومن حقّها أن تُنسخ، وتُهجَر، كقولهم: يجتنب المحرم دخول البيوت من أبوابها، وكانوا يتسوّرون من ظهورها، ظنًّا منهم أن الدخول من الباب ارتفاق ينافي هيئة الإحرام، فنزل قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ الآية [البقرة: ١٨٩]، وككراهيتهم التجارة في موسم الحجّ، ظنًّا منهم أنها تُخِلّ بإخلاص العمل للَّه تعالى، فنزل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٩٨]، وكاستحبابهم أن يحجّوا بلا زاد، ويقولون: نحن المتوكّلون، وكانوا يضيّقون على الناس، ويعتدون، فنزل قوله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ الآية [البقرة: ١٩٧] انتهى كلام وليّ اللَّه ببعض تصرّف (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب".
…
стр. 12374
١ - (بَابُ وُجُوبِ الْحَجِّ)
قال العلاّمة ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى-: الحجّ أحد الأركان الخمسة التي بني عليها الإسلام، والأصل في وجوبه الكتاب، والسنّة، والإجماع، أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. رُوي عن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، قال: ومن كفر باعتقاده أنه غير واجب. وقال اللَّه تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ الآية [البقرة: ١٩٦]. وأما السنّة فقول النبيّ ﷺ : "بُنِي الإسلام على خمس … " وذكر منها الحجّ. ثم أورد حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى - عنه المذكور في الباب. انتهى (١).
وقال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- في "المفهم": وأجمع المسلمون على وجوب الحجّ في الجملة، وأنه مرّة في العمر، ولوجوبه شروطٌ، وهي العقل، والبلوغ، والاستطاعة، على ما يأتي تفصيلها، وهذه الشروط هي المتّفق عليها، فأما الإسلام، فقد اختلف العلماء فيه، هل هو من شروط الوجوب، أو من شروط الأداء، وأما الحرّية، فالجمهور على اشتراطها في الوجوب، وفيها خلاف انتهى (٢).
وقال في "الفتح": وجوب الحجّ معلوم من الدين بالضرورة، وأجمعوا على أنه لا يتكرّر، إلا لعارض، كالنذر انتهى (٣). واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٦١٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ الْمُخَرِّمِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ - وَاسْمُهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ- قَالَ: حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ مُسْلِمٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ, فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ , قَدْ فَرَضَ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ» , فَقَالَ رَجُلٌ: فِي كُلِّ عَامٍ؟ , فَسَكَتَ عَنْهُ, حَتَّى أَعَادَهُ ثَلَاثًا, فَقَالَ: «لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ, لَوَجَبَتْ, وَلَوْ وَجَبَتْ, مَا قُمْتُمْ بِهَا, ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ, فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ, وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ, فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالشَّيْءِ, فَخُذُوا بِهِ مَا اسْتَطَعْتُمْ, وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ, فَاجْتَنِبُوهُ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (محمد بن عبد اللَّه بن المبارك الْمُخَرِّمِيُّ) أبو جعفر البغدادي، ثقة حافظ [١١]
стр. 12375
٤٣/ ٥٠.
٢ - (المغيرة بن سلمة أبو هشام) المخزومي البصري، ثقة ثبت، من صغار [٩] ٢٨/ ٨١٥.
٣ - (الربيع بن مسلم) الْجُمَحيّ، أبو بكر البصريّ، ثقة [٧].
قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: شيخ ثقة. وقال أبو داود: هو أروى الناس عن محمد ابن زياد. وقال العجليّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". ذكره ابن أبي عاصم فيمن مات سنة (١٦٧). روى له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والباقون، سوى ابن ماجه وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٤ - (محمد بن زياد) الجمحيّ مولاهم، أبو الحارث المدنيّ، نزيل البصرة، ثقة ثبت، ربما أرسل [٣] ٨٩/ ١١٠.
٥ - (أبو هريرة) ﵁ ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. ومنها: أن رجاله كلهم رجال الصحيح. ومنها: أنه مسلسل بثقات البصريين غير شيخه فبغدادي والصحابي فمدني. ومنها: أن فيه أبا هريرة ﵁ رأس المكثرين من الرواية، روى (٥٣٧٤) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ) وفي رواية مسلم: "خطبنا رسول اللَّه ﷺ ". أي خطب لنا عام فُرِضَ الحجُّ، أو ذكر لنا أثناء خطبة من خطبه. ثمّ إنه يمتنع أن تكون هذه الخطبة في الحجّ؛ لأنه ﷺ إنما حجّ في العاشر، وفرض الحجّ كان سابقًا، قيل: سنة خمس. وقيل: ست. وقيل: تسع، إلا أن يكون قاله أيضًا في حجة الوداع. أفاده الأبيّ (١).
(فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ ، قَدْ فَرَضَ عَلَيكُمُ الْحَجَّ") ولفظ مسلم: "يا أيها الناس، قد فُرض عليكم الحجّ، فحُجُّوا" (فَقَالَ: رَجُلٌ) هو الأقرع بن حابس التميميّ، كما بينه حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - التالي (فِي كُلِّ عَامٍ؟) أي هو مفروض في كلّ عام، فالجارّ والمجرور خبر لمحذوف، كما قدرناه. ولفظ مسلم: "أكلَّ عام يا رسول اللَّه؟ " بالنصب على أنه مفعول لفعل مقدّر، أي نحُجّ كلّ عام، أو نحو ذلك.
قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: واختلف الأصوليّون في أنّ الأمر هل يقتضي
стр. 12376
التكرار؟، والصحيح عند أصحابنا لا يقتضيه، والثاني يقتضيه، والثالث يتوقّف فيما زاد على مرّة على البيان، فلا يُحكم باقتضائه، ولا بمنعه، وهذا الحديث قد يَستدلّ به من يقول بالتوقّف؛ لأنه سأل، فقال: "أكلّ عام؟ "، ولو كان مطلقه يقتضي التكرار، أو عدمه لم يسأل، ولقال له النبيّ ﷺ : لا حاجة إلى السؤال، بل مطلقه محمول على كذا. وقد يُجيب الآخرون بأنه سأل استظهارًا واحتياطًا. وقوله: "ذروني ما تركتكم" ظاهر في أنه لا يقتضي التكرار.
وقال الماورديّ: ويحتمل أنه إنما احتمل التكرار عنده من وجه آخر؛ لأن الحجّ في اللغة قصد فيه تكررٌ، فاحتمل عنده التكرار من جهة الاشتقاق، لا من مطلق الأمر.
قال: وقد تعلّق بما ذكرناه عن أهل اللغة ها هنا من قال بإيجاب العمرة، وقال: لَمّا كان قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ الآية [آل عمران: ٩٧] يقتضي تكرار قصد البيت بحكم اللغة، والاشتقاق، وقد أجمعوا على أن الحجّ لا يجب إلا مرّة، كانت العودة الأخرى إلى البيت تقتضي كونها عمرة؛ لأنه لا يجب قصده لغير حجّ وعمرة بأصل الشرع انتهى (١).
وقال القاري: والأظهر أن مبنى السؤال قياسه على سائر الأعمال، كالصلاة، والصوم، والزكاة، ولم يدر أن تكراره كلّ عام بالنسبة إلى جميع المكلّفين من المحال، كما لا يخفى انتهى (٢).
(فَسَكَتَ) ﷺ (عَنْهُ) أي عن ردّ الجواب عن سؤاله (حَتَّى أَعَادَهُ ثَلَاثًا) أي حتى أعاد الرجل السائل الكلمة التي قالها ثلاث مرّات.
قال التوربشتيّ: إنما سكت النبيّ ﷺ زجرًا له عن السؤال الذي كان السكوت عنه أولى؛ لأن الرسول ﷺ إنما بُعث لبيان الشريعة، فلم يكن ليسكت عن بيان أمر عَلِم أن بالأمة حاجةً إلى الكشف عنه، فالسؤال عن مثله تقدُّمٌ بين يدي رسول اللَّه ﷺ ، وقد نُهُوا عنه، بقوله تعالى: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، والإقدام عليه ضرب من الجهل، وشرٌّ، فيه احتمال أن يعاقبوا بزيادة التكليف، وإليه أشار ﷺ بقوله: "لو قلت: نعم لوجبت".
ثم لَمّا رآه ﷺ لا ينزجر، ولا يقنع إلا بالجواب الصريح صرّح به (٣) (فَقَالَ: "لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ) أي فرضًا وتقديرًا، ولا يبعد أن يكون سكوته ﷺ انتظارًا للوحي.
قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: فيه دليلٌ للمذهب الصحيح أنه ﷺ كان له أن يجتهد
стр. 12377
في الأحكام، ولا يشترط في حكمه أن يكون بوحي. وقيل: يشترط. وهذا القائل يُجيب عن هذا الحديث بأنه لعله أوحي إليه ذلك. واللَّه أعلم انتهى (١).
وقال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: استُدِلَّ به على أنّ النبيّ ﷺ -كان له أن يجتهد في الأحكام؛ لقوله: "لو قلت: نعم لوجبت"، ولا يشترط في حكمه أن يكون بوحي. وأجاب من منع باحتمال أن يكون أوحي إليه ذلك في الحال انتهى (٢).
وقال السنديّ: قيل: وهذا بظاهره يقتضي أن أمر افتراض الحجّ كلّ عام كان مفوّضًا إليه، حتى لو قال: نعم لحصل، وليس بمستبعد، إذ يجوز أن يأمر اللَّه تعالى بالإطلاق، ويفوّض أمر التقييد إلى الذي فوّض إليه البيان، فهو إن أراد أن يبقيه على الإطلاق يبقيه عليه، وإن أراد أن يقيّده بكلّ عام يقيّده به.
ثم فيه إشارة إلى كراهة السؤ الذي النصوص المطلقة، والتفتيش عن قيودها، بل ينبغي العمل بها على إطلاقها، حتى يظهر فيها قيد، وقد جاء القرآن موافقًا لهذه الكراهة -يعني قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ الآية-. انتهى. (٣)
(لَوَجَبَتْ) أي هذه العبادة، أو فريضة الحجّ المدلول عليها بقوله: "قد فَرَضَ"، أو الحجة كلّ عام، أو حجج كثيرة على كلّ أحد (وَلَوْ وَجَبَتْ، مَا قُمْتُمْ بِهَا) أي ما قدرتم كلّكم على القيام بأدائها في كلّ عام، فتقعون بذلك في حرج عظيم (ذَرُونِي) وفي رواية البخاريّ: "دعوني" أي اتركوني من السؤال عن القيود في المطلقات. قال في "القاموس": ذَرْه: أي دَعْه، يَذَرُه تركًا، ولا تقل: وَذْرًا، وأصله وَذِرَهُ يَذَرُهُ، كوَسِعَه يَسَعُهُ، لكن ما نطقوا بما ضيه، ولا بمصدره، ولا باسم الفاعل. أو قيل: وَذِرْتُهُ شاذًّا انتهى.
قال في "الفتح" بعد أن ذكر أن مسلما أخرجه مطوّلًا -يعني كرواية المصنّف-: ما نصّه: وأخرجه الدارقطنيّ مختصرًا، وزاد فيه: "فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾، وله شاهد عن ابن عبّاس، عند الطبريّ في "التفسير"، وفيه: "لو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت لما استطعتم، فاتركوني ما تركتكم … " الحديث، وفيه فأنزل اللَّه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ﴾ الآية انتهى (٤).
стр. 12378
(مَا تَرَكتُكُمْ) أي لأني مبعوث لبيان الشرائع، وتبليغ الأحكام، فما كان مشروعًا أبيّنه لكم لا مَحَالَةَ، ولا حاجة إلى السؤال.
وقال السنديّ: "ما" مصدرية ظرفيّة، أي مدّة تركي إياكم عن التكليف بالقيود فيها، وليس المراد لا تطلبوا مني العلم ما دام لا أبينُ لكم بنفسي. انتهى (١).
وقال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: قوله: "ما تركتكم" أي مدّة تركي إياكم بغير أمر بشيء، ولا نهي عن شيء. وإنما غاير بين اللفظين؛ لأنهم أماتوا الماضي، واسمَ الفاعل منهما، واسمَ مفعولهما، وأثبتوا الفعل المضارع، وهو "يَذَرُ"، وفعل الأمر، وهو "ذَرّ"، ومثله "دَعْ"، و"يَدَعُ"، ولكن سمع "وَدَعَ"، كما قُرىء به في الشاذّ في قوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ٣]، قرأ بذلك إبراهيم بن أبي عَبْلَة، وطائفة، وقال الشاعر [من الطويل]:
وَنَحْنُ وَدَعْنَا آلَ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ … فَرَائِسَ أَطْرَافِ الْمُثَقَّفَةِ السُّمْرِ
ويحتمل أن يكون ذكر ذلك على سبيل التفنّن في العبارة، وإلا لقال: اتركوني.
والمراد بهذا الأمر ترك السؤال عن شيء لم يقع، خشية أن ينزل به وجوبه، أو تحريمه، وعن كثرة السؤال؛ لما فيه غالبًا من التعنّت، وخشية أن تقع الإجابة بأمر يُستثقَلُ، فقد يؤدّي لترك الامتثال، فتقع المخالفة.
وقال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: قوله: "ذروني ما تركتكم": يعني لا تكثروا من الاستفصال عن المواضع التي تكون مقيّدَةً بوجهٍ مّا ظاهرٍ، وإن كانت صالحة لغيره، وبيانُ ذلك: أن قوله: "فحُجّوا"، وإن كان صالحًا للتكرار، فينبغي أن يُكتَفَى بما يصدُق عليه اللفظ، وهو المرّة الواحدة، فإنها مدلولةُ اللفظ قطعًا، وما زاد عليها يتغافل عنه، ولا يُكثَر السؤال فيه؛ لإمكان أن يكثر الجواب المترتّب عليه، فيضاهي ذلك قصّة بقرة بني إسرائيل، التي قيل لهم فيها: اذبحوا بقرة، فلو اقتصروا على ما يصدق عليه اللفظ، وبادروا إلى ذبح بقرة، أيّ بقرة كانت لكانوا ممتثلين، لكن لما أكثروا السؤال كثُر عليهم الجواب، فشدّدوا، فشُدّد عليهم، فذُمّوا على ذلك، فخاف النبيّ ﷺ منه مثل هذا على أمته، ولذلك قال: "فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم"، وعلى هذا يُحمل قوله: "فإذا أمرتكم بشيء، فائتوا منه ما استطعتم"، يعني بشيء مطلق، كما إذا قال: صم، أو صلّ، أو تصدّق. فيكفي من ذلك أقلّ ما ينطلق عليه الاسم، فيصوم يومًا، ويصلّي ركعتين، ويتصدّق بشيء يُتصدّق بمثله، فإن قيّد شيئًا من ذلك بقيود، ووصفه بأوصاف
стр. 12379
لم يكن بدّ من امتثال أمره على ما فصَّلَ، وقَيَّدَ، وإن كان فيه أشدّ المشقّات، وأشدّ التكاليف، وهذا مما لا يُختَلَف فيه إن شاء اللَّه تعالى أنه المراد بالحديث انتهى كلام القرطبيّ (١).
وقد أخرج البزّار، وابن أبي حاتم في "تفسيره" من طريق أبي رافع، عن أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه -، مرفوعًا: "لو اعترض بنوا إسرائيل أدنى بقرة، فذبحوها، لكفتهم، ولكن شَدَّدُوا، فشدّد اللَّه عليهم". وفي السند عبّاد بن منصور، وحديثه من قبيل الحسن. وأورده الطبريّ، عن ابن عبّاس، موقوفًا. وعن أبي العالية، مقطوعًا. ذكره في "الفتح" (٢).
(فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) أي من اليهود والنصارى (بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ) كسؤال الرؤية، والكلام، وقضيّة البقرة.
ولفظ البخاريّ من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: "فإنما أهلك من كان قبلكم سُؤَالُهُمْ". قال في "الفتح": قوله: "فإنما أهلك" بفتحات (٣)، وقال بعد ذلك: "سؤالهم" بالرفع على أنه فاعل "أهلك". وفي رواية غير الكشميهنيّ: "أُهلك" بضمّ أوله، وكسر اللام، وقال بعد ذلك: "بسؤالهم" أي بسبب سؤالهم. وقوله: "واختلافهم" بالرفع، وبالجرّ على الوجهين. ووقع في غير رواية همام عند أحمد بلفظ: "فإنما أُهْلِكَ"، وفيه "بسؤالهم"، ويتعيّن الجرّ في "واختلافهم". وفي رواية الزهريّ: "فإنما هَلَكَ"، وفيه "سؤالُهم"، ويتعيّن الرفع في "واختلافهم". وأما قول النوويّ في "أربعينه": و"اختلافهم" برفع الفاء، لا بكسرها، فإنه باعتبار الرواية التي ذكرها، وهي التي من طريق الزهريّ انتهى (٤).
(وَاختِلَافِهِمْ) عطف على "كثرة السؤال"، لا على "السؤال"، إذ الاختلاف، وإن قلّ يؤدّي إلى الهلاك. ويحتمل أنه عطف على "سؤالهم"، فهو إِخْبَارًا عمن تقدّم بأنه كَثُرَ اختلافهم في الواقع، فأدّاهم إلى الهلاك، وهو لا ينافي أن القليل من الاختلاف مؤدّ إلى الفساد. قاله السنديّ (٥).
(عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ) يعني أنهم إذا أمرهم الأنبياء بعد السؤال، أو قبله اختلفوا عليهم،
стр. 12380
فهلكوا، واستحقّوا الإهلاك.
قال الأبّيّ: قوله: "واختلافهم على أنبيائهم" هو زيادة على ما وقع، فإن الذي وقع إنما هو الإلحاح في السؤال، لا الاختلاف انتهى (١).
(فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالشَّيْءِ) وفي نسخة: "بشيء"، ولمسلم: "بأمر". وفي رواية: "وما أمرتكم به" (فَخُذُوا بهِ مَا اسْتَطَعْتُمْ) أي خذوا من ذلك الأمر قدر استطاعتكم. وفي رواية: "فأتوا منه مَا استطعتم"، وفي رواية: "وإذا أمرتكم بالأمر، فأتمروا ما استطعتم".
قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: هذا من قواعد الإسلام المهمة، ومن جوامع الكلم التي أعطيها ﷺ ، ويدخل فيه ما لا يُحصَى من الأحكام، كالصلاة بأنواعها، فإذا عجز عن بعض أركانها، أو بعض شروطها أتى بالباقي، وإذا عجز عن بعض أعضاء الوضوء، أو الغسل غسل الممكن، وإذا وجد بعض ما يكفيه من الماء لطهارته، أو لغسل النجاسة، فعل الممكن، وإذا وجبت إزالة منكرات، أو فطرة جماعة من تلزمه نفقتهم، أو نحو ذلك، وأمكنه البعض فعل الممكن، وإذا وجد ما يستر بعض عورته، أو حَفِظَ بعض الفاتحة أتى بالممكن، وأشباه هذا غير منحصرة، وهي مشهورة في كتب الفقه، والمقصود التنبيه على أصل ذلك انتهى كلام النوويّ (٢).
وقال غيره: فيه أن من عجز عن بعض الأمور لا يسقط عنه المقدور، وعبّر عنه بعض الفقهاء بأنّ الميسور لا يسقط بالمعسور، كما لا يسقط ما قدر عليه من أركان الصلاة بالعجز عن غيره، وتصحّ توبة الأعمى عن النظر المحرّم، والمجبوب عن الزنا؛ لأن الأعمى، والمجبوب قادران على الندم، فلا يسقط عنهما بعجزهما عن العزم على عدم العود؛ إذ لا يُتصوّر منهما العود عادة، فلا معنى للعزم على عدمه انتهى (٣).
وقال النوويّ: وهذا الحديث موافق يقول اللَّه تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. وأما قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] ففيها مذهبان: أحدهما: أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. والثاني: -وهو الصحيح، أو الصواب، وبه جزم المحققون أنها ليس منسوخةً، بل قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ مفسّرة لها، ومبيّنة للمراد بها. قالوا: وحقّ تقاته، هو امتثال أمره، واجتناب نهيه، ولم يأمر اللَّه سبحانه، وتعالى إلا بالمستطاع، قال اللَّه تعالى: ﴿لَا
стр. 12381
﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحجّ: ٧٨]. واللَّه تعالى أعلم انتهى (١).
وقال في "الفتح": وزعم بعضهم أن قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ نَسَخَ قولَهُ تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾، والصحيح أن لا نسخ، بل المراد بـ "حقّ تقاته" امتثال أمره، واجتناب نهيه مع القدرة، لا مع العجز انتهى (٢).
(وَاِذَا نَهْيتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ) أي من المحرمات (فَاجْتَنِبُوهُ") أي اتركوه كلّه.
قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: يعني أن النهي على نقيض الأمر، وذلك أنه لا يكون ممتَثَلًا بمقتضى النهي حتى لا يفعل واحدًا من آحاد ما يتناوله النهي، ومن فعل واحدًا فقد خالف، وعصى، فليس في النهي إلا ترك ما نهي عنه مطلقًا دائمًا، وحينئذ يكون ممتثلًا لترك ما أمر بتركه، بخلاف الأمر على ما تقدّم.
وهذا الأصل إذا فُهِم هو ومسألة مطلق الأمر؛ هل يُحمل على الفور، أو التراخي، أو على المرّة الواحدة، أو على التكرار؟ وفي هذا الحديث أبوابٌ من الفقه لا تخفى. انتهى كلام القرطبيّ (٣).
وقال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: وأما قوله: "وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه" فهو على إطلاقه، فإن وُجد عذرٌ يبيحه، كأكل الميتة عند الضرورة، وشرب الخمر عند الإكراه، أو التلفّظ بكلمة الكفر إذا أُكره، ونحو ذلك، فهذا ليس منهيًّا عنه في هذا الحال. واللَّه أعلم انتهى كلام النوويّ (٤).
وقال في "الفتح": ثم إن هذا النهي عامّ في جميع المناهي، ويُستثنى من ذلك ما يكره المكلف على فعله، كشرب الخمر، وهذا على رأي الجمهور.
وخالف قوم، فتمسّكوا بالعموم، فقالوا: الإكراه على ارتكاب المعصية لا يُبيحها. والصحيح عدم المؤاخذة إذا وُجد صورة الإكراه المعتبرة. واستثنى بعض الشافعيّة من ذلك الزنا، فقال: لا يُتصوّر الإكراه عليه، وكأنه أراد التمادي فيه، وإلا فلا مانع أن يَنْعَظَ (٥) الرجل بغير سبب، فيكره على الإيلاج حينئذ، فيولج في الأجنبيّة، فإن مثل ذلك ليس بمحال، ولو فعله مختارًا لكان زانيًا، فتصوّر الإكراه على الزنا.
стр. 12382
وقال في موضع آخر: وقال ابن فرج في "شرح الأربعين": قوله: "فاجتنبوه" هو على إطلاقه حتى يوجد ما يُبيحه، كأكل الميتة عند الضرورة، وشرب الخمر عند الإكراه، والأصل في ذلك جواز التلفّظ بكلمة الكفر إذا كان القلب مطمئنًّا بالإيمان، كما نطق به القرآن انتهى.
والتحقيق أن المكلّف في ذلك كلّه ليس منهيًّا عنه في تلك الحال.
وأجاب الماورديّ بأن الكفّ عن المعاصي ترك، وهو سهلٌ، وعمل الطاعة فعلٌ، وهو يشقّ، فلذلك لم يُبَح ارتكاب المعصية، ولو مع العذر؛ لأنه ترك، والترك لا يعجز المعذور عنه، وأباح ترك العمل بالعذر؛ لأن العمل قد يعجز المعذور عنه.
وادّعى بعضهم أن قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ يتناول امتثال المأمور، واجتناب المنهيّ عنه، وقد قيد بالاستطاعة، واستويا، فحينئذ يكون الحكمة في تقييد الحديث بالاستطاعة في جانب الأمر دون النهي أن العجز يكثر تصوّره في الأمر، بخلاف النهي، فإن تصوّر العجز فيه محصور في الاضطرار. انتهى ما في "الفتح" (١) وهو بحث نفيس جدًّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١/ ٢٦١٩ - وفي "الكبرى" ١/ ٣٥٩٨. وأخرجه (خ) في "كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة" ٧٢٨٨ (م) في "الحجّ" ١٣٣٧ (ت) في "العلم" ٢٦٧٩ (ق) في "المقدّمة" ١ و ٢ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ٧٣٢٠ و ٧٤٤٩ و ٢٧٣٦١ و ٨٤٥٠ و ٩٢٣٩ و ٩٤٨٨ و ٩٥٧٧ و ٢٧٢٥٨ و ٩٨٩٠ و ٢٧٣١٢ و ١٠٢٢٩. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان وجوب الحجّ (ومنها): أن الحجّ لا يتكرّر وجوبه، بل هو مرّة في العمر.
قال الخطّابيّ -رحمه اللَّه تعالى-: لا خلاف في أن الحجّ لا يتكرّر وجوبه، إلا أن هذا الإجماع إنما حصل بدليل، أما نفس اللفظ فقد يوهم التكرار، ولذا سأل السائل، فإن
стр. 12383
الحجّ في اللغة قصدٌ فيه تكرار انتهى (١).
(ومنها): أنه يدلّ على أن المسلم إذا حج مرّة، ثم ارتدّ عن الإسلام -والعياذ باللَّه- ثم أسلم أنه لا يلزمه إعادة الحجّ. وهذا مذهب الشافعي -رحمه اللَّه تعالى-، وذهب أبو حنيفة، وأصحابه، ومالك -رحمهم اللَّه تعالى- إلى أن المرتدّ لو عاد إلى الإسلام لا تعود إليه حسنات أعماله، ولكن لا يلزمه إعادة ما أدّاه منها قبل الرّدّة، إلا الحجّ، فيلزمه إعادته؛ لأن وقته العمر، فلما أحبط حجه بالردّة، ثم أدرك وقته مسلمًا لزمه، وكذا يلزمه إعادة فرض أدّاه، فارتد، ثم أسلم في الوقت (٢).
(ومنها): أن جميع الأشياء على الإباحة حتى يثبت دليل المنع من قبل الشارع (ومنها): أنه استدلّ به من قال: إن النبيّ ﷺ كان يجتهد في الأحكام؛ لقوله: "ولو قلت: نعم، لوجبت". وأجاب من منع ذلك باحتمال أن يكون أوحي إليه ذلك في الحال، والقول بالمنع أرجح؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾. واللَّه تعالى أعلم.
(ومنها): أن من أُمر بشيء، فعجز عن بعضه، ففعل المقدور أنه يسقط عنه ما عجز عنه. وبذلك استدلّ المزنيّ -رحمه اللَّه تعالى- على أنّ ما وجب أداؤه لا يجب قضاؤه، ومن ثمّ كان الصحيح أن القضاء بأمر جديد (ومنها): أن اعتناء الشارع بالمنهيّات فوق اعتنائه بالمأمورات؛ لأنه أطلق الاجتناب في المنهيّات، ولو مع المشقّة في الترك، وقيّد في المأمورات بقدر الطاقة. وهذا منقول عن الإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى-.
[فإن قيل]: إن الاستطاعة معتبرة في النهي أيضًا؛ إذ ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.
[أجيب]: بأن الاستطاعة تطلق باعتبارين. قال الحافظ: كذا قيل، والذي يظهر أن التقييد في الأمر بالاستطاعة لا يدلّ على المدّعَى من الاعتناء به، بل هو من جهة الكفّ، إذ كلّ أحد قادر على الكفّ، لولا داعية الشهوة مثلًا، فلا يُتصوّر عدم الاستطاعة عن الكفّ، بل كلّ مكلّف قادرٌ على الترك، بخلاف الفعل، فإن العجز عن تعاطيه محسوس، فمن ثمّ قُيّد في الأمر بحسب الاستطاعة، دون النهي.
وعبّر الطوفي في هذا الموضع بأن ترك المنهيّ عنه عبارة عن استصحاب حال عدمه، أو الاستمرار على عدمه، وفعل المأمور به عبارة عن إخراجه من العدم إلى الوجود. وقد نوزع بأن القدرة على استصحاب عدم المنهيّ عنه قد تتخلّف.
стр. 12384
واستدلّ له بجواز أكل المضطرّ الميتة. وأجيب بأن النهي في هذا عارضه الإذن بالتناول في تلك الحالة.
(ومنها): أنه استُدلّ به على أن المكروه يجب اجتنابه؛ لعموم الأمر باجتناب المنهيّ عنه، فشمل الواجب والمندوب. وأجيب بأن قوله: "فاجتنبوه" يُعمل به في الإيجاب والندب بالاعتبارين، ويجيء مثل هذا السؤال وجوابه في الجانب الآخر، وهو الأمر.
وقال الفاكهانيّ: النهي يكون تارة مع المانع من النقيض، وهو المحرّم، وتارة لا معه، وهو المكروه، وظاهر الحديث يتناولهما.
(ومنها): أنه استدلّ به على أن المباح ليس مأمورًا به؛ لأن التأكيد في الفعل إنما يناسب الواجب والمندوب، وكذا عكسه.
وأجيب بأن من قال: المباح مأمور به، لم يُرد الأمر بمعنى الطلب، وإنما أراد بالمعنى الأعمّ، وهو الإذن.
(ومنها): أنه استدلّ به على أن الأمر لا يقتضي التكرار، ولا عدمه. وقيل: يقتضيه.
وقيل: بل يُتوقّف فيما زاد على مرّة. وحديث الباب يتمسّك به لذلك؛ لما في سببه أن السائل قال في الحجّ: "أكلّ عام؟ "، فلو كان مطلقه يقتضي التكرار، أو عدمه لم يحسُن السؤال، ولا العناية بالجواب. وقد يقال: إنما سأل استظهارًا واحتياطًا.
وقال المازريّ: يحتمل أن يقال: إن التكرار إنما احتمل من جهة أن الحجّ في اللغة قصد فيه تكرارٌ، فاحتمل عند السائل التكرار من جهة اللغة، لا من صيغة الأمر.
وقد تمسّك به من قال بإيجاب العمرة؛ لأن الأمر بالحجّ إذا كان معناه تكرار قصد البيت بحكم اللغة والاشتقاق، وقد ثبت في الإجماع أن الحجّ لا يجب إلا مرّة، فيكون العود إليه مرّة أخرى دالًّا على وجوب العمرة. وسيأتي الكلام على هذا في الباب التالي، إن شاء اللَّه تعالى.
(ومنها): أنه استُدلّ به على النهي عن كثرة المسائل، والتعمّق في ذلك.
قال البغويّ -رحمه اللَّه تعالى- في "شرح السنّة": المسائل على وجهين: "أحدهما": ما كان على وجه التعليم لما يُحتاج إليه من أمر الدين، فهو جائز، بل مأمور به؛ لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ الآية [النحل: ٤٣]، وعلى ذلك تتنزّل أسئلة الصحابة - رضي اللَّه تعالى عنهم - عن الأنفال، والكلالة، وغيرهما.
"ثانيهما": ما كان على وجه التعنّت والتكلّف، وهو المراد في هذا الحديث. واللَّه أعلم.
ويؤيّده ورود الزجر في الحديث عن ذلك، وذمّ السلف، فعند أحمد من حديث
стр. 12385
معاوية: "أن النبيّ ﷺ نهى عن الأغلوطات". قال الأوزاعيّ: هي شداد المسائل، وقال الأوزاعيّ أيضًا: إن اللَّه إذا أراد أن يحرم عبده بركة العلم ألقى على لسانه المغاليط، فلقد رأيتهم أقلّ الناس علما. وقال ابن وهب: سمعت مالكًا يقول: المراء في العلم يذهب بنور العلم من قلب الرجل. وقال ابن العربيّ: كان النهي عن السؤال في العهد النبويّ خشية أن ينزل ما يشقّ عليهم، فأما بعده فقد أُمِن ذلك، لكن أكثر النقل عن السلف بكراهة الكلام في المسائل التي لم تقع. قال: وإنه لمكروه إن لم يكن حرامًا إلا للعلماء، فإنهم فرّعوا، ومهّدوا، فنفع اللَّه من بعدهم بذلك، ولا سيّما مع ذهاب العلماء، ودروس العلم انتهى ملخّصا.
قال الحافظ: وينبغي أن يكون محلّ الكراهة للعالم، إذا شغله ذلك عمّا هو أهمّ منه.
وكان ينبغي تلخيص ما يكثر وقوعه مجرّدًا عما يندر، ولا سيّما في المختصرات؛ ليسهل تناوله. واللَّه المستعان انتهى.
(ومنها): أن فيه إشارةً إلى الاشتغال بالأهمّ المحتاج إليه عاجلًا عما لا يحتاج إليه في الحال، فكأنه قال: عليكم بفعل الأوامر، واجتناب النواهي، فاجعلوا اشتغالكم بها عوضًا عن الاشتغال بالسؤال عما لم يقع.
فينبغي للمسلم أن يبحث عما جاء عن اللَّه تعالى ورسوله ﷺ ، ثم يجتهد في تفهّم ذلك، والوقوف على المراد به، ثم يتشاغل بالعمل به، فإن كان من العلميّات يتشاغل بتصديقه، واعتقاد أحقيّته، وإن كان من العمليّات بذَلَ وُسْعه في القيام به، فعلًا وتركًا، فإن وجد وقتًا زائدًا على ذلك فلا بأس بأن يصرفه في الاشتغال بتعرّف حكم ما سيقع على قصد العمل به أن لو وقع، فأما إن كانت الهمّة مصروفةٌ عند سماع الأمر والنهي إلى فرض أمور قد تقع، وقد لا تقع مع الإعراض عن القيام بمقتضى ما سمع، فإن هذا مما يدخل في النهي، فالتفقّه في الدين إنما يُحمد إذا كان للعمل، لا للمراء والجدل (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): عقد الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في "صحيحه" في "كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة" بابًا مهمًّا جدًّا، له شدّة ارتباط بحديث الباب، وكتب الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- في شرحه كلامًا نفيسًا أحببت إيراده تتميمًا للفائدة، ونشرًا للعائدة، قال -رحمه اللَّه تعالى-:
стр. 12386
"باب ما يكره من كثرة السؤال، وتكلّف ما لا يعنيه، وقول اللَّه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ " [المائدة: ١٠١]. ثم ساق بسنده عن سعد بن أبي وقّاص - رضي اللَّه تعالى عنه -، أن النبيّ ﷺ قال: "إن أعظم المسلمين جُرْمًا من سأل عن شيء، لم يُحرِّم، فحرّم من أجل مسألته"، ثم أورد بعده ثمانية أحاديث.
قال الشارح -رحمه اللَّه تعالى-: كأنه يريد أن يستدلّ بالآية على المدّعَى من الكراهة، وهو مصير منه إلى ترجيح بعض ما جاء في تفسيرها، وقد ذكرتُ الاختلاف في سبب نزولها في "تفسير سورة المائدة"، وترجيح ابن المنيّر أنه في كثرة المسائل عما كان، وعمّا لم يكن، وصنيع البخاريّ يقتضيه، والأحاديث التي ساقها في الباب تؤيّده. وقد اشتدّ إنكار جماعة من الفقهاء ذلك، منهم:
القاضي أبو بكر بن العربيّ، فقال: اعتقد قوم من الغافلين منع السؤال عن النوازل إلى أن تقع تعلّقًا بهذه الآية، وليس كذلك؛ لأنها مصرّحة بأن المنهيّ عنه ما تقع المسألة في جوابه، ومسائل النوازل ليست كذلك انتهى.
قال الحافظ: وهو كما قال؛ لأن ظاهرها اختصاص ذلك بزمان نزول الوحي، ويؤيّده حديث سعد الذي صدّر به المصنّف الباب: "من سأل عن شيء، لم يحرّم، فحرّم من أجل مسألته"، فإن مثل ذلك قد أُمن وقوعه، ويدخل في معنى حديث سعد ما أخرجه البزار، وقال: سنده صالح، وصححه الحاكم، من حديث أبي الدرداء - رضي اللَّه تعالى عنه -، رفعه: "ما أحلّ اللَّه في كتابه، فهو حلال، وما حرّم فهو حرام، وما سكت عنه، فهو عفو، فاقبلوا من اللَّه عافيته، فإن اللَّه لم يكن ينسى شيئًا، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ ". وأخرج الدارقطنيّ من حديث أبي ثعلبة - رضي اللَّه تعالى - عنه، رفعه: "إن اللَّه فرض فرائض، فلا تضيّعوها، وحدّ حدودًا، فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم، غيرَ نسيان، فلا تبحثوا عنها". وله شاهد من حديث سلمان - رضي اللَّه تعالى عنه -، أخرجه الترمذيّ. وآخر من حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى - عنهما، أخرجه أبو داود. وقد أخرج مسلم، وأصله في البخاريّ، من طريق ثابت، عن أنس - رضي اللَّه تعالى عنه -، قال: "كنّا نُهينا أن نسأل رسول اللَّه ﷺ عن شيء، وكان يعجبنا أن يجيء الرجل العاقل من أهل البادية، فيسأله، ونحن نسمع … " فذكر الحديث. وللبخاريّ في قصّة اللعان من حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -: "فكره رسول اللَّه ﷺ المسائل، وعابها". ولمسلم عن النوّاس بن سمعان ﵁، قال: "أقمت مع رسول اللَّه ﷺ سنة بالمدينة ما يمنعني من الهجرة إلا المسألة، كان أحدنا إذا هاجر لم يسأل النبيّ ﷺ ". ومراده أنه قدم وافدًا، فاستمرّ بتلك الصورة لِيُحَصِّلَ
стр. 12387
المسائل، خشية أن يخرج من صفة الوفد إلى استمرار الإقامة، فيصير مهاجرًا، فيمتنع عليه السؤال. وفيه إشارة إلى أن المخاطب بالنهي عن السؤال غير الأعراب، وفودًا كانوا، أو غيرهم.
وأخرج أحمد عن أبي أُمامة - رضي اللَّه تعالى عنه -، قال: لَمّا نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ الآية. كنّا قد اتقينا أن نسأله ﷺ ، فأتينا أعرابيًّا، فرشوناه بُردًا، وقلنا: سل النبيّ ﷺ . ولأبي يعلى عن البراء: "إن كان ليأتي عليّ السَّنَةُ أريد أن أسأل رسول اللَّه ﷺ عن الشيء، فأتهيّب، وإن كنّا لنتمنّى الأعراب -أي قدومهم؛ ليسألوا، فيسمعوا هم أجوبة سؤالات الأعراب، فيستفيدوها-.
وأما ما ثبت في الأحاديث من أسئلة الصحابة، فيحتمل أن يكون قبل نزول الآية. ويحتمل أن النهي في الآية لا يتناول ما يحتاج إليه مما تقرّر حكمه، أو مالهم بمعرفته حاجةٌ راهنةٌ، كالسؤال عن الذبح بالقصب، والسؤال عن وجوب طاعة الأمراء، إذا أَمروا بغير الطاعة، والسؤال عن أحوال يوم القيامة، وما قبلها من الملاحم والفتن، والأسئلة التي في القرآن، كسؤالهم عن الكلالة، والخمر، والميسر، والقتال في الشهر الحرام، واليتامى، والمحيض، والنساء، والصيد، وغير ذلك، لكن الذين تعلّقوا بالآية في كراهية كثرة المسائل عما لم يقع أخذوه بطريق الإلحاق من جهة أن كثرة السؤال لما كانت سببًا للتكليف بما يشقّ، فحقّها أن تُجتنب.
وقد عقد الإمام الدارميّ -رحمه اللَّه تعالى- في أوائل "مسنده" لذلك بابًا، وأورد فيه عن جماعة من الصحابة والتابعين آثارًا كثيرةً في ذلك، منها:
عن ابن عمر: "لا تسألوا عما لم يكن، فإني سمعت عمر يلعن السائل عما لم يكن". وعن عمر: "أحرّج عليكم أن تسألوا عما لم يكن، فإن لنا فيما كان شغلًا".
وعن زيد بن ثابت أنه كان إذا سئل عن الشيء يقول: كان هذا، فإن قيل: لا، قال: دعوه حتى يكون. وعن أُبي بن كعب، وعن عمّار كذلك. وأخرج أبو داود في "المراسيل" من رواية يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، مرفوعًا. ومن طريق طاوس، عن معاذ، رفعه: "لا تعجلوا بالبليّة قبل نزولها، فإنكم إن تفعلوا لم يزل في المسلمين من إذا قال سُدّد، أو وفّق، وإن عجلتم تشتّت بكم السبل". وهما مرسلان، يقوّي بعضٌ بعضًا. ومن وجه ثالث عن أشياخ الزبير بن سعيد، مرفوعًا: "لا يزال في أمتي من إذا سُئل سُدّد، وأُرشد، حتى يتساءلوا عما لم ينزل" … الحديث نحوه.
قال بعض الأئمة: والتحقيق في ذلك أن البحث عما لا يوجد فيه نصّ على قسمين:
(أحدهما): أن يُبحث عن دخوله في دلالة النصّ على اختلاف وجوهها، فهذا
стр. 12388
مطلوب، لا مكروه، بل ربّما كان فرضًا على من تعيّن عليه من المجتهدين.
(ثانيهما): أن يدقّق النظر في وجوه الفروق، فيفرّق بين متماثلين بفرق ليس له أثرٌ في الشرع مع وجود وصف الجمع، أو بالعكس، بأن يجمع بين مترّقين بوصف طرديّ مثلًا، فهذا الذي ذمّه السلف، وعليه ينطبق حديث ابن مسعود، رفعه: "هلك المتنطّعون". أخرجه مسلم، فرأوا أن فيه تضييع الزمان بما لا طائل تحته، ومثله الإكثار من التفريع على مسألة لا أصل لها في الكتاب، ولا في السنّة، ولا الإجماع، وهي نادرة الوقوع جدًّا، فيصرف فيها زمانًا كان صرفه في غيرها أولى، ولا سيّما إن لزم من ذلك إغفال التوسّع في بيان ما يكثر وقوعه، وأشدّ من ذلك في كثرة السؤال، البحثُ عن أمور مغيبة ورد الشرع بالإيمان بها، مع ترك كيفيتها، ومنها ما لا يكون له شاهد في عالم الحسّ، كالسؤال عن وقت الساعة، وعن الروح، وعن مدّة هذه الأمّة، إلى أمثال ذلك مما لا يُعرف إلا بالنقل الصِّرْف، والكثير منه لم يثبت فيه شيء، فيجب الإيمان به من غير بحث، وأشدّ من ذلك ما يوقع كثرة البحث عنه في الشكّ والحيرة.
وقال بعض الشرّاح مثال التنطع في السؤال حتى يفضي بالمسؤول إلى الجواب بالمنع بعد أن يفتي بالإذن أن يسأل عن السِّلَعِ التي توجد في الأسواق، هل يكره شراؤها ممن هي في يده من قبل البحث عن مصيرها إليه، أو لا؟، فيجيبه بالجواز، فإن عاد، فقال: أخشى أن يكون من نهب، أو غصب، ويكون ذلك الوقت قد وقع شيء من ذلك في الجملة، فيحتاج أن يجيبه بالمنع، ويقيّد ذلك، إن ثبت شيء من ذلك حرم، وإن تردّد كره، أو كان خلاف الأولى، ولو سكت السائل عن هذا التنطّع لم يزد المفتي على جوابه بالجواز.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: في التمثيل للتنطّع في السؤال بهذا المثال نظر لا يخفى لمن تأمّل. واللَّه تعالى أعلم.
قال: وإذا تقرّر ذلك، فمن يسدّ باب المسائل حتى فاته معرفة كثير من الأحكام التي يكثر وقوعها، فإنه يقلّ فَهْمُهُ وعلمه، ومن توسّع في تفريع المسائل، وتوليدها، ولا سيّما فيما يقلّ وقوعه، أو يندر، ولا سيّما إن كان الحامل على ذلك المباهاة والمغالبة، فإنه يذمّ فعله، وهو عين الذي كرهه السلف.
ومن أمعن في البحث عن معاني كتاب اللَّه، محافظًا على ما جاء في تفسيره عن رسول اللَّه ﷺ ، وعن أصحابه الذين شاهدوا التنزيل، وحصل من الأحكام ما يستفاد من منطوقه، ومفهومه، وعن معاني السنّة، وما دلّت عليه كذلك، مقتصرًا على ما يصلح للحجّيّة منها، فإنه الذي يُحمَد، ويُتنفع به، وعلى ذلك يُحمل عمل فقهاء الأمصار، من التابعين، فمن
стр. 12389
بعدهم حتى حدثت الطائفة الثانية، فعارضتها الطائفة الأولى، فأكثر بينهم المراء والجداله، وتولّدت البغضاء، وتسمَّوْا خُصُومًا، وهم من أهل دين واحد، والواسط هو المعتدل من كلّ شيء، وإلى ذلك يشير قوله ﷺ في حديث الباب: "فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم"، فإن الاختلاف يجرّ إلى عدم الانقياد.
وهذا كلّه من حيث تقسيم المشتغلين بالعلم.
وأما العمل بما ورد في الكتاب والسنّة، والتشاغل به، فقد وقع الكلام في أيّهما أولى، والإنصاف أن يقال: كلُّ ما زاد على ما هو في حقّ المكلّف فرض عين، فالناس فيه على قسمين: مَنْ وجد في نفسه قوّةً على الفهم، والتحرير، فتشاغله بذلك أولى من إعراضه عنه، وتشاغلِهِ بالعبادة؛ لما فيه من النفع المتعدّي. ومن وجد في نفسه قصورًا، فإقباله على العبادة أولى لعسر اجتماع الأمرين (١)، فإن الأول لو ترك العلم لأوشك أن يضيع بعض الأحكام بإعراضه. والثاني لو أقبل على العلم، وترك العبادة فاته الأمران؛ لعدم حصول الأول له، وإعراضه به عن الثاني انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بَحْثٌ نفيس جدًّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعمِ الوكيل.
٢٦٢٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا مُوسَى بْنُ سَلَمَةَ, قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْجَلِيلِ بْنُ حُمَيْدٍ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ أَبِي سِنَانٍ الدُّؤَلِيِّ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ, فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَتَبَ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ» , فَقَالَ: الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ: كُلُّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ , فَسَكَتَ, فَقَالَ: «لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ, ثُمَّ إِذًا لَا تَسْمَعُونَ, وَلَا تُطِيعُونَ, وَلَكِنَّهُ حَجَّةٌ وَاحِدَةٌ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم تقدّموا غير اثنين:
١ - (موسى بن سلمة) بن أبي مريم المصريّ، مولى بني جُمَح، مقبول [٧].
قال أبو عمر الكنديّ: كان من أكتب الناس للعلم في زمانه. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن القطّان: مجهول. قال ابن يونس: يقال: مات سنة (١٦٣) ولم يُسِنّ. انفردٍ به المصنّف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٢ - (أبو سنان الدؤليّ) يزيد بن أميّة المدنيّ، مشهور بكيته، ويقال: اسمه ربيعة، ثقة [٢].
قال أبو زرعة: ثقة. وقال أبو حاتم: وُلد زَمَن أحد. وذكره ابن حبّان في "الثقات"،
стр. 12390
وقال: أراده هشام بن إسماعيل على أن يسبّ عليًّا فأبى. وذكر هذه الحكاية البخاريّ في "تاريخه الكبير" بإسناده. وذكره في "الأوسط" في "فصل من مات ما بين الثمانين إلى التسعين". وذكره ابن عبد البرّ في "أسماء الصحابة".
روى له أبو داود، والمصنّف، وابن ماجه حديث الباب فقط.
و"محمد بن يحيى بن عبد اللَّه النيسابوريّ": هو الإمام الحافظ الثبت الذهليّ [١١] ١٩٦/ ٣١٤.
و"سعيد بن أبي مريم": هو سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم بن أبي مريم الجمحيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ الثقة الثبت الفقيه، من كبار [١٠] ٣/ ٢٠٩٨.
و"عبد الجليل بن حُميد": هو اليحصبيّ، أبو مالك المصريّ، لا بأس به [٧] ٢٨/ ٢٤٩٢. من أفراد المصنّف.
وشرح الحديث يُعلم مما قبله.
وقوله: "ثم إذًا لا تسمعون" أي ثم إذا وجبت كلّ عام لا تسمعون سماع قبول.
وقوله: "لا تطيعون" كالتميم للأول، والتأكيد له، أو لبيان أن الطاعة تنتفي أصالة؛ لتعذّرها، أو تعسّرها؛ لاستلزام انتفاء السمع انتفاءها. واللَّه تعالى أعلم. قاله السنديّ -رحمه اللَّه تعالى- (١).
والحديث صحيح، أخرجه المصنّف هنا -١/ ٢٦٢٠ - وفي "الكبرى" ١/ ٣٥٩٩. وأخرجه (د) في "المناسك" ١٧٢١ (ق) في "المناسك" ٢٨٨٦ (أحمد) في "مسند بني هاشم" ٢٣٠٤ و ٢٦٣٧ و ٣٥٠٠ (الدارمي) في "المناسك" ١٧٨٨.
[تنبيه]: [فإن قيل]: كيف يصحّ هذا الحديث، وفي سنده موسى بن سلمة، وقد تقدّم عن ابن القطّان أنه قال مجهول، وقال في "التقريب": مقبول، يعني أنه يحتاج إلى متابع؟.
[أجيب]: بأن للحديث عدّة طرق يصحّ بها، فقد أخرجه أبو داود رقم -١٧٢١ - من طريق سفيان حسين، عن الزهريّ، بلفظ: أن الأقرع بن حابس، سأل النبيّ ﷺ ، فقال: يا رسول اللَّه الحجّ في كلّ سنة، أو مرّة واحدةً؟ قال: "بل مرّةً واحدة، فمن زاد، فهو تطوّع".
وسفيان بن حسين، عن الزهريّ، وإن كان فيه مقال، لكنه يصلح للمتابعات.
ورواه أحمد ج ١ ص ٣٠١ و ٣٢٣ و ٣٢٥ - من طريق سماك، عن عكرمة. وسماك،
стр. 12391
عن عكرمة، وإن كان فيه مقال، لكنه يصلح للمتابعات.
ورواه البيهقيّ ج ٤ ص ٣٢٦ - من طريق سليمان بن كثير، عن الزهريّ، بلفظ: "قال: خطبنا رسول اللَّه ﷺ ، قال: "يا أيها الناس إن اللَّه كتب عليكم الحجّ، فقام الأقرع بن حابس، فقال: أفي كلّ عام يا رسول اللَّه؟، قال: لو قلتها لو وجبت، ولو وجبت لم تعملوا بها، ولم تستطيعوا أن تعملوا بها، الحجُّ مرّة، فمن زاد فهو تطوّع".
قال البيهقيّ: تابعه سفيان بن حسين، ومحمد بن أبي حفصة، عن الزهريّ، عن أبي سنان انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وسليمان عن الزهريّ، وإن تكلم فيه بعضهم، لكن قد احتجّ به مسلم، وأخرج له البخاريّ في المتابعات، وقال ابن عديّ: له عن الزهريّ أحاديث صالحة، ولا بأس به (١)، وقد تابعه سفيان بن حسين، ومحمد بن أبي حفصة.
والحاصل أن حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح؛ لما ذُكر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب".
…
٢ - (وُجُوبُ الْعُمْرَةِ)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على وجوب العمرة. "العمرة" -بضم العين المهملة، وسكون الميم-: في اللغة الزيارة. قال الشاعر:
يُهِلُّ بِالْفَرْقَدِ رُكْبَانُهَا … كَمَا يُهِلُّ الرَّاكِبُ الْمُعْتَمِرُ (٢)
وقيل: هي القصد، يقال: اعتمر الأمرَ: أمّه، وقصد له، قال العجاج:
لَقَدْ غَزَا ابْنُ مَعْمَرٍ حِينَ اعْتَمَرْ … مَغْزًى بَعِيدًا مِنْ بَعِيدٍ وَضَبَرْ (٣)
وقيل: القصد إلى مكان عامر. وقيل: إنها مشتقّة من عمارة المسجد الحرام، وفي
стр. 12392
الشرع: زيارة البيت الحرام، وقصده بكيفيّة مخصوصة. وقيل: هي في الشرع إحرام، وسعي، وطواف، وحلق، أو تقصير، سميت بذلك؛ لأنه يزار بها البيت، ويقصد.
وقال الراغب: العمارة: نقيض الخراب، والاعتمار، والعمرة: الزيارة التي فيها عمارة الودّ، وجعل في الشريعة للقصد المخصوص انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٦٢١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ سَالِمٍ, قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ أَوْسٍ, يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي رَزِينٍ (٢) , أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ, لَا يَسْتَطِيعُ الْحَجَّ, وَلَا الْعُمْرَةَ, وَلَا الظَّعْنَ, قَالَ: «فَحُجَّ عَنْ أَبِيكَ, وَاعْتَمِرْ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن عبد الأعلى) الصنعاني، ثم البصري، ثقة [١٠] ٥/ ٥.
٢ - (خالد) بن الحارث الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصري، ثقة ثبت [٨] ٤٢/ ٤٧.
٣ - (شعبة) الحجاج الإمام الحجة المشهور [٧] ٢٤/ ٢٧.
٤ - (النعمان بن سالم) الطائفي، ثقة [٤] ٦٧/ ٨٣.
٥ - (عمرو بن أوس) الثقفي الطائفي التابعي الكبير، ثقة [٢] ١٧/ ٦٥٣.
٦ - (أبو رَزين) العُقَيلي، واسمه لَقِيط -بفتح اللام، وكسر القاف- ابن عامر بن صَبِرة -بفتح الصاد المهملة، وكسر الموحّدة- ابن عبد اللَّه بن المُنْتَفِقِ بن عامر بن عُقَيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صَعْصَعَة، صحابي مشهور ﵁، روى له المصنف في هذا الكتاب برقم ٨٧ و ١١٤ و ٢٦٢١ و ٢٦٣٧ و ٤٢٣٣ وتقدمت ترجمته في ٧١/ ٨٧. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وأن رجاله رجال الصحيح، غير الصحابيّ فإنه من رجال الأربعة، وأن نصفه الأول. مسلسل بالبصريين، والثاني بالطائفيين، وفيه رواية تابعي عن تابعي، وأن صحابيه من المقلين من الرواية فليس له في الكتب الأربعة إلا نحو تسعة أحاديث، راجع، تحفة الأشراف" جـ ٨ ص ٣٣٢ - ٣٣٤. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِيِ رَزِينٍ) الْعُقَيليّ ﵁، (أَنَّهُ قَالَ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ، لَا
стр. 12393
يَسْتَطِيعُ الْحَجَّ، وَلَا الْعُمْرَةَ) أي ماشيًا بنفسه (وَلَا الظَّعْنَ) -بفتحتين، أو بفتح، فسكون، والأولى معجمة، والثانية مهملة، أي الركوب على الدابة، يقال: ظَعَنَ يَظعَن -بالفتح فيهما- من باب منع، ظَعْنًا، ويحرّك: إذا سار، وأظعنه سيّره، والظعينة: الْهَوْدَج، فيه امرأةٌ، أم لا؟، جمعه ظُعْنٌ بالسكون، وظَعُنٌ بضمتين، وأَظْعان، والمرأة ما دامت في الهَوْدَج. أفاده في "القاموس".
وقال الفيّوميّ: ظَعَنَ ظَعْنًا، من باب نَفَع: ارتحل، والاسم ظَعَنٌ -بفتحتين- ويتعدّى بالهمزة، وبالحرف، فيقال: أظعنته، وظَعَنت به، والفاعل ظاعنٌ، والمفعول مظعون، والأصل مظعون به، لكن حُذفت الصلة لكثرة الاستعمال انتهى.
والمراد به هنا أنه لا يستطيع الركوب، وحاصل ما ذكره الرجل عن أبيه أنه لا يَقوَى على السير، ولا على الركوب؛ لكبر سنّه (قَالَ) ﷺ (فَحُجَّ عَنْ أَبِيكَ، وَاعْتَمِرْ) أي إذا كان أبوك لا يستطيع الحجّ، ولا العمرة، كما وصفته، فحجّ أنت بدلًا عنه، واعتمر.
[تنبيه]: قال الحافظ وليّ الدين العراقيّ -رحمه اللَّه تعالى-: في هذا الحديث ردّ على ابن بشكوال، حيث قال في "مبهماته" في حديث: أنّ رجلًا قال: يا رسول اللَّه أين أبي؟، قال: "أبوك في النار": إنه أبو رزين العُقَيلي، فإن مقتضاه أن أباه كان كافرًا محكومًا له بالنار، وهذا الحديث يدلّ على أنه مسلم، مخاطب بالحجّ انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي رزين - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢/ ٢٦٢١ - وفي "الكبرى" ٢/ ٣٦٠٠. وأخرجه (د) في "المناسك" ١٨١٠ (ت) في "الحجّ" ٩٣٠ (ق) في "المناسك" ٢٩٠٦ (أحمد) في "مسند المدنيين" ١٥٧٥١ و ١٥٧٥٧ و ١٥٧٦٦. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما بوّب له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان وجوب العمرة، واستدلال
стр. 12394
المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بهذا الحديث على وجوب العمرة واضح، وقد سبقه إلى ذلك الإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى-، فقد أخرج البيهقيّ في "سننه الكبرى" بسنده إلى أحمد بن سلمة، قال: سألت مسلم بن الحجّاج عن هذا الحديث -يعني حديث أبي رزين هذا- فقال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: لا أعلم في إيجاب العمرة حديثًا أجود من هذا، ولا أصحّ منه، ولم يُجَوِّده أحد كما جوّده شعبة انتهى (١). وسيأتي بيان مذاهب العلماء في حكم العمرة في المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالى.
(ومنها): مشروعيّة النيابة عمن لا يستطيع الحجّ ولا العمرة، كالشيخ الكبير (ومنها): وجوب الحجّ والعمرة على من وجد مالًا، ولم يستطع أن يحجّ بنفسه، لاستطاعة بغيره، وهو مذهب الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى-، وسيأتي بيان الخلاف في ذلك في -٩/ ٢٦٣٥ - إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في وجوب العمرة:
ذهب الجمهور إلى أن العمرة واجبة، وممن نقل عنه هذا: عمر، وابن عبّاس، وابن عمر، وجابر، وطاوس، وعطاء، وابن المسيّب، وسعيد بن جُبير، والحسن البصريّ، وابن سيرين، والشعبيّ، ومسروق، وأبو بردة بن أبي موسى الأشعريّ، وعبد اللَّه بن شدّاد، والثوريّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وداود، ذكره النوويّ في "المجموع" (٢)، وبه قال ابن حزم، وزاد في "المحلّى": زيدَ بن ثابت، وابن مسعود، وعلي بن الحسن، ونافعا مولى ابن عمر، وهشام بن عروة، والحكم بن عتيبة، وقتادة، والأوزاعيّ قال: ولا يصحّ عن أحد من الصحابة خلاف لهم في هذا، إلا رواية ساقطة من طريق أبي معشر، عن إبراهيم أن عبد اللَّه قال: العمرة تطوّع، والصحيح عنه خلاف هذا كما ذكرنا، قال: ولا من التابعين، إلا إبراهيم النخعي وحده، وروايةً عن الشعبيّ، قد صحّ عنه خلافها، كما ذكرنا.
وذهب مالك، وأبو حنيفة، وأبو ثور إلى أنها سنة، وليست بواجبة، وحكاه ابن المنذر عن النخعيّ (٣).
وإلى المذهب الأول ميلُ المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، كما أوضحه في ترجمته، جازمًا، حيث "باب وجوب العمرة"، وإليه ميلُ الإمام البخاريّ أيضًا في "صحيحه"، حيث قال: "باب وجوب العمرة، وفضلها"، وقال ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -:
стр. 12395
ليس أحدٌ إلا وعليه حجة وعمرة. وقال ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -: إنها لقرينتها في كتاب اللَّه : ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] انتهى.
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وجزم المصنّف بوجوب العمرة، وهو متابع في ذلك للمشهور عن الشافعيّ، وأحمد، وغيرهما، من أهل الأثر، والمشهور عن المالكية أن العمرة تطوّع، وهو قول الحنفيّة.
واستدلّوا بما رواه الحجّاج بن أرطاة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر: أَتى أعرابيّ النبيّ ﷺ ، فقال: يا رسول اللَّه أخبرني عن العمرة، أواجبة هي؟، فقال: "لا، وأن تعتمر خيرٌ لك". أخرجه الترمذيّ. والحجّاج ضعيف. وقد روى ابن لَهِيعة، عن عطاء، عن جابر، مرفوعًا: "الحجّ والعمرة فريضتان". أخرجه ابن عديّ. وابن لهيعة ضعيف، ولا يثبت في هذا الباب عن جابر شيء، بل رَوَى ابن الجهم المالكيّ بإسناد حسن عن جابر: "ليس مسلم إلا عليه عمرة". موقوف على جابر.
واستدلّ الأولون بما ذُكر في هذا الباب، وبقول صُبَيّ بن مَعْبَد لعمر: رأيت الحجّ والعمرة مكتوبين عليّ، فأهللت بهما، فقال له: هُديت لسنّة نبيّك". أخرجه أبو داود.
وروى ابن خزيمة وغيره في حديث عمر لسؤال جبريل عن الإيمان، والإِسلام، فوقع فيه: "وأن تحجّ، وتعتمر"، وإسناده قد أخرجه مسلم، لكن لم يسق لفظه، وبأحاديث أخرى غير ما ذُكر، وبقول اللَّه تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ الآية [البقرة: ١٩٦] أي أقيموهما. وزعم الطحاويّ أن معنى قول ابن عمر: " العمرة واجبة" أي وجوب كفاية. ولا يخفى بُعدُه مع اللفظ الوارد عن ابن عمر، فقد أخرجه ابن خزيمة، والدارقطنيّ، والحاكم بإسناد صحيح، عن نافع، أن ابن عمر كان يقول: ليس من خلق اللَّه أحد إلا عليه حجة وعمرة واجبتان من استطاع سبيلًا، فمن زاد فهو خير وتطوّع. وقال سعيد بن أبي عروبة، في "المناسك": عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: الحجّ والعمرة فريضتان.
وأثر ابن عبّاس وصله الشافعيّ، وسعيد بن منصور، بإسناد صحيح. انتهى ما في "الفتح" بتصرّف (١).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما ذهب إليه الجمهور، من وجوب العمرة، هو الحقّ؛ لقوة الأدلة، ومن أقواها حديث الباب، كما أسلفته عن الإمام أحمد -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في كلامه السابق في المسألة الماضية، ومنها الآية المذكورة. ومن قال: إن المراد