← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 12391–12430 · переход к 12396.

стр. 12391

عن عكرمة، وإن كان فيه مقال، لكنه يصلح للمتابعات. ورواه البيهقيّ ج ٤ ص ٣٢٦ - من طريق سليمان بن كثير، عن الزهريّ، بلفظ: "قال: خطبنا رسول اللَّه ﷺ ، قال: "يا أيها الناس إن اللَّه كتب عليكم الحجّ، فقام الأقرع بن حابس، فقال: أفي كلّ عام يا رسول اللَّه؟، قال: لو قلتها لو وجبت، ولو وجبت لم تعملوا بها، ولم تستطيعوا أن تعملوا بها، الحجُّ مرّة، فمن زاد فهو تطوّع". قال البيهقيّ: تابعه سفيان بن حسين، ومحمد بن أبي حفصة، عن الزهريّ، عن أبي سنان انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وسليمان عن الزهريّ، وإن تكلم فيه بعضهم، لكن قد احتجّ به مسلم، وأخرج له البخاريّ في المتابعات، وقال ابن عديّ: له عن الزهريّ أحاديث صالحة، ولا بأس به (١)، وقد تابعه سفيان بن حسين، ومحمد بن أبي حفصة. والحاصل أن حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح؛ لما ذُكر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب". … ٢ - (وُجُوبُ الْعُمْرَةِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على وجوب العمرة. "العمرة" -بضم العين المهملة، وسكون الميم-: في اللغة الزيارة. قال الشاعر: يُهِلُّ بِالْفَرْقَدِ رُكْبَانُهَا … كَمَا يُهِلُّ الرَّاكِبُ الْمُعْتَمِرُ (٢) وقيل: هي القصد، يقال: اعتمر الأمرَ: أمّه، وقصد له، قال العجاج: لَقَدْ غَزَا ابْنُ مَعْمَرٍ حِينَ اعْتَمَرْ … مَغْزًى بَعِيدًا مِنْ بَعِيدٍ وَضَبَرْ (٣) وقيل: القصد إلى مكان عامر. وقيل: إنها مشتقّة من عمارة المسجد الحرام، وفي

стр. 12392

الشرع: زيارة البيت الحرام، وقصده بكيفيّة مخصوصة. وقيل: هي في الشرع إحرام، وسعي، وطواف، وحلق، أو تقصير، سميت بذلك؛ لأنه يزار بها البيت، ويقصد. وقال الراغب: العمارة: نقيض الخراب، والاعتمار، والعمرة: الزيارة التي فيها عمارة الودّ، وجعل في الشريعة للقصد المخصوص انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٦٢١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ سَالِمٍ, قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ أَوْسٍ, يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي رَزِينٍ (٢) , أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ, لَا يَسْتَطِيعُ الْحَجَّ, وَلَا الْعُمْرَةَ, وَلَا الظَّعْنَ, قَالَ: «فَحُجَّ عَنْ أَبِيكَ, وَاعْتَمِرْ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن عبد الأعلى) الصنعاني، ثم البصري، ثقة [١٠] ٥/ ٥. ٢ - (خالد) بن الحارث الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصري، ثقة ثبت [٨] ٤٢/ ٤٧. ٣ - (شعبة) الحجاج الإمام الحجة المشهور [٧] ٢٤/ ٢٧. ٤ - (النعمان بن سالم) الطائفي، ثقة [٤] ٦٧/ ٨٣. ٥ - (عمرو بن أوس) الثقفي الطائفي التابعي الكبير، ثقة [٢] ١٧/ ٦٥٣. ٦ - (أبو رَزين) العُقَيلي، واسمه لَقِيط -بفتح اللام، وكسر القاف- ابن عامر بن صَبِرة -بفتح الصاد المهملة، وكسر الموحّدة- ابن عبد اللَّه بن المُنْتَفِقِ بن عامر بن عُقَيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صَعْصَعَة، صحابي مشهور ﵁، روى له المصنف في هذا الكتاب برقم ٨٧ و ١١٤ و ٢٦٢١ و ٢٦٣٧ و ٤٢٣٣ وتقدمت ترجمته في ٧١/ ٨٧. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وأن رجاله رجال الصحيح، غير الصحابيّ فإنه من رجال الأربعة، وأن نصفه الأول. مسلسل بالبصريين، والثاني بالطائفيين، وفيه رواية تابعي عن تابعي، وأن صحابيه من المقلين من الرواية فليس له في الكتب الأربعة إلا نحو تسعة أحاديث، راجع، تحفة الأشراف" جـ ٨ ص ٣٣٢ - ٣٣٤. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِيِ رَزِينٍ) الْعُقَيليّ ﵁، (أَنَّهُ قَالَ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ، لَا

стр. 12393

يَسْتَطِيعُ الْحَجَّ، وَلَا الْعُمْرَةَ) أي ماشيًا بنفسه (وَلَا الظَّعْنَ) -بفتحتين، أو بفتح، فسكون، والأولى معجمة، والثانية مهملة، أي الركوب على الدابة، يقال: ظَعَنَ يَظعَن -بالفتح فيهما- من باب منع، ظَعْنًا، ويحرّك: إذا سار، وأظعنه سيّره، والظعينة: الْهَوْدَج، فيه امرأةٌ، أم لا؟، جمعه ظُعْنٌ بالسكون، وظَعُنٌ بضمتين، وأَظْعان، والمرأة ما دامت في الهَوْدَج. أفاده في "القاموس". وقال الفيّوميّ: ظَعَنَ ظَعْنًا، من باب نَفَع: ارتحل، والاسم ظَعَنٌ -بفتحتين- ويتعدّى بالهمزة، وبالحرف، فيقال: أظعنته، وظَعَنت به، والفاعل ظاعنٌ، والمفعول مظعون، والأصل مظعون به، لكن حُذفت الصلة لكثرة الاستعمال انتهى. والمراد به هنا أنه لا يستطيع الركوب، وحاصل ما ذكره الرجل عن أبيه أنه لا يَقوَى على السير، ولا على الركوب؛ لكبر سنّه (قَالَ) ﷺ (فَحُجَّ عَنْ أَبِيكَ، وَاعْتَمِرْ) أي إذا كان أبوك لا يستطيع الحجّ، ولا العمرة، كما وصفته، فحجّ أنت بدلًا عنه، واعتمر. [تنبيه]: قال الحافظ وليّ الدين العراقيّ -رحمه اللَّه تعالى-: في هذا الحديث ردّ على ابن بشكوال، حيث قال في "مبهماته" في حديث: أنّ رجلًا قال: يا رسول اللَّه أين أبي؟، قال: "أبوك في النار": إنه أبو رزين العُقَيلي، فإن مقتضاه أن أباه كان كافرًا محكومًا له بالنار، وهذا الحديث يدلّ على أنه مسلم، مخاطب بالحجّ انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي رزين - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٢/ ٢٦٢١ - وفي "الكبرى" ٢/ ٣٦٠٠. وأخرجه (د) في "المناسك" ١٨١٠ (ت) في "الحجّ" ٩٣٠ (ق) في "المناسك" ٢٩٠٦ (أحمد) في "مسند المدنيين" ١٥٧٥١ و ١٥٧٥٧ و ١٥٧٦٦. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما بوّب له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان وجوب العمرة، واستدلال

стр. 12394

المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بهذا الحديث على وجوب العمرة واضح، وقد سبقه إلى ذلك الإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى-، فقد أخرج البيهقيّ في "سننه الكبرى" بسنده إلى أحمد بن سلمة، قال: سألت مسلم بن الحجّاج عن هذا الحديث -يعني حديث أبي رزين هذا- فقال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: لا أعلم في إيجاب العمرة حديثًا أجود من هذا، ولا أصحّ منه، ولم يُجَوِّده أحد كما جوّده شعبة انتهى (١). وسيأتي بيان مذاهب العلماء في حكم العمرة في المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): مشروعيّة النيابة عمن لا يستطيع الحجّ ولا العمرة، كالشيخ الكبير (ومنها): وجوب الحجّ والعمرة على من وجد مالًا، ولم يستطع أن يحجّ بنفسه، لاستطاعة بغيره، وهو مذهب الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى-، وسيأتي بيان الخلاف في ذلك في -٩/ ٢٦٣٥ - إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في وجوب العمرة: ذهب الجمهور إلى أن العمرة واجبة، وممن نقل عنه هذا: عمر، وابن عبّاس، وابن عمر، وجابر، وطاوس، وعطاء، وابن المسيّب، وسعيد بن جُبير، والحسن البصريّ، وابن سيرين، والشعبيّ، ومسروق، وأبو بردة بن أبي موسى الأشعريّ، وعبد اللَّه بن شدّاد، والثوريّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وداود، ذكره النوويّ في "المجموع" (٢)، وبه قال ابن حزم، وزاد في "المحلّى": زيدَ بن ثابت، وابن مسعود، وعلي بن الحسن، ونافعا مولى ابن عمر، وهشام بن عروة، والحكم بن عتيبة، وقتادة، والأوزاعيّ قال: ولا يصحّ عن أحد من الصحابة خلاف لهم في هذا، إلا رواية ساقطة من طريق أبي معشر، عن إبراهيم أن عبد اللَّه قال: العمرة تطوّع، والصحيح عنه خلاف هذا كما ذكرنا، قال: ولا من التابعين، إلا إبراهيم النخعي وحده، وروايةً عن الشعبيّ، قد صحّ عنه خلافها، كما ذكرنا. وذهب مالك، وأبو حنيفة، وأبو ثور إلى أنها سنة، وليست بواجبة، وحكاه ابن المنذر عن النخعيّ (٣). وإلى المذهب الأول ميلُ المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، كما أوضحه في ترجمته، جازمًا، حيث "باب وجوب العمرة"، وإليه ميلُ الإمام البخاريّ أيضًا في "صحيحه"، حيث قال: "باب وجوب العمرة، وفضلها"، وقال ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -:

стр. 12395

ليس أحدٌ إلا وعليه حجة وعمرة. وقال ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -: إنها لقرينتها في كتاب اللَّه : ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] انتهى. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وجزم المصنّف بوجوب العمرة، وهو متابع في ذلك للمشهور عن الشافعيّ، وأحمد، وغيرهما، من أهل الأثر، والمشهور عن المالكية أن العمرة تطوّع، وهو قول الحنفيّة. واستدلّوا بما رواه الحجّاج بن أرطاة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر: أَتى أعرابيّ النبيّ ﷺ ، فقال: يا رسول اللَّه أخبرني عن العمرة، أواجبة هي؟، فقال: "لا، وأن تعتمر خيرٌ لك". أخرجه الترمذيّ. والحجّاج ضعيف. وقد روى ابن لَهِيعة، عن عطاء، عن جابر، مرفوعًا: "الحجّ والعمرة فريضتان". أخرجه ابن عديّ. وابن لهيعة ضعيف، ولا يثبت في هذا الباب عن جابر شيء، بل رَوَى ابن الجهم المالكيّ بإسناد حسن عن جابر: "ليس مسلم إلا عليه عمرة". موقوف على جابر. واستدلّ الأولون بما ذُكر في هذا الباب، وبقول صُبَيّ بن مَعْبَد لعمر: رأيت الحجّ والعمرة مكتوبين عليّ، فأهللت بهما، فقال له: هُديت لسنّة نبيّك". أخرجه أبو داود. وروى ابن خزيمة وغيره في حديث عمر لسؤال جبريل عن الإيمان، والإِسلام، فوقع فيه: "وأن تحجّ، وتعتمر"، وإسناده قد أخرجه مسلم، لكن لم يسق لفظه، وبأحاديث أخرى غير ما ذُكر، وبقول اللَّه تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ الآية [البقرة: ١٩٦] أي أقيموهما. وزعم الطحاويّ أن معنى قول ابن عمر: " العمرة واجبة" أي وجوب كفاية. ولا يخفى بُعدُه مع اللفظ الوارد عن ابن عمر، فقد أخرجه ابن خزيمة، والدارقطنيّ، والحاكم بإسناد صحيح، عن نافع، أن ابن عمر كان يقول: ليس من خلق اللَّه أحد إلا عليه حجة وعمرة واجبتان من استطاع سبيلًا، فمن زاد فهو خير وتطوّع. وقال سعيد بن أبي عروبة، في "المناسك": عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: الحجّ والعمرة فريضتان. وأثر ابن عبّاس وصله الشافعيّ، وسعيد بن منصور، بإسناد صحيح. انتهى ما في "الفتح" بتصرّف (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما ذهب إليه الجمهور، من وجوب العمرة، هو الحقّ؛ لقوة الأدلة، ومن أقواها حديث الباب، كما أسلفته عن الإمام أحمد -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في كلامه السابق في المسألة الماضية، ومنها الآية المذكورة. ومن قال: إن المراد

стр. 12396

بها الإتمام بعد الشروع يردّه قراءة علقمة، ومسروق، وإبراهيم النخعيّ -كما أخرجه الطبريّ عنهم بأسانيد صحيحة- بلفظ: "وأقيموا"، فإن هذه القراءة صحيحة الأسانيد، وإن كانت آحادًا، فتبيّنُ المراد من القراءة المشهورة. وقد ردّ ابن حزم على من قال: إن الآية لا تدلّ على كونها فرضًا، وإنما تدلّ على وجوب إتمامها على من دخل فيها، وكذا على بقية حججهم بأبلغ ردّ لا تجده في غير كتابه، راجع "المحلّى" ٧/ ٣٦ - ٤٢. ومن أقوى الأدلّة أيضًا على وجوبها ما أخرجه الدارقطنيّ، والبيهقيّ بإسناد صحيح، من حديث عمر بن الخطّاب - رضي اللَّه تعالى عنه - في قصّة سؤال جبريل للنبيّ ﷺ المشهور، وفيه: فقال: يا محمد ما الإسلام؟ قال: "أن تشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه، وأن تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحجّ البيت، وتعتمر، وتغتسل من الجنابة، وتتمّ الوضوء، وتصوم رمضان … " الحديث. قال البيهقيّ: رواه مسلم في "الصحيح" عن حجاج بن الشاعر، عن يونس، إلا أنه لم يسق متنه (١). وأخرجه أيضًا ابن خزيمة، وابن حبَّان، والدارقطنيّ. والحاصل أن الحقّ وجوب العمرة كالحجّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب". … ٣ - (فَضْلُ الْحَجِّ الْمَبْرُورِ) وفي نسخة: "فضل الحجة المبرورة". ٢٦٢٢ - (أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّفَّارُ, الْبَصْرِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا (٢) سُوَيْدٌ -وَهُوَ ابْنُ عَمْرٍو الْكَلْبِيُّ- عَنْ زُهَيْرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُهَيْلٌ عَنْ سُمَيٍّ, عَنْ أَبِي صَالِحٍ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْحَجَّةُ الْمَبْرُورَةُ, لَيْسَ لَهَا جَزَاءٌ, إِلاَّ الْجَنَّةُ, وَالْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ, كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا»).

стр. 12397

رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عبدة بن عبد اللَّه الصفّار) أبو سهل البصريّ، كوفيّ الأصل، ثقة [١١] ١٨/ ٨٠٠. ٢ - (سُويد بن عمرو الكلبيّ) أبو الوليد الكوفيّ العابد، من كبار [١٠] ٦٧/ ١٨٠٩. ٣ - (زُهير) بن معاوية بن حُدَيج الجعفيّ، أبو معاوية الكوفيّ، ثقة ثبت [٧] ٣٨/ ٤٢. ٤ - (سهيل) بن أبي صالح السمّان المدنيّ، صدوق، تغيّر بآخره [٦] ٣٢/ ٨٢٠. ٥ - (سُميّ) مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، المدنيّ، ثقة [٦] ٢٢/ ٥٤٠. ٦ - (أبو صالح) ذكوان السمّان الزّيات المدنيّ، ثقة ثبت [٣] ٣٦/ ٤٠. ٧ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه -. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سباعيات "المصنف ﵀، وأن رجاله كلهم رجال الصحيح، وأنه مسلسل بالمدنيين من سهيل والباقون كوفيون، وأن فيه أبا هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ سُمَيٍّ) قال الحافظ أبو عمر -رحمه اللَّه تعالى-: تفرّد سميّ بهذا الحديث، واحتاج إليه الناس فيه، فرواه عنه مالك، والسفيانان، وغيرهما، حتى إن سهيل بن أبي صالح حدّث به عن سُميّ، عن أبي صالح، فكأن سهيلًا لم يسمعه من أبيه، وتحقّق بذلك تفرّد سميّ به، فهو من غرائب الصحيح. انتهى. (عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْحَجَّةُ الْمَبْرُورَةُ) قال ابن الأثير -رحمه اللَّه تعالى-: هو الذي لا يخالطه شيء من المآثم. وقيل: هو المقبول الْمُقَابَلُ بالبرّ، وهو الثواب، يقال: بَرّ حجّه -بالبناء للفاعل- وبُرَّ حجّه -بالبناء للمفعول- وبرّ اللَّهُ حجّه وأبرّه بِرًّا بالكسر، وإبرارًا انتهى (١). وقال الحافظ أبو عمر -رحمه اللَّه تعالى-: "الحجّ المبرور": هو المتقبّل. وقيل: الذي لا رياء فيه، ولا سمعة، ولا رفث، ولا فسوق، وكانت النفقة فيه من المال الطيّب. وعن ابن عمر، قال: الحجّ المبرور إطعام الطعام، وحسن الصحبة. وروى ضمرة بن

стр. 12398

ربيعة، عن ثور بن يزيد، قال: من أم هذا البيت، ولم يكن فيه ثلاث خصال، لم يَسلَم له حجه، من لم يكن له حلم يضبط به جهله، ووَرَعٌ عما حرّم اللَّه عليه، وحسن الصحبة لمن صحبه. ثم أخرج بسنده عن جابر - رضي اللَّه تعالى عنه -، قال: سئل رسول اللَّه ﷺ : ما برّ الحجّ؟، قال: "إطعام الطعام، وطيب الكلام" (١). قال: وذكر ابن شاهين بسنده، قال رجل للحسن: يا أبا سعيد ما الحجّ المبرور؟، قال: أن يدفع زاهدًا في الدنيا، راغبًا في الآخرة انتهى كلام ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى- باختصار (٢). وقال النوويّ: الأصح الأشهر أن المبرور هو الذي لا يخالطه إثم، مأخوذ من البرّ، وهو الطاعة. وقيل: هو المقبول، ومن علامة القبول أن يرجع خيرًا مما كان، ولا يعاود المعاصي. وقيل: هو الذي لا رياء فيه. وقيل: هو الذي لا يعقبه معصية، وهما داخلان فيما قبلهما انتهى (٣). وقال الحافظ في "الفتح": قال ابن خالويه: المبرور المقبول. وقال غيره: الذي لا يخالطه شيء من الإثم. ورجّحه النوويّ. وقال القرطبيّ: الأقوال التي ذكرت في تفسيره متقاربة المعنى، وهي أنه الحجّ الذي وُفِّيَت أحكامه، ووقع موقعًا لما طُلب من المكلف على الوجه الأكمل. وقيل: إنه يظهر بآخره، فإن رجع خيرًا مما كان عُرف أنه مبرور. ولأحمد، والحاكم من حديث جابر: قالوا: يا رسول اللَّه ما برّ الحجّ؟ قال: "إطعام الطعام، وإفشاء السلام". وفي إسناده ضعف، فلو ثبت لكان هو المتعيّن، دون غيره انتهى كلام الحافظ بتصرّف يسير (٤). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحديث المذكور قال الحاكم: صحيح الإسناد، وقال الذهبيّ: صحيح. وحسّن سنده المنذريّ في "الترغيب" والهيثميّ في "مجمع الزوائد". لكن الحقّ تضعيفه كما قال الحافظ؛ لأن في سند أحمد محمد بن ثابت مجمع على ضعفه (٥)، وفي سند الحاكم أيوب بن سويد، ضعّفه الجمهور، بل قال ابن معين: يسرق الأحاديث (٦). واللَّه تعالى أعلم. وقال ابن العربيّ: الحجّ المبرور هو الذي لا معصية بعده. قال الأبيّ: وهو الظاهر؛

стр. 12399

لقوله في الحديث الآخر: "من حجّ هذا البيت، فلم يرفث، ولم يفسق … " الحديث، إذ المعنى: ثم لم يفعل شيئًا من ذلك، ولهذا عطفه بالفاء المشعرة بالتعقيب، وإذا فسّر بذلك كان الحديثان بمعنى واحد، وتفسير الحديث بالحديث أولى، ويكون الرجوع بلا ذنب كناية عن دخول الجنّة مع السابقين انتهى (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله ابن العربي، واستظهره الأبيّ هو الأرجح عندي، لكن بإبدال قوله: "بعده" بلفظ "فيه"، يعني أن الحجّ المبرور هو الذي ليس فيه رفثٌ، ولا فسوقٌ، بمعنى أنه لا معصية في حال إيقاعه، بل اجتنب فيه المحظورات الشرعية حال أدائه. والحاصل أن معنى الحديثين واحدٌ، فيكون حديث "من حجّ هذا البيت، فلم يرفث، ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه" تفسيرًا لمعنى قوله: "الحجّ المبرور ليس له جزاء إلا الجنّة"، فإنه إذا رجع كيوم ولدته أمّه، أي ليس عليه شيء من الذنوب كان من أهل الجنّة السابقين إليها. واللَّه تعالى أعلم. (لَيْسَ لَهَا جَزَاءٌ) أي ثوابٌ (إِلَّا الْجَنَّةُ) بالرفع، أو النصب، وهو نحو "ليس الطيب إلا المسك" بالرفع، فإن بني تميم يرفعونه حملًا لها على "ما" في الإهمال عند انتقاض النفي، كما حمل أهلُ الحجاز "ما" على "ليس" في الإعمال عند استيفاء شروطها، كذا قاله ابن هشام الأنصاريّ في "مغني اللبيب" (٢). قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: "ليس له جزاء إلا الجنّة" معناه: أنه لا يقتصر لصاحبه من الجزاء على تكفير بعض ذنوبه، بل لا بدّ أن يدخل الجنّة انتهى (٣). وقال السنديّ: "ليس له جزاء إلا الجنّة": أي دخولُها أوّلًا، وإلا فمطلق الدخول يكفي فيه الإيمان، وعلى هذا فهذا الحديث من أدلّة أن الحجّ تغفر به الكبائر أيضًا؛ لحديث: "رجع كيوم ولدته أمه"، بل هذا الحديث يفيد مغفرة ما تقدّم من الذنوب، وما تأخّر. واللَّه تعالى أعلم انتهى (٤). (وَالْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ) أي منتهية إلى العمرة. قال القاري: أي العمرة المنضمّة إلى العمرة، أو العمرة الموصولة، أو المنتهية إلى العمرة. وقال المناويّ: أي العمرة حال كون الزمن بعدها ينتهي إلى العمرة، فـ "إلى" للانتهاء على أصلها. وقال الباجيّ، وتبعه

стр. 12400

ابن التين: إن "إلى" يحتمل أن تكون بمعنى "مع"، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢]، وقوله: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [الصفّ: ١٤]، فيكون التقدير: العمرة مع العمرة مكفّرة لما بينهما، فإذا كانت للغاية كان المكفّر هو العمرة الأولى، وإذا كانت بمعنى "مع" كان المكفّر العمرتين. ويدلّ للثاني حديث: "العمرتان تكفّران ما بينهما". أخرجه البيهقيّّ في "شعب الإيمان" من حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى - عنه. قال المناويّ: فيه من لم أعرفهم، ولم أرهم في كتب الرجال. وقال السنديّ: قيل: يحتمل أن تكون "إلى" بمعنى "مع"، أي العمرة مع العمرة. أو بمعناها متعلّقة بـ "كفّارة"، أي تكفّر إلى العمرة، ولازمه أنها تكفّر الذنوب المتأخّرة. انتهى. (كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا) هذا ظاهر في فضل العمرة، وأنها مكفّرة للخطايا الواقعة بين العمرتين. قال الحافظ ابن العبد البرّ: "كفّارة لما بينهما" من الذنوب الصغائر، دون الكبائر، قال: وذهب بعض علماء عصرنا إلى تعميم ذلك، ثم بالغ في الإنكار عليه. قال الزرقاني: وكأنه يعني الباجيّ، فإنه قال: "ما" من ألفاظ العموم، فتقتضي من جهة اللفظ تكفير جميع ما يقع بينهما إلا ما خصّه الدليل. واستشكل بعضهم كون العمرة كفّارة مع أن اجتناب الكبائر يكفّر، فماذا تكفّره العمرة. وأجيب بأن تكفير العمرة مقيد بزمنها، وتكفير الاجتناب عامّ لجميع عمر العبد، فتغايرا من هذه الحيثيّة. ذكره الزرقانيّ (١). وقال العينيّ: ظاهر الحديث أن الأولى هي المكفّرة؛ لأنها التي وقع الخبر عنها أنها تكفّر، ولكن الظاهر من جهة المعنى أن العمرة الثانية هي التي تكفّر ما قبلها إلى العمرة التي قبلها، فإن التكفير قبل وقوع الذنب خلاف الظاهر انتهى (٢). وقال الأبيّ: الأظهر أن الحديث خرج مخرج الحثّ على تكرير العمرة والإكثار منها؛ لأنه إذا حُمل على غير ذلك يُشكل بما إذا اعتمر مرّة واحدة، فإنه يلزم عليه أن لا فائدة لها؛ لأن فائدتها، وهو التكفير مشروطة بفعلها ثانية؛ إلا أن يقال: لم تنحصر فائدة العبادة في تكفير السيّئات، بل يكون فيها، وفي ثبوت الحسنات، ورفع الدرجات، كما ورد في بعض الأحاديث: من فعل كذا كتب له كذا كذا حسنة، ومحيت عنه كذا كذا

стр. 12401

سيئة، ورفعت له كذا كذا درجة، فتكون فائدتها إذا لم تكرّر ثبوت الحسنات، ورفع الدرجات. وقال شيخنا أبو عبد اللَّه -يعني ابن عرفة-: إذا لم تكرّر كفّر بعض ما وقع بعدها، لا كلّه -واللَّه أعلم- بقدر ذلك البعض (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٣/ ٢٦٢٢ و ٢٦٢٣ و ٥/ ٢٦٢٩ - وفي "الكبرى" ٣/ ٣٦٠١ و ٣٦٠٢ و ٥/ ٣٦٠٨. وأخرجه (خ) في "الحجّ" ١٧٧٣ (م) في "الحجّ" ١٣٤٩ (ت) في "الحج" ٩٣٣ (ق) في "المناسك" ٢٨٨٨ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ٧٣٠٧ و ٩٦٢٥ و ٩٦٣٢ و (الموطأ) في "الحجّ" ٧٧٦ (الدارمي) في "المناسك" ١٧٩٥. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان فضل الحجّ المبرور (ومنها): بيان فضل المتابعة بين العمرتين (ومنها): مشروعية الاستكثار من الاعتمار؛ خلافًا لقول من قال: يكره أن يعتمر في السنة أكثر من مرّة، كالمالكيّة، ولمن قال: مرّة في الشهر، من غيرهم، وسيأتي الكلام عليه في المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): أن قضية جعل العمرة مكفّرة، والحجّ جزاءه الجنّة أن الحجّ أكمل (ومنها): ما قاله الإمام ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى-: في الحديث دليل على التفريق بين الحجّ والعمرة في التكرار، إذ لو كانت العمرة كالحجّ لا يُفعَل في السنة إلا مرّة لسوّى بينهما، ولم يفرّق. انتهى (٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في مشروعيّة تكرار العمرة: ذهب الجمهور إلى استحباب تكرار العمرة في السنة الواحدة مرارًا، وهو المذهب الصحيح؛ للأحاديث الصحيحة الكثيرة في الترغيب في الاستكثار منها، كحديث الباب.

стр. 12402

وذهب مالك، وأصحابه إلى أنه يكره أن يعتمر في السنة أكثر من عمرة. وقال آخرون: لا يعتمر في شهر أكثر من عمرة (١). قال الحافظ: واستدلّ لهم بأنه ﷺ لم يفعلها إلا من سنة إلى سنة، وأفعاله على الوجوب أو الندب. وتُعُّقّب بأن المندوب لم ينحصر في أفعاله، فقد كان يترك الشيء، وهو يستحبّ فعله لرفع المشقّة عن أمّته، وقد ندب إلى ذلك بلفظه، فثبت الاستحباب من غير تقييد انتهى (٢). وقد حقّق المسألة الإمام ابن حزم -رحمه اللَّه تعالى- ورد على القائلين بكراهة التكرار في كتابه "المحلّى"، ودونك عبارته: [مسألة]: والحجّ لا يجوز إلا مرّة في السنة، وأما العمرة فنحبّ الإكثار منها؛ لما ذكرنا من فضلها، فأما الحجّ فلا خلاف فيه، وأما العمرة، فإننا روينا من طريق مجاهد، قال عليّ بن أبي طالب: في كلّ شهر عمرة. وعن القاسم بن محمد أنه كره عمرتين في شهر واحد. وعن عائشة أم المؤمنين أنها اعتمرت ثلاث مرّات في عام واحد. وعن سعيد بن جبير، والحسن البصريّ، ومحمد بن سيرين، وإبراهيم النخعيّ كراهة العمرة أكثر من مرّة في السنة، وهو قول مالك. وروينا عن طاوس: إذا مضت أيام التشريق، فاعتَمِر متى شئت. وعن عكرمة اعتَمِرْ متى أمكنك الموسَى. وعن عطاء إجازة العمرة مرَّتين في الشهر. وعن ابن عمر أنه اعتمر مرّتين في عام واحد مرّة في رجب، ومرّةً في شوّال. وعن أنس بن مالك أنه أقام مدّة بمكّة، فكلما جمّ رأسه (٣) خرج فاعتمر. وهو قول الشافعيّ، وأبي حنيفة، وأبي سليمان -يعني داود الظاهريّ- وبه نأخذ؛ لأن رسول اللَّه ﷺ قد أعمر عائشة مرّتين في الشهر الواحد، ولم يكره ﵇ ذلك، بل حضّ عليها، وأخبر أنها تكفّر ما بينها، وبين العمرة الثانية فالإكثار منها أفضل، وباللَّه تعالى التوفيق. واحتجّ من كره ذلك بأن رسول اللَّه ﷺ لم يعتمر في عام إلا مرّة واحدة. قلنا: لا حجة في هذا؛ لأنه إنما يُكره ما حَضَّ على تركه، وهو ﵇ لم يحجّ مذ هاجر إلا حجة واحدة، ولا اعتمر مذ هاجر إلا ثلاث عُمَر، فيلزمكم أن تكرهوا الحجّ إلا مرّة في العمر، وأن تكرهوا العمر إلا ثلاث مرّات في الدهر، وهذا خلاف

стр. 12403

قولكم. وقد صحّ أنه كان ﵇ يترك العمل، وهو يحبّ أن يعمل به، مخافة أن يشقّ على أمته، أو أن يُفْرَضَ عليهم. والعجب أنهم يستحبون أن يصوم المرء أكثر من نصف الدهر، وأن يقوم أكثر من ثلث الليل، وقد صحّ أن رسول اللَّه ﷺ لم يصم قط شهرًا كاملا، ولا أكثر من نصف الدهر، ولا قام بأكثر من ثلاث عشرة ركعة، ولا أكثر من ثلث الليل، فلم يروا فعله ﵇ ههنا حجة في كراهة ما زاد على صحّة نهيه عن الزيادة في الصوم، ومقدار ما يقام من الليل على أكثر من ذلك، وجعلوا فعله ﵇ في أنه لم يعتمر في العام إلا مرّة مع حضّه على العمرة، والإكثار منها حجة في كراهة الزيادة على عمرة من العام، وهذا عجبٌ جدًّا انتهى كلام ابن حزم -رحمه اللَّه تعالى- (١). وهو بَحْثٌ نفيسٌ جدًّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في أقوال أهل العلم في وقت العمرة: قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: واعلم أن جميع السنة وقت للعمرة، فتصحّ في كلّ وقت منها، إلا في حقّ من هو متلبّسٌ بالحج، فلا يصحّ اعتماره حتى يفرغ من الحجّ، ولا تكره عندنا لغير الحاجّ في يوم عرفة، والأضحى، والتشريق، وسائر السنة، وبهذا قال مالك، وأحمد، وجماهير العلماء. وقال أبو حنيفة: تكره في خمسة أيام: يوم عرفة، والنحر، وأيام التشريق. وقال أبو يوسف: تكره في أربعة أيام: وهي عرفة، والتشريق انتهى كلام النوويّ (٢). وقال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: واتفقوا على جوازها في جميع الأيام لمن لم يكن متلبّسًا بأعمال الحجّ، إلا ما نُقل عن الحنفيّة أنه يكره في يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق. ونقل الأثرم عن أحمد: إذا اعتمر فلا بدّ أن يحلق، أو يقصّر، فلا يعتمر بعد ذلك إلى عشرة أيام؛ ليتمكّن من حلق الرأس فيها. قال ابن قُدامة: هذا يدلّ على كراهة الاعتمار عنده في دون عشرة أيام. انتهى كلام الحافظ (٣). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي في استثناء الأيام التي ذكروا أن العمرة تكره فيها نظر، فالذي يظهر أنها تجوز في كلّ أيام السنة؛ إذ لا نصّ، ولا إجماع في استثناء بعض الأيام المذكورة، حتى نعتمد عليه في كراهتها فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

стр. 12404

٢٦٢٣ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ,, قَالَ: أَخْبَرَنِي سُهَيْلٌ عَنْ سُمَيٍّ, عَنْ أَبِي صَالِحٍ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ,, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْحَجَّةُ الْمَبْرُورَةُ, لَيْسَ لَهَا ثَوَابٌ, إِلاَّ الْجَنَّةُ» , مِثْلَهُ سَوَاءً, إِلاَّ أَنَّهُ قَالَ: «تُكَفِّرُ مَا بَيْنَهُمَا»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق ثان لحديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى - عنه. و"عمرو بن منصور": هو أبو سعيد النسائيّ، ثقة ثبت [١١] ١٠٨/ ١٤٧ من أفراد المصنّف. و"حجّاج": هو ابن المنهال الأنماطيّ، أبو محمد البصريّ الحافظ الثبت الفاضل [٩] ١٩/ ٩٠١. وقوله: "مثله" يحتمل النصب على الحال، أي حال كونه مثل رواية زهير السابق. ويحتمل الرفع خبرًا لمقدّر، أي هو مثله. وقوله: "سواء" منصوب على الحال، أي حال كون الحديثين متساويين في اللفظ، إلا في القدر المستثى، كما أشار إليه بقوله: "إلا أنه قال: تكفّر ما بينهما"، والظاهر أن الضمير لشعبة. يعني أن شعبة قال في روايته: "تكفّر ما بينهما" بدل قول زهير: "كفّارة لما بينهما". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب". … ٤ - (فَضْلُ الْحَجِّ) ٢٦٢٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ, قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) مَعْمَرٌ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ , فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ , قَالَ: «الإِيمَانُ بِاللَّهِ» , قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ , قَالَ: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» , قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ , قَالَ: «ثُمَّ الْحَجُّ الْمَبْرُورُ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن رافع) القشيريّ النيسابوري، ثقة عابد [١١] ٩٢/ ١١٤. ٢ - (عبد الرزاق) بن همام الصنعاني، ثقة حافظ عمي بآخره فتغير، وكان يتشيع [٩]

стр. 12405

٦١/ ٧٧. ٣ - (معمر) بن راشد، أبو عروة البصري نزيل اليمن، ثقة ثبت من كبار [٧] ١٠/ ١٠. ٤ - (الزهري) محمد بن مسلم المدني الإمام الحجة [٤] ١/ ١. ٥ - (ابن المسيّب) هو: سعيد الإمام الفقيه الحجة المدني، من كبار [٣] ٩/ ٩. ٦ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. ومنها: أنه مما قيل فيه: إنه أصحّ أسانيد أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه -، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، الزهريّ، عن سعيد، وفيه أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة، وهو سعيد، وفيه أبو هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - أكثر من روى الحديث في دهره. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هرَيْرَةَ) أنه (قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ ) ذكر الحافظ في "الفتح" أنّ السائل هو أبو ذرّ - رضي اللَّه تعالى عنه -. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: فيه نظر؛ لا يخفى؛ لأن حديث أبي ذرّ - رضي اللَّه تعالى عنه - مخالف لهذا الحديث، فقد أخرج حديث أبي ذرّ - رضي اللَّه تعالى عنه - الشيخان، والمصنّف، وغيرهما، ونصّ البخاريّ، في "كتاب العتق": ٢٥١٨ - حدثنا عبيد اللَّه بن موسى، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أبي مُرَاوح، عن أبي ذر ﵁، قال: سألت النبيّ ﷺ ، أي العمل أفضل؟، قال: "إيمان باللَّه، وجهاد في سبيله"، قلت: فأي الرقاب أفضل؟، قال: "أعلاها ثمنا، وأنفسها عند أهلها"، قلت: فإن لم أفعل؟، قال: "تعين ضائعا، أو تصنع لأخرق"، قال: فإن لم أفعل؟، قال: "تدع الناس من الشر، فإنها صدقة، تصدق بها على نفسك". فهذا الحديث لا يصلح أن يكون مفسّرًا للمبهم الواقع في حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هنا؛ للاختلاف الواضح بينهما، فتأمل. واللَّه تعالى أعلم. (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْأَعْمَالِ) وفي رواية: "أيّ العمل" بالإفراد (أَفْضَلُ؟) أي أكثر ثوابا عند اللَّه تعالى (قَالَ) ﷺ ("الْإيمَانُ بِاللَّهِ") وفي رواية البخاريّ: "إيمان باللَّه ورسوله" بالتنكير، وكذا في الحجّ. قيل: عرّف الجهاد، دون الإيمان والحجّ؛ لأن المعرّف بلام الجنس كالنكرة في المعنى فيوافق تنكير قسيمية. وقيل: لأن الإيمان والحجّ لا يتكرّر وجوبهما، فناسبهما التنكير ليدلّ على الأفراد الشخصيّ، بخلاف

стр. 12406

الجهاد، فإنه قد يتكزر، فعُزف، والتعريف للكمال؟ إذ الجهاد لو أتى به مرّة مع الاحتياج إلى التكرار لما كان أفضل كذا قيل. وقد تعقّبه الحافظ في "الفتح"، واعترضه العينيّ على عادته بما لا طائل تحته. قال الحافظ: وقع في مسند الحارث بن أبي أسامة: "ثم جهاد" أي بالتنكير، فقد ظهر من هذه الرواية أن التنكير والتعريف من تصرّف الرواة؛ لأن مخرجه واحد فطلب الفرق في مثل هذا غير طائلة انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وقع في رواية المصنّف بتعريف الثلاثة، فصحّ ما قاله الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- من أن ذلك من تصرّفات الرواة، لا من لفظ الرسول ﷺ ، حتى يبحث عن نكتة التنكير والتعريف. فتفطّن. واللَّه تعالى أعلم. قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: فيه تصريح بأن العمل يطلق على الإيمان، والمراد به - واللَّه اعلم- الإيمان الذي يُدخل به في ملّة الإسلام، وهو التصديق بقلبه، والنطق بالشهادتين، فالتصديق عمل القلب، والنطق عمل اللسان، ولا يدخل في الإيمان هنا الأعمال بسائر الجوارح، كالصوم، والصلاة، والحجّ، والجهاد، وغيرها؛ لكونه جُعل قسيمًا للجهاد والحجّ؛ ولقوله ﷺ : "إيمان باللَّه ورسوله"، ولا يقال هذا في الأعمال، ولا يمنع من تسمية الأعمال المذكورة إيمانًا، فقد قدّمنا دلائله انتهى كلام النوويّ (١). (قَالَ) الرجل السائل (ثُمَّ مَاذَا؟) كلمة "ثم" للعطف الترتيبيّ، و"ما" مبتدأ، و"ذا" خبره، ثم أيّ شيء أفضل بعد الإيمان باللَّه؟ (قَالَ) ﷺ (الْجهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) مبتدأ خبره محذوف، أي أفضل، يعني أن قتال الكفّار لإعلاء كلمَة اللَّه أفضل الأعمال بعد الإيمان (قَالَ) السائل أيضًا (ثُمَّ مَاذَا؟) أي ثمّ أيّ شيء أفضل بعد الجهاد في سبيل اللَّه؟ (قَالَ) ﷺ (ثُمَّ الْحَجُّ الْمَبْرُورُ) وفي نسخة: "ثم حجّ مبرور". أي أفضل من غيره. [تنبيه]: إنما قدّم الجهاد على الحجّ مع أنه فرض كفاية، والحجّ فرض عين, لأنه كان أول الإسلام، ومحاربةِ أعدائه، والجدِّ في إظهاره. وقيل: هو محمول على الجهاد في وقت الزحف الملجىء، والنفير العامّ، فإنه حينئذ يجب الجهاد على الجميع، وإذا كان هكذا فالجهاد أولى بالتحريض، والتقديم من الحجّ؛ لأنه يكون حينئذ فرض عين، ووقوعه فرضَ عين إذ ذاك متكرّر، فكان أهمّ منه. وقيل: قُدّم لأن نفع الجهاد متعدّ؛ لما فيه من المصلحة العامّة للمسلمين، مع بذل النفس فيه بخلاف الحجّ فيهما؛ لأن نفعه قاصر، ولا يكون فيه بذل النفس. وقيل: "ثُمّ" ههنا للترتيب في الذكر، كقوله

стр. 12407

تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية [البلد: ١٧]، فإنه من المعلوم أنه ليس المراد ها هنا الترتيب في الفعل (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٤/ ٢٦٢٤ و"الجهاد" ١٧/ ٣١٣٠ و"الإيمان وشرائعه" ١/ ٤٩٨٥ - وفي "الكبرى" ٤/ ٣٦٠٣ و"الجهاد" ١٤/ ٤٣٣٨ و"الإيمان وشرائعه" ١/ ١١٧١٦ وأخرجه (خ) في "الإيمان" ٢٦ (م) في "الإيمان" ٨٣ (ت) في "الجهاد" ١٦٥٨ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ٧٥٣٦ و ٧٥٨٥ و ٧٨٠٣ و ٨٣٧٤ و ٨٨٠٥ و ٩٤٠٧ (الدارمي) في "الجهاد" ٢٣٩٣. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما بوّب له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان فضل الحجّ المبرور، حيث جُعل تاليًا لدرجة الجهاد في سبيل اللَّه (ومنها): أنه يدلّ على أن الإيمان من جملة الأعمال، وهو داخل فيها، وهو إطلاق صحيح لغة وشرعًا (ومنها): أن الأعمال تتفاوت في الدرجات، فأفضلها على الإطلاق الإيمان باللَّه تعالى (ومنها): بيان فضل الجهاد في سبيل اللَّه . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): في الجمع بين الأحاديث المختلفة في بيان أفضل الأعمال: قال الإمام النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: أما معاني الأحاديث وفقهها، فقد يُستَشكَل الجمع بينها، مع ما جاء في معناها، من حيث إنه جعل في حديث أبي هريرة ﵁ أن الأفضل الإيمان باللَّه، ثم الجهاد، ثم الحجّ. وفي حديث أبي ذرّ ﵁ الإيمان والجهاد، وفي حديث ابن مسعود ﵁ الصلاة، ثم برّ الوالدين، ثم الجهاد، وفي حديث عبد اللَّه بن عمرو: أيّ الإسلام خير؟ قال: "تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت، ومن لم تعرف". وفي حديث أبي موسى، وعبد اللَّه عمرو: أيّ المسلمين خير؟، قال: "من سلم المسلمون من لسانه ويده". وصحّ في حديث عثمان: "خيركم من تعلّم القرآن، وعلّمه"، وأمثال هذا في الصحيح كثيرة.

стр. 12408

واختلف العلماء في الجمع بينها، فذكر الإمام الجليل أبو عبد اللَّه الْحَلِيميّ الشافعيّ، عن شيخه الإمام العلامة المتقن أبي بكر القفّال الشاشيّ الكبير -وهو غير القفّال الصغير المروزيّ المذكور في كتب متأخّري أصحابنا الخراسانيين، قال الْحَلِيميّ: وكان القفّال أعلم من لقيته من علماء عصره- أنه جمع بينها بوجهين: (أحدهما): أن ذلك اختلاف جواب جرى على حسب اختلاف الأحوال والأشخاص، فإنه قد يقال: خير الأشياء كذا، ولا يراد به خير جميع الأشياء من جميع الوجوه، وفي جميع الأحوال، والأشخاص، بل في حال دون حال، أو نحو ذلك، واستشهد في ذلك بأخبار، منها عن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "حجة لمن لم يحجّ أفضل من أربعين غزوة، وغزوة لمن حجّ أفضل من أربعين حجة" (١). (الوجه الثاني): أنه يجوز أن يكون المراد من أفضل الأعمال كذا، أو من خيرها، أو من خيركم من فعل كذا، فحذفت "من"، وهي مرادة، كما يقال: فلان أعقل الناس، وأفضلهم، ويراد أنه من أعقلهم، وأفضلهم. ومن ذلك قول رسول اللَّه ﷺ : "خيركم خيركم لأهله"، ومعلوم أنه لا يصير بذلك خير الناس مطلقًا، ومن ذلك قولهم: أزهد الناس في العالم جيرانه، وقد يوجد في غيرهم من هو أزهد منهم فيه. هذا كلام القفّال -رحمه اللَّه تعالى-. وعلى هذا الوجه الثاني يكون الإيمان أفضلها مطلقًا، والباقيات متساويةٌ في كونها من أفضل الأعمال والأحوال، ثم يعرف فضل بعضها على بعض بدلائل تدلّ عليها، وتختلف باختلاف الأحوال والأشخاص. [فإن قيل]: فقد جاء في بعض هذه الروايات أفضلها كذا، ثم كذا بحرف "ثمّ"، وهي موضوعة للترتيب. [فالجواب]: أن "ثمّ" هنا للترتيب في الذكر، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٢ - ١٧]، ومعلوم أنه ليس المراد هنا الترتيب في الفعل، وكما قال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا﴾ - إلى قوله: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ الآية [الأنعام: ١٥١]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ الآية [الأعراف: ١١]. ونظائر

стр. 12409

ذلك كثيرة، وأنشدوا فيه: قُلْ لِمَنْ سَادَ ثُمَّ سَادَ أَبُوهُ … ثُمَّ سَادَ قَبْلَ ذَلِكَ جَدُّهُ وذكر القاضي عياض في الجمع بينهما وجهين: (أحدهما): نحو الأول من الوجهين اللذين حكيناهما، قال: قيل: اختلف الجواب لاختلاف الأحوال، فأعلم كلّ قوم بما بهم حاجة إليه، أو بما لم يكمّلوه بعدُ من دعائم الإسلام، ولا بلغهم علمه. (الثاني): أنه قدّم الجهاد على الحجّ؛ لأنه كان أول الإسلام، ومحاربة أعدائه، والجدّ في إظهاره. وذكر صاحب "التحرير" هذا الوجه الثاني، ووجها آخر أن "ثم" لا تقتضي ترتيبًا، وهذا شاذّ عند أهل العربيّة والأصول، ثم قال صاحب "التحرير": والصحيح أنه محمولٌ على الجهاد وقت الزحف الملجىء، والنفير العامّ، فإنه حينئذ يجب الجهاد على الجميع، وإذا كان هكذا، فالجهاد أولى بالتحريض، والتقديم؛ لما في الجهاد من المصلحة العامّة، مع أنه متعيّنٌ متضيّق في هذا الحال، بخلاف الحجّ. واللَّه أعلم انتهى كلام النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: خلاصة الجواب أنه لا اختلاف بين هذه الأحاديث؛ لإمكان الجمع بينها، إما بالحمل على اختلاف الأشخاص السائلين، والأحوال المناسبة لهم، وإما على أن "من" مقدّرة في الكلام، أي من أفضل الأعمال، ولا يشكل رواية "ثم" لأنها تأتي في الاستعمال العربيّ للترتيب الذكريّ، كالآيات السابقة. وقد تقدّم هذا البحث في "كتاب الصلاة" في باب "فضل الصلاة لوقتها" -٥١/ ٦١٠ - فراجعه تزدد علمًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٦٢٥ - (أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَثْرُودٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ, عَنْ مَخْرَمَةَ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: سَمِعْتُ سُهَيْلَ بْنَ أَبِي صَالِحٍ, قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَفْدُ اللَّهِ ثَلَاثَةٌ: الْغَازِي, وَالْحَاجُّ, وَالْمُعْتَمِرُ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه "عيسى بن إبراهيم بن مثرود (١) " الغافقيّ، أبي موسى المصريّ، ثقة، من صغار [١٠] ٣١/ ٨١٩ فإنه ممن انفرد به هو وأبو داود. و"ابن وهب": هو عبد اللَّه الحافظ الفقيه الحجة المصريّ [٩] ٩/ ٩.

стр. 12410

و"مَخْرَمة": هو ابن بُكير بن عبد اللَّه بن الأشجّ المدنيّ، صدوق [٧] ٢٨/ ٤٣٨. و"بُكير بن عبد اللَّه بن الأشجّ" المدنيّ، نزيل مصر، ثقة [٥] ١٣٥/ ٢١١. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث عن أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - أنه قال (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَفْدُ اللَّهِ ثَلَاثَةٌ") مبتدأ وخبره، و"الوفد" -بفتح، فسكون- قال ابن الأثير -رحمه اللَّه تعالى-: قد تكرّر ذكر الوفد في الحديث، وهم القوم يجتمعون، وَيرِدون البلاد، واحدهم وافدٌ، وكذلك يقصدون الأمراء لزيارة، واسترفاد، وانتجاع، وغير ذلك، تقول: وَفَدَ يَفِد، فهو وافد، وأوفدته، فَوَفَدَ، وأوفَدَ على الشيء، فهو مُوفِدٌ: إذا أشرف انتهى (١). وفي "الصحاح" وَفَد فلان على الأمير: أي ورد رسولًا، فهو وافد، والجمع وَفْدٌ، مثلُ صاحب وصَحْب. وفي "المصباح": وَفَد على القوم وَفْدًا، من باب وَعَد، ووُفُودًا، فهو وافد، وقد يُجمع على وُفّاد، ووُفّد، وعلى وَفْد، مثلُ صاحب وصَحْب. ومنه الحاجّ وَفد اللَّه، وجمع الوَفْدِ أَوْفاد، ووُفُود انتهى. قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: فالمعنى السائرون إلى اللَّه تعالى القادمون عليه من المسافرين ثلاثة أصناف، فتخصيص هؤلاء من بين العابدين لاختصاص السفر بهم عادةً، والحديث إما بعد انقطاع الهجرة، أو قبلها، لكن ترك ذكرها لعدم دوامها، والسفرُ للعلم لا يطول غالبًا، فلم يُذكَر، والسفر إلى المساجد الثلاثة المذكورة في حديث: "لا تُشدّ الرحال، إلا إلى ثلاثة مساجد" ليس بمثابة السفر إلى الحجّ ونحوه، فتُرك. ويحتمل أن لا يراد بالعدد الحصر. واللَّه تعالى أعلم انتهى (٢). (الْغَازِي) بدل من "ثلاثة"، ويجوز قطعه بتقدير مبتدإ، أو فعلٍ، وكذا قوله (وَالْحَاجُّ، وَالْمُعْتَمِرُ) وفيه فضل هؤلاء الثلاثة، وتشبيههم بالوفد الذين يَقدَمون على الملوك والأمراء، فيُتحفونهم بالجوائز العظيمة، والعطيّات الجسيمة، فاللَّه سبحانه، وتعالى أولى وأكرم، فيكرم هؤلاء الثلاثة بكرامة ليس بعدها كرامة، بجنّات عدن، فيها ما تشتهيه الأنفس، وتلذّ الأعين، وفيها ما لا عينٌ رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فهم الفائزن الفوز الأبديّ، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ الآية [آل عمران: ١٨٥]، وقال:

стр. 12411

﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (١٠٢) لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١ - ١٠٣]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا -٤/ ٢٦٢٥ وفي "الجهاد" ١٣/ ٣١٢١ - وفي "الكبرى" ٤/ ٣٦٠٤ وفي "الجهاد" ١١/ ٤٣٢٩. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٦٢٦ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ, عَنْ شُعَيْبٍ, عَنِ اللَّيْثِ, قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ, عَنِ ابْنِ أَبِي هِلَالٍ, عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «جِهَادُ الْكَبِيرِ, وَالصَّغِيرِ, وَالضَّعِيفِ, وَالْمَرْأَةِ, الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وهو مصريّ ثقة فقيه. و"شعيب": هو ابن الليث بن سعد، شيخِهِ هنا. و"خالد": هو ابن يزيد الجمحيّ المصريّ الثقة. و"ابن أبي هلال": هو سعيد المصريّ الثقة. ويزيد بن عبد اللَّه": هو ابن الهاد المدنيّ الثقة. فأول السند مصريّون إلى ابن أبي هلال، ومن بعده مدنيّون، وفيه رواية ثلاثة من التابعين بعضهم عن بعض، وكلهم مدنيّون: يزيد، ومحمد بن إبراهيم، وأبو سلمة، وفيه أبو سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وفيه أبو هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - أحد المكثرين السبعة، وقد تقدّم كلّ هذا غير مرّة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِيِ هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (عَنْ) وفي نسخة: "أن" (رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) أنه (قَالَ: " جِهَادُ الْكَبيرِ، وَالصَّغِيرِ) سقط من "الكبرى" لفظ "الصغير" (وَالضَّعِيفِ، وَالْمَرْأَةِ، الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ) أي هما بمنزلة الجهاد لفاعلهما، وكلّ هؤلاء المذكورين يمكن لهم الوصول إليهما، بخلاف الجهاد، فإنه شاقّ عليهم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا إسناده صحيح، وهو من أفراد المصنّف، لم يخرجه من أصحاب الأصول غيره، أخرجه هنا- ٤٢٦٢٦ - وفي "الكبرى" ٤/ ٣٦٠٥. وأخرجه أحمد في باقي "مسند المكثرين" ٩١٦٣. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

стр. 12412

٢٦٢٧ - (أَخْبَرَنَا أَبُو عَمَّارٍ الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ الْمَرْوَزِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ -وَهُوَ ابْنُ عِيَاضٍ- عَنْ مَنْصُورٍ, عَنْ أَبِي حَازِمٍ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ, فَلَمْ يَرْفُثْ, وَلَمْ يَفْسُقْ, رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أبو عمار الحسين بن حريث) الخزاعي مولاهم المروزي، ثقة [١٠] ٤٤/ ٥٢. ٢ - (الفضيل بن عياض) بن مسعود التيمي، أبو علي الزاهد المشهور، خراساني الأصل، وسكن مكة، ثقة عابد إمام [٨] ٢١/ ٣٨٨. ٣ - (منصور) بن المعتمر السلمي، أبو عَتَّاب الكوفي، ثقة ثبت [٦] ٢/ ٢. ٤ - (أبو حازم) سلمان الأشجعي الكوفي، ثقة [٣] ١١٠/ ١٤٩. ٥ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وإن رجاله كلهم رجال الصحيح، وأن فيه الإخبار والتحديث والعنعنة، وكلها من صيغ الإتصال على الأصح في "عن" من غير المدلس، وفيه أبو هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره. واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: صرّح منصور بسماعه له عن أبي حازم في رواية شعبة، فانتفى بذلك تعليل من أعلّه بالاختلاف على منصور؛ لأن البيهقيّ أورده من طريق إبراهيم بن طهمان، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن أبي حازم، زاد فيه رجلًا، فإن كان إبراهيم حفظه، فلعلّه حمله منصور عن هلال، ثمّ لقي أبا حازم، فسمعه منه، فحدّث به على الوجهين، وصرّح أبو حازم بسماعه له من أبي هريرة عند البخاريّ من طريق شعبة. انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ) في رواية البخاريّ من طريق سيّار، عن أبي حازم: "من حجّ للَّه". أي لابتغاء وجه اللَّه تعالى، والمراد به الإخلاص. ولمسلم من طريق ابن جرير، عن منصور: "من أتى هذا البيت"، وهو يشمل الحجّ

стр. 12413

والعمرة، وقد أخرجه الدارقطنيّ من طريق الأعمش، عن أبي حازم، بلفظ: "من حجّ، أو اعتمر"، لكن في الإسناد إلى الأعمش ضعف. قاله في "الفتح" (١). وقال في موضع آخر: ويجوز حمل لفظ "حجّ" على ما هو أعمّ من الحجّ والعمرة، فتساوي رواية "من أتى" من حيث إن الغالب أن إتيانه إنما هو للحجّ، أو العمرة انتهى (٢). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يظهر لي أنه لا تساوي بين الحجّ والعمرة في هذا الفضل، فالأولى حمل رواية "من أتى" على رواية "من حجّ"، فيكون المعنى: من أتى هذا البيت للحجّ، والدليل على ذلك التفريق الذي تقدّم في حديث: "العمرةُ إلى العمرة كفّارة لما بينهما، والحجّ المبرور ليس له جزاء إلا الجنّة"، فهذا التفريق يرشد إلى زيادة فضل الحجّ على العمرة. واللَّه تعالى أعلم. (فَلَمْ يَرْفُثْ) بتثليث الفاء في الماضي، والضمّ، والفتح في المضارع. والرفث: الجماع، وُيطلق على التعريض به، وعلى الفحش من القول. وقال الأزهريّ: الرفث اسم جامع لكلّ ما يريده الرجل من المرأة، وكان ابن عمر (٣) يخصّه بما خوطب به النساء. وقال عياض: هذا من قول اللَّه تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾ [البقرة: ١٩٧]، والجمهور على أن المراد به في الآية الجماع انتهى. قال الحافظ: والذي يظهر أن المراد به في الحديث ما هو أعمّ من ذلك، وإليه نحا القرطبيّ، وهو المراد بقوله في "الصيام": "فإذا كان صوم أحدكم، فلا يرفث" انتهى (٤). وفي "المصباح": رَفَث في منطقه رَفْثًا، من باب طلب، وَيَرْفِث بالكسر لغة: أفحش فيه، أو صرّح بما يكنى عنه من ذكر النكاح، وأرفث بالألف لغة، والرفث: النكاح، فقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ﴾ المراد الجماع، وقوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾ قيل: فلا جماع. وقيل: فلا فُحش من القول. وقيل: الرفث يكون في الفرج بالجماع، وفي العين بالغمز للجماع، وفي اللسان للمواعدة به انتهى. وفي "القاموس": الرفَثُ محرّكةٌ: الجماع، والفحش، كالرُّفُوث، وكلام النساء في الجماع، أو ما وُوجِهنَ به من الفحش. وقد رفث، كنَصَر، وفَرِحَ، وكَرُم، وأرفث انتهى.

стр. 12414

فيستفاد من عبارة "القاموس" أن ماضيه مثلث العين، ومضارعه فيه الضمّ، والفتح فقط,. فقول الحافظ في "الفتح": فاء الرفث مثلّثة في الماضي والمضارع، والأفصح الفتح في الماضي، والضمّ في المستقبل، يحتاج إلى نظر. واللَّه تعالى أعلم. (وَلَمْ يَقسُقْ) أي لم يأت بسيّئة، ولا معصية. وأغرب ابن الأعرابيّ، فقال: إن لفظ الفسق لم يسمع في الجاهليّة، ولا في أشعارهم، وإنما هو إسلاميّ. وتُعُقّب بأنه كثُر استعماله في القرآن، وحكايته عمن قبل الإسلام. وقال غيره: أصله انفسقت الرُّطَبَة: إذا خرجت، فسمي الخارج عن الطاعة فاسقاً. قاله في "الفتح" (١). وقال في "القاموس": الفِسْق بالكسر: الترك لأمر اللَّه تعالى، والعصيان، والخروج عن طريق الحقّ، أو الفجور، كالفسوق، فسق، كنصر، وضرب، وكرم، فِسقًا، وفسوقاً، وإنه لفسق: خروج عن الحقّ، وفَسَقَ عن أمر ربّه: جار، والرُّطَبَة عن قشرها: خرجت، كانفسقت. قيل: ومنه الفاسق؛ لانسلاخه عن الخير، والفويسقة: الفأرة؛ لخروجها من جُحْرها على الناس انتهى (٢). وإنما صرّح بنفي الفسق في الحجّ، مع كونه ممنوعًا في كلّ حال، وفي كلّ حين؛ لزيادة التقبيح، والتشنيع، ولزيادة تأكيد النهي عنه في الحجّ، وللتنبيه على أن الحجّ أبعد الأعمال عن الفسق. واللَّه تعالى أعلم. (رَجَعَ) أي صار، أو رجع من ذنوبه، أو حجته، أو فرغ من أعمال الحجّ، وحَملُهُ على معنى رجع إلى بيته بعيد. قاله السنديّ (كَمَا وَلَدَتْهُ أمُّهُ) "ما" مصدريّة، فيكون المعنى على حذف مضاف، أي كحال ولادة أمه له، يعني أنه لا شيء عليه من الذنوب. وفي نسخة: "كيوم ولدته أمه". وفي رواية أحمد، والدارقطنيّ: "رجع كهيئته يوم ولدته أمه". أي بغير ذنب مشابها لنفسه يوم ولدته أمه، إذ لا معنى لتشبيه الشخص باليوم. أفاده السنديّ. وظاهر الحديث غفران الصغائر والكبائر، والتَّبِعَات، وهو من أقوى الشواهد لحديث العبّاس بن مِرْداس المصرّح بذلك، وله شاهد من حديث ابن عمر في "تفسير الطبريّ". وإليه ذهب القرطبيّ، وعياضٌ، لكن قال الطبريّ: هو محمول بالنسبة إلى المظالم على من تاب، وعجز عن وفائها. وقوله: "فلم يرفث"، والواو في قوله: "ولم يفسق" عطف على الشرط في قوله: "من حجّ"، وجوابه "رجع"، والجارّ والمجرور خبر له. ويحتمل أن يكون حالاً، أي

стр. 12415

صار مشابهًا لنفسه في البراءة عن الذنوب في يوم ولدته أمه. وقوله: "كيوم ولدته" يجوز بناء "يوم" على الفتح؛ لإضافته إلى جملة، ويجوز إعرابه، فيكون مجرورًا بالكسرة، كما قال ابن مالك في "خلاصته": وَابْنِ أَوَ اعرِابْ مَا كَإذْ قَدْ أُجْرِيَا … وَاخْتَر بِنَا مَتْلُوٍّ فِعْلِ بُنِيَا وَقَبلَ فِعْلِ مُعْرَبٍ أَو مُبتَدَا … أَعْرِبْ وَمَنْ بَنَى فَلَنْ يُفَنَّدَا قال الحافظ: وذكر لنا بعض الناس أن الطيبيّ أفاد أن الحديث إنما لم يُذكر فيه الجدال كما ذُكر في الآية على طريقة الاكتفاء بذكر البعض، وترك ما دلّ عليه ما ذُكر. ويحتمل أن يقال: إن ذلك يختلف بالقصد؛ لأن وجوده لا يؤثّر في ترك مغفرة ذنوب الحاجّ إذا كان المراد به المجادلة في أحكام الحجّ فيما يظهر من الأدلّة، أو المجادلة بطريق التعميم، فلا يؤثّر أيضًا، فإن الفاحش منها داخل في عموم الرفث، والحسن منها ظاهر في عدم التأثير، والمستوي الطرفين لا يؤثّر أيضًا انتهى (١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٤٢٦٢٧ - وفي "الكبرى" ٤/ ٣٦٠٦. وأخرجه (خ) في "الحجّ" ١٥٢١ و ١٨١٩ و ١٨٢٠ (م) ١٣٥٠ (ت) في "الحجّ" ٨١١ (ق) في "المناسك" ٢٨٨٩ (أحمد) في "باقي مسند المكثرين" ٧٠٩٦ و ٧٣٣٤ و ٩٠٥٦ و ٩٩٠٤ و ١٠٠٣٧ (الدارمي) في "المناسك" ١٧٩٦. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان فضل الحجّ (ومنها): أن الحجّ المستوفي للشروط المذكورة في هذا الحديث مكفّرٌ للذنوب، كبائرها، وصغائرها (ومنها): أن الفسوق، وإن كانت ممنوعة في جميع حالات العبد، إلا أن ذلك يتأكّد في حالة الحجّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٦٢٨ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ, قَالَ: أَنْبَأَنَا جَرِيرٌ, عَنْ حَبِيبٍ -وَهُوَ ابْنُ أَبِي عَمْرَةَ - عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ, قَالَتْ: أَخْبَرَتْنِي أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ, قَالَتْ: قُلْتُ: يَا

стр. 12416

رَسُولَ اللَّهِ, أَلَا نَخْرُجُ, فَنُجَاهِدَ مَعَكَ؟ , فَإِنِّي لَا أَرَى عَمَلاً فِي الْقُرْآنِ, أَفْضَلَ مِنَ الْجِهَادِ, قَالَ: «لَا وَلَكُنَّ أَحْسَنُ الْجِهَادِ, وَأَجْمَلُهُ حَجُّ الْبَيْتِ, حَجٌّ مَبْرُورٌ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إسحاق بن إبراهيم) بن راهويه المروزي، نزيل نيسابور، ثقة ثبت إمام [١٠] ٢/ ٢. ٢ - (جرير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبي، أبو عبد اللَّه الكوفي، نزيل الري وقاضيها، ثقة ثبت صحيح الكتاب [٨] ٢/ ٢. ٣ - (حبيب بن أبي عمرة) القَصّاب، بيّاع القصب، ويقال: اللحّام، أبي عبد اللَّه الِحمّانيّ -بكسر المهملة- مولاهم، الكوفيّ، ثقة [٦]. قال يحيى بن المغيرة الرازيّ، عن جرير بن عبد الحميد: كان ثقة، وكان من اللحّامين. وقال ابن معين، والنسائيّ: ثقة. وقال أحمد: شيخٌ ثقة. وقال أبو حاتم: صالح. وقال يعقوب بن سفيان: لا بأس به. وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. وقال البخاريّ، عن عليّ: له نحو خمسة عشر حديثًا. مات سنة (١٤٢). روى له الجماعة، سوى أبي داود، فروى له في "الناسخ والمنسوخ". وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط برقم ٢٦٢٨ و ٥٥٤٨ وأعاده برقم ٥٥٤٩ وحديث ٥٥٥٩ وحديث ٥٥٧٥ وأعاده برقم ٥٥٧٦. ٤ - (عائشة بنت طدحة) بن عبيد اللَّه التمية، عمران، كانت فائقة الجمال، ثقة [٣] ٥٦/ ١٩٤٧. ٥ - (عائشة أم المؤمنين) - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥ واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف ﵀، وأن رجاله رجال الجماعة، وفيه عائشة ﵂ من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَائِشَةَ بتتِ طَلْحَةَ) بن عبيد اللَّه التيميّة أنها (قَالَتْ: أَخبَرَتْنِي أُمُ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا نَخْرُجُ) أي إلى الجهاد (فَنُجَاهِدَ مَعَكَ؟) بالنصب بـ "أن" مضمرة وجوبًا بعد الفاء السببية في جواب العرض، كما قال في "الخلاصة": وَبَعْدَ فَا جَوَابٍ نَفْيٍ أَو طَلَبْ … مَحْضَيْنِ "أَنْ" وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ (فَإنَّي لَا أَرَى عَمَلاً فِي القُرآنِ، أَفْضَلَ مِنَ الْجِهَادِ) أي لكثرة ما يُذكر فيه من الثواب

стр. 12417

(قَالَ) ﷺ (لَا) أي لا تخرجن معي إلى الجهاد، وإن كان فضله أكثر من غيره من الأعمال؛ لأن ذلك في حقّ الرجال، لا في حقّكنّ. (وَلَكُنَّ أَفضلُ الْجِهَادِ) وفي نسخة: "أحسن الجهاد". قال في "الفتح": اختلف في ضبط "لكن"، فالأكثر بضم الكاف خطابًا للنسوة. قال القابسيّ: وهو الذي تميل إليه نفسي. وفي رواية الحمّويّ: "لَكِن" بكسر الكاف، وزيادة ألف قبلها، بلفظ الاستدراك، والأول أكثر فائدة؛ لأنه يشتمل على إثبات فضل الحجّ، وعلى جواب سؤالها عن الجهاد، وسمّاه جهادًا؛ لما فيه من مجاهدة النفس. فقوله: "لكنّ" على الأول جارّ ومجرور خبر مقدّم، و"أفضل الجهاد" مبتدأ مؤخّر، و (أجمله) عطف عليه، وعلى الثاني فهو بتخفيف النون، أو تشديدها حرف استدراك، و"أفضل" مبتدأ خبره قوله (حَجُّ الْبَيْتِ) وقوله (حَجُّ مَبْرُورٌ) بدل منه. والحديث أخرجه البخاريُّ بألفاظ، ففي "باب جهاد النساء"، من "كتاب الجهاد والسير": قالت استأذنت النبيّ ﷺ في الجهاد، فقال: "جهادكنّ الحجّ". وفي رواية له في الباب المذكور: سأله أزواجه عن الجهاد؟، فقال: "نعم الجهاد الحجّ". ورواه في "باب فضل الحجّ المبرور" من أوائل "كتاب الحجّ"، وأول "الجهاد" بلفظ: قالت: يا رسول اللَّه نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟ قال: "لكن أفضل الجهاد حجّ مبرور"، ورواه بنحوه أيضًا في "باب حجّ النساء"، وزاد: "فقالت عائشة: فلا أدع الحجّ بعد إذ سمعت هذا من رسول اللَّه ﷺ ". وراه ابن ماجه بلفظ: قلت: يا رسول اللَّه على النساء جهاد؟ قال: نعم، جهاد لا قتال فيه، الحجّ والعمرة". وفي رواية للبيهقيّ: قالت: استأذنه نساؤه في الجهاد، فقال ﷺ : "يكفيكنّ الحجّ، أو جهادكنّ الحجّ". قال ابن بطّال: دلّ حديث عائشة على أن الجهاد غير واجب على النساء، وأنهنّ غير داخلات في قوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١]، وهو إجماع، ولكن ليس في قوله: " جهادكنّ الحجّ" أنه ليس لهنّ أن يتطوّعن بالجهاد، وإنما فيه أن الحجّ أفضل لهنّ، وإنما لم يكن الجهاد عليهنّ واجبًا؛ لما فيه من مغايرة المطلوب منهنّ من الستر، ومجانبة الرجال، والحجُّ يمكنهنّ فيه مجانبة الرجال، والاستتار، فلذلك كان الحجّ أفضل لهنّ من الجهاد. قال: وزعم بعض من ينتقص عائشة في قصّة الجمل أن قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣] يقتضي تحريم السفر عليهنّ. قال: وهذا الحديث يردّ عليهم؛ لأنه قال: "لكن أفضل الجهاد"، فدلّ على أن لهنّ جهادًا غير الحجّ، والحج أفضل منه انتهى. قال الحافظ: ويحتمل أن يكون المراد بقوله: "لا" في جواب قولهنّ "ألا نخرج، فنجاهد معك؟ " أي ليس واجبًا عليكنّ، كما وجب على الرجال، ولم يرد بذلك تحريمه

стр. 12418

عليهنّ، فقد ثبت في حديث أم عطيّة أنهنّ كنّ يخرجن، فيداوين الجرحى. وفهمت عائشة، ومن وافقها من هذا الترغيب في الحجّ إباحة تكريره كما أبيح للرجال تكرير الجهاد، وخصّ به عموم قوله في حديث أبي واقد عند أحمد، وأبي داود، وغيرهما: "هذه، ثم ظهور الحُصُر"، وقوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾، وكان عمر متوقّفًا في ذلك، ثم ظهر له قوّة دليلها، فأذن لهنّ في آخر خلافته، ثم كان عثمان بعدُ يحجّ بهنّ في خلافته أيضًا، وقد وقف بعضهنّ عند ظاهر النهي. (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث أبي واقد الليثيّ المشار إليه أخرجه أحمد، وغيره، ونصه عند أحمد: حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن زيد بن أسلم، عن واقد بن أبي واقد الليثي، عن أبيه، أن النبي ﷺ ، قال لنسائه، في حجته: "هذه، ثم ظُهُور الْحُصُر" (٢). وأخرجه أيضًا من طريق صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه ﷺ ، قال لنسائه، عام حجة الوداع: "هذه، ثم ظهور الحصر، قال: فكن كلهن يحججن، إلا زينب بنت جحش، وسودة بنت زمعة، وكانتا تقولان: واللَّه لا تحركنا دابة، بعد أن سمعنا ذلك من النبي ﷺ . وفي رواية: قالتا: واللَّه لا تحركنا دابة، بعد قول رسول اللَّه ﷺ : "هذه، ثم ظهور الحصر" انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا أخرجه البخاريّ. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٤/ ٢٦٢٨ - وفي "الكبرى" ٤/ ٣٦٠٧. وأخرجه (خ) في "الحجّ" ١٥٢٠ و ١٨٦١ (ق) في "المناسك" ٢٩٠١. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (ومنها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان فضل الحجّ (ومنها): أن الحجّ للنساء أفضل من الجهاد في سبيل اللَّه تعالى (ومنها): ما قاله البيهقيّ -رحمه اللَّه تعالى-: هذا دليل على أن المراد بحيث أبي واقد - رضي اللَّه تعالى عنه -يعني قوله: "هذه، ثم ظهور الحصر"- وجوب الحجّ عليهنّ مرّة واحدة كما بيّن وجوبه على الرجال مرّة، لا المنع من

стр. 12419

الزيادة انتهى (ومنها): أن الأمر بالقرار في البيوت في قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ ليس على سبيل الوجوب. كذا قيل، لكن الذي يظهر أن الأمر للوجوب، لكن المراد به عدم الخروج متبرجات تبرج الجاهليّة، بدليل قوله: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾، فإذا خرجن محتجبات، غير متبرّجات بزينتهنّ، فلا منع عليهنّ. واللَّه تعالى أعلم. (ومنها): أنه يدلّ على جواز خروجهن للجهاد مع محارمهنّ؛ لقوله: "لكنّ أفضل الجهاد"، فإنه يدلّ على جواز الجهاد لهن, لأن ثبوت الأفضليّة للشيء على الشيء يستلزم ثبوت الفضل لعكسه. ويؤيّد ذلك حديث أم عطيّة - رضي اللَّه تعالى عنها - المتّفق عليه: "كنا نُداوي الكَلْمَى، ونقوم على المرضى". واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب". … ٥ - (فَضْلِ الْعُمْرَةِ) ٢٦٢٩ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ,,, بْنُ سَعِيدٍ, عَنْ مَالِكٍ, عَنْ سُمَيٍّ, عَنْ أَبِي صَالِحٍ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ,,, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ, كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا, وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ, لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلاَّ الْجَنَّةُ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متّفق عليه، وقد تقدّم للمصنّف قبل باب -٣/ ٢٦٢٢ - وقد استوفيت شرحه، والكلام على مسائله هناك، وباللَه تعالى التوفيق. ودلالته على الترجمة واضحة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب". … ٦ - (فَضْلِ الْمُتَابَعَةِ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ) ٢٦٣٠ - (أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَتَّابٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ, عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ, قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ,

стр. 12420

فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ, كَمَا يَنْفِى الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه أبي داود سليمان بن سيف الحرّانيّ، فإنه من أفراده، وهو ثقة حافظ [١١] ١٠٣/ ١٣٦. وكلهم تقدّموا غير: ١ - (عزرة بن ثابت) بن أبي زيد بن أخطب الأنصاريّ البصريّ، ثقة [٧]. قال ابن معين، وأبو داود، والنسائيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس به. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: ثقة متقنٌ. وقال يعقوب بن سفيان: لا بأس به. روى له الجماعة، سوى أبي داود، فروى له في "القدر" وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط برقم ٢٦٣٠ و ٥٢٤٢ و ٥٢٥٨ .. و"أبو عتّاب": هو سهل بن حمّاد الدّلّال البصريّ، صدوق. [٩] ١٠٣/ ١٣٦. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ) أبي محمد الأثرم الْجُمَحيّ مولاهم المكيّ الثقة الثبت [٤] ١١٢/ ١٥٤ أنه (قَالَ: قَالَ ابْنُ عَباسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ" أي أوقعوا المتابعة بينهما، بأن تجعلوا كُلاًّ منهما تابعًا للآخر. وقال السنديّ: أي اجعلوا أحدهما تابعاً للآخر واقعًا على عقبه، أي إذا حججتم، فاعتمروا، وإذا اعتمرتم، فحُجُّوا، فإنهما متتابعان (١). وقال الحفنيّ: أي ائتوا بهما متتابعين من غير طول فصل جدًّا, وليس المراد بالمتابعة تعاقبهما من غير فاصل، بل المراد كون الثاني بعد الأول بدون فاصل كبير، بحيث يُنسب للأول عرفًا. وقال المحبّ الطبريّ: يجوز أن يراد به التتابع المشار إليه في قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾، فيأتّى بكلّ من النسكين عقب الآخر، بحيث لا يتخلّل بينهما زمان يصحّ إيقاع الثاني فيه، وهو الظاهر من لفظ المتابعة. ويحتمل أن يراد إتباع أحدهما الآخرَ، ولو تخلّل بينهما زمان، بحيث يظهر مع ذلك الاهتمامُ بهما، ويُطلق عليه عرفًا أنه رَدِفَه، وتَبِعه. وهذا الاحتمال أظهر؛ إذ القصد الاهتمام بهما، وعدم الإهمال، وذلك يحصل بما ذكرناه، وسواء تقدّمت العمرة، أو تأخّرت؛ لأن اللفظ يصدق على الحالين انتهى (٢).

стр. 12421

قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الاحتمال الثاني هو الأرجح عندي، كما استظهره المحب الطبري -رحمه اللَّه تعالى-. واللَّه تعالى أعلم. (فَإنَّهُمَا) أي الحجّ والعمرة المتتابعين (يَنْفِيَانِ الفَقْرَ) أي يزيلان الفقر الظاهر بحصول غنى اَليد، والفقر الباطن بحصول غنى القلب (وَالذنُوبَ) أي يمحوانه، وفي حديث عامر بن ربيعة عند أحمد: "فإن متابعةٌ بينهما تنفي الفقر والذنوب"، وفي سنده عاصم ابن عبيد اللَّه، وهو ضعيف. وفي أخرى له، وللطبرانيّ في "الكبير": "فإن متابعة بينهما تزيد في العمر، والرزق، وتنفيان الفقر، والذنوب"، وفي السند عاصم المذكور أيضًا. قيل: المراد بالذنوب الصغائر، لكن يأباه قوله (كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ) بكسر الكاف: زِقٌّ، أو جلد غليظ ذوحافات. وقال ابن سيده: الكبير: الزقّ الذي ينفخ فيه الحدَّاد، والجمع أَكْيار، وكِيَرة. أفاده في "اللسان". وقال في "المرعاة": هو ما يَنفُخُ فيه الحدّاد من الزّقّ، أو الجلد؛ لإشعال النار للتصفية، وأما الموضع الذي يوقد فيه الفحم من حانوت الحدّاد فهو الكُور بضم الكاف. وقيل: بالعكس. وقيل: لا فرق بينهما (١) وقال السنديّ: كِير الحدّاد المبنيّ من الطين. وقيل: زقّ ينفخ به النار، فالمبنيّ من الطين كُور. والظاهر أن المراد ههنا نفس النار على الأول، ونفخها على الثاني انتهى (٢) (خَبَثَ الْحَدِيدِ) بفتحتين، ويُروى بضمّ، فسكون: هو الوسخ، والرديء الخبيث. وفي حديث ابن مسعود الآتي بعد هذا: "كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضّة". شبّه متابعة الحجّ والعمرة في إزالة الذنوب بإزالة النار خبث الحديد؛ لأن الإنسان مركوز في جِبلّته القوّة الشهويّة، والغضبيّة، محتاج لرياضةٍ تزيلها، والحجُّ جامع لأنواع الرياضات، مَن إنفاق المال، وجهد النفس بالجوع، والظمأ، والسهر، واقتحام المهالك، ومفارقة الوطن، ومهاجرة الإخوان، والخلاّن، وغير ذلك. والحديث استدلّ به من قال بوجوب العمرة، فإن ظاهره التسوية بينهما. وفيه أن هذا استدلال بمجرّد اقتران العمرة بالحجّ، وهو لا يكون دليلاً على وجوبها, لما تقرّر في الأصول من ضعف دلالة الاقتران. لكن تقدّم أن أدلّة وجوب العمرة أقوى، فالقول بوجوبها هو الأرجح، فراجع ما تقدّم في باب "وجوب العمرة" -٢/ ٢٦٢١ - . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا

стр. 12422

صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا -٦/ ٢٦٣٠ - وفي "الكبرى" ٥/ ٣٦٠٩. وفوائده تأتي في مسائل الحديث التالي، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى وليّ التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٦٣١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَيَّانَ, أَبُو خَالِدٍ, عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ, عَنْ عَاصِمٍ, عَنْ شَقِيقٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ, فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ, كَمَا يَنْفِى الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ, وَلَيْسَ لِلْحَجِّ الْمَبْرُورِ ثَوَابٌ دُونَ الْجَنَّةِ»). قالَ الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، "محمد بن يحيى بن أيوب" بن إبراهيم الثقفيّ، أبي يحيى المروزيّ القصريّ المعلّم، ثقة حافظ [١٠] ١٦٢/ ٢٥٤, فقد انفرد به هو والترمذيّ. و"سليمان بن حيّان، أبو خالد": هو الأحمر الكوفيّ، صدوق يخطئ [٨] ٣٠/ ٩٢١. و"عمرو بن قيس": هو المُلائيّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقة متقن عابد [٦] ٩٢/ ١٣٤٩. و"عاصم": هو ابن بَهْدَلة، المعروف بابن أبي النَّجُود المقرئ المشهور الكوفيّ، صدوق له أوهام، حجة في القراءة، وحديثه في "الصحيحين" مقرون بغيره [٦] ٢٠/ ١٢٢١. و"شقيق": هو ابن سلمة أبو وائل التابعي الكبير الحجة المشهور. و"عبد اللَّه": هو ابن مسعود الصحابيّ الجديل - رضي اللَّه تعالى عنه -. وشرح الحديث تقدّم في الذي قبله. وقوله: "وليس للحج المبرور ثواب دون الجنّة" -أي سوى الجنّة- تقدّم شرحه في -٣/ ٢٦٢٢ - فراجعه تستفد، واللَّه تعالى وليّ التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد اللَّه بن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٦/ ٢٦٣١ - وفي "الكبرى" ٦/ ٣٦١٠. وأخرجه (ت) في "الحجّ" ٨١٠ (أحمد) في "مسند المكثرين" ٣٦٦٠. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو فضل المتابعة بين الحجّ والعمرة (ومنها): أن المتابعة بينهما سبب لإزالة الفقر الظاهر والباطن (ومنها): أنه سبب

стр. 12423

لمحو الذنوب جميعًا (ومنها): جواز تشبيه الشيء الغائب المعقول بالشاهد المحسوس؛ زيادة في البيان والتوضيح (ومنها): بيان فضل الحجّ المبرور، وهو دخول الجنّة، وهو الفوز العظيم، ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ اللهم اجعلنا ممن يفوز بدخول الجنّة برحمتك يا أرحم الراحمين آمين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب". … ٧ - باب الْحَجِّ عَنِ الْمَيِّتِ الَّذِي نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ ٢٦٣٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ, عَنْ أَبِي بِشْرٍ, قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ, يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, أَنَّ امْرَأَةً نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ, فَمَاتَتْ, فَأَتَى أَخُوهَا النَّبِيَّ ﷺ , فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ؟ , فَقَالَ: «أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أُخْتِكَ دَيْنٌ, أَكُنْتَ قَاضِيَهُ؟» , قَالَ: نَعَمْ, قَالَ: «فَاقْضُوا اللَّهَ, فَهُوَ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن بشار) بُنْدَار، أبو بكر العبدي البصري، ثقة حافظ [١٠] ٢٤/ ٢٧. ٢ - (محمد) بن جعفر غُنْدَر، أبو عبد اللَّه البصري، ثقة صحيح الكتاب [٩] ٢١/ ٢٢. ٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة المشهور [٧] ٢٤/ ٢٧. ٤ - (أبو بشر) جعفر بن أبي وحشية إياس البصري، ثم الواسطي، ثقة من أثبت الناس في سعيد بن جبير [٥] ١٣/ ٥٢٠. ٥ - (سعيد بن جبير) الأسديّ مولاهم الكوفي، ثقة ثبت فقيه [٣] ٢٨/ ٤٣٦. ٦ - (ابن عباس) عبد اللَّه البحر الحبر ﵄ ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وأن رجاله كلهم رجال الصحيح، وأن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستة بلا واسطة، وأن فيه رواية تابعي عن تابعي، وفيه ابن عباس ﵄ من المكثرين السبعة، والعبادلة الأربعة، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 12424

شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ امْرَأَة نَذَرَتْ أَنْ تحُجَّ) ولفظ البخاريّ في "الأيمان والنذور" من رواية آدم بن أبي إياس، عن شعبة: "أتى رجلٌ النبيّ ﷺ ، فقال: إن أختي تذرت أن تحجّ، وإنها ماتت … ". هكذا رواية شعبة، عن أبي بشر أن السائل رجل، وأن التي نذرت أخته، وخالفه في ذلك أبو عوانة، عن أبي بشر، فجعل السائلة امرأة من جهينة، والتي نذرت أمها, ولفظه عند البخاريّ في "الحجّ": "أن امرأة من جهينة، جاءت إلى النبيّ ﷺ ، فقالت: إن أمي نذرت أن تحجّ، فلم تحجّ حتى ماتت، أفاحجّ عنها؟ … ". قال في "الفتح": كذا رواه أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، من رواية أبي عوانة، عنه، وسيأتي في "النذور" من طريق شعبة، عن أبي بشر، بلفظ: "أتى رجل النبيّ ﷺ ، فقال له: إن أختي نذرت أن تحجّ، وأنها ماتت"، فإن كان محفوظًا احتمل أن يكون كلٌّ منهما سأل، الأخ سأل عن أخته، والبنت سألت عن أمها، وثبت في "الصيام" من طريق أخرى عن سعيد بن جبير، بلفظ: "قالت امرأة: إن أمي ماتت، وعليها صوم شهر … ". قال: وزعم بعض المخالفين أنه اضطرابٌ، يُعَلّ به الحديث، وليس كما قال، فإنه محمولٌ على أن المرأة سألت عن كلّ من الصوم، والحجّ،، ويدلّ عليه ما رواه مسلم عن بُريدة: أن امرأة قالت: يا رسول اللَّه إني تصدّقت على أمي بجارية، وإنها ماتت؟، قال: "وجب أجرك، وردّها عليك الميراث"، قالت: إنه كان عليها صوم شهر، أفأصوم عنها؟، قال: "صومي عنها"، قالت: إنها لم تحجّ، أفأحجّ عنها؟، قال: "حجي عنها". وللسؤال عن قلّة الحجّ من حديث ابن عبّاس أصلٌ آخر، أخرجه النسائيّ، من طريق سليمان بن يسار، عنه. -يعني الحديث الثاني في الباب التالي-. وله شاهد من حديث أنس، عند البزّار، والطبرانيّ، والدارقطنيّ انتهى ما في "الفتح" ببعض تصرّف (١). [تنبيه]: قال في "الفتح" عند قوله: "أن امرأة من جهينة": ما نصّه: لم أقف على اسمها, ولا على اسم أبيها, لكن روى ابن وهب، عن عثمان بن عطاء الخراسانيّ، عن أبيه: أن غايثة، أو غاثية، أتت النبيّ ﷺ ، فقالت: إن أمي ماتت، وعليها نذر أن تمشي إلى الكعبة، فقال: "اقض عنها". أخرجه ابن منده في حرف الغين المعجمة من الصحابيّات، وتردّد هل هي بتقديم المثناة التحتانيّة على المثلّثة، أو بالعكس. وجزم ابن

стр. 12425

طاهر في "المبهمات" بأنه اسم الجهنيّة المذكورة في حديث الباب. وقد روى النسائيّ، وابن خزيمة، وأحمد من طريق موسى بن سلمة الْهُذليّ، عن ابن عباس، قال: "أمرت امرأة سنان بن عبد اللَّه الجهنيّ أن يسال رسول اللَّه ﷺ عن أمها توفيت، ولم تحُجّ … " الحديث، لفظ أحمد. ووقع عند النسائيّ "سنان بن سلمة"، والأول أصحّ. وهذا لا يفسّر به المبهم في حديث الباب أن المرأة سألت بنفسها، وفي هذا أن زوجها سأل لها. ويمكن الجمع بأن يكون نسبة السؤال إليها مجازيّة، وإنما الذي تولّى لها السؤال زوجها، وغايته أنه في هذه الرواية لم يصرّح بأن الحجة المسؤول عنها كانت نذرًا. وأما ما روى ابن ماجه من طريق محمد بن كريب، عن أبيه، عن ابن عبّاس، عن سنان بن عبد اللَّه الجهنيّ أن عمّته حدّثته أنها أتت النبيّ ﷺ ، فقالت: إن أمي توفّيت، وعليها مشي إلى الكعبة نذرًا … " الحديث. فإن كان محفوظًا حُمل على واقعتين بأن تكون امرأته سألت على لسانه عن حجة أمها المفروضة، وباْن تكون عمته سألت بنفسها عن حجة أمها المنذورة، ويفسّر من في حديث الباب بأنها عمة سنان، واسمها غايثة، كما تقدّم، ولم تسمّ المرأة، ولا العمّة، ولا أمّ واحدة منهما انتهى ما في "الفتح" (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ظاهر تصرف المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- أنه يرى تعدد القصّتين، حيث ترجم بقوله: "الحجّ عن الميت الذي نذر أن يحجّ"، وأورد حديث ابن عناس في قصّة المرأة التي نذرت، ثم ترجم بقوله: "الحجّ عن الذي لم يحجّ"، فأورد حديثه في التي ماتت، ولم تحُجّ"، فجعل الباب الأول للحجّ عمن مات بعد النذر، والباب الثاني عمن مات، ولم ينذر، وصنيعه هو الظاهر. والحاصل أن القصّتين مختلفتان، ولا مانع من ذلك. واللَّه تعالى أعلم. (فَمَاتَتْ، فَاتى أخُوهَا النَّبِيَّ ﷺ ، فَسَألَهُ) أشار الحافظ إلى ترجيح كون السائل امرأة، في "كتاب الأيمان والنذور" من "الفتح"، فراجعه في ١٣/ ٤٤٥. واللَّه تعالى أعلم. (عَنْ ذلِكَ؟) أي عن قضاء ما نذرت به، وماتت قبل الوفاء بنذهار (فَقَالَ) ﷺ (أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أُخْتِكَ دَيْنٌ) فيه مشروعية القياس، وضرب المثل؛ ليكون أوضح، وأوقع في نفس السامع، وأقرب إلى سرعة فهمه (أكُنْتَ قَاضِيَهُ؟) أي الدين (قَالَ) الرجل (نَعَمْ)

стр. 12426

أي أقضيه (قَالَ) ﷺ (فَاقْضُوا اللَّه) أي أدّوا إليه ما وجب علكيم من حقّه (فَهُوَ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ) الفاء تعليليّة؛ لأنه أحقّ بالوفاء من غيره. قال الطيبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: في الحديث إشعارٌ بأن المسؤول عنه خلف مالاً، فأخبره النبيّ ﷺ -أن حقّ اللَّه مقدّم على حقّ العباد، وأوجب عليه الحجّ عنه، والجامع علّة المالية. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: ولم يتحتّم في الجواب المذكور أن يكون خلف مالاً كما زعم؛ لأن قوله: "أكنت قاضيه" أعمّ من أن يكون المراد مما خلفه، أو تبرّعًا انتهى (١). وهو تعقُّبٌ جيّد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه البخاريّ. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٧/ ٢٦٣٢ و ٨/ ٢٦٣٣ - وفي "الكبرى" ٧/ ٣٦١٢ و ٨/ ٣٦١٣. وأخرجه (خ) في "الحجّ" ١٨٥٢ و"الأيمان والنذور" ٦٦٩٩ و"الاعتصام بالكتاب والسنّة" ٧٣١٥ (أحمد) في "مسند بني هاشم" ٢١٤١ و ٢٥١٤. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو جواز الحجّ عن الميت الذي نذر أن يحجّ، ثم مات قبل الوفاء بنذره، وفيه اختلاف بين أهل العلم، فروى سعيد بن منصور وغيره، عن ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - بإسناد صحيح: لا يحجّ أحد عن أحد، ونحوه عن مالك، والليث، وعن مالك أيضًا إن أوصى بذلك، فليحجّ عنه، وإلا فلا، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): صحّة نذر الحجّ ممن لم يحجّ، فإذا حجّ أجزأه عن حجة الإسلام عند الجمهور، وعليه الحجّ عن النذر. وقيل: يجزئ عن النذر، ويحجّ حجة الإسلام. وقيل: يُجزىء عنهما (٢). (ومنها): إثبات القياس (ومنها): تشبيه ما اختُلف فيه، وأشكل بما اتُّفِقَ عليه

стр. 12427

(ومنها): أنه يستحبّ للمفتي التنبيه على وجه الدليل، إذا ترتّب على ذلك مصلحة، وهو أطيب لنفس المستفتي، وأدعى لإذعانه (ومنها): أن وفاء الدين الماليّ كان معلومًا عندهم، مقرّرًا, ولهذا حَسُن الإلحاق به (ومنها): أن من مات، وعليه حجّ وجب على وليّه أن يجهّز من يحُجّ عنه من رأس ماله، كما أن عليه قضاء ديونه، فقد أجمعوا على أن دين الآدميّ من رأس المال، فكذلك ما شُبّه به في القضاء. ويلتحق بالحجّ كلّ حقّ ثبت في ذمّته، من كفّارة، أو نذر، أو زكاة، أو غير ذلك (ومنها): أن في قوله: "فاللَّه أحقّ بالوفاء" دليلٌ على أنه مقدّم على دين الآدميّ، وهو أحد أقوال الشافعيّ. وقيل: بالعكس. وقيل: هما سواء. (ومنها): أن الحديث دليلٌ لقول الجمهور بأن من ترك الصلاة عامدًا يجب عليه قضاؤها، ووجه ذلك أن ذلك التارك عليه دين للَّه تعالى، يطالبه به، ويعاقبه عليه، فإذا كان دينًا وجب الوفاء به، كسائر الديون التي تلزمه للآدمين، كما إذا أتلف مالاً، أو غصب، أو أودعه شخصٌ، فأفرط فيه، ونحو ذلك، بل هذا ألزم بالوفاء، لصريح قوله ﷺ : "فاللَّه أحقّ بالوفاء"، وفي رواية أخرى: "فدين اللَّه أحقّ بالوفاء". والحاصل أن وجوب قضاء الصلاة على من تركها عامدًا هو الأرجح، وقد تقدّم تمام البحث فيه في "كتاب الصلاة" في باب "فيمن نسي صلاة" -٥٢/ ٦١٣ - فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الحجّ عن الميت: قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- في "شرح المهذب": مذهب الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى- المشهور أنه إذا مات، وعليه حجّ الإسلام، أو قضاء، أو نذر، وجب قضاؤها من تركته، أوصى بها، أم لم يوص. قال ابن المنذر: وبه قال عطاء، وابن سيرين، وروي عن أبي هريرة، وابن عبّاس، وهو قول أبي حنيفة، وأبي ثور، وابن المنذر. وقال النخعيّ، وابن أبي ذئب: لا يحُجّ أحدٌ عن أحد. وقال مالك: إذا لم يوص به يتطوّع عنه بغير الحجّ، ويُهدى عنه، أو يتصدّق، أو يُعتق عنه انتهى كلام النوويّ (١). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: المذهب الأول هو الأرحج؛ لقوّة دليله، كحديث الباب، وغيره. وقد تكلّم ابن حزم في هذه المسألة، ورجّح القول بالوجوب، وفنّد

стр. 12428

القول الثاني بما لا تراه في كتب غيره، فراجع "المحلّى" -٧/ ٥٣ - ٦٢. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب". … ٨ - باب الْحَجِّ عَنِ الْمَيِّتِ الَّذِي لَمْ يَحُجَّ ٢٦٣٣ - (أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو التَّيَّاحِ, قَالَ: حَدَّثَنِي (١) مُوسَى بْنُ سَلَمَةَ الْهُذَلِيُّ, أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: أَمَرَتِ امْرَأَةُ سِنَانَ بْنِ سَلَمَةَ الْجُهَنِيِّ, أَنْ يَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , أَنَّ أُمَّهَا مَاتَتْ, وَلَمْ تَحُجَّ, أَفَيُجْزِئُ عَنْ أُمِّهَا, أَنْ تَحُجَّ عَنْهَا؟ , قَالَ: «نَعَمْ, لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّهَا دَيْنٌ, فَقَضَتْهُ عَنْهَا, أَلَمْ يَكُنْ يُجْزِئُ عَنْهَا؟ , فَلْتَحُجَّ عَنْ أُمِّهَا»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه "عمران بن موسى" القزّاز البصريّ، وهو ثقة، فإنه من رجال الأربعة، غير أبي داود. و"عبدُ الوارث": هو ابن سعيد البصريّ. و"أبو التيّاح": هو يزيد بن حُميد الضُّبَعيّ البصريّ. و"موسى بن سلمة الْهُذليّ": هو البصريّ الثقة [٤] ٢/ ١٤٤٣. والسند مسلسل بالبصريين، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، أبو التيّاح، عن موسى بن سلمة. [تنبيه]: قوله: "امرأة سنان بن سلمة الجهنيّ"، هكذا هو في رواية المصنّف هنا، وفي "الكبرى"، وهو غلط، والصواب: "سنان بن عبد اللَّه الجهنيّ"، كما هو عند أحمد، وابن خزيمة، ولفظ أحمد في "مسنده": ٢٥١٤ - حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا أبو التَّيَّاح، عن موسى بن سلمة، قال: حججت أنا، وسنان بن سلمة، ومع سنان بدنة، فأَزْحَفَت عليه، فَعَيَّ بشأنها، فقلت: لئن قدمت مكة، لأستَبحِثَنَّ عن هذا، قال: فلما قدمنا مكة، قلت: انطلق بنا إلى ابن عباس، فدخلنا عليه، وعنده جارية، وكان لي حاجتان، ولصاحبي

стр. 12429

حاجة، فقال: ألا أُخليك، قلت: لا، فقلت: كانت معي بدنة، فأَزحَفت علينا، فقلت: لئن قدمت مكة، لأستبحثن عن هذا، فقال ابن عباس: بعث رسول اللَّه ﷺ بالبدن، مع فلان، وأمره فيها بأمره، فلما قَفّا رجع، فقال: يا رسول اللَّه، ما أصنع بما أَزحف علي منها؟، قال: انحرها، واصبُغْ نعلها في دمها، واضربه على صفحتها, ولا تأكل منها أنت، ولا أحد من رفقتك"، قال: فقلت له: أكون في هذه المغازي، فأغنم، فأعتق عن أمي، أفيجزئ عنها أن أعتق؟، فقال ابن عباس: أمرت امرأة سنان (١) بن عبد اللَّه الجهني، أن يسأل رسول اللَّه ﷺ ، عن أمها توفيت، ولم تحجج، أيجزئ عنها أن تحج عنها؟، فقال النبي ﷺ : "أرأيت لو كان على أمها دين، فقضته عنها، أكان يجزئ عن أمها؟ "، قال: نعم، قال: "فلتحجّ عن أمها"، وسأله عن ماء البحر؟، فقال: "ماء البحر طهور". وأخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" مختصرًا بنحوه. ولعله وقع في رواية المصنّف اشتباه سنان بن سلمة الذي انطلق مع موسى بن سلمة إلى ابن عبّاس، ليسأله, عن إزحاف بدنته، بسنان بن عبد اللَّه الجهني الذي سأل النبيّ ﷺ لامرأته، فوقع التصحيف، ولا سيّما مع عدم ذكر المصنف قصّة انطلاق الأول إلى ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -. والحاصل أن سنان بن سلمة هو الذي انطلق مع موسى بن سلمة الجهني إلى ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، ليسأله عن إزحاف بدنته، والذي سأل النبيّ ﷺ لامرأته عن أمها التي ماتت، ولم تحجّ، هو سنان بن عبد اللَّه الجهنيّ، وقد نبّه الحافظ على ذلك في كلامه الذي قدّمناه عن "الفتح"، حيث قال: ووقع عند النسائيّ: سنان بن سلمة، والأول أصحّ انتهى، فتفطّن لهذا التنبيه، فإنه دقيق. وشرح الحديث يعلم مما سبق. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح. (المسألة الثانية): في ببان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:

стр. 12430

أخرجه هنا -٨/ ٢٦٣٣ - وفي "الكبرى" ٨/ ٣٦١٣. وأخرجه (أحمد) ٢٥١٤ (ابن خزيمة) ٣٠٣٤. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٦٣٤ - (أَخْبَرَنِي عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَكِيمٍ الأَوْدِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرُّؤَاسِيُّ, قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ, عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ, عَنِ الزُّهْرِيِّ, عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ, عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ , عَنْ أَبِيهَا مَاتَ, وَلَمْ يَحُجَّ؟ , قَالَ: «حُجِّى عَنْ أَبِيكِ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الحديث رجال الصحيح، غير شيخه "عثمان بن عبد اللَّه" بن محمد بن خُرَّزاد، أبي عمرو الشاميّ، ثقة، من صغار [١١] ١١٢/ ١٥٥. فإنه من أفراد المصنّف. و"عليّ بن حكيم"، فقد انفرد به هو، ومسلم. وكلهم تقدّموا، غير واحد، وهو: ١ - (عليّ بن حكيم) بن ذُبيان -بمعجمة، بعدها موحّدة ساكنة، ثم تحتانيّة- الأوديّ، أبو الحسن الكوفيّ، ثقة [١٠]. قال ابن الجنيد، عن ابن معين: ثقة، ليس به بأس. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال الآجريّ، عن أبي داود: صدوق، خرج مع أبي السرايا. وقال ابن قانع: كان ثقة صالحاً. وقال النسائيّ، ومحمد بن عبد اللَّه الحضرميّ: ثقة، مات سنة (٢٣١) في رمضان. روى عنه البخاريّ في "الأدب المفرد"، ومسلم حديثين، وروى له المصنّف، حديث الباب فقط. و"حميد بن عبد الرحمن الرُّؤاسيّ": هو أبو عوف الكوفيّ، ثقة [٨] ٢/ ٤٩٧. وفي السند ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم، عن بعض: أيوب، عن الزهريّ، عن سليمان بن يسار. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عَباسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ امْرَأَةَ) الظاهر أن هذه المرأة غير امرأة سنان عبد اللَّه الجهنيّ السابقة، فإنها سألت عن أمها، وهذه سألت عن أبيها. واللَّه تعالى أعلم (سَألَتِ النَّبِيَّ ﷺ ، عَنْ أَبِيهَا) أي عن حكم الحجّ عن أبيها، وقوله (مَاتَ) جملة في محلّ نصب على الحال، وكذا قوله (وَلَمْ يَحُجَّ؟، قَالَ) ﷺ (حُجَّي عَنْ أَبِيكِ) فيه جواز حجّ المرأة عن الرجل، كعكسه المتقدّم في الباب الماضي، وسيأتي في باب مفرد، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
следующие страницы →